← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

التفسير ١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية. بعد أَن ذكر الله سبحانه استغاثة النبي ﷺ والمؤْمنين بربهم في غزوة بدر، واستجابته لهم، بإِمدادهم بالملائكة للبشرى بالنصر، ولاطمئنان قلوبهم، ذكر منَّةً أُخرى، هي جعله النعاس غالبا عليهم، مغطيا لمشاعرهم، تأْمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم، من الفَرْق العظيم بينهم وبين عدوهم، في العدد والعدة. وإِنما كان النعاس مانعا من الخوف، لأَنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، وكان في الليلة السابقة للقتال، لتستريح أَعصابهم، فيصبحوا مقبلين على المعركة بجد ونشاط، وقد جاء في هذا النعاس عن على بن أبي طالب ﵁ أَنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأَسود ولقد رأَيناه وما فينا إِلا نائم، إلا رسول الله ﷺ ، يصلى تحت شجرة حتى أَصبح. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ .... ﴾ الآية. تحكى هذه الجملة نعمة أُخرى، كان لها شأْن كبير في النصر على المشركين، وكان جيش المسلمين قد نزل بعدوة الوادى القريبة من المدينة، بعيدا عن الماءِ في أَرض رملية وسبخة، أَمّا المشركون فقد نزلوا على ماءِ بدر بالعدوة القصوى في أَرض جلدة، فأَصبح المسلمون لا يجدون الماء ليشربوا ويغتسلوا ويتوضأُوا. فكان هذا الموقف مزرعة لأَحاديث الشيطان النَّفْسِيَّة، المحطمة للعزائم المدمرة للقلوب، فلقد حدثهم أَن العطش سوف يضعف قواهم، ويساعد المشركين في القضاء عليهم، فأَدرك الله المؤمنين بلطفه، وأَنزل عليهم من السماءِ مطرا سال به الوادى، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة الوادى الدنيا، واغتسلوا وتوضأُوا وملأُوا الأَسقية وتلبدت الأَرض السبخة حتى ثبتت عليها الأَقدام، على حين كان المطر كارثة على المشركين، فقد تحولت به أَرضهم الجلدة إلى أَو حال لا يقدرون معها على الحركة في القتال. وبهذه النعمة أَذهب الله عن المسلمين رجز الشيطان ووسوسته وحقق لهم النصر، والمعنى: وينزل عليكم من السماءِ غيثا، لكي يطهركم به من الأَحداث، ومن وعثاءِ السفر، ولكى

стр. 1612

يذهب عنكم وسوسة الشيطان، وليربط على قلوبكم ويشدها بالصبر والطمأْنينة وليثبت به الأَقدام عند لقاءِ المشركين. ١٢ - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أَي واذكر يا محمَّد للمؤمنين نعمة أُخرى أَنعم الله بها عليهم، حين يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى معكم في تثبيتكم للمؤمنين، فثبِّتوا الذين آمنوا لينتصروا على أَعدائهم. واختلفوا في كيفية تثبيت الملائكة للمؤمنين في غزوة بدر الكبرى، فقال جماعة: إِنهم ثبَّتوهم بالبشارة وتكثير عددهم، ونحوهما، مما تقوى به قلوبهم، وتشتد عزائمهم في القتال، فإِن الآية لم تصرح بأُسلوب التثبيت حتى يحمل عليه فيها، ولم يكن تثبيتهم بالقتال معهم، لأَن الملك الواحد كفيل بإِهلاك قريش لو كان يقاتل المشركين مع المؤْمنين، فحيث كان المثبتون من الملائكة أَلفا أَو أَكثر، فلا بد أَن تثبيتهم معنوى لا قتالى، ولذا - قال تعالى -، عقب الأَمر بالتثبيت: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وقد روى أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه، فيقول: أَبشروا فإِن الله ناصركم. وقال آخرون: أُمروا بمحاربة المشركين، وجعلوا قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ تفسيرًا لقوله سبحانه: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ روى أَنهم كانوا يرَوْن رءُوسا تسقط عن الأَعناق من غير ضارب، وروى عن سهل بن حنيف ﵁ قال: لقد رأَيتُنا يوم بدر، وإن أَحدنا ليشير بسيفه إِلى المشرك، فتقع رأْسه عن جسده قبل أَن يصل إِليه السيف. والمتأَمل في هذه الروايات يجدها بلا أَسانيد صحيحة، فلا يمكن التعويل عليها، فالراجح أَن الملائكة لم يقاتلوا، بل كانوا يثبتون المؤمنين بالقول ويكثرون عددهم أَمام العدو، ليُصابُوا بالرعب منهم. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ خطابا للمؤمنين، فكأَنه - تعالى - يقول لهم: سأُلقى في قلوب الذين كفروا الفزع والخوف منكم، لتتمكنوا من إِصابتهم، فاضربوهم فوق الأَعناق، واضربوا منهم كل بنان،

стр. 1613

فلن يقدروا عليكم، والمراد بالضرب فوق الأَعناق، ضربهم في أَعاليها سواء أَكان الضرب في الرقاب أَم في الرءوس، والمراد بضرب كل كان: أَن يضربوا أَصابعهم أَو أَطراف أَبدانهم، كالأيدى والأَرجل، فكل ذلك يطلق عليه كان، حقيقة أَو مجازا. ١٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أَي ذلك الذي تقدم من الجمع بين ضرب الرقاب وضرب الأَطراف، حاصل بسبب أَنهم خالفوا الله ورسوله، ومن يخالف الله ورسوله ويتنكر لدينه، عاقبه الله فإِن الله شديد العقاب وقد عاقبهم الله بذلك في الدنيا، وسوف يعاقبون بأَشد منه في الآخرة، ولذا عقبه - تعالى - بقوله: ١٤ - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾: أَي ذلكم العقاب العاجل في الدنيا فذوقوه، وأَن لكم في الآخرة عذاب النار بسبب كفركم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. المفردات: ﴿زَحْفًا﴾: الزحف في الأَصل مصدر زحف الصبى إِذا دبَّ قليلًا قليلًا وهو جالس، أَو حبا وهو يجُرُّ رجليه، ثم أُطلق على المشى الثقيل المتوالى وعلى الجيش إذا كثر، لأَن حركته بطيئة بالنسبة لحركة الفرد، والمراد به في الآية المعنى الأَخير. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: فلا تديروا ظهوركم لهم، والمقصود نهيهم عن الفرار من قتال العدو بأَية صورة.

стр. 1614

﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: قال في مجمع البيان: التَّحرُّفُ في الأَصل الزوال عن جهة الاستواء إِلى جهة الحرف. اهـ والمقصود من قوله: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ إباحة استدبار العدو والفرار من وجهه لغرض حربى، كالوقوف في موقف أَصلح للقتال، أَو قتال طائفة أُخرى أَهم ممن يلاقونهم. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أَي منحازا ومنضما إلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم. ﴿بَاءَ﴾: أَي رجع. التفسير ١٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: هذا خطاب للمؤمنين الذين هم في عهد الرسول ﷺ ، ومن سيأْتى بعدهم إِلى يوم القيامة، كلفهم الله فيه بالثبات عند لقاءِ الكفار في حروبهم معهم، جئَ به في تضاعيف قصة بدر، إظهارًا للاعتناء به، وحثًّا على المحافظة عليه، فإِن فيه عزّ المسلمين وسلامتهم وسلامة دينهم. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا إذا لقيتم في القتال أَعداءكم الكفرة، وهم جمع كثير، وأنتم عدد قليل - كما كان الحال في غزوة بدر - أَو كنتم مثلهم أَو أكثر منهم عددا، فلا تولوهم أَدباركم، ولا تَفرُّوا من لقائهم، بل اصبروا واثبتوا، فإِن النصر مع الثبات والصبر. ١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ .... ﴾ الآية. ومن يولّ الكفار يوم اللقاء دبره، ويفر من القتال، إِلا متحرفا لقتال بأَن يترك موقفه إلى موقف أصلح منه للظفر بالعدو، أَو يتجه إِلى قتال طائفة أُخرى من الأَعدءِ، أَو كان منحازا إِلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم: من يول الكفار في القتال دبره في غير هذه الأَحوال المستثناة، فقد رجع من الغزو بغضب عظيم من الله، ومرجعه في الآخرة ومآله جهنم وبئس المرجع والمصير.

