← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ المفردات: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يتوقعون الرجوع إلى الله تعالى. ﴿مَأْوَاهُمُ﴾: مسكنهم ومقرهم. التفسير ٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾: هذه الآية والتي تليها تبين مصير من كفر بالبعث وغفل عن آيات الله تعالى. والمعنى: إِن الذين لا يتوقعون لقاءَ الله يوم الحساب، ورضوا بالحياة الدنيا معتقدين أنها لا حياة بعدها، فعملوا لها وغفلوا عن غرورها وخداعها، وسكنوا فيها سكون من لا يبرحها آمنين من المزعجات، والذين هم غافلون عن آيات الله في كونه وعلى أَلسنة رسله فلم يتزودوا ليوم الوعيد. ٨ - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أُولئك الذين تقدمت صفاتهم السيئة، مرجعهم النار بما واظبوا على كسبه من الكفر والمعاصي.

стр. 1822

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المفردات: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: تجرى من تحت قصورهم في الجنة. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي دُعَاؤهُم فيهَا. التفسير ٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: بعد أن بين الله في الآيتين السابقتين أن الكافرين بلقاء الله الغافلين عن آياته مأْواهم النار، بسبب ما كانوا يكسبونه من الكفر والمعاصي، جاءَ بهذه الآية والتي تليها لبيان أَن مصير المؤمنين الجنة، بسبب إيمانهم الممزوج بالعمل الصالح، وَبضِدِّها تتميز الأشياءُ. والمعنى: إن الذين آمنوا بلقائنا وبكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا ما ينبغي لهذا الإيمان من الأَعمال الصالحات، يهديهم ربهم بسبب ذلك إِلى مأْواهم الذي أَعده لهم في الجنة، حسب درجات أَعمالهم، فينزلون فيه مكرمين، تجرى من تحت قصورهم الأنهار في جنات النعيم الخالص من كل شائبة تنغص حياتهم. ١٠ - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، أَي: دعاء المؤمنين الصالحين في الجنة قولهم سبحانك اللهم.

стр. 1823

وقد جرى عرف الشرع على إطلاق الدعاءِ على التهليل والتحميد والتمجيد والتسبيح ومن ذلك قوله ﷺ : "أكْثر دعائى ودُعَاء الأَنبيَاءِ قَبْلى بِعَرفات: لَا إِله إِلَا الله وَحْدهُ لا شَريكَ لهُ، لَه الملْك ولَه الحَمد، وهُوَ علىَ كلِّ شَئٍ قَدير"، وفي تعليل ذلك يقول ابن الأثير: إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء، لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله تعالى وجزائه. وفي الحديث: "إذا شَغَل عَبْدى ثَنَاؤُه علىَّ من مسْأَلتى، أَعطَيتُه أفضَل ما أُعطى السَّائِلينَ". ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾: وما يُحيَّونَ به في الجنة لفظ السلام الدال على الأمن والطمأْنينة والسلامة من كل مكروه. وهذا السلام يقوله الله تعالى لهم، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ويقوله بعضهم لبعض، ويقوله الملائكة لهم توكيدًا لمعانى الأَمن والسلامة والطمانينة دائمًا. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي وآخر دعائهم وذكرهم لربهم أنهم يقولون الحمد لله رب العالمين، ويُرَى من الترتيب الذكرى في الآية الكريمة أنه حكاية للترتيب الوقوعى في الجنة، وذلك أَن أهلها من المؤمنين حين يشرعون في الدعاء يسبحون الله تعالى وينزهونه فيقابلون بالسلام، وهو دعاء بالسلامة من كل مكروه تقوله الملائكة لهم، ويقوله الله تعالى لا دعاء بل طَمْأنَةً وتحيه لهم منه جل وعلا، ثم يختمون دعاءهم بالحمد لله رب العالمين، وهكذا يستمر شأنهم بكرة وعشيًّا كما يشير إليه حديث في وصف أَهل الجنة "يُسَبحُونَ الله بُكْرَةً وَعشِيًّا" أي يسبحونه تعالى من آن لآخر.

стр. 1824

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المفردات: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: لانتهى الأجل الذي قدره ألله لعذابهم وأُميتوا جميعا وما أُمهلوا لحظة واحدة. ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يتوقعون الرجوع إلينا لإنكارهم البعث. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: الطغيان؛ مجاوزة الحد في الظلم والمراد هنا إِنكارهم البعث وتكذيب الرسل وارتكاب ما يترتب على ذلك من المفاسد والموبقات. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يترددون ويتحيرون. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾: وإِذا أَصابه أَي ضرر. ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: تضرع إلينا وهو مضطجع على جنبه أَو دعانا قاعدا أَو قائما، طالبا إِزالته عنه.

стр. 1825

﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾: أَي مضى واستمر على ما كان عليه قبل البلاء من التكديب، كأَنه لم يلجأ إلينا لإزالة ما أَصابه. ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: حسن للمتجاوزين الحد في ارتكاب القبائح ما عملوه منها. التفسير ١١ - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾: بعد أَن ذكر القرآن الكريم طائفة من جرائم الذين ينكرون البعث والجزاءَ، جاءَت هذه الآية تحكى معصية أُخرى من أَشنع معاصيهم المترتبة على ذلك، وهي استعجالهم لنزول العذاب الذي توعدهم القرآن به، مبالغة منهم في الاستهزاءِ بمجيئه والتكذيب بوقوعه. والمعنى: ولو يعجل الله تعالَى لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون الرجوع إِلى الله الواحد القهار، لو يعجل لهم - سبحانه - العذاب الذي كانوا يستعجلون به، مثل إسراعه بتحقيق الخير لهم عند استعجالهم به وطلبهم إِياه. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: أي لأَنهى الله إليهم مدتهم التي قدرها الله لعذابهم، واستؤْصلوا بإهلاكهم جميعًا عن آخرهم، وما أُمهلوا لحظة واحدة جزاءَ جرأَتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ...... ﴾ (١) ولكنه سبحانه يمهلهم ولا يعجل لهم الشر الذي طلبوه ولا ينهى إِليهم أَجلهم، وإنما يتركهم إمهالا لهم واستدارجا، كما قال تعالى: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أَي فنترك الذين لا يتوقعون لقاءنا يوم البعث ولا يصدقون بيوم القيامة، غارقين في ظلمهم الذي تجاوزوا فيه

стр. 1826

الحدود، وهو إنكارهم البعث وتهاويهم في التكذيب وارتكابهم كل قبيح من الأَقوال والأَفعال - ندعهم في هذا الحال السيء يترددون ويتحيرون، ولا نترفق بهم بسبب تماديهم في البغى. ١٢ - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: في الآية السابقة إشارة إلى أن الكفار كانوا يستعجلون نزول العذاب الذي توعدهم الله به استهانة بشأْنه، وفي هذه الآية الكريمة بين سبحانه أنه لو نزل بالإنسان أَدنى مكروه، فإِنه يدعو الله في كل حال راجيا إنقاذه منه وإزالته عنه لعجزه عن احتماله وحيث كان أَمرهم كذلك فكيف يستعجلون عذابه. والمعنى: وإذا أَصاب الإنسان أَي ضرر من مرض أو فقر أَو غير ذاك من الشدائد دعا الله طالبا كشفه عنه وتخليصه منه - دعاه - في حال اضطجاعه على جنبه أَو في حال قعوده، أَو في حال قيامه. والمراد أنه يتضرع إلى الله ليكشف ضره على أي حال يكون، وإنما خصت هذه الثلاثة بالذكر لأَنها أَغلب أَحوال الإنسان، ثم بين القرآن أَن هذا الذي تضرع إلى الله لرفع ما نزل به من البلاء رجع بعد تخليصه منه إلى الكفر والضلال، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾: أَي فلما استجبنا له وأَزَلْنا عنة الضُّرَّ الذي نزل به، مضى واستمر على طريقته التي كان عليها من التكذيب والعناد قبل أن يمسه الضر، وَنَسِى ما كان فيه من الجهد والبلاءِ كأَن لم يدعنا إلى كشف ضُرٍّ مسه، وإزالةِ مكروه نزل به. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي مثل هذه الحال العجيبة التي تنكروا فيها لله تعالى ورجعوا إلى الضلال الذي كانوا فيه، زين الشيطان للمسرفين في الكفر والمعاصي، ما كانوا يعملونه من الانغماس

