سليمة مستوفية الشروط والأَركان، ويعطون الزكاة لمستحقيها، ويطيعون الله ورسوله بامتثال أَوامره واجتناب نواهيه.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾: أَي أُولئك الموصوفون بتلك الفضائل العظيمة سيفيض الله عليهم من آثار رحمته ما به ينصرهم على أَعدائهم، ويؤيدهم في كفاحهم وجميع أَحوالهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.
﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أَي إِنَّ الله غالب قوى لا يمتنع عليه شيء، فهو قادر على إِعزاز أَوليائه وقهر أَعدائه.
﴿حَكِيمٌ﴾: يضع كل شيء في موضعه بحكمة بالغة، فينعم على المؤْمنين بسعادة الأُولى والآخرة ويعاقب الكافرين والمنافقين بخسران الدارين.
٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية:
أَي: وعد الله المصدقين والمصدقات باللهِ ورسوله وبما أَنزله من شرع وأحكام، أَن يجزيهم على إِيمانهم الصادق وعملهم الصالح جنات تجرى من تحت قصورها وأَشجارها الأَنهار، إِتماما لنعيمها وتكريما لأَصحابها، وقدر لهم الخلود فيها ووعدهم - سبحانه - مساكن طيبة في جنات خلود وإِقامة، يسرون بجمالها وسعتها وما فيها من نعيم مقيم.
وأَعظم من ذلك كله رضوان الله تعالى عنهم، فإِن الشعور بلذة رضوان الله أَكبر من الشعور بلذة نعيم الجنة.
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أَي ذلك الذي وعدهم الله إِياه من النعيم المقيم في دار الخلود الدائم، وما تفضل به عليهم من رضاه هو الفوز الذي بلغ الغاية في العظم فينبغى الحرص عليه والعمل له والتنافس فيه.
стр. 1752
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾.
المفردات:
﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: واشدد عليهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ورحمة. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أَي ومكانهم ومقرهم الذي يأْوون إِليه وينزلون فيه جهنم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: المآل والمرجع.
﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: أَي نطقوا بما يدل عليه من الأَلفاظ. ﴿وَهَمُّوا﴾: المراد من الهم هنا العزم - أَي عزموا. ﴿بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾: بما لم يستطيعوا الوصول إِليه.
﴿نَقَمُوا﴾: كرهوا وأنكروا. ﴿وَلِيٍّ﴾: صديق ينفعهم، أَو سيد متولى أَمرهم.
التفسير
٧٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ … ﴾ الآية.
يا أَيها النبي جاهد الكفار الصرحاءَ الذين يجهرون بالكفر، وجاهد المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر، أُولئك الكفار بالسيف والسلاح، وهؤلاءِ المنافقين بالحجة والبرهان وإِقامة الحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: أَي وكن أَيها النبي شديدًا عليهم في جهادك فلا تلاينهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ولا رحمة، هذا جزاؤهم في الدنيا.
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ومقرهم الذي يأْوون إِليه في الآخرة جهنم يعذبون فيها بالنار، وبئس المرجع الذي سيصيرون إِليه والنهاية التي سينتهون إِليها - نار جهنم.
стр. 1753
ثم انتقل القرآن الكريم يحكى ما ارتكبوه من جرائم استوجبوا بها ما مر، من الأَمر بجهادهم والغلظة عليهم فيه، ودخول جهنم في الآخرة فقال تعالى:
٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا … ﴾ الآية.
روى أَن رسول الله ﷺ أَقَام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه، فقال الجلاس بن سويد لئن كان ما يقول محمَّد حقا لإِخواننا الذين خلَّفْناهم - وهم ساداتنا وأشرافنا - لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاستحضره فحلف بالله ما قاله، فنزلت الآية فتاب الجلاس وحسنت توبته.
والمعنى: يقسم هؤلاءِ المنافقون بالله أنه ما صدر عنهم ما نسب إِليهم من القول السَّيَّىِء والنطق بكلمة الكفر، وهُمْ كاذبون في دعواهم حانثون في يمينهم، ولهذا كذبهم الله قائلا: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾:
أَي: ولقد صرحوا بكلمة تدل على كفرهم الذي كتموه وتفضح نفاقهم، إِذ قالوا لو كان ما يقوله محمَّد في حق إِخواننا حقا لنحن شر من الحمير، وأعلنوا ما خبأُوه في قلوبهم من الكفر بعد أَن قالوا كلمة الإِسلام بأَفواههم.
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾:
أَي وهموا بفعل ما لم يصلوا إِليه ولم يقدروا عليه من قَتْل النبي ﷺ وذلك أَن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادى إِذا تَسنَّم العَقبَة بالليل، فأَخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة يسوقها فبينما هما كذلك إِذ سمع حذيفة بوقع أَخفاف الإِبل وقعقعة السلاح، فقال: إِليكم يا أَعداءَ الله، فهربوا. وقيل هموا بإِخراج الرسول والمؤمنين من المدينة، أَو بأَن يُتَوِّجوا عبد الله ابن أُبَىٍّ ملكا عليها فأَحبط الله مُؤَامرتهم.
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾:
أَي وما حَمَل هؤلاءِ المنافقين والكفار على بغض الرسول والذين آمنوا معه وكراهتهم لهم - ما حملهم على ذلك - شيء يستوجب البغض والكفر، بل المحبة والإِيمان، فقد كانوا قبل قدوم النبي ﷺ إِلى المدينة في غاية من ضنك العيش وشدة الحياة
стр. 1754
فأَغناهم الله تعالى من خيره الوفير بمقدم نبى الرحمة، ووسع عليهم أَرزاقهم من الغنائم وغيرها، وقتل للجلاس مولى، فأَمر رسول الله ﷺ بديته اثنى عشر ألف درهم فاستغنى، وعرفهم بآياته على لسان رسوله فأَسلموا فحملهم لؤم الطبع وظلام القلب على البغض والحقد والكراهية، بدل أن يشكروا هذا الإِنعام بطاعة الرسول والدخول في دين الإِسلام.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾:
أَي ومع ذلك فإن يرجع هؤُلاءِ الكفار عما هم عليه من الكفر إِلى الإِيمان ويتوبوا إلى الله من جرائمهم يقبل توبتهم ويكن ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أَي وإِن يعرض هؤُلاءِ عن الإِيمان والتوبة، ويستمروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق، يعذبهم الله عذابا شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بأَشد العذاب في النار.
﴿وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أَي وليس لهم في الأَرض على سعتها وكثرة أَهلها صديق ولا ناصر يدفع عنهم عذاب الله.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾.
المفردات:
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: زيادة خيره وإِنعامه. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾: أَي جعل الله عاقبة بخلهم نفاقا، أَو أورثهم البخل نفاقا. ﴿أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ﴾: جعلوا وعدهم لله بالتَّصدُّق خلفهم،
стр. 1755
والمراد أَنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من الصدق والصلاح. ﴿سِرَّهُمْ﴾: أَي ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق. ﴿نَجْوَاهُمْ﴾: أَي ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين.
التفسير
بعد أَن بين القرآن الكريم فيما سبق طائفة من جرائم جماعات من المنافقين جاءَت هذه الآيات تحكى قبائح خاصة بفريق منهم. روى أَن ثعلبة بن حاطب أَتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أَن يرزقنى مالا، فقال ﵊: "يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تؤَدِّى حَقَّهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقنى الله مالًا لأُعطين كل ذى حق حقة، فدعا له رسول الله ﷺ فاتخذ غنما فنمت وكثرت حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأَل عنه رسول الله ﷺ فقيل،: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال: يا ويح ثعلبة، ثم بعث اثنين ممن يعملون في جمع الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسأَلاه الصدقة وأَقرآه كتاب رسول الله ﷺ الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إِلا جزية ما هذه إِلا أُخت الجزية، فارجعا حتى أَرى رأْيى، فنزلت فيه وفي أَمثاله من المنافقين تلك الآيات.
٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ … ﴾ الآية.
أَي ومن المنافقين من أقسم وأعطى العهد لله قائلا: والله لئِن أعطانا الله من واسع رزقه ومزيد خيره، لنتصدقن على الفقراءِ وعلى من يستحقون الصدقة، ولنكونن في عداد الصالحين الذين يقيمون حدود الله، فنعمل في أَموالنا ما يعمله أَهل الصلاح في أموالهم من الإِنفاق في سبيل الله وسائر وجوه البر والخير وصلة الأَرحام.
٧٦ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾:
أَي فلما حقق الله لهم ما سأَلوه وأَعطاهم من واسع فضله ما كثرت به أَرزاقهم ضنوا بما أَنعم الله بهِ عليهم، ومنعوا حق الله فيه فلم يعطوا منه لأَهل الاستحقاق شيئا.
стр. 1756
﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أَي وأعرض هؤُلاءِ مدبرين عن طاعة الله، وشأْنهم دائما التولى والإِعراض عما يجب الاتجاه إِليه من مقاصد الخير، والإِقبال على صنائع المعروف.
٧٧ - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾:
أَي فجعل الله عقب بخلهم بما رزقهم الله إِياه من واسع فضله، نفاقا متمكنا فِي قلوبهم كالداءِ العضال، يظل فيها إِلى يوم يموتون ويلقون الله وهذا النفاق المتمكن:
﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ﴾: أَي بسبب أنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من التصدق على المستحقين حتى كأَنهم جعلوه خلف ظهورهم.
﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: وكذلك بسبب استمرارهم على الكذب في جميع أَقوالهم، ومنها كذبهم فيما عاهدوا الله عليه.
٧٨ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾:
أَى أَغاب عن علم هؤُلاءِ المنافقين الذين حنثوا في أيمانهم، ونقضوا ما عاهدوا الله عليه، أن الله يعلم ما يخفونه في صدورهم من النفاق، وما يجهر به بعضهم لبعض بعيدا عن المسلمين من الطعن فيما شرعه الله للناس، ومن ذلك طعنهم في الزكاة والصدقات بتسميتها جزية أَو أُختها.
﴿وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾:
أَي وهل غاب عنهم أيضًا أن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم فلا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماءِ، فكيف يتوهمون أنه تعالى يغيب عنه نفاقهم وسرهم ونجواهم.
стр. 1757
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾.
المفردات:
﴿يَلْمِزُونَ﴾: يعيبون بالكلام الواضح أَو بالإِشارة بالعين أَو الرأْس، مع كلام خفى.
﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾: المراد به المبالغة في العدد ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: المتصدقين تطوعا.
التفسير
٧٩ - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. ﴾ الآية.
روى أَن رسول الله ﷺ حَثَّ الناس على الصدقة ودعاهم إِلى إِخراجها فجاءَ عبد الرحمن بن عوف بأَربعة آلاف درهم وقال: كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أَربعة، وأَمسكت لعيالي أَربعة، فقال ﷺ بارك الله لك فيما أَعطيت وفيما أَمسكت، فبارك له حتى صولحت تماضر رابعة نسائه عن رُبْع الثُّمُن على ثمانين أَلفا، وتصدق عاصم بن عدى بمائة وسق من تمر، وجاءَ أَبو عقيل الأَنصارى بصاع تمر فقال: بِتُّ ليلتى أَجُرُّ بالجَرير (١) على صاعين، فتركت صاعا لعيالى وجئت بصاع، فأَمره رسول الله ﷺ أَن ينثره على الصدقات، فلمزهم المنافقون، أَي عابوهم، وقالوا: ما أَعطى عبد الرحمن وعاصم إِلا رياء، وإِن الله ورسوله لغنيان عن صاع أَبي عقيل ولكنه أَحب أَن يُذكَر بنفسه ليعطى من الصدقات، فنزلت هذه الآية.
стр. 1758
والمعنى: هؤلاءِ المنافقون البخلاءُ، الحانثون في أيمانهم، الناقضون لعهودهم مع الله بالتصدق والصلاح والاستقامة، هم الذين يعيبون المتبرعين الأَغنياءَ، فيتهمونهم بالرياءِ فيما بذلوه بسخاءٍ، ويعيبون الفقراءَ فيما تبرعوا به من طعام قليل حصلوا عليه بجهد ومشقة وعيالهم بحاجة إِليه، فيسخرون منهم ومن تبرعهم القليل، زاعمين أَنهم يذكرون بأَنفسهم ليعطوا من الصدقة.
﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: أَي جزاهم على سخريتهم بالإِذلال والإِهانة في الدنيا، ليكونوا موضع سخرية الناس واستهزائهم حزاءً لهم من جنس عملهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أَي ولهم يوم القيامة عذاب شديد الإِيلام.
٨٠ - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾:
روى أَن عبد الله بن عبد الله بن أَبىٍّ وكان من المخلصين الصادقين، سأَل رسول الله ﷺ أَن يستغفر لأَبيه في مرض موته ففعل رسول الله ﷺ إِكراما لهذا الصحابي الجليل، وذلك قبل النهي عن ذلك فنزلت الآية:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: أَي سواءٌ طلبت المغفرة يا محمَّد لهؤلاءِ المنافقين أَو لم تطلبها لهم فإِن الله لا يغفر لهم، حتى إِن بالغت في الاستغفار لهم بأَكثر من هذا العدد. فلن يغفر الله لهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾: أَي ذلك الوعيد بعدم المغفرة لهم، بسبب أَنهم كفروا بالله ورسوله، حين أَشركوا مع الله غيره وكذبوا رسوله ولم يؤمنوا بالدين الذي جاءَ به هدى للناس، وكان أَمرهم معه نفاقا في الظاهر وفسوقا وخروجا عليه في الباطن.
﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: والله لا يهدى القوم المتمردين الذين تجاوزوا الحدود، بل يتخلى عن معونتهم وتوفيقهم لإِصرارهم على الضلالة مع وضوح الحجة.
والتعبير بسبعين مرة يراد به الكثرة لا خصوص العدد، فلو زاد على السبعين في الاستغفار فلن يغفر الله لهم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 1759
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾.
المفردات:
﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: الذين تخلفوا عن الجهاد بأَعذار كاذبة. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: بقعودهم.
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللهِ﴾: أَي بعده أَو مخالفة له.
التفسير
٨١ - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ .. ﴾ الآية.
أَي فرح المنافقون الذين حملهم الكسل والنفاق على الاعتذار الكاذب عن الخروج إِلى غزوة تبوك، فرح هؤلاءِ بقعودهم عن الغزو بعد خروجه ﷺ وكرهوا أن يجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله لا إيثارًا للراحة والسلامة فحسب، بل استجابة أَيضًا لما استقر في قلوبهم من النفاق الذي أَورثهم بغض الجهاد الذي تتحقق به أَشرف الغايات، ولم يكتفوا بتخلفهم عن الجهاد وفرحهم بهذا القبح، بل كانوا يثبطون غيرهم عن الخروج بقولهم لا تخرجوا في الحر وتتركوا بيوتكم، فإنكم لا تطيقون شدته، فأمر الله رسوله ﷺ أَن يرد على جهلهم بقوله تعالى:
﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾: أَي قل لهم أيها النبي: نار جهنم التي سيدخلونها بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد هي أَشد حرا من الصيف الذي تخافونه وتحذَّرون الناس منه.
﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: أَي لو كان هؤلاءِ المنافقون يدركون أَن نار الآخرة أَشد حرا،
لما فعلوا ما يستوجب العقاب بها، من تخلفهم عن الجهاد والاعتذار عنه بالأَباطيل، وحث غيرهم على عدم الجهاد في الحر.
стр. 1760
٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أَي فليضحك هؤلاءِ المنافقون سرورا بقعودهم وتثبيطهم غيرهم وسخرية من المؤمنين فليضحكوا ضحكا قليلًا مهما طال وكثر، لقصر زمنه بفنائهم ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: أَي وليبك هؤلاء بعد انتهاء حياتهم بكاء كثيرًا في الآخرة، حينما ينزل بهم عذاب الله ويقاسون شدائده أَبدًا.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾.
