التفسير
٧ - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … ﴾ الآية.
هذه الآية الكريمة شروع في بيان الحكمة في البراءَة من عهود المشركين بعد أَن نكث بعضهم عهودهم، والغرض من الاستفهام (بكيف) استبعاد أَن يكون لهم عهد مع الله ورسوله ولا ينقضوه مع أَن صدورهم مليئة بكراهية المسلمين، أَو استبعاد أَن يفى الله ورسوله بالعهد وهم ناكثوه.
والمعنى على هذا: كيف يوجد لهؤلاءِ المشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله يستحق أَن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إِلى إتمام المدة؟ لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فتربصوا بهم، وانظروا أَحوالهم، وعاملوهم حسب تصرفهم، والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أَصحابها (١)، والإِشعار بسبب توكيد احترامها وتنفيذها.
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾:
فَأَىَّ وَقْتٍ استقام أُولئك المشركون الذين عاهدتموهم عند المسجد الحرام، وكانوا أَوفياء بمعاهدتهم، فاستقيموا لهم بإِتمام عهدهم إِلى مدتهم، فإِن هذا من التقوى، والله يحب المتقين.
٨ - ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً … ﴾ الآية.
في تكرار الاستفهام بكيف، تكرار وتأْكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد أَو بقاء حكمه مع التنبيه على السبب.
والمعنى على الثاني: كيف يكون للمشركين عهد مُعْتَدٌّ به، ومراعاةٌ لأَحكامه عند الله وعند رسوله ﷺ ، وحالهم أَنهم إِن يظفروا بكم أَيها المؤمنون ويظهروا عليكم ويغلبوكم، لا يراعوا في شأنكم قرابة ولا عهدًا، فإِذا كانوا لا يراعون عهودهم وقرابتهم معكم، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد، أَن تكون محترمة من المتعاقدين، فإِن ضيعها أَحدهما، حلَّ للآخر معاملته بالمثل.
стр. 1682
﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾:
يرضيكم أُولئك المشركون بإِظهار الوفاءِ والمصافاة بأَفواههم، ويؤكدون ذلك بالأَيْمَانِ الفاجرة، ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة، وتمتنع قلوبهم عن إِقرار ما نطقت به أَلسنتهم، وأَكثرهم متمردون على الفضائل، فلا عقيدة تكفهم ولا مروءَة تردعهم.
وتخصيص الأَكثر بِوصْفِ الفِسْقِ والغدر لما في بعض الكفرة من البعد عن الغَدْرِ، والتعفف عما يؤدى إِلى سوء الأُحدوثة وقبح السيرة.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾.
المفردات:
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ﴾: استبدلوا بالقرآن.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: فأَعرضوا عن دينه الموصل إِليه.
التفسير
٩ - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا … ﴾ الآية.
استبدل المشركون بالقرآن الذي هو أَعظم آيات الله التنزيلية، استبدلوا به شيئًا حقيرا من حطام الدنيا هو اتباع أهوائهم وشهواتهم، فأَعرضوا عن دين الله الموصل إِلى مرضاته، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأَنوا إِليها، إِنهم بئس الذي كانوا يعملونه من إِعراضهم عن الحق وإِقبالهم على الباطل.
стр. 1683
١٠ - ﴿لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾:
هذه الآية الكريمة نعت على المشركين عدم مراعاتهم لحقوق المؤمنين على الإِطلاق، أَما مثيلتها السابقة، فقد نعت عليهم ذلك عندما يظهرون عليهم، كما أَن في هذه الآية توكيدًا لما جاءَ في الآية السابقة.
والمعنى: لا يراعى المشركون في مؤمن قرابة ولا عهدًا في أَي حال، فقلوبهم مفعمة بكراهيتهم، وأولئك هم المغالون في الاعتداء، بعدم مراعاة حقوق أَهل الدين الحق.
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾.
التفسير
١١ - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ … ﴾ الآية.
فإِن رجعوا عما هم عليه من الكفر ومعاداة الرسول ﷺ والمؤمنين، والتزموا إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة في مواقيتهما، وفق ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ، فهم إِخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، ونبيَّن الآيات المتعلقة بأَحوال المشركين من الناكثين وغيرهم، الموضحة لأَحكامهم حالتى الكفر والإِيمان، نبيِّنها لقوم يعلمون ويفهمون ما فيها من الأَحكام فيطبقونها عند مقتضياتها.
стр. 1684
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.
التفسير
١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ … ﴾.
بينت الآية السابقة كيف نعامل المشركين إِن تابوا عن الشرك وأَقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وجاءَت هذه الآية لتبين كيف نعاملهم إِن ظلوا على شركهم ونقضوا العهد بيننا وبينهم.
والمعنى: وإِن نقض هؤلاء المشركون ما وثقوه من العهود بالأَيمان ولم يوفوا بها وطعنوا في دينكم وعابوه بصريح التكذيب وتقبيح الأَحكام، فقاتلوا أَئمة الكفر وأَصحاب القدوة فيه، لنقضهم عهدهم وحنثهم في أَيمانهم، إِنهم لا يقصدون بأَيمانهم توثيق عهدهم حقيقة بل يقصدون بها الخداع والمكر مع تبييت نية الشر، فهم لا أَيمان لهم يوثق بها ويركن إِليها، وليكن غرضكم من قتالكم لهم أَن ينتهوا عما هم فيه من الشرك والطعن في الدين، لا إِيصال الإيذاءِ لهم كما هي طريقة أَهل الإِيذاء والشر.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.
التفسير
١٣ - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ....... ﴾ الآية.
стр. 1685
في هذه الآية تحريض على قتال أُولئك الناكثين لعهودهم، مؤكد للأَمر السابق بقتالهم.
والمعنى: لا ينبغي أَن تتأَخروا عن قتالهم، بل تقبلون عليه: أَلا تقاتلون قوما نقضوا عهودكم وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم أَعداءَكم، وهموا بإِخراج الرسول حين تشاوروا في دار الندوة على التخلص منه.
ونسب إِليهم الهمُّ بإِخراج الرسول ﷺ ولم ينسب إِليهم إِخراجه، لأَن الله تعالى هو الذي أمره بالخروج، بعد أَن أَعلمه بما دبروه من قتله.
﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: بالقتال في بدر. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: أَتخافونهم أَيها المؤمنون فتتركوا قتالهم خوفا على أَنفسكم لا ينبغي ذلك منكم.
﴿فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: أَي فالله أَجدر بأَن تخافوا عقابه إِذا تركتم قتالهم، وأَن تحذروا سخطه عليكم فإِن هؤلاءِ المشركين لا يملكون لكم نفعا ولا خيرا والله تعالى وحده هو الذي بيده النفع والضر.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فاخشوه وحده، فإِن شأْن الإِيمان أَن يدفع أَصحابه، إِلى عدم الخوف إِلا من الله تعالى.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.
التفسير
١٤ - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾:
стр. 1686
بعد أَن بين الله فيما سبق ما يستوجب قتال المشركين، ووبخ على التراخى فيه، وتوعد على تركه، أَتبعه الأَمر بقتالهم والتبشير بالنصر عليهم في هذه الآية.
والمعنى: قاتلوا المشركين، ولا تخافوهم واحرصوا على النصر، فإِنكم إِن صدقتم في القتال: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾: قتلا. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: أَسْرًا ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: عاقبة ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾: موتورين من هؤلاءِ المشركين.
وقيل المراد من القوم المؤمنين هنا؛ بطون من اليمن وسبإِ. قدموا مكة فأَسلموا فلقوا من أَهلها أَذى كثيرا، فبعثوا إِلى رسول الله ﷺ يشكون إِليه فقال ﷺ "أَبشروا فإِن الفرج قريب" وعزى هذا القول لابن عباس.
وقيل هم خزاعة فإِن قريشًا أَعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعة حلفاءَ النبي ﷺ ، فأَنشد رجل من بني بكر هجاءَ رسول الله ﷺ ، فقال له رجل من خزاعة لئن أَعدته لأَكسرن فمك، فأَعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال: فقتلوا من الخزاعيين أَقوامًا، فخرج عمرو بن سالم الخزاعى في نفر إِلى النبي ﷺ وأَخبره بما حدث، فدخل منزل ميمونة وقال: "اسكبوا إِليَّ ماءً" فجعل يغتسل وهو يقول: "لا نُصِرت إِن لم أَنْصُر بني كعب" ثم أَمر رسول الله ﷺ بالتجهز والخروج إِلى مكة فكان الفتح.
