التفسير
٢١ - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾:
وبعد أَن باعه الذين أخرجوه من البئر بثمن زهيد، قال الذي اشتراه منهم من أهل مصر لامرأَته: اجعلى محل ثوائه - أَي محل إقامته - كريمًا حسنًا مرضيًا، يريد من هذه العبارة تكليفها بإكرام يوسف على أَبلغ وجه، لأن إكرام محل إقامته بالعناية بشئونه، يستلزم إكرامه هو، فإن من قام بالعناية بمحل الضيف نظافة وفرشا، فإنما يفعل ذلك لأجل الضيف، فما ظنك بالعناية به هو شخصيًّا - فإنها تكون آكد وأعظم.
وهذا الذي اشتراه من أهل مصر هو عزيز مصر لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ … ﴾.
قال الضحاك: العزيز: هو ملك مصر، وقال ابن عباس: هو وزيره قطفير.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾:
وقد أوصى العزيز الذي اشترى يوسف امرأته بالعناية به والاهتمام بشأنه كله، وقال لها عسى أن ينفعنا في قضاء مصالحنا إذا تدرَّب وعرف مجارى الأمور، أو نتخذه لنا ولدًا، فيكون شأنه منَّا شأن ولد الصلب، وإنما قال العزيز ذلك لما تفرس فيه من مخايل الرشد والنجابة.
أَخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه وجماعة عن ابن مسعود ﵁ قال: "أفْرَسُ الناسِ ثَلَاثَة: العَزِيزُ حينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وَبنْتُ شُعَيْبٍ حينَ قالتْ لأبِيهَا فِى موسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأَبو بَكْرٍ حِينَ استَخْلفَ عُمَرَ".
стр. 2067
قال ابن العربى تعليقًا على هذا الخبر: عجبًا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر، وليس كذلك فما نقلوه، لأن الصّدِّيق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها والاطلاع على ما شاهده منه من العلم والمنة، وليس ذلك من طريق الفراسة، وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة - على ما يأتي بيانه في (القصص) وأما أَمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة، لأَنه لم تكن معه علامة ظاهرة .. اهـ (١).
وإنما قال العزيز: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ لأنه كان حصورًا لا يولد له كما قال ابن العباس، وابن إسحاق.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾:
أي وكما أنقذناه من إِخوته ومن الجب، وجعلنا له مكانا عظيما في قلب العزيز الذي اشتراه، حتى أمر امرأته دون سواها من خاصته بإكرام مثواه، جعلنا له مكانة رفيعة في أرض مصر، حيث عرف فيها بأخلاقه الرفيعة - إلى جانب ما أضفاه العزيز عليه من البنوة، وما أَعطاه الله إياه من الوجاهة - جعلنا له هذه المكانة في الأرض ليترتب عليها ما جرى بينه وبين امرأة العزيز قبل أن يسجن ولنعلمه بعض تأويل الأحلام، فتظهر براءَته مما نسبته امرأَة العزيز إليه، وليؤدى ذلك إلى المرتبة العليا، والرياسة العظمى كما سيأتي بيانه في رؤْيا السجينين ورؤيا ملك مصر، وكما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾:
أي والله غالب على أي أَمر يريده، لا يحول أحد دون تحقيقه، فإنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ويدخل في أمره تعالى شئون يوسف ﵇.
والضمير على هذا التأويل راجع في كلمة (أمره) إلى الله تعالى، وقيل: إنه عائد إلى يوسف، أي والله غَالب على أَمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره، حتى لا يصل إليه كيد كائد.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي الأمر كله لله تعالى، فيزعمون أن لهم من الأمر شيئا ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
стр. 2068
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
المفردات:
﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ (١): استكمل قوته الجسدية والعقلية.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: أعطيناه حكمة وفقها في الدين.