المفردات:
﴿رَجَعَكَ اللهُ﴾: ردك، والمراد هنا الرجوع من تبوك إِلى المدينة، حيث بقيت فيها جماعة من المتخلفين.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾: طلبوا منك أَن تأْذن لهم في الخروج إِلى غزوة أُخرى.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: فاقعدوا مع المتخلفين، لعدم لياقتهم للجهاد، كالنساءِ والأَطفال والعجزة.
التفسير
٨٣ - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ … ﴾ الآية.
أَي فإِن ردك الله أَيها النبي إِلى المدينة، حيث تقيم جماعة من هؤلاءِ المتخلفين المنافقين، ثم أَردت الخروج إِلى غزوة أُخرى، فاستأَذنك الذين أقعدهم النفاق عن غزوة تبوك، لتسمح لهم بالخروج معك، فقل لهم أيها الرسول: لن تنالوا شرف الخروج معى أبدا، ولن تقاتلوا معى عدوا، فلستم أهلًا لنيل هذا الشرف، ولأَنكم رضيتم بالقعود عن الغزو وفرحتم بذلك في غزوة تبوك ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: أَي فاقعدوا عقوبة لكم مع الذين لا يصلحون للقتال من الشيوخ العاجزين والنساءِ والأَطفال.
стр. 1761
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوالطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.
المفردات:
﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾: أصحاب الغنى والسعة. ﴿ذَرْنَا﴾: اتركنا.
﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أَي ختم عليها بطابع، والمقصود أَنها لما لم تقبل هدى الله.
التفسير
٨٤ - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ … ﴾ الآية.
روى أَنه لما مرض رأْس المنافقين عبد الله بن أُبَىِّ بن سلول، أَرسل إِلى رسول الله ﷺ ليأْتيه، فلما دخل عليه قال ﵊: "أَهلكت حب يهود" فقال يا رسول الله: أَرسلت إِليك لتستغفر لي لا لتُؤَنِّبَنى، وسأَله أَن يكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلى عليه، فلما مات دعاه ابنه عبد الله - وكان مؤْمنا صالحا - فأَجابه ﵇ تسلية له، ومراعاة لجانبه، وأَرسل إِليه قميصه فكفن فيه، فلما هم بالصلاة عليه نزلت الآية.
стр. 1762
والمعنى: ولا تصل أَيها النبي أبدًا على من مات من المنافقين ولا تدع له في أَي وقت كان.
﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: أَي ولا تقف عند قبره لدفنه، ولا تذهب لزيارته والدعاءِ له، لأَنهم جحدوا وحدانية الله تعالى وكذبوا رسوله، وأَنكروا شريعته وانتهت حياتهم بالموت، وهم خارجون عن الإِيمان وطاعة الرحمن.
٨٥ - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ … ﴾ الآية.
أَي لا تنل إِعجابك وتقديرك أَيها العاقل أَموالُ المنافقين الكثيرة، ولا أَولادهم الذين يعتزون بهم، ولا تحسبن ذلكِ إِكراما لهم، فقد جعله الله استدراجا لهم ووبالا عليهم.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا﴾: أَي إِنما قدر تعذيبهم بهذه الأَموال والأَولاد في الدنيا، بسبب ما يقاسونه في جمعها وحفظها من المتاعب، وفي رعاية الأَولاد من المشاق والصعاب.
﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: أَي وتخرج أَرواحهم من أَبدانهم عند انتهاءِ آجالهم بشدة وصعوبة، والحال أَنَّهم كارهون للموت، لتعلقهم بالدنيا وزينتها، والاشتغال بذلك عن الإِيمان بالله والعمل للدار الآخرة، فكان ذلك نقمة لا نعمة.
وقدمت الأَموال على الأَولاد في هذه الآية وفي آيات أَخرى مع أَن الأَولاد أَعزّ لحاجة كل فرد إِلى المال في كل وقت وزمان، بخلاف الولد فلا يطلب إِلا بعد بلوغ مبلغ الأُبُوَّة.
٨٦ - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ … ﴾ الآية.
أَي وإِذا أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ سورة من القرآن، يأْمرهم فيها بالإِيمان بالله والتصديق بوحدانيته، ويدعوهم إِلى الجهاد مع رسوله ﷺ إِعزازا لدين الله وإِعلاءً لكلمته.
﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: أَي طلب منك أَيها النبي أَصحاب الغنى والسعة والقدرة على الجهاد بأَنفسهم وأموالهم، - طلب منك هؤُلاءِ - أَن تأْذن لهم في التخلف عنه وقالوا اتركنا يا محمَّد نقعد مع الذين قعدوا في المدينة، لأَعذار تخلفوا بسببها.
стр. 1763
ثم بين القرآن الكريم سوءَ صنيعهم وعدم امتثالهم لما أُمروا به في قوله تعالى:
٨٧ - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ … ﴾ الآية.
أَي اختار هؤُلاءِ المنافقون القادرون، وقبلوا أَن تنحط أَقدارهم، بقعودهم في المدينة مع العجزة والضعفاءِ من الرجال والنساءِ والأَطفال.
﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أَي وختم الله على قلوبهم بخاتم أَغلقها دون الخير لسوءِ اختيارهم، فهم بسبب ذلك لا يدركون ما في الإِيمان بالله تعالى واتباع رسوله ﷺ من خير وسعادة، وما في الجهاد من رفعة وشرف، وما في التخلف عنه من هوان وهلاك.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.
المفردات:
﴿لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾: لهم أنواع خيِّرة من نعم الدنيا وثواب الآخرة. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون.
التفسير
٨٨ - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ … ﴾ الآية.
هذه الآية مرتبطة بما قبلها ارتباطا واضحًا لا يحتاج إِلى بيان.
والمعنى: أَن ذاك الذي تقدم حديث عن الذين انحطت أَقدارهم ورضوا بالخسارة والدناءَة، لكن الرسول والذين آمنوا معه بالله وبما جاءَ به من شرائع وأَحكام كان لهم شأْن آخر يعلى أَقدارهم، ويعظم الخير لهم، إِذ جاهدوا ببذل أَموالهم وأنفسهم رخيصة في سبيل الله، فنالوا الشرف والرفعة، وأُولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة لهم الخيرات، من النصر والغنيمة وغير
стр. 1764
ذلك في الدنيا، والتمتع في الآخرة بأَنواع من النعيم لا تحصى، وأُولئك هم الفائزون حقا بما يقصده ويطلبه أَصحاب الفطر السليمة، دون من رضوا بمتاع الدنيا غرضا ومقصدا.
ويستفاد من الآية الكريمة أَنه وإِنْ تخلف هؤُلاءِ المنافقون عن الجهاد، فقد نهض به وأَخلص فيه مَنْ هم خير منهم وأَصدق نِيَّة، ومن كانوا فيه كأَعظم ما يكون المجاهدون، حين بذلوا أَموالهم وأَنفسهم، ثم خصَّ القرآن الكريم فوزهم وفلاحهم في الآخرة بالبيان في قوله تعالى:
٨٩ - ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: هؤُلاءِ المؤمنون مع ما يفوزون به في الدنيا من النصر والغنيمة، هيأَ الله لهم في الآخرة جنات من نعيمها أَن الأنهار تجرى من تحت قصورها وأشجارها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أَي ماكثين فيها أَبدا فلا ينقطع عنهم نعيمها بالموت أَو الخروج منها ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أَي ذلك الجزاءُ المذكور من إِعزازهم في الدنيا وإِنعام الله عليهم في الآخرة، هو الفوز العظيم والذى أَعلى الله به قدرهم ورفع ذكرهم.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.
المفردات:
﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾: المقصرون المعتذرون بالباطل. ﴿الْأَعْرَابِ﴾: سكان البوادى.
