والمعنى: وأدِّ الصلاة بأركانها وشروطها في طرفى النهار - الغداة والعشى - فأَما صلاة الغداة فهى الصبح، وأَما صلاة العشى، فهى الظهر والعصر، وأقم الصلاة أَيضا في ساعات من أول الليل، بأن تؤدى صلاتي المغرب والعشاء وبهذا التأويل تضمنت الآية الكريمة الصلوات الخمس التي كلف الله بها عباده المؤْمنين يوميا.
قال القرطبى: لم يختلف أحد من أَهل التأويل في أَن الصلاة في هذه الآية يواد بها الصلوات المفروضة وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان وإليها يفزع في النوائب - وكان النبي ﷺ إِذا حزبه أمر فزعَ إلى الصلاة. اهـ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾:
هذا التعقيب تعليل للأمر السابق بأداءِ الصلاة، يشير إِلى أن الحسنات وعلى رأسها الصلاه تكفر السيئات وتذهب الآثام. فإِذا حدث من المؤمن انحراف عن الاستقامة، أو ميل إلى الطغيان، أو جنوح إلى الظالمين، وذكر المؤمن ربه وتاب وأَناب، وفزع إلى الصلاة، غفر الله له ما ارتكبه من آثام فإِن الصلاة كما تنهى عن الفحشاء والمنكر تطهر النفوس من الأدران والأَوشاب.
قال رسول الله ﷺ "أرأَيْتُمْ لَو أنَّ نَهْرًا بِبَابِ أحَدِكُمْ يغْتَسِل فِيه كل يَوْم خَمسًا، مَا تَقُولُ: يُبْقى ذَلِكَ مِنْ دَرَنه؟ قَالُوا لَا يُبْقى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ فَذَلِكَ مَثلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا".
أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلوات عن أَبي هريرة.
وجاءَ في سبب نزول هذه الآية "عن ابن مسعود أَن رجلا أصاب من امرأة قبلة حراما. فأتى النبي ﷺ . فسأله عن كفارتها فنزلت فقال الرجل أَلِىَ هذه يا رسول الله؟ قال لك ولمن عمل بها من أمتي" أَخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي معنى الآية يقول الرسول ﷺ : "اتَّق اللهَ حَيْثما كنتَ وأَتبع السيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحها وَخَالِقِ النَّاس بِخُلق حَسَن" رواه أحمد والترمذى والحاكم والبيهقي.
стр. 2032
وقد يمن الله على عبده إذا أحسن التوبة وأكثر الحسنات فيبدل سيئاته حسنات كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١).
١١٥ - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
إن التزام الاستقامة والقصد، واجتناب الظالمين، وإقامة الصلاة في أَوقاتها تامة، الأركان والشروط، كل هذا يستدعي الصبر فلذا أمر الله به في هذه الآية كما أمر به في غيرها كقوله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢).
وقد أوصى الله سبحانه بالاستعانة بالصبر والصلاة على أداء الطاعات واجتناب الموبقات حيث قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).
فمن أطاع الله واتقاه وفاه الله أَجره كاملا لأَنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوبَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾
المفردات:
﴿لَوْلَا﴾: هلا. ﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، وقدَّره بعضهم بثمانين سنة، وبعضهم بسبعين سنة والجمهور على أنه مائة سنة، والمراد من القرون هنا أَهلها من الأمم السابقة.
стр. 2033
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أصحاب روية وتفكير، وأطلق عليهم ذلك لأنهم لا يعجلون بإِبداء الرأى، بل يبقونه حتى يمحصوه، ويدركوا صوابه فيجهروا به.
﴿مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾: ما تنعموا به.
التفسير
١١٦ - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوبَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾:
هذه الآية تشير إلى الأمم المهلكة التي ورد ذكرها في هذه السورة، لو كان فيهم كثير من العقلاء يقاومون الفساد ويضربون على أيدى الطغاة المستبدين ويحتكمون إِلى العقل المؤيد للرسالات السماوية، لو كان فيهم كثير من هؤلاء العقلاء الذين يكفونهم عن الفساد والإِفساد لما حقت عليهم كلمة العذاب، فإِن من سنن الله الكونية أن يأخذ الأمم بعذابه الشديد إذا عَمَّ فيهم الفساد وانتشر بينهم الضلال، وأصبح المعروف بينهم نادرًا، والمنكر شائعا ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
والمعنى: فهلا وجد من هؤلاء الأَقوام المهلكة الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة هلَّا وجد منهم جماعة كثيرة أصحاب بقية من العقل والروية ينهونهم عن الفساد والإفساد في الأرض، لينجوا من الهلاك، لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ذلك فسلموا ونجوا منه.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾:
أَي إن القلة القليلة من العقلاء لم تستطع القضاء على الفساد، أما الكثرة الكاثرة الظالمة لنفسها فقد انغمست في الترف والنعيم وأَمعنت في الفساد والضلال. استجابة لما جبلت عليه من حب الجريمة والإِجرام فاستحقت الهلاك والدمار.
стр. 2034
١١٧ - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾:
وما صح ولا استقام عقلا أَن يهلك الله أهل هذه القرى بظلم وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ويؤمنون بخالقهم، فإن إهلاكهم وهم مصلحون ينافي صفة الحكمة التي يتصف بها العليم الحكيم، وينافي السبيل الذي اختاره سبحانه لمعاملة عباده، وهو الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢) ".
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾
المفردات:
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: جماعة متحدة في الدين لا خلاف فيه بينها.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: ووجب حكمه وقضاؤه الأزلى - ﴿الْجِنَّةِ﴾: الجن.
التفسير
١١٨ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾:
ولو أَراد الله ربك أَن يكون الناس جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر ولا إفساد، لو أراد ربك ذلك لوقع، ولكنه لم
стр. 2035
يرده، بل خلقهم وأَودع فيهم العقل، وأَعطاهم الاختيار، ووضح لهم الطريق، وأَقام الحجة بإرسال الرسل حتى تكون عقيدتهم وعملهم بكسبهم واختيارهم، ولكنهم اختلفوا بسوء رأْيهم في هذا كله، وأضاعوا فطرتهم المستقيمة المفطورة على الحق إلا من عصم الله منهم فثبتهم عليه.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾:
ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضم يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له الرسل فيهتدى، وبعصهم لا ينتفع بذلك، بل يتبع هواه فيضل ويغوى.
١١٩ - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾:
أي لا يزال الناس مختلفين، بعضم على الحق وبعضم على الباطل، إلا من ﵏ ربك فهداهم ولطف بهم فإِنهم يتفقون على الدين الحق، ولا يختلفون فيه لأنهم يقبلون عليه سبحانه بقلوبهم وعقولهم فيحسن استقبالهم ويعينهم بفضله ورحمته.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: اللام في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ للعاقبة والإشارة راجعة إلى اختلاف الناس.
والمعنى: وخلقهم على الفطرة السليمة، لتكون عاقبتهم أَن يختلفوا، وما كان ينبغي لهم أن ينتهوا إلى ذلك، وقد منحهم الله العقل والتمييز، وأرسل إليهم الرسل ليهدوهم سواء السبيل، ويشهد لهذا التأويل قوله ﷺ : "كُل مَولودٍ يُولدُ عَلَى الفطرة فَأبوَاهُ يهودَانِهِ أوْ يُنَصرَانِهِ، أوْ يمجسَانِهِ" وقوله تعالىَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١).
ومن العلماء من جعل الإشارة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إلى الرحمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
стр. 2036
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: وللمذكور من رحمة الله تعالى خلقهم، يريد ابن عباس ومن معه، أَنه تعالى خلقهم على استعداد فطرى لرحمة الله، لكنهم أفسدوا فطرة الله بسوء اختيارهم، وحرموها من رحمته جلَّ وعلا.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: ووجب قضاء ربك العادل.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: وجب قضاؤه أن من الخلق من يستحق الجنة لأنه زكى نفسه فأفلح وفاز، ومنهم من يستحق النار لأَنه دنس نفسه بالمعاصى فخاب وخسر، وأن النار لابد من أَنها ستملأ من الأشقياء من الثقلين الجن والإِنس، الذين لا يهتدون بما أَنزله الله من كتب، ولا يؤمنون بمن أرسل من الرسل، وذلك لعلمه بكثرة من يختار الباطل على الحق، ويؤثر الضلال على الهدى ممحض اختياره، وحرمان أَنفسهم من تقبل رحمة الله ومعونته.
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾
المفردات:
﴿نَقُصُّ﴾: من قص يقص، والقص تتبع أَثر الشيء للإحاطة والعلم، ثم أطلق على الإخبار لما فيه من تتبع الأحداث رواية.
стр. 2037
﴿أَنْبَاءِ﴾: جمع نبأ وهو الخبر الهام.
﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: المراد من تثبيته زيادة ثباته في أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفار.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: اعملوا على غاية تمكنكم، وأقصى استطاعتكم، أو اعملوا على حالكم ومنزلتكم التي أنتم عليها من الكفر والمعاصي، والأمر للتهديد.