стр. 1615

وفي الآية دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف لقتال أَو المتحيز إِلى فئة - أَخرج الشيخان وغيرهما عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أَنه قاله: "اجْتَنِبُوا السَّبعَ الموبقَاتِ، قالوا يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وقتلُ النفسَ الَّتي حرَّم اللهُ تَعَالَى إِلَّا بالحقِّ، وَأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتولىّ يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصَناتِ الغافِلَاتِ المؤمِناتِ". واعلم أَن أَكثر أَهل العلم ذهبوا إِلى أَن حرمة الفرار إذا لم يكن العدو أَكثر من الضعف، لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) وأَخرج الشافعى وغيره عن ابن عباس ﵄ أَنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فَقَدْ فَرَّ. وعن محمَّد بن الحسن: أَن المسلمين إذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار أصلا لحديث ورد في ذلك (٢). والظاهر أَن الأمر متروك لقائد المعركة الأَمين الشجاع، فإِن رأَى الثبات أمام العدو: ثبت، وإِن رأَى غير ذلك: انسحب بجيشه حتى تتاح فرصة الاستعداد القَوِىِّ للقاء العدو، لئلا يلقى بجنود الله إلى التهلكة في معركة غير متكافئة بسبب كثرة العدد، أَو قوة الأَسلحة وفتكها الذريع. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.

стр. 1616

المفردات: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾: أَي وليعطى الله المؤمنين إعطاءً حسنا من عنده، فهو من الإِبلاء بمعنى الإِعطاء، ومنه قول زهير: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … فَأَبْلَاهمَا خير البلاء الذي يُبْلَى (١) ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: أَي مُضعِفُ كيد الكافرين ومبطل حيلهم. التفسير ١٧ - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾: عادت هذه الآية بالحديث إِلى غزوة بدر. والمعنى: إِذا كان الله تعالى: قد أَمدكم أَيها المؤمنون بأَسباب النصر، من إِنزال الملائكة لتأْييدكم وإِنزال المطر عليكم، وأَمره لكم بالثبات وغير ذلك، فأَنتم لم تقتلوهم بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بتأْييدكم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتسليطكم عليهم. وقيل إِن المعنى: إِن افتخرتم بقتلهم فلا وجه لافتخاركم، فأَنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وذلك لما روى أَنهم حين انصرفوا من معركة بدر غالبين غانمين، أَقبلوا يتفاخرون، بقول قائلهم: قتلت وأَسرت، وفعلت وتركت، فنزلت الآية لينتهوا عن الافتخار، وليعْزُوا النصر إِلى الفاعل المختار . ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾: بعد أَن خاطب الله المؤمنين بما تقدم، خاطب نبيه ﷺ بذلك، ليبين للمؤمنين أَن الأَمر لله في شأْن رسوله، كما أَن الأَمر له - سبحانه - في شأْنهم، حتى يتمكن هذا المعنى من نفوسهم، ويستقر في قلوب المؤمنين إِلى يوم الدين. والمقصود من رميه ﷺ ، ما حدث منه من قذف التراب في وجوه المشركين كما ذكره الحافظ بن حجر وأيَّده بعدة طرق، فعن حكيم بن حزام (٢) قال: (لما كان يوم بدر،

стр. 1617

أمرَ رسول الله ﷺ (١) فأَخذ كفًّا من الحصى فاستقبلنا به، فرمى به وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا، فأَنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ أَخرجه الطبرانى وإسناده حسن. وعن ابن عباس أَن النبي ﷺ قال لعلى: نَاوِلنى كفًّا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقى أَحد من القوم إِلا امتلأَت عيناه من الحصباء، فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ الآية. أَخرجه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح (٢). وقد اشتمل النص الكريم على نفى الرمى من النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ وإِثباته له بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ وليس هذا من باب التناقض بنفى الشئِ وإِثباته، فإِن النفى منصب على الرمى من جهة خلقه وخلق آثاره، فِإنه فعل الله وليس فعل الرسول، والإِثبات موجه إِلى كسب الرسول أَي إلى فعله الظاهر. المعنى: وما رميتَ يا محمَّد الحصباء المخلوطة بالتراب بقدرتك الذاتية، حين رميتها يوم بدر في وجوه المشركين، فامتلأَت بها عيونهم، وشغلوا بها عن قتالكم، ولكن الله تعالى هو الذي أَلهمك إِلقاءها، وأقدرك على رميهم بها، وأَوصلها مع قلتها إلى عيون المشركين جميعهم، - وهم نحو الأَلف - فالله تعالى هو الذي رماهم بها حقيقة، وأَما رميك لهم فهو بإِقدار الله، ربطا للمسببات بأَسبابها الظاهرة، ولولا ذلك ما حدث الرمى ولا آثاره، واستدل بالآية على أَن أَفعال العباد بخلقه تعالى، وإِنما لهم كسبها ومباشرتها، قال الإِمام الرازى: أَثبت - سبحانه - كونه ﷺ راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه ﷺ رمى كسبا، والله رمى خلقا. وقال ابن المنبر: علامة المجاز أَن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته، ثم قال: فلمَّا أَثبت الله سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم، دل على أن نفيه على الحقيقة، وثبوته على المجاز بلا شبهة.

стр. 1618

وقد كتب علماء التوحيد في خلق أَفعال العباد، وكتب علماء التفسير في هذه الآية كلاما طويلًا، فمن شاءَ المزيد فليطلبه في المطولات. ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أَي ولكى يعطى المؤمنين عطاء حسنًا في غزوة بدر، سمع استغاثتهم وعلم إِخلاصهم فنصرهم، إن الله سميع لدعائهم واستغاتهم ولكل مسموع، عليم بنياتهم وإِخلاصهم وبكل معلوم. ١٨ - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: الإِشارة بـ ﴿ذَلِكُمْ﴾ راجعة إِلى ما تقدم من البلاء الحسن، والبلاء بمعنى العطاء كما تقدم بيانه. والمعنى: ذلكم البلاء أَي العطاء الحسن للمؤمنين، وتوهين الله كيد الكافرين وإِبطاله، هما المقصودان من تهيئة أَسباب النصر للمؤمنين على الكافرين. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾. المفردات: ﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾: تطلبوا الفتح وهو النصر. ﴿فِئَتُكُمْ﴾: جماعتكم. التفسير ١٩ - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ … ﴾ الآية. الخطاب في هذه الآية للمشركين، نزلت بعد غزوة بدر وسبب خطابهم بما جاءَ فيها، أَنهم حين أَرادوا الخروج تعلقوا بأَستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أَعلى الجُنْديْن، وأَهدى الفئتين، وأَكرم الحزبين، وفي رواية أَن أَبا جهل قال حين التقى الجمعان: اللهم ربنا، ديننا القديم، ودين محمَّد الحديث، فأَى الدينين كان أَحب إليك وأَرضى عندك، فانصر أَهله اليوم.

стр. 1619

والمعنى: إِن تطلبوا - أَيها المشركون - الفتح - أَي النصر - فقد جاءَكم النصر على خلاف ما تشتهون - حيث نصر الله رسوله ودينه - عليكم وعلى دينكم، وإِن تنتهوا عن حرب رسول الله ﷺ ومعاداته، فالانتهاء خير لكم من مواصلة حربه، فقد ذقتم بسببها القتل والأَسر والهوان، وإِن تعودوا إِلى قتاله، نعد إِلى نصره عليكم، وتمكينه من إِذلالكم، ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئًا من الأَضرار ولو كثرت حشودكم ومقاتلوكم، وحقيقة الأَمر أَن الله مع المؤمنين بالنصر والتأْييد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾. التفسير ٢٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: بعد أَن بين الله تعالى في آخر الآية السابقة أَنه سبحانه مع المؤمنين، أَمرهم بطاعته. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا أَطيعوا الله ورسوله، بالعمل بما أَنزله الله إِليكم في كتابه، وبينه لكم رسوله، ولا تنصرفوا عن رسوله فيما بيَّنه لكم عن الله، وأَنتم تسمعون القرآن الناطق بالحثِّ على طاعته والثواب عليها، والزجر عن مخالفته والعقاب عليها. ٢١ - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أَي ولا تكونوا أَيها المؤمنون مثل المنافقين الذين قالوا بأَفواههم، سمعنا القرآن موهمين بذلك القول أَنهم تَقبَّلُوا ما سمعوه وآمنوا به، وهم في الحقيقة لا يسمعونه سماع تقبُّل وإِذعان، بل سماع نفاق وإِدهان.

