← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

بالربذة (١) فإِذا أَنا بأَبى ذر فقلت له: ما أَنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أَنا ومعاوية في: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أَهل، الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إِلى عثمان يشكونى، فكتب إِلىَّ عثمان أَن اقْدَمِ المدينة فقدمتُها، فأكثر علىَّ الناس حتى كأَنهم لم يرونى قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إِن شئت تنحَّيت فكنتَ قريبا، فذاك الذي أَنزلنى هذا المنزل، ولو أَمَّروا علىَّ حبشيًّا لسمعتُ وأَطعتُ". وقد علمتَ ممَّا تقدم مذهبه الذي اختلف بموجبه مع معاوية وهو أن الكنز ما فضل عن الحاجة وأَن الآية في المسلمين وأَهل الكتاب، وتفسير الكنز بذلك انفرد به أَبو ذر، وهو من شدائده المنقولة عنه كما قال القرطبى، وقد عرفت آراءَ غيره في الآية قبل الحديث عن مذهبه. وقيل: الكنز مَا لَمْ تُؤَدَّ منه الحقوق العارضة، كفك الأَسير وإِطعام الجائع وغير ذلك من الحقوق، والله تعالى أَعلم. والمعنى: والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو ما تشتد حاجة المسلمين إليه من زكاة وفك أَسير وإِطعام جائع وتفريج ضائقة، وغير ذلك من الحقوق التي أَوجبها الشرع في المال، فأَنذرهم بعذاب أَليم، وهو ما بينه الله بقوله: ٣٥ - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ … ﴾ الآية. أَي يعذب الكانزون يوم يوقد على أَموالهم من الذهب والفضة، في نار جهنم، فتكوى بها بعد إِحمائِها واتقادها جباههم التي يترفعون بها على الناس، وجنوبهم التي يعرضون بها عن الفقراء وظهورهم التي أَداروها لهم، ويقال لهم تأْنيبا وتوبيخا: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَي هذا جزاءُ كنزكم المال لأَنفسكم، دون أَن تؤَدوا حق الله فيه. ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾: فذوقوا وبال كنزكم للمال وتأَلموا بعذاب حرمانكم للمستحقين فيه. ولما كان الكى في الوجوه أَشنع، وفي الجنوب والظهور أَوجع، خصت من بين سائر الأَعضاءِ، وقال بعض العلماءِ: إِنما خصت هذه الأَعضاءُ؛ لأَن الغنى إذا رأَى الفقير جمع

стр. 1717

ما بين عينيه وقبض وجهه، وإِذا سأَله طوى كشحه - أَي جنبه - فأَعرض عنه، وإِذا زاده في السؤَال وأَكثر عليه ولاه ظهره، فرتب الله العقوبة على حسب حال المعصية، والله تعالى أَعلم. ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾. المفردات: ﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾: أَي عددها. ﴿في كِتَابِ اللهِ﴾: المراد به، إِمَّا علمه تعالى، أَو اللوح المحفوظ، أَو ما كتبه وأَوجبه. ﴿حُرُمٌ﴾: جمع حرام، والمراد من كون الشهر حراما أَن القتال محرم فيه. ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الدين المستقيم السليم من العوج ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا. التفسير ٣٦ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .... ﴾ الآية. بعد أَن أَوجب الله تعالى قتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وبيَّن أَنهم يريدون أَن يطفئوا نور الله وهو الإِسلام، بدعايتهم المسمومة الخارجة من أَفواههم، وأَنهم مشركون باتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَربابا من دون الله، عقب ذلك بذكر آثام المشركين تمهيدا للأَمر بقتالهم. والمعنى: إِن عدد المشهور المعتبر عند الله تعالى اثنا عشر شهرا فيما كتبه الله وقدَّره يوم أَبدع السموات والأَرض، وأَوجد الليل والنهار، وأَضاءَ الليل بالقمر، ونوَّر النهار

стр. 1718

بالشمس، فلا يصح أَن يزاد عليها كما كان يفعله المشركون، والمراد منها الشهور القمرية التي يعرفها العرب، وعليها يدور كثير من الأَحكام الشرعية. ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: من هذه الشهور الإِثنى عشر، أَربعة حرم، حرم الله فيها القتال منذ شريعة إِبراهيم وإِسماعيل ﵉، وهي ثلاثة متتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد هو رجب الذي بين جمادى وشعبان، قال ﷺ في حجة الوداع: "أَلا إِنَّ الزمانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوَم خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أَربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" إِلى آخر الحديث - وقد أَخرجته كتب الصحاح. ومعنى: استدارة الزمان كهيئته، رجوع الأَشهر إِلى ما كانت عليه من الحل والحرمة كل منها في موضعه من الزمان، وعاد الحج إِلى ذى الحجة في حجة الوداع سنة عشر وكانت حجة أَبي بكر في ذى القعدة سنة تسع قبل حجة النبي ﷺ مباشرة. ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الإِشارة هنا راجعة إِلى تحريم الشهور الأَربعة المحرمة في مواضعها. والمعنى: ذلك التحريم لهذه الشهور في مواضعها التي بينها النبي ﷺ هو الدين القويم الذي دان به إِبراهيم وإِسماعيل ﵉ وتوارثه العرب منهما. ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: المراد من عدم ظلمهم أَنفسهم فيها: أَن لا يهتكوا حرمتها بارتكاب ما حرم فيها من القتال ومحرمات الإِحرام، ما لم يعتد العدو على بلادنا أَو يكون وشيك الاعتداءِ عليها فيحل قتاله. عن عطاءِ: أَنه لا يحل للناس أَن يغزوا في الحرم ولا في الأَشهر الحرم، إِلا أَن يُقاتَلوا، لقوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ

стр. 1719

كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أَي وقاتلوا المشركين مجتمعين غير متفرقين، كما يقاتلونكم كذلك. ومن العلماءِ من قال: إِن الآية أَوجبت القتال على كل قادر، ثم نسخ ذلك فجعل فرض كفاية، وقد أَنكر ذلك ابن عطية قائلا: لم يعلم قط عن شرع النبي ﷺ أَنه أَلزم الأُمة جميعًا النفر، وإِنما معنى هذه الآية الحض على قتال المشركين وجمع الكلمة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: هذه بشارة وضمان لنصر المؤمنين بسبب تقواهم، أَي واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله تعالى مع أَهل التقوى بالنصر والمعونة على الأَعداءِ. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾. المفردات: ﴿النَّسِيءُ﴾: تأْخير حرمة الشهر إِلى شهر آخر. ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾: ليوافقوا. ﴿عِدَّةَ﴾: عدد. التفسير ٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا … ﴾ الآية. كان العرب إِذا جاءَ شهر حرام وهم محاربون أَحلوه واستمروا في القتال، وحرموا شهرا آخر مكانه، حتى رفضوا خصوص الأَشهر الأَربعة، واعتبروا مجرد العدد، وربما

стр. 1720

زادوا في عدد الشهور، بأَن يجعلوها ثلاثة عشر أَو أَربعة عشر، ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أَربعة أَشهر من السنة حرما كما يريدون، ولذلك نص على العدد المعين في كتاب الله حتى يتركوا ما هم عليه. والمعنى: إِنما تأْخير حرمة شهر إِلى شهر آخر زيادة في الكفر، لما فيه من تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أَحله الله، فهو كفر آخر مضموم إِلى كفرهم، يُضَلُّ به المرءوسون الذين كفروا من رؤسائهم، حيث يأْتمرون في التحريم والتحليل بأَمرهم. فيزدادون بذلك ضلالا فوق ضلالهم. ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾: أَي: يحلون الشهر الحرام عاما ويجعلون مكانه في التحريم شهرا حلالًا، ويحافظون على حرمته كما كان في شرع إِبراهيم عاما آخر، إِذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، يفعلون ذلك لكي يوافقوا عدد ما حرَّم الله كل من الأَشهر الحرم، وهو أَربعة أَشهر، فينتهى أَمرهم فيما فعلوا إِلى أَن يحلوا ما حرم الله، وهو تغيير حكم الشهور من حرمة إلى حل، ومن حل إِلى حرمة. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أَي جُعِلت لهم أَعمالهُم السيئة حسنة، بأَن زينها لهم رؤساؤهم وشياطينهم، فعدوها حسنة مع أَنها قبيحة، لمخالفتها أَحكام الله تعالى والله لا يهدى القوم المصرين على كفرهم. قيل أَول من أَحدث النسئ جنادة بن عوف الكنانى، وكان مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جبل في الموسم فينادى بأَعلى صوته: إِن آلهتكم قد أَحلت لكم المحرم فأَحلوه، ثم يقوم في العام القابل فيقول: إِن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، وقيل غير ذلك.