التفسير
١٢٠ - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾:
بعد أن قص الله في هذه السورة قصص أشهر الرسل وعاقبتهم مع أممهم من نجاة المؤمنين، وإهلاك المكذيين، ذكر في الآية فائدة ذكر هذه القصص.
والمعنى: وكل نبأ من أَنباءِ هؤُلاءِ الرسل مع أممهم نقص عليك يا محمد ونخبرك بما نثبت به فؤادك، حيث تدرك منه أنك لست وحدك الرسول الذي كفر به قومه، فكل الرسل كانوا كذلك فصبروا حتى ظفروا بإِعلاءِ كلمة الله، وهزيمة الشرك ودك معالمه، وإِهلاك أهله، فإِذا علمت أن الرسل من قبلك قاسوا ما تقاسى، هان عليك ما تقاسيه، فإِن البلوى إِذا عمت هانت، وإِذا هانت عليك قوى قلبك واشتدت عزيمتك على المضى في سبيل ربك، وقوى احتمالك للإيذاءِ والصبر على أداء الرسالة.
وفي مثل هذا المعنى يقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
ولقد جاءك في هذا القصص من أَنباء الرسل وأَقوامهم بيان جامع للحق وللموعظة وتذكير المؤمنين، حيث يتعظون مما حل بالأمم السابقة من هلاك ودمار فيبتعدون عن أَسبابه وموجباته.
стр. 2038
وإِنما عبر بقوله: ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مع أنه في الحقيقة أنزل لوعظ الناس جميعًا، لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون مما في هذه القصص من الوعظ والتذكير.
١٢١ - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾:
وقل أيها الرسول للمشركين الذين أعرضوا عن دعوتك فلم يؤمنوا بما جئتهم به، قل لهم مهددًا وَمُوَعِّدًا: اعملوا بقدر استطاعتكم وتمكنكم، وبكل ما أوتيتم من قوة على مقاومة الدعوة والصد عنها، إِنا عاملون في تبليغ الحق، دائبون عليه لا يثنينا عن عزيمتنا كفركم ولا يردنا عن دعوتنا طغيانكم، أو عاملون بما أنزله ربنا، لا يصرفنا عنه صارف، ولا ممنعنا منه كَفارٌ أثيم.
١٢٢ - ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾:
وترقبوا ما تتمنون لنا من هلاك إنا مترقبون أن يحل بكم مثل ما حل بالأمم السابقة التي كذبت رسل ربها وصدت عن سبيله.
١٢٣ - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
أي لله وحده علم ما غاب في السموات والأرض، فلا يخفى عليه شيء من سركم وجهركم.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾:
وإليه وحده مرجع الأمر كله في الدنيا والآخرة، لا إلى أحد غيره، فيرجع إِليه لا محالة أَمرك يا محمد وأمرهم، فيجازى كلا بما اعمل.
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾:
وإِذا كان مرجع الكل إلى الله وحده لا إِلى غيره فدم على ما أَنت عليه من عبادته وحده مخلصا له العبادة، وتوكل عليه في جميع أمورك، فإنه يكفيك كل ما أَهمك ويكفلك في جميع أحوالك.
стр. 2039
واعلم أنه الأخذ بالأسباب المشروعة لا ينافى التوكل على الله، ولذا أَوجبه الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١). وقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢). وأمر به الرسول بقوله لصاحب الناقة: "اعقِلها وَتَوَكلْ": أي اعقل ناقتك أَولا، ثم قل توكلت على الله.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
وما ربك بغافل عما تعمله أنت من تبليغ رسالة، ربك وما يعملونه هم من كفر وإعراض، بل هو عالم به، محيط بتفاصيله، فيرفع شأنك يا محمد ويعلى قدرك في الدنيا والآخرة ويعاقبهم فيهما بما يستحقون من تعذيب وحرمان.
стр. 2040
سورة يوسف ﵇
وهى مكية، وآياتها مائة وإِحدى عشرة آية فقط، وذكرت بعد هود لما يجمع بينهما من تسلية الرسول ﷺ بقصص الأنبياء السابقين وما لاقوا من أذى الأباعد كقصص سورة هود وأذى الأقارب كقصة يوسف ﵇.
وتمتاز سورة يوسف بأنها تناولت قصته كاملة من أولها إلى نهايتها، حيث شرحت أمره مع أبيه ومع أخوته في صغره وشبابه وكهولته في فقره وفي غناه، وبينت كيف تآمر عليه إخوته، حتى ألقوه في غيابة الجب، وكيف التقطه بعض المسافرين وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، وأَنه تربى في بيت عزيز مصر، ونشأ فيه نشأة عبد مملوك، وأن جماله في شبابه أغرى به زوجته فراودته عن نفسه فاستعصم، فكادت له عنده، ودفع به كيدها إِلى السجن وعاش فيه بضع سنين، وكان معه فتيان، وفي ليلة رأيا في المنام رؤيا، وسألاه عن تعبيرها، فقال في تعبيرها: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وتحقق تأويله لرؤياهما فقتل أحد السجينين وصلب، وعفى عن السجين الثاني، وأصبح ساقيا لملك مصر، ولما رأى الملك رؤيا أزعجته وفشل الكهنة في تأويلها، علم من ساقيه مكانة يوسف في تعبير الرؤيا، فاستدعاه فعبرها تعبيرًا عرف منه الملك منزلته من العلم، وبرَّأته زوجة العزيز مما نسبته إِليه ظلما وجعله الملك على خزائن الأَرض
ثم بينت القحط الذي أصاب الناس وبينت كيف كان هذا سببا في حضور إخوته ليتزودوا من الطعام الذي خزنه يوسف ليكون قوتا للناس في سبع سنين عجاف، وكيف خزنه حتى سلم من الآفات هذه المدة، وكيف عاد إليه أَبواه وإخوته، ثم رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا، إلى غير ذلك من غرائب هذه القصة التي تعتبر عبرا وعظات ينبغي أن ينتفع بها كل ذى عقل رشيد.
وقد بدئت السورة بثلاث آيات في بيان أحسن القصص، ثم جيء عقبها بقصة يوسف كاملة، وختمت بإحدى عشرة آية توضح أَهداف القصة والحكم المستفادة منها، ودلالتها الواضحة على نبوة نبينا محمد ﷺ .
стр. 2041
ومما يلاحظ في هذه السورة الكريمة أنها تصور الفضائل في أَسمى صورها مثل: صبر يعقوب على فراق يوسف ثم فراق أخيه، وصبر يوسف على ما قاساه من تعرض للهلاك بعد الأمان في حضن أبويه، وما عاناه من عبودية بعد الحرية، وما تعرض له من ظلم في غيابة السجن دون ذنب جناه.
ومن الفضائل الكبرى في القصة: العفة في أسمى صورها في يوسف ﵇، مع وفرة عوامل الإغراء والإغواء في شرخ الشباب، ومن الفضائل الكبرى التي أَبرزتها أيضا الثقة بالله وآثارها فإن يعقوب لم يفقد ثقته به، ولم يقنط من رحمته، ويوسف لم ييئس - وهو في قرارة السجن - من الفرج، وظل ثابت الإِيمان يدعو إِلى الله ويعتصم بتقواه، حتى بدل الله حالهما إلى أحسن حال.
كما أبرزت القصة فضيلة العفو والصفح الجميل الصادر من يوسف لإِخوته والاستغفار من يعقوب لأبنائه، ومقابلة الإِساءة بالإِحسان.
وكما صورت القصة الفضائل في أسمى صورها صورت أَيضا الرذائل في أبشع مظاهرها حيث صورت حقد إخوة يوسف عليه، وارتكابهم ما آذى أَباهم أَشد الإِيذاء، وما عرض أخاهم للهلاك، كما صورت استهتار زوجة العزيز وإصرارها كل الإصرار على الخيانة الزوجية وإنها لم تكترث بسوء القالة في حقها، ولما لم يستحب يوسف لرغبتها، أغرت به زوجها العزيز وحرضته على إلقائه في السجن ظلما وعدوانا.
وقد بينت سورة يوسف كما بينت سورة هود أن العاقبة للمتقين، كما بينت أن مع العسر يسرا وأن لكل شدة نهاية، وأَن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 2042
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾
التفسير
١ - ﴿الر﴾: أسماءُ حروف بدأ الله بها بعض سور (١) كتابه الكريم إشارة إلى أنه مكون من كلمات ذات حروف عربية كتلك التي يتأَلف منها كلام معارضيه - تحديا لهم أن يأتوا ممثله إن كانوا صادقين في دعواهم أَن الرسول تقوله، فإِذا عجزوا فمحمد مثلهم لا يقدر على مثله، فيجب الايمان حينئذ بأَنه من عند الله أنزله تأييدًا لرسوله.