стр. 1620

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. المفردات: ﴿الدَّوَابِّ﴾ جمع دابة، وتتناول الإِنسان والحيوان، مأْخوذة من دبَّ على الأَرض أَي مشى على هِينتِهِ. ﴿الصُّمُّ﴾: الذين لا يسمعون. ﴿الْبُكْمُ﴾: الذين لا ينطقون. ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: لانصرفوا. التفسير ٢٢ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: تضمنت هذه الآية الكريمة، بيان سوء حال المشبه بهم في الآية السابقة، وهم الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، مبالغة في تحذير المؤمنين من التشبه بهم. والمعنى: إِن شر من يدب على الأَرض ويمشى عليها، هم أُولئك الصم الذين لا يسمعون، البكم الذين لا ينطقون، الذين لا يعقلون شيئا لفقدهم عقولهم، وقد وصف الله الكافرين بتلك الأَوصاف مع أَنهم يسمعون ويتكلمون ويعقلون، تنزيلا لهم منزلة مَنْ حُرِم من هذه المزايا العظيمة، لأَنهم تركوا الاهتداءَ بها إِلى الحق، وأَهدروا الانتفاع بها فيما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فكانوا كمن فقدها، وقد جاءَ وصفهم بأنهم لا يعقلون، بعد وصفهم بالصم البكم تأْكيدًا لسوءِ حالهم، فإِن الأَصم الأَبكم إِذا كان له عقل، يستطيع أَن يَفْهم ويُفهِم غيره بالإِشارة، فإِن فقد العقل فقد بلغ الغاية في سوءِ الحال. ٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾:

стр. 1621

أَي ولو علم الله في هؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، خيرًا يؤدى بهم إلى الحق، لأَسمعهم سماع تدبر، ينتهى بهم إِلى أَن يعقلوا الحق وينطقوا به، ويسيروا على منهاجه، ولو أَسمعهم القرآن مع ما هم فيه من فقدان الخير وسوء الحال، لانصرفوا وهم معرضون عن تقبُّله والإِيمان به، والعمل بموجبه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾. التفسير ٢٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: بعد أَن تحدث الله عن الكافرين بأَنهم صم بكم لا يعقلون، عاد بالحديث إِلى المؤمنين، ليرشدهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وقد تكرر نداؤهم بوصف الإِيمان لتنشيطهم حتى يقبلوا على امتثال ما يَرِدُ بَعْدَهُ من الأَوامر، وتنبيههم إِلى أَن اتصافهم بالإيمان يستوجب ذلك. والمعنى: يأَيها الذين شرفهم الله بالإِيمان المستوجب لكل خير، استجيبوا لله وللرسول بحسن الطاعة، إِذا دعاكم الله على لسان رسوله لما يحييكم في الدارين حياة طيِّبة، من الجهاد والاستقامة على منهاج الحق والعدل، والعلم النافع، والعمل الصالح، وثواب الآخرة. واستدل بعض العلماء بالآية على وجوب إجابة الرسول ﷺ إذا نادى أَحدًا وهو في الصلاة، فإِن الأمر يشملها، وعن الشافعى أَن ذلك يبطلها، وأَيد القول بذلك

стр. 1622

بما أَخرجه الترمذي والنسائى عن أَبي هريرة أَنه ﷺ مرَّ على أُبىِّ بن كعب وهو يصلى، فدعاه فعجل في صلاته، ثم جاءَ فقال له النبي: (ما منعك من إِجابتى؟) قال: كنت أصلى، قال: "أَلَمْ تُخْبَرْ فيما أُوحِىَ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: بلى ولا أَعود إِن شاء الله تعالى، ثم قال ﷺ : "لأُعلمنَك سورةً أَعظمَ سورةٍ في القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثانى". ورأَى بعض العلماء أَن إِجابة الرسول في الصلاة، وإِن كانت واجبة كما دل عليه الحديث والآية، إِلا أَنه لا دلالة فيهما على أَنها لا تقطع الصلاة، بل يجب استئنافها من جديد بعد أَن قطعت بإِجابة الرسول ﷺ وحكى الرويانى أَنها لا تجب، وتبطل الصلاة بها، فإِن المصلى قائم بين يدي ربه، وهو مشغول بطاعته، وما جاءَت الرسالات إِلا لذلك، وإِنما تجب الاستجابة التي دعت الآية إِليها، فيما عدا وقت الاشتغال بالصلاة، ولعل القائلين بذلك لم يطلعوا على هذا الحديث … وتوسط بعض العلماءِ بين الرأْيين فقال: إِذا نادى النبي ﷺ أَحدًا وهو يصلى فإنه يقطع صلاته إذا كان الدعاء لأَمر يفوت بالتأْخير، ومثل ذلك مثل ما إِذا رأَى المصلى رجلًا أَعمى وصل إلى بئر، ولو لم يحذره لهلك، فإِنه يقطع صلاته ويحذره، ثم يستأْنفها، وحمل أَصحاب هذا الرأْى دعاء النبي ﷺ لأُبى بن كعب الذي ورد في الحديث على أَنه كان لأَمر هام بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فلذلك قال له الرسول: (ما منعك من إجابتى؟) يريد بذلك أَنه كان عليه أَن يقطع صلاته ليجيبه ﷺ . ونحن نقول: إن الظاهر أَن ذلك كان في صلاة النافلة، فإِنها لو كانت فرضا لكان النبي ﷺ يصلى بالمسلمين جماعة وفيهم أُبَىُّ بن كعبِ راوى الحديث، فلا يكون حينئذ مجال لنداء الرسول له، فالأَولى قصر الكلام على صلاة النافلة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: قبل الكلام على تفسير هذا النص الكريم نقول: الحول بين الشيئين الفصل بينهما، تقول هذا الشئ يحول بينى وبينك، تعنى أَنه يفصل بينكما، قال صاحب القاموس: (كل ما حجز بين شيئين فقد حال بينهما) يعني فقد فصل بينهما.

стр. 1623

وهذا المعنى غير مُتَصَوَّرٍ في حق الله تعالى، فإِنه - سبحانه - ليس جسما متوسطا بين المرءِ وقلبه، يحول بينهما ويفصل اتصالهما، ولهذا يجب تأْويل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ بما يتفق مع القواعد الشرعية، وقد ذهب المفسرون في تأْويلها مذاهب نختار منها ما يلى: يرى الحسن وقتادة: أَن هذه مجاز عن شدة قربه - تعالى - من عبده بعلمه فهى، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وفي هذا المعنى تنبيه إِلى أَنه - تعالى - مطلع على مكنونات القلوب، حتى ما يغفل عنه أَصحابها، وأَنه ينبغي أن يبادر العباد إلى تصفيتها من علائق الشيطان، حتى تكون مخلصة لوجه الله الكريم، فكأَنه - سبحانه - بعد أَن أَمرهم في صدر الآية بالاستجابة لله ورسوله، أشار لهم هنا إِلى وجوب الإخلاص في الاستجابة، لأَنه تعالى قريب من قلوبهم بعلمه، يعلم إِخلاصها ونظافتها، ويعلم ضد ذلك، فيجزى كلاًّ منهم حسب حالهم. والمعنى على هذا: واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله - تعالى - قريب من قلب عبده، يعلم إِخلاصه ونفاقه في الاستجابة لله ولرسوله، واعلموا أَنكم إِليه يوم القيامة تحشرون لا إِلى غيره، فيجزيكم حسب مراتب أَعمالكم التي أَحاط بها علمه. ويجوز أَن يكون المراد من الآية الحث على المبادرة إِلى الاستجابة لله ورسوله، بالعمل الصالح والنية الطيبة قبل أَن يدرك الإِنسان الموت، فيندم على التقصير. وكأَنه قيل: واعلموا أَن الله يحول بين المرءِ وقلبه بمنع إِمداده له بالدم الذي هو مادة الحياة، إِذ يقبض روحه، ويبطل نبضه ويمنعه بذلك من التصرف، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من العمل الصالح، وإِخلاص النية، فليبادر المرءُ إِلى الاستجابة لله ورسوله، قبل فوات الفرصة، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون للحساب والجزاءِ. ويمكن أَيضا أَن يكون المعنى: واعلموا أن الله يحول بين المرءِ وقلبه إِن لم يستجب لله ورسوله، وذلك بأَن يطمس على قلبه فلا يهتدى إِلى رشاد، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون، فلا يجد المسئ ما ينقذه من عقابه. ٢٥ - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾:

стр. 1624

أَي واتخذوا لكم وقاية من ذنب لا يقتصر وباله على الذين ظلموا أَنفسهم، بتوريطها في المعاصي، بل يعمهم وغيرهم بشؤمهم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: يعاقب من خالفه ولم ينفذ أَوامره، أَو وافق على مخالفته، أَو ترك الإِنكار على المخالفين، وأَهمل وعظهم وتذكيرهم. والآية الكريمة خطاب للمؤْمنين في كل عصر، فلا يقتصر حكمها على أَصحاب رسول الله ﷺ والمقصود من الآية أَن لا يترك العصاة بدون زجر، بل يؤْخذ على أَيديهم، كما قال ﷺ : "من رأَى منكم منكرا فليغيره بيده فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه وذلك أَضعف الإِيمان" (١) فإِن لم يفعل المؤْمنون ذلك، وقعوا في الفتنة، أَي أثموا وأَذنبوا، لأَنهم قَصَّرُوا في الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك لم تقتصر الفتنة - أَي الذنب - على من باشر المعصية وحده، بل عمته وغيره، قال ﷺ : "إن الناس إِذا رأَوا الظالم فلم يأْخذوا على يده، أَوشك أَن يعمهم الله - تعالى - بعقاب" أَخرجه الترمذي وأَبو داود عن قيس بن حازم عن أَبي بكر ﵁، وأَخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : لما وقعت بنو إِسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤُهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ". ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾.