التفسير
بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال منافقى أَهل المدينة، جاءَ ببيان أَحوال منافقى الأَعراب في قوله تعالى:
٩٠ - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ … ﴾ الآية.
стр. 1765
جاءَ فيما روى أن أَسدا وغطفان جاءوا إِلى رسول الله ﷺ يستأْذنون في التخلف عن الخروج للجهاد معتذرين كذبا بالجهد وكثرة العيال، فأَذن لهم فنزلت الآية تكشف كذبهم.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: أَي وجاءَ إِلى رسول الله ﷺ المقصرون من سكان البادية، الذين يظهرون أَن لهم عذرا ولا عذر لهم، جاءُوا يطلبون منه ﷺ ، أَن يأْذن لهم في التخلف عن الجهاد، ويعتذرون بكثرة عيالهم وما بهم من جهد ومشقة ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾: أَي وقعد فريق آخر من منافقى الأَعراب حيث كانوا فلم يجيئوا ليعتذروا ويطلبوا الإِذن بالتخلف، وقد ظهر بذلك أَنهم كذبوا على الله ورسوله في ادعاءِ الإِيمان والطاعة.
ثم بين سبحانه عقاب من كفروا منهم بقلوبهم بقوله:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أَي سيقع على الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله من هؤُلاءِ الأَعراب عذاب مؤْلم شديد الإِيلام، في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بعذاب السعير.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.
المفردات:
﴿حَرَجٌ﴾: المراد به الإِثم والذنب، ومعناه في الأَصل: الضيق ويطلق على الذنب لأَنه
стр. 1766
تضيق به صدور المؤمنين. ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أَي إذا قاموا بما استطاعوا من قول وفعل يعود بصلاح الحال على الإِسلام والمسلمين.
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: أَي ما عليهم من طريق إِلى عقابهم أَو عتابهم ﴿تَوَلَّوْا﴾: انصرفوا راجعين ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: أَي تسيل عيونهم دمعا غزيرا فياضا.
التفسير
بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال الذين اعتذروا كذبا والذين لم يعتذروا من منافقى الأَعراب جاءَت هاتان الآيتان لبيان حال الذين أَعفاهم الله من وجوب الجهاد لقيام أَعذارهم فقال تعالى:
٩١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ … ﴾ الآية.
أَي: ليس على الضعفاءِ - كالشيوخ والنساءِ والصبيان - ولا على الذين طرأَ عليهم المرض أَو بهم مرض ملازم - كالعمى والعرج - ولا على الذين لا يجدون ما ينفقونه في شراءِ أُهبة السفر وعدة الجهاد، ليس على هؤلاءِ جميعا إِثم ولا عتاب في التخلف.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
أَي إِذا أَخلصوا النصح لله ورسوله، بصدق الإِيمان واتباع شريعة الإِسلام، وقاموا بما يستطيعون من قول وفعل يعود بصلاح الحال على المجاهدين، وبهذا يكونون قد أَحسنوا في جميع أَعمالهم وأَقوالهم حسب طاقتهم، فليس عليهم سبيل إِلى عقاب أَو عتاب، لدخولهم في عداد المحسنين.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أَي والله عظيم المغفرة واسع الرحمة يغفر للمسئِ التائب وتسعه رحمته إِن شاءَ فكيف بالمحسنين؟
٩٢ - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ … ﴾ الآية.
стр. 1767
أَي: وكذلك لا حرج ولا إِثم في التخلف عن الجهاد على المؤْمنين الذين إذا ما جاءُوك يطلبون منك أَن تحملهم على ظهور الخيل والإِبل والدواب، أَو تعينهم بما يمكنهم من الغزو معك وليس عندك ما يحقق رغبتهم، فقلت لهم تطييبا لقلوبهم واعتذارا لهم: لا أَجد من الدواب ما أَحملكم عليه، وعندما قلت ذلك انصرفوا وأَعينهم تسيل دمعا غزيرا لحزنهم الشديد بسبب أنهم لا يجدون من المال ما ينفقونه في شراء سلاح الحرب وعدة القتال وأُهبة الجهاد ومراكبه.
وهؤُلاءِ الذين جاءُوا النبي ﷺ ليحملهم، هم سبعة من الأَنصار، معقل بن يسار، وصخر بن خنساءِ، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل، وعُلْبَةُ بن زيد، أَتوا رسول الله ﷺ وقالوا قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال ﵇: لا أَجد ما أَحملكم عليه، فتولوا وهم يبكون وكان يطلق عليهم (البكاءُون).
стр. 1768
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾
المفردات:
(السَّبيلُ): الطريق.
(الْخَوَالِفِ): المتخلفين، ويطلق أيضًا على النساء والصبيان، وهو جمع خالفة.
(وَطبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ): ختم عليها حتى غفلوا عن وخامة العاقبة.
التفسير
لما رفع الله تعالي الإثم والعقوبة في الآيتين السابقتين، عمن تخلفوا بأعذار ونصحوا لله ورسوله، بين - سبحانه - من يستحق المؤاخذة بقوله:
٩٣ - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ .... ﴾ الآية.
أي إنما سبيل المحاسبة والمؤخذة على الذين يستأذنونك في التخلف عن الجهاد وهم واجدون القدرة على الجهاد بأَموالهم وأَنفسهم ولا عذر لهم في التخلف، ثم أنكر عليهم رضاهم بهذا التخلف بقوله:
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: أي رضوا بالدناءَة والضعة حين رضوا الانتظام في جملة الخوالف من النساء والصبيان ومن لا يقوى على الجهاد إيثارًا للسلامة والرحاة والدعة.
﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي وأَغلق الله قلوبهم عن الحق بسبب نفاقهم فهم لهذا لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدنيا والدين وما في التخلف عنه من وخامة العاقبة وسوء الحساب.
стр. 1769
وقد عرفنا من الآية الكريمة، أَن الأَعمال تابعة لحالة القلوب ودرجات الإيمان، فإن كان الإيمان واهنا، والقلب مريضا، كانت الأَعمال منحرفة عن سواءِ السبيل، وإن كان الإيمان والقلب في عافية وسلامة، كانت الأَعمال في طريق الاستقامة، وكل إناءٍ ينضح بما فيه.
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾.
التفسير
٩٤ - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ .... ﴾ الآية.
أَي يعتذر إليكم هؤلاء المنافقون المتخلفون عن الجهاد، بالأَعذار الباطلة إذا رجعتم إليهم من غزوة تبوك.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾:
قل لهم أيها الرسول: لا تعتذروا فليس لكم عذر صحيح حتى نستمع إليه ونتقبله منكم لن نصدِّق معاذيركم الكاذبة، لأَن الله قد أَعلمنا بالوحي بعض أخباركم المنافية للصدق مما باشرتموه من الشّرِّ والفساد، وأَضمرتموه في أَنفسكم من الأكاذيب، فلن نخدع بعد ذلك بأَعذاركم.
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾:
هذه الجملة يحتمل أَن تكون حثا لهم على التوبة، والمعنى على هذا: وسيعلم الله ما سيقع منكم في المستقبل من توبة أَو إصرار، ويسجله لكم عند وقوعه ويجزيكم عليه، والمقصود أَن حالهم سينكشف في المستقبل، وسيعاملون بمقتضاه: إِن خيرًا فخيرٌ وإِن شرًا فشرٌّ.
стр. 1770
ويحتمل أنهم وعدوا بأَن ينصروا المؤمنين في المستقبل، وأن الله ينذرهم بالعقوبة إنْ هُمْ نكثوا وعدهم، أَي وسيعلم الله ما يحدث منكم من الوفاءِ أَو الغدر، ويجازيكم بمقتضاه.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
أي ثم ترجعون إلى الله العالم بكل خفى وظاهر فيخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملونه في الدنيا، ويجازيكم عليه.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾
المفردات:
(انْقَلَبْتُمْ): رجعتم.
(لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ): لتصفحوا عنهم.
(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ): فاتركوهم.