وقيل هي سرّ بين الله وبين رسوله أَوحى الله به إليه ﵊ ولا يلزم علم جميع الأَنام بما يوحيه الله لأَنبيائه، فهم قد علموا من الأسرار القدسية ما لا تستطيع وعيه العقول البشرية العادية، روى عن أَبي بكر: لكل كتاب سر، وسر القرآن أَوائل السور. وقد تحدثنا عن هذه الفواتح في أول سورة البقرة وآل عمران وغيرهما مما تقدم.
стр. 2043
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: الإشارة إلى آيات هذه السورة، والمراد بالكتاب القرآن عامة والمبين من أَبان اللازم بمعنى بان وظهر، أي الظاههر أَمره في كونه حقا من عند الله، أو الواضح في معانه وأَغراضه.
أو هو من أبان غيره أَي أظهره، فهو يظهر حقائق الدين ومصالح الدنيا لمن تلاه وتدبر ما فيه. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ولا مانع من أن يكون المعنى عاما يشمل كل ذلك فيكون ظاهرًا في نفسه مظهرًا لغيره من الحقائق.
والمعنى: تلك الآيات الواردة في هذه السورة آيات من الكتاب الواضح في كونه من عند الله، الظاهر في معانيه وأغراضه، الموضح لحقائق الدين الحق، ومصالح الدنيا والآخرة.
ولما وصف الكتاب بما يدل على الشرف الذاتي من بعد منزلته ورفعة بيانه وحسن إبانته عقب ذلك بما يدل على الشرف الإضافى فقال:
٢ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي إنا أنزلنا هذا الكتاب على محمد قرآنا عربيا لتستطيعوا قراءته وتعقله وفهمه أيها العرب، وتكونوا دعاة لشرائعه في الأمة العربية وغيرها.
٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾:
آيات القرآن الكريم معجزة في جميع صورها، سواءٌ أوردت في صيغة خطابية أَم جدلية أم قصصية، والقصَص التربوى بصفة عامة يعطينا صورًا واضحة للفضائل والرذائل، حتى تترك آثارها العميقة في أغوار النفوس البشرية فتقبل على الفضائل لحسن عاقبتها، وتدبر عن الرذائل لقبح مصيرها.
وقد ساق الله القصص القرآنية، لنستفيد من روايتها مكارم الأخلاق ونتعظ بعظاتها وعبرها، حتى نكون بمأمن من عثرات الحياة ومنجاة من أَخطار الدنيا والآخرة، وسورة يوسف مليئة بالعظات والعبر، فلهذا تعتبر بحق أحسن القصص كما وصفها الله تعالى
стр. 2044
ومعنى هذه الآية ما يلي: نحن نروي لك يا محمد أحسن القصص الواقعى النافع في شتى نواحي الحياة، وإِن كنت من قبل إِيحائه إليك، لمن الغافلين عن هذه القصة، فم تخطر لك ببال، ولم يسبق لك بها علم.
قال القرطبي في بيان كون سورة يوسف أحسن القصص: مسألة اختلف العلماء لم سميت هذه السورة أَحسن القصص من بين سائر الأقاصيص، فقيل لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة، وبيانه قوله في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقيل سماها أَحسن القصص بحسن مجاوزة يوسف عن إخوته وصبره على أذاهم، وعفوه - بعد التقائهم - عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم حتى قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. وقيل لأَن فيها ذكر الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والجن والإِنس، والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن. وفيها ذكر التوحيد والفقة والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجُمَل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا.
ثم ذكر عن بعض أَهل المعاني أنه قال: إنما كانت أحسن القصص، لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة، انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته وامرأة العزيز - قيل - وللملك أَيضا، فقد أسلم وآمن بيوسف، وكذا مستعبر الرؤيا الساقى، والشاهد فيما يقال، فما كان أَمر الجميع إلا إلى خير. اهـ.
стр. 2045
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾
المفردات:
﴿يَا أَبَتِ﴾: بمعنى يا أبي، والتاء عوض عن ياء المتكلم.
﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يختارك ويصطفيك ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تفسير الأَحلام وبيان ما تؤول إليه.
﴿أَبَوَيْكَ﴾: المراد بهما الجدان إبراهيم وإسحق بن إبراهيم ﵉، وأَطلق عليهما أبوان لأن الجد أب لغة وعرفا وشرعا حيث يرث ميراثه عند فقده.
التفسير
٤ - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾:
هذه الآية الكريمة بداية للحديث عن قصه يوسف التي وصفها الله بأَنها أَحسن القصص ووعد بأنه سيقصها على نبيه محمد ﷺ .
والمعنى: واذكر يا محمد لمن يعارضون في نبوتك اذكر لهم قصة يوسف التي لا تعلمها أَنت ولا قومك، ليعلموا أنها عن وحي الله وأنت صادق في دعوى رسالتك: اذكر
стр. 2046
لهم حين قال يوسف لأبيه يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام: يا أَبي إني رأيت في منامى أحد عشر كوكبا من الكواكب السماوية، والشمس والقمر، رأيتها جميعا تركت مواقعها وسجدت لى. وكان إخوة يوسف ﵇ أحد عشر فجاءَت هذه الرؤيا مؤذنة بأَنهم سيسجدون ليوسف مع والديه المشار إليهما بالشمس والقمر فالشمس رمز إلى أبيه، والقمر رمز إلى أمه أَو بالعكس، وقد تحققت هذه الرؤيا تماما، كما بينه قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا … ﴾ (١).
والرؤيا الصادقة في النوم قد تكون من الله لأنبيائه فتكون وحيا، وقد تكون إلهاما للصالحين، قال صلى الله عليه رسلم: "الرُّؤيا الحسَنَةُ مِن الرجلِ الصالحِ جُزءٌ مِنْ سِتِّةٍ وَأَرْبَعينَ جُزْءا مِنَ النُّبُوةِ" أخرجه البخاري. وقال أيضا: "لَمْ يَبْق مِنَ النبوةِ إلاَّ المُبَشرَاتُ قَالُوا وَمَا المُبَشِّرَاتُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصالحُ أوْ تُرَى لَهُ" أخرجه البخاري. وليس بلازم أن تكون الرؤيا الصادقة خاصة بأهل الدين الحق، فقد يراها غيرهم ويغلب على الظن، أَنها حينئذ لا تكون صريحة بل مؤولة، كتلك التي رآها ملك مصر الوثني، وهى رؤيته سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأَخر يابسات، وقد أولها يوسف ﵇ بسبع سنوات خصبة تأتي بعدها مثلها جدباء.
وأحيانا يستدل بها على أمراض معينة، ولهذا كان أطباءُ اليونان يعتمدون عليها في تشخيص المرض عند المريض، وكان بعض قواد الرومان يعتمدون على رؤاهم في وضع خططهم الحربية، لأَن لديهم تجارب صحيحة في تأويلها: انظر مادة الرؤيا في دائرة المعارف للأستاذ محمد فريد وجدى وأحيانا تكون الرؤيا أخلاطا متباينة وهى المعبر عنها بأضغاث الأحلام وتلك هي التي لا يعرف المعبرون تأويلها لخروجها عن القواعد التي ألفوها في تعبير الرؤى - والله تعالى أعلم.
стр. 2047
وقد استفيد من هذه الآية وما بعدها ما يأتي:
أَولا: أن إخوة يوسف كانوا يعرفون تأويل الرؤى، ولذا حذره أبوه من أَن يقص رؤياه عليهم حتى لا يكيدوا له بسبب ما يفهمونه من المعاني التي تشير اليه، وهى السمو والرفعة، وأَن تكون أسرته مرءوسة له وهو رئيسهم، إلى غير ذلك من ألوان العز المنتظرة له.
ثانيا: أَن تعبير الرؤيا أَمر يقره الشرع ولا ينهى عنه وأنه حقيقة علمية يمكن الانتفاع بها، فقد أَشار والده إِلى مآل رؤياه وتعبيرها، إشارة غير خفية، إذ أفهمه أن إِخوته إِذا سمعوها أَولوها برفعة له مستقبلا وأَنهم لذلك سوف يكيدون له، كما دلت الآية الثانية على أَنه تعالى سيعلم يوسف من تأويل الأَحاديث أَي تعبيرها، وأن ذلك من تمام النعمة عليه.
وقد جاءَ في فضل الرؤيا الصادقة قوله ﷺ : "لَمْ يَبْقَ بَعْدِى مِنَ المُبَشِّرَاتِ إلا الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ الصَّادِقَةُ يَرَاهَا الرَّجُل الصَّالحُ أَوْ تُرَى لَهُ".
وقال: "الرُّؤْيا جزْء مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزْءًا من النبُوةِ". والحديثان صحيحان وليس بلازم أَن تكون الرؤيا الصادقة جزءًا من النبوة دائما، فقد وقعت من بعض الكفار وممن لا يرضى دينه، كرؤيا ملك مصر الوثني سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورؤيا السجينين الوثنيين في السجن: وسيأتي في هذه السورة بيان تلك الرؤى وتأويلها، ورؤيا بختنصر التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي ﷺ ، وإِن كان وقوعها من هؤلاء وأَمثالهم على سبيل الندرة والقلة (١).