ونسب هذا القول إِلى مجاهد - ولكن العبرة بعموم اللفظ، فقد فعل المشركون مع المؤمنين بمكة منذ أَول الدعوة الإِسلامية حتى الفتح، ما يقتضي الثأْر منهم للمؤمنين.
١٥ - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾: أَي ويذهب الله بنصركم على المشركين غيظ قلوبكم أَيها المؤمنون بسبب ما نالكم منهم من متاعب ومشاق، وقد أَنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أَحسن الوجوه، فكان إِخبار النبي ﷺ بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة له.
﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: هذا كلام مستأْنف يُنبِئُ عما سيكون من إِيمان بعض
стр. 1687
المشركين؛ حسب مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة، وقد تحقق ذلك حيث أَسلم كثير منهم.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: والله شامل العلم فيعلم تحول قلوب هؤلاءِ من الكفر إِلى الإِيمان فيعينهم على توبتهم وإِيمانهم، والله عظيم الحكمة في إِقامة دينه وإِظهاره على الدين كله، وإِعانة التائبين على متابهم.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
المفردات:
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ﴾: لما حرف يفيد نفى وقوع الفعل إِلى زمن التكلم مع توقع وقوعه في المستقبل، والمراد أَنه إِلى الآن لم يتحقق وقوع الجهاد منكم، لعدم حصوله وقت نزول الآية، ولكنه ينتظر وقوعه وفق ما في علم الله.
﴿وَلِيجَةً﴾: الوليجة الصديق الذي تطلعه على سرك وخفايا أَمرك من الولوج وهو الدخول، ويطلق عليه لفظ بطانة أَيضًا، لأَنك تباطنُهُ بأَسرارك.
التفسير
١٦ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ … ﴾ الآية.
هذه الآية إِلى خاتمة السياق في الآيات التالية، جاءَت كسابقتها للحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك حتى يسلم المسلمون ودينهم من أَذى أَهله.
стр. 1688
وفي الآية توبيخ للمسلمين ولوم لهم على ظنهم أَن يتركوا دون أَن يبلوهم الله بجهاد المشركين، ليتبين المخلص في إِيمانه وجهاده من غيره، إِثر توبيخهم في الآية السابقة على تراخيهم في الجهاد.
والمعنى: بل أَظننتم أَن تتركوا على ما أَنتم عليه من القعود عن الجهاد دون اختبار منا بتكليفكم به، ولما يتحقق بعد الذين جاهدوا في سبيل الله بإِخلاص وهمة، غير متخذين لهم أَولياءَ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين يباطنونهم بأَسراركم الخفية، ويطلعونهم على عوراتكم.
﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أَي والله عظيم العلم بما يعمله عباده، فلا تخفى عليه منهم خافية، فإِن هم جاهدوا - بإِخلاص؛ أَحسن مثوبتهم، وإِن هم قعدوا عنه أَو قَصَّروا فيه أَو أَبلغوا أَسراره وخططه إِلى أَعداءِ الإِسلام أَغلظ عقوبتهم.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾.
المفردات:
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أَي ما صح ولا استقام لهم.
﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: المراد من شهادتهم على أَنفسهم إِظهارهم آثاره، من نصب الأَوثان حول البيت وعبادتها - وإِن أَبوا أَن يعترفوا بكونهم كفارًا.
стр. 1689
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: أَي بطلت فلا ينتفعون بها.
﴿مَسَاجِدَ اللهِ﴾: أَي أَماكن عبادته.
التفسير
١٧ - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾:
أَمر الله تعالى قبل هذه الآية بقتال المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَلا يتخذوا منهم بطانة، وفي هذه الآية يبين الله تعالى أَن هؤلاءِ المشركين ليسوا أَهلا لعمارة المسجد الحرام ولا للإِقامة حوله، وإِنما أَهل ذلك هم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله تعالى فلذا ينبغي أَن يبعدوا المشركين عن جوار البيت وشرف عمارته، بقتالهم ما لم يهتدوا إِلى دين ربهم.
والمعنى: ما صح ولا استقام في دين الله وشرعه أَن يتولى المشركون عمارة الأَماكن المعدة لعبادة الله المبنية على اسمه وحده لا شريك له، فضلًا عن عمارتهم المسجد الحرام الذي هو أَشرفها وأَعزها، إِذ كيف تستقيم عمارتهم له وهم معترفون بكفرهم شاهدون به على أَنفسهم، بما قَدَّسُوه من أَوثان، وما قدموه لها من قربان، وإِن زعموا أَنهم بذلك غير كافرين.
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾:
أُولئك الذين يفخرون بعمارة المسجد الحرام والقيام على خدمته، بطلت أَعمالهم البارَّة جميعًا فصارت هباءً منثورًا، لاقترانها بالشرك وكبائر الذنوب، فلا هم عليها يثابون بل هم في النار خالدون.
روى أَن المهاجرين والأَنصار أَقبلوا على أَسارى "بدر" يعيرونهم بالشرك، وطفق على ﵁ يوبِّخ عمه العباس بقتال النبي ﷺ وقطيعة الرحم، وأَغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، فقال: ولكم محاسن؟ قالوا نعم: إِنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج ونفك العانى (١) فنزلت هذه الآية وما بعدها ردًّا عليهم.
стр. 1690
١٨ - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ … ﴾ الآية.
المعنى: إِنما الجدير بأَن يعمر مساجد الله ويثاب على عمارتها، من آمن بالله - وحده - ربًّا ومعبودًا، وصدَّق باليوم الآخر موعدًا ومصيرًا، وحسابًا وجزاءً، وأَدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها، وأَعطى الزكاة بأَنواعها ومقاديرها لمستحقيها، وفقًا لما جاءَ به الرسول ﷺ وامتثالا لأَمره وإِيمانًا به، ولم يخف في الحق غير الله تعالى، فهؤلاءِ الجديرون وحدهم بعمارة مساجد الله دون من أَشرك بالله وكفر برسول الله ﷺ .
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾:
كلمة (عَسَى) من الله تفيد وقوع ما بعدها حتما، قال ابن عباس وغيره: "عسى" من الله واجبة، وقال محمَّد بن إِسحق: عسى من الله حق.
نقول: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
أَي أَنه تعالى سيبعث نبيَّنا يوم القيامة ذا مقام يحمده له الأَولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة العظمى وأَن ذلك حاصل بفضل الله ولا بد من حصوله.
والمعنى: فعسى أُولئك المؤمنون باللهِ واليوم الآخر المقيمون الصلاة المؤتون الزكاة الخائفون من الله - وحده - عسى هؤلاءِ أَن يكونوا من المهتدين إِلى ما يحبون، من الجنة وما فيها من المطالب العلية.
وإِنما عبر عما ينتظر هؤلاءِ الكرماءَ على الله، من الاهتداءِ إِلى مطالبهم العليَّة، بعبارة تفيد التوقع دون القطع، لتنحسم أَطماع المشركين في الانتفاع بأَعمالهم التي حسبوا أَنها نافعة لهم، ولتوبيخهم بقطعهم أَنهم مهتدون، فإِن المؤمنين - على ما بهم من الكمالات - إِذا كان أَمرهم دائرا بين "لعل وعسى" فما بال الكفرة، كما أَن فيه ترغيبًا للمؤمنين في أَن يكون لهم مع الرجاءِ في فضل الله خوفٌ من عقابه على ما عسى أَن يكون لهم من تقصير في العمل أَو النية.
стр. 1691
والآية شاهد على فضل عمارة المساجد بالبناءِ أَو العبادة، وفي ذلك يروى الترمذي بسنده عن أَبي سعيد الخدرى أَن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا رأَيْتُم الرَّجُلَ يعتادُ المسْجدَ فاشْهدوا لَهُ بالإِيمان".
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.
المفردات:
﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾: المراد من الحاج جنس الحجاج ومن سقايتهم إِعطاؤهم ما يَشْرَبون.
التفسير
١٩ - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ﴾:
لما زعم المشركون أَن لهم محاسن تقتضى فضلهم على المؤمنين، أَنكر الله عليهم حتى مجرد المساواة بهم فضلا عن سبقهم، ووبَّخهم على زعمهم الفاسد الذي خدعوا به أَنفسهم، روى أَن المشركين سأَلوا اليهود قائلين: نحن سقاة الحاج وعمَّار المسجد الحرام، أَفنحن أَفضل أَم محمَّد وأَصحابه، فقالت اليهود عنادًا لرسول الله ﷺ : أَنتم أَفضل - فردَّ الله على الجميع مُنْزِلًا هذه الآية الكريمة.