стр. 1625

التفسير ٢٦ - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ … ﴾ الآية. الخطاب هنا للمهاجرين من أَصحاب رسول الله ﷺ . والمعنى: واذكروا أَيها المؤمنون من أهل مكة وقتما كنتم مستضعفين من مشركيها، يؤْذونكم بالقول والفعل، لضعفكم وقلّتكم وهوانِكم عليها، فكنتم لذلك تخافون دائما أَن يتخطفكم مشركو مكة، ويأخذوكم بالإِيذاءِ وسلب الأَموال من آن لآخر، فآواكم الله بالمدينة حين هاجرتم إِليها، إِذ أَنزلكم من أَهلها في مأوى يقيكم شرَّ من استضعفوكم وآذوكم، وأَيدكم وقواكم بنصره بمظاهرة الأَنصار، والإِمداد بالملائكة في بدر، فثأَرتم بذلك ممن أَخرجوكم وآذوكم، ورزقكم الله من الطيبات بما نلتم من المغانم، ولم تحل لأَحد قبلكم، منحكم الله كل هذه النعم لكي تشكروه على إِسدائها. وقيل: الخطاب عام للمؤمنين في كل عصر، يذكرهم الله فيه بإِنعامه عليهم حين يكون عدوهم أَكثر منهم، يخافون أَن يتخطفوهم لكثرتهم، فإِنه - تعالى - حينئذ يؤويهم، أَي يحل لهم مأْوى يتحصنون به من أَعدائهم، ويؤَيدهم وينصرهم عليهم، ويرزقهم من طيبات الأَرض التي يستولون عليها منهم، كما يرزقهم من مغانمهم. والرأى الأَول أنسب بالحديث عن غزوة بدر التي جاءت هذه السورة لتفصيل شئونها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾. المفردات: ﴿لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾: الخيانة بمعنى الانتقاص ممّا ائتمنت عليه، والمراد بها هنا عدم العمل بما أَمر الله به ورسوله.

стр. 1626

﴿فِتْنَةٌ﴾: أَي ابتلاء وامتحانا، أو سبب فتنة، أَي سبب إثم وعذاب إِذا خولف أَمر الله في الأَموال والأَولاد. التفسير ٢٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ .... ﴾ الآية. لا يزال الحديث موصولا مع المؤمنين، وسبب نزول الآية، على ما رواه الزهرى وغيره أن رسول الله ﷺ حاصر يهود بنى قريظة واحدا وعشرين ليلة وفي رواية البيهقي خمسا وعشرين ليلة، فسأَلوا رسول الله ﷺ الصلح كما صالح إِخوانهم بنى النضير، على أَن يسيروا إِلى إِخوانهم بأَذرعات من أَرض الشام، فأَبى رسول الله ﷺ إلا أَن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ (١)، فأَبوا وقالوا أَرسل لنا أبا لبابة رفاعة بن عبد المنذر، وكان مناصحا لهم؛ لأَن ماله وعياله كانوا لديهم فبعثه رسول الله ﷺ فأَتاهم، فقالوا: يا أَبا لبابة ما ترى؟ أَننزل على حكم سعد بن معاذ، فأَشار بيده إِلى حلقه - يعني أنه الذبح فلا تفعلوا - قال أبو لبابة: والله ما زالت قَدمَاىَ عن مكانهما، حتى عرفت أَنى قد خنت الله تعالى ورسوله ﵊، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله ﷺ ، وشد نفسه على سارية من سوارى المسجد، وقال: والله لا أَذوق طعاما ولا شرابا حتى أَموتَ أو يتوب الله علىَّ، فلمَّا بلغ رسول الله ﷺ خبره قال: أَمَا لو جاءنى لاستغفرت الله له، أما إِذ فعل ما فعل، فإنى لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أَيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خرَّ مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أَبا لبابة قد تيب عليك، فقال والله لا أَحل نفسى حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلنى، فجاءه ﵊ فحله بيده، ثم قال أَبو لبابة: إِن تمام توبتى أَن أَهجر دار قومى التي أَصبت فيها الذنب، وأَن أَنخلع من مالى، فقال ﷺ : يَجْزيك الثلث أَن تصَّدَّق به، ونزلت هذه الآية.

стр. 1627

وذكر آخرون في سبب النزول غير ما تقدم، ولا مانع أَن تنزل الآية لعدة أَسباب من نوع خيانة الأَمانة. ومضمون الآية شامل لجميع المؤمنين، ولكل مأمور به أَو منهى عنه، فإِن أمانات الله ورسوله تشمل جميع التكاليف ولذا جاءت بالأسلوب العام. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا ما كُلِّفتم به من التكاليف فهي أمانات الله لديكم، فلا تتركوا فريضة فرضها عليكم، ولا تباشروا منهيا عنه حرمه عليكم كإِفشاء سرٍّ لرسول الله ﷺ أَو للمسلمين، أَو إِنكار أَمانة مودعة لديكم، أَو غُلول في مغنم، وأَنتم تميزون الحلال من الحرام، والحسن من القبيح والضر من النفع، وتعلمون تبعة خيانة الأَمانة وعقابها. التفسير ٢٨ - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أَي وليكن معلوما لديكم ومستقرا في نفوسكم أَن أموالكم وأولادكم امتحان من الله لكم، فلا تجمعوا أَموالكم من مصادر أَثيمة، ولا تصرفوها في أَغراض محرمة، ولا يحملنكم حبكم لأَولادكم على معصية الله تعالى بسرقة مال أَو طلب رشوة، أَو سوء تربية أو غير ذلك مما حرمه الله، واعلموا أن الله عنده أجر عظيم وثواب جزيل، لمن مال إِليه وآثر رضاه على محارم الله، فكسبوا أَموالهم من حلال، وصرفوها في غير معصية، وربوا أَولادهم على طاعة الله وحذروهم من نقمته.

стр. 1628

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. المفردات: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: يجعل لكم هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، أَو نصرا يفرّق بين حقكم وباطل سواكم. التفسير ٢٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ..... ﴾ الآية: بعد أَن نهى الله المؤمنين عن خيانة الله ورسوله، وخيانة الأَمانات، وحذرهم من الفتنة بالأَموال والأَولاد، كلفهم هنا بأَن بتقوه في أَمرهم كله، ووعدهم على ذلك خير الجزاء. والمعنى: يأَيها الذين آمنوا إِن تتقوا عقاب الله وتخافوا غضبه وسخطه، يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، من الإِلهام إِلى الخير والطاعة والإِعانة عليهما وكراهة الشر والمعصية والوقاية منهما، ومن النصر الذي يفرق بين حقكم وباطل سواكم بإِعزازكم وتكثير سوادكم، وتوسعة رقعة أَرضكم، وإِذلال الكافرين وانتقاص عددهم والاستيلاء على بلادهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يكفر عنكم سيئاتكم ويسترها لكم في الدنيا، ويغفرها لكم ولا يعاقبكم عليها في الأخرى، والله صاحب الفضل العظيم على عباده، فلا يضيق فضله عن تكفير سيئاتكم، وغفران ذنوبكم، وأنتم أَولياؤه.