التفسير
٢٢ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:
علم من الآيات السابقة أن يوسف ﵇، كان في بيت عزيز مصر، يعامل معاملة كريمة، بوصية من العزيز، وأنه عومل هذه المعاملة رغبة في أن ينفعهم حينما يكتمل نموّه، أو أن يكون لهم ولدًا، لما كان يبدو عليه عن مخايل الرشد والنجابة وأنه تعالى مكن ليوسف في أَرض مصر بسبب ما فطر عليه من هبات الله التي حببته إلى أهلها وما أسبغه عليه العزيز من العناية في التربية، وقد جاءت هذه الآية لتبين لنا طرفا آخر من قصته، وذلك حين جاوز مرحلة الصبا إلى مرحلة الشباب وبلوغ الأشد، واختلف في المراد بالحكم والعلم في الآية، فمن قال: إنه أوتي النبوة صبيًا، وفسّر الآية بقوله: ولما بلغ أشده زدناه فهما وعلما، فوق النبوة وقد حمله على ذلك قوله تعالى في شأن يوسف قبل استخراجه من غيابة الجب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
стр. 2069
فالإيحاء هنا على رأيه هو إنزال الملك إليه بالوحي. ومن قال إن الإيحاء حينئذ كان إلهاما أو نحوه، فسر الحكم بالنبوة، العلم بعلم الدين، وإلى هذا ذهب ابن عباس حيث قال: الحكم النبوة، والعلم الشريعة.
ومنهم من فسر الحكم بالحكمة، وهي حبس النفس عن هواها، وصونها عما لا ينبغي، وفسر العلم بالعلم النظري، ومنهم من فسر الحكمة والعلم بالحكم بين الناس وعلم مصالحهم وشئونهم، فإن الناس كانوا إذا تحاكموا إلى العزيز، أمره أن يحكم بينهم، لما رأى من عقله وإصابته في الرأى. ويقتضيها هذا الخلاف، أن نفسر الآية الكريمة تفسيرًا يتفق مع ما سبق وما يليها، حيث يناسب المقام والمناخ الذي سيقت له، ولا يمنع من قبول أي رأي من هذه الآراء فنقول:
ولما بلغ يوسف منتهى قواه الجسدية والعقلية، وأصبح أهلا لتحمل أعباء الحياة والحكم بين الناس في قضاياهم المختلفة، وتوجيههم إلى الخير والبر والهدى، آتيناه حكمة في القول، وإصابة في الحكم وعلمًا غزيرًا، وبصرًا بالأمور، ومثل ذلك الجزاء الجميل، نجزي كل من يحسن في عمله.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾
المفردات:
﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾: المراودة؛ الرفق في الطلب، يقال في الرجل راودها عن نفسها، وفي المرأة، راودته عن نفسه.
стр. 2070
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: أحكمت إِغلاقها. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: هيت اسم فعل أمر بمعنى: أقبل وبادر، واللام في ﴿لَكَ﴾ للبيان - أن لك أقول هذا - كما في هلم لك، وقُرئَ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء بمعنى تهيأت لك، فهو فعل ماض وفاعله.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾: أستجير بالله وأعوذ به معاذا مما تدعيننى إليه.
﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾: إنه سيدى الذي رباني.
﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أحسن إكرامي في مثواى ومقامي عنده فلا أَخونه.
﴿هَمَّتْ بِهِ﴾: عزمت وأصرت على مخالطته.
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾: شرع يدفعها عن نفسه.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: أي حجته التي منعته من الانتقام منها.
التفسير
٢٣ - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾:
تحدثت الآيات السابقة عن شراء عزيز مصر ليوسف. وأنه أمر زوجته دون سواها أن تكرمه وتعنى به لعله ينفعهم أَو يتخذونه ولدًا. وأنه بذلك وبما كان عليه من العقل والوجاهة وحسن المعاشرة مع الناس مكن الله له في الأرض، وأنه لما بلغ أشده آتاه الله الحكمة والعلم، فاكتمل شبابه بالقوة والحكمة والعلم إلى جانب ما هو عليه من الجمال حتى بلغ شطر الحسن كما قال ﷺ .