(رِجْسٌ): أَي نجس وقذر، والرجس الخبيث من كل شيء.
(وَمَأْوَاهُمْ): ومقرهم الذي يأْوون إِليه.
(الْفَاسِقِينَ): الخارجين عن الطاعة.
التفسير
٩٥ - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾:
أَي أَن هؤلاءِ المنافقين لا يكتفون بالاعتذار عن تخلفهم، بل يؤكدونه بالقسم تمويها عليكم، وتأكيدا لصدقهم المزعوم في اعتذارهم.
стр. 1771
والمعنى: سيحلفون بالله لكم أَيها المؤمنون إذا رجعتم إِليهم من الغزو بأَنهم لم يتخلفوا عنكم إِلا لعذر، وغرضهم من ذلك أَن تعرضوا عنهم وتصفحوا عن تخلفهم.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ .... ﴾ الآية.
أَي فاتركوهم أَيها المؤمنون، واجتنبوا مجالستهم والاطمئنان إليهم، ودعوهم وما اختاروه لأَنفسهم من النفاق وعدم الإخلاص في الإِيمان، لأَنهم نجس وقدر، فبواطنهم خبيثة وأَعمالهم قبيحة، ومرجعهم ومقرهم جهنم جزاءً بما استمروا على اكتسابه من النفاق والعصيان.
٩٦ - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾:
أفادت هذه الآية أنهم لا يقصدون بحلفهم الإِعراض عن لومهم والصفح عنهم فحسب بل يحلفون لكم لترضوا عنهم وتطمئنوا إليهم بعد الصفح عنهم، ولكن الله ينهاكم عن الرضا عنهم، فإن ترضوا عنهم فقد خالفتم ربكم لأن الله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين فكيف ترضون عنهم.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾
المفردات:
(الْأَعْرَابُ): سكان البادية، والعرب: أَهل الحضر والبادية فهو أَعم.
التفسير
٩٧ - (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا):
لما تحدثت الآيات السابقة عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، عقبها الله سبحانه بهذه الآية وما تلاها، لتضمنها الحديث عن نفاق الأَعراب وكفرهم، وزيادته عما عليه المنافقون بالمدينة.
стр. 1772
والمعنى: أَن أَهل البادية من الأَعراب، أَشد كفرًا ونفاقًا من كفار العرب ومنافقيهم المقيمين بالحواضر، لجفائهم وقسوة قلوبهم، وهذا هو الشأن الغالب فيهم، إِذ ليس كلهم بهذا الوصف؛ كما يتبين ذلك مما يأْتي:
﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾:
أي أَن هؤلاءِ الأَعراب هم أحق وأَولى بأن يجهلوا حدود ما أنزله الله على رسوله من الفرائض والأَحكام، لجفاءِ طباعهم وقسوة قلوبهم ونفرتهم من كل ما يخالف ما أَلفوه من عقائد وعادات.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
والله تعالى عظيم العلم والحكمة، فلا يخفى عليه منحرف عن طاعته، ولا يفلت من عقابه من يستهين بشريعته.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾
المفردات:
(يَتَّخِذُ): يعد ويعتبر.
(مَغْرَمًا): غرما وخسارة.
(وَيَتَرَبَّصُ): وينتظر.
стр. 1773
(الدَّوَائِرَ): جمع دائرة والمراد بها هنا تقلب الزمان من حسن إلى سيئٍ ومعناها في الأَصل ما يحيط بالشئِ.
(السَّوْءِ): ما يُسئُ ويؤذي.
(قُرُباتٍ): جمع قربة وهى ما يتقرب به العبد إلى ربه تعالى.
(صَلَوَاتِ الرَّسُولِ): دعواته ﷺ .
التفسير
٩٨ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾:
بعد أن بين الله سبحانه أن الأعراب في جملتهم أَشد كفرًا ونفاقًا ذكر في هاتين الآيتين أَنهما فريقان، فريق يُضْمِرُ الشر للمسلمين، وفريق آخر مخلص في إيمانه.
والمعنى: وبعض الأعراب يعتقد أَن المال الذي ينفقه في سبيل الله غرم لا غنم، ولهذا لا ينفقه إِلا خوفًا من المسلمين أَو مُرَاءَاةً لهم ولم يرد به وجه الله تعالى، وفاته أَن الصدقات طهارة ونماءٌ للمال، وكما يعتبر ما ينفقه مغرمًا ينتظر بكم تقلب الزمان وتغيُّرَه، فتتبدل حالكم من قوة إلى ضعف ومن نصر إلى هزيمة.
﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾:
هذا وعيد من الله تعالى لهؤلاءِ الأَعراب بأَن تدور عليهم الدائرة وينزل بهم من البلاءِ ما تمنوه للرسول وأَصحابه، وأنهم لا يرون فيهم إِلا ما يسوءُهم من نصر ورفعة شأْن.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
أَي والله تعالى عظيم السمع واسع العلم فلا تخفى عليه خافية مما أَضمروه من النفاق وإِرادة السوءِ بالمؤْمنين وهو محاسبهم ومجازيهم أَشد الجزاءِ.
٩٩ - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾:
هذا هو الفريق الثاني وهو الذي يصدِّق بوجود الله تعالى وبصفاته وباليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، ويعتبر أَن كل ما ينفعه في سبيل الله هو وسيلة إلى رضا الله
стр. 1774
والتقرب منه، كما أَنه سبب في دعاء الرسول واستغفاره لهم حيث كان ﷺ يدعو للمُصَّدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، عند أَخذه الزكاة الواجبة والصدقات المندوبة ليوزعها على مستحقيها، ولذلك كان من السنة الدعاءُ للمتصدق بالخير والبركة، لكن ليس له أَن يدعو بلفظ الصلاة كما فعله ﵊ مع بعض المتصدقين، فقد ورد أَنه قال: اللهم صلى على آل أَبي أَوفى فإن ذلك كان مختصًّا به، يتفضل به على من يشاءُ، ثم أَخبر الله عن قبولها منهم بقوله:
﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾:
أَي أَلا إن إنفاقهم الصادر عن الإخلاص لله قربة عظيمة لهم عند الله تعالى.
وقد وعدهم الله عليها بإِدخالهم الجنة في قوله:
﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾:
أَي يشملهم ويغمرهم برحمته وفضله جزاءَ إخلاصهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
إنه تعالى عظيم المغفرة واسع الرحمة لا يخلف وعده، فيثيب هؤلاءِ على إخلاصهم في عملهم لله تعالى.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾.
التفسير
لما ذكر الله تعالى فضائل بعض الأَعراب الذين يتخذون ما ينفقونه قربات عند الله وصلوات الرسول وما أُعد لهم من الثواب، أَتبعه ذكر فضائل خيار المسلمين فقال تعالى:
стр. 1775
١٠٠ - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾:
فالسابقون الأولون من المهاجرين هم الذين بادروا بالإسلام في فجر الدعوة، ثم هاجروا فرارًا بدينهم، أَما السابقون الأَولون من الأَنصار فهم أَهل بيعة العقبة الأُولى والثانية والذين سارعوا إلى الإسلام عند قدوم مصعب بن عمير، وكان الرسول قد أَرسله بعد البيعة الثانية لينشر الدعوة الإسلامية بين أَهل المدينة وقيل السابقون من المهاجرين والأَنصار هم الذين صلُّوا إلى القبلتين أَو من حضر بيعة الرضوان.
﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾:
أَي والذين جاءُوا بعدهم متصفين بالإخلاص وبكل خصلة حسنة، أَو المراد والذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة من فريقي المهاجرين والأَنصار وغيرهم إلى يوم القيامة.
وقرئَ الأَنصار بالرفع فعلى هذا فالسابقون الأَولون من المهاجرين فقط، والتابعون عند علماءِ الحديث هم الذين جاءُوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم أَجمعين ثم أَخبر الله عن الجميع بقوله:
﴿﵃﴾: بقبول طاعتهم، وارتضاءِ أَعمالهم.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: بما أَنعم الله به عليهم من النصر والتمكين في الأَرض في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾:
أَي وهيأَ لهم في الآخرة جنات تجرى من تحت قصورها أَو من تحت أَشجارها الأَنهار، مع الإِقامة الدائمة فيها، كما قال تعالى: "وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ".