стр. 1721

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾. المفردات: ﴿انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾: اخرجوا للجهاد في سبيله. ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾: تباطأْتم. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: المراد من متاعها التمتع بلذائذها. التفسير ٣٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ..... ﴾ الآية. لما ندب الله المؤمنين قبل هذه الآية لقتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقتال المشركين كافة، جاءَت هذه الآية وما بعدها لحث المؤمنين وتقوية عزائمهم على قتال هؤلاءِ وأُولئك. وسبب نزول هذه الآية وما بعدها: أَن النبي ﷺ استنفر أَصحابه ليخرجوا معه في غزوة تبوك، وكان الحر شديدا وبالناس عسر وقحط، وقد أَدركت ثمار المدينة وطلبت ظلالها، وكانت تبوك تبعد عن المدينة، والعدو قوى وكثير فشق عليهم ذلك وتباطأُوا في الاستجابة.

стр. 1722

ويروى أَن النبي ﷺ لم يخرج في غزوة غزاها إِلا ورَّى بغيرها، ما عدا تبوك، فإِنه ﷺ بين المقصود فيها؛ ليستعدوا لها، والخطاب لعموم المؤمنين، وإِن كان التثاقل في طائفة منهم ليشعر من تثاقل منهم بالتقصير، وليزداد حرص من نفروا للقتال على دوام الاستجابة للجهاد مهما كانت الأَحوال، حتى لا يقعوا تحت طائلة اللوم والتوبيخ كهؤلاءِ المقصرين، وليجتهدوا في أَن لا يكون بينهم من يتكاسَل في تلبية نداءِ الجهاد في سبيل الله. والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا، أَي شيء حصل لكم فثبطكم عن النهوض للجهاد، حين قال لكم النبي ﷺ انفروا واخرجوا للقتال في سبيل الله في غزوة تبوك، تثاقلتم وتباطأْتم وحرصتم على البقاءِ في الأَرض التي أَنتم بها، مائلين إِلى لذائذ الدنيا وشهواتها السريعة الفناءِ، وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه، وتعللتم للتخلف بِأَعذار ليس من شأْنها أَن تمنعكم من شرف الجهاد. ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: أَرضيتم بمتاع الحياة الدنيا ولذائذها الزائلة، بدلا من متاع الآخرة ونعيمها الدائم، إِن ذلك فساد في الرأْى والاختيار، فما متاع الحياة الدنيا في جنب متاع الآخرةِ إِلا قليل لا ينبغي أَن يحرص عليه. ٣٩ - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ … ﴾ الآية. أَي إِلا تخرجوا للقتال في سبيل الله حين يطلب منكم الخروج إِليه، يعذبكم الله عذابًا شديدا بما يصيبكم به في الدنيا من البلايا والمحن، ويأْت بقوم آخرين بدلا منكم، يسارعون إِلى نصرة الحق وتأْييد رسوله ويؤثرون الآخرة على الدنيا. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أَي ولَا تضروا الله شيئًا بتخلفكم وتثاقلكم، فهو الغنى عنكم وعن جهادكم والله على كل شيء قدير، فلا يصعب عليه أَن يؤيد دينه بغيركم، كما لا يشق عليه أَي شيء يريده في ملكه.

стр. 1723

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾. المفردات: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾: أَي أَحد اثنين، هما الرسول ﷺ ، وأَبو بكر ﵁. ﴿الْغَارِ﴾: هو في اللغة فجوة في الجبل تشبه البيت، كالمغارة والكهف، والمراد به هنا غار جبل ثور الواقع على بعد ساعة سيرا من مكة، وقد مكثا فيه ثلاثة أَيام. ﴿سَكِينَتَهُ﴾: طمأْنينته التي تسكن عندها القلوب. التفسير ٤٠ - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا … ﴾ الآية. أَي إِلا تنصروا الرسول ﷺ حين يطلب منكم الجهاد معه فسينصره الله بغيركم، فقد نصره في وقت أَشد وأَقسى مما هو فيه، وذلك حين أَخرجه الذين كفروا من مشركى مكة، حيث حملوه بمؤامرتهم وتوالى إِيذائهم له على الهجرة، وهو واحد من اثنين فحسب، إِذ كان معه أَبو بكر ﵁ فقد حماهما الله تعالى وهما يسيران وحدهما نحو الغار للاختفاءِ فيه حتى ينقطع الطلب عنهما، ثم حماهما وحرسهما بينما كانا في الغار ثلاث ليال، حين كان يقول الرسول لصاحبه أَبي بكر الصديق وهو مشفق عليه من أَن يصل إِليه المشركون: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ بالعون والحماية من المكاره، فلن تصل إِلينا أَيديهم بسوءٍ.

стр. 1724

روى أَن المشركين طلعوا فوق الغار، فأَشفق أَبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" فأَعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وفي ذلك أَخرج البخاري ومسلم عن أَنس أَن أَبا بكر حدثه قال: "قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار - لو أَن أَحدهم نظر إِلى قدميه لأَبصرنا تحت قدميه، قال: فقال: "يا أَبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما". ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾: أَي فأَنزل الله طمأْنينته على رسوله ﷺ فقال لصاحبه ما قال، وأَيده بجنود خفية لم تقع عليها أَبصاركم، فلم يستطع أَعداؤه بسبب هذه الحراسة الربانية، أَن يصلوا إِلى مأْربهم فيه، وإِن وصلوا إِلى الغار الذي يؤْويه وعادوا خائبين. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أَي وكان من تمام نصره لرسوله ﷺ أَنه تعالى جعل كلمة الشرك التي يتمسك بها المشركون ويحرصون عليها، جعلها هي السفلى، حيث غلبت على أَمرها، وكلمة الله التي يفادى بها الإِسلام هي العليا، التي تغلب ولا تُغلب. وذلك بتمكينه من الهجرة إِلى المدينة ونصره على أَهل الشرك، في المعارك التي حدثت بينه وبينهم قبل غزوة تبوك، والله عزيز يقهر كل جبار عنيد، حكيم في أَمره وتدبيره، فلا تخالفوا أَمره وأَمر رسوله.

стр. 1725

﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾. المفردات: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: أَي اخرجوا للجهاد على أَي حال، سواءٌ سهل على نفوسكم فخفت ونشطت، أَو شق عليها فثقلت. ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾: نفعًا سهل المأْخذ. ﴿سَفَرًا قَاصِدًا﴾: سفرًا قريبًا سهلًا. ﴿الشُّقَّةُ﴾: المسافة التي تقطع بمشقه. التفسير ٤١ - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ … ﴾ الآية. قيل: المراد من الخفاف والثقال الشباب والشيوخ، روى ابن عباس عن أَبي طلحة في قوله تعالى: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قال: شبانًا وكهولا، ما سمع الله عذر أَحد (١)، فخرج إِلى الشام فجاهد حتى مات. ويروى بعض المفسرين أَن ذلك إِنما يجب إِذا غلب العدو على بلد من بلاد الإِسلام أَو كاد، فيتعين الجهاد على الشباب والشيوخ من أَهله جميعًا كل على حسب طاقته، كما يتعين مثل ذلك على من قارب هذا البلد، إِذا عجز أَهله عن دفعه. أَما في غير هذه الحالة، فالجهاد قد يكون فرض كفاية، وقد يكون سنة، وتفصيل ذلك في الموسوعات.

стр. 1726

وفسر بعض العلماءِ الخفة بالغنى والثقل بالفقر وقيل: إِن الخفاف هم الذين يسبقون إِلى الحرب كالطليعة وهم مقدمة الجيش، والثقال الجيش بأَسره. والمعنى: اخرجوا للجهاد في سبيل الله على أَي حال كنتم شبانًا أَو شيوخًا، أَغنياءً أَو فقراءَ، نفوسكم خالية مما يشغلها، أَو لديها من الشواغل ما يثقلها، وارضوا بمواقعكم في الجيش كيف كانت، وجاهدوا في سبيل الله بأَموالكم وأَنفسكم، ولا تدخروا وسعًا في تجريد نياتكم لله والحصول على النصر، ذلكم الذي أَمرناكم به خير لكم وأَنفع من تركه، إِن كنتم تعلمون مصلحتكم فاعملوا به ونفذوه، ففيه عز الإِسلام ومجد المسلمين. ٤٢ - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ … ﴾ الآية. أَي لو كان ما دعوا إِليه نفعًا دنيويًا قريب المنال سهل المأْخذ، وسفرًا متوسطًا لا مشقة فيه، لاتَّبعوك طمعًا في الحصول على المغانم السهلة القريبة، ولكن بعدت عليهم المسافة الشاقة من المدينة إِلى تبوك، فلهذا تخلفوا عن اتباعك، وآثروا الراحة والدعة. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: وسيحلف بالله أُولئك المتخلفون عن تبوك، بعد رجوعك منها، قائلين على سبيل الاعتذار عن تخلفهم: لو كنا نستطيع الخروج معك إِلى تبوك لخرجنا إِليها، يريدون بذلك أَنهم لم تكن لهم قدرة على الجهاد لضعف الصحة، أَو عدم وجود المال أَو الراحلة، أَو غير ذلك من الأَعذار، يهلكون أَنفسهم بهذه اليمين الفاجرة يقسمون بها على الادعاءِ الكاذب، والله يعلم إِنهم لكاذبون في أَيمانهم واعتذارهم، فقد كانوا يستطيعون الخروج ولم يكن لهم عذر في التخلف، فكيف يجرءُون على الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ .

стр. 1727

قال ﷺ : "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" (١). ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾. المفردات: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾: لم يؤاخذك بالإِذن لهم في التخلف. ﴿ارْتَابَتْ﴾: وقعت في الريب وهو الشك. ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾: يتحيرون. التفسير ٤٣ - ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾: قال مجاهد أُنزلت هذه الآية في أُناس قالوا: استأْذنوا رسول الله فإِن أَذن لكم فاقعدوا وإِن لم يأْذن لكم فاقعدوا. وهؤلاءِ المعتذرون كانوا منافقين ولذا قال الله في شأْنهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ الآية. وسيأْتى الحديث عنها.

стр. 1728

وتصدير الآية بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ﴾ قَبْل عتاب النبي ﷺ على الإِذن لهم بالتخلف، من باب التلطف في العتاب، وكان النبي ﷺ قد أَذن لهؤلاءِ المنافقين بالتخلف من غير وحى نزل فيه، قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر بهما، إِذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، ولم يكن له أَن يمضي شيئًا إلا بوحى، وأَخذة من أَسارى بدر الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون. قال المحققون: وهذا ترك للأَولى، وليس من باب ارتكاب المحرم؛ لأَنه لم يكن هناك أَمر خالفه الرسول ﷺ . والمعنى: عفا الله عنك أَيها النبي فلم يؤاخذك في الإِذن لبعض المنافقين في التخلف عن الغزو، لماذا أَذنت لهم بذلك بعد اعتذارهم، ولم تنتظر حتى يظهر لك الصادقون فيما أَبدوه من المعاذير، وتعلم الكاذبين فيها منهم، ثم شاءَ الله تعالى أَن يفضحهم بعد أَن تستروا بمعاذيرهم الكاذبة فقال سبحانه: ٤٤ - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ .. ﴾: أَي ليس من عادة المؤمنين الصادقين أَن يستَأْذنوك في الجهاد بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله، بل يبادروا إِليه من غير إِذن، إِذا سمعوا النداءَ العام إِلى الجهاد، فضلا عن أَنهم لا يستأْذنونك في التخلف، وحيث استأْذنك هؤلاءِ في التخلف كان ذلك دليلًا على نفاقهم، فكان الأَولى أَن لا تأْذن لهم فيه حتى يتخلفوا دون إِذن فينكشف حالهم لك وللمؤمنين، ويتجلى للجميع أَنهم غير صادقين في إِيمانهم لتخلفهم عن الجهاد بدون عذر. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: أَي أَنه تعالى محيط علمه بالمتقين وما اشتملت عليه قلوبهم من الإِخلاص في سبيل الله والاستجابة لداعى الجهاد بنشاط وهمة، فيجزيهم على ذلك الجزاءَ الأَوفى. ٤٥ - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾:

стр. 1729

أَي إِنما يطلب منك الإِذن بالتخلف عن الجهاد، الذين لا يصدقون في قرارة نفوسهم بالله ولا باليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فيما جاءَ به النبي ﷺ فهم في شكهم يترددون بين الإِقدام على الجهاد والإِحجام عنه، ويتحيرون في قبول الحق الذي جاءَ به القرآن أَو رَدِّه، ولهذا تخلصوا من حيرتهم بطلب الإِذن بالتخلف عن الجهاد، محافظة منهم على الشكل الظاهرى وقلوبهم لا تستقر على حال. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. المفردات: ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾: نهوضهم للخروج. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: فحبسهم وعوَّقهم. ﴿خَبَالًا﴾: فسادًا وشرًّا. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: ولسعوا فيما بينكم بالنميمة والوشاية، وهومأْخوذ من أَوضعتُ البعير أَي حملته على السرعة، يقال: وضع البعير أَي أَسرع، وأَوضعته أَنا، أَي جعلته يسرع. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يطلبون لكم الفتنة والشر بإِيقاع الخلاف بينكم. التفسير ٤٦ - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ … ﴾ الآية. لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج، في غزوة تبوك، زاعمين أَنهم كانوا يريدون الخروج ولكن منعهم أَن أَسبابه لم تتيسر لهم. والمعنى: ولو أَراد هؤلاءِ المعتذرون أَن يخرجوا معكم في غزوة تبوك لأَعدوا له مبكرين ما ينبغي من الزاد والراحلة والسلاح، وغير ذلك مما لا بد منه للسفر، وهو مقدور لهم،

стр. 1730

ولكنهم لم يريدوه لأَن الله - تعالى - كره انبعاثهم ونهوضهم للخروج معكم، لما فيه من المفاسد التي سيأْتى بيانها، فلذلك ثبطهم وحبسهم عن الخروج، بما استقر في نفوسهم من الجبن والكسل وكراهة الغزو في سبيل الله. ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: يحتمل أَن يكون هذا القول من رسول الله ﷺ قاله لهم للإِذن بالتخلف بعد اعتذارهم، وهو يحمل في طيات عبارته اللوم والذم، وكأَنه يقول لهم: اقعدوا مع القاعدين بعذر أَو بغير عذر، فأَنتم لا تستحقون شرف الجهاد في سبيل الله والثواب المترتب عليه. ويحتمل أَن تكون العبارة من قول بعضهم لبعض متأَثرين بجبنهم الكامن في نفوسهم، وكراهيتهم للدفاع عن الإِسلام قالوها تنفيذًا لتثبيط الله لهم. والمعنى على هذا: وقال بعضهم لبعض: اقعدوا عن الخروج في هذه الغزوة مع القاعدين، فلا مصلحة لنا فيها، ولا يهمنا الغرض الذي خرج الغزاة من أَجله، وقيل: غير ذلك وحسب القارئُ ما تقدم. ٤٧ - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾: أَي لو خرج هؤُلاءِ المنافقون فيكم وأَنتم ذاهبون إِلى تبوك، ما زادوكم بخروجهم إِلا شرًّا وفسادًا، ولم يزيدوكم قوة وتأْييدًا، فهم دعاة فتنة وليسوا أَسباب قوة. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: هذا تصوير للخبال والفساد الذي كان ينتظر من المنافقين لو خرجوا في غزوة تبوك. بجعلهم كالذين يسرعون بركائبهم خلالهم، مبالغة في إِسراعهم بالنميمة والوشاية بينهم. والمعنى: لو خرجوا فيكم لأَسرعوا بركائبهم بينكم، يسعون بالنمائم والوشايات وإِفساد الصلات، رغبة في توهين عزائمكم، وصرفكم عن الجهاد أَو هزيمتكم، وفيكم ضعاف خفاف يتأَثرون ويهتمون بسماعهم ونقل نمائمهم، والله عليم بهؤلاءِ الظالمين فهو محيط - بضمائرهم وظواهرهم، وما فعلوه فيما مضى وما سيفعلونه فيما سيأْتى.