والمعنى: أَجعلتم أَصحاب سقاية الحجاج في طريقهم إِلى مناسكهم أَو عند عودتهم منها وهم مشركون بالله، أَجعلتموهم مشابهين لمن آمن باللهِ ورسوله وآمن باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاءِ، وجاهد الكفار في سبيل الله وطلبًا لمرضاته.
стр. 1692
وبعد أَن أَنكر الله على المشركين زعمهم أَفضليتهم على المؤمنين، عن طريق إِنكاره لما هو أَخف منه من المشابهة، حكم الله تعالى بعدم تساويهما عنده، وتوعَّد المشركين فقال:
﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي: لا يستوى المشركون - وإِن تقربوا إِلى الله بالسقاية وعمارة المسجد الحرام - مع المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر المجاهدين في سبيل الله، فالأَولون خالدون في النار أبدًا، والآخرون خالدون في الجنة أَبدًا، والله - تعالى - لا يهدى إِلى الرشد من ظلم نفسه، وظلم الحق بإِصراره على الشرك بالله، والكفر برسول الله ﷺ .
وقد جاءَ في سبب نزول هذه الآية رواية أُخرى في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال:
"كنت عند منبر رسول الله ﷺ ، فقال رجل ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَسقى الحاج، وقال آخر: ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَعْمُرَ المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أَفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أَصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة ولكن إِذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه فأَنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ الآية.
وهذا المساق يقتضي أَن الآية نزلت عند اختلاف المسلمين في الأَفضل من هذه الأَعمال، وأَن الآية نزلت بتمامها إِلى قوله تعالى: ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ في شأْن خلافهم، وهذا مشكل بالنسبة إِليهم. فإِنهم مهديون وليسوا بظالمين.
وأُجيب عن هذا الإِشكال بأَنه لما قرأَ النبي ﷺ الآية ظن الراوى أَنها نزلت حينئذ فقال إِنها نزلت بهذا السبب في حين أَن النبي ﷺ لمَّا استفتاه عمر فيما اختلفوا فيه قرأَ النبي ﷺ الآية التي نزلت من قبل بشأْن المشركين، مستدلًا بها على أَن الجهاد أَفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد
стр. 1693
الحرام، ليعلم المختلفون الحكم، فالآية في الحقيقة لم تنزل بسبب هذا الخلاف، والراوى أَخطأَ في ظنه نزولها بسببه أَو تسامح في التعبير.
قال القرطبى: نقلا عن غيره: لا يستبعد أَن ينتزع ممَّا أُنزل في المشركين أَحكام تليق بالمسلمين، قال عمر: إِنا لو شئنَا لاتخذنا سلائق وشواءً وتُوضَعُ صَحْفَةٌ، وتُرْفَعُ أُخرى، ولكنَّا سمعنا قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (١).
وهذه الآية نص في الكفار ولكن عمر ﵁ فهم منها زجر المسلمين أيضًا عمَّا يناسب أَحوال الكافرين بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أَحد من الصحابة فهذه الآية من هذا النوع - قال القرطبى: وهذا تأْويل نفيس وبه يزول الإِشكال اهـ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾.
المفردات:
﴿وَهَاجَرُوا﴾: تركوا مكة إِلى المدينة خوفًا على دينهم وأَمنا على أَنفسهم من أَذى المشركين.
﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: البشارة الإِعلام بالخبر السَّار، وسمَّيت بذلك لظهور أَثرها على البشرة.
стр. 1694
التفسير
٢٠ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية.
لما أَنكرت الآية السابقة استواءَ الذين يسقون الحجاج ويعمرون المسجد الحرام - وهم مشركون - مع المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان عظيم درجاتهم عند الله، بسبب ما اتصفوا به من الكمالات:
والمعنى: الذين آمنوا بالله تعالى ربًّا وبمحمد ﷺ نبيًّا، وهجروا وطنهم مكة إِلى المدينة، حماية لدينهم وأَمنا على أَنفسهم وعقيدتهم، وجاهدوا الكفار بأَموالهم وأَنفسهم، في طريق مرضاة الله وإِعزاز دينه، لا طلبًا للشهرة والاتسام بالشجاعة والفتوة، ولا تهافتًا على نيل الغنيمة من غير تطلع إِلى جانب الله، أُولئك ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾. أَعلى رتبة وأَكثر كرامة ممن لم يتصف بها من هؤلاءِ الذين أَشركوا بالله، وخلطوا بشركهم سقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام.
وأَفعل التفضيل في قوله تعالى: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ على غير بابه، فليس للمشركين أَي درجة من الفضل والثواب بسبب شركهم، ولذلك عقبه بقوله:
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:
وأُولئك المنعوتون بهذه الكمالات هم المختصون بالفوز العظيم والظفر بالبغية دون سواهم، فكيف يزعم أُولئك المشركون علوهم في الفضل على المؤمنين، من أَجل سقايتهم الحجاج وعمارتهم المسجد الحرام وهم بربِّهم يشركون:
ثم يبين الله عظيم درجاتهم وفوزهم ويبشِّرهم فيقول:
٢١ - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾:
يخبرهم الله مُبَشِّرًا برحمة عظيمة منه في دنياهم وأُخراهم، ورضوان كريم عن فضائلهم، وجنات يقصر الوصف عن بيان عظمتها، لهم فيها نعيم لا يقادر قدره، دائم لا نفاذ له ولا شك في أَن الإِخبار بذلك يسرُّهم ويرضى قلوبهم ويَغيظ عدوهم.
стр. 1695
٢٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
أَي أَن الله تعالى يبشرهم بدخولهم تلك الجنات خالدين فيها لا يخرجون منها أَبدًا، فإِن الله لديه أَجر عظيم، فلا يبخل به على أَوليائه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾.
المفردات:
﴿أَوْلِيَاءَ﴾: أَحباءَ وأَصفياء.
﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: أَي أَقرباؤكم، من العشرة وهي الصحبة.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا.
﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: أَي لا يعينهم على الهدى لخروجهم عن طاعة الله بموالاة أَعدائه.
стр. 1696
التفسير
٢٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾:
بعد أَن بين الله فيما تقدم أَن المشركين لا يستوون عند الله مع المؤمنين مهما قدَّموا من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وغيرهما، - وأَن المؤمنين أَعلى منزلة وأَعظم كرامة لديه منهم، فهم الفائزون دونهم برحمة الله ورضوانه ونعيمه المقيم.
بعد أَن بيَّن الله ذلك أَتبعه في هذه الآية نهى المؤمنين عن موالاة أَقاربهم إِن هم استمروا على كفرهم وشركهم، وهذه الآية نزلت في المهاجرين، فإِنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا إِن هاجرنا قطعنا آباءَنا وأَبناءَنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا وهلكت أَموالنا، وخربت ديارنا وبقينا ضائعين، فنزلت: فهاجروا، فجعل الرجل يأْتيه ابنه أَو أَبوه أَو أَخوه أَو بعض أَقاربه فلا يلتفت إِليه، ولا ينزله ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم في ذلك: والآية عامة الحكم وإِن كان السبب خاصًّا.
والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا يَتَّخذ أَحد منكم أَباه أَو أَخاه حبيبًا يصافيه ويخلص له الودَّ إِن استحب الكفر وآثره على الإِيمان، وأَصرَّ عليه إِصرارًا لا يرجى منه الإِقلاع عنه. والنهي عن موالاتهم في تلك الحالة يقتضي جواز موالاتهم قبلها، على أَمل أَن تؤدي بهم إِلى الإِسلام، بسبب شعورهم بسماحته.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
ومَن يحبهم ويخلص لهم الودَّ، وهم على ما هم عليه من الإِصرار على الكفر بالله ورسوله، فأُولئك هم الظالمون - وحدهم - دون سواهم فإِن ظلم غيرهم يتلاشى أَمام ظلمهم، لأَنهم أَحبُّوا من كفر باللهِ ورسوله، وليس بعد الكفر ذنب، فكيف يحبون من يتصف به.
٢٤ - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ .. ﴾ الآية.
стр. 1697
تضمنت هذه الآية أَمرًا للنبي ﷺ أَن يقوى عزائم المؤمنين على الانتهاءِ عما نهوا عنه، من موالاة الأَقربين من المشركين ومن يجرى مجراهم.