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
أي ذلك الجزاءُ الذي بلغ الغاية في العظم هو الفوز الذي لا فوز يَعدله أو يدانيه، ولهذا قال ﷺ فيما رواه أَبو سعيد الخدرى: "لا تسُبُّوا أَصحابِى فَلَوْ أَنَّ أَحَدكم أَنْفق مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلغ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نصِيفهُ" أَخرجه الشيخان وغيرهما.
стр. 1776
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾.
المفردات:
(حَوْلَكُمْ): أَي حول المدينة بلدكم.
(مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ): أَي مرنوا عيله واعتادوه.
(لَا تَعْلَمُهُمْ): لا تعرف حقيقة أَمرهم لعراقتهم في النفاق.
(سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ): قبل الآخرة بالفضيحة وعذاب القبر.
(ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ): ثم يردون في الآخرة إلى عذاب بالنار عظيم.
التفسير
١٠١ - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾:
هذا شروع في ذكر أحوال المنافقين النازلين حول المدينة والمقيمين بها.
والمعنى: ومن الأَعراب النازلين حول المدينة أُناس منافقون ومن أهل المدينة نفسها منافقون كذلك.
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾:
أي مرن هؤلاءِ وأُولئك على النفاق وبلغوا مبلغًا جعلهم مهرةً فيه، حتى لأن لهم أَمره وسلس لهم قياده ولا تكاد تستعمل كلمة مَرَدوا إلا في الشر.
стр. 1777
(لَا تَعْلَمُهُمْ):
أي لا تعرفهم أَنت أَيها الرسول بعنوان نفاقهم لأَنهم بلغوا من المهارة فيه، والبعد عن مواقع التهم مبلغًا يُخفى حالتهم عنك، مع كمال فطنتك وصدق فراستك.
(نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ):
أَي أَن الله تعالى هو الذي يعلم حالهم لأَنه لا يخفى عيله من سرائرهم شيءٌ مهما بالغوا في إِخفاءِ أَمرهم.
(سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ):
هذا وعيد بأَنه تعالى سيعذبهم مرتين قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس ﵄: "أَن النبي ﷺ قام خطيبًا يوم الجمعة فقال اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق فأَخرج ناسًا وفضحهم" فهذا هو العذاب الأَول، والثانى إما القتل وإما عذاب القبر وقيل غير ذلك.
(ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ):
ثم يرجعون في الآخرة إلى عذاب غليظ هو عذاب النار في الآخرة، وبهذا يعلم أَنه تعالى يعذبهم ثلاث مرات مرتين قبل يوم القيامة كما تقدم ومرة يوم القيامة كما يفيده ختام الآية.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾.
التفسير
١٠٢ - (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ):
هذا بيان لحال طائفة أُخرى من المسلمين ضعيفة الهمة في أُمور الدين.
стр. 1778
والمعنى: ومن أهل المدينة قوم آخرون اعترفوا بتخلفهم عن الغزو إيثارًا للدعة مع إِيمانهم وتصديقهم بما جاءَ به الرسول، ولم يخفوا ما صدر منهم وندموا عليه، ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة كغيرهم من المنافقين، وهم رهط من المتخلفين، منهم أَبو لبابة وجماعة معه (١) أَوثقوا أَنفسهم على سوارى المسجد عندما بلغهم ما نزل في المتخلفين من القرآن فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد فصلى ركعتين كعادته الكريمة، ورآهم على تلك الحالة فسأل عن شأْنهم فقيل له إنهم أَقسموا أَلا يحلوا أَنفسهم حتى تحلهم أَنت فلما أَنزل الله هذه الآية أَطلقهم رسول الله ﷺ وعفا عنهم.
(خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا):
المراد بالعمل الصالح ما سبق أَن عملوه من الطاعات، ومنها خروجهم إِلى المغازى السابقة وما لحق ذلك من الاعتراف بذنب التخلف وندمهم على ذلك، والمراد بالعمل السيئِ ما صدر منهم من المعاصي، ومنها التخلف عن تبوك دون عذر.
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ):
أَي يرجى أَن يقبل الله توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم، وتقوية لهذا الرجاءِ قال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
أَي أَنه تعالى واسع الغفران والرحمة، فلهذا يرجى رجاءً قويًّا أن يتقبل بفضله توبتهم النابعة من إِخلاصهم، وصدق طويتهم.
стр. 1779
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾.
التفسير
سبب النزول: أَنه لما أَطلق رسول الله ﷺ سراح المعتذرين قالوا يا رسول الله: هذه أَموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئًا، فنزلت وأَخذ منها الثلث وترك لهم الثلثين.
١٠٣ - (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً):
هذه ليست الزكاة المفروضة وإنما هي كفارة لذنوبهم كما ينطق به قوله تعالى:
(تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا): والمعنى أن الله تعالى أَمر رسوله ﷺ أَن يأْخذ هذا القدر ليكون تطهيرًا لهم مما لحق بهم من آثام التخلف، وتزكية تنمى بها حسناتهم إلى مراتب المخلصين.
(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ):
المراد من الصلاة هنا الاستغفار لهم والدعاءِ بقبول توبتهم.
والمعنى: واستغفر لهم أَيها الرسول، واطلب الرحمة لهم فإِن صلاتك ودعاءك إقرار لنفوسهم المضربة وطمأْنينة لقلوبهم الحائرة، وإِيذان بأَن الله سيقبل توبتهم.
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
أي والله تعالى عظيم السمع، محيط العلم فسمع اعتراف هؤلاءِ بذنوبهم، وعلم صدقهم في توبتهم، فتاب عليهم وعفا عنهم.
стр. 1780
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾
المفردات:
(أَلَمْ يَعْلَمُوا): استفهام يرادُ به التقرير أَي قد علموا.
(يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ): يقبلها ويثيب عليها.
(وَسَتُرَدُّونَ): وسترجعون.
(الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ): الخفى والظاهر.
التفسير
١٠٤ - (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ):
أَي أَلم يعلم هؤلاءِ التائبون، أَن الله تعالى هو وحده الذي يقبل التوبة الصحيحة الخالصة من عباده المخلصين رحمة بهم ورأْفة وكرمًا، وأَنه يقبل صدقاتهم التي يؤدونها ابتغاءَ مرضاته، يطهرهم بها من آثامهم، ويزيد من حسناتهم، وأَنه تعالى هو عظيم التوبة على عباده كثير الرحمة بهم، فذلك شأْنه الدائم وسنته المستمرة.
١٠٥ - (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):
جاءت هذه الآية لزيادة ترغيبهم في العمل الصالح، وتخويفهم من اقتراف السيئات، ومع هذا فهى عامة لجميع المكلفين، فلا يختص حكمها بالمتخلفين عن تبوك.
стр. 1781
والمعنى: وقل يا محمد تبليغًا لهؤلاءِ ولجميع المكلفين، اعملوا وراقبوا الله تعالى فيما تعملون، فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون في دنياكم، مهما حاولتم إِخفاءَها فاجتهدوا في أَن تكون أَعمالكم في حدود البرِّ والطاعة، بعيدة عن الإثم والمعصية، ليحمدها الله ورسوله والمؤمنون، وستردون في أُخراكم إلى عالم كل غائب خفى، وظاهر جلى، فيخبركم بما كنتم تعملون في دنياكم، فيجزيكم عليه، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًا فشر، قال رسول الله ﷺ : "لوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لها بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ، لخرَجَ عَمَلُه لِلنَّاسِ كائِنًا مَا كَانَ" أَخرجه أَحمد وأَبو يعلى وغيرهما عن أَبي سعيد.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾
التفسير
١٠٦ - (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ … ) الآية.