стр. 1827

في الشهوات، والانهماك في الفجور والعصيان، والإعراض عن التوحيد والطاعات، وسموا مسرفين لأَن الله أَنعم عليهم بنعمة الفِكْر والعَقْل وسائر قوى الإدراك، ليستعملوها في تحصيل الخير وعمل الصالحات وتعلم العلوم النافعة، فاستحبُّوا العمى على الهدى واستعملوها في الظلم والتكذيب والفساد، وذلك هو الإسراف، ويستفاد من الآية الكريمة ذم الذين يتركون دعاءَ الله فى الرخاءِ ويتضرعون إِليه عند نزول البلاءِ، والجدير بالمؤْمنين أَن يلجأُوا إلى الله في السراءِ أَيضا، فإن ذلك أَرجى للإجابة في الضراء ففي حديث البخاري: "تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِى الرَّخَاءِ يعْرِفْكَ في الشِّدةِ". وفي حديث الترمذي عن أَبي هريرة: "مَنْ سَرَّهُ أَن يَسْتَجِيبَ الله - تَعَالَى - لَهُ عِنْدَ الشدَائِدِ وَالْكُرُوب فَلْيُكْثِر الدُّعَاءَ في الرَّخَاءِ". والآثار في ذلك كثيرة، والمراد من الإنسان: الجنس المتحقق في الكافر الذي يلجأُ إلى الله في الشدة وينساه بعد إنقاذه منها. ثم أخبر القرآن الكريم المخاطبين بشريعة محمد ﷺ بإِهلاك المكذبين من الأُمم السابقة ليكون إنذارا لمن جحدوا نبوة محمَّد ﷺ فقال تعالى: ١٣ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي ولقد أهلكنا الأُممَ الماضية من قبل زمانكم يا أَهل مكة مثل قوم نوح وعاد وثمود وأَمثالهم حين ظلموا بتماديهم في الغى والضلال وتكذيبهم لرسلهم، وقد جاءوهم بالآيات الواضحة والحجج الظاهرة الدالة على صدقهم، كذبوهم في هذه الحالة التي لا ينبغى فيها التكذيب والكفران، لأنها تدعو إِلى التصديق وتقتضى الإيمان.

стр. 1828

ثم بين القرآن أَن هؤلاء لا يستقيم منهم إيمان، ولا يصح منهم إِذعان لفساد فطرتهم بإصرارهم على رد رسالات الله في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: أَي وما صح لهؤلاءِ المُصِرين على الكفر والفساد أَن يؤْمنوا لبعدهم عن الإيمان، إذ أَفسدوا فطرتهم بسوء اختيارهم الضلالة على الهدى، مع وضوح الحجة وسطوع البرهان. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي مثل ذلك الجزاءِ الألَيم الذي حلّ بالمكذبين من الأُمم الماضية، نجزى كل طائفة أَجرمت وطغت وبغت وكفرت بأنعم الله. وفي الآية تهديد لكفار مكة بأَن يصيبهم ما أصاب المكذبين قبلهم، فقد اشتركوا مع المهلكين السابقين فما يقتضي الإهلاك وهو كفرهم برسل الله. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. المفردات: ﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: خلفاءَ في الأَرض بعد إهلاك المكذبين السابقين. التفسير ١٤ - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: بعد أن أوضحت الآية السابقة سبب إِهلاك الأُمم السابقة وهو أَنهم أَتتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا، جاءَت هذه الآية توضح لأُمة محمَّد ﷺ أَنهم خلف للأمم السابقة، وفي محل الاختبار فقال تعالى:

стр. 1829

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: أَي: ثم جعلناكم أيها المخاطبون بشريعة محمَّد ﷺ خلفاءَ في الأرض تصلحون ولا تفسدون، من بعد أن أَهلكنا المكذبين قبلكم، الذين تسمعون أخبارهم وتشاهدون آثارهم. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: أي استخلفناكم من بعدهم. لنعلم واقعًا منكم وموجود أَي عمل تعملون خيرًا كان أَو شرًّا، مع ثبوت علمنا أَزلا بما سيكون منكم، ليكون الجزاءُ على ما يقع منكم فعلا. والمراد: أنه تعالى يعاملكم معاملة من يختبر إِنسانًا، ليظهر من أَمركم، ما علم أَزلا أَنه سيحدث منكم باختياركم لتقوم به الحجة عليكم، فيجازيكم على ما صدر منكم. وأُسلوب الآية يشعر باستمالة المخاطبين نحو الإيمان، إذ الأصل أَن يكون الاستخلاف بعد اختيار، فإذا شعر المخاطب أَنه اختير لما استخلف فيه، لَانَ قلبهُ وانجذبتَ نفسه نحو القيام بعمل الصالحات. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾

стр. 1830

المفردات: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يتوقعون مجئَ البعث، والمراد أَنهم ينكرونه. ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾: ولا أعلمكم الله بالقرآن عن طريق الوحى به إلىَّ. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أَي فقد أقمت بينكم زمنًا طويلا من قبل نزول القرآن علىَّ. ﴿لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أيُّ لا ينجون مما يحذرون ولا يفوزون بما يطلبون. التفسير ١٥ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا ....... ﴾ الآية. في الآية السابقة خطاب من الله تعالي لأهل مكة يخبرهم فيه باستخلافهم في الأرض، بعد إهلاك المكذبين من الأُمم الماضية، تليينًا لقلوبهم، واستمالة لهم إلى الإِيمان، ثم جاءَت هذه الآية تعدد بعضًا من جرائمهم الدالة على أَنهم لم يستجيبوا لدعوة الإيمان، ولم يقوموا بما يقضى به استخلافهم، فقد بينت إصرارهم على الكفر بآيات القرآن البينات، والتكذيب بكل ما جاءَ به الرسول ﷺ ، كدأْب من أُهلكوا قبلهم بتكذيبهم. والمعنى: وإذا تتلى منك أيها الرسول علي هؤلاءِ المكذبين المعاندين آياتنا العظيمة الصادقة، التي أنزلناها عليك واضحة في دلالتها على التوحيد وإِبطال الشرك، مرغِّبة في الإيمان منفِّرة من العصيان. ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: أَي وإذا تلوت عليهم أَيها الرسول آياتنا العظيمة الصادقة قال الذين لا يتوقعون البعث ولا يؤمنون بيوم القيامة ردًّا لها وكفرًا بها، أحضر يا محمد قرآنًا غير هذا القرآن الذي تتلو منه علينا.