كما أنه ليس بلازم أَن يكون الأخبار بالغيب ناشئا عن نبوة. فقد يخبر الكاهن بخبر غيبي فيصدق، بممارسة بعض أنواع الرياضات الروحية. أو استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من الملأ الأعلى، ويفلتون من الشهب الراصدة التي يقذفون منها من كل جانب.
стр. 2048
ثالثا: أفاد قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ أنها لا تقص على غير شقيق ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها، قيل لمالك: أيَعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال أبِالنُّبوة يلعب؟
وقال أيضا: لا يعبر الرؤيا إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أَو ليصمت، قيل فهل يعبرها على الخير وهى على المكروه، لقول من قال: إنها على ما تأولت عليه فقال: لا. ثم قال: الرؤيا جزءٌ من النبوة فلا يتلاعب بالنبوة.
رابعا: أفادت أيضا أن للمسلم أن يحذر المسلم ممن يخافه عليه ولو مسلما أو ابنا ولا يكون بذلك داخلا في إثم الغيبة، لأن يعقوب قد حذر ابنه يوسف من أولاده الآخرين من إن يقص رؤياه عليهم حتى لا يكيدوا له، كما أنه يستفاد ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا، وفي ذلك يقول ﷺ : "اسْتعِينُوا عَلى إنجاحِ حَوَائِجِكُم بالكِتْمانِ فإِنَ كلَّ ذِى نِعْمةٍ مَحْسُودٌ".
٥ - ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
لما سمع يعقوب من يوسف رؤياه، أدرك أَنها إِلهام من الله وبشرى بأن يوسف ينتظره مستقبل سعيد يجعله رئيسا كبيرا، وأن أسرته جميعا ستكون في جملة من يعظمه كما أدرك أن إخوته إن علموا برؤياه هذه يكيدون له يدبرون المكايد حسدا له، كما حدث من قابيل مع أَخيه هابيل، حيث قتله من أَجل امرأة، وأحدث بذلك أول جريمة بشرية على الأرض، ولهذا أَوصى أبنه يوسف قائلا: يابنى لا تخبر إِخوتك برؤياك التي تشير إلى رفعتك عليهم، فيحرضهم الشيطان عليك فيكيدوا لك كيدا شديدا، أن الشيطان للإنسان عدو بين العداوة، واضح الكراهية، حريص على إِشعال النار بين أفراده، أقارب كانوا أو أَباعد، تنفيذا لوعيده لآدم:
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
стр. 2049
٦ - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ … ﴾:
المراد بالتشبيه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ بيان المماثلة بين الصورة المرئية في عالم المثال - وهى التي حدثت في المنام - وبين الذي سيقع في عالم الشهادة والواقع.
والمعنى: ومثل هذا الاجتباء والاصطفاء العظيم الذي شاهدته في عالم المثال والنوم، حيث بدا لك يا يوسف أنه تعالى سخر لك تلك النيرات العلوية فخضعت لك، مثل هذا الاجتباء وعلى سنته يسخر لك الله وجوه الناس ونواصيهم - ومنهم أَهلك - مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة، ويصطفيك ربك لجنابه على أشراف الخلائق وسراة الناس قاطبة. فيجعلك رسولًا وملكا على عرش مصر دون سواك، ويبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة والواقع، حسبما عاينته مناما من غير قصور.
﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾:
المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤى، فإن الرؤى أحاديث الملك إِن كانت صادقة واضحة، أو أحاديث النفس أو الشيطان إن كانت غير ذلك.
وكما بشر يعقوب ابنه يوسف ﵉ بأنه تعالى سيصطفيه للرسالة والملك، بشره أيضا بأنه سبحانه سيعلمه من تأويل الأحلام، مشيرا بذلك إلى السببيل الذي سيسلكه حتى يصل إلى العز الدنيوى المدخر له، فإنه وصل إليه عن طريق تعبير الرؤيا لصاحبي السجن، ثم رؤيا الملك، وهذا العز الذي سيؤول أَمر رؤياه إليه، هو بعض ما عبر عنه بإتمام النعمة في قوله تعالى:
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾:
فإنه شامل لعز النبوة والملك، والمراد من آل يعقوب بنوه، وحفدته، وإتمام النعمة بهذه الرؤيا على آل يعقوب لأنها مؤذنة بأنهم سيكونون كواكب يهتدى بأَنوارهم، حيث خرج من ذريتهم الأنبياءُ كما أَنهم سوف ينالون من عز يوسف وجاهه وماله حيث سجدوا له وخضعوا لسلطانه، وكل ذلك سيحدث ويتم به الله نعمته عليك يا يوسف وعلى آل يعقوب.
﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾:
стр. 2050
إِسحق جد يوسف الأَول وإبراهيم جده الثاني، وإطلاق لفظ الأب عليهما لغة وعرفا من شرعا لأَن الجد أب، وإتمام النعمة على إبراهيم باتخاذه خليلا وإنجائه من النار ومن ذبح ولده، وإتمامها على إِسحق بنبوته ونبوة ولده يعقوب، وجعل الأنبياءَ في ذرية ولده يعقوب. واعلم أَنه لا يجب في التشبيه أن يطابق المشبه المشبه به من كل وجه فيكفى فيه وجود بعض الصفات مشتركة بينهما.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
هذه الجملة مستأنفة لتحقيق مضمون الجمل المذكورة، أَي يفعل ما ذكر لأنه محيط العلم بكل شيء فيعلم من يستحق الاجتباء وما يتفرع عليه من النعم، حكيم فيما يقدره ويشاؤه، فيكون دائمًا موافقا للصواب مجانبًا للخطأ.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾
المفردات:
﴿عُصْبَةٌ﴾: أي جماعة، وتطلق لغة على الجماعة من الرجال عشرة صاعدًا، اطلق عليهم ذلك، لأَن الأمور تعصب بهم (١) أَي تشتد بهم وتقوى.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: خطأ بين واضح، وأصل الضلال البعد عن الطريق الموصل إلى الغاية.
стр. 2051
التفسير
٧ - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾:
بينت الآيات السابقة أَن يوسف ﵇ أَخبر أباه برؤياه وأن والده أولها برفعة شأنه في مستقبل حياته، فلهذا أَوصاه أَن لا يقص رؤياه على إِخوته فيكيدوا له كيدًا، لأن الشيطان للإنسان عدومبين، وجاءت هذه الآية وما بعدها إِلى آخر السورة لتحدثنا عن كيد إِخوته له، لما رأوه من حب أَبيه له أكثر من حبه لهم، ولتذكر لنا ما آل إليه أَمر يوسف من علو الشأن وسمو المنزلة تحقيقًا لرؤياه، وما تخلل ذلك من أَحداث عظام، وآيات تلك السورة مترابطة ترابطًا مسلسلا وثيقًا، انفردت به عما سواها من سائر السور، لأنها تضمنت قصة واحدة متتابعة الحلقات.
والمقصود من إخوة يوسف إما جميعهم، ويدخل فيهم شقيقه بنيامين الذي احتجزه يوسف في مقابل صواع الملك - كما سيأتي الحديث عن قصته وَإمَّا إخوته لأبيه الذين كادوا له فلم يفلحوا، ورفعه الله مكانًا عليا، وعلى أي الوجهين ففيهم جميعًا آيات للسائلين.
والمقصود من السائلين إما كل من سأل عن قصتهم وعرفها، وإِما المشركون واليهود خاصة، فقد سألوا الرسول عنها امتحانًا له، وإما الطالبون للآيات والعبر ليتعظوا بها، لصفاء نفوسهم، دون غيرهم.
وإِليك المعاني وفقا لهذه الاحتمالات كما يلي:
المعنى الأول: لقد كان في قصة يوسف وإخوته جميعًا علامات عظيمة الشأن على قدرة الله تعالى الباهرة لكل من سأل عن قصتهم وعرفها، فإنها تدل على أنه تعالى لا يصلح عمل المفسدين، وأنه وحده هو الذي ينجي من أحاطت به أَسباب التهلكة، ويرفع من يشاءُ ويعز من يشاءُ ويذل من يشاء، ويحقق الأمل بعد اليأس.
المعنى الثاني: لقد كان في قصة يوسف وإِخوته علامات واضحة على نبوة محمد ﷺ لمن سأله عنها من المشركين واليهود، حيث أخبرهم بها على ما هي عليه من غير
стр. 2052
سماع من أَحد ولا قراءة في كتب، وهذا قاطع بأن الذي نبأه بها هو العليم الحكيم، تأييدًا لرسالته ودليلا على صحتها.