وكانت امرأة العزيز ترى هذا كله أمامها، وتشعر في نفسها أنه جدير بالإعجاب والحب، فأعجبت به وأحبته وراودته عن نفسه كما جاءَ في هذه الآية الكريمة، أي طلبت منه مخالطتها: وأصل المراودة الطلب برفق ولين. ومن هذه المادة يطلق الرائد على طالب الكلإِ والماء، وصيغة المفاعلة تقتضى حدوث القعل من الجانبين كقاتل وضارب وصارع وغالب، ولكنها قد تستعمل من جانب واحد كما في مطالبة الدائن ومماطلة المدين ومداواة الطبيب وغير ذلك، والمراودة هنا كذلك، فإنه. من زوجة العزيز ليوسف، أما هو فقد استعصم - كما سيأتي بيانه - وكما يشير إليه قوله تعالى: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ فإنه يشير إلى أَنها تخادعه وتريد أَن تجذب عنه مطلبها، قال الزمخشري: أي فعلت ما يفعله
стр. 2071
المخادع لصاحبه عن الشئ الذي لا يريد أن يخرجه من يده: يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه - الخ اهـ.
والمعنى: واحتالت امرأَة العزيز التي هو في بيتها حيث موضع التكريم والعناية، احتالت عليه وطالبته برفق وخديعة، أن يمكِّنها من نفسه فيخالطها مخالطة الرجل للمرأة، وغلَّقت الأبواب التي توصل إليهما وأحكمت إغلاقها، وقالت هيت لك (١) - أي أسرع (٢) والطلب موجه لك - فكأنها تقول إرادتي كائنة لك.
وقد وقعت هذه المراودة من نفس يوسف موقع الإِباء والرفض حيث قال لها: ﴿ … مَعَاذَ اللَّهِ﴾:
أي أعوذ بالله تعالى معاذا مما تريدين مني فهو أَمر منكر هائل يستعاذ بالله للخلاص منه ومن سوء عاقبته، وعلل رفضه، لمطلبها بما عسى أَن يصرفها عنه، ويدعوها إلى مراجعة نفسها والإقلاع عن خيانتها لزوجها، مما سمعته منه من أنه لا يصح أن يخونه وقد أَحسن إليه وذلك قوله لها.
﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: أي إن الأمر والشأن الخطير الذي يمنعني من إجابتك هو سيدي الذي رباني وأحسن تعهدى، حيث أمرك بإِكرامي فكيف أسئُ إليه بخيانته في حرمه.
واختار أبو حيان إن الضمير لله تعالى، والمعنى على هذا إن الله تعالى خالقى أَحسن مثواي بعطف قلب من أمرك بإكرامي: فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة ثم أيد يوسف امتناعه عن تلبية مطلبها وعلله بعلة أخرى فقال:
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: أَي إن الشأن في سنة الله في خلقه وعدالته هو أنه لا يفوز الظالمون في دنياهم وأخراهم، أما دنياهم فيعاقبون فيها بالعلل والأَسقام، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، وغير ذلك من الآفات وأما أخراهم فالجحيم والزمهرير، ومن فاتته عقوبة الدنيا، أدركته عقوبة الآخرة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (٣).
стр. 2072
٢٤ - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾:
حكت الآية السابقة موقف يوسف الحاسم أمام مراودة امرأَة العزيز له وطلبها مخالطته، وتهيئتها كل الأَسباب لاجتذاب ميله، وأولها تهيئة نفسها له ذاتا وثيابا وتغليقا للأبواب وآخرها دعوة رقيقة له بقولها تهيأت لك ولم أتهيأ لغيرك، ولا بد أن هذه الدعوة التي حكاها القرآن هي إجمال كريم لدعوة مختلفة الأساليب تجيدها المرأَة الوالهة، ويعف القرآن الكريم عن التصريح بها، وكان رد يوسف الحاسم عليها هو قوله لها:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾:
ولقد ظن يوسف أن هذا الذي قاله لها سيجعلها ترجع عن موقفها الشائن نحو زوجها ونفسها ونحو ربيب نعمتهم ذى الأخلاق الفاضلة التي لا تسمح له بالخيانة لرب نعمته، ولكنها لم ترعو عن غبها وانتهت إلى موقف آخر يتسم بالعزم والإصرار على تنفيذ جريمتها وهو ما حكته هذه الآية من قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: ولكنه ﵇ أصر على موقفه السلبى منها، وعزم على وضع حد لتشبثها. فمانعها وهمَّ بإيذائها، وفيما يلى معنى الآية على هذا التأويل الذي تطمئن له نفوسنا.