стр. 1731

وقد تضمنت هذه الآية أمرين: (أَحدهما) أن من أَذن لهم النبي ﷺ بعدم الخروج من المنافقين كانوا دعاة فتنة، وأَنهم لو خرجوا فيهم زادوهم خبالا، وإِذا كان أَمرهم كذلك فلماذا عاتب الله رسوله على الإِذن لهم بالتخلف مع أَن تخلفهم فيه مصلحة للجيش، والجواب: أَنهم كانوا سيتخلفون عن الغزوة قطعًا، وقد تآمروا على ذلك، إِذ قال بعضهم لبعض: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ وكان الأَولى أَن لا يأْذن النبي ﷺ لهم ليكون قعودهم بغير إِذن، حتى يظهر نفاقهم بين المسلمين من أَول الأَمر، فلا يقدروا على مخالطتهم والسعى فيما بينهم بالأَراجيف، ولا يتسنى لهم التمتع بالعيش إِلى أَن يظهر حالهم بنزول الآيات التي كشفتهم. (والأَمر الثاني) الذي تضمنته الآية: أَن الجيش الذي سافر لغزوة تبوك كان فيه بعض ضعاف الإِيمان بدليل وصفهم بقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ فلماذا أَخذهم النبي ﷺ معه مع خطورتهم على الجنود. والجواب: أَنهم لم يكونوا في كيفية الفساد وكمية العدد بحيث يخل مكانهم بين المؤْمنين بأَمر الجهاد، وكأَن وجودهم فيه منفعة تكثير سواد المسلمين، على أَن الرسول ﷺ معذور في استصحابهم فإِنه لم يكن يعلم بحالهم قبل أَن يكشفهم الله تعالى له فهو الذي يعلم أَسرار القلوب. ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾. المفردات: ﴿ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾: طلبوا تفريق المسلمين. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: اجتهدوا في استعراضها لتدبير المكايد من أَجلك. ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا توقعنى في المعصية بتخلُّفِى من غير إِذن.

стр. 1732

التفسير ٤٨ - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: أي لقد رغبوا في فتنة المسلمين من قبل هذه الغزوة، فقد أَرادوا تشتيت أَصحابك أَيها الرسول وتفريقهم من حولك، وكان ذلك يوم أُحد حين انصرف رأْس المنافقين عبد الله بن أُبى بن سلول من الطريق، بعد أَن خرج مع الجيش للمشاركة في غزوة أُحد يريد بذلك أَن تضعف قلوب المجاهدين، وتتحلل عزائهم برجوعه ومن تبعه من المنافقين، وقد كرروا هذه المأْساة في غزوة تبوك، فقد تخلف ابن سلول بمن معه بعد خروج النبي ﷺ إِليها مع أَصحابه، ووصولهم إِلى ذى جُدَّةٍ أسفل من ثنية الوداع، وقد كانت لهم في الفتنة صفحات سوداءُ يطول الحديث عنها، وحسبنا ما ذكرنا. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: أَي: وقلبوا من أَجلك الأُمور ورددوها، ليدبروا لك الحيل والمكايد، وعرضوا الآراءَ المختلفة لإِبطال أَمرك، حتى ظهر الحق على الباطل وانتصر عليه، على الرغم منهم وهم لذلك كارهون. وهذه الآية والتي قبلها لتسلية الرسول والمؤْمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله لأَجله، وهتك أَستارهم وإِزاحة أَعذارهم. ٤٩ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: أَي ومن هؤلاءِ المنافقين من يقول لك أَيها الرسول: ائذن لي في التخلف عن الغزوة ولا توقعنى في الفتنة - أَي المعصية - إِذا تخلفتُ بدون إِذنك (١)، متظاهرًا بالحرص على رضاه، وهو خبيث النية سئُ الطوية - أَلا فليعلم هو وأَمثاله أَنهم في الفتنة الكاملة المهلكة سقطوا، وذلك بعقدهم العزيمة على التخلف بلا عذر، والجراءَة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة والتماسهم الأَعذار الكاذبة، ونفاقهم وعدم إِخلاصهم.

стр. 1733

﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: هذا وعيد لهم على ما فعلوا، أَي: وإِن جهنم لجامعة لهؤُلاءِ المنافقين يوم القيامة محيطة بهم من كل جانب لكفرهم، ويجوز أَن يكون المعنى: وإِن جهنم لمحيطة بهم الآن، تنزيلا للعذاب المحقق وقوعه مستقبلا منزلة الواقع، أَو وضعًا لأَسباب التعذيب بجهنم موضع جهنم، فإِن مبادئَ إِحاطة النار بهم من الكفر والمعاصي محيطة بهم من كل جانب وقت نزول الآية - وقيل غير ذلك. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾. المفردات: ﴿حَسَنَةٌ﴾: نعمة، والمراد بها هنا: النصر والغنيمة. ﴿مُصِيبَةٌ﴾: شدة، كهزيمة أُحد. ﴿كَتَبَ اللهُ﴾: أثبت في علمه أَو في اللوح المحفوظ. ﴿مَوْلَانَا﴾: متولى أُمورنا. ﴿تَرَبَّصُونَ﴾: أَصله تتربصون فخفف بحذف إِحدى التاءَين، ومعناه تنتظرون. ﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾: الغايتين المستحسنتين النصر والشهادة في سبيل الله. التفسير ٥٠ - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ … ﴾:

стр. 1734

هؤُلاءِ المنافقون الذين استأْذنوك في التخلف عن الجهاد ليس عندهم شئٌ من الميل نحوك، ولا الرغبة في مرضاتك كما يزعمون، ذلك أَنه إِن تصبك نعمة من الله بنصر وغنيمة تسؤْهم وتحزنهم، لفرط حسدهم وكراهتهم لك، وإِن تُصِبْكَ مصيبة تؤْلمك كالذى أَصابك يوم أُحد من الجراح والهزيمة، يقولوا مغتبطين لتخلفهم، حامدين لرأْيهم وسياستهم، قد احتطنا وأَخذنا أَمرنا من قبل المصيبة بتلافى ما يهمنا، حيث اعتزلنا المقاتلين، وقعدنا عن الحرب، ودارينا الكفرة بذلك، حيث اعتزلنا المسلمين وهم في قوتهم قبل أَن يهزموا، وسلمنا مما أَصاب المقاتلين من قتل وجرح. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: أَي وينصرفوا عن المجلس الذي كانوا يتحدثون فيه حديثهم هذا، وهم كثيرو الفرح بهزيمة المسلمين، ونجاة أَنفسهم بأَخذهم حذرهم واحتياطهم بالتخلف عنهم، ...... وقيل: المراد بتوليهم إِعراضهم عن النبي ﷺ بعد الهزيمة. ٥١ - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين ردًّا على شماتتهم: لن يحدث لنا إِلا ما قدره الله علينا، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، فإِن نصرنا فلا أَثر لكم في النصر إِن وجدتم معنا، وإِن هزمنا فلا أَثر لكم في الهزيمة إِن تخلفتم عنا، والله وحده هو ناصرنا، وعليه لا على غيره فليعتمد المؤْمنون. ٥٢ - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين إِمعانًا في الرد عليهم، وبيانًا لحسن عاقبة المؤْمنين المجاهدين: ما تنتظرون بنا إِلا إِحدى العاقبتين الحسنيين - وهما النصر والشهادة - وما تتمنونه لنا وتفرحون به من القتل لتتخلصوا منا، هو أَنفع لنا من النصر والغنيمة اللذين تعدونهما منفعة لنا، وتتأَلمون من حصول المجاهدين عليهما. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾:

стр. 1735

ونحن ننتظر بكم أَن يصيبكم الله بعذاب من عنده، كما أَصاب من قبلكم من الأُمم المهلكة كعاد وثمود، أَو بعذاب بأَيدينا هو القتل، وهذا أَو ذاك بسبب كفركم الذي انطوت عليه قلوبكم، وتربصكم بنا الموت والهزيمة، وكراهتكم للإِسلام والمسلمين، وإِذا كان أَمرنا وأَمركم ما تقدم فانتظروا بنا ما ترونه شرًّا ونراه خيرًا - وهو الشهادة في سبيل الله -، إِنا معكم منتظرون ما تستحقونه من عذاب الله أَو العذاب بأَيدينا. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾. المفردات: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: أَي طائعين أَو كارهين. ﴿فَاسِقِينَ﴾: متمردين خارجين على حدود الله بإِبطان الكفر مع إِظهار الإِيمان وبغير ذلك من المعاصي. ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: وتخرج بصعوبة، والزهوق الخروج بمشقة. التفسير ٥٣ - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين.