المعنى الثالث: لقد كان في أحداث قصة يوسف وإخوته علامات واضحات لطالبى العبرة الذين يتعظون بآيات الله تعالى، فتخبت لها قلوبهم، وتنصرف بها إلى مرضاة الله نفوسهم، فهى تحرك القلوب الراكدة وتنبه النفوس النائمة، إلى أن الملك لله، لا يجري فيه حدث إلا بمشيئته، ولا يحيق المكر السيءُ إلا بأَهله، ولا يستطيع أحد أن يضع من رفعه الله، إلى غير ذلك من العظات.
٨ - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
اذكر أيها السائل عن قصتهم حين قال بعضهم لبعض: والله ليوسف وأخوه الشقيق (بنيامين) أحب إِلى أبينا منا مع أننا جماعة قوية يشتد بنا ساعده، فما باله يحبهما أكثر من حبه لنا، ويؤثر القلة على الكثرة؟ إن أبانا في ترجيحهما في المحبة علينا لفي بعد عن طريق العدل بين واضح، وخطأ في الرأى جلى بعد به عن الصواب، وفاتهم أن الفضل في الرجال ليس بالكثرة بل يسمو الروح، وصفاء النفس وغلبة الخير، وكل ذلك كان في يوسف وشقيقه بنيامين وقد اجتمع إِلى ذلك ما دلت عليه رؤيا يوسف ﵇ من الجاه العظيم والعز الرفيع الذي ينتظره عند الله والناس، فكان ذلك كله باعثا على أن يؤثرهما يعقوب ﵇ بمزيد من الحب، أكثر من بقية إخوتهما، فحقدوا عليهما وتآمروا على يوسف ليخلوا لهم وجه أبيهم حيث إِنهم يرونه السبب الأول في عدم اهتمامه بهم دون بنيامين، فلذا أفردوا يوسف بالتآمر على قتله، وذلك ما حكاه الله عنهم بقوله:
٩ - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾:
أي وقال بعضهم لبعض أيضًا: اقتلوا يوسف بأي وجه من وجوه القتل أو ألقوه في أرض مجهولة بعيدة عن بلادنا بحيث لا يستطيع الرجوع، فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه، فإن فعلتم واحدًا منهما.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: ويفرغ لكم فلا ينازعكم فيه أحد.
стр. 2053
وخلو وجهه لهم كناية عن إقباله عليهم بوجهه وإيثارهم بحبه حيث لا ينازعهم في ذلك أحد.
﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾:
المراد من صلاحهم صلاح أمرهم مع أبيهم، وانتظام شئون دنياهم.
والمعنى: اقتلوا يوسف أَو ابعدوه عن أرضنا بحيث لا يستطيع الرجوع إليها، يفرغ لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعد التخلص منه قومًا صالحين مع أبيكم، بأن يكون اكثر حبّا لكم وإقبالًا عليكم، وأن تنتظم معه شئون دنياكم فيكثر من بركم وإِغداق الخير عليكم، بعد يأسه من عودة يوسف، وخفاءَ أمره عليه.
وفسر الكلبي صلاحهم بتوبتهم إلى الله تعالى مما فعلوه بيوسف، ويبعده أن المتآمر على قتل أخيه لا يعقل أنه يفكر حين تآمره في مرضاة الله كما أنه لا يظن أن مثل هؤلاء يفكرون في صلاح أمرهم بالتوبة إلى الله، وهم يعلمون أن شرائع الله تعالى أجمعت على الحكم الذي جاءَ في سورة النساء، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١) فهو من الأَحكام التي لا تختلف فيها الشرائع، وقد نشأوا في بيت النبوة فلا يخفى هذا الحكم عليهم، فالصواب أن الصلاح الذي أرادوه هو صلاح دنياهم، وهو الذي دعاهم إلى التفكير في التخلص من يوسف، فهم طلاب دنيا وليسوا أهل تقوى.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ المفردات:
﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: الجب البئر قبل أن يبني محيطها، وأطلقه بعض اللغويين على البئر مطلقًا، وغيابة الجب: قاعه، وفسره الهروي بكهف أَو طَاق فيه فوق الماء، وأطلق عليه غيابة لأنه يغيب ما فيه عن العيون. ﴿السَّيَّارَةِ﴾: الجماعة التي تسير.
стр. 2054
التفسير
١٠ - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾:
لا يزال مجلس التآمر منعقدًا، ولكنه لم يخل من وجود داع من دواعي الخير في قلوب بعض الإِخوة، إذ أراد صرفهم عن الجريمة البشعة إلى ما يحقق غرضهم من الإبعاد، ولكنه يبقى على حياة أخ صغير لا حول له ولا قوة ولابد أن الجب الذي اقترح إلقاء أخيه.
فيه كان معروفًا لهم وكان ضحل الماء حيث يبقى على حياة أخيه يوسف حتى يلتقطه بعض السيارة، فلذا قال لهم: ألقوه في غيابة الجب ولم يقل ألقوه في غيابة جب (١).
ويلاحظ أن ما قاله الهروى من أن غيابة الجب كهف فيه لا يناسب هنا، فإن إِلقاءه من أعلى الجب يوصله إلى قاعه لا إِلى كهف فيه فوق الماء كما قال، وخاض بعض المفسرين في تعيين صاحب هذا الاقتراح، فالسدى يقول هو (يهوذا) وقتادة وابن اسحاق يقولان هو رابيل، ومجاهد يقول هو شمعون، إلى غير ذلك ولم نجد سندًا لواحد من هؤلاه المفسرين، فلذا لا نستطيع تعيينه، وإنما لم يذكر واحد منهم باسمه في الآية سترًا على المسيء، وكل واحد منهم لم يخل من الإساءَة، ولكن مراتبها تتفاوت.
والمعنى: قال قائل منهم عز عليه قتل أخيه بلا ذنب جناه، لا تقتلوا يوسف قتلا مباشرًا - ولا تطرحوه في أرض يتعرض فيها للموت، ولكن ألقوه في قاع البئر المعررفة لنا بقلة مائها، فإِن فعلتم ذلك يلتقطه حيا بعض الجماعات السيارة في الصحراء حين يدلون بدلائهم فيها ليستقوا منها، فيتعلق بها فيبعدوه عن بلادنا إلى حيث يجد رزقه ويبقى حيا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾:
أي إن كنتم مصرين على إبعاده عن أَبيه ليخلو لكم وجهه، فاعملوا بمشورتي، ليتحقق لكم مرادكم، ويبقى أخونا حيا فلا نأثم بقتله.
стр. 2055
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾
المفردات:
﴿يَرْتَعْ﴾: أصل الرتع أن تأكل وتشرب ما تشاء في خصب وسعة، وذكر الراكب أنه حقيقة في أكل البهائم. ويستعار للإنسان إِذا أَريد به الأكل الكثير اهـ.
والمراد به هنا نشاطه في الأكل المستتبع لحسن نموه، ولذا قرنوه باللعب، فإِنه يساعد على ذلك.
﴿لَيَحْزُنُنِي﴾: بفتح الياء وقرئ بضمها. وكلاهما بمعنى يجعلني حزينا.
التفسير
١١ - ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾:
بعد أن وافق إِخوة يوسف على ما عرضه عليهم أحدهم بإلقاء يوسف في غيابة الجب - بعد أن وافقوه على ذلك أخذوا في أسباب تنفيذه، ومهدوا لذلك بطلبهم من أبيهم أَن يوافق على خروجه معهم، إذ قالوا له استدرارًا لعطفه، واستجلابًا لقبوله. وبثا الثقة في قلبه: يا أَبانا أي شيء يجعلك لا تأمنا على أخينا يوسف وأنت أب لنا جميعًا ونحن إخوة شركاء في الانتساب إليك بالبنوة، وإنا جميعًا له لمخلصون نريد له الخير ونشفق عليه، يريدون بذلك استنزاله عن رأيه في حفظه منهم وتخوفه عليه
стр. 2056
من كيدهم لما بدا له من حسدهم ليوسف. وتعبيرهم بقولهم لأبيهم: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ الآية تؤذن بأنهم طلبوا قبل ذلك من أَبيهم أَن يخرج يوسف معهم، فلم يوافق على ما طلبوه، فقالوا هذه العبارة متعجبين من رفضه لطلبهم، مع أَنه أبوهم جميعًا وهم جميعًا أبناؤه، وأنهم يريدون الخير ليوسف ويشفقون عليه، ويؤكدون ذلك بما تضمنته جملة: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ من المؤكدات المختلفة (١)، ولم يتركوا أباهم يفكر فيما عرضوه عليه وأَشفقوا من أَن لا يجيبهم إلى ما طلبوه فلاحقوه بما يسد عليه باب الرفض، وذلك قولهم له فيما حكاه الله عنهم.