نزلت هذه الآية كما قال ابن عباس في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، فإنهم لم يسرعوا إلى التوبة والاعتذار عن تخلفهم في غزوة تبوك، كما اعتذر أَبو لُبابة وأَصحابه بعد أَن ندموا على تخلفهم، وحزنوا حزنًا شديدًا جعلهم يشدون أَنفسهم على سوارى المسجد، وقد وقف النبي ﷺ هؤلاءِ الثلاثة، ونهى عن أَن يسلموا عليهم ويكلموهم، حتى يكون أَمرهم عبرة لغيرهم فلا يحاول أَحد أَن يتخلف عن الجهاد وهو قادر عليه، وكان هؤلاءِ الثلاثة من أَصحاب بدر فهجرهم الناس وكانوا مختلفين في شأْنهم، فمن قائل هلكوا، ومن قائل عسى الله أَن يغفر لهم، فصاروا عندهم مرجئين لأَمر الله تعالى، وقد صح رأْى هؤلاءِ فيهم، وبه نزل القرآن الكريم.
стр. 1782
والمعنى: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك من أَهل المدينة ومن حولها من الأَعراب، قوم آخرون غير المعترفين المذكورين، لم يحاولا أَن يختلقوا أَعذارًا، وأَن يكذبوا بها على رسول الله ﷺ فهؤلاءِ مرجئون ومؤخرون لأَمر الله في شأْنهم، إِما أَن يعذبهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بدون عذر وقد دعوا إليها، وكانت آخر مغازيه صلى الله عيه وسلم، وإما أَن يقبل توبتهم بعد أَن تتمحص نفوسهم وتخلص قلوبهم من الإِخلاد إلى الدعة، وإِيثار ذلك على الجهاد، والله واسع العلم، فيعلم أَحوالها ويعامله بمقتضاها، حكيم فيما فعل بهم من الإِرجاء وما بعده، حتى يعودوا إلى مثل ذلك، وليكون أَمرهم عبرة لغيرهم.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾
المفردات:
(ضِرَارًا): مضارة للإِسلام وأَهْلِه.
(وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ): أَي فَصْلًا بينهم، بصرف بعضهم عن مسجد قباء الذي يجمعهم ويوحد كلمتهم.
(وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ): وانتظارًا للراهب الفاسق الذي حارب الله ورسوله ليصلى فيه.
(الْحُسْنَى): أَي الخصلة الحسناء.
التفسير
١٠٧ - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) الآية.
نزلت هذه الآية في جماعة من المتخلفين عن تبوك، بنوا مسجدًا غير مسجد قباء، بقصد المضارة وتفريق المؤمنين.
стр. 1783
وتفصيل ذلك أَن بنى عمرو بن عوف، لما بنوا مسجد قباء بعثوا إِلى رسول الله ﷺ أَن يأْتيهم فيصلى بهم في مسجدهم فلما فعل النبيى ﷺ ما طلبوه منه، حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا نبنى مسجدًا ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلى فيه، ويصلى فيه أَبو عامر الراهب أَيضًا إِذا قدم الشام، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه سلم الفاسق. وكان قد قال لرسول الله ﷺ يوم أُحد: لا أَجد قومًا يقاتلونك إِلا قاتلتك معهم، فلم يزل يفعل ذلك إِلى يوم حنين، فلما انهزمت هوزان يومئذ ولى هاربًا إلى الشام، وأَرسل إلى المنافقين أَن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإِنى ذاهب إِلى قيصر وآت بجنود، وَمُخْرِجٌ محمدًا وأَصحابه من المدينة، فبنوا مسجدًا إلى جنب مسجد قباءَ، وقالوا للنبي ﷺ : بنينا مسجدًا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ونحن نحب أَن تصلى لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال ﷺ : "إِنى على جناح سفر وحال شغل، وإِذا قدمنا إِن شاء الله تعالى صلينا فيه فلما قَفَل ﷺ من غزوة تبوك، سأَلوه إِتيان المسجد فنزلت هذه الآية عليه، فدعا بمالك بن الخشم ومَعْن بن عدى وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة وقال لهم: "انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا المسجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدمُوهُ واحْرِقُوهُ، ففعلوا":
وأَمر أَن يتخذ مكانه موضعًا لإِلقاءِ القمامة، حتى لا تقوم له قائمة، وهلك أَبو عامر الفاسق بقُنَّسْرين.
والمعنى: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك، المنافقون الذين بنوا بجوار مسجد قباء، مسجدًا لمضارة الإِسلام والمسلمين، وللتفريق بين المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد قباء متجمعين تلبية لنداءِ ربهم، يريدون ببنائه أَن يجتذبوا بعضهم إِلى مسجدهم، وإِلى صفوف نفاقهم، كما بنوه أَيضًا لغرض خفى خطير، وهو انتظار وترقب الراهب الفاسق الذي حارب الله ورسوله من قبل، لكي يصلى فيه ويظهر على رسول الله ﷺ .
(وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
وليحلفن بنو غانم الذين بنوا مسجد الضرار، ما أَردنا ببنائه إلى خصلة الحسنى وهى الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين، والله يشهد إِنهم لكاذبون في يمينهم، فقد بنوه للمضارة وغيرها من الأَغراض الفاسدة التي بينتها الآية الكريمة.
стр. 1784
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾
المفردات:
(لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا): لا تؤد فيه الصلاة وغيرها من الطاعات في أَي وقت دائمًا.
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى): يعنى مسجد قباء.
(يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا): أَي يرغبون في التطهر الحسى والمعنوى.
التفسير
١٠٨ - (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ):
لا تقم أيها الرسول للصلاة وغيرها من الطاعات في مسجد الضرار في أَي وقت من الأَوقات فقد بنى للإِضرار بالإِسلام وأَهله، والله لمسجد قباء الذي أَسَّسَه رسول الله ﷺ وأَقامه على تقوى الله ورضوانه من أَول أَيام تأْسيسه أَحق وأَولى أَن تقوم فيه للصلاة وأداءِ الطاعات أَنت وسائر المؤمنين.
وقيل المراد بالمسجد الذي أُسس على التقوى هو المسجد النبوى بالمدينة فعن أَبي سعيد الخدرى ﵁ قال: "سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عن المسْجِدِ الَّذِى أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فأَخَذَ حَصْباءَ، فضرَبَ بِها الأَرْض وَقالَ: مَسْجِدُكُمْ هَذا مَسْجِدُ الْمَدِينةِ".
(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ):
أَي في هذا المسجد الذي بنى على تقوى الله رجال صادقون في إِيمانهم وتقواهم، يحبون أَن تتطهر نفوسهم وأَبدانهم من الذنوب والأَوزار طلبا لمرضاة الله، والله يحب الحريصين على الطهارة ويرضى عنهم ويحسن ثوابهم.
стр. 1785
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾
المفردات:
(شَفَا جُرُفٍ): الشفا؛ الحرف والحافة والطرف - (والجُرُف) بضمتين ما جرفه السيل أَي استأْصله وحفر ما تحته، فبقى واهيًا.
(هَارٍ): مشرف على السقوط وأصله (هائر) (١).
(فَانْهَارَ بِهِ): فسقط به.
التفسير
١٠٩ - (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ … ) الآية.
ضرب الله في الآية مثلًا للذين بنوا مسجدهم على تقوى الله ورضوانه، بمن بنى بنيانه على أساس ثابت متين، وضرب مثلا آخر للذين بنوا مسجدهم للإضرار بالإسلام، بمن أَقام بنيانه على أَساس واه مهلك بين والغرض من المثلين أَنهما لا يستويان فالأَول معمر والثانى مدمر.