стр. 1736

والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وعرضوا المساهمة في تفقاتها بأَموالهم: أَنفِقوا أَموالكم في سبيل الله طائعين راضين، أَو متورطين كارهين، فلن يتقبل الله منكم ما تنفقون، ولن يثيبكم عليه، ولن يشفع لكم في تخلفكم عن تبوك لأَغراض خبيثة في نفوسكم، إِنكم كنتم وما زلتم قومًا عتاة متمردين، فقد أَبطنتم الكفر ونافقتم الإِسلام، فكيف يتقبل الله من الكافرين المرائين، وقد بين الله فسقهم الذي كان سببًا في عدم قبول إِنفاقهم بقوله: ٥٤ - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. الآية. أَي: وما منعهم شئٌ من قَبُول نفقاتهم إِلا كفرهم القلبى باللهِ وبرسوله، وأَنهم لا يؤدون الصلاة في نشاط وإِقبال بل يؤدونها وهم كسالى متثاقلون، ولا ينفقون من أَموالهم في سبيل الله عن رضا وراحة نفس، بل يفعلون ذلك وهم كارهون، لأَنهم لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا. ٥٥ - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: فلا تستحسن أَموالهم ولا أَولادهم يأَيها المتأَمل ولا تكن مغتبطا مسرورا بحالهم، فكل ذلك وبال عليهم واستدراج لهم، فما يريد الله بتلك النعم إِلا تعذيبهم بها في الحياة الدنيا، بما يكابدون من المشقة في تحصيل الأَموال وحفظها، ومن المتاعب في تربية الأَولاد، وما يريد لله بها أَيضا إِلا أَن تخرج أَنفسهم وأَرواحهم من أَجسادهم بعد ذلك بمشقة شديدة، وهم كافرون باللهِ ورسوله، حيث شغلتهم دنياهم عن أُخراهم، وغفلوا عما أُعد لهم فيها من عذاب مقيم.

стр. 1737

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾. المفردات: ﴿يَفْرَقُونَ﴾: يخافون. ﴿مَلْجَأ﴾: مكانا حصينًا يلجأُون إِليه. ﴿مَغَارَاتٍ﴾: كهوفًا في الجبال. ﴿مُدَّخَلًا﴾: (١) نفقا في الأَرض. ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾: لانصرفوا نحوه. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: وهم يسرعون أَشد الإِسراع. التفسير ٥٦ - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: ويحلف هؤلاءِ المنافقون بالله تعالى إِنهم من جملتكم في الدين والعمل، يريدون بذلك أَن يدلسوا على المؤْمنين بعد افتضاح أَمرهم، والحقيقة أَنهم ليسوا منكم أَيها المؤْمنون، فقلوبهم خالية من الإِيمان الذي امتلأَت به قلوبكم، ولكنهم قوم يخافون خوفا شديدا من أَن يفعل بهم ما يفعل بالمشركين، فلهذا يظهرون الإِسلام ويشاركونكم في شعائره ويؤَيدون ذلك بالأَيمان الفاجرة، ولو استطاعوا لهربوا منكم وفي ذلك يقول الله تعالى: ٥٧ - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: هذه الآية مقررة لما جاءَ في الآية التي قبلها من أَن المنافقين ليسوا من المؤمنين، وأَن نسبتهم أَنفسهم إِلى المسلمين أَرادوا بها أَن يحموا أَنفسهم من القتل. والمعنى: لو يجد أُولئك المنافقون مكانا حصينا في جبل أَو قلعة أَو نحوهما يلجأُون إِليه، أَو كهوفا خفية يخفون فيها أَنفسهم، أَو نفقا في الأَرض يدخلون فيه ويندسون،

стр. 1738

لانصرفوا إِليه عنكم، وهم يسرعون إِسراع الفرس الجموح الذي لا يثنيه اللجام، إِيثارا للإِقامة في هذه الأَماكن على الإِقامة مع المؤمنين، حتى يكونوا فيها على سجيتهم من الكفر، ولا يخشون من المؤمنين انتقاما. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾. المفردات: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يعيبك سرا. ﴿في الصَّدَقَاتِ﴾: في شأْن قسمة أَموال الزكاة. ﴿يَسْخَطُونَ﴾: يغضبون. ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾: أَي كافينا. التفسير ٥٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا … ﴾ الآية. نزلت هذه الآية في أَبي الجواظ المنافق قال: أَلا ترون إِلى صاحبكم إِنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل. وقال أَبو سعيد الخدرى: بينما رسول الله ﷺ يقسم مالًا إِذ جاءَه حُرْقُوص بن زهير - أَصل الخوارج - ويقال له: ذُو الخُوَيْصِرة التميمى، فقال: أَعدل يا رسول الله، فقال له الرسول ﷺ : "ويلك ومن يعدل إِذا لم أَعدل"؟ فنزلت الآية - حديث صحيح أَخرجه مسلم بمعناه - وعندها قال عمر ﵁: دعنى يا رسول الله فأَقتلَ هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أَن يتحدث الناس أَنى

стр. 1739

أَقتل أَصحابى، إِن هذا وأَصحابة يقرأُون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمِيَّةِ". المعنى: ومن هؤلاءِ المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات زاعمين أَنك تركت بعض من يستحقون وأَنهم منهم، وأَعطيت بعض من لا يستحقون، وهذا زور وبهتان، فإِن هؤلاءِ الكاذبين لو أُعطوا منها كما يشتهون رضوا ولم يلمزوا ولم يعترضوا، وإِن لم يعطوا منها كما يحبون يفاجئون الناس بالسخط والغضب، ويعيبون على النبي ﷺ في تقسيمها، فرضاهم وسخطهم ليسا لوجه الحق والدين، بل لحظوظ أَنفسهم، وإِيثارهم لها على أَهل الاستحقاق. ٥٩ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾: ولو أَن هؤلاءِ اللامزين المعترضين أَخذوا ما أَعطاهم الله ورسوله من الصدقات ونفوسُهم راضية بما أَخذوه وإِن قل، وقالوا: كافينا فضل الله وما قسمه لنا في هذه المرة، سيعطينا الله من فضله ورسوله بعدها من صدقات أَو مغانم أُخرى حسبما نرجو ونأْمل، إِنا إِلى الله راغبون في زيادة الخير والفضل، لو أَن ذلك كله حدث منهم، لكان خيرا لهم وأَزكى مما قالوه، واستحقوا غضب الله من أَجله. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾. المفردات: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: جمع فقير وهو من لا مال له، أَو له مال لا يقع موقعا من كفايته. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو من لا مال له، أو له مال يقع موقعًا من كفايته، فالفقير أَسوأُ حالًا من المسكين وقيل بالعكس.

стр. 1740

التفسير لما عاب المنافقون رسول الله ﷺ في قسم الصدقات بقولهم: أَترون إِلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل، جاءَ القرآن الكريم يقرر صواب طريقته وأَنه أَعطاها لمن يستحقونها، ولم يأْخذ لنفسه شيئًا منها فقال تعالى: ٦٠ - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. أَي إِنما تصرف الصدقات للفقراءِ والمساكين، والمراد بالصدقات ما يشمل أَنواع البر المختلفة من زكاة مفروضة، أَو صدقة متطوع بها، والفقير والمسكين كلاهما لا يجد ما يكفيه، وهل الفقير أَسوأُ حالا من المسكين أَو العكس خلاف بين الفقهاءِ. ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: أَي وتصرف الصدقات أَيضا للذين يعملون في جمعها وتحصيلها، ويقومون بكتابة ما أَعطاه أَرباب الأَموال، وجمع المستحقين لها وتوزيعها عليهم. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: وهم أَصناف، فمنهم قوم أَسلموا ولم يستقر الإِسلام بعد في قلوبهم، فكان رسول ﷺ يؤلف قلوبهم بإِجزال العطاءِ لهم، ومنهم أَشراف من العرب كان الرسول يتأَلفهم ليسلموا، ومنهم آخرون أَقوياءُ الإِيمان كانوا يُعطون أَملا في إِسلام نظرائهم، فينتصر، بهم الإِسلام. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أَي ويصرف منها في فك الرقاب وذلك بإِعانة المكاتبين بشئ منها على أداء مال الكتابة وتخليص الأَسارى من أَيدى الكفار، وشراءِ الأَرقاءِ وعتقهم، لتحرير رقاب الجميع من ربقة الرق والعبودية. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: وهم الذين استدانوا في غير معصية، فيعطون منها ليتمكنوا من أَداءِ ديونهم إِذا لم يكن لهم مال يفى بديونهم، أَو هم الذين غرموا في سبيل الإِصلاح بين الناس وإِن كانوا أَغنياء. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾: أَي ويصرف منها للغزاة القائمين بالجهاد، ليستعينوا بها على القتال في سبيل نصرة الدين. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وهو المسافر الذي قطعه السفر عن أَهله وماله، فيأْخذ منها ما يستعين به على الوصول إِلى غرضه. هؤلاءِ الثمانية تصرف لهم الصدقات وتختص بهم وحدهم، لا يعطى منها أَحد سواهم، وإِذا كانت الصدقات لا تعطى لغيرهم، فما لهؤلاءِ الذين لا يستحقون شيئًا منها يعيبون قاسمها ويتكلمون في شأْنه وشأْنها بما لا يليق.