стр. 1831

أَي جئَ بكتاب آخر نقرؤه لا تكون فيه آيات تخبر عن وقوع البعث ويكون خاليًا مما نكره، من ذم آلهتنا ووعيد من يعبدها بالعقاب الشديد، وهم بهذا الطلب يريدون تغيير القرآن كله، بما فيه مما ينكرونه أما قولهم: (أوْ بَدِّلْهُ) فهم يريدون به تبديل الآيات التي تسفه عقولهم وعقول آبائهم وتثبت البعث والعقاب على الشرك بآيات خالية عن ذلك مع استبقاءِ سواها. ولا شك في أنهم قصدوا من هذا الطلب الكيد لرسول الله ﷺ بناءً على طمعهم في تحقيق إِجابته لهم، ليتوسلوا بذلك إلى الاستهزاء به والسخرية منه، وإلزامه بما جاءَ به مما يوافق هواهم ورأْيهم في آلهتهم، كما اقترحوه عليه، وحينئذ لا يبقى له ولا لنبوته شأْن فيهم. وقد أَمر الله تعالى رسوله ﷺ أَن يرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: أَي قل أَيها الرسول لهؤلاء المتعنتين، ما يصح وما ينبغي لى أَبدًا أَن أضع آية مكان آية أُخرى من جهتى وبرأْيى دون أَمر من الله . والمراد بهذا الجواب رد الاقتراحين معًا لأن تبديل آية مكان آية، أخف من الإتيان بقرآن غير هذا القرآن الذي نزل، وإذا امتنع السهل واستحال امتنع الصعب واستحال بالطريق الأولى، ومما أمر به ﷺ ، بيانا بشأْنه وحاله في تلقى الشريعة وإِبلاغها للناس قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: أَي ما أَتبع أَيها الناس فيما أَفعل وأَترك إلا ما ينزل به الوحى من عند الله دون أَن أُغَيِّر منه شيئًا، وكذلك أَمر الله أن يقول تعليلا لاتباعه الوحى وامتناعه من التبديل: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي إني أَخاف إن عصيت مولاى الذي أرسلنى، بترك السير في طريق الوحى المستقيم، أَخاف عذاب يوم عظيم تكثر فيه الأهوال وتشتد الكربات وهو يوم القيامة. ١٦ - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ...... ﴾ الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن لا سبيل إلى ما اقترحوه تعنتًا، جاءَت هذه الآية الكريمة تثبت أن القرآن حق، وأنه من عند الله العزيز الحكيم.

стр. 1832

والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنكرين عنادًا واستكبارًا: لو شاء الله تعالى أَن لا يجعلْنى رسولًا إِليكم ما تلوته عليكم ولا أَدراكم به عن طريقى، فإِن ذلك مما لا سبيل لى إليه. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أَي فقد أَقمت بينكم زمنًا طويلًا مقداره أَربعون سنة، عرفتم فيها جميع أَحوالى وأحطتم خيرًا بكل أَقوالى وأَفعالى من قبل أن ينزل القرآن على، فقد كنت لا أتكلم بينكم بما يشبه القرآن فى نظمه المعجز، ومعناه الموضح لأحكام الشريعة من عبادات ومعاملات وأَخلاق، وأَخبار الأمم الماضية مع رسلهم، وغير ذلك مما جاء به القرآن، كما كنت معروفًا بينكم بالصدق والأَمانة، أَتغفلون عن ملاحظة ذلك فلا تدركون وجوب كونه من عند الله العزيز الحكيم، ولا تعقلون امتناع صدوره عن مثلى، وكيف يعقل أَن أُعرف بينكم في هذا العمر الطويل، بأننى لا أَكذب على الناس، ثم أَكذب على الله المنتقم الجبار، إِن استحالة صدوره عني أمر لا يخفى على من كان له أَدنى فكر وأقل تدبر. ١٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: بعد أَن أَفادت الآية السابقة أن القرآن الكريم نزل بأمر الله تعالى ومشيئته على رسوله ﷺ جاءَت هذه الآية تبين للناس أَن من اختلق كلامًا من عند نفسه ونسبه إلى الله تعالى يكون أَظلم الظالمين. والمعنى: إذا كنت التزمت الصدق والأمانة مع الناس لأن الكذب ظلم، فلهذا يستحيل أن أفترى الكذب على الله فلا أحد أَعظم ظلما من الذين يختلقون على الله ما لم ينزله عليهم، أو يكذبون بآيات الله . والمراد بيان براءَته ﷺ مما جوزه المشركون في حقه من الافتراءِ عل الله والتنبيه على أنهم هم أظلم من كل الظالمين، إذ كذبوا محمدًا ﷺ وكفروا بجميع ما جاءَ به من عند ربه.

стр. 1833

﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أَي إِن الشأْن الثابت عنه تعالى في علمه القديم - أَنه لا يفوز أَي مجرم بمطلوب بطلبه ولا يسلم من مكروه يخافه فلا ينجوا الذين افتروا على الله وكذبوا آياته بالأَولى لأَن جرمهم أَشد وأَشنع. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ المفردات: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أَي أتخبرون الله بشفعاء لا يعلمهم في السموات ولا في الأرض، والمراد نفى وجودهم إِذ لو وجدوا لعلمهم الله سبحانه. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: جماعة متفقة على الحق في أصل الفطرة. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾: أَي ولولا قضاءُ الله بتأْخير الفصل بين المحق والمبطل إلى يوم القيامة. التفسير ١٨ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ...... ﴾ الآية.

стр. 1834

بعد أَن ذكرت الآيات السابقة طائفة من جرائم الكفار أهل مكة، جاءت هذه الآية الكريمة تحكى عنهم جناية أُخرى لعلها السبب في تلك الجنايات السابقة. أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان النضر بن الحارث يقول إذا كان يوم القيامة شفعت لى اللات والعزى فنزلت هذه الآية. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: أَي ويعبد هؤلاء المشركون من أهل مكة غير الله أَصنامًا جعلوها له سبحانه شركاءَ في العبادة في حين أنها لا تستطيع أَن تلحق بهم ضررًا ولا أَن تجلب لهم نفعا، وشأْن المعبود أن يكون قادرًا على الضر والنفع. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي ويقول هؤلاء المشركون تبريرًا لعبادتهم لها: هؤلاءِ الأوثان شُفَعَاؤُنَا في الحياة الدنيا نتوسل بها إِلى الله لإصلاح معاشنا وكل ما يهمنا من شئون هذه الحياة، وشفعاؤنا في الآخرة إن كان هناك بعث أَو نشور كما زعمتم، يشفعون لنا في تخفيف العقاب عنا. وبهذا التأْويل ظهر أنه لا تنافى بين ما فهم من هذه الآية وبين الآيات الدالة على إِنكارهم البعث كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وأمثاله. وحال هؤلاء المشركين إِن دل على شيءٍ فإنَّما يدل على فرط جهالتهم وفظاعة حماقتهم، إذ تركوا اللجوءَ إِلى الخالق النافع الضار، وتوسلوا بما يقطع الحس والنظر بأَنه لا يضر ولا ينفع. ثم أمر الله تعالى، رسوله ﷺ أَن يقول لهم تبكيتًا وتقريعًا: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: أَي قل أَيها الرسول لهؤلاءِ الحمقى إنكارًا عليهم وتوبيخا لهم، وسخرية منهم، أتخبرون الله تعالى بشئٍ لا وجود له أصلًا في السموات ولا في الأرض، وهو أَن الاصنام شفعاؤُكم

стр. 1835

عند الله تعالى إذ لو وجد ذلك فيهما وثبت، لعلمه الواحد الصمد علام الغيوب في جميع الكائنات، فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود، فالمراد من نفى علمه تعالى به نفى وجوده فما لا يعلمه فهو معدوم وليس له وجود. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أَي تنزيهًا لله تعالى عن إِشراكهم الذي بنوا عليه هذا القول الزائف، وعن الشركاءِ الذين يشركونهم في العبادة معه تعالى. ١٩ - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: بعد أَن أشار القرآن الكريم إِلى أن التوحيد هو الدين الحق وأَن الشرك والانحراف ظلم عظيم، وجهالات ابتدعها أهل الغى والضلال، جاءت هذه الآية تؤكد هذا المعنى وتقرره، إذْ أَفادت أن التوحيد ملة قديمة اجتمعت عليها الأُمم قاطبة فطرة وتشريعًا. ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾: أَي وما كان الناس كافة من لدن آدم ﵇ إلا متفقين على الحق والتوحيد، وظلوا كذلك حتى أَغوى الشيطان فريقًا منهم فكفر، وثبت الآخرون على التوحيد الذي فطروا عليه فخالف كل من الفريقين الآخر. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: ولولا أَن قضى الله في سابق علمهِ بتأْخير الفصل بين المؤمنين وغيرهم إلى الأَجل الذي حدده في سابق علمه وهو يوم القيامة. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أي: لحكم بينهم عاجلًا في الدنيا بإهلاك المبطلين.