المعنى: ولقد همت امرأة العزيز بيوسف ﵇ تجذبه إلى نفسها، وتوسعه لوما على موقفه منها مع أنها هي التي طلبته وراودته، وأَذلت له نفسها، وهو في نظرها عبد لها وهي سيدته، ولكنه همَّ بها يدفعها عن نفسه وكاد يضربها لمزيد إصرارها على مخالطتة، لولا إن رأَى في ضميره برهان ربه يصرفه عن ضربها، لأنها آوته وأَكرمته، ولأنه لو ضربها لادعت أنه راودها، ولما امتنعت من إجابته ضربها، لولا ذلك لضربها وانتقم منها لهذه الجريمة التي دبرتها له وهو منها برئ ومعصوم.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾:
أي فعلنا مثل ذلك التثبيت بالبرهان مع يوسف ﵇ لنصرف عنه السوء. وهو ضرب من أكرمته وآوته، ولنصرف عنه الفحشاء التي دعته إليها - وهى المخالطة - إنه من عبادنا الذين أَخلصناهم لنا وهم آباؤه الذين أخلصهم ونقَّاهم
стр. 2073
من شوائب النقص، فقد قال الله تعالى فيهم ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ (١).
وفسرها بعض العلماء بقوله: ولقد همت به المرأَة ضربا - لأنه أذلها وحطَّم كبرياءها، وهم بها دفاعا عن نفسه. ولكن ما قلناه أولى، فإن حبها الشديد له وجذبها له من قميصه يمنع من أَنها تفكر في ضربه، ولهذا ترجح ما قلناه قبل ذلك، وقيل الهم منها عزم وإصرار على المعصية، ومنه مجرد خطور بالبال بمقتضى الطبيعة البشرية مع الاعتصام بالتقوى.
وسمى باسم الأول مشاكلة. ويدل لذلك أن الله تعالى مدحه بأنه من عباده المخلصين.
ولا يكون ذلك إلا مع سلامة الإرادة وقوة الوازع المتمثل في برهان ربه. وهذا ليس قادحا في العصمة. فإنه تعالى هو العاصم وقد عصمه ببرهانه، وهو الحجة التي أقامها الله في نفسه على التحريم حين المراودة منها له ولجاجتها عليه وقوة البرهان وسلطانه على إرادة الأنبياء ينتهيان دائما إلى العصمة من دواعى البشرية المحرمة، ولا شك أن الامتناع مع الخطور بالبال يدل على قوة الوازع وقوة الإرادة أكثر من الامتناع مع عدم وجوده - ومع جودة هذا الرأى فما قلناه أَولا هو أفضل الآراء. وهو ما وفقنا الله له. والله تعالى أعلم.
وقد ضربنا صفحا عما سطره بعض المفسرين من القصص الهابطة التي ذكرت في تفسير الآية. وينبو قلمنا عن تسطيرها.
стр. 2074
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾
المفردات:
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي تسابقا إليه، كل يريد أن يصل إِليه قبل الآخر: هي لتمنعه من الخروج وهو ليهرب منها.
﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾: أَي قطعت قميصه من خلفه، والقد: القطع. وأكثر ما يستعمل في القطع الطولى. أما القط فيستعمل في القطع العرضي … قاله القرطبى وغيره.
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: ووجدا زوجها - عزيز مصر - عن الباب الذي تسابقا إِليه، وهو الباب الأخير الذي يؤدي إلى خارج ما غلقت أبوابه.