١٢ - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾:
يريدون بذلك المقال أن يسدوا عليه باب التفكير في رفض طلبهم، حيث حددوا له فيه اليوم التالى لذهابه معهم، وطلبوا ذلك منه طلب الواثق من الإِجابة، وعَيَّنوا له الغرض الذي طلبوه من أجله، وهو إن يرتع ويلعب معهم، وكلاهما يحبه الأب لأطفاله، ويحبه الأطفال لأنفسهم وأكدوا أنهم جميعًا له حافظون.
والمعنى أرسل معنا يوسف في رحلة رياضية، يأكل ما يشتهى فيها، حيث يطيب الطعام في الرحلة، ويلعب ما يشاءُ من ألوان اللعب النافع لبدنه وروحه، كالاستباق والاصطياد وأَلعاب الفروسية، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وما نظن أنك تخيب رجاءَنا أَو تشك فينا بعد الذي شرحناه لك.
فلما انتهوا من التماسهم أجابهم أَبوهم بما حكاه الله بقوله سبحانه:
١٣ - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾:
طوى يعقوب في نفسه ما يشعر به من كيدهم ليوسف، وقال معتذرا مشفقًا عليه: إني ليحزنني ويؤلمنى أن تذهبوا به ويكون بعيدًا عني لشدة شفقتي عليه، وقلة صبرى عنه، وأَخافُ أن يأكله الذئبُ، وأَنتم عنه غافلون.
стр. 2057
ولم يصرح لهم بما يراه من سبب غفلتهم حتى لا يتهمهم صراحة بالتقصير في شأنه، وقلة مبالاتهم به، بل تركهم يحملونه على نحو اشتغالهم عنه بما خرجوا من أجله، وهو الرتع واللعب، فأجابوه بما يفيد أَنهم لن يغفلوا عنه، ولن يشغلهم عن حفظه ما سيكونون فيه من الرتع واللعب، لكي يطمئن عليه ويرسله معهم، وقد حكى الله ذلك بقوله:
١٤ - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
أي قالوا لأَبيهم ليطمئنوه على يوسف إن خرج معهم: والله لئن أكله الذئب وهو معنا في هذه الرحلة ونحن جماعة محيطون به يشد بعضنا بعضا، لئن أكله الذئب ونحن كذلك إنا حينئذ لخاسرون سمعتنا وكرامتنا بين قومنا، ونحن لا نقبل على أنفسنا هذا الهوان.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾
المفردات:
﴿أَجْمَعُوا﴾: أي عزموا - يقال: أجمع الأمر وعليه أي عزم فيه.
التفسير
١٥ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ … ﴾ الآية.
تقدم بيان أَن إخوة يوسف من أبيه تشاوروا فيما بينهم في الطريقة التي يتخلصون بها من يوسف ﵇، لأنه يستحوذ على معظم حب أَبيه يعقوب، وهم يريدونه لهما وحدهم، وأنهم لذلك طرحوا اقتراحين لاختيار أحدهما، (أَولهما) أَن يقتلوه قتلا مباشرا، (وثانيهما) أَن يلقوه في مكان بعيد يصعب عليه فيه العودة إلى أَبيه.
وذكرنا أن أحدهم نهاهم عن قتله، واقترح عليهم أن يلقوه في غيابة الجب، وأنهم وافقوا على اقتراحه هذا وأَخذوا في تنفيذه، فبدأوا يعتبون على أَبيهم أنه لا يأمنهم على يوسف مع أَنهم له ناصحون، وطلبوا منه أَن يرسله معهم إلى مراعيهم التي بها مواشيهم،
стр. 2058
حيث يرتع ويلعب - أَي يتسع في الطعام فيأكل ما يشاءُ، ويلهو معهم، وتعهدوا بأنهم له حافظون، ولما أظهر لهم خوفه من إهمالهم له، حتى يأكله الذئب وهم عنه غافلون أَكدوا له أنهم سيحرسونه فهم عصبة وجماعة قوية، فلن يستطيع أن يأكله منهم، وأنه لو أكله منهم وهم كذلك خسروا سمعتهم وكرامتهم بين الناس، لأنهم لم يستطيعوا أَن يحفظوا أَخاهم وهم عصبة، فوافقهم على ذهابه معهم، بعد كل هذه التوكيدات منهم.
وقد بينت هذه الآية، أنهم نكثوا عدهم مع أبيهم وفيما يلى معناها:
فلما ذهب إخوة يوسف به من عند أَبيهم بعد ما زعموا له أنهم ليوسف ناصحون حافظون، وقد أَجمعوا في قرارة نفوسهم أن يلقوه في الجب الذي يجعله غائبا عن أَعين طالبيه - فلما ذهبوا به وهم على هذا الإِجماع. نفذوا ما أَجمعوا أمرهم عليه، وألقوه في غيابة الجب، وخانوا أَباهم ونكثوا معه عهدهم، وأوحى الله إلى يوسف ﵇، وهو في محنته هذه، تبشيرا له بما يؤول أمره أليه. وإِيناسا له وإزالة لوحشته، لتتخلصن مما أنت فيه يا يوسف من سوءِ الحال وضيق المجال، ولتخبرن إخوتك بما فعلوه بك، وهم لا يشعرون - وأنت تخبرهم - بأَنك أنت يوسف الذي القوه في غيابة الجب، لأنك تحدثهم وأنت في حال رفيعة المقدار جليلة الهيبة، حيث تكون على أريكة الملك وهم في ذلة الحاجة إليك، وذلك ما سيحكيه الله مجملا بقوله في هذه السورة ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
والمؤرخون يتحدثون عما فعله إخوته معه قبل إلقائه في الجب في شتم ولطم وضرب حتى أوشكوا أن يقتلوه، وأَن قلوبهم لم ترق لاستغاثته بكل واحد منهم وبكائه من شدة قسوتهم، بل نزعوا قميصه، ليلطخوه بالدم بعد عودتهم إلى أبيهم بلونه، وجعل يطلبه منهم ليتوارى به فلم يكترثوا بطلبه، ثم دلوه في البئر حتى بلغ نصفها فتركوه ليقع في البئر،
стр. 2059
وأنهم كانوا يقولون له شامتين، ادع الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر التي سجدت لك لتؤنسك في قاع هذا البئر، إلى غير ذلك من التفاصيل البشعة.
وبما أن هذه التفاصيل لم نجد لها سندا، فلهذا لا نستطيع الجزم بها وإن كنا لا نستبعدها، فإِن من أرادوا قتله، لا يبعد عليهم أن يصنعوا ما هو دونه.
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾
المفردات:
﴿عِشَاءً﴾: أول الظلام، وقيل من المغرب إلى ثلث الليل ويسمى العتمة.
﴿مَتَاعِنَا﴾: ما نتمتع به من الثياب والطعام ونحوهما.
﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: بمصدق لنا فيما نقوله.
﴿سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أي سهلته لكم حتى ارتكبتموه.
التفسير
١٧،١٦ - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾:
وبعد ما اقترفوا جريمتهم بإلقاء يوسف في غيابة البئر، جاءُوا أباهم ليلا يتصنعون البكاء، وشرحوا له سبب بكائهم قائلين:
стр. 2060
يا أَبانا ذهبنا في مرتعنا الذي كنا نرتع فيه، ذهبنا نتسابق في العدو والرمي، وتركنا يوسف عند متاعنا وخصائصنا التي نتمتع بها من الثياب والأزواد وغيرهما حيث المكان أَمين في ظننا - فأكله الذئب فور تركنا يوسف، وقبل أن يمضي زمن يعتاد فيه التعهد والتفقد، فنحن لم نقصر بعدم وضعه في مكان أمين. ولم نغفل عن مراقبته، بل تركناه في مأمننا، ومجتمع أَمتعتنا التي نحرص عليها، وعلى مرأَى منا، وما فارقناه إلا زمنا يسيرًا، وبيننا وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان.
ولما كانوا يعرفون أَن إفكهم هذا لا يصدقه أبوهم قالوا عقب ذلك:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾:
أي وما أنت بمصدق لنا فيما قلناه ولو كنا عندك صادقين (١) لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن بنا، غير واثق بقولنا، وقد ذكر المفسرون والمؤرخون كلامًا كثيرا في هذا اللقاء الذي حدث بينهم وبين أَبيهم، ومن ذلك أنه لما سمع بكاءهم قال: ما بكم؟ أَجرى في الغنم شيءٌ؟ قالوا: لا، قال: فأين يوسف؟ قالوا: ذهبنا نستبق فأكله الذئب، فبكى وصاح وقال: أين قميصه؟ فلما جاءوه به ألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أَكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه، وقيل إِنهم لما قالوا له أَكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب، وروى أن يهوذا لما رأى ذلك قال: ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا، وقتلنا أَبانا، فم يفق يعقوب إلا ببرد السَّحر، إِلى آخر ماقيل مما لم نجد له سندا، فلهذا لا نستطيع القطع به.
стр. 2061
ويستفاد من الآية أَن بكاءَ المرء لا يدل على صدق مقاله، فما أكثر البكاء المصنوع، ويستفاد منها أيضًا أن الاستباق مشروع.