стр. 1741

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾: أَي فرض الله لهؤلاءِ المذكورين الصدقات فريضة محكمة ثابتة لإِصلاح شئونهم، فلا يعطى منها غيرهم ولا يمنع منها من وجد منهم. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾: أَي والله محيط علمه بكل شيء فيعلم أَحوال الناس وما يصلح شئونهم. ﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل كل شيء بحكمة بالغة ومنها وضع الصدقات في مواضعها النافعة. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾. المفردات: ﴿أُذُنُ﴾: يسمع كل ما يقال ويصدقه، كأَنه من فرط استماعه صار آله للسماع. ﴿يُحَادِدِ﴾: يجانب ويخالف ويعادى. ﴿الْخِزْيُ﴾: الذل والهوان. التفسير كان جماعة من المنافقين يعيبون رسول الله ﷺ ويتكلمون في شأْنه بما لا ينبغي، فقال بعضهم لا تفعلوه خشية أَن يبلغه ذلك فيعاقبنا، وقال بعضهم: قولوا ما شئتم ثم إِذا بلغه ذلك ذهبنا إِليه وأَنكرناه وحلفنا فيصدقنا، فإِنه أُذن يسمع كل ما يقال له فيصدقه، فأَنزل الله قوله تعالى: ٦١ - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ … ﴾ الآية.

стр. 1742

أَي ومن المنافقين جماعة يؤْذون النبي ﷺ بتعييبه والطعن في رسالته فيما بينهم، ويزيدون في تعييبه وتنقيصه أَن يسموه فيما بينهم أُذنًا، يريدون بذلك أَنه يسمع كل كلام يلقى إِليه ويقتنع به ويصدقه. فأَمر الله رسوله ﷺ أَن يقول لهم: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ كما تقولون ولكن لا من الجهة التي تذمونه بها وهي سماعه كل ما يقال، بل من حيث إِنه كثير الاستماع إِلى الخير والحق يقبله ويعمل به. ثم بين القرآن الكريم كونه أَذن خير بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي يصدق باللهِ الذي لا يشك فيه عاقل، ويصدق المؤْمنين ويُسَلِّمُ لَهُمْ، لظهور إِخلاص نياتهم واطمئنان قلوبهم. وكان إِيمانه ﷺ باللهِ واطمئنانه إِلى المؤمنين خيرًا للمخاطبين ولسائر العالمين، لأَنه الإِمام الداعى إِلى التوحيد وإِلى كل خير. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أَي وهو ﷺ رحمة للذين أَظهروا الإِيمان منكم، إِذ قبله لا تصديقًا لهم، بل رفقا بهم، فلم يهتك لهم سترا، ولم يكشف لهم سرًّا، بل أَحسن إِليهم وتجاوز عن سيئاتهم، رجاءَ أَن يتوبوا من نفاقهم، ويخلصوا الإِيمان لربهم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ ﷺ بتهوين شأْنه والانتقاص من قدره بما قالوا. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإِيلام بسبب إِيذائه. والإِخبار في نهاية الآية عن شدة عذاب الذين يؤْذون رسول الله ﷺ للتهديد والوعيد على إِيذائه، وفي ذكره ﷺ بوصف كونه رسول الله تعالى إِعظام لشأْنه وإِجلال لقدره، وتنبيه على أَن إِيذاءَه موجب لسخط الله تعالى. وكان المنافقون يتحدثون بما يؤْذى رسول الله ﷺ ، ويعيبه وينتقص من قدره، ثم يجيئون إِلى المؤمنين وينكرون ذلك ويؤكدون إِنكارهم بالإِيمان ليرضوا عنهم، فبين القرآن الكريم أَنهم كاذبون في إِنكارهم بقوله تعالى:

стр. 1743

٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أَي يقسم هؤُلاءِ المنافقون باللهِ لكم أَيها المؤْمنون، أَنهم ما أَساءُوا إِلى الرسول ﷺ ، بكلام يعيبه وينتقص من قدره، يريدون بذلك أَن ترضوا عنهم، بتصديقهم في نفى ما نقل عنهم من قالة السوءِ في حقه ﷺ ، ولا يعنيهم إِرضاءُ الله ورسوله باتباع سبيل المؤْمنين، مع أَنه هو الواجب كما قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أَي والله أَحق أَن يرضوه بإِرضاءِ رسوله إِن كانوا صادقين في إِيمانهم، وذلك باتباعه فيما جاءَ به عن ربه، والقيام بما يجب له من الإِجلال والإِكبار حاضرا وغائبًا، فطاعته طاعة لله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾. ٦٣ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾: أَي أَغاب عن هؤُلاء المنافقين ولم يصل إِلى علمهم، أَنه من يعادى الله ورسوله فإِن له نار جهنم، يعذبه الله بها ماكثًا فيها لا يخرج منها، ذلك العذابُ الدائمُ الذي بلغ الغاية في الهول والشدة، هو العار الفاضح والذل الدائم، والهوان الشديد، حين يفتضح أَمرهم وينكشف حالهم يوم القيامة على رءُوس الأَشهاد. ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.

стр. 1744

المفردات: ﴿يَحْذَرُ﴾: يخاف. ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾: استخفوا واسخروا. ﴿مُخْرِجٌ﴾: مظهر. ﴿نَخُوضُ﴾: ندخل ونمضى في الكلام نشغل به أَنفسنا. ﴿وَنَلْعَبُ﴾: ونعبث. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: لا تطلبوا قبول المعذرة والحجة التي تبرئون بها أَنفسكم. ﴿مُجْرِمِينَ﴾: مرتكبين للجرم وهو الذنب العظيم. التفسير ٦٤ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية. أَي: يخشى المنافقون ويفزعون أَن ينزل الله على رسوله ﷺ في شأْنهم سورة تتلى عليهم وتخبرهم بما أَخفوه في قلوبهم، وبما كانوا يتحدثون به فيما بينهم، من سخرية واستهزاءٍ بالرسول، وبما أَنزل الله عليه من كتاب، واستخفاف بالمؤْمنين، وفي إِنزالها على الرسول وتلاوتها عليهم، إِعلام للناس تنكشف به أَستارهم، وتفتضح به أَحوالهم، فهم لذلك يخافون نزولها ولا ينفعهم حذرهم هذا بشئٍ. ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾: أَي قل لهم أَيها الرسول: استهزئوا واسخروا من النبي والمؤْمنين ما شئتم، وبالغوا في حذركم وتخفيكم ما أَردتم إِن الله معلن ومظهر ما تخافون إِظهاره، وتخشون انكشافه، من مخازيكم التي تضمرونها في قلوبكم وتخفونها في صدوركم. أَخرج ابن المنذر وابن أَبي حاتم عن قتادة قال: بينما رسول الله ﷺ في غزوته إِلى تبوك، إِذ نظر إِلى أُناس بين يديه من المنافقين يقولون: أَيرجو هذا الرجل أَن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأَطلع الله نبيه ﵇ على ذلك، فقال: احبسوا علىَّ الركبَ، فأَتاهم، فقال ﷺ : قلتم كذا وكذا، قالوا يا نبى الله: إِنما كنا نخوض ونلعب فنزلت. وفي رواية: قالوا: يا نبى الله - لا - والله ما كنا في شيءٍ من أَمرك ولا من أَمر أَصحابك، ولكن كنا في شيءٍ مما يخوض فيه الركب ليُقَصِّر بعضنا على بعض السفر فكشف الله أَحوالهم في قوله تعالى: ٦٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ … ﴾ الآية.

стр. 1745

أَي: والله لَئِن سألتهم يا محمَّد عما كانوا يتحدثون به استهزاء وهم سائرون معك إِلى تبوك، بعد أَن فضح الله أَمرهم بما أَوحاه الله إِليك. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾: أَي ليقولن معتذرين كذبًا، إِنما كنا ندخل ونمضى في أَحاديث مختلفة للتسلية وتقصير السفر، ولم نكن جادين فيما تحدثنا به، بل كنا لاهين ولاعبين، لا نقصد بذلك سخرية ولا استهزاء، فلما قالوا ذلك أَمر الله تعالى، رسوله ﷺ ، أَن يقول لهم ردًّا لاعتذارهم: ﴿أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾: أَي قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين، غير ملتفت إِلى اعتذارهم فليسوا فيه بصادقين، - قل لهم - تقريعا: أَبالله القادر على كشف أَسراركم، وآياته المجيدة ورسوله الصادق، كنتم تلهون وتعبثون وتسخرون، إِنّ هذا منكم لمنكر وعجيب لا يصدر إِلا عن كفر عميق وعقل مريض. ٦٦ - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ … ﴾ الآية. أَي: لا تشغلوا أَنفسكم بتلمس المعاذير وانتحالها، رغبة في دفع اللوم والعتاب عنكم، لتحقق كذبها وظهور بطلانها، فإِنكم قد كفرتم بالاجتراءِ على الله والاستهزءِ به وبآياته وبرسوله، بعد أَن أَعلنتم الإِيمان وأَظهرتم الإِسلام. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾: أَي إِن نتجاوز عن ذنوب جماعة منكم - فلا نعاقبهم بها - لصدق توبتهم وإِخلاص إِيمانهم، وابتعادهم عن الإِيذاءِ والاستهزاءِ، بعد أَن خاضوا في ذلك مع الخائضين. ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: أَي نعاقب جماعة أُخرى بالعذاب الشديد لإِصرارهم على الكفر والنفاق ومضيهم في السخرية والاستهزاءِ.