والمعنى: قل أَيها الرسول ﷺ للمؤمنين إِن كانَ آباؤكم وأَبناؤكم وإِخوانكم وأَزواجكم وأَقرباؤكم الذين نهيتم عن موالاتهم لكفرهم، وأَموالكم التي اكتسبتموها بسعيكم، وبضاعتكم التي اشتريتموها لتجارتكم وتخشون كسادها بهجرتكم أَو بجهادكم، ومنازل تعجبكم الإِقامة فيها، وتودون أَن لا تبرحوها. إِن كان كل ذلك أَو بعضه أَحب إِليكم من الله ورسوله ﷺ ومن الجهاد في سبيله.
﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: فانتظروا حتى يأْتى الله بما يأْمر به من عقوبة عاجلة أَو آجلة لكم.
﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾:
والله لا يوفق إِلى الرشد القوم الخارجين عن طاعته فيما أَمرهم به، من ترك موالاة أَقاربهم الكافرين، والهجرة لإِعزاز الدين، والجهاد لحماية الإِسلام والمسلمين، وقد استفيد من الآية الكريمة، وجوب أَن يكون الله ورسوله ﷺ أَحب، إِلى المسلم مما سواهما، وأَن يكون لهذا الحبِّ أَثره من طاعة الله ورسوله ﷺ فيما أَمر به الله أَو نهى عنه، أَخرج الإِمام أَحمد بسنده عن زهرة بن معد عن جده قال: كنا مع رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، قال: واللهِ لأَنت يا رسول الله أَحب إِلىَّ من كل شيء إِلا من نفسى، فقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أَحدكم حتى أَكون أَحب إِليه من نفسه، فقال عمر: فأَنت الآن والله أَحب إِلىَّ من نفسى فقال رسول اللهِ ﷺ : الآن يا عمر".
стр. 1698
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.
المفردات:
﴿حُنَيْنٍ﴾: وادٍ بين مكَّة والطائف، حدثت فيه المعركة التي نسبت إِليه وكانت عقب فتح مكة.
﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾: أَي برحبها وسعتها، والباءُ فيه بمعنى "مع".
﴿سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي تسكن عندها النفوس.
التفسير
٢٥ - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ … ﴾ الآية.
بيَّن الله في الآيات السابقة فضل الجهاد، وأَنذر المؤمنين عاقبة التقصير فيه وفي حبِّ الله ورسوله بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ وبيَّن في هذه الآية أَنه تعالى عودهم النصر حين يخلصون في جهادهم، ويعتمدون فيه على ربهم، وأَن كثرة الجنود لا تنفع بغير معونة الله وإِخلاص النية لله.
والمعنى: لقد نصركم الله - أَيها المؤمنون - في مواقع كثيرة خضتم فيها معارك مع أهل الشرك، كبدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ومكة، وذلك لأَنكم نصرتموه بصدق
стр. 1699
جهادكم فهيأَ لكم ثمار النصر، وفاءً بوعده الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾:
أَي ونصركم يوم حنين مع أَنكم قصَّرْتُم فيه، إِذ أَعجبتكم كثرتكم، فتراخَيْتَم في القتال اعتمادا عليها، فلم تفدكم هذه الكثرة شيئًا في دفع العدو.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾:
وضاقت عليكم الأَرض مع رحبها واتساعها من شدَّة الرعب والفزع، فقد خيِّل إِليكم أَن رحابها أَغلقت في وجوهكم، فلا تجدون فيها موضعا تطمئنون فيه وتثبتون، فصرتم بذلك كمن ضاقت عليم الأَرض مع اتساعها، فلا يجدون فيها مكانا يسعهم ثم انصرفتم من وجه العدو متقهقرين.
وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة مباشرة، وسببها: أَن أَشراف هوازن وثقيف اجتمعوا وتشاوروا قائلين: إِن محمدا قد فَرَغَ من قتال قومه ولا ناهِيَةَ له عنَّا، فلنبدأْه بالغزو قبل أَن يغزونا، وأَجمعوا أَمرهم على ذلك، واجتمعت إِليهم عدة قبائل، منهم قبيلة سعد بن بكر الذي كان الرسول ﷺ مسترضعا فيهم، وجعلوا قيادتهم لمالك بن عوف النصرى (١)، وكانوا عددًا كثيرًا، فلما علم الرسول ﷺ بذلك، أَزمع المسير إِليهم، وخرج معه اثنا عشر أَلفا، منهم عشرة آلاف ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والأَنصار، والباقون من الطلقاءِ، أَي من أَهل مكة الذين أَسلم كثير منهم، وعفا عنهم النبي ﷺ ، وقال لهم: اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ، وكان فيهم بعض المشركين.
فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأَنصارى: لن نغلب اليوم من قلة، فساءَت هذه الكلمة رسول الله ﷺ ، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزم المشركون وتركوا ذرياتهم ونساءَهم وأَموالهم، وكانوا قد جعلوهم خلفهم في المعركة
стр. 1700
ليقاتلوا مستبسلين دفاعًا عنهم فأَكبَّ المسلمون على الغنائم، فنادى المشركون يا حماة السوءِ: اذكروا الفضائح، فتراجعوا يحملون على المسلمين فانكشف المسلمون منهزمين، فقد أَدركهم شؤم إِعجابهم بكثرتهم وتراخيهم بسبب ذلك في القتال إِلى جانب اشتغالهم بجمع الغنائم والسبايا، ووجود عناصر مشركة وأُخرى حديثة العهد بالإِسلام من أَهل مكة، لم يزل للشرك أَثر في نفوسهم، حتى قال أَبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر وقال أَخ لصفوان بن أُمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه: اسكت فَضَّ الله فَاكَ، والله لأَن يَرُبَّنى رجل من قريش خير من أَن يَرُبَّنى رجل من هوازن.
٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
ثم بعد أَن ضاقت عليكم الأَرض بما رحبت ووليتم مدبرين منهزمين، أَنزل الله رحمته التي تسكن بها القلوب، أَنزلها على رسوله وعلى المؤمنين، فأَما سكينته التي أَنزلها على رسوله، فقد كان من أَثرها ثباته في أَرض المعركة، وأَمره العباس أَن ينادى المنهزمين ليعودوا إِلى لقاءِ العدو، وأَمَّا سكينته التي أَنزلها على المؤمنين فقد كان من أَثرها بقاءُ عدد منهم حول رسول الله ﷺ ، وعودة المنهزمين إِلى أَرض المعركة، حين رأَوا رسول الله ﷺ لا يزال فيها يُنَازل العدو، وحوله نحو مائة من أَصحابه وقد سمعوا العباس بن عبد المطلب يناديهم بأَعلى صوتة - وكان جَهْوَرِىَّ الصوت - ليعودوا إِلى أَرض المعركة، وكان الرجل من المهزومين، إِذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه ثم انحدر عنه وأَرسله، ورجع بنفسه إِلى رسول الله ﷺ ، فلما رجعت شرذمة منهم، أَمرهم النبي ﷺ ، أَن يصدقوا الحملة، وأَخذ قبضة من التراب ودعا ربه واستنصره قائلا: "اللهم أَنجز لي ما وعدتنى"، ثم رمى بها القوم، فما بقى إِنسان إِلا أَصابه منها في عينه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فتبعهم المسلمون يقتلون ويأْسرون، ثم جاءُوا بالأَسارى بين يدي رسول الله ﷺ : تلك هي خلاصة القصة مستقاة من مصادرها من السنَّة (١).
стр. 1701
ومما جاءَ عنها في الصحيحين: أَن البراءَ بن عازب قال له رجل: يا أَبا عمارة: أَفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إِن هوازن كانوا قوما رماة، فلمَّا لقيناهم وحَمَلْنا عليهم انهزموا، فأَقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأَيت رسول الله ﷺ وأَبو سفيان بن الحرث آخِذٌ بلجام بغلة رسول الله ﷺ البيضاءِ وهو يقول: "أَنا النبي لا كذب، أَنا ابن عبد المطلب" (١).