стр. 1629

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾. المفردات: ﴿يَمْكُرُ﴾: المكر؛ تبييت نية الشرِّ، ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليحبسوك ويوثقوك. ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾: أَي يحبط مكرهم. التفسير ٣٠ - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ .... ﴾ الآية. هذه الآية نقلت الحديث من تحذير المؤمنين من مخالفة الله ورسوله، إِلى بيان عداوة الكافرين وسوء مقاصدهم نحو رسولهم ودينهم، وأن الله محبط كيدهم. وسبب نزولها: أَن قريشا لما رأَت أَن رسول الله ﷺ أَصبحت له شيعة وأَصحاب من أَهل المدينة، ورأَوا هجرة مسلمى مكة إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأَصابوا من أَهلها منعةً، فَحَذِرُوا رسول الله ﷺ ، وعرفوا أَنه قد أَجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار قصى بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضى أَمرا إِلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمره ﵊ فقال بعضهم لبعض: إِن هذا الرجل كان من أَمره ما رأَيتم، وإنا والله ما نأمنه، فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به أَن يصيبه ما أصاب أَشباهه الشعراء قبله من الموت، فاعترض آخر قائلا: لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أَمره من وراء هذا الباب إِلى أَصحابه، فَلأوْشكوا أَن يثبُوا عليكم فينزعوه من أَيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أَمركم. ما هذا برأى، فقال آخر: نخرجه من أَرضنا وننفيه من بلادنا، فإِذا خرج عنا؛ فلا نبالى أَين ذهب، وفرغنا منه فأَصلحنا أَمرنا، فرد قائل: والله ما هذا برأى، أَلم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأْتى به، والله

стр. 1630

لو فعلتم ما أَمِنْتُم أَن يحل على حىٍّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه، ثم يسير بهم إِليكم، فيطؤكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم منكم، ثم يفعل بكم ما أَراد، فَكِّروا في رأى آخر، فقال أَبو جهل: أَرى أَن نأْخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدًا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى سيفا صارما، ثم يعمدون إِليه، فيضربونه بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه، فإِنهم إِن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فرضوا عنا بالعقل (١) فعقلناه لهم فقال قائل: هذا هو الرأى؛ فوافقوا عليه، وتفرَّقوا على ذلك. فأَتى جبريل رسول الله ﷺ ، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة (٢) من الليل، اجتمعوا على داره يرصدونه متى ينام؟ فيثبون عليه، فلما رأَى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلىٍّ - كرم الله وجهه -: ثم على فراشى وتَسَجَّ ببردى (٣) فإِنه لن يخلص إِليك شيء تكرهه منهم وكان الرسول إِذا نام ينام في برده هذا - انتهى: من ابن إِسحاق بتصرف. والمعنى: واذكر يا محمَّد حين يمكر بك الذين كفروا من مشركى مكة ويُبِيَّتُون نية الشرّ نحوك ليجعلوك حبيسا في محبس يعدونه لك ويقيِّدونك فيه بالحديد، حتى لا يتصل بك أَحد ممن تدعوهم إِلى الإِسلام، أَو يقتلوك بسيوفهم على أَيدى شبان أَقوياء أَنسباءَ منهم، فيتفرَّق دمك في القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أَن ينتقموا لك منهم، أَو يخرجوك من مكة، ويمنعوك بذلك من الاتصال بأَهلها لدعوتهم إِلى الإِسلام، ويحرموك بهذا الإِبعاد من وطنك ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: المكر: تبييت نية الشر مع قصد الضرر بالخصم، فإِذا استعملت هذه الكلمة في جانب الله فالمقصود بها المجازاة على المكر كما هنا؛ لأَنه - تعالى - لا يبيِّت نية الشرّ لعباده، ويحب أَن يتوبوا فيرضى عنهم ويغفر لهم.

стр. 1631

والمعنى: ويمكر مشركو مكة برسول الله ﷺ ، بتبييت نية قتله بأَيدى شبان من جميع القبائل، ليتفرق دمه بينها، فلا يقدر بنو عبد مناف على قتال جميع العرب، ويرضون بديته، ولكن الله محبط مكرهم، بتيسير خروجه من بين أولئك الشبان الذين اجتمعوا أَمام بابه ليقتلوه عند خروجه. وذلك أَنه ﷺ خرج عليهم ليلا وهم أَيقاظ وبأَيديهم سيوفهم، وكان يقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فعموا عنه ولم يبصروه، وسار حتى التقى برفيق هجرته - أَبي بكر ﵁ وسارا حتى بلغا الغار الذي أَويا إِليه حتى ينقطع الطلب، ثم استأنف رحلته مع أَبي بكر على ظهر ناقتين وافاهما بهما عبد الله بن أريقط - وكان هاديا ماهرا أَمينا وكان على دين قومه - حتى وصلا إلى المدينة بسلامة الله تعالى، وبذلك أحبط اللهُ مكرَ قريشٍ، والله خير من يحبط المكر ويجزى أَهله (١). ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾. المفردات: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطره الأَولون من القَصَص. التفسير ٣١ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا … ﴾ الآية: المعنى: وإِذا تتلى على قريش آياتنا التي أنزلناها على محمَّد ﷺ ، قالوا

стр. 1632

عنادا وإِباءً للحق: لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي جئتنا به، ما هذا إِلا ما سطَّرهُ الأَولون من القصَصِ والحكايات، وليس كلام الله تعالى، وحيث كان كذلك فنحن قادرون على الإِتيان بمثله. وجمهور المفسرين على أَن قائل هذا هو النضر بن الحرث، كان يذهب إِلى أَرض فارس والروم يتسمع أَخبارهم عن كبارهم، ويذهب إِلى اليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل، وإِسناد هذا القول إِلى قريش، لأَنه كان من زعمائهم وكانوا موافقين على ما يقول. وهذا القول واضح البطلان، فإنه تحداهم عشر سنين أَن يأتوا بمثله، وجعل يتحداهم حتى نزل بهم إلى سورة واحدة، فلم يستطيعوا إِلى تحقيق زعمهم سبيلا، ثم قارعهم بالسيف فعجزوا عن تحقيق زعمهم، ولو كانوا قادرين لأَبطلوا حجته في إِعجازه وبذلك ينتهى أمره، ولم يزل يكافحهم حتى دانوا للقرآن، ودخلوا في دين الله أَفواجا هم وغيرهم من العرب وسواهم. ولا يزال هذا التحدى باقيا إِلى أَن تقوم الساعة، وسوف يعجز غيرهم كما عجزوا بل غيرهم أَجدر بالعجز منهم، فهم فرسان البلاغة، والمالكون لأَزمة الفصاحة فكيف بسواهم، وإِعجاز القرآن ليس مقصورا على بلاغته وفصاحته، بل لأنه أيضًا شامل لأَخبار الأَنبياء، مصحح لما جاءَ عنها خطأ في التوراة والإِنجيل، كما هو شامل لما جاءَ فيهما من تشريعات صالحة للبقاء ويزيد عليهما ما هو صالح للجنس البشرى إِلى أَن تقوم الساعة ومن إِعجازه أنه تحدث عن خلق هذا الكون من دخان (غاز) ولم يعرف ذلك العلماء إِلا حديثا، كما تحدث عما سوى ذلك من الكونيات التي أَقرها العلمُ الحديث، إِلى غير ذلك مِن فنون إِعجازه، وكل ذلك جاءَ به سيَّدٌ كريم لا يعرف القراءَة ولا الكتابة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ (١).

стр. 1633

﴿وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. المفردات: ﴿يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أَي يمنعون المسلمين من الطوافِ بالمسجد الحرام عام الحديبية، حيث كانوا يريدون العمرة. التفسير ٣٢ - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ .... ﴾ الآية. لا يزال الحديث موصولا في بيان معارضة قريش للدعوة الإِسلامية. وقائل هذا الكلام هو أَبو جهل بن هشام، كما أَخرجه البخاري والبيهقي في الدلائل، وقيل: قائله النضر بن الحارث، روى أَنه لما قال للنبي ﷺ عن القرآن ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال له: ويلك إِنه كلام الله تعالى فقال: ﴿ … اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ … ﴾ الآية. والمعنى: واذكر أَيها الرسول حين قالت قريش تهكما وكذبا، على لسان زعمائهم: اللهم إن كان هذا الذي جاءَنا به محمَّد هو الحق المنزل من عندك فأَنزل علينا حجارة كثيرة من السماءِ،

стр. 1634

أَو ائتنا بعذاب شديد الإِيلام غير إِنزال الحجارة، ليكون ذلك برهانا لنا على أَنه من عندك، أَو ليكون عقوبة لنا على إنكاره ولو كان هؤلاء طلاب حق لطلبوا الهداية إِليه، بدل طلبهم إِنزال العذاب بهم، ولكنه العناد والتكبر على حق جاءَ به سواهم، وإسناد القول إليهم جميعًا مع أن القائل أحدهم، لموافقتهم على ما قال: ٣٣ - ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: جاءَت هذه الآية لبيان السبب في إِمهالهم وعدم التعجيل بعقوبتهم استجابة لدعائهم والمعنى: وما كان الله ليستأصلهم بالعذاب الذي طلبوه وأَنت بينهم، فقد أَكرمهم الله برسالتك فيهم، فمنع عنهم عذاب الاستئصال الذي كان ينزل بمن قبلهم لكفرهم برسلهم. والمقصود من الآية الكريمة الإِخبار بأَن تعذيب قريش بعذاب الاستئصال - والنبى ﷺ بين أَظهرهم - غير مستقيم في حكم الله وقضائه. ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أَي وما استقام في حكمنا وقضائنا أيضًا أن يعذبهم الله وفيهم من يستغفره، وإِسناده الاستغفار إِلى جميعهم، مع أَنه صادر من المؤمنين وحدهم، لأَنهم موجودون بينهم. وعن ابن عباس أَن المراد بالاستغفار استغفار من سيؤمن بعد: والمقصود من كلام ابن عباس أَن السبب الثاني لعدم تعذيبهم، هو أَن الله ادخر لهم الإِيمان، وأَنهم سوف يستغفرون الله تعالى بعده، وقد حدث ذلك عام فتح مكة. ٣٤ - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: وأَى سبب لهم يقتضي أَن لا يعذبهم الله، وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام، ويمنعونهم منه حقيقة كما كان ذلك عام الحديبية، أَو حكمًا كما فعلوا برسول الله ﷺ وأَصحابه، حتى أَلجئوهم إِلى الهجرة، وحرموهم بذلك من المسجد الحرام، ولكن الله تعالى إِنما حماهم من عذاب الاستئصال لوجود الرسول فيهم، واستغفار المؤمنين منهم، ولولا ذلك لاستحقوا العذاب لصدهم عن بيت الله وعن دينه.