стр. 1746

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾. المفردات: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾: هم الذين يظهرون غير ما يضمرون. ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أَي متشابهون في النفاق والبعد عن الإِيمان. ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ كناية عن شدة بخلهم. ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾: أَي تركوا حق الله عليهم فحرمهم فضله. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الخارجون عن دين الله. التفسير ٦٧ - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .. ﴾ الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة عدم قبول أَعذار المنافقين لبطلانها وكذبها واجترائهم على الله واستهزائهم بآياته ورسوله، بيَّن سبحانه هنا صفات المنافقين وشرح طريقتهم وأَخلاقهم مع الله ورسوله كاشفًا سبب عقابهم فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أَي متشابهون في أَخلاقهم وسلوكهم، وشرح تشابههم في ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: أَي يأْمرون بالمعاصى وكل ما هو قبيح في الشرع والطبع السليم وينهون عما عرف حسنه من الإِيمان والطاعة. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: على المال ضنا به وحرصًا عليه وشُحًّا به، فقبض اليد كناية عن شدة بخلهم بالإِنفاق في أَي وجه من وجوه البر والخير والطاعات، وأَنهم لا يخرجون من أَموالهم واجبًا ولا مندوبًا ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾: أَي تركوا حق الله عليهم وأَغفلوا أَمره حتى لم يعد يخطر لهم على بال فتركهم الله تعالى ولم يُقم لهم وزنًا، فهم بمعزل عن فضله ورحمته. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: أَي إِن المنافقين الذين تقدم شرح حالهم، هم الذين بلغوا الغاية في الخروج عن دين الله وطاعته والتمرد عليه.

стр. 1747

﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾. المفردات: ﴿حَسْبُهُمْ﴾: كافيهم. ﴿وَلَعَنَهُمُ﴾: وطردهم من رحمته. ﴿مُقِيمٌ﴾: دائم لا يزول ولا يتحول. ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾: فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من الملاذ والشهوات. ﴿وَخُضْتُمْ﴾: ومضيتم في أَحاديث الاستهزاءِ والسخرية. ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلت وضاع ثوابها. التفسير ٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ … ﴾ الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين والمنافقات جاءَت هذه الآية ببيان جزائهم وعقابهم في الآخرة وكذلك عقاب الكفار الصرحاء في الكفر فقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ … ﴾: والمعنى: وعد الله المرائين بالإِيمان والمبطنين للكفر، من الرجال والنساء، كما وعد الكفار الصرحاء ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يصلون سعيرها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يبرحونها، ولا ينقطع عنهم عذابها ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أَي جهنم وحدها تكفيهم عقابًا وعذابًا على نفاقهم وكفرهم، ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أَي وأَبعدهم عن رحمته وطردهم منها ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أَي ولهؤلاءِ نوع شديد من العذاب في النار دائم لا يفارقهم، جزاءَ ما اقترفوا من جرائم وآثام.

стр. 1748

٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا … ﴾ الآية. أَي: أَنتم أَيها المنافقون وكفار مكة حالكم مثل حال الذين مضوا من المنافقين والكفار من الأُمم المهلكة قبلكم، في الاستمتاع بالحياة الدنيا والغفلة عن الآخرة، والجرأَة على الحق، واستحقاق العقاب، وذلك أَنهم كانوا أَعظم منكم قوة أَيها المخاطبون، وأَكثر أَموالًا وأَولادًا، فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من حظوظ الدنيا وطيباتها، وأَفرغوا كل جهد لهم في التمتع بالملذات والشهوات، ونسوا حق الله عليهم ولم يلتزموا بطاعته، واستخفوا بأَنبيائهم وسخروا منهم، فكذلك كنتم بعدهم مثلهم انتفعتم بنصيبكم الذي قدر لكم من متاع الدنيا وزينتها، وحرصتم عليه وجعلتم الاشتغال به غاية الغايات، كما تمتع الذين من قبلكم. ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾: أَي ودخلتم أَيها المنافقون والكافرون في الباطل وانغمستم فيه كانغماس الذين مضوا قبلكم من الأُمم. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أَي أُولئك الذين انغمسوا في الباطل إِلى الأَذقان من الفريقين، وجعلوا كل همهم التمتع بالشهوات - أُولئك المذكورون - بطلت أَعمالهم المشتملة على الخير، فلم تنفعهم في الدنيا والآخرة، إِذ لا اعتبار للعمل الطيب بغير إِيمان وتصديق. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أَي وأُولئك هم الذين خسروا خسرانًا مبينا لا خسران بعده، إِذ قضوا حياتهم فيما يضرهم ولا ينفعهم. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾. المفردات: ﴿نَبَأُ﴾: خبر له شأْن. ﴿الْمُؤْتَفِكَاتِ﴾: المنقلبات وهي قرى قوم لوط. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج الواضحات.

стр. 1749

التفسير ٧٠ - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ … ﴾ الآية. بعد أَن حكى القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين ووعيد الله لهم بالعذاب بالنار وحكى مشابهتهم لمن قبلهم في النفاق وتوعدهم بالعقاب انتقل في هذه الآية إِلى توبيخهم على عدم اعتبارهم بإِهلاك من قبلهم حين كذبوا برسلهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾: والمعنى: أَلم يصل إِلى علم هؤُلاءِ المنافقين والكافرين خبر الذين كفروا من قبلهم، الجدير بأَن يكون عبرة لهم ولغيرهم كما يتضح مما يأْتى: وهؤُلاءِ هم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إِبراهيم وأَصحاب مدين والمؤْتفكات. ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أَي جاءَ كل رسول قومه بالآيات الظاهرة والحجج الواضحة، الدالة على وحدانية الله، الشاهدة بصدق رسالته، فلم يؤْمنوا، وكذبت كل أُمة برسولها، وآذته، فأَهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله ليعذب أَحدًا بغير ذنب. ﴿فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أَي فما صَحَّ وما استقام في سنة الله في خلقه أَن يعاقبهم بغير ذنب فيظلمهم بذلك، ولكن هؤُلاءِ الطغاة ظلموا أَنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، حيث عرضوها بذلك لأَشد العقاب، وظلم النفس أَشدُّ أَنواعِ الحمق والقبح. وقد أَهلك الله قوم نوح بالطوفان، وعاد - وهم قوم هود - بالريح العقيم، وثمود - وهم قوم صالح - بالرجفة، وعاقب قوم إِبراهيم بنصره عليهم والانتقام منهم، وأَصحاب مدين - وهم قوم شعيب - بالنار يوم الظلمة. (والمؤْتفكات): أَي المنقلبات هي قرى قوم لوط التي قلبها الله عليهم، فجعل الله عاليها سافلها، وأَمطر عليهم حجارة من سجيل؛ والأُمم المعاقبة أَكثر من هذه الست، ولكنه تعالى اقتصر عليها لأَن آثارهم وبلادهم بالشام والعراق واليمن وهي قريبة من أَرض العرب فكانوا يقرون عليها ويعرفون أَهلها.