стр. 1836

﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ التفسير ٢٠ - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: تحكى هذه الآية الكريمة جناية أُخرى من جنايات أهل مكة، حين بينت أَنهم علقوا إيمانهم على نزول آية سوى ما أنزله الله تعالى من المعجزات وفي مقدمتها القرآن الكريم. والمعنى: ويقول الكافرون من أهل مكة - تعنتًا وعنادًا - هلا أَنزل الله على محمد آية من الآيات التي اقترحناها لنؤمن به رسولا من عند الله. فأَنت تراهم لفرط عتوهم وشدة تماديهم في المكابرة والضلال، لم يعدُّوا ما جاءَ به من الآيات البينات والمعجزات الباهرات كافيًا لقبولهم الهدى والدخول في دين الله وقد أُمر ﷺ أن يرد عليهم في قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: أي فانتظروا نزوله إني معكم من المنتظرين، لكننى منتظر ما يفعله الله بكم، لاجترائكم جحود آياته. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ المفردات: ﴿أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: أَنعمنا عليهم بالرحمة والمراد بها الصحة والسعة.

стр. 1837

﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾: أَي من بعد ضراءَ أَصابتهم حتى أَحسوا بشدتها عليهم. ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾: المراد بالمكر هنا الطعن في آيات الله وعدم الاهتداءِ بها والاحتيال في ردها، والمكر في الأَصل تدبير الكيد في خفاء. ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: المراد بيان أن الله أعجل عقوبة وأشد أخذًا. التفسير ٢١ - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ..... ﴾ الآية. روى أن الله جل شأْنه سلط على أَهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه ﷺ أن يدعو لهم بالخصب ووعدوه بالإِيمان، فلما دعا لهم واستجاب الله دعاءَه ورحمهم بإِنزال المطر، أخذوا يطعنون في آيات الله تعالى ويكيدون لرسوله ﷺ فنزلت هذه الآية. والمعنى: وإذا أنعمنا على هؤلاءِ الكفار وأمثالهم بنعمة الصحة والسعة، وأَفضنا عليهم أَنواع الخير ورحمناهم بكشف ما نزل بهم من المصائب الأليمة والمكاره الشديدة التي خالطتهم وأَحاطت بهم حتى أَحسوا بشدة وطأتها عليهم وسوءِ أَثرها فيهم، إذا رحمناهم بكشفها سارعوا سرًّا وفي خفاءٍ إِلى تدبير ضروب الكيد لآياتنا التي أنزلناها على رسولنا محمد ﷺ واحتالوا في دفعها وبالغوا في تكذيبها. ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: أى قل أيها الرسول لهؤلاءِ الماكرين تهديدا لهم ووعيدًا: الله جلت قدرته أَعجل عقوبة وأَشد أَخذًا فلن يصل من كيدهم شئٌ إِلى رسول الله، ولا إِلى الحق الذي جاءَ به من عند الله، وتسمية عقاب الله مكرًا لذكره مع مكرهم في سياق واحد (١)، ثم أكد القرآن الكريم تهديدهم حين قال تعالى:

стр. 1838

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: إِن ملائكتنا الذين أَمرناهم بحفظ أَعمالكم وإحصائها عليكم، مستمرون على كتابة ما دأَبتم على تدبيره من الكيد في خفاءٍ، ولم يخف عنهم ما بالغتم في إِخفائه، وكيف يخفى على منزل الآيات علام الغيوب: وفي إخبار الله بإحصاءِ الحفظة لكيدهم بهذا الأُسلوب المؤكد تحقيق لعقابهم على وجه بليغ. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ المفردات: ﴿الْفُلْكِ﴾: السفن. ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: بريح لينة الهبوب تسير بهم إلى المقصد. ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾: شديدة الهبوب، وعصفت الريح: اشتدت، وهو من باب جلس يجلس. ﴿الْمَوْجُ﴾: ما علا وارتفع من الماء بسبب اضطراب مياه البحر من أَثر اشتداد الريح.

стр. 1839

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: أَي حوصروا بالشدة. ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي يسارعون إلى الإفساد في أنحاء الأرض متجاوزين حدود ما أمر الله به، والبغى التعدى والطغيان. التفسير ٢٢ - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ..... ﴾ الآية. في هذه الآية والتي بعدها حكاية جناية أُخرى من جناياتهم مترتبة على ما مر من اختلاف أَحوالهم تبعًا لاختلاف ما ينزل بهم من السراءِ والضراءِ. سبب النزول: عن سعد بن أبي وقاص قال: "لمَّا كان يوم الفتح فرّ عكرمة بن أَبي جهل فركب البحر فأَصابهم عاصف فقال أَصحاب السفينة لركابها: أَخلصوا فإِن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا فقال عكرمة: لئن لم ينجنى في البحر إلا الإخلاص ما ينجينى في البر غيره، اللهم إنَّ لك عهدًا إِن أَنت عافيتنى مما أنا فيه، أن آتى محمدا حتى أضع يدى في يده، فلأَجدنه عَفُوًّا كريمًا قال: فجاءَ فأَسلم" أخرجه أبو داود والنسائى وغيرهما. والمعنى: هو الله الذي يُيَسِّر لكم أيها الناس سبل السير في البر مشاة وركبانًا - وفي البحر - على ظهور السفن. ثم حكى القرآن الكريم ما كان من أحوالهم بعد ركوبهم السفن وسيرها بهم في البحر في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾: أي حتى إذا ركبتم السفن أَيها الناس وجرت تلك السفن بمن فيها جريًا هادئًا مريحًا، بسبب هبوب ريح لينة تتجه بسفنهم إِلى الجهة التي يقصدونها، وفرح الراكبون بتلك الريح الطيبةِ الهادئة التي تسير بسفنهم في أَمان واطمئنان إِلى ما يريدون.

стр. 1840

﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: أي حتى إذا كان راكبو تلك السفن على هذه الحال من الهدوءِ والاستقرار، هبت على تلك السفن ريح شديدة سريعة السير أَهاجت مياه البحر، فارتفعت الأَمواج واضطربت، وأحاطت بالسفن وبمن فيها من كل جانب، وتقاذفتها من موجة إلى أُخرى، وظن راكبوها أن مسالك النجاة قد سدت أمامهم، وأَن الهلاك قد أحاط بهم من كل جانب، وأنهم لا محالة هالكون في هذه الشدة. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أَي في هذا الوقت الذي أوشكوا فيه على الهلاك، رجعوا إلى أصل فطرتهم، فدعوا الله وحده مخلصين له الدين، غير مشركين معه سبحانه شيئًا من الآلهة التي عبدوها من دون اللهِ، دعوا الله قائلين في دعائهم: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: أَي والله لئن أَنقذتنا من هذه الكارثة المحيطة بنا، لنكونن حتما بعد نجاتنا مما نزل بنا من أَهوال من جملة الشاكرين دائما لنعمك الوفيرة وأَفضالك العميمة، فنشكر تفضلك علينا بالخلاص من أَهوال البحر استجابة لدعائنا. ٢٣ - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي فلما استجاب الله تعالى لهم وأنفذهم مما نزل بهم من الأَهوال والكربات، بعد تضرعهم إِليه، سارعوا إِلى الإفساد في أَقطار الأَرض بغير حق، ممعنين في ذلك ومستمرين هذا الظلم الظاهر القبيح. ثم خاطب القرآن الكريم هؤلاء الطغاة الباغين بما فيه تهديد لهم ووعيد بليغ على ظلمهم فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَي ياأيها الناس الطغاة المعتدون إنما ضرر هذا الظلم الشديد الذي ترتكبونه في الأرض، يعود في نهاية الأمر عليكم أنتم، ولا يعود شيء منه على الذين تجاوزتم الحدود في ظلمهم -

стр. 1841

فإن ما أَصابهم من آثار ظلمكم لهم في الدنيا، لا قيمة له ما داموا من أهل النعيم الدائم في الآخرة، والآخرة خير وأبقى - وأما أنتم يا أيها الطغاة فإِنما تتمتعون بثمرة بغيكم على الآمنين تمتُّعًا قاصرًا على الحياة الدنيا، ومتاع الدنيا قليل لا يعتد به، فهو سريع الزوال جالب للنكال مستتبع لعقاب العزيز القهار. ثم زاد القرآن الكريم في تهديدهم، وأكد وعيدهم حين قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي ثم إلينا وحدنا رجوعكم أيها الباغون يوم القيامة لنذيقكم عقاب ما قدمتم في حياتكم الآثمة، فنخبركم بما كنتم مستمرين عليه في الدنيا من البغى والإفساد في الأرض - نخبركم بذلك - زيادة في إِيلامكم والتنكيل بكم. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ المفردات: ﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: صفة الحياة الدنيا من حيث سرعة انقضائها وزوال مُتَعِها. ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: أي فاختلط بسببه نبات الأَرض، بأن كثر فتشابك بعضه ببعض. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: أَي وتزينت بأنواع النباتات وأشكالها وألوانها المختلفة.