стр. 1635

﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وما كان أولئك المشركون الصادون عن المسجد الحرام مستحقين ولاية أَمره حتى يصدوا المؤمنين عنه بحكم ولا يتهم له، وما المستحقون لولايته إلا المتقون الذين آمنوا بالله ورسوله، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، فلذا كان منهم ما كان من صدهم المؤمنين عنه. ونسبة عدم العلم إِلى أَكثرهم، يؤذن بأَن بعضهم يعلمون ذلك، ولكن يجحده عنادا، أَو المراد بالأَكثر الجميع، كما يراد بالقلة العدم، يقال: هذه أَرض قلَّما تنبت، أَي لا تنبت أصلًا. ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾. المفردات: ﴿صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: المراد بالبيت الكعبة، وبصلاتهم عنده الصلاةُ في المسجد الحرام حوله. ﴿مُكَاءً﴾: صفيرا، من مكا يمكو إذا صفر. ﴿تَصْدِيَةً﴾: تَصفيقًا، من الصَّدى، وهو رجع الصوت، أَو منِ الصَّدِّ وهو المنع معَ قَلْب إِحدى الدالين ياء. ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: ليمنعوا الناس عن دينه، فهو سبيل موصل إلى رضوانه. ﴿حَسْرَةً﴾: نَدَمًا وَغمًّا. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: يساقون. التفسير ٣٥ - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: تضمنت الآية السابقة أَن المشركين لا يصلحون لولاية المسجد الحرام، وجاءَت هذه الآية والتي تليها لبيان السبب في عدم صلاحيتهم لذلك، وهو عدم استقامتهم في عبادة ربهم، وصدَّهم الناس عن دين الله.

стр. 1636

روى أَنهم كانوا يطوفون عراة رجالا ونساءً، مشبكين بين أَصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، فنزلت الآية لذلك، وعلى هذا تكون تسمية الطواف صلاة لأَنهم يفعلون ذلك عبادة وصلاة في زعمهم، أَو لعلَّهم كانوا يدعون الله - تعالى - أَثناء ذلك والدعاء يسمى في اللغة صلاة. وروى أَنهم كانوا يفعلون ذلك عندما يصلى النبي ﷺ ، يزعمون أَنهم يصلون، في حين أَنهم كانوا يزيدون بذلك أَن يخلطوا على الرسول صلاته، فنزلت الآية تحكى قبح ما صنعوا. والمعنى: وما كان دعاؤهم عند البيت الحرام، أَو ما يسمونه صلاة ويضعونه موضعها، إِلا صفيرا وتصفيقا، ومن كانوا كذلك فلا يصلحون لولاية أَمر البيت ولا يصح لهم أَن يصدُّوا ويمنعوا الناس عنه، إذ أَنهم لا يعرفون ما ينبغي في عبادة رب هذا البيت. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قيل: المراد بالعذاب القتلُ والأَسر يوم بدر، وقيل: عذاب الآخرة ويبدو من إطلاق العذاب، أَن الآية وعيد لهم بما يعمُّ عذاب الدنيا والآخرة، لا بأَحدهما. والمعنى: وحيث كانت صلاتكم عند البيت على هذه الصورة من الصفير والتصفيق فإنكم تستحقون عذاب الله، فذوقوا العذاب بسبب كفركم باللهِ وبما يجب له من الإِعظام والإِجلال، في العقيدة والعبادة. ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ .... ﴾ الآية. نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلًا، يطعم كل منهم يوما يذبح فيه عشرا من الإِبل، والآية عامة الحكم وإِن نزلت بسببٍ خاص.

стр. 1637

والمعنى: إِن الذين كفروا بما جاءَ به دين الإِسلام، ينفقون أَموالهم الآن في حرب المسلمين، ليصدُّوا الناس عن دين الله، فسينفقونها مستقبلا في هذا الغرض، ثم تكون عاقبتها عليهم ندما وغمًّا، لضياعها وتلفها دون تحقيق مرادهم، ثم يغلبون آخر الأَمر. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾: بعد أَن بين الله في صدر الآية المصير الدنيوى للذين ينفقدن أَموالهم ليصدّوا عن سبيل الله، وهو الحسرة والندامة والهزيمة بيّن - سبحانه - في عجزها المصير الأخروى للكافرين، محاربين وغير محاربين. والمعنى: والذين أَصرُّوا على الكفر، إلى جهنم يُساقون لا يبرحونها، فليس بعد الكفر ذنب. ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾. المفردات: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ﴾: ليعزله ويفرزه: ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾: فيجمعه ويضم بعضه إِلى بعض، قال صاحب القاموس: مازَه يَمِيزُه مَيْزًا عزله وفرزه. التفسير ٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ … ﴾ الآية. هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة.

стр. 1638

والمعنى: والذين كفروا يُحشرون ويُساقون إِلى جهنم لكي يميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيِّب المستحق للثواب، ويجعل الله الخبيث من الكفار بعضه على بعض، فيجمع هذا الصنف الخبيث كله، فيجعله في جهنم جزاء وفاقا لما فعلوا، أولئك هم الخاسرون الكاملون في الخسران، لأَنهم خسروا أَنفسهم والنعيم المقيم الذي فاتهم. ويجوز أن يكون المعنى: والذين كفروا يُحشرون إِلى جهنم، ليميز الله الخبيث من الطَّيِّب من الناس والأَموال، ويجعل الخبيث من الكفار وأَموالهم، بعضه على بعض، فيجمعه جميعًا، فيجعله في جهنم .... الخ. وإِنما جمعت أَموالهم معهم على هذا الرأْى ليزداد بها عذابُهم، كما هو الشأْن فيمن يكنزون الذهب والفضة، كما قال تعالى: ﴿ … وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ (١). ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. المفردات: ﴿سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: طريقتهم في انتقام الله منهم، ﴿فِتْنَةٌ﴾: شركٌ وضلال، ﴿مَوْلَاكُمْ﴾: ناصركم.

стр. 1639

التفسير ٣٨ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: تحدثت الآيات السابقة عن مساوئ الكافرين، من الصدِّ عن المسجد الحرام وعن الإِسلام، وإِنفاقهم المال في سبيل ذلك، كما بيَّنت عقوبتهم عليهما. وجاءَت هذه الآية لتفتح لهم باب الأَمل في رحمة الله وغفرانه إن انتهوا عن غيهم، وتتوعَّدهم إِن هم أَصرُّوا على كفرهم بالانتقام منهم. والمعنى: قل أيها الرسول للذين كفروا فأَشركوا باللهِ وأَنفقوا المال ليصدوا عن سبيله - وهو الإِسلام - قل لهم: إِن ينتهوا عمَّا هم فيه ويتركوه ويؤمنوا بما جئتهم به، يغفر لهم ما قد مضى من شركهم ومعاصيهم - فإِن الإِسلام يطهرهم من ذنوبهم قبله - وإِن يعودوا إِلى مناوأة الإِسلام، مصرِّين على عداوته والكفر به، فلينتظروا انتقام الله منهم، فقد مضت سنة عقاب الأَولين الذين تَحزَّبُوا على رسلهم وكفروا بهم إِذ عاقبهم الله بشتى العقوبات، ونصر أَنبياءَهم عليهم، وأَعلى كلمتهم، ولستم بأَعظم شأْنا منهم، وقد رأَيتم باكورة انتقامه منكم في غزوة بدر. ٣٩ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: وقاتلوا أَيها المؤمنون هؤلاء المشركين إِن لم ينتهوا عمَّا هم عليه من الشرك - وقاتلوهم - حتى لا يوجد شرك بالقرب منكم، ويكون الدين حولكم لله لتأمنوا غدرهم وشرَّهم، فإِن انتهوا عن الكفر بعد ما أَظهرتم الشدة عليهم، وكَفُّوا عن القتال فكُفُّوا عنهم ودعوهم لله، فإِن الله بما يعملون بصير، فيجازيهم على إِسلامهم، وما يحدث منهم بعده من طاعة ومعصية. ٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: وإِن استمَروا على توليهم وإِعراضهم عن الإِسلام، فاستمِروا على قتالهم، واعلموا أن الله - تعالى - متولّ أُموركم، فثقوا به وتوكلوا عليه ولا تبالوا بهم، نعم المولى لا يضيع من تولى أَمره، ونعم النصير لا يغلب من نصره.