وأَخرج مسلم عن أَنس قال: "قال العباس: وأَنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أَكُفُّهَا إِرادةَ أَلاَّ تسرع، وأَبو سفيان (٢) آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أَي عباس: ناد أَصحاب السَّمُرةِ (٣) - وكان رجلًا صَيِّتًا - فقلت بأَعلى صوتى: أَين أَصحاب السَّمُرة، قال: فوالله لكأَن عَطْفَتَهُمْ حين سمعوا صوتى، عطفةُ البقر على أَولادها، فقالوا: "يا لبيك يا لبيك: قال: فاقتتلوا والكفار" .. الحديث - وفيه قال - ثم أَخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزَمُوا وربِّ محمَّد، قال: فذهبت أَنظر، فإِذا القتال على هيئته فيما أَرى، قال: فوالله ما هو إِلا أَن رماهم بحصياته، فما زلت أَرى جَدَّهم - أَي حظَّهم - كليلا وأَمرَهُم مُدْبِرًا قال أَبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أَسلم من المشركين ممن شهد حنينا أَنه قال: وقد سئل عن يوم حنين: "لقينا المسلمين فما لبثنا أَن هزمناهم واتبعناهم حتى انتهينا إِلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلمَّا رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا وأَخذ بكفه حصى وترابا فرمى به وقال: شاهت الوجوه فلم تبق عين إِلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أَنفسنا أَن رجعنا على أَعقابنا" (٤).
стр. 1702
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾:
المراد بهؤلاءِ الجنود الملائكة، أَنزلهم الله تعالى ليُقَوّوا المؤمنين بما يُلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفوا الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال، أَخرج البيهقي عن مصعب بن شيبة عن أَبيه قال: "خرجت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، والله ما أَخرجنى إِسلام ولا معرفة به ولكنى أَبيت أَن تظهر هوازن على قريش فقلت وأَنا واقف معه: يا رسول الله: إِنى أَرى خَيلا بُلْقًا، فقَال: يا شيبة إِنه لا يراها إِلا كافر، فضرب بيده في صدرى، ثم قال: اللهم اهدِ شيبة، ثم ضربها الثانية ثم قال: اللهم اهد شيبة، ثم ضربها الثالثة ثم قال: اللهم اهد شيبة، قال: فوالله ما رفع يده عن صدرى في الثالثة حتى ما كان أَحد من خلق الله أَحبّ إِلىَّ منه" الحديث.
وهو يدل على أَن الملائكة نزلت على خيل بلق، وأَن المسلمين لم يروها مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ بل كان يراها الكافرون، ولذا رآها - شيبة راوى هذا الحديث - رآها قبل أَن يسلم فضربه النبي ﷺ على صدره ودعا له فاهتدى، وكان الغرض من إِنزالها إِلقاء الرعب في قلوب الكافرين، حين يرونهم في صفوف المؤمنين، قال سعيد بن السائب بن يسار عن أَبيه قال: "سمعت يزيد بن عامر السوائى وكان شهد حنينا مع المشركين يوم حنين، فكان يأْخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فَيَطِنُّ (١)، فيقول: كنا نجد في أَجوافنا مثل هذا" يقصد بذلك تصوير أَثر الرعب في قلوبهم.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾:
المراد بتعذيبهم ما حدث لهم من القتل والجرح، والسبى وغنيمة الأَموال، والهزيمة بعد الانتصار، روى أَن عليًّا ﵁ قتل بيده أَربعين رجلًا في هذه الغزوة وذلك غير ما فعله سواه من المقاتلين، وكان قتلاهم عددًا كبيرًا، وسبق أَصحابُ رسول الله ﷺ أَربعة آلاف نفس وغنموا اثنتى عشرة أَلف ناقة، سوى مالًا يحصى
стр. 1703
من الغنائم كما روته السنن، وفي هذه الغزوة قال النبي ﷺ "من قتل قتيلا له عليه بيِّنة فله سلَبهُ" وجرح خالد بن الوليد في هذه الغزوة جراحات بالغة، وأَسلم ناس كثيرون من مشركى مكة، لما رأَوه من عناية الله بالمسلمين.
والذي حدث في هذه الغزوة كان درسا استفاد منه المسلمون، فإِن الأَخلاط من حديثى العهد بالإِسلام والمشركين والأعراب، كانوا من أَسباب الهزيمة فيها أَول الأَمر، فلذا ينبغي أَن لا يكون في جيش المسلمين مَنْ لم يخالط الإِسلام دمه، ويثبت في أَعماق نفسه.
٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ...... ﴾ الآية.
أَي ثم يوفق الله من بعد تلك الغزوة من يشاءُ من هؤلاءِ ومن غيرهم، ليتوب من تركه ويؤمن بالله ورسوله.
﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾: يتجاوز عما سلف من الكفر والمعاصي بقبول توبتهم.
﴿رَحِيمٌ﴾: فيتفضل بقبول توبتهم.
لما قسم رسول الله ﷺ غنائم حنين بالجعرانة، أَتاه وفد هوازن مسلمين، راغبين في عطفه عليهم، وقالوا: يا رسول الله إِنك خير الناس وأَبَرُّ النَّاس، قد أَخذت أَبناءَنا ونساءَنا وأَموالنا، فقال لهم: إِنى قد استأْنيت بكم، وقد وَقَعت الْمَقَاسِمُ وعندى من ترون، وإِنَّ خَيْرَ القول أَصدقُه، فاختاروا إِمَّا ذراريكم وإِمَّا أَموالكم فقالوا: لا نعدل بالأَنساب شيئًا، فقام خطيبا وقال: "هؤلاءِ جاءُونا مسلمين وخيَّرناهم، فلم يعدلوا بالأَنساب، فَرَضُوا بِرَدِّ الذرية، وما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لهم، وقال المهاجرون والأَنصار، أَمّا ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ وامتنع الأَقرع ابن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أَن يردُّوا عليهم شيئًا ممَّا وقع لهم في سهامهم، وامتنع العباس بن مِرداس السُّلَمىُّ كذلك، وطمع أَن يساعده قومه، كما ساعد الأَقرعَ وعُيينةَ قومُهُمَا، فقالوا ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ولم يؤيدوه، فقال ﷺ : "من ضَنَّ منكم بما في يديه فإِنا نعوضه منه" فرد عليهم رسول الله ﷺ نساءَهم وأَولادهم، وعوَّض مَنْ لم تَطِبْ نفسُه بترك نصيبه أَعْوَاضًا رضوا بها.
стр. 1704
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾.
المفردات:
﴿نَجَسٌ﴾: المراد بنجاستهم خبث باطنهم: فكأَنهم عين النجاسة، لشدة خبثهم وكراهتهم للإِسلام والمسلمين.
﴿عَيْلَةً﴾: فقرًا.
التفسير
٢٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾:
المقصود من خطاب المؤمنين بذلك أَن لا يمكنوا المشركين من دخول المسجد الحرام بعد العام الذي نزلت فيه هذه الآية، وهو العام الهجرى التاسع الذي كان أَبو بكر ﵁ يحج فيه بالناس، واختلف في المراد من نجاستهم، فقيل هي خبث طويتهم وشركهم - وهو الراجح - وقيل هو عدم تطهرهم من النجاسات العينية.
والمراد من عدم قربهم من المسجد الحرام بعد هذا العام أَلا يحجوا ولا يعتمروا بعده، وأَن تختص شعائر الحج والعمرة بالمسلمين، ولهذا نادى علي بن أَبي طالب بعد قراءَته التوبة في موسم الحج المذكور بأَمر النبي ﷺ قائلا: أَلا لا يحج البيت بعد عامنا هذا مشرك (١).
стр. 1705
أَما دخول الكفار الحرم والمسجد الحرام لغير الحج والعمرة فجائز عند الحنفية كسائر المساجد أَما الشافعية فيمنعونهم من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك يمنعون من جميع المساجد (١).
والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا لا تمكنوا المشركين من أَداءِ مناسك الحج والعمرة بعد عامهم هذا، حتى لا يحج البيت إِلا من يوحد الله ويمجده وحده دون سواه.
ولما كان هذا المنع سيترتب عليه حرمانهم من الأَرزاق التي تأْتى مع هؤلاءِ المشركين، طمأَنهم الله وبشرهم بالغنى من فضله فقال :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
أَي وإِن خفتم فقرا بسبب انقطاع المشركين عن الحج والعمرة، وفقدان ما كانوا يجلبونه من الأَرزاق والمكاسب، فاطمئنوا فسوف يغنيكم الله من فضله بوجوه أُخرى - إِن شاءَ - إِن الله محيط العلم، بليغ الحكمة، فلهذا شرع لكم ما شرع ودبر لكم من الأَرزاق، أَوسع مما فاتكم.
ولقد بَرَّ الله تعالى بوعده، فأَرسل السماءَ عليهم مدرار، ووفق أَهل تبالة وجرش فأَسلموا وجاءُوهم بالأَرزاق والنعم وكانت أَرضهم مخصبة، ثم فتح الله عليهم البلاد والغنائم، وتوجه إِليهم الناس من أَطراف الأَرض قاصيها ودانيها.