قال ابن العربي: المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على الحرب، وقد فعلها النبي ﷺ بنفسه وبخيله، وسابق عائشة على قدميه فسبقها، فلما كبر رسول الله ﷺ سابقها فسبقته، فقال لها: "هذه بتلك".
وقد أجمع المسلمون على أن السبق لا يجوز على وجه الرهان إِلا في الخف والحافر والنصل، قال الشافعى: ما عدا هذه الثلاثة فالسبق فيها قمار اهـ.
والأصل في ذلك قوله ﷺ : "لَا سَبْقَ إلَّا في نَصْلِ أوْ خفٍّ أوْ حَافِر".
وقد زاد أبو البختَرِى القاضى كلمة "أو جناح" في روايته لهذا الحديث، يريد بزيادتها إرضاء الرشيد حيث كان يتسابق بالحمام فكشف الرشيد وضعه، وأَقصاه من مجلسه وامتنع العلماء من كتابة حديثه، ووصموه بالوضع وتعمد الكذب على رسول الله ﷺ .
١٨ - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ .. ﴾:
أي وجاءُوا بعد إخبارهم أباهم بأكل الذئب ليوسف، جاءُوا بقميصه ملوَّثًا بدم مزور مكذوب في شأنه، حيث زعموا أنه دم يوسف أثناء افتراس الذئب له، يريدون أَن يجعلوه برهانًا على صدقهم فيما زعموه من أَكل الذئب له، ولكنه لم يقتنع بأَن هذا الذي فوق القميص دم ولده يوسف وقال:
﴿ … بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾:
أي ليس الأمر كما زعمتم من أكل الذئب له، بل سهلت لكم أنفسكم الكارهة له أمرًا منكرًا فظيعا نحوه لا يعلمه إلا الله فصبر منى جميل، لا تشوبه منى شكوى لغيره جل وعلا.
стр. 2062
ولما كان الصبر الجميل الذي أَلزم نفسه به، لا يقوى عليه وهو رازح تحت خطبه الجسيم، فلهذا استعان عليه بربه قائلًا:
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾:
أي والله هو المطلوب منه العون لى على احتمال ما تقولونه في شأن يوسف كذبًا.
واعلم أن الوصف في اللغة ذكر الشيء بنعته، وهو قد يكون صدقًا، وقد يكون كذبًا، والمراد به هنا الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١).
قال الآلوسي: بل قيل إن الصيغة غلبت في ذلك ونحن نقول: إن من هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ (٢).
روى ابن عباس وغيره أن يعقوب ﵇ لما تأمل القميص فلم يجد فيه خرقًا ولا أثرًا استدل بذلك على كذبهم وقال لهم: متى كان الذئب حكيمًا، يأكل يوسف ولا يخرق القميص؟
وروى عنه أيضًا أنه قال: كان الدم دم سخلة (٣)، وأن يعقوب لما نظر إلى القميص قال: كذبتم، لو كان الذئب أكله لخرق القميص.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾
المفردات:
﴿سَيَّارَةٌ﴾: جماعة تسير. ﴿وَارِدَهُمْ﴾: الوارد، هو الذي يرد الماءَ ليستقي منه، والضمير في: ﴿وَارِدَهُمْ﴾ يعود على السيارة بحسب المعنى، أي وارد القوم الذين يسيرون، ولو رجع إلى السيارة بحسب اللفظ لقيل: واردها، وكلاهما جائز لغة.
стр. 2063
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: أي أَرسلها إِلى الجب ليملأها، وأما دلاها فمعناهُ جذبها ليخرجها. ذكره القاموس، وحكاه القرطبي عن الأصمعى وغيره.
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: وأخفوه متاعًا للتجارة، وسمى مال التجارة بضاعة، لأنه بضعة من المال العام - أي قطعة منه.
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: أي باعوه بثمن مبخوس - أي منقوص من بخسه إِذا نقصه.
﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: أي دراهم قليلة. ومن هذا المعنى قوله تعالى في شأن، قلة أَيام الصيام ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: أَي من الذين لا يرغبون فيما بأَيديهم.
التفسير
١٩ - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾:
أي وبعد إلقاء يوسف في البئر وعودة إخوته إلى أَبيهم جاءَت جماعة من المسافرين إلى مصر، ونزلوا قريبًا من هذه البئر التي القى فيها يوسف. فأَرسلوا الذي يرد الماءَ لهم عادة، ليستقي لهم من هذه البئر، فأرسل دلوه وأَنزلها في البئر ليملأها ماءً.
وأمسك بحبلها ليجذبها به، فتعلق يوسف بالحبل، فثقلت الدلو على الوارد، فأعانه على جذبها مساعدوه من الرفقة الذين جاءُوا معه ليستقوا لقومهم.
﴿قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾:
قال هذا الوارد الذي يستقي للجماعة السيارة مستبشرا فرحا، يا بشرى هذا غلام كأنه نادى البشرى، وقال لها أقبلي فهذا أَوانك، حيث فاز بنعمة خرجت له فجأَة من حيث لا يحتسب.
وظاهر الآية أنه قال: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قبل أن يخرج يوسف من البئر وبعد إدلاء الدلو، ولعلها لما ثقلث عليه حين انتزاعه إياها، خاطبه يوسف مستنجدا به لينقذه بإِخراجه من غيابة الجب، ويشبه أَن يكون هذا هو المتبادر، وإن كان يجوز أن يكون هذا القول بعد إخراجه إِياه واطلاعه على حسنه والله تعالى أَعلم.
стр. 2064
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾:
قلنا إِن واردهم الذي ذهب ليستقي لهم كان معه بعض الرفقاء ليعينوه في استخراج الماء وحمله إلى جماعتهم التي نزلت عن قرب من الجب، ويدل لذلك قوله تعالى:
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: بضمير الجماعة، كما تدل له طبيعة المهمة التي أرسل الوارد من أجلها، فإنها تقتضي أَن يقوم بها عدد منهم.
وبعد هذه المقدمة نقول: إن يوسف كان رائع الجمال، وقد جاءَ في حسنه قوله ﷺ في حديث المعراج بصحيح مسلم، "فإِذَا أَنا بِيوسُفَ إذَا هُو قَدْ أعْطِىَ شَطْرَ الحُسْنِ"، فلما رآه وارد الماء ومرافقوه في هذا الجمال عديم المثال ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: أَي أخفوه متاعا للتجارة، أَي - أخفوه - عن باقى جماعتهم التى أَرسلتهم لاستقاء الماءِ والمراد أنهم أَخفوا أمره عنهم، فلم يقولوا لهم إنهم أخرجوه من الجب حتى لا يشاركوهم في ثمنه إِذا باعوه لتجار الرقيق بمصر، بل قالوا لهم ما يجعل الأمر فيه لهم، كقولهم: إن أصحاب الماءِ أَعطونا إياه لنبيعه لهم بمصر ونرد لهم الثمن، ونقل القرطبى عن ابن عباس أَنه قال: أَسره إخوة يوسف بضاعة لما استخرج من الجب وذلك أنهم جاءُوا فقالوا: بئسما صنعتم هذا عبد لنا أَبقَ، وقالوا ليوسف بالعبرانية: إما أن تقر لنا بالعبودية فنبيعك من هؤلاء وإما أن نأخذك فنقتلك فقال: أَنا أقِرُّ لكم بالعبودية، فباعوه منهم وقيل غير ذلك - والله أعلم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾:
هذه الجملة وعيد لإِخوة يوسف على ما صنعوه بشأنه من تآمرهم على قتله، ثم إبداله بإلقائه في الجب، وتعريضة للعبودية.
٢٠ - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾:
كلمة (شرى) تستعمل تارة بمعنى اشترى وأخرى بمعنى باع، فهى تستعمل في الضدين
стр. 2065
وهي هنا بمعنى باع، أي وباعوه بثمن قليل ناقص عن القيمة التي تؤدي لأمثاله من الرقيق، وكان البائعون فيه من الزاهدين الذين لا يرغبون في بقائه معهم، وسبب ذلك أنهم التقطوه، والملتقط للشئ متهاون فيه لكونه لقطة، ولخوفه أَن يظهر له مستحق فينتزعه منه، فلهذا باعوه بالوكس لأول مساوم ليتخلصوا منه.
قال العلامة أبو السعود: ويجوز أن يكون معنى "شروه" الخ اشتروه من إخوته - على ما حكى - وهم غير راغبين في شرائه خشية ذهاب ما لهم لما طنّ (١) في آذانهم من الإباق، أي لما سمعوه من إِخوته من أنه عبدهم هرب منهم، فهم لهذا تساهلوا في ثمنه، ليتعجلوا التخلص منه قبل أن يهرب منهم، كما هرب عن بائعيه الذين زعموا أنه عبدهم وأنهم مالكوه.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾
المفردات:
﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾: أكرمي موضع ثِوَائِهِ أي إقامته - من ثوى بالمكان - أي أقام به -.
﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي جعلنا له فيها مكانًا ثابتا.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أي غالب على الأمر الذي يشاؤه، فلا يستعصى عليه مراده، أو معناه غالب على أمر يوسف، فهو الذي يتولاه ويدبره ولا يكله إلى غيره.
стр. 2066
التفسير
٢١ - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾:
وبعد أَن باعه الذين أخرجوه من البئر بثمن زهيد، قال الذي اشتراه منهم من أهل مصر لامرأَته: اجعلى محل ثوائه - أَي محل إقامته - كريمًا حسنًا مرضيًا، يريد من هذه العبارة تكليفها بإكرام يوسف على أَبلغ وجه، لأن إكرام محل إقامته بالعناية بشئونه، يستلزم إكرامه هو، فإن من قام بالعناية بمحل الضيف نظافة وفرشا، فإنما يفعل ذلك لأجل الضيف، فما ظنك بالعناية به هو شخصيًّا - فإنها تكون آكد وأعظم.
وهذا الذي اشتراه من أهل مصر هو عزيز مصر لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ … ﴾.
قال الضحاك: العزيز: هو ملك مصر، وقال ابن عباس: هو وزيره قطفير.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾:
وقد أوصى العزيز الذي اشترى يوسف امرأته بالعناية به والاهتمام بشأنه كله، وقال لها عسى أن ينفعنا في قضاء مصالحنا إذا تدرَّب وعرف مجارى الأمور، أو نتخذه لنا ولدًا، فيكون شأنه منَّا شأن ولد الصلب، وإنما قال العزيز ذلك لما تفرس فيه من مخايل الرشد والنجابة.
أَخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه وجماعة عن ابن مسعود ﵁ قال: "أفْرَسُ الناسِ ثَلَاثَة: العَزِيزُ حينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وَبنْتُ شُعَيْبٍ حينَ قالتْ لأبِيهَا فِى موسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأَبو بَكْرٍ حِينَ استَخْلفَ عُمَرَ".
стр. 2067
قال ابن العربى تعليقًا على هذا الخبر: عجبًا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر، وليس كذلك فما نقلوه، لأن الصّدِّيق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها والاطلاع على ما شاهده منه من العلم والمنة، وليس ذلك من طريق الفراسة، وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة - على ما يأتي بيانه في (القصص) وأما أَمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة، لأَنه لم تكن معه علامة ظاهرة .. اهـ (١).
وإنما قال العزيز: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأنه كان حصورًا لا يولد له كما قال ابن العباس، وابن إسحاق.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾:
أي وكما أنقذناه من إِخوته ومن الجب، وجعلنا له مكانا عظيما في قلب العزيز الذي اشتراه، حتى أمر امرأته دون سواها من خاصته بإكرام مثواه، جعلنا له مكانة رفيعة في أرض مصر، حيث عرف فيها بأخلاقه الرفيعة - إلى جانب ما أضفاه العزيز عليه من البنوة، وما أَعطاه الله إياه من الوجاهة - جعلنا له هذه المكانة في الأرض ليترتب عليها ما جرى بينه وبين امرأة العزيز قبل أن يسجن ولنعلمه بعض تأويل الأحلام، فتظهر براءَته مما نسبته امرأَة العزيز إليه، وليؤدى ذلك إلى المرتبة العليا، والرياسة العظمى كما سيأتي بيانه في رؤْيا السجينين ورؤيا ملك مصر، وكما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾:
أي والله غالب على أي أَمر يريده، لا يحول أحد دون تحقيقه، فإنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ويدخل في أمره تعالى شئون يوسف ﵇.
والضمير على هذا التأويل راجع في كلمة (أمره) إلى الله تعالى، وقيل: إنه عائد إلى يوسف، أي والله غَالب على أَمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيد كائد.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي الأمر كله لله تعالى، فيزعمون أن لهم من الأمر شيئا ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
стр. 2068
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
المفردات:
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ (١): استكمل قوته الجسدية والعقلية.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أعطيناه حكمة وفقها في الدين.
التفسير
٢٢ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:
علم من الآيات السابقة أن يوسف ﵇، كان في بيت عزيز مصر، يعامل معاملة كريمة، بوصية من العزيز، وأنه عومل هذه المعاملة رغبة في أن ينفعهم حينما يكتمل نموّه، أو أن يكون لهم ولدًا، لما كان يبدو عليه عن مخايل الرشد والنجابة وأنه تعالى مكن ليوسف في أَرض مصر بسبب ما فطر عليه من هبات الله التي حببته إلى أهلها وما أسبغه عليه العزيز من العناية في التربية، وقد جاءت هذه الآية لتبين لنا طرفا آخر من قصته، وذلك حين جاوز مرحلة الصبا إلى مرحلة الشباب وبلوغ الأشد، واختلف في المراد بالحكم والعلم في الآية، فمن قال: إنه أوتي النبوة صبيًا، وفسّر الآية بقوله: ولما بلغ أشده زدناه فهما وعلما، فوق النبوة وقد حمله على ذلك قوله تعالى في شأن يوسف قبل استخراجه من غيابة الجب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
стр. 2069
فالإيحاء هنا على رأيه هو إنزال الملك إليه بالوحي. ومن قال إن الإيحاء حينئذ كان إلهاما أو نحوه، فسر الحكم بالنبوة، العلم بعلم الدين، وإلى هذا ذهب ابن عباس حيث قال: الحكم النبوة، والعلم الشريعة.
ومنهم من فسر الحكم بالحكمة، وهي حبس النفس عن هواها، وصونها عما لا ينبغي، وفسر العلم بالعلم النظري، ومنهم من فسر الحكمة والعلم بالحكم بين الناس وعلم مصالحهم وشئونهم، فإن الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز، أمره أن يحكم بينهم، لما رأى من عقله وإصابته في الرأى. ويقتضيها هذا الخلاف، أن نفسر الآية الكريمة تفسيرًا يتفق مع ما سبق وما يليها، حيث يناسب المقام والمناخ الذي سيقت له، ولا يمنع من قبول أي رأي من هذه الآراء فنقول:
ولما بلغ يوسف منتهى قواه الجسدية والعقلية، وأصبح أهلا لتحمل أعباء الحياة والحكم بين الناس في قضاياهم المختلفة، وتوجيههم إلى الخير والبر والهدى، آتيناه حكمة في القول، وإصابة في الحكم وعلمًا غزيرًا، وبصرًا بالأمور، ومثل ذلك الجزاء الجميل، نجزي كل من يحسن في عمله.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾
المفردات:
﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾: المراودة؛ الرفق في الطلب، يقال في الرجل راودها عن نفسها، وفي المرأة، راودته عن نفسه.
стр. 2070
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: أحكمت إِغلاقها. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: هيت اسم فعل أمر بمعنى: أقبل وبادر، واللام في ﴿لَكَ﴾ للبيان - أن لك أقول هذا - كما في هلم لك، وقُرئَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء بمعنى تهيأت لك، فهو فعل ماض وفاعله.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أستجير بالله وأعوذ به معاذا مما تدعيننى إليه.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾: إنه سيدى الذي رباني.
﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أحسن إكرامي في مثواى ومقامي عنده فلا أَخونه.
﴿هَمَّتْ بِهِ﴾: عزمت وأصرت على مخالطته.
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: شرع يدفعها عن نفسه.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي حجته التي منعته من الانتقام منها.
التفسير
٢٣ - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾:
تحدثت الآيات السابقة عن شراء عزيز مصر ليوسف. وأنه أمر زوجته دون سواها أن تكرمه وتعنى به لعله ينفعهم أَو يتخذونه ولدًا. وأنه بذلك وبما كان عليه من العقل والوجاهة وحسن المعاشرة مع الناس مكن الله له في الأرض، وأنه لما بلغ أشده آتاه الله الحكمة والعلم، فاكتمل شبابه بالقوة والحكمة والعلم إلى جانب ما هو عليه من الجمال حتى بلغ شطر الحسن كما قال ﷺ .
وكانت امرأة العزيز ترى هذا كله أمامها، وتشعر في نفسها أنه جدير بالإعجاب والحب، فأعجبت به وأحبته وراودته عن نفسه كما جاءَ في هذه الآية الكريمة، أي طلبت منه مخالطتها: وأصل المراودة الطلب برفق ولين. ومن هذه المادة يطلق الرائد على طالب الكلإِ والماء، وصيغة المفاعلة تقتضى حدوث القعل من الجانبين كقاتل وضارب وصارع وغالب، ولكنها قد تستعمل من جانب واحد كما في مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب وغير ذلك، والمراودة هنا كذلك، فإنه. من زوجة العزيز ليوسف، أما هو فقد استعصم - كما سيأتي بيانه - وكما يشير إليه قوله تعالى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ فإنه يشير إلى أَنها تخادعه وتريد أَن تجذب عنه مطلبها، قال الزمخشري: أي فعلت ما يفعله