стр. 1842

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: ظنوا أنهم متمكنون من تحصيل ثمرات الأرض. ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: أي نزلت بها الآفات التي اجتاحت النبات والثمار. ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾: أي فجعلنا نبات الأَرض هالكا كأَنه لم يوجد في الأَرض قبل هلاكه. التفسير ٢٤ - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ......... ﴾ الآية. بعد أَن بين القرآن الكريم في الآية السابقة أن التمتع بالبغى على الناس قاصِرٌ على الحياة الدنيا، جاءَت هذه الآية تقرر هذا المعنى، ببيان قصر أَمدها وسرعة زوال نعيمها، فلا ينبغي قصر الهمة عليها وحدها. والمعنى: إِنما مثل الحياة الدنيا وصفتها العجيبة في سرعة انقضاءِ زمنها وزوال متعها وزينتها وجاهها، بعد إقبالها على الناس واغترارهم بها وركونهم إليها - مثل هذه الحالة - كمثل الحالة الناشئة من نزول المطر من السماءِ على الأَرض، وإِنبات الله به أنواع النبات مما يطعم الناس والأَنعام، واستمرار نموه بالماءِ حتى كثر وتشابك بعضه ببعض، وتزينت الأَرض بأنواع النباتات المتعددة وأشكالها المتفاوتة وأَلوانها المختلفة وطعومها المتنوعة، وصارت كالعروس التي ازدانت بأَلوان الثياب وأنواع الزينة الفائقة، وظن أَصحاب تلك الأرض أنهم متمكنون من تحصيل ثمراتها، جامعون لخيراتها في هذه الحالة. ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾: أَي أَتاها الهلاك الذي قضاه الله وأَمر به في وقت الغفلة وفي وقت اليقظة، فهما سواءٌ في أَن أَصحاب تلك الأرض التي دنا جنى قطافها لا يستطيعون دفع أَمر الله عنها وحين أصابتها الآفات صيَّر الله نباتها مستأْصلا هالكا كأنه لم يكن موجودا في الأَرض قبل نزول الجوائح.

стр. 1843

والخلاصة: أَن القرآن صور للناس حال الدنيا في سرعة انقضاءِ زمانها وزوال نعيمها، بعد إِقبالها على الناس واغترارهم بها واطمئنانهم إِليها - صورها - بصورة ما على الأَرض من أنواع النباتات التي زالت بهجتها ونضارتها فجأَة وصارت حطاما ولم يبق لها على الأرض من أَثر، بعد أَن ترعرعت ونمت وقويت سيقانها وتزينت الأرض بألوانها المختلفة، وأوشك الناس أن يجنوا قطافها وظنوا أنها قد سلمت لهم من المهالك. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. التفسير ٢٥ - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾: بعد أن حذر القرآن الكريم من الاغترار بالحياة الدنيا والعمل لها وحدها رغَّب في العمل للفوز بدار السلام وهي الجنة. والمعني: والله - تعالى - القادر على كل شيءٍ الغنى عن العالمين يدعو الناس إلى دار السلام - وهي الجنة - بِدَعْوَتِهِم إِلى الإِسلام والعمل بشريعة القرآن. وسميت الجنة دار السلام لسلامة أهلها من كل آفة ومكروه، أَو لأن الله تعالى يسلم عليهم فيها، أو لأن الملائكة على أَبوابها يقولون للداخلين فيها: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾. أَو لأن أهل الجنة يسلم بعضهم على بعض فيها كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أَي ويرشد الله من أَراد هدايتهم وهم الذين وفقهم إِلى اختيار الهدى على الضلالة - يرشد هؤلاء - إِلى طريق معتدل لا عوج فيه وهو الإِسلام والعمل بشرائعه.

стр. 1844

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. المفردات: ﴿الْحُسْنَى﴾: أَي المثوبة الحسنى في الجنة، وهى تتفاوت حسب تفاوت درجات الإحسان. ﴿يَرْهَقُ﴾: يغشى ويغطى. ﴿قَتَرٌ﴾: أي غَبَرَةٌ فيها سواد كالقترة، ومن معانيهما في اللغة الدخان الكثيف من شواء أو فحم أو حطب أَو غيره. التفسير ٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: في الآية السابقة دعا الله إلى دار السلام، فمن الناس من أَحسن استجابة الدعوة والعمل بها، ومنهم من انصرف عنها، وقد جاءَت هذه الآية لتبين جزاءَ من أَحسن الاستجابة، وأَول درجات الإحسان بعد الإيمان فعل الواجبات وترك المنهيات، وأكمل درجاته: "أَن تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَانهُ يَرَاكَ" كما جاءَ في حديث رواه مسلم. وقد وعد الله تعالى في الآية بمكافأة المحسنين وزيادتهم فوق ما يستحقون، وفي بيان ذلك روى الشيخان عن النبي ﷺ أَنه قال: "إِنَّ الله يَقُولُ لأهْلِ الْجَنَّة يَا أَهْلَ الْجَنَّة فيَقولُون: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعَدَيْكَ وَالْخَيْر في يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ بِى؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبَّنَا وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْط أَحَدًا منْ خَلْقكَ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطيكُم أَفْضَلَ منْ ذَلكَ؟ فَيَقُولُونَ: وَأَى شَىْءٍ أَفْضَل منْ ذَلكَ؟ فَيَقُول: أُحلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانى فَلَا أَسْخَط عَلَيْكُمْ أبَدًا".

стр. 1845

وللمفسرين والمتكلمين في الزيادة المذكورة في الآية آراءٌ: فعن الحسن ﵁ أنها مضاعفة الحسنة إِلى عشر أَمثالها فأكثر إِلى سبعمائة ضعف أَو تزيد: وعن مجاهد رضوان الله عليه، هي مغفرة الله تعالى ورضوانه، ويرى جمهرة أهل السنة. أَنها النظر إِلى وجه الله سبحانه بعد حصولهم على ثوابه في الجنة، كما قال تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١). أَي يوم القيامة، فقد أَثبتت هذه الآية لأَهل الجنة أَمرين أَحدهما النضارة وهى حسن الوجوه، والثانى النظر إِلى وجهه الكريم، وإلى الأَول يشير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أَي أَن أُولئك المحسنين مكرمون أَيضًا بأَن تتأَلق وجوههم بنضرة النعيم، فلا يلحقها قتر وهو الغُبْرة في سواد، ولا تلحقها ذلة وهي الخجل والانكسار، والقتر حالة حسية والذلة حالة نفسية، وقد أَخبر الله بعد ذلك بأَنهم أَصحاب الجنة، وذلك يشعر بأَنها كالملك لهم ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يخرجون منها أبدًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٢). والآية في أُسلوبها تقصر الحسنى بجميع أَنواعها على المحسنين وحدهم ثم تفيد أَن الله يفيض عليهم زيادة عن الحسنى أَنواعًا من الإِنعام لا تعد ولا تحصى، وأَعلاها النظر إِلى وجهه الكريم، كما جاءَ في الآية السابقة، وأَن يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أَبدًا. كما جاءَ في حديث الشيخين الذي تقدم ذكره، وقد أَعد الله لخيار المحسنين منازل في عليين، وهي أَعلى مكان في الجنة، وفيهم يقول النبي ﷺ : "إِنَّ الرَّجُل منْ أَهْلِ علِّيِّينَ لَيُشْرِفُ عَلَى أهْلِ الْجَنَّةِ فَيُضِئُ الْجَنَّةَ بوَجْهِه كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّىّ" أَخرجه أبو داود.

