← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: يعني أَنه يعلم بكل ما سيكون في قلوبكم من الجراءَة والجبن والصبر والجزع، فلذا لطف الله بكم، فأَرى النبي ﷺ أَعداءَكم في منامه قليلًا، لتثبتوا ولا تجزعوا. ٤٤ - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾: أَي: واذكر يا محمَّد ومن معك من المؤمنين وقت أَن أَراكم الله إِياهم عند لقائكم بهم في المعركة عددًا قليلًا في رؤيا العين، ليتحقق لكم صدق الرسول ﷺ فيما أَخبركم به مما رآه في النوم فيزداد يقينكم فتجدّوا وتثبتوا في لقاءِ عدوكم. قال ابن مسعود ﵁: لقد قُلِّلوا في أَعيننا حتى قلت لرجل إِلى جنبى أَتراهم سبعين. قال: أَراهم مائة فأَسَرْنا رجلًا منهم فقلت له كم كنتم؟ قال: أَلفًا. فعل الله ذلك مع المسلمين عند اللقاء ليزدادوا ثباتًا، كما قلل المسلمين في أَعين الكافرين قبل القتال ليجترئوا عليهم، ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم عند اللقاءِ حتى رأَوهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم. روى أَن أَبا جهل حين رأَى المسلمين قبل القتال، استقلَّهم وقال: إِنما هم أَكَلة جزور خذوهم أَخدًا، واربطوهم بالحبال، فلما أَخذوا في القتال عظم المسلمون في أَعينهم فكثروا كما قال تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (١). وفي هذا المعنى يقول الزمخشرى: فإِن قلت: الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعين الكفار؟ قلت: قد قللهم في أَعينهم قبل اللقاءِ ليجترئَ الكفار على المؤمنين لقلة عددهم وعدم المبالاة بهم ثم كثركم في أَعينهم عند اللقاءِ لتفجأَهم الكثرة فَيُبْهتُوا ويهابوهم وتقل شوكتهم

стр. 1647

حين يرون ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم وذلك قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. ولئلا يستعدوا لهم. وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البيِّنة من قلتهم أَولا - وكثرتهم آخرًا. ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أَي قلل الله المؤمنين في نظر الكافرين أَولا ثم كثَّرهم عند اللقاءِ لِيُنَفِّذَ الله قضاءَه بهزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، وقد كرَّر قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. لأَنَّ ما عَلَّل له أَوَّلًا هو اجتماعهم على غير ميعاد، وما عَلَّلَ له ثانيًا، هورؤية المؤمنين قلة في أَعين الكافرين أَولا وتكثيرهم ثانيًا، فاختلفت الجهتان فلزم التكرار. والأَمر المفعول الذي قضاه الله هو أَن يَنْصر المؤمنين فكان ما قضى وحكم. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: أَي وإلى الله - وحده - ترجع أُمور الناس لا إِلى غيره، فيدبرها كما يشاءُ ويحاسب عليها يوم القيامة حسبما يشاءُ. ولما انتهى الحديث عن المدد المعنوىِّ الذي قوَّى به نفوسهم وقت التقاءِ الجمعين استعداد كلٍّ منهما للقتال أَخذ يعلّمهم فنون الحرب فقال جل شأْنه:

стр. 1648

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾. المفردات: ﴿فِئَةً﴾: جماعة. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: ولا تختلفوا.

стр. 1649

﴿تَفْشَلُوا﴾: تجبنوا وتضعفوا والفشل في الأَصل: الخيبة والنكول عن إِمضاءِ الأَمر وأَكثر أَسبابه: الضعف والجبن ولذلك فسَّروه هنا بهما. ﴿تَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: تذهب قوتكم. ﴿بَطَرًا﴾: طغيانًا وتجبرًا - والبطر في اللغة: الفخر والاستعلاء بنعمة الغنى أَو الرياسة أَو غيرهما، يعرف في الحركات المتكلفة والكلام الشاذ. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مرائين الناس. والرياء والمراءَاة: إِظهار العمل رغبة في ثناء الناس والإِعجاب به وهو محبط للأَعمال الأُخروية. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: رجع القهقرى، أَي تولى إِلى الوراء جهة العقبين، والمراد كف الشيطان عن وسوسته وذهب ما خيله من المعونة لهم. ﴿جَارٌ لَكُمْ﴾: أَي مجير وناصر، والجار الذي يجير غيره أَي يؤمنه ممَّا يخاف. ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: أَي خدع هؤلاءِ المسلمين دينهم، فظنوا أَنهم ينصرون به فأَقدموا على ما أَقدموا عليه مما لا طاقة لهم به. التفسير ٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾: ينادى الله - تعالى - المؤمنين مبيِّنًا لهم آداب الحروب في الإِسلام فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بالله وبرسوله وبكتابه إِذا جاهدتم جماعة من الكفار فأثبتوا لقتالهم ولا تفروا أَمامهم، أَمَّا قتال المسلمين بعضهم لبعض فله حكم آخر مذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١). ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:

стр. 1650

أَي واذكروا الله - تعالى - عند لقاءِ العدو، بأَن تتذكروا نصرته للمؤمنين، فتتضرعوا إِليه كثيرًا، مع اليقين بأَنه لا يعجزه شئٌ وذلك أَن تقولوا كما قال مَنْ قبلكم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). ثم ذكر الغاية من ذكره - سبحانه - فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَي رجاءَ أَن تظفروا بمرادكم من النصرة والمعونة على أَعدائكم. وكان رسول الله وأَصحابه يكثرون من الدعاءِ خصوصًا عند اللقاءِ. رجاءَ النصر من الله - تعالى - ولما أَمرهم الله تعالى بذكره ودعائه عند اللقاءِ، أَتبعه الأَمر بطاعة الله ورسوله وعدم التنازع لتتوفر لهم أَسباب النصر، فقال - سبحانه -: ٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أَي واستجيبوا لأَمر الله ورسوله واعملوا به، فإِن طاعة القائد من أَهم أَسباب النصر. والاختلاف عليه يُفضى إِلى الهزيمة، فما ظنُّكم إِذا كان القائد رسول الله المنفذ لأَوامر الله فلا تختلفوا عليه ولا تتنازعوا فما بينكم، فتتفرق كلمتكم وتذهب قوتكم ودولتكم، وتجرى الأُمور على غير ما تريدون من النصر. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أَي واصبروا على ما تكرهون وما تلاقون من بأْس العدو، إِن الله مع الصابرين بالعون والنصر. قال - تعالى - يمدح الصابِرين في الشدائد: ﴿وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢).

стр. 1651

٤٧ - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: أَي امتثلوا ما أُمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، ولا تكونوا كأَعدائكم المشركين الذين خرجوا يوم بدر لنصرة العير ومعهم القيان والمغنيات، فأَتاهم رسول أَبي سفيان وهم بالجحفة أَن ارجعوا فقد سَلِمَتْ عِيرُكم. فأَبى أَبو جهل وقال: "والله لا نرجع عن قتال محمَّد حتى نَرِدَ بَدْرًا، فنشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القيان، وننحر الجُزُرَ ونطعم بها من حضرنا من العرب" فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإِطعامهم. قال الزمخشرى: فوافوها فسُقُوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. فنهاهم الله أَن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين الناس بأَعمالهم، وأَمرهم أَن يكونوا من أَهل التقوى مخلصين أَعمالهم لله. ثم ختمت الآية الكريمة بقوله: ﴿وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: أَي والله - وحده - محيط علمًا بجميع ما يعمله هؤلاءِ المشركون، من البطر والمراءَاة والصدِّ عن سبيل الله، والمكر والتدبير لإِحباط دعوة الرسول فيجازيهم عليه، وقد جازاهم في الدنيا بالقتل والأَسر وأَخذهم أَخذًا شديدًا بالهزيمة يوم بدر ولهم في الآخرة عذاب أليم لا نهاية له. وقد أَتبع الله تعالى هذه الآية، بيان ما أَصاب المشركين من الهزيمة، بعد تزيين الشيطان لهم بالنصر، واغترارهم بذلك فقال: ٤٨ - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾: أَي واذكر لهم يا محمَّد وقت أَن حسن الشيطان للمشركين أَعمالهم في معاداة الرسول، وبلغ به التزيين أَن قال: لا غالب لكم اليوم من المؤمنين وإنى معين لكم وناصر.

стр. 1652

﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: العقب: مؤخر القدم، ونكوصه على عقبيه، رجوعه إِلى الوراءِ، والمراد به بطلان كيده. والمعنى: فلما أَبصر كلٌّ من الفريقين الآخر، وقد رجحت كفة المؤمنين بإِمداد الملائكة لهم، بطل كيد الشيطان وتزيينه، بظهور عجزه عن نصرتهم وتبرئه منهم، وانتحاله العذر لنفسه في خلف وعده، وذلك ما يحكيه الله بقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾: أَي إني برئٌ من نصرتكم لأَننى أَرى من أَسباب نصرة المسلمين ما لا ترون. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أَي إِنى أَخشى عقاب الله، والله شديد العقاب، ذكر الكشاف عن الحسن ﵀: كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم. وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر الكنانى - وكان من أَشرافهم - في جند من الشياطين معه راية. وقال: لا غالب لكم اليوم إِنى مجيركم من بني كنانة فلما رأَى الملائكةَ تَنْزل نكص. وفي موطأ مالك أَن رسول الله ﷺ قال: "ما رأَى الشيطان نفسه يومًا هو فيه أَصغر ولا أَحقر ولا أَدحر ولا أَغْيَظَ منه في يوم عرفة، وما ذاك إِلا لِما رأَى من تنزل رحمة الله، وتجاوزه عن الذنوب العظام، إلا ما رأَى يوم بدر - قيل وما رأَى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أَما إِنه رأَى جبريل يَزَع (١) الملائكة". ثم ذكَّر الله المؤمنين بموقف المنافقين ليحذروهم فقال:

стр. 1653

٤٩ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: المنافقون: هم الذين أظهروا الإِيمان وأَبْطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: إِما المنافقون والعطف للتفسير، وإِما أَنهم قوم أَسلموا حديثًا، ولم تطمئن قلوبهم بالإِيمان، وإِما أَنهم المشركون لمرض قلوبهم. والمعنى: واذكر يا محمَّد حين يقول المنافقون ومرضى القلوب من هؤلاءِ أَو أُولئك، خدع هؤلاءِ المؤمنين دينهم، فخرجوا مع قلتهم وضعف استعدادهم لقتال المشركين مع كثرتهم وقوة استعدادهم، إِذ كان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ولم تكن معهم أَسلحة كافية ولا إِبل ولا خيل إِلا قليلًا فقد خرجوا للقاءِ عير قريش، ولم يخرجوا لقتالهم كما تقدم بيانه، وكان عدد المشركين ثلاثة أَمثالهم. وقد جاءُوا مستعدين تمام الاستعداد لقتال المسلمين، فزعم المنافقون كما زعم مرضى القلوب أَن المسلمين خرجوا مغترين بدينهم ظانِّين أَنهم ينصرون به فيرد الله - تعالى - عليهم قائلًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أَي ومن يكل أَمره إِلى الله مؤمنًا بأَنه ناصره، ينصره الله فهو - سبحانه - يكفى المؤمنين ما أَهمهم، وينصرهم على أَعدائهم وإِن كثروا وعظم استعدادهم، وهو كذلك حكيم يضع كل أَمر في موضعه، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه، ومنه نصر الحق على الباطل، وكثيرًا ما تدخل عنايته بالمتوكلين في باب الآيات وخوارق العادات. وكم لله من لطفٍ خفىّ … يدق خفاه عن فهم الذكىِّ ٥٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: أَي ولو عاينت يا محمَّد وشاهدت حال هؤلاءِ الكفار حين تتوفاهم الملائكة ببدر وتنتزع أَرواحهم، وهم يضربون وجوههم عند اللقاءِ وظهورهم عند الفِرار، لشاهدت أمرًا فظيعًا يدل على شدّة ما أَصابهم من الخزى والعار والهزيمة. ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أَي تضرب وجوههم وظهورهم، وتقول لهم: ذوقوا عذاب اللهيب المحرق، والمراد بضرب وجوههم وأَدبارهم، ضربهم من كل ناحية.

стр. 1654

٥١ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: ويقولون لهم أَيضا: ذلك العذاب الذي حل بكم بسب ما فعلتموه من الآثام، وأَن الله عادل في جزائه، وليس بظالم لعبيده، حين يعاقبهم على معاصيهم الَّتي حذَّرتهم منها رسلهم. جاءَ في الحديث القدسى: "يا عِبَادِى إِنَّى حَرَّمْتَ الظُّلْمَ عَلىَ نَفْسى، وَجَعلْتُه بيْنكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا .. إِنَّما هِى أَعْمالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ فَمَنْ وَجَد خَيْرًا فَمِنَ اللهِ، وَمَنْ وَجَد غَيْرَ ذَلكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَه" أَخرجه مسلم. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾. المفردات: ﴿كَدَأْبِ﴾ الدأْب: العادة التي يدأَب عليها الإِنسان ويعتادها. التفسير ٥٢ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: المعنى: شأْن هؤلاءِ في عنادهم المستمر ومقاومتهم لرسول الله ﷺ كشأْن آل فرعون والأُمم التي كانت قبلهم، في استمرارهم على كفرهم باللهِ ورسوله

стр. 1655

إِذْ كذبوهم وعاندوهم وكفروا بآيات الله وعظيم الدلائل على قدرته ووحدانيته، فأَخذهم الله بسبب ذنوبهم وكفرهم، أَخذا شديدا، ثم أَكد ذلك وقواه وعلله فقال: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ﴾: غالب لا يغلبه أَحد. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لمن خرج عن طاعته وأَصر على كفره وعناده. ٥٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: المعنى: ذلك العذاب الذي نزل وينزل بهم، بسبب أَنهم غيَّروا وبدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فقابلوا الأَمن والعافية والسَّعة بالكفر والصدِّ عن سبيل الله، فبدَّل الله نعيمهم عذابا، والله لا يغيِّر نعمةً أَنعمها على قوم بنقمة، إلاَّ لأَنهم بدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فوضعوه مكان الشكر. ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أَي ذلك الجزاءُ على كفرهم بسبب تبديلهم نعمة الله كفرا، وبسبب أَنَّ الله قوى السَّمع لِمَا يقولون محيط علمًا بما يعملون. ٥٤ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: قارئُ هذه الآية يظن أَنها مكررة مع مثيلتها السابقة، والذي يبدو لنا أَنها لا تكرار فيها، فقد جاءَت الآية السابقة لبيان أَن عادة هؤلاءِ وأُولئك الكفر، أَما هذه الآية فقد أَفادت أَن الله تعالى غيَّر نعمته عليهم لأَنهم لم يغيِّروا ما هم فيه من التكذيب، بدليل قوله تعالى قبل هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فكأَنه قال عقبها: كدأَب آل فرعون. غير الله نعمته عليهم لمداومتهم التكذيب بآيات الله فأَهلكهم وانتقم منهم، فقوله تعالى في الآية الأُولى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تفسير لدأْبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وقوله سبحانه في الآية الثانية: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ تفسير لدأْبهم الذي فُعِل بهم، من تغييره - تعالى - ما بهم من نعمته بإِهلاكهم، وأَما دأْب قريش في العقوبة، فمستفاد من تشبيههم بآل فرعون، والمقصود جنس العقوبة لا نوعها، فإن آل فرعون أُهلكوا بالإِغراق، أَما قريش فقد أُنذروا بعقوبة مطلقة، ويرى بعض المفسرين: أَنها مؤكدة ومقررة لِما أَفادته مثيلتها السابقة.

стр. 1656

والمعنى: أَن أَمر كفار قريش، مثل ما اعتاده قوم فرعون والذين من قبلهم من الكفار، كذبوا بآيات ربهم المنزلة على رسلهم وبآياته الكونية، واستمروا على ذلك فأَهلكهم الله جميعًا بذنوبهم، وكان عقاب آل فرعون الإِغراق، وكل من هؤلاءِ الكفار المكذِّبين كانوا ظالمين: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ولسوف يعاقب الله أَشباههم من قريش إِن استمرُّوا على تكذيبهم، كما عاقب آل فرعون، فليسوا أَشد منهم قوة، ولا أَكثر جمعا. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾. المفردات: ﴿الدَّوَابِّ﴾: جمع دابة وهي كل ما يدب على وجه الأَرض. ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾: أَي يفكُّونه، والمراد أَنهم لا يوفون له.

стр. 1657

﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: تلقاهم وتجدهم. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾: فافعل بهم فعلا يخيف مَنْ وراءَهم ويشُرِّدُهم. والتشريد: التبديد والتفريق. ﴿تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾: أَي تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: فاطرح إِليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأَن تخبرهم بذلك. ﴿سَبَقُوا﴾: فاتوا وأَفلتوا من عقابنا. ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لا يفوتون ولا يفلتون من عقاب الله بل هو قادر عليهم. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: من كل ما يتقوى به في الحرب. ﴿رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدَّة للقتال. ﴿تُرْهِبُونَ﴾: تُخَوِّفون. ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأَعيانهم أَو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة. التفسير ٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: نزلت الآيات في بني قريظة. عاهدهم رسول الله ﷺ أَن لا يمالئوا عليه أَعداءَه فنكثوا بأَن أَعانوا مشركى مكة بالسلاح وقالوا نسينا وأَخطأَنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا مع الكفار يوم الخندق، وكان كعب بن الأَشرف قد انطلق إِلى أهل مكة قبل غزوة الخندق فحالفهم على محاربة رسول الله ﷺ وغزو المدينة، فأَنزل الله هذه الآيات، ليبيِّن أَنهم شرّ من دب على وجه الأَرض في حكم الله وقضائه، لا شرُّ الناس فقط، وفي ذلك إِشارة إِلى أَنهم بمعزل عن الناس، فهم من جنس الدَّواب ومع ذلك فهم شرُّ من جميع أَفرادها، ومثله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. والمعنى: إِن شر جميع ما يدب على وجه الأَرض، هم اليهود الذين كفروا برسول الله ﷺ وما جاءَ به، فهم مستمرُّون على عدم إِيمانهم به، مع قيام الحجة عليهم

стр. 1658

وثبوت أَماراته في كتبهم، ثم استمر في بيان قبائح هؤلاءِ الكفار الموصوفين بأَنهم شرُّ الدواب فقال: ٥٦ - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾: بيَّنت هذه الآية الكريمة أَن هؤلاءِ اليهود الذين هم شر الدواب عاهدهم النبي ﷺ فغدروا، ثم عاهدهم فغدروا، وتكرَّر منهم نقض العهد في كل مرة، وهم لا يتقون الله، ولا يخشون عقابه لهم على نكث العهد، وما يجره عليهم من نكبات تحلُّ بهم. ٥٧ - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: المراد من (ما) في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ التأْكيد، والمعنى: إِذا كان حالهم ما ذكر من نقض العهود، ففي أَي وقت أَو مكان تصادفهم وتظفر بهم في الحرب فشتِّت بقتالهم والتنكيل بهم مَنْ خلفهم من الناكثين للعهود، والمتربصين لقتال المسلمين، لعل الأَعداءَ من ورائهم يتعظون بما فعلت مع هؤلاءِ من حرب ونكاية وتشريد. ٥٨ - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: المراد من لفظ (ما) في قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ التأْكيد كسابقتها. والمعنى: وإِن خفت في أَي وقت، من قوم خيانة في عهد بينك وبينهم، بأَمارة تلوح لك كما ظهر من بني قريظة وبنى النضير، فاطرح إِليهم عهدهم وأَعلمهم بذلك وأَنه لا عهد بعد اليوم، ولتكن أَنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواءٍ، أَي مستويًا أَنت وهم في ذلك، لئلاَّ يتهموك بالغدر إِن أَخذتهم بغتة قبل أَن تبلغهم. ثم علل هذا الأَمر بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: أَي لا يرضى عن الغادرِين الذين يغدرون بمن كان في أَمانٍ وعهدٍ، هذا إِذا لم يتحقق نقضهم للعهد، وإِلاَّ حاربهم كما فعل رسول الله ﷺ بقريش، حينما

стр. 1659

نقضوا عهد الحديبية، حيث لم يوجه إِليهم من يعلمهم بنقض العهد، بل توجه بجيشه إِلى مكة حتى فتحها، دون سابق إِنذار بذلك، بل أَخفى قصده إِليها. ثم أَخبر أَن من أَفلت يوم بدر من القتل أَو الأَسر لن يعجز الله أَن يوقع به فقال: ٥٩ - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾: أَي: ولا يظنَّن الذين كفروا من قريش أَنهم سبقوا عقاب الله بأَن أَفلتوا ونجوا منه؛ كلاَّ إِنهم لا يعجزون الله في الدنيا والآخرة، فلسوف يذيقهم الله ذلّ الهزيمة والقتل والأَسر في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة، خالدين فيها أَبدا، وفي الآية بشرى للنبي ﷺ بما يطمئن قلبه على مستقبل الدعوة الإِسلامية، وأَنها إِلى نصر وأَن أَعداءَه إِلى هزيمة، ثم أَمر الله - تعالى - بإِعداد العدة للقاءِ أَعداءِ الإِسلام حتى لا يؤخذ المسلمون على غرَّة وضعف فقال: ٦٠ - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: أَي وأَعدوا لهؤلاءِ الكفار الناقضين للعهد، كل ما تستطيعون إِعداده لقتالهم، من أَنواع السلاح وأَدوات الدفاع، حسب المتقدم العلمى في جميع ما يتقوى به على العدو في الحرب، فكل ما يستعان به في الجهاد فهو من جملة القوة المأْمور بإِعدادها. ومن ذلك إِحكام التدبير، وتدريب الجنود على استعمال الأَسلحة، وتقوية الروح المعنوية، ببيان فضل الثبات والاستشهاد في سبيل الله. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: رباط الخيل: هو المكان الذي ترابط فيه الخيل عند الحدود، ليحرس فرسانه الثغور، ويراقبوا العدو، وقد كان رباط الخيل في عهد نزول الآية الكريمة، أَهم الأَسباب لتحقيق ذلك، فلذا نص عليه فيها، ولكن الحروب تطورت، ورباط الخيل لا يكفى فلذا يعتبر ضربَ مثل لكيفية حراسة الثغور، والمناسب في عصرنا هذا هو إِقامة حصون

стр. 1660

ثابتة، مزودة بأَحدث الأَسلحة والمناظير القوية البعيدة المدى، لإِحكام مراقبة تصرفات العدو عن بُعد، وتنبيه قيادة الجيش إِلى خططه، والمسارعة إِلى ردِّه إِن باغتهم، وأَمَّا تفسير الرسول ﷺ للقوة بقوله: "أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى" كما رواه مسلم. فالمقصود به ما يعم الرمى بالسهام والنبال - كما كان ذلك في عهده ﷺ والرمى بالقنابل والصواريخ وغير ذلك مما يرمى به العدو لكسب المعركة منه. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: أَي تُرهْبُون وتخيفون بما أَعددتم من أَسباب القوة، عدوَّ الله وعدوَّكم من الكافرين الذين يجاهرونكم بالعداوة، وترهبون به أَيضًا أَعداءً آخرين من وراءِ أُولئك المجاهرين، لا تعلمونهم لتستّرهم في عداوتهم، والله - تعالى - يعلمهم، ويعلم ما انطوت عليه جوانحهم، ولا شك أَن العدو المجاهر والمستخفى إِذا عرف قوة استعدادنا الحربى فإِنه يجبن عن قتالنا، وأَن يجرب حظه في الهزيمة منا. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ﴾: أَي وأَى شيءٍ تقدمونه من مال قل أَو كثر في إِعداد الجيوش ومراعاة أُسرهم بما يحتاجون إِليه. ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾: أَي تعطون جزاءَه وافيًا من الله - تعالى -: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: أَي وأَنتم لا تنتقصون شيئًا من ثواب أَعمالكم مهما قلت وقد جاءَ في فضل تجهيز الغزاة في سبيل الله أَحاديث كثيرة منها قوله ﷺ : "من جهَّز غازيا فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيا في أَهله بخير فقد غزا" رواه البخاري أَي أَن تجهيز الغازى أَو رعاية أَهله من ورائه يعتبر في الثواب كالجهاد في سبيل الله تعالى، وثواب الجهاد شئٌ عظيم.

стр. 1661

﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. المفردات: ﴿جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: مالوا إِلى المسالمه والصلح. ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾: فصل إِليها. ﴿يَخْدَعُوكَ﴾: يظهروا لك السلم ويبطنوا الغدر والخيانة. ﴿حَسْبَكَ اللهُ﴾: كافيك الله. ﴿أَيَّدَكَ﴾: قواك. ﴿أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: جمع بين قلوب الأَوس والخزرج. التفسير ٦١ - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: يقول الله : وإِن مال الذين يحاربونك من الكفار إِلى المسالمة ونبذ الحرب، بالدخول في الإِسلام أَو المهادنة أَو المصالحة، فاجنح لما جنحوا إِليه من السلام، وعاهدهم عليه، وتوكل على الله وفوض أَمرك إِليه فهو وحده الذي يستطيع أَن ينصرك ويحفظك من خياناتهم، على أَن يقترن ذلك بالحذر منهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أَي إِنه تعالى هو العظيم السمْع لكل مسموع، الواسع العلم لكل معلوم، ومن ذلك أَقوالكم وأَقوالهم وأَعمالكم وأَعمالهم من وفاءٍ وغَدْر، والآية أَصل عظيم من أُصول الإِسلام فهو دين سلام لا حرب، سلام لمن سالمنا حرب لمن حاربنا أَو مكر بنا.

стр. 1662

٦٢ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾: يقول الله سبحانه وإِن يريدوا أَن يخدعوك بجنوحهم إِلى السلم ظَاهرًا، فلا تخف من إِبطانهم المكر والخديعة، فإِن الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم، ومن تولى الله كفايته وحفظه لا يضره شيء. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي هو الذي قضى بأَن يؤيدك بنصره في حربك معهم، ويؤيدك بالمؤمنين من الأَنصار والمهاجرين ونفَّذَ ما قضى به وحقَّقَه. ٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: إِذ أَلف بين قلوب الأَوس والخزرج من الأَنصار، وقد كانت الحرب سجالا بينهما فكان تأْليف قلوبهم وجمعها من آيات الله الكبرى. كما أَلف بالإِيمان بين قلوب المؤمنين من الأَنصار والمهاجرين، وجعلهم حربًا على أَعدائك، حتى قاتَل الرجل أَباه وأَخاه بسبب الدين، ثم بين عظم هذه الآية فقال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا في الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾: أَي: لو جمعت يا محمَّد ما في الأَرض من مال وأَنفقته في سبيل جمع قلوبهم على كلمة واحدة، ما ألفت بينهم ولكن الله أَلف بينهم بفضله وكرمه، لأَن قلوبهم بين يديه يقلبها كيف يشاء، فلذا نزع ما في قلوبهم من غل وحقد، وملأَها حبًّا ورحمة ومودة وعطفًا، فأَصبحوا بنعمة الله إِخوانًا. ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يعجزه أمرٌ أَراده. ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج شيء عن حكمته، وإِذا كان الله تعالى قد أَكرمك؛ بالنصر في بدر وتأْليف قلوب المؤمنين، فلا تخف من خديعتهم لك إِن جنحت لمسالمتهم بعد أَن يجنحوا لها، فإِنه تعالى سيحفظك من مكرهم وخداعهم. ثم نزل في بدر بالبيداء قبل بدء القتال في غزوة بدر.

стр. 1663

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾. المفردات: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: حثهم وحضهم. ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: لا يدركون ولا يفهمون. التفسير ٦٤ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المعنى: يأَيها النبي كافيك الله تعالى ومن معك من المؤمنين في تحقيق النصر الذي وعدك به على أَعدائك المخادعين. والآية وما بعدها رفع لروح المؤمنين المعنوية بالوعد بتأْييد الله لرسوله عند الجهاد. ٦٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾: بعد ما بين الله كفايته إِياهم بالنصر، أَمر نَبيَّه ﷺ بترتيب مبادئ نصره وإِمداده.

стр. 1664

والمعنى: يأَيها النبي رغِّب المؤمنين في القتال وسهل لهم مشقته ببيان فائدته وعظيم أَثره من الفوز أَو الشهادة. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: يعني: أن الله معكم بنصره وعونه ولو قل عددكم وضعفت عدتكم: فإِن وجد منكم عشرون صابرون عند لقاء العدو فيهم قوة وشجاعة يغلبوا مائتين من الكفار، لأَنهم وإِن كثروا فلا قوَّة لهم، لأَنهم يحاربون للدنيا لا للآخرة، وللطاغوت لا لمالك الملك والملكوت. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وهذا وما قبله خبر بمعنى الأَمر أَي ليقاتل العشرون منكم مائتين والمائة الأَلف ثم علل هذا الأَمر بقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أَي ما ذكر من كفاية الواحد منكم لعشرة منهم، بسبب أَنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فهم لا يقاتلون احتسابًا وامتثالا لأَمر الله تعالى وإِعلاءً لكلمته وابتغاءَ رضوانه كما يفعله المؤمنون طالبين الفوز أَو الشهادة، وإِنما يقاتل أولئك الكفار لحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان فلا تثبت أَقدامهم في القتال أَمامكم - مع قلتكم وكثرتهم - ثم لما شق ذلك على المسلمين خفف الله عنهم فقال: ٦٦ - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: بين الله في الآية السابقة أَنه أَوجب على المسلمين أَن يثبت الواحد منهم لعشرة، لقوة الواحد بالإِيمان، وضعف العشرة بالكفر، ولما شق ذلك عليهم خفف عنهم بما جاءَ في هذه الآية من وجوب ثبات الواحد لاثنين. والمعنى: الآن خفف الله عنكم إِيجاب ثبات الواحد لعشرة، وقد علم أَن فيكم ضعفا يستوجب التخفيف، فإِن يكن منكم مائة صابرة عند اللقاءِ ثابتة في محاربة الأَعداء مطمئنة إِلى نصر الله للصابرين، فإِنهم يغلبون مائتين من الأَعداء، وإِن يكن منكم أَلف صابرون يغلبوا أَلفين، بالنصر والمعونة الإِلهية.

стр. 1665

فإِن قلت: قد علم الله ضعف المؤمنين في الحالين، فلماذا أَوجب اللهِ عليهم أَولًا الثبات لعشرة أَمثال من الكفار، ثم عاد فخفف عنهم بإِيجاب الثبات لمثلين. فالجواب: أَن الضعف وإِن كان موجودًا في الحالين، لكن الأَعداءَ كانوا شديدى الطمع - أَولا - في المسلمين لقلتهم، فلما ثبتوا لهم وهم عشرة أَمثالهم، وقهروهم وظهرت قوتهم عليهم مع قلتهم، تفضل الله فخفف عنهم، فقد نصروا بالرعب وآن أَوان التخفيف عنهم؛ ومع هذا يجب على القائد أَن يقدر الموقف، ويفعل ما فيه المصلحة، فإِن كانت في الثبات وجب الثبات، وإِن كانت في الانسحاب لترقب فرصة أَفضل فله أَن يتخذ القرار الملائم. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾. المفردات: ﴿أَسْرَى﴾: جمع أَسير وهو من يؤخذ في الحرب حيًّا، وتُشَدُّ يده بالإِسار وهو القيد.

стр. 1666

﴿يُثْخِنَ في الْأَرْضِ﴾: أَي يبالغ فيها بالقتل والجرح حتى تظهر شوكة المسلمين وقوتهم. ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: حطامها - سمى عرضا لسرعة زواله. ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: أَي لأَصابكم بسبب ما أَخذتموه من الفدية. ﴿خِيَانَتَكَ﴾: أَي الغدر بك بنقض العهد. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: لأَقدرك عليهم قتلًا وأَسرًا. التفسير ٦٧ - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ .... ﴾ الآية. سبب نزول هذه الآية: أَن الرسول ﷺ ، استشار أَصحابه في أَسارى بدر بعد انتهاء وقعتها، فقال أَبو بكر ﵁: يا رسول الله: أَهلك وعشيرتك فَمُنَّ عليهم بالفداء، وقال عمر ﵁: يا رسول الله: لقد آذوك وأَخرجوك فاقتلهم فإِنهم أَئمة الكفر، فأَخذ النبي ﷺ برأى أَبي بكر وأَطلق سراحهم في مقابل فدية من كل واحد منهم، فنزلت الآية، وظاهرها أَنها عتاب للنبي ﷺ وللمسلمين الذين وافقوا على قبول الفدية، ولكن المقصود بها الإِيذان باستحقاق أولئك الأَسرى أَن يقتلوا بسبب موقفهم من الدعوة الإِسلامية ومن النبي ﷺ والمسلمين بمكة وبعد الهجرة، وأَنهم ليسوا أَهلا لهذه المنَّة التي مَنَّ بها عليهم الرسول ﷺ . والمعنى: ما ينبغي لنبى ومن معه من المؤمنين، أَن يستبقوا الأَسرى أَحياءً، قبل أَن يثخنوا في الأَرض ويغلظوا فيها بقتل الأَعداء، حتى تتربى المهابة في نفوس المشركين وكان هذا مشروعًا في أَول فرض الجهاد، ثم أَنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.

стр. 1667

وبهذه الآية شرع الفداء للأَسرى بعد أَن ذاق المشركون بأْس المؤمنين وعرفوا قوتهم، ووقر في قلوبهم الرعب منهم. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أَي: تريدون أَيها المؤمنون عرض الدنيا وحطامها بأَخذ الفداءِ والرضا به، والله يرضى لكم الآخرة أَي ثوابها بقتلهم، إِعزازًا لدين الله بتخويف المشركين وإِذلالهم بالقتل، والله غالب عظيم الحكمة، ولذلك دعاكم إِلى ما فيه عزتكم وذل أَعدائكم. ٦٨ - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: لولا قضاء مكتوب من الله سبق بأَنه لا يعذب قومًا حتى يبين لهم ما يتقون من المحاذير، لأَصابكم بسبب ما أَخذتم من فداء الأَسرى عذاب عظيم. ٦٩ - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: روى أَنهم أَمسكوا عن الغنائم، ولم يمدوا أَيديهم إِليها حتى نزلت الآية لتبيح لهم الغنائم، وقد كانت الغنائم لا يحل أَخذها لأَحد قبل هذه الآية. فلما نزلت أَباحت لهم أَخذ الغنائم، والانتفاع بها أَكلا وغير أَكل، وإِنما عبر بلفظ الأَكل لأَنه المقصود المهم. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أَي وخافوا الله في أَمركم كله، فإِنكم إِذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم. ٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أَي: يأَيها النبي قل لمن وقع في أَيديكم من الأَسرى إِن يعلم الله في قلوبكم خيرًا وحبًّا للدين وخلوصَ إِيمانٍ ونيَّة. يؤتكم في الدنيا والآخرة خيرًا مما أُخذ منكم من الفداء ويغفر لكم ما فرط منكم من الذنوب، والله تعالى عظيم الغفران والرحمة. ٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:

стр. 1668

أَي: وإِن يُرِدِ الأَسرى خيانتك حينما وعدوا أَن لا يحاربوك ولا يعاونوا عليك أَحدًا من المشركين، فقد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، فأَمكنك منهم في بدر فليتوقعوا مثل ذلك إِن عادوا إِلى خيانتهم لله ورسوله، والله عليم بخلقه، حكيم في صُنعِه، ثم تحدث القرآن عن الروابط بين المهاجرين والأَنصار ومن تصح موالاتهم ومن لا تصح فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوالْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾. المفردات: ﴿آوَوْا﴾: أَي آووا المهاجرين في المدينة وأَسكنوهم.

стр. 1669

﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: أَي ما لكم من توليهم في الميراث وإِن كانوا من أَقرب أَقاربكم حتى يهاجروا. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ﴾: تحصل فتنة بظهور الشرك. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجنة. ﴿فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: أَي من جملتكم أَيها المهاجرون والأَنصار. ﴿أُولُو الْأَرْحَامِ﴾: أَصحاب القرابات. التفسير ٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية. المعنى: إِن الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ وهاجروا من مكة إِلى المدينة فرارًا بدينهم، وبذلوا أَموالهم ونفوسهم في سبيل الله دفاعًا عن الدين بقتال أَعدائه. والذين آوَوْا النبي ﷺ والمهاجرين من أَهل المدينة، فأَسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أَموالهم، وآثروهم على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ونصروا دين الله بنصرة نبيه ﷺ . ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: أَي أُولئك المهاجرون والأَنصار بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، وكان المهاجرون والأَنصار، يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأَقارب (١)، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فتوارثوا بالقرابة مع الإِسلام، ونسخ التوارث بالهجرة والمؤاخاة، وكان الأَنصار يؤثرون المهاجرين على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، كما كانوا يتعاونون معهم في نصرة رسول الله ﷺ ، ولا شك في أَن ذلك كله كان فيه عز الإِسلام ومجد المسلمين. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾:

стр. 1670

والذين آمنوا باللهِ ورسوله ﷺ وأَقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة ولم يلحقوا برسول الله ﷺ ليشتركوا مع المؤمنين المهاجرين والأَنصار في نصر الدين وحرب الكافرين ما لكم شيء من توليهم، فلا إِرث بينكم وبينهم - أَيها المهاجرون والأَنصار - وإِن كان بينكم وبينهم قرابة حتى يهاجروا، والحكمة في عدم التوارث بينهم مع قرابتهم. إِيثار المؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأَنصار عليها، لما كان لها من أَثر بعيد في عز الإِسلام والمسلمين. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: المعنى: أَن المؤمنين الذين لم يهاجروا من أَهل مكة إِن استنصروكم في الدين يجب عليكم أَن تنصروهم على أَعدائهم، ما لم يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم معاهدة سلام، فلا تعينوهم حتى لا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين الكفار، وهذا ما حدث في صلح الحديبية، فقد حافظ النبي ﷺ والمسلمون على عهدهم معهم، وردوا من لجأَ إِليهم من المسلمين الذين كانوا بمكة قبل صلح الحديبية. ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فلا تخالفوا أمره حتى لا يحل بكم عقابه. ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: المعنى: والذين كفروا بالله ورسوله ﷺ بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، فلا يرثهم المسلمون، ولا يرثون المسلمين، كما أَنهم أولياءُ بعض في المؤازرة والنصرة، فلا تستعينوا بهم - أَيها المؤمنون - فإِنهم لا يوالونكم ولا يحبون الخير لكم، وإِنما يوالى بعضهم بعضا، فكونوا على حذر منهم. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: أَي: إِلا تفعلوا ما أَمرتكم به من التناصر والتوارث والتواصل والتعاون، وقطع الصلات بينكم وبين الكفار حتى تجعلوا قرابتهم كلا قرابة، إِلا تفعلوا ذلك كله، تحصل