стр. 1640

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ في الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾. المفردات: ﴿غَنِمْتُمْ﴾: الغَنِيمَةُ؛ من الغنم وهو الفوز، والمراد بها هنا ما أُخذ من أَموال الكفار بالقتال. ﴿الْجَمْعَانِ﴾: جمع المؤمنين وجمع الكفار. ﴿الْعُدْوَةِ﴾: طرف الوادى وحافته. ﴿الدُّنْيَا﴾: أَي القريبة من المدينة.

стр. 1641

﴿الْقُصْوَى﴾: البعيدة من المدينة. ﴿الرَّكْبُ﴾: العير وراكبوها وهم أَبو سفيان ومن معه. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: أَي عن حُجَّة واضحة. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾: لجبنتم وتهيبتم لقاءَ العدو: من الفشل وهو ضعف مع جبن. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أَي بما تنطوى عليه القلوب. التفسير ٤١ - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ..... ﴾ الآية. أَمر الله رسوله بقتال الكفار حتى تنقطع فتنتهم، بقوله قبل هذه الآية: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ الآية. وجاءَت هذه الآية تبين حكم الغنائم المتخلفة من قتالهم، وطريق قسمها. والمعنى: واعلموا أَيها المقاتلون في سبيل الله أَن ما أَخذتموه من الكفار قهرا فواجب أَن لله تعالى وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خُمْسَهُ، أَما أَخماسه الأَربعة، فهى للمقاتلين. وذِكرُ الله تعالى مع الرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل مع أَنه تعالى لا يأْخذ من الغنائم شيئًا، لتعظيم حق هذه الجهات في الخمس، ولهذا كان الخمس في عهد رسول الله ﷺ ، يُخَمَّسُ خمسةَ أَسهم تُوَزَّعُ على هذه الجهات الخمس وأَما بعده ﷺ فيسقط سهمه، أما سهم ذوى القربى فقد اختلف فيه، فقيل إِنه باق بعده، فيعطى منه للغنى والفقير منهم، وقيل إنه لا يعطى منه لغنيهم، بل يدخلون في سهم اليتامى والمساكين ويسقط سهمهم، فيعطون لفقرهم، وقيل إِن الأَمر مفوض في شأْنهم إِلى اجتهاد الإِمام، وقيل غير ذلك.

стр. 1642

ورأَى بعض الفقهاءِ أَن سهم الرسول ﷺ ينفق في مصالح المسلمين، كشراءِ السلاح، وتحصين الحدود، وبناءِ المدارس والمستشفيات وغير ذلك، والمراد بذوى القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون من عداهم، لقوله ﷺ : "إِنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين أَصابعه". ولاقتصاره ﷺ في القسم عليهم دون غيرهم من بني نوفل وعبد شمس قال ﷺ : "إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إِسلام" كما في البخاري. واليتامى: هم أَطفال المسلمين الذين مات آباؤهم. والمساكين: أَهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وابن السبيل: هو المسافر المحتاج، بشرط أَن يكون سفره في غير معصية. وقد اختلف العلماءُ في قسمة الأَربعة الأَخماس التي يستحقها المقاتلون، فالذي عليه عامة أَهل العلم، فيما ذكره ابن المنذر أَنه للفارس منهم سهمان، وللراجل سهم، وممن قال بذلك الإِمام مالك والشافعى وأَبو حنيفة، ويرى الصاحبان أَن للفارس ثلاثة أَسهم وهو رأَى ابن عمر، وقد رواه عن النبي ﷺ وأَخرجه البخاري. ثم أَكد الله تعالى قسمة الغنائم على هذا النحو بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾: أَي إِن كنتم مؤمنين باللهِ فانقادوا وسلموا الأَمر لله فيما أَعلمكم به من حال قسمة الغنيمة: بأَن يكون خمسها لله وللرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأَربعة أَخماسها للمقاتلين، فاقنعوا بذلك ونفذوا أَمر الله في شأْن الخمس. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: أَي إِن كنتم آمنتم باللهِ وبما أنزلناه على عبدنا محمَّد ﷺ من الآيات والملائكة والنصر في يوم بدر، الذي جعله الله فرقانا بين الحق والباطل، يوم التقى الجمعان من المؤمنين والكافرين، وكان أولَ مَشْهَدٍ شهده رسول الله ﷺ وأَصحابه، وكان فيه رؤوس المشركين، التقوا يوم الجمعة لسبع عشرة من

стр. 1643

رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة وأَصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين ألف وتسعمائة فهزم الله المشركين وقُتل منهم سبعون وأُسر منهم مثل ذلك، وانتصر الإِسلام على الشرك وأَصبحَت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى: ومن هنا سمى يوم الفرقان، والإِضافة في (عبدنا) لتشريف رسول الله ﷺ حيث نسبه إِليه تعالى بالعبودية له، ثم ختمت الآية بقوله سبحانه: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ليعلموا أَن نصرهم على أَعدائهم، ما كان يمكن تحقيقه إلا بمعونة الله الذي هو على كل شيء قدير، فقد كانوا قليلى العدد، ولم تكن معهم أَسلحة كافية، ولا مراكب، كما أَنهم لم يخرجوا للقتال، بل لتلقى العير، فلذا يعتبر نصرهم على المشركين من خوارق العادات، التي لا يقدر عليها إِلا الله القادر على كل شيء. ولما علَّم سبحانه عباده المؤمنين كيفية قسم الغنائم وتوزيعها وبيان المستحقين لها، ذكر شيئًا من نعمه تعالى عليهم في غزوة بدر ليبين أَن عونه تعالى وتأْييده لهم كان ظاهرا في هذه الغزوة حيث خرجوا إِلى هذا المكان لأَخذ العير واجتمعوا على غير ميعاد ولم يكونوا مستعدين للقتال، فقال سبحانه: ٤٢ - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ﴾: والمعنى: اذكروا نعمة الله عليكم معشر المسلمين إذ كنتم بشط الوادى القريب من المدينة، والمشركون بطرف الوادى المقابل البعيد عن المدينة، وركب أبي سفيان وأَصحابه أَسفل منكم أَيها المؤمنون، حيث كانوا ناحية الساحل ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أَميال من بدر. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ﴾: أَي ولو تواعدتم مع المشركين على القتال، ثم علمتم ضعفكم وقوتهم، لاختلفتم أنتم في الميعاد، هيبة منهم، ويأْسا من الظفر عليهم.

стр. 1644

﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: ولكن جمع الله بينكم على غير ميعاد، ليبرز أَمرا كان لا بد من وقوعه طبقا لعلم الله تعالى وقضائه، وهو نصر أَوليائه، وإِعزاز دينه. قال الزمخشرى: فإِن قلت - ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين: وأَن العير كانت أَسفل منهم - قلت - الفائدة فيه: الإِخبار عن الحال الدالة على قوة شأْن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهيد أَسباب الغلبة له وضعف شأْن المسلمين والْتبَاس أَمرهم (١) وأَن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إِلا صنعا من الله سبحانه ودليلا على أَن ذلك أَمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته. وذلك أَن العدوة القصوى التي أَناخ بها المشركون. كان فيها الماء. وكانت أَرضا لا بأْس بها للحرب. ولا ماءَ بالعدوة الدنيا وهي رملية سبخة تسوخ فيها الأَرجل ولا يمشي فيها أَحد إِلا بتعب ومشقة وكانت العير وراءَ ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها (٢) تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها ثباتهم. وفي ذلك تصوير ما دبر الله سبحانه من أَمر وقعة بدر، ليقضى الله أَمرا كان مفعولا من إِعزاز دينه، وإِعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إِحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأْخذوا العير راغبين في الخروج وشخص (٣) بقريش مرعوبين مما بلغهم، من تعرض رسول الله ﷺ لأَموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، فأَناخ المسلمون بالعدوة الدنيا وأَناخ المشركون بالعدوة القصوى ووراءَهم العير. يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان. اهـ من الكشاف باختصار.