стр. 1846

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ المفردات: ﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: عملوا المعاصي من كفر وغيره. ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من حافظ ومانع. ﴿أُغْشِيَتْ﴾: غطيت. التفسير ٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: بينت الآية السابقة جزاءَ المحسنين، وجاءَت هذه الآية لتُبين عقاب المسيئين، وقد أَفادت أَنهم يجازون بالعدل المطلق، فلا تضاعف سيئاتهم كما ضوعفت حسنات المحسنين بل يجزون بقدرها وهم لا يظلمون، ونظرًا لترقُّبِهم وقوع سوء الجزاءِ تعلوهم وتحيط بهم ذِلة وهوان من شدّة الخزى وعقاب الله لهم، فهم بين أَلم حسى وألم نفسى وليس لهم من دون الله منقذ أَو مدافع يحميهم من عذابه الاَّليم، ثم بين الله تعالى أثر حيرتهم ويأسهم على وجوههم فقال: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: فإن زيادة آلامهم وشعورهم بالمذلة قد جعل وُجُوَهَهم كأنها مغطاة بقطع متراكمة من الليل المظلم لفرط سوادها وشدّة ظلمتها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١).

стр. 1847

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أَي أُولئك الموصفون بالصفات الذميمة السابقة أَصحاب النار المستحقون لها فهي مقصورة عليهم لسوء فعلهم جزاءً وفاقًا: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ المفردات: ﴿فَزَيَّلْنَا﴾: فرقنا وفصلنا. التفسير ٢٨ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: تعرض الآية الكريمة وما تلاها مشهدًا من أَهوال البعث والنشور ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) إِذ ينساق الخلائق إِلى موقف الحشر من مشركين وما عبدوه من دون الله ومِن غيرهم لا يتخلف منهم أَحَدٌ، وفي حشر المشركين وما يعبدون يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) فإذا تقدموا سمعوا زجرًا عنيفًا حين يقال لهم بأمر الله: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: أَي الزموا مكانكم أَنتم وشركاؤُكم للسؤال والجزاء قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٣).

стр. 1848

﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: أَي ففرقنا بين المشركين والشركاء، أَي قطعنا الصلة التي كانت بين العبدة ومعبوداتها في الدنيا، فقد تبين الحال وخابت فيهم الآمال، ولم يعد لهم أَمل في شفَاعَتهمْ فيئسُوا منهم، وابتعدوا عن اللجوء إِليهم، وقيل إن التفريق بينهم في الموقف حسِّىٌّ، والأول هو اللائق بالمقام، وحينئذ تبرأَ الشركاءُ من عابديهم، قائِلين لهم: ما كنتم تخصوننا بالعبادة في الحقيقة، بل كنتم تعبدون شهواتكم وشياطِينكم التي دعتكم إِلى الإشراك، وهؤلاء الشركاءُ المتبرئون إما أَصحاب عقل وإِدراك كالملائكة والبشر، وإِما غيرهم كالأصنام والكواكب، أما تبرّؤ الأَولين من عابديهم فلا يحتاج إلى تأَويل، وأَما تَبرُّؤ نحو الأَصنام، فيكون بلسان الحال أو المقال، بأَن ينطقها الله الذي أَنطق كل شيءٍ ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١). ٢٩ - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: بَعْدَمَا تبرأَ الشركاءُ من عبادة عابديهم، استشهدوا باللهِ على براءَتهم منها، قائلين: فيكفينا الله شهيدًا بيننا وبينكم على براءَتنا من إشرَاككُمْ، فأننا لم نجبركم عليه، ولا أَشرنا عليكم به وإِن شأْننا معكم أَننا كنا عن عبادتكم لنا غافلين: والمراد من الغفلة هنا عدم رضاهم عنها. ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوكُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ المفردات: ﴿تَبْلُو﴾: تعرف يقينًا ما قدمت.

стр. 1849

التفسير ٣٠ - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: أَي: في هذا المكان، وهو موقف الحساب، تعرف يقينًا كل نفس مؤمنة أَو كافرة، سعيدة أَو شقية، ما عملت في الدنيا من خير أَو شر، فتراهما في كتَاب ﴿ ..... لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١). وفي قراءَة أخرى (تَتْلُو) أَي تقرأُ صحيفة أعمالها قراءَة تعطيها صورة واضحة صادقة لكل ما عملته في الدنيا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢). ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي ورجعوا إلى الله في الآخرة وعرفوا أَنه تعالى هو المالك الحق وحده دون ما اتخذوه من الأَنداد والشركاء، وهكذا غاب وذهب عنهم ما كانوا يدعون زورًا وبهتانًا من الشفعاءِ والشركاء، وظهر ضلاله وبطلانه، فلم يجدوا أَحدًا ينقذهم ولا ينصرهم من دون الله ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٣). ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ المفردات: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يصرف شأْن الكائنات بنظام دقيق وحكمة بالغة.

стр. 1850

التفسير ٣١ - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: بعد أَن صورت الآيات السابقة مشهدًا رهيبًا من مشاهد القيامة يهيئُ النفوس للتوبة والإِنابة إلى الله، جاءَت هذه الآية وما بعدها تناقش المشركين في قضية الأُلوهية أَهم القضايا الدينية، وتضعهم أَمام البراهين العقلية الواضحة، وتحذرهم وتنذرهم بعد ذلك من الخروج عن دائرة الحق، واعلم أَن المشركين يؤمنون في قرارة نفوسهم بخالق واحد يصرف الأُمور وهوالله تعالى، ولكنهم يتخذون إِليه الشفعاءَ ليقربوهم إِليه زلفى، وقد أَمر الله رسوله أَن يسأَلهم سؤال إِفحام وإِلزام، ليعدلوا عما هم فيه من الإِشراك في العبادة فقال له: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: وهو سؤال يتناول أُمورًا حسية تتعلق بكيانكم وحياتكم اليومية وهو الرزق المتجدد من السماءِ بإِنزال المطر، ومن الأرض بإِنبات النباتات وخلق الحيوان وتربيته، والإمداد بأَنواع المعادن المختلفة والمياه الجوفية، وما تستخرجونه من البحر من أَسماك وخيرات، وما يدرج على الأَرض أو يحلق في السماءِ من أَنواع الطيور وغير ذلك من سائر الأَرزاق، فلا شك أن هذا الرزق بأَنواعه هو من عند الله تكريمًا لكم وحفظًا لحياتكم - كما سيجئُ بيانه في آخر الآية: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾: هذا هو السؤال الثاني الذي أَمر الله رسوله أَن يوجهه إلى المشركين، أَي أَخبرونى من يملك أَداة السمع وما أُعد فيها من أَسباب إِدراك المسموعات؟ ومن يملك أَداة البصر، وما هيئت به لإِدراك المبصرات؟ وقد جاءَ لفظ السمع مفردًا ولفظ الأَبصار جمعًا لأَن السمع يتناول نوعًا واحدًا هو الأَصوات، أَما الأَبصار فتتناول الأحجام والأَبعاد والأَلوان والأَشكال، والسمعُ والأَبصارُ يدركان الغالبية العظمى من المحسات. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: هذا هو السؤال الثالث، أَي ومن ذا الذي يملك الحياة والموت في العالم كله فيخرج الأَحياءَ والأموات بعضها من بعض فيما تعرفون من المخلوقات التي تحدث أَو تموت، وذلك كالإنسان خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون وهو ميت ثم سواه ونفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فهذا