стр. 1706
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾.
المفردات:
﴿الْجِزْيَةَ﴾: هي ضريبة لنا على أَهل الكتاب جزاءَ حمايتهم وحقن دمائهم.
﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: أَي عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون.
﴿يُضَاهِئُونَ﴾: المضاهأَة والمضاهات المشابهة.
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: كيف يصرفون عن الحق إِلى الباطل.
التفسير
٢٩ - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … ﴾ الآية.
يأْمر الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة بقتال أَهل الكتاب، بعد ما أَمرهم من قبل بقتال المشركين، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أَو عمرة.
والتعبير عن أَهل الكتاب بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لأَن إِيمانهم بهما كالعدم، فاليهود قالوا عزير ابن الله وأَنكروا أَن يعذبهم الله في الآخرة بذنوبهم،
стр. 1707
والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وإِن الله ثالث ثلاثة، وإِن قتل المسيح وصلبه سبب لغفران ذنوبهم يوم القيامة، فضلا عن قولهم جميعًا نحن أَبناءُ الله وأَحباؤه، وغير ذلك من العقائد الفاسدة.
والمعنى: قاتلوا أَيها المؤمنون برسالة محمَّد ﷺ ، أولئك الذين لا يصدقون باللهِ ولا باليوم الآخر، على الوجه الذي يعتبره الله إِيمانا وتصديقا، ولا يلتزمون تحريم ما حرم الله ورسوله محمَّد ﷺ ، أَو رسوله الذي يزعمون أَنهم أَتباعه وأَنهم يعملون بشرعه، مع أَنهم يخالفونه اعتقادا وعملًا، فأَقوالهم مناقضة لعقائدهم وأَفعالهم، ولا يدينون دين الإِسلام الحق الناسخ لدينهم، قاتلوا هؤلاءِ الذين اجتمعت فيهم كل هذه النقائص من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم يهودا أَو نصارى.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾:
أَفاد هذا النص الكريم أَننا لا نكف عن قتالهم إِلا إِذا استسلموا وأَعطوا الجزية وهم أَدلاءُ مغلوبون، حتى لا تكون لهم شوكة ضد المسلمين فيفتنوهم عن دينهم.
والجزية مأْخوذة من جزى دينه إِذا قضاه، والمقصود أَنها جزاء مقابل للعفو عن القتل وحمايتهم من الأَذى وتوفير الحرية لهم في دينهم ودنياهم، ويقابلها في الإِسلام الزكاة على المسلمين.
والمراد من إِعطاءِ الجزية عن يد، دفعها بانقياد. وطاعة وأَنهم يسلمونها بأَيديهم مباشرة بغير توكيل، أَو اليد بمعنى الغنى، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز، أَو عن يد من المسلمين أَي إِنعام منهم عليهم، فإِن إِبقاءَهم بالجزية نعمة من المسلمين على أَهل الكتاب.
المعنى: قاتلوا أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا ويدفعوا الجزية منقادين أَو منعما عليهم منكم وهم أَذلاءُ لا شوكة لهم.
стр. 1708
ويرى الشافعية أَن الجزية لا تؤخذ إِلا من أَهل الكتاب والمجوس، أَما أَهل الكتاب فمن هذه الآية، وأَما المجوس فمن السنة قال ﷺ : "سُنُّوا بهم سنة أَهل الكتاب" أَخرجه مالك في الموطَّأ (١) فلا تقبل عندهم من المشركين لقوله تعالى:
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) ورأَى الحنفية رأْيهم.
أَما المالكية فإِنهم يرون أَخذ الجزية من جميع أَصناف الشرك والجحد عربا كانوا أَو عجما إِلا المرتد، وقال الأَوزاعى مثل قولهم فقد قال: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أَو نار أَو جاحد أَو مكذب.
وقال ابن القاسم وأَشهب وسحنون، تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأُمم كلها، وأَما عبدة الأَوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأَرض منهم أَحد وإِنما لهم القتال أَوالإِسلام، ولابن القاسم رأى آخر بأَخذ الجزية منهم كمالك، ونقل القرطبى عن الشافعى أَنه يؤخذ من الغنى والفقير من الأَحرار البالغين دينار لا ينقص منه شيء، وإِن صولحوا على أَكثر من دينار جاز.
ولأَهل المذاهب فيما تقدم آراء مفيدة يرجع إِليها في الموسوعات.
٣٠ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾:
بعد أَن شرع الله في الآية السابقة قتال أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا أَو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أَتبعه بيانا لبعض ما كفروا به واستوجبوا بسببه القتال وفرض الجزية.
وقد أَفادت الآية، أَن كلا من اليهود والنصارى كفروا بادعاء البُنُوَّة لله تعالى، فأَما اليهود فقد زعموا أَن عزيرا ابن الله، وأَما النصارى فقد زعموا أن المسيح ابن الله، وسبب قول اليهود مقالتهم، أَن بختنصر أَخذ جميع نسخ التوراة منهم وأَعدمها لمَّا غزاهم، ولم يوجد فيهم بعد حين من يحفظها، حتى ظهر عزير فأَملاها عليهم حفظا كما
стр. 1709
زعموا، فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما ذاك إِلا أَنه ابن الله، والدليل على أَن هذا القول كان فيهم؛ أَن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب، فإِن كانوا ينكرون ذلك اليوم ويدعون أَنهم أَهل التوحيد، فذلك رجوع منهم عما كانوا يقولونه من قبل.
والمحققون من المؤرخين يقولون إِن عزيرا (عزرا) جمع محفوظات من صدور القوم ومن أَوراق متناثرة، وسماها التوراة، ولا يوجد دليل على أَنها طبق الأَصل، فإِن الأَصل مفقود، كما أَن فيها وصف الله بما لا يليق به كالندم والضعف أَمام إِسرائيل وغير ذلك مما يقطع بوضعها.
وسبب قول النصارى ذلك، ادعاؤهم أَن عيسى ﵇ ما كان يستطيع إِبراءَ الأَكمه والأَبرص وإِحياءَ الموتى إِلا لأَنه ابن الله، لأَن ذلك من خصائص الأُلوهية، ولهذا ملأُوا كتبهم المقدسة لديهم بدعوى البنوة، وقد شاءَ الله أَن يكذبهم ويكشف جهلهم وزيفهم بما تضمنته أَناجيلهم من التصريح بأَنه ابن الإِنسان، وتكرار هذا التصريح عشرات المرات في كل إِنجيل من أَناجيلهم.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
يريد الله بهذه الجملة الإِشعار بأَنه قول مجرد عن البرهان وخال عن الدليل، فإِن مجئ عزير بالتوراة - على فرض صحته - لا يقتضي بنوته لله، فلم لا يكون بإِلهام أَو بوحى، وقد علمت أَنه لم يصح، وإِحياء عيسى للميت وإِبراؤه الأَكمه والأَبرص، معجزة لتأْييد نبوته - كشأْن معجزات الأَنبياء، فكلها بفعل الله وخلقه، وليس جريانها على يديه بفعله لأَنه ابن الله، كما ادعى النصارى ولذا كانت حوادثها محدودة على قدر قيام المعجزة المؤيدة لرسالته، وشأْنه في ذلك كشأْن (موسى) في أَمر عصاه، بل هي أَعظم إِعجازا، فإِن جعل الحياة في العصا حتى تبتلع السحر، أَبلغ من إِحياءِ الميت، لأَن العصا ليست أَهلا للحياة بخلاف الميت فإِنه أَهل لها، كما أَنها أَعظم من إِبراءِ الأَكمه والأَبرص بالأَولى.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾:
أَي يشابه أَهل الكتاب المعاصرون للنبي ﷺ فيما قالوه في عزير
стр. 1710
وعيسى من سبقهم من أَهل ملتهم، فالكفر قديم فيهم، أَو يشابهون المشركين الذين قالوا الملائكة بنات الله.
﴿قَاتَلَهُمُ اللهُ﴾:
هذا التعبير ظاهره الدعاء عليهم بالإِهلاك، فإِن من قاتله الله هلك، والمقصود منه التعجب من شناعة قولهم، حكى النقاش أَن أَصل (قاتله الله) الدعاءُ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء، وأَنشد الأَصمعى:
يا قاتَلَ اللهُ ليلى كيف تعجبنى … وأَخبر الناس أَنى لا أُباليها
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه، والغرض من الاستفهام هنا التعجيب والتوبيخ.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
стр. 1711
المفردات:
﴿أَحْبَارَهُمْ﴾: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان كما قال الفراء - ويطلق على العالم مطلقا وغلب في عالم اليهود.
﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾: جمع راهب مأْخوذ من الرهبة وهي الخوف، والمراد به هنا عابد النصارى الذي اعتزل ملذات الحياة.
التفسير
٣١ - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ … ﴾ الآية.
لا يزال الكلام متصلًا في عقائد أَهل الكتاب التي كفروا بسببها فقد بينت هذه الآية أَنهم تجاوزوا زعم البنوة لعزير والمسيح إِلى ما هو أَشد وهو اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أَربابا.
والمعنى: اتخذ اليهود علماءَ دينهم أَربابا من دون الله فأَطاعوهم في تحريم ما أَحلّ الله وتحليل ما حرّم الله وجعلوهم بطاعتهم لهم كأَنهم آلهة لهم يطاعون فيما يشرعون، ظانين أَنهم مقدسون، مع أَن كثيرا منهم آثمون، كما سيبينه الله تعالى، قال الربيع: قلت لأَبى العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إِسرائيل قال: ربما وجدوا في كتاب الله - يعني التوراة - ما يخالف قول الأَحبار، فكانوا يأْخذون بأَقوالهم، ويتركون حكم كتاب الله: اهـ. واتخذ النصارى رهبانهم - أَي علماءَهم المتعبدين - اتخذوهم آلهة من دون الله بأن أَطاعوهم فيما لم يحل، كما يطاع الله فيما شرعه لعباده مع أَنهم آثمون.
روى الترمذي عن عدى بن حاتم قال أَتيت النبي ﷺ وفي عنقى صليب من ذهب (وكان نصرانيا وقتئذ) فقال: ما هذا يا عدى اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأُ في سورة براءَة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ثم قال: "أَما إِنهم لم يكونوا يعبدونهم كانوا إِذا أَحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإِذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" وقد أَسلم عدى بعد ذلك وكان من خيرة الصحابة.
стр. 1712
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾:
أَي واتخذ النصارى المسيح، ابن مريم إِلهًا (١)، وكان ذلك على صور شتى فمرَّة عبدوه على أَنه ابن الله، وأُخرى عبدوه على أَنه إِله، وثالثة على أَنه ثالث آلهة ثلاثة، وكل ما فعله هؤلاءِ لم يأْمر به الله ولذا قال :
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
أَي وما أَمرهم الله في كتبه التي أَنزلها إِليهم، إِلا ليطيعوا إِلها واحدا فيما أَمرهم به أَو نهاهم عنه، هو الله لا إِله إِلا هو، فلا يصلح أَن يطاع أَو يعبد غيره - سبحانه - وتنزيها له عن أَن يكون له شريك بأَية صورة مما يفعلون.
٣٢ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾:
المقصود بنور الله، إِما حجته النيرة الدالة على وحدانيته، وتنزهه عن الشركاء والأَولاد، أَو القرآن العظيم الناطق بذلك، فهو الذي أَنار العقول والقلوب بالحق كما تنير الشمس وجه الأَرض.
والمعنى: أَن أَهل الكتابين يريدون أَن يطفئوا نور القرآن الذي أَوضح الله به وجه الحق، وكذبهم في دعاوى بنوة عزير وعيسى لله وربوبية الأَحبار والرهبان والمسيح ابن مريم، وبين شرائع الله على وجهها الحق، حيث يحاربونه بأَلسنتهم وأَقاويلهم الباطلة الخارجة من أَفواههم، وأَنى لهم إطفاؤه وهو نور الله تعالى.
ويجوز أَن يكون المقصود تشبيه حالهم في محاربة النبي ﷺ والقرآن الكريم، بحال من يريد طمس نور عظيم نشره الله في الآفاق وإِطفاءَه بنفخة بالفم، والمقصود بهذا التشبيه إِقناطهم من نيلهم ما يبتغون من هدم الإِسلام ورسالته الهادية، ولهذا قال سبحانه عقب ذلك:
стр. 1713
﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾:
أَي ولا يريد الله إِلا أَن يتم نوره بإِعلاءِ كلمة الإِسلام، وإِتمام مجده ولو كره الكافرون ذلك، فسواء رضي أَهل الكتاب أَم كرهوا، فنور الإِسلام سيتم ويعم المشارق والمغارب فهذا ما يريده الله ويأْبى نقيضه.
٣٣ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾:
هذه الآية جاءَت لتؤكد ما تضمنه قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ مع بيان ظهوره على جميع الأَديان.
والمعنى: هو الله الذي بعث رسوله محمدا ﷺ بالقرآن الذي يهدى الناس إِلى معرفة ربهم، وبدين الإِسلام المشتمل على الحق الواضح الذي لا يعتريه شك، أَرسل الله رسوله ﷺ بذلك ليظهر دين الحق على الأَديان كلها ولو كره المشركون، وإِظهاره عليها إِما بالنسخ، وإِما بالحجة والبرهان إِلى جانب النسخ وإِما بالغلبة والقهر لأَهلها، وقد حدث كل هذا وسيحدث بعون الله تعالى:
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ﴾.
طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
رئيس مجلس الادارة
محمَّد حمدى السعيد
رقم الإيداع بدار الكتب ١٦٧٩/ ١٩٧٩
الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
١٥٤٨ - ١٩٧٩ - ٢٥٠٠٤
стр. 1714
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.
المفردات:
﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾: المراد بأَكلها بالباطل: أَخذها بغير حق.
﴿يَكْنِزُونَ﴾: أَي يجمعون، والكنز لغة: الضم والجمع، ويطلق أَيضا على كل شيءٍ مجموع بعضه إِلى بعض في بطن الأَرض أَو على ظهرها.
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أَي فأَنذرهم، والتعبير بالتبشير عن الإِنذار للتهكم وتشديد الوعيد.
﴿جِبَاهُهُمْ﴾: جمع جبهة، وهي من الوجه ما بين الحاجبين إِلى منابت شعر الناصية.
التفسير
٣٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ … ﴾ الآية.
بعد أَن عاب الله على أَهل الكتاب اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَولياءَ، وتقديسهم كأَنهم أَرباب، وكراهيتهم الإِسلام الذي هو نور الله، بَيَّن سوءَ أَخلاق أُولئك الأَحبار والرهبان، حتى يعلم أَهل الكتاب أَنهم غير جديرين بتقديسهم لهم والأَخذ عنهم.
стр. 1715
والمعنى: يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِن أَحبار اليهود ورهبان النصارى ليأْخذون أَموال الناس بالباطل، حيث يرتشون بها للتخفيف والمسامحة في تنفيذ شرع الله.
وتغيير الأَحكام والشرائع إِرضاءً لمن يرشونهم، كما كانوا يأْخذون من أَتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وشئون الدين، ويستولون عليها أَو على بعضها لشهواتهم وأَغراضهم، ولا يكتفون بذلك بل يصدون أَتباعهم ويمنعونهم عن الدخول في دين الإِسلام واتباع محمَّد ﷺ .
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
المقصود بهم أُولئك الأَحبار والرهبان الذين يأْكلون أَموال الناس بالباطل، مبالغة في وصفهم بالحرص على المال، والاهتمام بكنزه وجمعه بأَى صورة. ويجوز أَن يراد بهم أَهل الكتاب والمسلمون الذين لا يزكون، فالمراد بعدم إِنفاقهم لها في سبيل الله أَنهم لا يخرجون زكاتها.
ولما نزلت هذه الآية ظن المسلمون أَنه لا يحل كنز المال وأَنه يجب إِنفاقه كله في سبيل الله، فكبر ذلك على المسلمين فقال ﷺ "مَا أُدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكنزٍ" (١) أَي فليس بكنز معاقب عليه بما جاءَ في الآية.
وروى البخاري من حديث الزهرى عن خالد بن أَسلم قال: "خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أَن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرًا للأَموال".
وقال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
وكان أَبو ذر الغفارى يرى أَن الكنز ما فضل عن الحاجة، وقد حدث خلاف بين معاوية وبينه في تفسير الآية، رواه البخاري في حديثه عن زيد بن وهب قال: "مررت
стр. 1716
بالربذة (١) فإِذا أَنا بأَبى ذر فقلت له: ما أَنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أَنا ومعاوية في: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أَهل، الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إِلى عثمان يشكونى، فكتب إِلىَّ عثمان أَن اقْدَمِ المدينة فقدمتُها، فأكثر علىَّ الناس حتى كأَنهم لم يرونى قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إِن شئت تنحَّيت فكنتَ قريبا، فذاك الذي أَنزلنى هذا المنزل، ولو أَمَّروا علىَّ حبشيًّا لسمعتُ وأَطعتُ".