стр. 1750

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾. المفردات: ﴿أَوْلِيَاءُ﴾: جمع ولى وهو المحب. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ماكثين فيها مكثًا دائمًا. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أَي جنات إِقامة وخلود، يقال عدن بالمكان عدنا وعدونا أَقام به. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم سوءَ حال المنافقين والكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بيان حسن حال المؤْمنين في الدارين تنفيرًا من اتباع أُولئك وترغيبًا في التأَسى بهَؤُلاءِ، فقال - تعالى: ٧١ - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .. ﴾ الآية. أَي: والمؤْمنون والمؤْمنات بعضهم محب لبعض، يجمعهم الإِيمان وحسن الصحبة والتناصر، ويتولى بعضهم بعضًا بما يعود عليه بصلاح الحال في الدنيا والآخرة، ومن مظاهر ولاية بعضهم لبعض أَنهم يأْمرون بما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه حَسَنٌ مباح، وينهون عما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه مُنْكَر وقبيح، ويؤَدون الصلاة قويمة

стр. 1751

سليمة مستوفية الشروط والأَركان، ويعطون الزكاة لمستحقيها، ويطيعون الله ورسوله بامتثال أَوامره واجتناب نواهيه. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾: أَي أُولئك الموصوفون بتلك الفضائل العظيمة سيفيض الله عليهم من آثار رحمته ما به ينصرهم على أَعدائهم، ويؤيدهم في كفاحهم وجميع أَحوالهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أَي إِنَّ الله غالب قوى لا يمتنع عليه شيء، فهو قادر على إِعزاز أَوليائه وقهر أَعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾: يضع كل شيء في موضعه بحكمة بالغة، فينعم على المؤْمنين بسعادة الأُولى والآخرة ويعاقب الكافرين والمنافقين بخسران الدارين. ٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية: أَي: وعد الله المصدقين والمصدقات باللهِ ورسوله وبما أَنزله من شرع وأحكام، أَن يجزيهم على إِيمانهم الصادق وعملهم الصالح جنات تجرى من تحت قصورها وأَشجارها الأَنهار، إِتماما لنعيمها وتكريما لأَصحابها، وقدر لهم الخلود فيها ووعدهم - سبحانه - مساكن طيبة في جنات خلود وإِقامة، يسرون بجمالها وسعتها وما فيها من نعيم مقيم. وأَعظم من ذلك كله رضوان الله تعالى عنهم، فإِن الشعور بلذة رضوان الله أَكبر من الشعور بلذة نعيم الجنة. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أَي ذلك الذي وعدهم الله إِياه من النعيم المقيم في دار الخلود الدائم، وما تفضل به عليهم من رضاه هو الفوز الذي بلغ الغاية في العظم فينبغى الحرص عليه والعمل له والتنافس فيه.

стр. 1752

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾. المفردات: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: واشدد عليهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ورحمة. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أَي ومكانهم ومقرهم الذي يأْوون إِليه وينزلون فيه جهنم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: المآل والمرجع. ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: أَي نطقوا بما يدل عليه من الأَلفاظ. ﴿وَهَمُّوا﴾: المراد من الهم هنا العزم - أَي عزموا. ﴿بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾: بما لم يستطيعوا الوصول إِليه. ﴿نَقَمُوا﴾: كرهوا وأنكروا. ﴿وَلِيٍّ﴾: صديق ينفعهم، أَو سيد متولى أَمرهم. التفسير ٧٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ … ﴾ الآية. يا أَيها النبي جاهد الكفار الصرحاءَ الذين يجهرون بالكفر، وجاهد المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر، أُولئك الكفار بالسيف والسلاح، وهؤلاءِ المنافقين بالحجة والبرهان وإِقامة الحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: أَي وكن أَيها النبي شديدًا عليهم في جهادك فلا تلاينهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ولا رحمة، هذا جزاؤهم في الدنيا. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ومقرهم الذي يأْوون إِليه في الآخرة جهنم يعذبون فيها بالنار، وبئس المرجع الذي سيصيرون إِليه والنهاية التي سينتهون إِليها - نار جهنم.

стр. 1753

ثم انتقل القرآن الكريم يحكى ما ارتكبوه من جرائم استوجبوا بها ما مر، من الأَمر بجهادهم والغلظة عليهم فيه، ودخول جهنم في الآخرة فقال تعالى: ٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا … ﴾ الآية. روى أَن رسول الله ﷺ أَقَام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه، فقال الجلاس بن سويد لئن كان ما يقول محمَّد حقا لإِخواننا الذين خلَّفْناهم - وهم ساداتنا وأشرافنا - لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاستحضره فحلف بالله ما قاله، فنزلت الآية فتاب الجلاس وحسنت توبته. والمعنى: يقسم هؤلاءِ المنافقون بالله أنه ما صدر عنهم ما نسب إِليهم من القول السَّيَّىِء والنطق بكلمة الكفر، وهُمْ كاذبون في دعواهم حانثون في يمينهم، ولهذا كذبهم الله قائلا: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: أَي: ولقد صرحوا بكلمة تدل على كفرهم الذي كتموه وتفضح نفاقهم، إِذ قالوا لو كان ما يقوله محمَّد في حق إِخواننا حقا لنحن شر من الحمير، وأعلنوا ما خبأُوه في قلوبهم من الكفر بعد أَن قالوا كلمة الإِسلام بأَفواههم. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾: أَي وهموا بفعل ما لم يصلوا إِليه ولم يقدروا عليه من قَتْل النبي ﷺ وذلك أَن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادى إِذا تَسنَّم العَقبَة بالليل، فأَخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة يسوقها فبينما هما كذلك إِذ سمع حذيفة بوقع أَخفاف الإِبل وقعقعة السلاح، فقال: إِليكم يا أَعداءَ الله، فهربوا. وقيل هموا بإِخراج الرسول والمؤمنين من المدينة، أَو بأَن يُتَوِّجوا عبد الله ابن أُبَىٍّ ملكا عليها فأَحبط الله مُؤَامرتهم. ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أَي وما حَمَل هؤلاءِ المنافقين والكفار على بغض الرسول والذين آمنوا معه وكراهتهم لهم - ما حملهم على ذلك - شيء يستوجب البغض والكفر، بل المحبة والإِيمان، فقد كانوا قبل قدوم النبي ﷺ إِلى المدينة في غاية من ضنك العيش وشدة الحياة

стр. 1754

فأَغناهم الله تعالى من خيره الوفير بمقدم نبى الرحمة، ووسع عليهم أَرزاقهم من الغنائم وغيرها، وقتل للجلاس مولى، فأَمر رسول الله ﷺ بديته اثنى عشر ألف درهم فاستغنى، وعرفهم بآياته على لسان رسوله فأَسلموا فحملهم لؤم الطبع وظلام القلب على البغض والحقد والكراهية، بدل أن يشكروا هذا الإِنعام بطاعة الرسول والدخول في دين الإِسلام. ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أَي ومع ذلك فإن يرجع هؤُلاءِ الكفار عما هم عليه من الكفر إِلى الإِيمان ويتوبوا إلى الله من جرائمهم يقبل توبتهم ويكن ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أَي وإِن يعرض هؤُلاءِ عن الإِيمان والتوبة، ويستمروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق، يعذبهم الله عذابا شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بأَشد العذاب في النار. ﴿وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أَي وليس لهم في الأَرض على سعتها وكثرة أَهلها صديق ولا ناصر يدفع عنهم عذاب الله. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾. المفردات: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: زيادة خيره وإِنعامه. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾: أَي جعل الله عاقبة بخلهم نفاقا، أَو أورثهم البخل نفاقا. ﴿أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ﴾: جعلوا وعدهم لله بالتَّصدُّق خلفهم،

стр. 1755

والمراد أَنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من الصدق والصلاح. ﴿سِرَّهُمْ﴾: أَي ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق. ﴿نَجْوَاهُمْ﴾: أَي ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين. التفسير بعد أَن بين القرآن الكريم فيما سبق طائفة من جرائم جماعات من المنافقين جاءَت هذه الآيات تحكى قبائح خاصة بفريق منهم. روى أَن ثعلبة بن حاطب أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أَن يرزقنى مالا، فقال ﵊: "يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تؤَدِّى حَقَّهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقنى الله مالًا لأُعطين كل ذى حق حقة، فدعا له رسول الله ﷺ فاتخذ غنما فنمت وكثرت حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأَل عنه رسول الله ﷺ فقيل،: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال: يا ويح ثعلبة، ثم بعث اثنين ممن يعملون في جمع الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسأَلاه الصدقة وأَقرآه كتاب رسول الله ﷺ الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إِلا جزية ما هذه إِلا أُخت الجزية، فارجعا حتى أَرى رأْيى، فنزلت فيه وفي أَمثاله من المنافقين تلك الآيات. ٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ … ﴾ الآية. أَي ومن المنافقين من أقسم وأعطى العهد لله قائلا: والله لئِن أعطانا الله من واسع رزقه ومزيد خيره، لنتصدقن على الفقراءِ وعلى من يستحقون الصدقة، ولنكونن في عداد الصالحين الذين يقيمون حدود الله، فنعمل في أَموالنا ما يعمله أَهل الصلاح في أموالهم من الإِنفاق في سبيل الله وسائر وجوه البر والخير وصلة الأَرحام. ٧٦ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أَي فلما حقق الله لهم ما سأَلوه وأَعطاهم من واسع فضله ما كثرت به أَرزاقهم ضنوا بما أَنعم الله بهِ عليهم، ومنعوا حق الله فيه فلم يعطوا منه لأَهل الاستحقاق شيئا.
следующие страницы →