стр. 1851

مثل لإخراج الله الحى من الميت وهو الصلصال بعد الحمأْ المسنون، أَما الميت يخرجُهُ اللهُ من الحى، فكالجنين يخرجه الله من أُمه ميتًا، وكالحيوان يميته الله بعد أَن كان حيًّا، وقيل في معناه: يخرج المؤمن من الكافر. والكافر من المؤمن. وقيل غير ذلك. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أَي ومن يقوم بتدبير أُمور العالم كله بعد إيجاده، فسيكون جوابهم أَن فاعل ذلك كله هو الله رب العالمين وحده بلا تردد في الجواب ولا تأْخير، إذ لا مجال للمكابرة لوضوحه غاية الوضوح، ولأنهم معترفون به، ثم يأمر الله نبيه ﷺ أَن يقول لهم تبكيتًا وتوبيخًا بقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. أَي أَتقرون بأَن الله هو الرزاق، وهو الذي يهب السمع والأبصار ويملكهما، والذي يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، والذي يدبر أَمر الكائنات بحكمته - أَتقرون بذلك - فلا تقون أَنفسكم من عذابه بترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيءٍ من هذه الأُمور. أَليس الأَجدر بمن يقرون بذلك كله أَن يؤمنوا بالله وحده، ويتقوه ويعبدوه مخلصين له الدين. ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. المفردات: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: أَي فكيف تتحولون عن الحق. ﴿فَسَقُوا﴾: خرجوا عن طاعة الله، وأصل الفسق الانسلاخ عن الجلد، ومنه فسقت الرطبة عن قشرها، أَي انسلخت منه، والفاجر فاسق لانسلاخه عن طاعة الله.

стр. 1852

التفسير ٣٢ - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾: أَي فذلكم القادر على الحق المتصرف فيه باعترافكم هو الله المربى لكم على موائد كرمه، الذي تتوالى عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، الحقُّ الجدير بأَن يعبد وحده دون شريك. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾: في هذا تقرير بأَن المعبود الحق واحد لا يتعدد وضده الباطل، ولا وسيط بينهما فلا يجتمع الإيمان والشرك في قلب واحد، وهذا استفهام للنفى والتوبيخ. والمعنى إِذا كان الله هو الرب الحق وانصرفتم عن إِفراده بالعبادة فليس بعد ترك الحق إلا الضلال، وهو إِشراك الأَصنام مع الله في العبادة، وهو أَمر لا يختاره عاقل. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: يعني إِذا عرفتم هذه الأُمور الواضحة فكيف تنصرفون عن عبادة الله، وكيف تتحولون عن الحق إِلى الضلال بعد العلم بأَنه هو الرازق المحيى المميت المدبر للأمر كله. ٣٣ - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أَي وكما ثبت أَن الحق ليس بعده إِلا الضلال أَو كما ثبت أَنهم انصرفوا عن الحق بعد معرفته وجب وثبت حكمه تعالى على الذين تمردوا على طاعته أَنهم لن يكونوا مؤمنين ما داموا مصرين على ما هم عليه، والمقصود من الآية أَن الله يتخلى عنهم فلا يعينهم على الإيمان، فمن بَعُدَ عن الله بَعُدَ الله عنه، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١) والمراد من كلمة (الله). حكمه وقضاؤه كما تقدم في بيان المعنى.

стр. 1853

﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ المفردات: ﴿أَنَّى﴾: كيف. ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: أي تصرفون عن الحق إِلى الباطل. التفسير ٣٤ - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: بعد أن احتج الله على المشركين بما سبق بيانه، جاءت هذه الآية تحكى احتجاجًا آخر على ثبوت التوحيد وبطلان الإشراك، بإظهار كون الشركاء لا يتصفون بصفات الإلَه الحق. والمعنى: قل لهم أَيها الرسول سائلًا إياهم على سبيل الإنكار والتوبيخ والإلزام، هل يوجد من بين هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لله في العبادة من له القدرة على بدءِ الخلق ثم إِعادته بعد الفناء؟ ولما كان هذا السؤال مما لا يجيبون عليه لإنكارهم البعث والمعاد: أمر الله رسوله أَن يبين لهم من يستطيع ذلك وهو الله ﵎ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: لأنه هو القادر وحده على البدءِ باعترافهم، ومن قدر على البدءِ، فهو قادر على الإعادة، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (١) وفي قوله تعالى ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ تهديد بالعقاب لهم يستدعي التفكير في التوبة من الشرك. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أَي إِذا ثبت أَن الله هو القادر على البدءِ والإعادة فكيف تعدلون به غيره فتنقلبون من الحق إِلى الباطل، وتتركون التوحيد إلى الشرك إِن فعلكم هذا لعجيب لا يصح أَن يكون.

стр. 1854

﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ المفردات: ﴿يَهْدِي﴾: يهتدى. ﴿يُهْدَى﴾: أَي إِلا أَن يهديه الله تعالى. التفسير ٣٥ - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾: هذا احتجاج آخر على حَقِّية التوحيد وبطلان الشرك، جئَ به إِلزامًا بعد إِلزام، والمعنى قل لهم أَيها الرسول هل من هؤلاءِ الشركاءِ من يستطيع أن يرشد عابديه إلى الحق ببيانه أَو بإلهامه وتوفيقه؟ وهو أَقل صفات الأُلوهية، فإِذا قالوا: لا، ولا بد لهم من ذلك: فقل الله وحده يهدى ويرشد إلى الحق بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، وبإرسال الرسل وإِنزال الكتب قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١). ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: أَي إِذا كان الله هو الحق وهو الذي يهدى إِلى الحق وحده فهل الذي يهدى إِلى الحق أولى بالاتباع، أَم الآلهة الذين عبدتموهم من دونه وهم لا يهتدون إِلى مقصد من المقاصد إِلا أَن يهديهم الله إِليه، ولا شك أَن جواب هذا السؤال يتعين عند العقلاءِ أَن يكون: من يهدى إلى

стр. 1855

الحق - وهو الله - أَحق بالاتباع والعبادة من هؤلاءِ الشركاءِ العاجزين عن الاهتداءِ إلى المقاصد إِلا بهدايته لو أَراد جل وعلا، وكما أَنه لا وجه للموازنة بين القادر والعاجز، ولا بين القوى والضعيف، فكذلك لا وجه للمقارنة بين الهادي وبين من يحتاج إلى الهداية، ولذا عقبه بما يفيد التعجب من حالتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: أَي فما الذي حملكم على اتخاذكم هؤلاءِ شركاءَ لله وكيف تحكمون هذا الحكم الجائر وأَنتم تعرفون بطلانه؟ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ التفسير ٣٦ - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: بعد الأَسئلة السابقة والأَجوبة عليها التي دلت على حقية التوحيد وبطلان الشرك: جاءَت هذه الآية توضح سبب خطئهم في اعتقادهم وهو اعتماد أَكثرهم على الظن في أَحكامهم. والمعنى: وما يتبع أكثر هؤلاءِ المشركين في معتقداتهم وأَحكامهم إِلا أوهامًا يتوارثونها عن آبائهم وأَجدادهم، دون أَن يكون لهم عليها من دليل يدعو إلى الاطمئنان واليقين، والمراد بأَكثرهم جميع المشركين، فكلهم عقائدهم ظنية، ناشئة عن أوهام وخيالات، وقيل الضمير في أَكثرهم للناس جميعًا، وما يتبع أكثر الناس إِلا الظن (١)، ثم بين القرآن الكريم أَن الظن لا يقوم مقام اليقين الناشئ عن البراهين القطعية في شئون العقائد فقال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: أَي إن الظن لا تثبت به الحقائق، ولا يقوم مقام العلم اليقينى في الاعتقاد الصحيح المطابق للواقع ولا يغنى عنه شيئًا، فكيف سميتم معبوداتكم آلهة زورًا وبهتانا وعبدتموهم من دون الله بغير برهان، وصدق الله إذ يقول في شأْنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا

стр. 1856

أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١). والمراد هنا من الحق ما ثبت بطريق وحى سماوى، أو دليل عقلى مبنى على الآيات الكونية، وقد استدل العلماء بهذه الآية وبما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) على أَن العلم اليقينى واجب على كل مسلم في أصول العقائد. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أَي إِنه تعالى واسع العلم فيعلم أَفعالهم، من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق. وفي الآية إِنذار مؤكد لأُولئك الجاحدين بأنهم سينالون ما يستحقون من عقاب أَليم ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (٣). ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المفردات: ﴿وَمَا كَانَ﴾: ما صح ولا استقام. ﴿يُفْتَرَى﴾: يختلق. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أَي ولكن أَنزله تصديقًا للكتب السماوية التي سبقته في أصول العقائد والأحكام قبل تحريفها. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: تبيين ما كتب وأثبت في الكتب السماوية.