стр. 1645

وإِنما فعل الله ذلك: ٤٢ - ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أَي فعل الله لقاءَكم من غير ميعاد، ليموت من يموت عن بيِّنة وعبرة شاهدها، وحجة قامت عليه بأَن الله ينصر أَولياءَه على أَعدائهم، وليعيش من يعيش عن بينة كذلك. وقال محمَّد بن إِسحاق في معنى الآية: ليصدر كُفر من كَفر وإِيمان، من آمن عن وضوح وبينة، فقد فسر ابن إسحاق الهلاك بالكفر، والحياة بالإِيمان، إِذ الكفر طريق الهلاك، والإِيمان طريق الحياة الأَبدية. فإِن واقعة بدر من الآيات البينات التي من كفر بعدها كان مكابرًا للحق، ظالمًا لنفسه وهالكا، ومن أسلم فقد أَسلم عن يقين وعلم بأَن الإِسلام دين الحق الذي يجب التمسك به، للتأْييد الواضح له من الله - تعالى - في هذه الغزوة فأَحيا بهذا الإِسلام نفسه ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أَي وإِن الله لعظيم السمع لكل مسموع، محيط علمه بكل معلوم، ومن ذلك كفر الكافرين، وإِيمان المؤمنين، فيجزى كلا حسب حاله. ٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ في مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ في الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: واذكر لهم يا محمَّد عظيم صنع الله وبالغ علمه بمصالح من اتبعك من المسلمين، وقت أَن أَراك الله المشركين في منامك قليلًا، فأَدركت بذلك قلَّة شأْنهم عند الله، لتخبر بذلك أَصحابك تَثْبِيتًا لهم، وتشجيعًا على عدوهم. ولو أَراكهم كثيرًا كواقع أَمرهم لفشل أَصحابك وهابوهم وجَبُنوا عن لقائهم، وتنازعوا في الرأْى وتفرقت كلمتهم فيما عساهم أن يصنعوهُ مع عدوهم. ﴿وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾: أَي سلَّمكم من القتل والتنازع وعصمكم من الاختلاف، وأَنعم عليكم بما أَراه لنبيه ليخبركم به.

стр. 1646

﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: يعني أَنه يعلم بكل ما سيكون في قلوبكم من الجراءَة والجبن والصبر والجزع، فلذا لطف الله بكم، فأَرى النبي ﷺ أَعداءَكم في منامه قليلًا، لتثبتوا ولا تجزعوا. ٤٤ - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾: أَي: واذكر يا محمَّد ومن معك من المؤمنين وقت أَن أَراكم الله إِياهم عند لقائكم بهم في المعركة عددًا قليلًا في رؤيا العين، ليتحقق لكم صدق الرسول ﷺ فيما أَخبركم به مما رآه في النوم فيزداد يقينكم فتجدّوا وتثبتوا في لقاءِ عدوكم. قال ابن مسعود ﵁: لقد قُلِّلوا في أَعيننا حتى قلت لرجل إِلى جنبى أَتراهم سبعين. قال: أَراهم مائة فأَسَرْنا رجلًا منهم فقلت له كم كنتم؟ قال: أَلفًا. فعل الله ذلك مع المسلمين عند اللقاء ليزدادوا ثباتًا، كما قلل المسلمين في أَعين الكافرين قبل القتال ليجترئوا عليهم، ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم عند اللقاءِ حتى رأَوهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم. روى أَن أَبا جهل حين رأَى المسلمين قبل القتال، استقلَّهم وقال: إِنما هم أَكَلة جزور خذوهم أَخدًا، واربطوهم بالحبال، فلما أَخذوا في القتال عظم المسلمون في أَعينهم فكثروا كما قال تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١). وفي هذا المعنى يقول الزمخشرى: فإِن قلت: الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعين الكفار؟ قلت: قد قللهم في أَعينهم قبل اللقاءِ ليجترئَ الكفار على المؤمنين لقلة عددهم وعدم المبالاة بهم ثم كثركم في أَعينهم عند اللقاءِ لتفجأَهم الكثرة فَيُبْهتُوا ويهابوهم وتقل شوكتهم

стр. 1647

حين يرون ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم وذلك قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ولئلا يستعدوا لهم. وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البيِّنة من قلتهم أَولا - وكثرتهم آخرًا. ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أَي قلل الله المؤمنين في نظر الكافرين أَولا ثم كثَّرهم عند اللقاءِ لِيُنَفِّذَ الله قضاءَه بهزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، وقد كرَّر قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. لأَنَّ ما عَلَّل له أَوَّلًا هو اجتماعهم على غير ميعاد، وما عَلَّلَ له ثانيًا، هورؤية المؤمنين قلة في أَعين الكافرين أَولا وتكثيرهم ثانيًا، فاختلفت الجهتان فلزم التكرار. والأَمر المفعول الذي قضاه الله هو أَن يَنْصر المؤمنين فكان ما قضى وحكم. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: أَي وإلى الله - وحده - ترجع أُمور الناس لا إِلى غيره، فيدبرها كما يشاءُ ويحاسب عليها يوم القيامة حسبما يشاءُ. ولما انتهى الحديث عن المدد المعنوىِّ الذي قوَّى به نفوسهم وقت التقاءِ الجمعين استعداد كلٍّ منهما للقتال أَخذ يعلّمهم فنون الحرب فقال جل شأْنه:

стр. 1648

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾. المفردات: ﴿فِئَةً﴾: جماعة. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: ولا تختلفوا.

стр. 1649

﴿تَفْشَلُوا﴾: تجبنوا وتضعفوا والفشل في الأَصل: الخيبة والنكول عن إِمضاءِ الأَمر وأَكثر أَسبابه: الضعف والجبن ولذلك فسَّروه هنا بهما. ﴿تَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: تذهب قوتكم. ﴿بَطَرًا﴾: طغيانًا وتجبرًا - والبطر في اللغة: الفخر والاستعلاء بنعمة الغنى أَو الرياسة أَو غيرهما، يعرف في الحركات المتكلفة والكلام الشاذ. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مرائين الناس. والرياء والمراءَاة: إِظهار العمل رغبة في ثناء الناس والإِعجاب به وهو محبط للأَعمال الأُخروية. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: رجع القهقرى، أَي تولى إِلى الوراء جهة العقبين، والمراد كف الشيطان عن وسوسته وذهب ما خيله من المعونة لهم. ﴿جَارٌ لَكُمْ﴾: أَي مجير وناصر، والجار الذي يجير غيره أَي يؤمنه ممَّا يخاف. ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: أَي خدع هؤلاءِ المسلمين دينهم، فظنوا أَنهم ينصرون به فأَقدموا على ما أَقدموا عليه مما لا طاقة لهم به. التفسير ٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾: ينادى الله - تعالى - المؤمنين مبيِّنًا لهم آداب الحروب في الإِسلام فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بالله وبرسوله وبكتابه إِذا جاهدتم جماعة من الكفار فأثبتوا لقتالهم ولا تفروا أَمامهم، أَمَّا قتال المسلمين بعضهم لبعض فله حكم آخر مذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:

стр. 1650

أَي واذكروا الله - تعالى - عند لقاءِ العدو، بأَن تتذكروا نصرته للمؤمنين، فتتضرعوا إِليه كثيرًا، مع اليقين بأَنه لا يعجزه شئٌ وذلك أَن تقولوا كما قال مَنْ قبلكم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). ثم ذكر الغاية من ذكره - سبحانه - فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَي رجاءَ أَن تظفروا بمرادكم من النصرة والمعونة على أَعدائكم. وكان رسول الله وأَصحابه يكثرون من الدعاءِ خصوصًا عند اللقاءِ. رجاءَ النصر من الله - تعالى - ولما أَمرهم الله تعالى بذكره ودعائه عند اللقاءِ، أَتبعه الأَمر بطاعة الله ورسوله وعدم التنازع لتتوفر لهم أَسباب النصر، فقال - سبحانه -: ٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أَي واستجيبوا لأَمر الله ورسوله واعملوا به، فإِن طاعة القائد من أَهم أَسباب النصر. والاختلاف عليه يُفضى إِلى الهزيمة، فما ظنُّكم إِذا كان القائد رسول الله المنفذ لأَوامر الله فلا تختلفوا عليه ولا تتنازعوا فما بينكم، فتتفرق كلمتكم وتذهب قوتكم ودولتكم، وتجرى الأُمور على غير ما تريدون من النصر. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أَي واصبروا على ما تكرهون وما تلاقون من بأْس العدو، إِن الله مع الصابرين بالعون والنصر. قال - تعالى - يمدح الصابِرين في الشدائد: ﴿وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢).
следующие страницы →