والمعنى: أَفمن أَسس بنيان دينه على قاعدة محكمة، وهى تقوى الله تعالى، وطلب رضوانه خير عند الله تعالى، أَم من أَسس بنيانه على قاعدة منهارة، وهى الباطل والنفاق، فكان ذلك سببا في سقوطه في النار: وعن ابن عباس ﵁ قال: "صَيَّرهُمْ نِفَاقُهمْ النَّارِ لأَنَّهُمْ بَنَوا المسْجِدَ، قَاصِدينَ بِهِ الكُفْرَ وَالنَّفَاقَ وإِضْرَارَ المؤْمنينَ "لهذا كان أَرْدأ البناء وأحقره، وأَمَّا الأَوَّلُونَ فَكَانَ بِنَاؤهُمْ أَشْرف البناء وأَرضى للهِ تَعَالَى.
стр. 1786
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):
أَي لا يوفقهم لفعل الخير والطاعة، لأَنهم لا يريدون ولا يميلون إِليه، فالتوفيق للإيمان لا يكون إِلا لمن علم الله فيهم إِقبالا وإِصرارا على السير في طريقه والتزامه "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ".
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾.
المفردات:
(رِيبَةً): شكا ونِفَاقًا. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ): أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام، حتى كأنَّهُ نفس الريبة والشك.
التفسير
١١٠ - (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ):
أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام حتى كأَنه نفس الريبة والشك.
أَما أَنه ريبة حال بنائه: فلكونه بنى لتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت وحدتهم وَلِيُثَبِّتُوا ما في قلوبهم من كفر وضلال، وليدبروا فيه المكائد للمسلمين، وأَما أَنه ريبة حال هدمه، فلأنه ثَبَّتَ ما كان في قلوبهم من الشر فتضاعفت آثاره، وظهرت مفاسده غيظا وحقنا على المسلمين.
(إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ):
أَي إِلا أن تتمزق قلوبهم قطعا وأَجزاءً فحينئذ يذهب الشك والريبة، والمراد أَنهم لا يزالون كذلك ما داموا أَحياء، فإذا ماتوا انتهت تلك الريبة.
стр. 1787
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أَي والله تعالى شامل العلم بجميع أَحوال العباد، عظيم الحكمة، يضع الأشياءَ في مواضعها في كل ما حكم به ودبر، ومن جملتها أمره تعالى الوارد في حقهم.
وفي الآية تحذير للمسلمين من خداع المنافقين، وتنبيه على اليقظة من الوقوع في حبائلهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾
المفردات:
(اشْتَرَى): استبدل. (وَمَنْ أَوْفَى): لا أَحد أَعظم وفاء.
(فَاسْتَبْشِرُوا): أَي فافرحوا غاية الفرح.
١١١ - (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ):
هذا ترغيب من الله للمؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته وثوابه بعد بيان حال المتخلفين عنه.
وسبب النزول كما قال محمد بن كعب القرظى: "أَنه لما بايعت الأَنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال رسول الله ﷺ اشترط لربى أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسى أَن تمنعونى مما تمنعون منه أَنفسكم وأَموالكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا … ؟ قال النبي ﷺ : الجنة. قالوا ربح البيع لا نُقيل ولا نَسْتَقيل" فنزلت.
стр. 1788
قال أهل المعانى: - لا يجوز أن يشترى الله شيئًا هو له في الحقيقة، لأَن المشترى إِنما يشترى ما لا يملك، والأَشياء كلها ملك لله تعالى. ولهذا قال الحسن: أَنفسنا هو خلقها وأَموالنا هو إِياها، لكن جرى ذلك مجرى التلطف في الدعوة إلى الطاعة، والجهاد وذلك لأَن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل، أَو أَنفق ماله في سبيل الله عوضه الجنة في الآخرة جزاءً لما فعل في الدنيا، فجعل ذلك استبدالا واشتراءً - فهذا معنى أَنه تعالى اشترى من المؤمنين أَنفسهم وأَمواله … الخ.
(يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ):
أَي يقاتلون أعداءَ الإِسلام، في سبيل دين الله ورفع كلمته، فيقتلون بعضهم تارة، ويكفون أَذَاهم عن المسلمين ويَقتَلُون منهم تارة أُخرى، راضين ببذل النفس في سبيل الله ربهم.
(وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ):
يعنى أَن وعد الله للمجاهدين بأَن لهم الجنَّةَ، هو وعد حق ثابت في التوراة والإِنجيل وفيه دليل على أَن الجهاد موجود في جميع الشرائع، ومكتوب على الجميع الملل السماوية.
(وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ):
أَي لا أَحد أَعظم وفاءً بالعهد من الله تعالى، لأَن خلف الوعد لا يقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بالله الغنى الذي لا تفنى خزائنه، وهو أَكرم من كل كريم. وهو المتصف بالكمال المطلق، "وَمن أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا" والمتأَمل لا يرى ترغيبا في الجهاد أَحسن ولا أَبلغ من هذه الآية الكريمة.
(فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
أَي فليفرح غاية الفرح، من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد - فليفرح - بالفوز العظيم والنعيم المقيم.
стр. 1789
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
التفسير
١١٢ - (التَّائِبُونَ): إلى آخر الأَوصاف الآتية، مدح للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أَنفسهم وأَموالهم بأَن لهم الجنة:
والمراد من توبتهم تركهم للشرك، وبعدهم عن النفاق والمعاصي، ويجوز أَن يراد بالآية، كل من تاب، فيكون المعنى على هذا كل من تاب واتصف بهذه الصفات يكون من أَهل الجنة أَيضا: واعلم أَنَّ التوبة المقبولة إِنما تحصل بأُمور أَربعة:
أَولها: الإِقلاع عن الذنب.
ثانيها: الندم على فعل المعاصي فيما مضى.
ثالثها: العزم على تركها في المستقبل.
رابعها: أَن يكون الحامل عليها رضا الله تعالى.
فإن كانت من ذنب يتعلق بحقوق الآدميين، زيد عليها شرط خامس، وهو ردّ الحقوق إلى ذويها أَو استعفاؤهم، فإن كان الغرض منها تحصيل مدح الناس ودفع مذمتهم، أَو تحصيل أَي غرض دنيوى، فلا تكون توبة مقبولة.
(الْعَابِدُونَ): أَي الذين يأْتون بالعبادة على وجهها الصحيح مخلصين لله تعالى مواظبين على أَدائها في أَوقاتها.
стр. 1790
(الْحَامِدُونَ): أَي الذين يحمدون الله تعالى في السراءِ والضراءِ وفي كل حال.
(السَّائِحُونَ): قال ابن مسعود هم الصائمون، لأن الصائم مستمر في طاعة الله والسائح مستمر في سياحته قال النبي ﷺ : "السائحون هم الصائمون" (١).
وقيل: هم المهاجرون، وقيل: هم طلبة العلم، وقيل: هم السائحون في الأَرض المتنقلون فيها فإِن السياحة أَثرا عظيما في تهذيب النفوس، لأَنه قد يتعرض السائح للبؤس وللضراءِ، فلا بد له من الصبر، وقد يلقى في سياحته العلماءَ والصالحين فيستفيد علما وحسن سلوك، ويرى عجائب وآثار قدرة الله تعالى، فيصل من طريق ذلك إلى بذل الجهد في طاعة الله تعالى.
(الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ): يعنى المصلين، وعبر بالركوع والسجود عن الصلاة لأَن بهما تتميز الصلاة عن غيرها، ولأَنهما من أَهم أَركانها.
(الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ):
أَي الذين يأْمرون الناس بكل خير من إِيمان وطاعة ينهون الناس عن الشرك والمعاصي.
والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بهما صلاح الأُمة واستقامتها، فإِن ضاعا التبس الحلو بالمر، وضاعت أَخلاق الأُمة، وفسدت معايير الاستقامة فيها.
(وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ):
بالعمل بأَحكام الشريعة والوقوف عند أَوامر الله، والبعد عن نواهيه ويَحْمِلُ الناس على طاعة الله تعالى وأَدائها على الوجه الأَكمل.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ):
أَي وأَخبرهم يا محمد بما يسرهم مما وعد الله به من دخول الجنة فإِنه تعالى واف لهم بما وعد. "وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ".