(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):
أَي لا يوفقهم لفعل الخير والطاعة، لأَنهم لا يريدون ولا يميلون إِليه، فالتوفيق للإيمان لا يكون إِلا لمن علم الله فيهم إِقبالا وإِصرارا على السير في طريقه والتزامه "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ".
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾.
المفردات:
(رِيبَةً): شكا ونِفَاقًا. (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ): أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام، حتى كأنَّهُ نفس الريبة والشك.
التفسير
١١٠ - (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ):
أَي لا يزال المسجد الذي بنوه شاهدا على تمكن الريبة في قلوبهم من جهة الإِسلام حتى كأَنه نفس الريبة والشك.
أَما أَنه ريبة حال بنائه: فلكونه بنى لتفريق كلمة المؤمنين وتشتيت وحدتهم وَلِيُثَبِّتُوا ما في قلوبهم من كفر وضلال، وليدبروا فيه المكائد للمسلمين، وأَما أَنه ريبة حال هدمه، فلأنه ثَبَّتَ ما كان في قلوبهم من الشر فتضاعفت آثاره، وظهرت مفاسده غيظا وحقنا على المسلمين.
(إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ):
أَي إِلا أن تتمزق قلوبهم قطعا وأَجزاءً فحينئذ يذهب الشك والريبة، والمراد أَنهم لا يزالون كذلك ما داموا أَحياء، فإذا ماتوا انتهت تلك الريبة.
стр. 1787
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أَي والله تعالى شامل العلم بجميع أَحوال العباد، عظيم الحكمة، يضع الأشياءَ في مواضعها في كل ما حكم به ودبر، ومن جملتها أمره تعالى الوارد في حقهم.
وفي الآية تحذير للمسلمين من خداع المنافقين، وتنبيه على اليقظة من الوقوع في حبائلهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾
المفردات:
(اشْتَرَى): استبدل. (وَمَنْ أَوْفَى): لا أَحد أَعظم وفاء.
(فَاسْتَبْشِرُوا): أَي فافرحوا غاية الفرح.
١١١ - (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ):
هذا ترغيب من الله للمؤمنين في الجهاد ببيان فضيلته وثوابه بعد بيان حال المتخلفين عنه.
وسبب النزول كما قال محمد بن كعب القرظى: "أَنه لما بايعت الأَنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال رسول الله ﷺ اشترط لربى أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسى أَن تمنعونى مما تمنعون منه أَنفسكم وأَموالكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا … ؟ قال النبي ﷺ : الجنة. قالوا ربح البيع لا نُقيل ولا نَسْتَقيل" فنزلت.
стр. 1788
قال أهل المعانى: - لا يجوز أن يشترى الله شيئًا هو له في الحقيقة، لأَن المشترى إِنما يشترى ما لا يملك، والأَشياء كلها ملك لله تعالى. ولهذا قال الحسن: أَنفسنا هو خلقها وأَموالنا هو إِياها، لكن جرى ذلك مجرى التلطف في الدعوة إلى الطاعة، والجهاد وذلك لأَن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يقتل، أَو أَنفق ماله في سبيل الله عوضه الجنة في الآخرة جزاءً لما فعل في الدنيا، فجعل ذلك استبدالا واشتراءً - فهذا معنى أَنه تعالى اشترى من المؤمنين أَنفسهم وأَمواله … الخ.
(يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ):
أَي يقاتلون أعداءَ الإِسلام، في سبيل دين الله ورفع كلمته، فيقتلون بعضهم تارة، ويكفون أَذَاهم عن المسلمين ويَقتَلُون منهم تارة أُخرى، راضين ببذل النفس في سبيل الله ربهم.
(وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ):
يعنى أَن وعد الله للمجاهدين بأَن لهم الجنَّةَ، هو وعد حق ثابت في التوراة والإِنجيل وفيه دليل على أَن الجهاد موجود في جميع الشرائع، ومكتوب على الجميع الملل السماوية.
(وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ):
أَي لا أَحد أَعظم وفاءً بالعهد من الله تعالى، لأَن خلف الوعد لا يقدم عليه الكرام من الناس، فكيف بالله الغنى الذي لا تفنى خزائنه، وهو أَكرم من كل كريم. وهو المتصف بالكمال المطلق، "وَمن أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا" والمتأَمل لا يرى ترغيبا في الجهاد أَحسن ولا أَبلغ من هذه الآية الكريمة.
(فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
أَي فليفرح غاية الفرح، من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد - فليفرح - بالفوز العظيم والنعيم المقيم.
стр. 1789
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
التفسير
١١٢ - (التَّائِبُونَ): إلى آخر الأَوصاف الآتية، مدح للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أَنفسهم وأَموالهم بأَن لهم الجنة:
والمراد من توبتهم تركهم للشرك، وبعدهم عن النفاق والمعاصي، ويجوز أَن يراد بالآية، كل من تاب، فيكون المعنى على هذا كل من تاب واتصف بهذه الصفات يكون من أَهل الجنة أَيضا: واعلم أَنَّ التوبة المقبولة إِنما تحصل بأُمور أَربعة:
أَولها: الإِقلاع عن الذنب.
ثانيها: الندم على فعل المعاصي فيما مضى.
ثالثها: العزم على تركها في المستقبل.
رابعها: أَن يكون الحامل عليها رضا الله تعالى.
فإن كانت من ذنب يتعلق بحقوق الآدميين، زيد عليها شرط خامس، وهو ردّ الحقوق إلى ذويها أَو استعفاؤهم، فإن كان الغرض منها تحصيل مدح الناس ودفع مذمتهم، أَو تحصيل أَي غرض دنيوى، فلا تكون توبة مقبولة.
(الْعَابِدُونَ): أَي الذين يأْتون بالعبادة على وجهها الصحيح مخلصين لله تعالى مواظبين على أَدائها في أَوقاتها.
стр. 1790
(الْحَامِدُونَ): أَي الذين يحمدون الله تعالى في السراءِ والضراءِ وفي كل حال.
(السَّائِحُونَ): قال ابن مسعود هم الصائمون، لأن الصائم مستمر في طاعة الله والسائح مستمر في سياحته قال النبي ﷺ : "السائحون هم الصائمون" (١).
وقيل: هم المهاجرون، وقيل: هم طلبة العلم، وقيل: هم السائحون في الأَرض المتنقلون فيها فإِن السياحة أَثرا عظيما في تهذيب النفوس، لأَنه قد يتعرض السائح للبؤس وللضراءِ، فلا بد له من الصبر، وقد يلقى في سياحته العلماءَ والصالحين فيستفيد علما وحسن سلوك، ويرى عجائب وآثار قدرة الله تعالى، فيصل من طريق ذلك إلى بذل الجهد في طاعة الله تعالى.
(الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ): يعنى المصلين، وعبر بالركوع والسجود عن الصلاة لأَن بهما تتميز الصلاة عن غيرها، ولأَنهما من أَهم أَركانها.
(الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ):
أَي الذين يأْمرون الناس بكل خير من إِيمان وطاعة ينهون الناس عن الشرك والمعاصي.
والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بهما صلاح الأُمة واستقامتها، فإِن ضاعا التبس الحلو بالمر، وضاعت أَخلاق الأُمة، وفسدت معايير الاستقامة فيها.
(وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ):
بالعمل بأَحكام الشريعة والوقوف عند أَوامر الله، والبعد عن نواهيه ويَحْمِلُ الناس على طاعة الله تعالى وأَدائها على الوجه الأَكمل.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ):
أَي وأَخبرهم يا محمد بما يسرهم مما وعد الله به من دخول الجنة فإِنه تعالى واف لهم بما وعد. "وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ".
التفسير
١١٣ - (مَا كَانَ لِلنَّبِى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحَابُ الْجَحِيمِ):
هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم النبي ﷺ ، وذلك أَن النبي ﷺ أَراد أن يستغفر له، فنهاه الله عن ذلك، فقد روى الزهرى قال حدثني سعيد بن المسيب عن أَبيه قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أَبا جهل وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة فقال: أَي عم قل لا إِله إِلا الله كلمة أَحاج لك بها عند الله، فقال أَبو جهل وعبد الله بن أَبي أُمية بن المغيرة: أَترغب عن ملة عبد المطلب … فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: أَنا على ملة عبد المطلب، وأَبي أَن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنه عن ذلك، فأَنزل الله تعالى:
(مَا كَانَ لِلنَّبِى وَالَّذِينَ آمَنُوَا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشركِينَ ولَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى):
وأنزل الله في أَبي طالب: "إنَّك لَا تَهْدِى منْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنِّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ".
هذا لفظ البخاري في تفسير الآية.
والمعنى:
ما صح وما استقام في حكم الله تعالى للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا للمشركين المغفرة، ولو كانوا أَصحاب قرابة بعد ما ظهر لهم أَنهم أَصحاب النار، بإِصرارهم على الكفر وموتهم عليه، أو بِعِلْم الرسول بالوحى أَنهم سيموتون على الكفر.
١١٤ - (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيم لأبِيهِ إلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ):
стр. 1793
جاءت هذه الآية لدفع ما يتوهم من التعارض بين الآية السابقة عليها وبين ما جاءَ في سورة الشعراءِ من استغفار إبراهيم لأبيه حيث قال: "وَاغْفِرْ لأبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ" (١).
والموعدة التي جاءَت في الآية، صدرت من آزر لإبراهيم ﵇، قال ابن عباس: كان أَبو إِبراهيم وعد إِبراهيم الخليل، أَن يؤمن باللهِ ويخلع الأَنداد فلما مات علم أَنه عدو الله، فترك الدعاءَ له.
والمعنى: لا حجة لكم أَيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأَبيه، فإن ذلك كان عن موعدة من آزر لابنه إبراهيم بالإيمان، فلما تبين له أَنه مستمر على كفره ترك الدعاءَ له، فلهذا يجب عليكم أن تعملوا بما صدر لكم من النهي عن الاستغفار للمصرين على الشرك ولو كانوا أُولى قربى.
وقيل الواعد إِبراهيم ﵇، فقد وعد أَباه أن يستغفر له، فلما مات مشركا تبرأَ منه، ودل على هذا قوله: "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبىِّ" قال القاضى أبو بكر بن العربى: تعلق النبي ﷺ في الاستغفار لأبى طالب بقوله تعالى: "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبىِّ" فأخبره الله تعالى أَن استغفار إِبراهيم كان وعدا قبل أَن يتبين الكفر منه، فلما تبين له الكفر منه تبرأَ منه، فكيف تستغفر أَنت لعمك وقد شاهدت موته على الكفر.
والمراد: باستغفاره له طلبه من الله أَن يوفقه للايمان ويهديه إليه.
(فَلَمَّا تَبيَّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوٌّ لَلهِ تَبرَّأَ مِنْهُ):
أي فلما ظهر لإبراهيم بالوحى أَن أَباه مصر على الكفر غيرْ مؤمن أبدًا، بَعُدَ عنه وتجنبه ونزه نفسه عن مصاحبته، وترك الاستغفار له.
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأوَّاهٌ حَلِيمٌ):
أي إن إبراهيم ﵇ كثير التأَوه من خوف الله تعالى متضرع إليه، كثير الدعاء والتوبة، رحيم بعباد الله، عظيم الحلم، كثير الصفح، والمراد وصفه برقة القلب، وسعة الصدر وعظيم الرأْفة والرحمة، وأنه يقابل الإساءة بالإحسان واللطف.
стр. 1794
١١٥ - (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ):
والمعنى: ما صح وما استقام في حكم الله تعالى وحكمته أَن يقضى ويحكم على قوم بالضلال بعد أن هداهم للإِسلام، ووفقهم للإِيمان به وبرسوله ﷺ ، حتى يبين لهم ما يجب اتقاؤه والبعد عنه من محظورات الدين، فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وأَما قبل ذلك فلا يحكم عليهم بالضلال ولا يؤاخذون بفعله وكأَن هذه الآية تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليل على أَن الغافل الذي لم يبلغه الدليلُ السَّمْعِىُّ غير مكلف بما لا يستقل به العقل (١).
١١٦ - (إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ):
المعنى أنه تعالى وحده هو مالك السموات والأرض وما فيهما، خلقا وتدبيرا يحكم فيهما بما يشاءُ، يحيى من يشاءُ على الإِيمان ويميته عليه، ويحيى من يشاءُ على الكفر ويميته عليه، تبعا لحكمته وتطبيقا لسنته تعالى في الهداية والضلال والإِضلال.
(وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ):
والمعنى: وليس لكم أَيها المكلفون من غير الله وال يلى أُموركم ويدبر شئونكم، ولا نصير ينصركم على عدوكم ويعينكم عليه، فهو وحده نعم المولى ونعم النصير.
стр. 1795
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾
التفسير
١١٧ - (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ):
معنى توبته تعالى على النبي ﷺ عدم مؤاخذته بإِذنه للمنافقين بالتخلف في غزوة تبوك وهى كقوله تعالى: "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ" (١). فإِذنه لهم من باب ترك الأَولى لا من باب فعل الذنب. لأَنه لم يكن هناك أَمْرٌ خَالفَهُ ﷺ ، وأَما معنى توبته على المهاجرين والأَنصار فلأَجل ما وقع في قلوبهم من الميل إِلى القعود عن غزوة تبوك، لأَنها كانت في وقت شديد، ثم أَعانهم الله على التغلب على ما حدثتهم به نفوسهم من القعود، فسافروا مع الرسول ﷺ واتبعوه في ساعة العسرة كما قال تعالى:
(الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ):
أَي الذين خرجوا معه لقتال الأَعداء في غزوة تبوك، وكانت في وقت شديد الحرارة وضيق في الرواحل، وبعد في المسافة مع كثرة العدو، مما يدعو إِلى إِيثار التخلف فاستعانوا بالله واتبعوا رسول الله ﷺ .
стр. 1796
(مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ):
أَي من بعد ما قرب أَن تميل قلوب بعضهم من أَجل الشدة والمشقة إِلى التخلف والدعة والراحة، ولكن الله ثبتهم وأَيدهم وقواهم.
وزيغ القلب وانحرافه إِن كان في أَصل الدين كان كفرا، وإن كان في شريعته كان بحسب الحكم الذي مال عنه، فإن زاغ عن مجمع عليه الكفر، وإِن زاغ عن راجح عصى.
(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ): أَي أَنه تعالى علم إخلاص نيتهم، وصدق توبتهم فتقبلها منهم.
(إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ): فلهذا منَّ عليهم بالتوبة وقبلها منهم وثبتهم عليها.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾
المفردات:
(خُلِّفُوا): أُخِّرَ أَمرُ قبولِ توبتهم.
(بِمَا رَحُبَتْ): أَي مع رحابتها وسعتها، والرحب سعة المكان.
(لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ): لا مفر ولا منجى من سخطه وعقابه.
التفسير
١١٨ - (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) الآية.
قصة هؤلاءِ الثلاثة يرويها ابن هشام فيقول: قدم رسول الله ﷺ المدينة عائدا من تبوك، وكان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أُولئك الثلاثة
стр. 1797
من المسلمين المخلصين من غير شك ولا نفاق، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية، فقال رسول الله ﷺ لأَصحابه، لا تكلمُن أَحدا من هؤلاءِ الثلاثة - لأَنهم لم يقدموا عذرا عن تخلفهم - وأَتاه من تخلف من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله ﷺ معاملة لهم بظاهرهم، واعتزل المسلمون أُولئك النفر الثلاثة، ثم نزلت هذه الآية معلنة قبول توبتهم وعفو الله عنهم.
والمعنى: وتاب الله أَيضا على هؤلاءِ الثلاثة الذين أَخر قبول توبتهم، إِلى أَن ضاقت عليهم الأَرض مع سعتها ورحابتها، من شدة الأَمر عليهم، والحيرة التي حلت بهم، كأنهم لا يجدون في الأَرض مكانا يستقرون فيه ويطمئنون إليه، لشدة حزنهم وقلقهم، وكذلك ضاقت عليهم أَنفسهم، بسبب إعراض الناس عنهم، وتأَخر قبول توبتهم، واعتقدوا أَن لا عاصم ولا منجى من سخط الله وعقابه، إلا الرجوع إِليه، وطلب الغفران منه.
(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ):
أَي ثم أَنزل الله قبول التوبة منهم، ليصيروا في جملة التوابين، وليستمروا ويثبتوا على توبتهم، إِن الله تعالى كثير التوبة والعفو عن عباده إن تابوا ولم يصروا على ما فعلوا، عظيم الرحمة بقبول توبتهم وإن كثرت ذنوبهم مع استحقاقهم لأَنواع العقوبات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾
التفسير
لما تاب الله على هؤلاء الثلاثة، لصدقهم في القول وإِخلاصهم في التوبة، وبعدهم عن النفاق، أَمر الله المؤمنين أَن يتقوا الله ويكونوا مع الصادقين، ويبتعدوا عن النفاق والمنافقين وفي جملة من أُمروا هؤلاءِ الثلاثة.
стр. 1798
والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا بالله ورسوله، اتقوا الله بامتثال ما أَمر به، واجتناب ما نهى عنه، ولا تتخلفوا عن رسول الله إذا دعاكم لما يحييكم من الجهاد والبذل في سبيل الله، وكونوا مع جماعة الصادقين المخلصين في جهادهم إِذا جاهدوا، وفي عهودهم إِذا عاهدوا، وفي أَقوالهم ووعودهم إِذا حدَّثوا ووعدوا، وفي توبتهم إِذا أَذنبوا أَو قصَّروا، قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصِّدق فَإِن الصدقَ يهدى إِلى البرِّ وإِن البرَّ يهدى إِلى الجَنةِ، وما يزالُ الرجل يَصدقُ ويتحرَّى الصِّدق حتى يكتبَ عِند الله صِدَّيقًا، وإِياكم والكذب فإِنَّ الكذب يهدى إِلى الفجور، وإِنَّ الفُجورَ يهدى إِلى النَّار، وما يَزالُ الرَّجل يكْذب ويتحرَّى الكَذِب، حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا" أَخرجه مسلم.
والحكم المأْخوذ من الآية الكريمة يتناول المؤمنين في جميع الأَجيال.
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾
المفردات:
(وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه): أَي لا يؤثروا أَنفسهم على نفسه.
(وَلَا نَصَبٌ): ولا تعب.
стр. 1799
(وَلَا مَخْمَصَةٌ): ولا مجاعة.
(وَادِيًا): الوادى هو الأَرض التي تكون بين جبلين.
التفسير
١٢٠ - (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ … ) الآية.
أَي ما صح وما استقام لأَهل المدينة ومن حولهم من الأَعراب المؤمنين أَن يتأَخروا عن تلبية دعوة رسول الله إِذا دعاهم إِلى الجهاد في سبيل الله ولا يؤثروا أَنفسهم على نفسه، بأَن يطلبوا السلامة بالتخلف عن الجهاد معه فعليهم أَن يصحبوه على البأْساءِ، والضراءِ، وأَن يكابدوا معه الأَهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأَن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه الشريفة، مع العلم بأَنها أَعز نفس عند الله وأَكرمها عليه، وذلك يقتضيهم أن يبذلوا أَنفسهم دون نفسه، وأَن يدافعوا عنه بأَنفة وحمية، لا أَن يتخلفوا عنه بغير عذر كما فعل بعضهم، قال ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيْهِ مِن وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين" (١).
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ) الآية.
ذلك الذي تقدم من وجوب مصاحبة الرسول في الجهاد وإِيثاره على أَنفسهم بسبب أَنهم لا يصيبهم شئٌ من العطش والتعب والمجاعة في طريق الجهاد من أَجل دين الله، ولا يمشون في مكان يغيظون فيه الكفار، بأَن يحلوا في أَرضهم، ويتصرفوا فيها تصرفا يضيق صدورهم، ولا يصيبوا من عدو إِصابة بقتله أَو أَسره أَو هزيمته أَو الغنيمة منه، إِلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح يستحقون به أَكرم الثواب.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ):
أَي أنه تعالى يجزل ثواب المحسنين الذين يمتثلون أَمر الله ورسوله ولا يضيع لهم أَجرا.
стр. 1800
واعلم أَن خروج المؤمنين للجهاد إِذا دعاهم الإِمام فرض كفاية، ما لم يتعين لأَسباب تقتضى ذلك، أَما خروجهم إِليه إِذا دعاهم الرسول فهو فرض عين (١).
والذين تخلفوا في بدر لم يدر بخلدهم أَنهم سيقاتلون جيشًا قدم لإِنقاذ العير، ولذلك تخلفوا مترخصين بأَنهم لم يدعوا للجهاد، وبالجملة فإِن التخلف عن دعوة الرسول للجهاد كالنكث للبيعة فلذلك اشتد الرسول مع هؤلاءِ الثلاثة، حتى لا تتكرر من المؤمنين.
١٢١ - (وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
أَي ولا ينفقون في سبيل الله نفقة قليلة ولا كثيرة من مال أَو زاد أَو غير ذلك، ولا يجتازون واديًا إِلى عدوهم إِلا كتب الله لهم ذلك، وجعل في حسناتهم، ليجزيهم الله على كل عمل كسبوه وإِن قل جزاءَ أَفضل عمل عملوه، فيعطى على القليل جزاءً الكثير، كرمًا منه وفضلا.
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾.
стр. 1801
المفردات:
(لِيَنْفِرُوا كَافَّةً): ليخرجوا للجهاد ونحوه جميعًا.
(فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ): فهلا خرج من كل جماعة كثيرة منهم، جماعة قليلة.
(وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ): وليحذروهم من المخاوف والعواقب السيئة لعصيان الله وعدم التَّدبُّر في الأُمور.
التفسير
١٢٢ - (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً … ) الآية.
كما أوجب الله الخروج للجهاد ووعد بالثواب الجزيل عليه في الآيات السابقة عقبها بهذه الآية ليحض المؤمنين فيها على التفقه في الدين فإِنه أَساس الجهاد، لأَن به الدفاع عن الدين بالحجة وهو الأَساس الأَول للبعثة المحمدية، وباجتماع شعبتى الجهاد للمؤمنين جهاد السيف وجهاد العلم، يتم لهم النصرة والعزة بين العالمين.
والمعنى: وما صح ولا استقام أَن يخرج المؤمنون جميعًا للجهاد ونحوه من المقاصد الشريفة كطلب العلم، ويتركوا عيالهم دون عائل أَو راع، فإِن ذلك مضيعة لأُسرهم، فَهَلاَّ خرج من كل بلدة أَو قبيلة أَو جماعة كثيرة، طائفة قليلة ليتعلموا الدين ويتفهموه ويعرفوا براهين عقائده، وأُصول أَحكامه وفروعها، وليخوفوا قومهم من عصيان الله عند رجوعهم إِليهم، ويرشدوهم إِلى مناهج الهدى ومسالك العزة لكي يحذروا ما يضرهم في دنياهم وأخراهم ويقبلوا على ما ينفعهم ويعلى قدرهم، ويستتبع العزة والكرامة لهم.
وبعض المفسرين اتجه بمعنى الآية وجهة أُخرى حيث جعل حكمها فيما إِذا لم يخرج النبي ﷺ للجهاد وبعث بالمجاهدين في بعض المغازى والمعنى على هذا وما كان المؤمنون ليخرجوا جميعًا للقتال، والنبى ﷺ مقيم لم يخرج فيتركوه وحده، فلولا خرج من كل فرقة منهم طائفة في السرية التي لا تحتاج إِليهم جميعًا، ليتفقه الباقون منهم مع النبي ﷺ في الدين إِذا عاد
стр. 1802
الذين خرجوا في السرية، أَعلمهم المقيمون ما تعلموا من أحكام الشرع، وما تجدد نزوله على النبي ﷺ من آيات القرآن وعلى أَي وجه فقد أَفادت الآية إِيجاب التفقه في الكتاب والسنة على سبيل الكفاية، وقد جاءَ إِيجابه عن أَنس بن مالك أَنه قال:
"سَمعت رَسولَ الله ﷺ يقول: طَلَبُ الْعِلْمِ فَريضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ".
وحكم المسلمة حكم المسلم وجاءَ في فضله من حديث أَبي الدرداءِ قال: "سَمعتُ رسول الله ﷺ يقول: مَن سَلكَ طَريقًا يَلتَمسُ فيه عِلمًا، سَلكَ الله به طَريقًا إِلى الْجَنةِ. وَإِن الملائِكةَ لَتَضَعُ أَجْنحَتها رَضًا لطَالب الْعِلم وإِنَّ العَالِم ليَستغفر لهُ من في السمواتِ ومن في الأَرْض والحيتَان في جَوْف الماءِ، وإِنَّ فَضلَ العَالم عَلى العَابد كَفضْل القَمر ليلةَ البَدْر عَلى سَائر الكَواكب وإِنَّ العُلمَاء وَرثةُ الأَنْبيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبيَاءَ لمْ يُوَرِّثُوا دِينارًا وَلا دِرهمًا، وإِنما وَرَّثوا العِلم، فَمَنْ أَخَذَ بهِ أَخَذَ بحَظ وافِر" أَخرجه الترمذي، وجاءَ في صحيح مسلم قوله ﷺ :
"مَنْ يُردِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفقِّهُهُ فِى الدِّين" وحسبك في فضله قوله تعالى: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ".
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾
التفسير
بعد ما أَوجب الله على المؤمنين أَن يتسلحوا بالفقه ويزودوا أَنفسهم بالعلم إِلى جانب اقتدارهم على الجهاد ليتسنى لهم نشر الإِسلام بالأَمرين جميعًا، أَمرهم في هذه الآية أَن يتدرجوا في قتال الكفار وأَن يبدأُوا أَولا بقتال الأَقرب من العدو ثم الذين يلونهم ولهذا بدأَ الرسول بقتال اليهود الذين حول المدينة لنقضهم عهده، وصد هجمات المشركين من
стр. 1803
العرب حينًا، وبدأَهم بالقتال حينًا آخر، لوقاية الإِسلام من تربصهم به والتآمر عليه فلما فرغ منهم أَوكاد قصد الروم بالشام، ليحيط الإِسلام في معقله بحزام أَمن واستقرار ولتكون كلمة الله هي العليا.
والمعنى: يأَيها الذين آمنوا قاتلوا الأَقرب لكم من الكفار فالأَقرب، بعد أَن تدعوهم إِلى الإِسلام فلا يستجيبوا، وأَغلظوا في قتالهم واشتدوا فيه حتى يحسوا بذلك فيسلموا لكم ويضعفوا أَمامكم، واعلموا أَن الله مع المتقين بالنصر والمعونة.
﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾
التفسير
١٢٤ - (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا … ) الآية.
بعد أن بين الله ما يجب على المؤمنين في قتالهم لأَعدائهم، ذكر أَحوال المنافقين المنكرة توبيخًا لهم وتحذيرًا من شرورهم.
стр. 1804
والمعنى: وإِذا أَنزلنا عليك يا محمد أَية سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول لإِخوانه تثبيتًا لهم على النفاق، أَيكم زادته هذه السورة إِيمانًا، ومنحته يقينًا، يريدون بذلك أَنها لم تؤثر فيهم ولم تنتزع الشك والكفر من نفوسهم.
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ):
هذا وما بعده جواب من جهته تعالى يبين به حال أَهل ايقين، وحال أُولئك المنافقين.
والمعنى: فأَما الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله مخلصين، فقد زادتهم السورة يقينًا بتدبُّرِهم فيها، ووقوفهم على ما فيها من الحقائق، وانضمام إِيمانهم بما جاء فيها إلى إيمانهم السابق، وهم يسرون بنزولها وبما فيها من المنافع الدينية والدنيوية.
١٢٥ - (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ):
وأَما الذين في قلوبهم مرض من كفر وسوءِ عقيدة، فزادتهم السورة التي أَنزلناها كفرًا بها مضمومًا إلى كفرهم بغيرها، وعقائد باطلة وأَخلاقًا ذميمة، وماتوا وهم على هذه الحال المنكرة من الكفر والمفاسد.
١٢٦ - (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ):
المراد من فتنتهم كشف نفاقهم وفضيحتهم على رءُوس الأَشهاد، وكان ذلك مرة أَو مرتين في كل عام كالذى حدث في غزوة أُحد، حين رجعوا من الطريق وكالذى حدث في غزوة الخندق حين قالوا: "إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا".
وغير ذلك مما حدث منهم من المخالفات الخطيرة التي كشفها الله، وفضح فيها نفاقهم وكشف أَستارهم مرة بعد أُخرى.
стр. 1805
والمعنى: أَيغفلون ولا يعلمون أَنهم يمتحنون في كل عام مرة أَو مرتين، وذلك بكشف نفاقهم في الأَحداث الجسام، ثم لا يتوبون عن هذا النفاق الذي كان سببًا في فضيحتهم، ولا هم يستغفرون الله مما حدث منهم، تحقيقًا لتوبتهم وندمًا على ما كان منهم، وعدولا عن تلك الأَساليب الذميمة التي توهن من شأْن المجاهدين عند لقاءِ المشكرين.
١٢٧ - (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا):
بعد أَن بين الله مقالتهم السيئة وهم بعيدون من مكان نزول الوحى، وهى قولهم لإِخوانهم المنافقين: "أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا".
جاءَ بهذه الآية لبيان حالهم السيئة، عندما يكونون في مكان نزوله.
والمعنى: وإِذا نزلت سورة من القرآن وهم حاضرون، نظر بعضهم إِلى بعض متغامِزيِن بالعيون سخرية بها أَو غيظًا مما جاءَ فيها كشفًا لمخازيهم، يقول بعضهم لبعض إِشارة أَو همسًا:
هل يراكم أَحد من المسلمين إِذا خرجتم من المجلس متسللين، ثم انصرفوا جميعًا من مجلس الوحى متفرقين مَللًا من سماع القرآن أَو هربًا من افتضاح أَمرهم.
(صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ):
أَي صرف الله قلوبهم عن الإِيمان وفرائضه بسبب انصرافهم عن القرآن والتدبُّر فيه وجازاهم بعقوبة من جنس عملهم.
стр. 1806
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾
المفردات:
(عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): شاق عليه ما تكرهون من مشاق الحياة، والعنت: المشقة.
(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ): لا يفرِّط فيما يصلحكم.
(رَءُوفٌ رَحِيمٌ): الرأْفة شدة الرحمة، ولا تكون مع الكراهية، أَما الرحمة فقد تكون مع الكراهية.
التفسير
١٢٨ - (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ … ) الآية.
أَي لقد جاءَكم يا معشر العرب رسول منكم عربى مثلكم ومن أَكرم بيت فيكم، وقد نشأَ بينكم فعرفتموه منشأ وخُلُقًا، وهذا الرسول يشق عليه كثيرًا ما يشق عليكم، حريص عليكم فلا يفرط في أَمر فيه خيركم ومنفعتكم، وبالمؤمنين منكم ومن غيركم عظيم الرأْفة والشفقة، وافر الرحمة.
قال الحسن بن فضيل: "لَمْ يَجْمعِ اللهُ لأَحدٍ منَ الأَنبياءِ بينَ اثنينِ من أَسمائه إِلاَّ لِلنَّبى ﷺ فَقَد سمَّاه رَؤُوفًا رَّحِيمًا".
стр. 1807
وقد جاءَ في طيب أَصله من رواية الإِمام مسلم بسنده عن وائلة بن الأَسقع قال:
"سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ واصْطَفَى قُرَيْشًا مِن كنانَة، واصْطَفَى مِن قُريْشٍ بَنِى هاشِمٍ، وَاصْطَفَانِى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ".
ويرى بعض المفسرين أَن الخطاب في قوله تعالى:
(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ. . .) الآية.
للناس عامَّة، لأَن بعثته ﷺ عامَّة لجميع الناس في جميع العصور، لقوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".
والمعنى: لقد جاءَكم أَيها الناس رسول من أَنفسكم أَي من جنسكم فهو بشر مثلكم إِذ لو كان من الملائكة، لضعفت قُوَّة البشر عن سماع كلامه والأَخذ عنه، ولا تعارض في هذا الرأْى مع الرأْى السابق، فإِن رسالته للعرب لا تنافى رسالته للناس أَجمعين.
١٢٩ - (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ):
أَي فإِن أَعرضوا عن الإِيمان بك يا محمد فقل لهم: يكفينى الله ويعيننى عليكم، لا معبود بحق سواه، عليه وحده توكلت واعتمدت، فلا أَرجو سواه، ولا أَخاف إِلا منه، ولا أَستعين إِلا به، وهو رب العرش العظيم.
والمراد من العرش إِما الفلك الأَعظم الذي تتنزل منه الأَحكام والمقادير، أَو السلطان والملك العظيم - والله تعالى أَعلم.
* * *
стр. 1808
سورة يونس
مكية كلها على المشهور وآياتها تسع ومائة
ووجه المناسبة بينها وبين سورة التوبة التي قبلها أَن التوبة جاءَ في آخرها الثناءُ على رسول الله ﷺ بمزيد شفقته على المؤمنين، حيث وصف بأَنه يشق عليه ما يلحقهم من المكروه ويحرص عليهم وهو بهم رؤُوف رحيم، وجاءَ في أَول يونس توبيخ الناس على تعجبهم من أَن يوحى الله إِليه وهو رجل منهم - بأَن ينذر الكافرين ويبشر المؤمنين - وجاءَ في الأُولى بيان ما يفعله المنافقون عند نزول سورةٍ من القرآن. "وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ...... " الآية.
وجاء في الثانية بيان ما يقوله الكفار في القرآن، فقد جاء فيها قوله تعالى حكاية عنهم:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ الآية (٣٨). وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ … ﴾ الآية (١٥).
وجاء في الأُولى ذم المنافقين بعدم التوبة وعدم التذكر والاتعاظ إِذا أَصابهم البلاءُ في قوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ الآية (١٢٦). وجاء في هذه ذم لمن يصيبه البلاء فيرعوى عن إثمه ثم يعود ثانية إليه وذلك في قوله تعالى: "وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ … " الآية (١٢).
وقوله: "فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ … " الآيتين (٢٣،٢٢).
وفي الأُولى براءَة الرسول ﷺ من المشركين، في قوله تعالى: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ": وفي هذه أَمره بالإعراض عنهم في
стр. 1809
قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الآية (٤١).
وقد اشتركت السورتان في إقامة معالم التوحيد وتجلية آياته إِلى غير ذلك من المناسبات.
مقدمة السورة
افتتحت هذه السورة الكريمة بوصف القرآن الكريم، بأنه الكتاب الحكيم، وبيان أنه لا عجب في أَن ينزل الله الوحى على رجل من البشر لينذرهم بالعقوبة إن ظلوا كافرين، ويبشرهم بالمثوبة إن استجابوا مؤمنين، ثم تلا ذلك بيان أنه تعالى: أَبدع السموات والأَرض في ستة أَيام، وأنه لا شفيع إلا بإِذنه وأن المرجع إليه بعد الموت فكما بدأ الخلق يعيده، ثم ذكر الله بعد ذلك بعض آياته الكونية وما اشتملت عليه من المنافع لخلقه، ثم حذر من الاطمئنان إلى الحياة الدنيا والغفلة عن آياته، وانذرهم بقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وبشر المؤمنين بجنات النعيم بقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم بين أنه تعالى أهلك القرون السابقة لكفرهم وجعل المعاصرين للرسول ﷺ خلفاءَ في الأرض من بعدهم لينظر كيف يعملون.
ثم ذكر تبجيح المشركين بطلبهم أن يأَتيهم الرسول بقرآن غير هذا أو يبدله، فأمر رسوله بأن يقول لهم: إن ذلك ليس من شأْنه فإنه يتبع ما يوحى إليه، وأَنه لبث فيهم عمرا وهو معروف بينهم بالصدق والأمانة فكيف لا يعقلون أَن مثله لا يفترى على الله.
стр. 1810
ثم نعى عليهم عبادة غير الله وزعمهم أَن الأَصنام شفعاء لهم عنده، في حين أَن الله لا يسمح لها بالشفاعة فهو أَعلم بحالها، فلماذا ينبئون كذبًا بما هو أعلم بحقيقته من عدم صلاحيتها للشفاعة ولا لضرهم ونفعهم بأَى وجه من الوجوه.
ثم ذكر فضله عليهم بتسييرهم في البر والبحر وأنهم حين تحيط بهم أَسباب الهلاك في البحر يدعونه لينقذهم، فإذا أَنقذهم عادوا إلى بغيهم في الأَرض مع أن بغيهم على أنفسهم.
ثم ضرب مثلا للحياة الدنيا يفيد أَنها سريعة الزوال فقد مثلها بالأَرض المخضرة، التي أَصاب زرعها اليبس والجفاف فجأَة، فكانت حصيدًا كأَن لم تغن بالأَمس، وذكر أَنه تعالى يدعوهم إلى دار السلام، ويهدى عباده إلى صراط مستقيم فمن آمن فله الحسنى وزيادة، والذين كسبوا السيئات ليس لهم من الله من عاصم، ثم بين أنه هو الذي يرزق عباده من السماءِ والأَرض، ويمنح السمع والبصر ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر الأَمر كله أَما شركاؤهم فليس لهم من ذلك ولا من غيره شيء.
ثم بين أنه ليس مستقيمًا ولا معقولًا أن يفترى محمَّد القرآن، وتحداهم أن يأْتوا بسورة مثله ويستعينوا على ذلك بمن شاءُوا من دون الله، ونعى عليهم أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهددهم بمصير من تقدمهم من المكذبين.
ثم بين أَنهم ينقسمون في شأْن القرآن إيمانًا وكفرا، وأَمر نبيه ﷺ أَن يقول لمكذبيه: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ثم بين أَن مرجعهم إِلى الله وأَنه شهيد على ما يفعلون، وأَنه سيقضى بين الأُمم بالقسط وهم لا يظلمون، وأن مصير الكافرين الظالمين لأنفسهم عذاب الخلد جزاء بما يكسبون من الكفر والمعاصي، وبين أنه لا مجال لقبول فدية من عذاب الله في الآخرة، ثم قال في حق القرآن الكريم.
стр. 1811
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا في الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم بين أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم هم. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾.
ثم أمر الله نبيه ﷺ أن يتلو على قومه لتذكيرهم نبأَ نوح وقومه، كذبوا بآيات الله ولم ينفعهم تذكيره لهم، فنجاه الله ومن معه في الفلك من المؤمنين واغرق جميع المكذبين.
ثم ذكر طائفة من أنباءِ المرسلين، وما أصاب أَقوامهم من إِهلاك بسبب تكذيبهم لهم ثم قال في أعقاب قصصهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ثم بين أَن كل قرية لو أَنها آمنت قبل أَن ينزل بها العذاب، لنفعها إيمانها، ولكشف الله عنها عذاب الخزى كما فعل بقوم يونس، فإنهم لما آمنوا قبيل مجئ العذاب كشف الله عنهم عذاب الخزى، ومتعهم إلى حين فكانوا مثلا حسنًا في حسن الرأْى ونضج التفكير.
ثم أمر الله نبيه أن يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم أمره في آخر السورة أن يخبر الناس بأن الحق جاءَهم من ربهم. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ وحضه في ختامها على الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
стр. 1812
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾
المفردات:
﴿آلر﴾: قال السلف فيها وفي أَمثالها: الله أَعلم بمراده: ويأْتى تفصيل الحديث عنها في الشرح.
﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: القرآن المشتمل على الحكمة وهي إِصابة الحق.
﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: مكانة سابقة محققة في حسن الجزاءِ عند ربهم في الجنة والقدم والقدمة بضم فسكون: السابقة في الآمر.
﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: أي لساحر بين السحر واضحه: كذا قال الكافرون وهم كاذبون.
التفسير
١ - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿الر﴾ تقدم الكلام مبسوطا على فواتح السور المماثلة لهذه في البقرة وآل عمران والأَعراف ونجمله هنا فنقول: إن السلف يعدونها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه ولذا فهم يفوضون في مثل ذلك قائلين: الله أَعلم بمراده، وكثير من العلماءِ جنح إلى التأويل، فمنهم من قال إنها أَسماءٌ للسور التي تصدرتها، ومنهم من قال: هي فواصل بين
стр. 1813
السور التي قبلها والسور التى تليها، ومنهم من قال غير ذلك: وخير ما قالوه: إنها أَسماءُ حروف عربية جعلت في صدر السور لتنبيه الأسماع والقلوب إِلى ما فيها من أعظم أَساليب البلاغة والفصاحة وما اشتملت عليه من التشريعات الحكيمة وأَخبار الغيب ونواميس الأخلاق الكريمة، وغير ذلك من الروائع الناطقة بإعجاز القرآن للبشر وصدوره عن الله ﵎ كما أن فيها الرمز إِلى التحدى، بالإشارة إلى أن القرآن مؤلف من جنس ما ينظم العرب منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله، وجب التسليم بأنه من عند الله وأن محمدا لايستطيع أن يأْتى به فهو فوق مستوى البشرية جميعًا كما هو فوق مقدرة الإِنس والجن مجتمعين ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾:
هذه الآيات الرفيعة الشأْن، التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة هي آيات القرآن العظيم الذي أُحكمت آياته، واشتمل على ضروب الحكمة وشتي فنونها فهو خاتمة الكتب السماوية والمهيمن عليها.
٢ - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ..... ﴾ الآية.
كان للمشركين في شأْن الرسالة مواقف، فتارة بنكرون أن يكون الرسول بشرا، كقولهم ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ويرون أنه تعالى لو أَراد أن يرسل رسولًا فإنه يختاره من الملائكة، وذلك ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ روى عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن الكفار قالوا لما بعث محمد: إن الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا.
وتارة يزعمون أن الله لو أَرسل رسولًا من البشر، فإنه يرسله من عظماء قومه في المال والجاه، كما حكى الله عنهم ذلك بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١) ومن أَقبح ما جهلوا به في هذا الشأْن قولهم الْعجب أن الله تعالى لم يجد رسولًا يرسله إِلى الناس إِلا يتيم أبي طالب، وتلك النظرة الجاهلة ناشئة عن فرط
стр. 1814
قصورهم في التفكير، وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة، وقد كان أَكثر رسل الله خفاف الحال في شئون الدنيا، ثقال الموازين في الشرف وطيب المحتد، وكان ﷺ واسطة عقدهم في جلائل الأَخلاق وشرف المنبع، فقد كان من أَعز أرومة في الجزيرة العربية والآية تنكر عليهم عجبهم من أَن يكون الرسول بشرا.
والمعنى: لا يصح لهؤلاءِ الناس أَن يتعجبوا من أننا أَوحينا إلى رجل منهم، أن ينذر الناس ويخوفهم عقاب الله إن عصوه وكفروا به، ويبشر الذين آمنوا برسالته، وعملوا الصالحات بأَن لهم سابقة محققة في الفضل وحسن الجزاءِ عند ربهم، فالنبوة للبشر لا للملائكة، كما تشهد به الكتب السماوية والتفاوت بين الناس ليس بالمال، ولا بالزعامة بل بالعقل والكمال والاستقامة، ورب رجل في أَعلى عليين بعقله وفضله، وآخر في أَسفل سافلين بجهله وحمقه، فما لهؤلاء المشركين ينكرون نُبُوةَ البشر ويطلبون رسلا من الملائكة، مع أنهم يستسيغون أُلوهية الحجر، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
وسميت سابقة الفضل قَدَمًا؛ لأَن السبق غالبا يكون بالقدم، فهي التي يسعى بها المؤمن إِلى الصالحات، في أَكثر الحالات، كما سميت النعمة يدا لأَنها تعطى باليد غالبا.
وأَضيفت القدم إِلى الصدق للإيذان بأَنهم ينالونها بصدق القول والعمل والنية ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾:
أي قال الكافرون إِن محمدا لساحر ظاهر السحر، والآية تشير إلى أن الرسول لم تقصر معجزاته على القرآن الذي هو أَقوى معجزاته، بل أَظهر لهم خوارق ومعجزات أُخرى غير القرآن الكريم، فوصفوه لهذا كله بأَنه ساحر مبين، وقد كذبوا فيما زعموه، فما هي إِلا آيات الحق المبين:
وكيف يترك الله ساحرا متقولًا علي الله ولا ينتقم منه، وصدق الله إِذ يقول ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
стр. 1815
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ
شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ
مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
المفردات:
﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: أي في ستة أَوقات لا يعلم مداها إلا الله تعالى أمَّا اليوم المعروف فإنه لم يحدث إلا بعد خلق السموات والأرض.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم استولى عليه، ومنه قول الشاعر استوى بشر على العراق.