стр. 1857

التفسير ٣٧ - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: بعد أن تناولت الآيات السابقة بالأَدلة القاطعة إِثبات وحدانية الله ، وقدرته وحكمته وتدبيره، جاءَت هذه الآية وما بعدها تبين استحالة أَن يكون القرآن مفترى من عند محمد ﷺ نفيًا لما زعم المشركون. والمعنى: ليس يصح في شأْن القرآن وهو على ما هو من العلو أسلوبًا ونهجًا وغاية، أَن يكون مفترى من عند محمد وأَعانه عليه قوم آخرون كما افتراه عليه المشركون، فإِن هذا غير ممكن فهو ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) فانظر إِليه في أسلوبه ومعانيه واتساق آياته، وفيما جمع من تشريعات. وعقائد وأَخلاق وآداب، وحكم وأَمثال وكشوف غيبية وحقائق علمية، جاءَت في أَقصى درجات الفصاحة والبلاغة والدّقة، وفي أَنماط سامية وآفاق عالية، فإِنك تقطع بأَنه لا يقدر على الإتيان بمثله أَحد من الإِنس والجن ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) وتتأكد أَنه من عند الله وحده ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أَي ولكن أَنزله الله مصدقًا وموافقًا لما تقدم من الكتب السماوية، في أُصول العقائد والأَحكام قبل أَن يعتريها التحريف، مصححًا للعقائد التي عبثت بها أَهواءُ القسيسين والأَحبار والرهبان حيث ردها القرآن إِلى التوحيد الخالص. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي وأَنزله أيضًا تفصيلا لما أَجملته الكتب السماوية السابقة من عقائد وتشريع ومواعظ ومن شئون الاجتماع وسنن الله في خلقه وزادها تكميلا، فلا محل لأَى شك في أَنه كلام الله رب العالمين، الذي تعهد النوع الإِنسانى بالتربية والتعليم والهداية.

стр. 1858

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ التفسير ٣٨ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾: بعد أن بين الله في الآية السابقة أن القرآن يستحيل أن يفترى على الله، وَبَيَّنَ أيضا أَنه أنزل من عند الله مصدقا ومفصلا للكتب السابقة، جاء بهذه الآية حكاية لزعم المعاندين الجاهلين أن محمدًا افتراه، وتعجيبا من قولهم وردا لفريتهم والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد ﵊ واختلقه من قبل نفسه، قل لهم أَيها الرسول الكريم موبخا لهم ومبرهنًا على بطلان مقالتهم: هاتوا سورة مثل أيَّةِ سورة من سوره حتى يصح زعمكم أَن محمدًا افتراه على الله، فأَنتم أَرباب فصاحة وبلاغة، وأَنتم تعرفون أَنه أُمى كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١). ولم يكن هذا أول ادعاءٍ لهم بالافتراءِ، فقد تكرر منهما إذ تحدثوا به أَول الأَمر فتحداهم القرآن أن يأْتوا بمثل القرآن كله فلم يستطيعوا، وبعد فترة شعروا بقوته تتزايد فعاودوا دعوى الافتراء معاندين، فعاود القرآن التحدى لا فى مثله بل في عشر سور منه فلم يتمكنوا، وتزايد عليهم العجز وظهروا مفحمين لا يجدون جوابًا، ولكنهم عاودوا بعد فترة زعمهم القديم، فعاد القرآن لتحديهم هذه المرة أَن يأْتوا بسورة مثله وهو ما جاءَ في هذه السورة حتى يلجئهم إِلى صمت العاجزين، وهكذا أَثبت القرآن عليهم وعلى أَمثالهم العجز العام عن محاكاته، فمن عسى أَن يزعم مثل هذا الزعم اليوم، فعليه أن يجيب على هذا التحدى وإِلا فليطبق فمه، وليمضغ أَكاذيبه، ومن عجب أن ترى من أعداء الإِسلام اليوم من يزعم أن محمدًا ﵊ هو صاحب القرآن وقائله: رغم هذا التحدى

стр. 1859

الدائم: وهكذا كان الإلحاد الجديد صورة منسوخة من الأَول القديم وماله عليه من دليل، وقد بقى القرآن العظيم شامخًا شموخ الجبال الرواسى وتحطمت على صخوره كل مفترياتهم. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في هذه الجملة من الآية الكريمة توسع القرآن في دائرة التحدى وطلب منهم أَن يستعينوا بمن يستطعون الاستعانة به بشرًا أَو آلهة، وأَمهلهم ما شاءُوا ولا يزال في تحديه للبشر، ولكنهم - آخرهم كأَولهم - أمام إعجاز بما هو متنوع متفرع، فمنه الإعجاز اللغوى ومنه العلمى والتشريعى والغيبى، وكل منها لم يعارض، ولو كان ممكنًا لأَتُوا بمثله ولكن ظهر عجزهم وبطل ما قالوه ولزمهم الإفحام. وكلمة (إِن) في قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: تفيد التشكيك في صدقهم، ليشعروا بهوانهم وبُقصورهم عن شرف الصادقين، وقوله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يشير إِلى أَنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى. وصدق الله إذ يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ التفسير ٣٩ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: لما ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة مثله وتبين أَن ما قالوه باطل لا وجه له من الصواب بين في هذه الآية ما حملهم على تكذيب القرآن المشتمل على الحق الذي لا غاية وراءَه.

стр. 1860

والمعنى: أَن هؤلاءِ الكفار لم يحكموا على القرآن بأَنه مفترى من دون الله بمقتضى برهان يؤدى إِلى ما ذهبوا إِليه، بل كذبوا بكتاب عظيم من غير إِحاطة بعلم ما فيه ولا تدبر لمعانيه، ولا وقوف على ما جاءَ به من الأَدلة الشاهدة بصدقه، من تشريع حكيم، وآداب وحكم عالية، وغير ذلك من أَسرار إِعجازه، ولم يأْتهم بَعْدُ تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أَنه صادق وليس بكاذب، أَو المعنى: ولم يبلغ أَذهانهم ما فيه من المعانى الدالة على عُلوِّ شأْنه. والمقصود: أَن القرآن آية كبرى على صدق الرسول صلى الله علية وسلم، ولكنهم سارعوا بالتكذيب قبل أَن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه والتعبير بلفظ (لَمَّا) المفيدة لوقوع تأْويله مستقبلا، للإيذان بأَنهم لو تريثوا ولم يسارعوا بالتكذيب، لأدركوا تأْويله، وعرفوا فضائله ومعانيه السامية، ولتحققوا من صدقه. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: أَي مثل هذا التكذيب الناشئِ عن عدم التدبر كذب الذين من قبلهم رسلهم، فكلما جاءَهم رسول بما لا تهوى أَنفسهم كذبوه، وكان هذا سببًا في أَن حل بهم جزاءُ ما كانوا به يستهزئون، فكانوا سلفًا ومثلا للآخرين، يعتبر به كل عاقل، فانظر يا محمد أنت وأُمتك والناس جميعا مآل الظلم والظالمين، وصدق الله إِذ يقول: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
следующие страницы →