التفسير
٢٥ - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ … ﴾:
حكت الآيتان السابقتان الحب الشديد الذي أخرج امراة العزيز عن الوقار، وأَذلَّها حتَّى هبطت إلى أن تراود يوسف ربيب نعمتها عن نفسه، وتحكم إغلاق جميع الأَبواب حتى تستحكم خلوتها به، ولا ينغص عليها في مخالطتها له منغص، ودعته برفق إلى قضاء لبانتها من مخالطته إياها، وأنه أبي عليها هذه الجريمة التي تختان بها زوجها، وتحمله على أَن يشاركها في هذه الخيانة مع أَنه أحسن إيواءه وتربيته، كما حكت أنه ﵇،
стр. 2075
استعاذ بالله ولجأ إِليه لكي ينقذه من هذا الإثم والظلم المبين، وأَنها قابلت هذا الامتناع الحازم من يوسف بمزيد من الهمة والإصرار وتحريضه على مخالفتها بمختلف الوسائل، من جذب ولوم وأسى وغير ذلك، وأنه لم يجد بدًّا من أن يهم بضربها لتكف عن غيها، ثم تراجع عما همّ به من إيذائها حين رأى في قرارة نفسه وبإلهام من ربه، رأى حجة الله وبرهانه على أن إِيذاءها وهو يمنعها عن نفسه، سوف تتخذه دليلا في أَنه هو الذي طلب مضاجعتها، فلما أبت عليه ضربها وآذاها، فلهذا كف عنها.
وجاءت هذه الآية لتبين أن كليهما قد أسرع إِلى الباب، فأما يوسف فقد أسرع إليه ليتخلص من شَرَك هذه المرأة الوالهة وشرها، وأما هي فقد أسرعت لتمنعه من الهرب وتحمله على الاستسلام إليها، ولما سبقها هو إِلى الباب جذبت قميصه من خلفه جذبة قوية ترتب عليها قطع القميص من خلفه، حيث كانت تجذبه منه وعندما وصل الأمر بينهما إلى هذه الحال وجدا سيد المرأَة - أي زوجها - عند الباب. الذي أراد يوسف الخروج منه - وكان قد فتح - حتى أصبحا وجها لوجه أَمام العزيز لدي الباب، ولم تصرح الآية بمن فتحه، فهل فتحه العزيز لما وصل إليه خبر هذه الاحتياطات التي اتخذتها امرأته لمراودة يوسف، أو فتحه حين وصلت إِليه أصوات المشادة التي حصلت بينهما، أو أَن يوسف هو الذي سبق إليه وفتحه، وصادف مجئ العزيز حينئذ، وهذا هو الظاهر، لأن المرأة كانت قد غلقت الأبواب من الداخل فلا تفتح إِلا من الداخل، والمراد من الباب هنا الباب الأخير الموصل إِلى الخارج، وهو الذي رأَيا سيد المرأة عنده، أما الأبواب الأخرى التي غلقتها فلابد من أَن يوسف كان قد فتحها مسرعا قبل أَن يصل إلى هذا الباب الأخير الذي أدركته عنده وشقت قميصه وهى تجذبه إليها حتى لا يفلت منها بعد أن وصل إليه، ولما وجدت نفسها أَمام زوجها في هذه الحالة النكراء، برَّأت نفسها ومكرت بيوسف بأخبث أَسلوب، وذلك ما حكاه الله تعالى بقوله:
﴿ … قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
أي قالت امرأَة العزيز لزوجها حين رآهما على هذه الحالة: ما جزاءُ هذا الذي دخل علي مخدعي وأراد سوءا بزوجك التي هي أهلك وعرضك الذي يهمك أَمره، ما جزاؤه سوى
стр. 2076
أن يسجن ليمنع شره عن النساء، أَو عذاب شديد الإيلام، حتى لا يعاود مثل هذه الإرادة الرعناء.
بهذه الحيلة أَرادت أن تبعد التهمة عن نفسها وأن تهدد يوسف بمقدرتها على سجنه وتعذيبه طمعا في أَن يستجيب لها اضطرارا بعد أن فقدت الأمل في أن يستجيب لها اختيارا لكن يوسف لم يأبه لتهديدها - كما سيتضح بعد من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ بعد قولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ وسيأتي بيان ذلك.
٢٦ - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي … ﴾:
أَي قال يوسف للعزيز دفاعا عن نفسه بعد أَن اتهمته زوجته بأنه أراد اغتصابها: قال يوسف لم يحدث مني شيء مما تقوله ولكن الذي حدث أنها هي التي راودتني على أن أنزل لها عن نفسي ولم أوافقها على ما طلبته منى. وبهذا حصل التعارض بين اتهامها ودفاعه، واحتاج الفصل في القضية إلى شاهد، وذلك هو ما قصه الله تعالى بقوله:
﴿ … وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
اختلف المفسرون في هذا الشاهد، فقيل: إنه طفل في المهد شهد بما فصله الله بعد، وكان من أهل امرأَة العزيز - قال السهيلى - وهو الصحيح - للحديث الوارد فيه عن النبي ﷺ وهو قوله: "لَمْ يَتَكَلَّمْ في الْمَهْدِ إلَّا ثَلَاثَةٌ" وذكر منهم شاهد يوسف.