من غير سيف ودم مهراق.
أي ثم استولى على العرش ليدبر شئونه وشئون الكون كُله، ولم يغلبه عليه أَحد، فهو وحده الخالق الدبر، وسيأتى في المعنى الحديثُ عن العرش.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل. ﴿شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: شراب من ماء شديد الحرارة.
التفسير
٣ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾:
جاءَت هذه الآية لإظهار بطلان تعجبهم من أن الله أَرسل إليهم رجلًا منهم لينذرهم ويبثسرهم، ولبيان خطيئتهم في وصفه بأنه ساحر مبين.
стр. 1816
والمعنى: إن ربكم ومالك أموركم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أَوقات بعيدة المدى لا يعلمها إِلا الله، اقتضاها تطوير خلقها من دخان إِلى نجوم وكواكب وأرضين يابسات، ثم استوى على العرش وملك سلطان الكون وهيمن عليه، فكيف تعجبون من أَنه أَوحى إلى رجل منكم هو في أعلى درجات الكمال الإنسانى ليبلغكم شريعته، ويحذركم نقمته إن عصيتموه، ويبشركم بحسن العاقبة إن أطعتموه، وكيف تصفونه وهو الصادق المصدوق بأنه ساحر مبين، مع أنه لم يمارس السحر طول حياته وقد عرفتموه فيما بينكم بالصادق الأَمين، فهل يعقل عاقل أن يؤيد الله رب هذا الملك والكون وخالق هذه الأرض والسموات وصاحب هذا العرش والسلطان، كيف يعقل أن يؤيد بشرًا بالمعجزات وهو غير صادق في دعوى الرسالة وكيف تصفون من أيده الله بأنه ساحر مبين.
واعلم أيها الأخ المسلم، أنه لا ينبغى أَن تورط نفسك في فهم المراد من اليوم، فأَيام الله من شأْنه وحده، ولا علم لنا بها، فتارة يكون يومه تعالى كألف سنة مما تعدون، وأخرى يكون كخمسين أَلف سنة، وثالثة يكون أقل أو أكثر من ذلك بما لا يعلمه إلا الله، واليوم في هذه الأيام الستة يمثل طورًا من أَطوار التكوين، وربما جاوز ملايين السنين فدع تقديره لمن هو أعلم به جل وعلا.
أما اليوم الذي يطلق تارة على النهار الواحد أَو على مجموع ليل ونهار فإنه لم ينشأَ إلا بعد تكوين الشمس والقمر والأرض ودورانها حولها وهو خاص بأَرضنا هذه، ولكل كوكب نهاره وليله اللائقان بحجمه وبما خلق من أَجله.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾:
ويطلق العرش في اللغة حقيقة على سرير الملك ومجازًا على العز والسلطان، ويطلق الاستواء على الاعتدال وعلى الإقبال وعلى الاستيلاء.
والمعنى اللائق باستوائه سبحانه على العرش هو استيلاؤه على سلطان الكون وتمكنه منه ومن تدبيره دون شريك، أَما تفسيره بمعنى الاعتدال والجلوس على سرير الملك، فهو أمر يجب تنزيه المولى عنه؛ لأنه ليس جسما ولا مادة وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
стр. 1817
والسلف لا يؤولون ويأْخذون بظاهر النص، ولكنهم ينزهون المولى عن أَن يكون استواؤه على العرش، كالذى يحدث من الملوك، بل هو أَمر يليق ينزهه تعالى عن مشابهة الحوادث ويجل عن تصور العقول.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾:
شروع في بيان شئونه المترتبة على ملكه وسلطانه ، وتدبير الأمر معناه لغة النظر في أَدبار الأُمور وعواقبها، لتجئَ محمودة العاقبة.
والمعنى: يقدر الله أمور الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به مشيئته، ومن ذلك أَمر الرسالات والرسل كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾:
في هذا النص الكريم تقرير لعظمته واستقلاله في التدبير، ورد على من زعم منهم أَن آلهتهم تشفع لهم عند الله.
والمعنى: ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأَوقات، إِلا من بعد إذن الله المبنى على الحكم الباهرة، وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأَخيار، والمشفوع له ممن تليق به الشفاعة من عصاة المؤمنين.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
ذلكم الموصوف بتلك الأوصاف الجليلة هو الله ربكم المنعم المتفضل عليكم الذي يدعوكم رسوله محمد إلى عبادته، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا، أَتغفلون عن مصلحتكم فلا تتعظون بتلك المواعظ وغيرها مما ينزل به القرآن الكريم.
٤ - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾:
إلى الله تعالى وحده رجوعكم جميعًا بالبعث والحشر لا إلى غيره، وعد الله ذلك وعدا حقا لا خلف فيه، فامتثلوا أمره واجتنبوا نههيه، لتنالوا ثوابه وتنجوا من عقابه.
стр. 1818
ثم بين قدرته على البعث والحكمة فيه فقال:
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ..... ﴾:
إنه يبدأُ الخلق لا على مثال سبق، ثم يعيده في النشأَة الأُخرى على ما كان عليه، ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات بعدله تعالى على حسب أعمالهم كما وكيفا، ويزيدهم من فضله.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾:
والذين كفروا بالله ورسله، ولم يهتموا بالآيات والنذر ولم يؤمنوا بيوم الحساب، لهم شراب من ماءٍ شديد الحرارة يغلى في البطون كغلى الحميم، ولهم فوق ذلك عذاب شديد الإيلام بسبب إصرارهم على كفرهم واستمرارهم عليه.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ
اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾
المفردات:
﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾: أَي جعلها ذات ضياءٍ، ويصح أَن يكون هذا التعبير على المبالغة، بجعلها نفس الضياء، ومثل ذلك يقال في جعل القمر نورًا.
﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾: أَي وقدر كلا من الشمس والقمر ذا منازل، ينزل فيها وينتقل إِليها بنظام دقيق في مداره الفلكى.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أَي ما خلقه إلاَّ مقرونا بالحكمة والمصلحة.
стр. 1819
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: أَي في تعاقبهما وكون كل واحد منهما خِلفة للآخر، أَو في تخالفهما ظلمة وضياء وطولا وقصرًا وغير ذلك.
التفسير
٥ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾:
بعد أَن نبه الله عباده إِلى أنه سيعيدهم في النشأة الآخرة كما بدأَهم في النشأة الأُولى، ليجزيهم بما عملوا بالحق والعدل نبههم إِلى آيات قدرته وآثار رحمته، ومظاهر نعمته بجعل الشمس ضياءً والقمر نورًا ليشكروه ولا يكفروه، ويرجوه ويحذروه.
والمعنى: هو الذي جعل الشمس مصدر ضياءً ذاتى ساطع تنبعث منه الحرارة، فتنشأُ الكائنات الحية من نبات وحيوان، وتعيش وتنشط بما تبثه فيها من أَسباب الحياة والخفة والنشاط، وتسعى في سبيل رزقها مستضيئة بأَشعتها.
وجعل القمر ذا نور هادئٍ يهتدى به السارون في البر، والماخرون في البحر بعد أَن غابت الشمس بضيائها تحت الأُفق، وأَرخى الليل سدوله على وجه الأَرض.
﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾:
وقدر الله كل واحد من الشمس والقمر ذا منازل في مداره الفلكى ينتقل إِليها، لتعلموا بانتقال كل منهما إِليها عدد السنين التي تمر بكم وتصبطوا بها مصالحكم ومواقيتكم في مواثيقكم ومختلف شئونكم، ولتعلموا حساب الأوقات من الشهور والأيام، التي نيطت بها مصالحكم الدنيوية والأُخروية ونسبة الضياء إِلى الشمس والنور إِلى القمر؛ لأن ما كان بالذات يطلق عليه ضياء، وما كان بالعرض يطلق عليه نور، ولما كانت أشعة الشمس ذاتية أطلق عليها ضياء، ولما كانت أَشعة القمر منعكسة عليه من أشعة الشمس، أُطلق عليه نور وقيل النور أعم من الضوء، فالنور يشمل القوى والضعيف بخلاف الضوء فإنه خاص بالقوى فلذا يقال نور الشمس وضوؤها أما القمر فيضاف إليه النور دون الضوءِ، وقيل غير ذلك، وبانتقال الشمس في هذه البروج ذات المنازل توجد الفصول الأربعة في العام الشمسى وبانتقال القمر في هذه البروج ذات المنازل تكون أَوائل الشهور وأواخرها والله تعالى أَعلم.
стр. 1820
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾:
ما خلق الله ذلك الذي تقدم من الشمس والقمر وأَحوالهما إلا مقرونا بالحق، مراعى فيه الحكمة والمصلحة، فلم يخلقه عبثا ولا باطلا.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
يفصل الله تعالى هذه الآيات الكونية وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم، يفصلها لقوم من ذوى العلم والعقل ليتدبروها ويؤمنوا بمبدعها، ويمتثلوا أَمره ويجتنبوا نهيه.
﴿يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
٦ - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾:
بعد أَن بين آياته ونعمه في الشمس والقمر، عقَّبها بالإِشارة إِلى آياته في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض.
والمعنى: إن في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما خلفا للآخر، وفي اختلافهما بالظلام والضياءِ، ليكون الليل بظلامه قرارًا والنهار بنوره نشورًا، وفي تمايزهما بالزيادة والنقصان بالتداول بينهما - إن في ذلك كله - وفيما خلق الله في السموات والأرض من بدائع رائعة، ومنافع كثيرة، ونعم شاملة لآيات شاهدات بوجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته ووافر فضله ورحمته لقوم يتقون المعاطب تنبههم إلى طريق السلامة.
стр. 1821
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
المفردات:
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى.
﴿مَأْوَاهُمُ﴾: مسكنهم ومقرهم.
التفسير
٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾:
هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث وغفل عن آيات الله تعالى.
والمعنى: إِن الذين لا يتوقعون لقاءَ الله يوم الحساب، ورضوا بالحياة الدنيا معتقدين أنها لا حياة بعدها، فعملوا لها وغفلوا عن غرورها وخداعها، وسكنوا فيها سكون من لا يبرحها آمنين من المزعجات، والذين هم غافلون عن آيات الله في كونه وعلى أَلسنة رسله فلم يتزودوا ليوم الوعيد.
٨ - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
أُولئك الذين تقدمت صفاتهم السيئة، مرجعهم النار بما واظبوا على كسبه من الكفر والمعاصي.
стр. 1822
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
المفردات:
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: تجرى من تحت قصورهم في الجنة.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي دُعَاؤهُم فيهَا.
التفسير
٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
بعد أن بين الله في الآيتين السابقتين أن الكافرين بلقاء الله الغافلين عن آياته مأْواهم النار، بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي، جاءَ بهذه الآية والتي تليها لبيان أَن مصير المؤمنين الجنة، بسبب إيمانهم الممزوج بالعمل الصالح، وَبضِدِّها تتميز الأشياءُ.
والمعنى: إن الذين آمنوا بلقائنا وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا ما ينبغي لهذا الإيمان من الأَعمال الصالحات، يهديهم ربهم بسبب ذلك إِلى مأْواهم الذي أَعده لهم في الجنة، حسب درجات أَعمالهم، فينزلون فيه مكرمين، تجرى من تحت قصورهم الأنهار في جنات النعيم الخالص من كل شائبة تنغص حياتهم.
١٠ - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾:
الدعوى هنا بمعنى الدعاء، أَي: دعاء المؤمنين الصالحين في الجنة قولهم سبحانك اللهم.
стр. 1823
وقد جرى عرف الشرع على إطلاق الدعاءِ على التهليل والتحميد والتمجيد والتسبيح ومن ذلك قوله ﷺ : "أكْثر دعائى ودُعَاء الأَنبيَاءِ قَبْلى بِعَرفات: لَا إِله إِلَا الله وَحْدهُ لا شَريكَ لهُ، لَه الملْك ولَه الحَمد، وهُوَ علىَ كلِّ شَئٍ قَدير"، وفي تعليل ذلك يقول ابن الأثير:
إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء، لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه.
وفي الحديث: "إذا شَغَل عَبْدى ثَنَاؤُه علىَّ من مسْأَلتى، أَعطَيتُه أفضَل ما أُعطى السَّائِلينَ".
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾:
وما يُحيَّونَ به في الجنة لفظ السلام الدال على الأمن والطمأْنينة والسلامة من كل مكروه.
وهذا السلام يقوله الله تعالى لهم، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ويقوله بعضهم لبعض، ويقوله الملائكة لهم توكيدًا لمعانى الأَمن والسلامة والطمانينة دائمًا.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
أي وآخر دعائهم وذكرهم لربهم أنهم يقولون الحمد لله رب العالمين، ويُرَى من الترتيب الذكرى في الآية الكريمة أنه حكاية للترتيب الوقوعى في الجنة، وذلك أَن أهلها من المؤمنين حين يشرعون في الدعاء يسبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام، وهو دعاء بالسلامة من كل مكروه تقوله الملائكة لهم، ويقوله الله تعالى لا دعاء بل طَمْأنَةً وتحيه لهم منه جل وعلا، ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين، وهكذا يستمر شأنهم بكرة وعشيًّا كما يشير إليه حديث في وصف أَهل الجنة "يُسَبحُونَ الله بُكْرَةً وَعشِيًّا" أي يسبحونه تعالى من آن لآخر.
﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾:
أَي مضى واستمر على ما كان عليه قبل البلاء من التكديب، كأَنه لم يلجأ إلينا لإزالة ما أَصابه.
﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: حسن للمتجاوزين الحد في ارتكاب القبائح ما عملوه منها.
التفسير
١١ - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾:
بعد أَن ذكر القرآن الكريم طائفة من جرائم الذين ينكرون البعث والجزاءَ، جاءَت هذه الآية تحكى معصية أُخرى من أَشنع معاصيهم المترتبة على ذلك، وهي استعجالهم لنزول العذاب الذي توعدهم القرآن به، مبالغة منهم في الاستهزاءِ بمجيئه والتكذيب بوقوعه.
والمعنى: ولو يعجل الله تعالَى لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون الرجوع إِلى الله الواحد القهار، لو يعجل لهم - سبحانه - العذاب الذي كانوا يستعجلون به، مثل إسراعه بتحقيق الخير لهم عند استعجالهم به وطلبهم إِياه.
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾:
أي لأَنهى الله إليهم مدتهم التي قدرها الله لعذابهم، واستؤْصلوا بإهلاكهم جميعًا عن آخرهم، وما أُمهلوا لحظة واحدة جزاءَ جرأَتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ...... ﴾ (١) ولكنه سبحانه يمهلهم ولا يعجل لهم الشر الذي طلبوه ولا ينهى إِليهم أَجلهم، وإنما يتركهم إمهالا لهم واستدارجا، كما قال تعالى:
﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أَي فنترك الذين لا يتوقعون لقاءنا يوم البعث ولا يصدقون بيوم القيامة، غارقين في ظلمهم الذي تجاوزوا فيه