وقد علمتَ ممَّا تقدم مذهبه الذي اختلف بموجبه مع معاوية وهو أن الكنز ما فضل عن الحاجة وأَن الآية في المسلمين وأَهل الكتاب، وتفسير الكنز بذلك انفرد به أَبو ذر، وهو من شدائده المنقولة عنه كما قال القرطبى، وقد عرفت آراءَ غيره في الآية قبل الحديث عن مذهبه. وقيل: الكنز مَا لَمْ تُؤَدَّ منه الحقوق العارضة، كفك الأَسير وإِطعام الجائع وغير ذلك من الحقوق، والله تعالى أَعلم.
والمعنى: والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو ما تشتد حاجة المسلمين إليه من زكاة وفك أَسير وإِطعام جائع وتفريج ضائقة، وغير ذلك من الحقوق التي أَوجبها الشرع في المال، فأَنذرهم بعذاب أَليم، وهو ما بينه الله بقوله:
٣٥ - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ … ﴾ الآية.
أَي يعذب الكانزون يوم يوقد على أَموالهم من الذهب والفضة، في نار جهنم، فتكوى بها بعد إِحمائِها واتقادها جباههم التي يترفعون بها على الناس، وجنوبهم التي يعرضون بها عن الفقراء وظهورهم التي أَداروها لهم، ويقال لهم تأْنيبا وتوبيخا:
﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَي هذا جزاءُ كنزكم المال لأَنفسكم، دون أَن تؤَدوا حق الله فيه.
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾: فذوقوا وبال كنزكم للمال وتأَلموا بعذاب حرمانكم للمستحقين فيه.
ولما كان الكى في الوجوه أَشنع، وفي الجنوب والظهور أَوجع، خصت من بين سائر الأَعضاءِ، وقال بعض العلماءِ: إِنما خصت هذه الأَعضاءُ؛ لأَن الغنى إذا رأَى الفقير جمع
стр. 1717
ما بين عينيه وقبض وجهه، وإِذا سأَله طوى كشحه - أَي جنبه - فأَعرض عنه، وإِذا زاده في السؤَال وأَكثر عليه ولاه ظهره، فرتب الله العقوبة على حسب حال المعصية، والله تعالى أَعلم.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾.
المفردات:
﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾: أَي عددها. ﴿في كِتَابِ اللهِ﴾: المراد به، إِمَّا علمه تعالى، أَو اللوح المحفوظ، أَو ما كتبه وأَوجبه. ﴿حُرُمٌ﴾: جمع حرام، والمراد من كون الشهر حراما أَن القتال محرم فيه. ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الدين المستقيم السليم من العوج ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا.
التفسير
٣٦ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .... ﴾ الآية.
بعد أَن أَوجب الله تعالى قتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وبيَّن أَنهم يريدون أَن يطفئوا نور الله وهو الإِسلام، بدعايتهم المسمومة الخارجة من أَفواههم، وأَنهم مشركون باتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَربابا من دون الله، عقب ذلك بذكر آثام المشركين تمهيدا للأَمر بقتالهم.
والمعنى: إِن عدد المشهور المعتبر عند الله تعالى اثنا عشر شهرا فيما كتبه الله وقدَّره يوم أَبدع السموات والأَرض، وأَوجد الليل والنهار، وأَضاءَ الليل بالقمر، ونوَّر النهار
стр. 1718
بالشمس، فلا يصح أَن يزاد عليها كما كان يفعله المشركون، والمراد منها الشهور القمرية التي يعرفها العرب، وعليها يدور كثير من الأَحكام الشرعية.
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾:
من هذه الشهور الإِثنى عشر، أَربعة حرم، حرم الله فيها القتال منذ شريعة إِبراهيم وإِسماعيل ﵉، وهي ثلاثة متتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد هو رجب الذي بين جمادى وشعبان، قال ﷺ في حجة الوداع: "أَلا إِنَّ الزمانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوَم خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أَربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" إِلى آخر الحديث - وقد أَخرجته كتب الصحاح.
ومعنى: استدارة الزمان كهيئته، رجوع الأَشهر إِلى ما كانت عليه من الحل والحرمة كل منها في موضعه من الزمان، وعاد الحج إِلى ذى الحجة في حجة الوداع سنة عشر وكانت حجة أَبي بكر في ذى القعدة سنة تسع قبل حجة النبي ﷺ مباشرة.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾:
الإِشارة هنا راجعة إِلى تحريم الشهور الأَربعة المحرمة في مواضعها.
والمعنى: ذلك التحريم لهذه الشهور في مواضعها التي بينها النبي ﷺ هو الدين القويم الذي دان به إِبراهيم وإِسماعيل ﵉ وتوارثه العرب منهما.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾:
المراد من عدم ظلمهم أَنفسهم فيها: أَن لا يهتكوا حرمتها بارتكاب ما حرم فيها من القتال ومحرمات الإِحرام، ما لم يعتد العدو على بلادنا أَو يكون وشيك الاعتداءِ عليها فيحل قتاله.
عن عطاءِ: أَنه لا يحل للناس أَن يغزوا في الحرم ولا في الأَشهر الحرم، إِلا أَن يُقاتَلوا، لقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
стр. 1719
كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أَي وقاتلوا المشركين مجتمعين غير متفرقين، كما يقاتلونكم كذلك.
ومن العلماءِ من قال: إِن الآية أَوجبت القتال على كل قادر، ثم نسخ ذلك فجعل فرض كفاية، وقد أَنكر ذلك ابن عطية قائلا: لم يعلم قط عن شرع النبي ﷺ أَنه أَلزم الأُمة جميعًا النفر، وإِنما معنى هذه الآية الحض على قتال المشركين وجمع الكلمة.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: هذه بشارة وضمان لنصر المؤمنين بسبب تقواهم، أَي واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله تعالى مع أَهل التقوى بالنصر والمعونة على الأَعداءِ.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.
المفردات:
﴿النَّسِيءُ﴾: تأْخير حرمة الشهر إِلى شهر آخر. ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾: ليوافقوا. ﴿عِدَّةَ﴾: عدد.
التفسير
٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا … ﴾ الآية.
كان العرب إِذا جاءَ شهر حرام وهم محاربون أَحلوه واستمروا في القتال، وحرموا شهرا آخر مكانه، حتى رفضوا خصوص الأَشهر الأَربعة، واعتبروا مجرد العدد، وربما
стр. 1720
زادوا في عدد الشهور، بأَن يجعلوها ثلاثة عشر أَو أَربعة عشر، ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أَربعة أَشهر من السنة حرما كما يريدون، ولذلك نص على العدد المعين في كتاب الله حتى يتركوا ما هم عليه.
والمعنى: إِنما تأْخير حرمة شهر إِلى شهر آخر زيادة في الكفر، لما فيه من تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أَحله الله، فهو كفر آخر مضموم إِلى كفرهم، يُضَلُّ به المرءوسون الذين كفروا من رؤسائهم، حيث يأْتمرون في التحريم والتحليل بأَمرهم.
فيزدادون بذلك ضلالا فوق ضلالهم.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾:
أَي: يحلون الشهر الحرام عاما ويجعلون مكانه في التحريم شهرا حلالًا، ويحافظون على حرمته كما كان في شرع إِبراهيم عاما آخر، إِذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، يفعلون ذلك لكي يوافقوا عدد ما حرَّم الله كل من الأَشهر الحرم، وهو أَربعة أَشهر، فينتهى أَمرهم فيما فعلوا إِلى أَن يحلوا ما حرم الله، وهو تغيير حكم الشهور من حرمة إلى حل، ومن حل إِلى حرمة.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾:
أَي جُعِلت لهم أَعمالهُم السيئة حسنة، بأَن زينها لهم رؤساؤهم وشياطينهم، فعدوها حسنة مع أَنها قبيحة، لمخالفتها أَحكام الله تعالى والله لا يهدى القوم المصرين على كفرهم.
قيل أَول من أَحدث النسئ جنادة بن عوف الكنانى، وكان مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جبل في الموسم فينادى بأَعلى صوته: إِن آلهتكم قد أَحلت لكم المحرم فأَحلوه، ثم يقوم في العام القابل فيقول: إِن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، وقيل غير ذلك.