стр. 1671

فتنة في الأَرض وفساد كبير، لظهور الشرك وغلبَته، لأَن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على أَعدائهم، طمع فيهم أولئك الأَعداء واستولوا على ديارهم، كما حدث في الحقبة التي غفل فيها المسلمون عن موالاة بعضهم لبعض، واتخذوا أَعداءَهم أولياءَ لهم. ٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: المعنى: والذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا من وطنهم وجاهدوا أعداء الإِسلام في سبيل طاعة الله ونصرة دينه، والذين آووا رسول الله والمهاجرين وأنزلوهم في ديارهم. ونصروهم على من أَخرجوهم من وطنهم، أُولئك هم المؤمنون المستكملون لعناصر الإِيمان حقا لأَنهم حققوا من إِيمانهم مقتضاه، من هجرة الوطن ومفارقة الأَهل، والانسلاخ عن الأَموال لأَجل الدين، كما حقق الأَنصار نصرة النبي وإِيواءَه والمهاجرين في بيوتهم. وقد ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وعدا سخيًّا من الله لهم على ما تقدم من صفاتهم، والمراد من الرزق الكريم، الثواب الجزيل الذي ينعمون به في رياض الجنة، أَكلا وتفكها من غير منة ولا تبعة ولا مسئولية، ويلاحظ أَن هذه الآية ليست متكررة مع ما قبلها، فإِن هذه للثناء عليهم والشهادة بفضائلهم، مقترنة بالوعد الكريم بالمغفرة والرزق الكريم، أَما تلك فهي للأَمر بالتواصل والتوارث والنصرة بينهم. ٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: أَي: والذين آمنوا وهاجروا من بعد هجرة الرسول إِلى المدينة، كالذين هاجروا بعد بيعة الرضوان في الحديبية، ثم جاهدوا معكم فهؤلاءِ من جملتكم أيها المهاجرون، فلهم مثلكم حق النصر والموالاة، وقد رفع عنهم إِثم التأَخر في الهجرة. وبقى وجوب الهجرة على المسلمين حتى فتحت مكة، قال ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" وهذا عندما يكون المسلم آمنا على عقيدته، فإِن خاف الفتنة وجبت عليه الهجرة إِلى مكان يأمن فيه على نفسه وأَهله ودينه وماله.

стр. 1672

﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ﴾: أَي: وأَصحاب القرابات، بعضهم أَحق ببعض في التوارث بالقرابة، وبذلك النص انتهى حكم التوارث بالمؤاخاة والحلف والمعاهدة والتبنى وثبت حكم التوارث بالقرابة. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أَي أَن علمه تعالى محيط بكل شيء وفي جملة ذلك امتثال المؤمنين وتنفيذهم أمر الله، بالتوريث بالقرابة، أَو مخالفتهم له، فيثيب الأوَّلين ويعاقب الآخرين. سورة التوبة مقدمة سورة التوبة من السور المدنية، إلا الآيتين الأَخيرتين منها فهما مكيتان على الراجح وتشتمل على تسع وعشرين ومائة آية. قال ابن كثير: هذه السورة من أَواخر ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ كما أَخرجه البخاري عن أَبي إِسحق قال: سمعت البراءَ يقول آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ﴾. وآخر سورة نزلت "براءَة" وقد جاءَ ترتيبها في المصحف بعد الأَنفال لما يلى: ١ - أَن في سورة الأَنفال حثا على الوفاءِ بالعهود وفي سورة التوبة دعوة إلى نبذها مع الكفار الناكثين لها. ٢ - أَن الأَنفال قد اختتمت بفرض الموالاة بين المؤمنين وأَن التوبة قد بدئت بوجوب قطعها بينهم وبين الكفار. ٣ - أَن التوبة تشتمل على تفصيل كثير للإِجمال الذي جاءَت به الأَنفال. ٤ - أَن كلتا السورتين نزلتا في القتال، وأَنهما دعامتا النظام العسكري في الإِسلام، وفيهما تقرير لأصول إِسلامية كثيرة. ودعوة إِلى تكوين المجتمع الإِسلامى المعتمد على القوة، والاستعداد العسكري القائم على الإِيمان والعلم والطاعة، والحرص على تحمل

стр. 1673

المسئولية، والمحافظة على الأَمانة والإِخلاص، وبذل المال في سبيل الله، ومحاربة النفاق والمنافقين. وسمّيت هذه السورة "سورة التوبة": لما فيها من توبة الله على النبي ﷺ والمهاجرين والأَنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعلى الثلاثه الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك - وسيأْتى بيان ذلك. وفي التوبة تحديد لعلاقة المسلمين بأَعدائهم في آخر عهد النبوة وكانوا ثلاث طوائف: ١ - طائفة مشركى العرب، وقد دعت السورة إلى نبذ عهود الذين لم يوفوا عهودهم منهم وأُمهلوا فيها أَربعة أَشهر يسيحون في الأرض. كما دعت إِلى الوفاءِ بالعهد إِلى مدته مع الذين لم ينقضوا عهودهم، لتخلص جزيرة العرب للمسلمين وحدهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا في مشرق الإِسلام. ٢ - أَهل الكتاب الناكثين لعهودهم فعلا، ومن قامت الأمارات القوية على أَنهم بصدد خيانتها ونكثها، وقد أَمَر الرسول بقتالهم حتى يخضعوا ويدفعوا الجزية. ٣ - المنافقين وقد فضحوا في هذه السورة وكشفت أَسرارهم، وأُمر النبي ﷺ والمسلمون بجهادهم والحذر منهم والإِعراض عنهم. وجملة القول: أَن الله - تعالى - أَعلن في سورة التوبة وجوب انتهاءِ الشرك من الجزيرة العربية، وحرب أَهل الكتاب وقتالهم إِن لم يؤمنوا أَو يدفعوا الجزية. وتحدث عن الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، ومنزلتهم في الدنيا والآخرة، وعن الذين تخلَّفوا عن الغزو مع رسول الله ﷺ وعظم جريمتهم، ثم توبة الله على ثلاثة منهم اعترفوا بزلتهم وأَحسنوا التوبة منها. وحارب النفاق حربا شديدة تماثل حربه للشرك أَو تزيد، كما بين الله فيها منزلة الشهداءِ ومكانتهم عند الله، ودعا إِلى تعلم العلم وجعل طلبه فريضة.

стр. 1674

وقد ختم الله سورة التوبة ببيان حرص الرسول ﷺ على المؤمنين، ووجوب الإِقبال على الإِسلام وعدم التولى عنه. وتسمى هذه السورة بأَسماءٍ أُخرى. منها: سورة براءَة. وسورة العذاب. وسورة الفاضحة لأَنها فضحت المنافقين، وكشفت نفاقهم الذي أجهدوا أَنفسهم في إِخفائه، إِلى غير ذلك من أَسمائها. ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾. المفردات: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾: المراد من البراءَة قطع العهد بين الرسول ﷺ وبين الناكثين للعهد من المشركين. ﴿عَاهَدْتُمْ﴾: عاقدتم.

стр. 1675

﴿فَسِيحُوا في الْأَرْضِ﴾: فسيروا فيها أَحرارا. ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: أَي غير مفلتين من انتقامه. ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾: مذلُّهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَذَانٌ﴾: الأَذان، الإِعلام بأَمر مهم، وشاع إِطلاق الأَذان على النداءِ للصلاة. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: المراد به يوم عيد النحر وقيل، يوم عرفة. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أَي وأَنذرهم بعذابه فإِن التبشير كما يستعمل كثيرًا في الإِخبار بما يسرُّ، يستعمل قليلًا في الإِخبار بما يسوءُ، لغرض الإِهانة والتحقير. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ﴾: أَي ولم يعينوا عليكم … التفسير ١ - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: انفردت سورة التوبة بترك البسملة في أَولها، دون باقى سور القرآن، لأَنها بدئت بالبراءَة من المشركين الناقضين لعهودهم وإِنذارهم، والبسملة فيها رحمة لا تلتقى مع هذا الإِنذار. روى أَنه لما خرج رسول الله ﷺ إِلى تبوك، جعل المشركون ينقضون العهود التي كانت بينهم وبين رسول اللهِ ﷺ ، إِلا بعض القبائل، منهم بنو ضَمْرة وبنو كنانة، فأَمره الله بنبذ عهود الناكثين، وأُمهلوا أَربعة أَشهر يسيرون في الأَرض أَحرارًا كيف شاءُوا. والمعنى: براءَة صادرة من الله أَمرًا، ومن رسوله ﷺ تبليغًا إِلى المشركين، الذين خانوا عهودهم ونقضوها. والمقصود من هذه البراءة، إِنهاء حكم الأَمان الذي تتضمنه هذه العهود بسبب سبق المشركين إِلى نكثها. ٢ - ﴿فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾:

стр. 1676

أَي فسيروا في الأَرْض آمنين على أَنفسكم من قتال المسلمين مدَّة أَربعة أَشهر، لا تتعرضون للإِيذاءِ فيها، واعلموا أَنكم غير معجزى الله بسياحتكم في الأَرض أَو قتالكم المسلمين، وأن الله مخزى الكافرين في الدنيا بالهزيمة، وفي الآخرة بسوءِ العذاب. وقد عُلِم من الآية الكريمة أَن الناكثين لعهودهم يمهلون أَربعة أَشهر، سواء أَكانت مدتهم كذلك، أَم أقل منها أَم أَكثر، وابتداء هذا الأَجل من يوم الحج الأَكبر، وانقضاؤه بعد تمام أَربعة أَشهر كوامل. ٣ - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾: أَي وإِعلام من الله ورسوله ﷺ إِلى الناس كافة مسلمهم وكافرهم في يوم الحج الأَكبر، أَن الله برئٌ من عهود المشركين الناكثين، وأَن رسوله ﷺ برئٌ منهم كذلك (١)، والمراد بيوم الحج الأَكبر يوم النحر، أَما العمرة فهي الحج الأَصغر، وقد تولى إِبلاع هذا الإِعلام أَبو بكر وعلى ﵄، كما رواه البخاري وغيره، وخلاصة تلك الروايات أَنه ﷺ أَمَّر أَبا بكر ﵁ على موسم الحج سنة تسع، ثم أَتبعه عليا ﵁ على ناقته العضباء، ليقرأَ صدر سورة التوبة على أَهل الموسم، فقيل له ﵊: لو بعثت بها إِلى أَبي بكر فقال ﷺ : "لا يُؤَدِّى عَنِّي إِلاَّ رَجُلٌ مِنِّي" وذلك لأَن عادة العرب أَن لا يتولى أَمر العهد والنقض على القبيلة إِلا رجل منها، فلما قَرُبَ عَلىٌّ سمع أَبو بكر صوت ناقة مقبلة فقال هذا رغاءُ (٢) ناقة رسول الله ﷺ ، فلما لحقه علىٌّ قال له أَبو بكر: أَمير أَم مأْمور، قال بل مأْمور، ومضيا، فلمَّا كان قبل يوم التروية خطب أَبو بكر ﵁ وحدثهم عن مناسك الحج، وقام على ﵁ يوم النحر عند جَمْرَة العقبة فقال: يأَيها الناس إِنى رسولُ رسولِ الله ﷺ إِليكم فقالوا بماذا؟ فقرأَ عليهم ثلاثين أَو أَربعين آية من أَول سورة التوبة ثم قال: أُمرت بأَربع: أَن لا يقرب

стр. 1677

البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة، وأَن يُتَمَّ إِلى كل ذى عهد عَهْدُه. والمقصود من براءَة الله ورسوله ﷺ من المشركين الناكثين لِعهودهم، هو مقابلتهم بمثل ما فعلوا، وذلك بقطع عهودهم بعد مهلة أَربعة أَشهر، يتدبرون فيها أَمرهم، حتى لا يؤخذوا على غِرَّة، ولكى يكون لديهم وقت كاف في التدبر في قبول الإِسلام - وترك الشرك. ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: أَي فإِن رجعتم خلال هذه المهلة عمَّا أَنتم فيه من الشرك وسائر المعاصي، فرجوعكم هذا أَنفع لكم في دنياكم وأُخراكم، وإِن أَعرضتم عن الإِيمان، وآثرتم البقاءَ على ما أَنتم عليه من الشرك وآثامه، فاعلموا أَنكم لا تعجزون الله عن الانتقام منكم، فهو قادر عليكم وقاهر لكم. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أَي وأنذر يا محمَّد أُولئك الذين كفروا بالإِسلام وعادَوْه ووقفوا له بالمرصاد، أَنذرهم بعذاب شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والخزى والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأَغلال. والتعبير بالتبشير عن الإِنذار، لغرض التهكم والسخرية بمن يتولى عن الإِيمان بالرسول ﷺ مع وضوح الحق في جانبه. كما أَن العدول عن خطابهم بالوعيد، إِلى تكليف الرسول ﷺ بتبليغه إياهم، يشعر أُولئك المنذَرِين بأَن الوعيد أَمر تقرر نزوله بهم ولا بد منه، إِلى جانب إِيلامهم بالإِعراض عنهم. ٤ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا … ﴾ الآية. أَمر الله في الآيات السابقة أَن ينبذ المسلمون عهود المشركين، وجاءَت هذه الآية، لتبين أَن هذا النبذ ليس عامًّا لهم جميعًا، بل هو خاص بأُولئك الذين تلاعبوا بعهودهم، وظاهروا على المسلمين.

стр. 1678

والمعنى: ولا تمهلوا الناكثين لعهودهم فوق أَربعة أَشهر، لكن الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئًا مما عاهدوكم عليه، ولم يعينوا عليكم أَحدًا من أَعدائكم، فلا تعاملوهم معاملة الناكثين لعهودهم، بالمسارعة إِلى قتالهم بعد هذه المهلة المضروبة للناكثين، بل أَتموا إِليهم عهدهم مهما كانت مدتهم، وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: للتنبيه على أنَّ عدم مراعاة حقوق العهد مع الوفى ولو كان مشركًا ليست من التقوى في شيءٍ. والآية تدل على أَن الوفاءَ بالعهد من فرائض الإِسلام، ما دام العهد معقودًا، وعلى أَن العَهْدَ المؤقت لا يجوز نقضه إِلا بانتهاءِ وقته، وأَنَّ شرط وجوب الوفاء به علينا أَن يحافظ العدو عليه بحذافيره فإِن أَخل بشئ منه أَو عاون أَحدًا من الأَعداءِ ضدنا وجب نبذ عهده. ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾. المفردات: ﴿انْسَلَخَ﴾: انقضى. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: وَأْسِرُوهم، والأَخيذ؛ الأَسير. ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾: وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإِفلات. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم، حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم، أَو الفكاك منكم.

стр. 1679

﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: أَي فاتركوهم أَحرارًا. ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: أَي سأَل جوارك ليكون في حماك وأَمانك. ﴿فَأَجِرْهُ﴾: أَي فأَمَّنْه. التفسير ٥ - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ … ﴾ الآية. المراد بالأَشهر الحرم، الأَشهر الأَربعة التي أُبيح للمشركين الناكثين لعهدهم مع الرسول ﷺ أَن يسيحوا فيها في الأَرض آمنين، وجعلت حُرُمًا لأَن الله حرم قتالهم فيها، وقد علمت من قبل أَنها بدأَت من يوم النحر. والمعنى: فإِذا انقضت الأَشهر الأَربعة التي حرم فيها قتال المشركين الناكثين العهودهم - لعلهم يثوبون فيها إِلى رشدهم - فاقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أَوحرم، لإِصرارهم على الخيانة والشرك. ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: وَأْسروهم وضيقوا عليهم، وترصدوا لهم في كل مكان لئلا ينتشروا في البلاد. ويستثنى من هؤلاءِ النساءُ والرهبان والشيوخ والصبيان والضعفاءُ فهؤلاءِ لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق إِلا إِذا عاونوا أُولئك الناكثين. ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أَي فإِن رجعوا عن الشرك فأَسلموا وأَقاموا الصلاة بشروطها في أَوقاتها، وأَدُّوا الزكاة لمستحقيها، برهانًا على صدق توبتهم وإِيمانهم، فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشئٍ مما تقدم، إِن الله عظيم الغفران والرحمة، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر. وقد جاء بمعنى هذه الآية قوله ﷺ : "أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ الله وَيُقيمُوا الصَّلاة ويُؤتوُا الزَّكاة" الحديث. أَخرجه الشيخان. وقد استند أَبو بكر ﵁ إِلى الآية والحديث فحارب مانعى الزكاة.

стр. 1680

٦ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ … ﴾ الآية. أَي وإِن أَحد من المشركين طلب جوارك ليكون في حماك وأَمانك، فأَجبه إِلى طلبه حتى يسمع كلام الله، أَي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أَمر الدين تقيم به عليه حجة الله، ثم أَبلغه مكان أَمنه إِن لم يسلم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي أَنَّ تأْمينهم وإِسماعهم كلام الله بسبب أَنهم قوم يجهلون حقيقة الإِيمان وما تدعوهم إِليه، فلا بد من تمكينهم من ذلك ببذل الأَمان لهم، حتى يزول عذرهم وتقوم لك الحجة عليهم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ … الآية. والآية تظهر سَماحة الإِسلام وحرصه على السلام وتهيئة أَسباب الوصول إِلى الحق في غير إِكراه ولا إِعْنَاتٍ، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾. المفردات: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾: فما وفوا بعهدهم لكم. ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: يغلبوكم. ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: لا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدًا.

стр. 1681

التفسير ٧ - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة شروع في بيان الحكمة في البراءَة من عهود المشركين بعد أَن نكث بعضهم عهودهم، والغرض من الاستفهام (بكيف) استبعاد أَن يكون لهم عهد مع الله ورسوله ولا ينقضوه مع أَن صدورهم مليئة بكراهية المسلمين، أَو استبعاد أَن يفى الله ورسوله بالعهد وهم ناكثوه. والمعنى على هذا: كيف يوجد لهؤلاءِ المشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله يستحق أَن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إِلى إتمام المدة؟ لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فتربصوا بهم، وانظروا أَحوالهم، وعاملوهم حسب تصرفهم، والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أَصحابها (١)، والإِشعار بسبب توكيد احترامها وتنفيذها. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: فَأَىَّ وَقْتٍ استقام أُولئك المشركون الذين عاهدتموهم عند المسجد الحرام، وكانوا أَوفياء بمعاهدتهم، فاستقيموا لهم بإِتمام عهدهم إِلى مدتهم، فإِن هذا من التقوى، والله يحب المتقين. ٨ - ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً … ﴾ الآية. في تكرار الاستفهام بكيف، تكرار وتأْكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد أَو بقاء حكمه مع التنبيه على السبب. والمعنى على الثاني: كيف يكون للمشركين عهد مُعْتَدٌّ به، ومراعاةٌ لأَحكامه عند الله وعند رسوله ﷺ ، وحالهم أَنهم إِن يظفروا بكم أَيها المؤمنون ويظهروا عليكم ويغلبوكم، لا يراعوا في شأنكم قرابة ولا عهدًا، فإِذا كانوا لا يراعون عهودهم وقرابتهم معكم، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد، أَن تكون محترمة من المتعاقدين، فإِن ضيعها أَحدهما، حلَّ للآخر معاملته بالمثل.

стр. 1682

﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: يرضيكم أُولئك المشركون بإِظهار الوفاءِ والمصافاة بأَفواههم، ويؤكدون ذلك بالأَيْمَانِ الفاجرة، ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة، وتمتنع قلوبهم عن إِقرار ما نطقت به أَلسنتهم، وأَكثرهم متمردون على الفضائل، فلا عقيدة تكفهم ولا مروءَة تردعهم. وتخصيص الأَكثر بِوصْفِ الفِسْقِ والغدر لما في بعض الكفرة من البعد عن الغَدْرِ، والتعفف عما يؤدى إِلى سوء الأُحدوثة وقبح السيرة. ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾. المفردات: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ﴾: استبدلوا بالقرآن. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: فأَعرضوا عن دينه الموصل إِليه. التفسير ٩ - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا … ﴾ الآية. استبدل المشركون بالقرآن الذي هو أَعظم آيات الله التنزيلية، استبدلوا به شيئًا حقيرا من حطام الدنيا هو اتباع أهوائهم وشهواتهم، فأَعرضوا عن دين الله الموصل إِلى مرضاته، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأَنوا إِليها، إِنهم بئس الذي كانوا يعملونه من إِعراضهم عن الحق وإِقبالهم على الباطل.

стр. 1683

١٠ - ﴿لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: هذه الآية الكريمة نعت على المشركين عدم مراعاتهم لحقوق المؤمنين على الإِطلاق، أَما مثيلتها السابقة، فقد نعت عليهم ذلك عندما يظهرون عليهم، كما أَن في هذه الآية توكيدًا لما جاءَ في الآية السابقة. والمعنى: لا يراعى المشركون في مؤمن قرابة ولا عهدًا في أَي حال، فقلوبهم مفعمة بكراهيتهم، وأولئك هم المغالون في الاعتداء، بعدم مراعاة حقوق أَهل الدين الحق. ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾. التفسير ١١ - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ … ﴾ الآية. فإِن رجعوا عما هم عليه من الكفر ومعاداة الرسول ﷺ والمؤمنين، والتزموا إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة في مواقيتهما، وفق ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ، فهم إِخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، ونبيَّن الآيات المتعلقة بأَحوال المشركين من الناكثين وغيرهم، الموضحة لأَحكامهم حالتى الكفر والإِيمان، نبيِّنها لقوم يعلمون ويفهمون ما فيها من الأَحكام فيطبقونها عند مقتضياتها.

стр. 1684

﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾. التفسير ١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ … ﴾. بينت الآية السابقة كيف نعامل المشركين إِن تابوا عن الشرك وأَقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وجاءَت هذه الآية لتبين كيف نعاملهم إِن ظلوا على شركهم ونقضوا العهد بيننا وبينهم. والمعنى: وإِن نقض هؤلاء المشركون ما وثقوه من العهود بالأَيمان ولم يوفوا بها وطعنوا في دينكم وعابوه بصريح التكذيب وتقبيح الأَحكام، فقاتلوا أَئمة الكفر وأَصحاب القدوة فيه، لنقضهم عهدهم وحنثهم في أَيمانهم، إِنهم لا يقصدون بأَيمانهم توثيق عهدهم حقيقة بل يقصدون بها الخداع والمكر مع تبييت نية الشر، فهم لا أَيمان لهم يوثق بها ويركن إِليها، وليكن غرضكم من قتالكم لهم أَن ينتهوا عما هم فيه من الشرك والطعن في الدين، لا إِيصال الإيذاءِ لهم كما هي طريقة أَهل الإِيذاء والشر. ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. التفسير ١٣ - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ....... ﴾ الآية.

стр. 1685

في هذه الآية تحريض على قتال أُولئك الناكثين لعهودهم، مؤكد للأَمر السابق بقتالهم. والمعنى: لا ينبغي أَن تتأَخروا عن قتالهم، بل تقبلون عليه: أَلا تقاتلون قوما نقضوا عهودكم وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم أَعداءَكم، وهموا بإِخراج الرسول حين تشاوروا في دار الندوة على التخلص منه. ونسب إِليهم الهمُّ بإِخراج الرسول ﷺ ولم ينسب إِليهم إِخراجه، لأَن الله تعالى هو الذي أمره بالخروج، بعد أَن أَعلمه بما دبروه من قتله. ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: بالقتال في بدر. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: أَتخافونهم أَيها المؤمنون فتتركوا قتالهم خوفا على أَنفسكم لا ينبغي ذلك منكم. ﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: أَي فالله أَجدر بأَن تخافوا عقابه إِذا تركتم قتالهم، وأَن تحذروا سخطه عليكم فإِن هؤلاءِ المشركين لا يملكون لكم نفعا ولا خيرا والله تعالى وحده هو الذي بيده النفع والضر. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فاخشوه وحده، فإِن شأْن الإِيمان أَن يدفع أَصحابه، إِلى عدم الخوف إِلا من الله تعالى. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾. التفسير ١٤ - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾:
следующие страницы →