وقال القشيرى أَبو نصر: قيل كان صبيًّا في المهد في الدار وهو ابن خالتها.
وقيل: هو رجل حكيم ذو عقل كان العزيز يستشيره في أموره، وكان من جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها، فقالا: قد سمعت الاستباق والجلبة وراءَ الباب وشق القميص، فلا يُدرَى أيكما قُدَّام صاحبه، فإِن كان شق القميص من قُدَّامِه فأنتِ صادقة، وإِن كان من خلفه فهو صادق، فنظروا إِلى القميص فاذا هو مشقوق هن خلف.
стр. 2077
ونسب هذا القول إلى الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد والسدى.
قال السدى: كان ابن عمها، وروى عن ابن عباس وهو الصحيح في الباب والله أعلم اهـ. ذكره القرطبي.
وقال أبو جعفر النحاس: والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره فجاء بهذه الدلالة، ولو كان طفلا لكانت شهادته ليوسف ﷺ تغني عن أن يأتي بدليل من العادة، لأن كلام الطفل آية معجزة فكانت أوضح من الاستدلال بالعادة.
ونحن نرى أن الذي قاله أَبو جعفر النحاس هو الأجدر بالقبول فكلام الشاهد كلام رجل حكيم ذى بصر بالأمور، وليس في النص الكريم ما يدل على أنه طفل، بل يوجد في صحيح السنة ما يفيد حصر المتكلمين في المهد في ثلاثة، وليس فيهم شاهد يوسف، فقد جاء في الصحيحين عن أَبي هريرة ﵁. أَن النبي ﷺ قال: "لَم يَتكَلَّم فىِ المهدِ إلا ثَلَاثَة: عيسَى بنُ مَرْيمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَصَبيُّ كَانَ يَرْضَعُ مِنْ أمّهِ، فمَرَّ رَاكِبٌ كَاَن حَسَنَ الهَيْئَةِ، فَقَالَتْ أمه: اللهم اجْعَل ابْنىِ مِثْل هَذَا، فَتَرَكَ الصَّبىُّ الثدْىَ وَقَال: اللهُمَّ لَا تَجْعَلنى مِثْلَهُ".
وقد اعتبر الطيبي هذا الحديث يرد الحديث السابق المروى عن أحمد، انظر الآلوسي ج ١٢ والقرطبي ج ٩ والله أعلم.
ويلاحظ أن هذا الكلام من القريب لا يعتبر شهادة، لأنه لم ير شيئا مما حدث، ولكنه لما كان يرشد إلى دليل الحكم، أطلق عليه شهادة مجازا، لأَنه يشبهها في التوصيل إلى الحكم الصحيح.
والمعنى: وأرشد مرشد حكيم من أهل امرأَة العزيز إِلى دليل الحكم، بعد ما علم باتهامها ليوسف، وبما قاله يوسف دفاعا عن نفسه، وقد اشتبه الأمر واحتاج إلى مرجح فقال: إن كان قميص يوسف شق من قدامه، فقد صدقت في دعواها أَنه أراد بها سوءا فهو قرينة على أنه بادرها بالاعتداء، فنازعته وأخذت بتلابيبه من قدامه، وجعلا يتصارعان وهي ممسكة
стр. 2078
بتلابيبه فشق القميص في يدها من قدامه وهو يخلصه منها، وهو حينئذ من الكاذبين في دعواه أنها راودته عن نفسه فامتنع.
٢٧ - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
أي وإِن كان قميصه شق من خلفه فقد كذبت في دعواها أنه هو الذي أَراد بها سوءا، وهو من الصادقين في قوله: أنها هي التي راودته عن نفسه، وأَنه أَسرع إلى الباب ليهرب منها، ووجه دلالة شقه من الخلف على صدقه، أنه يؤذن بأنها تبعته وجذبت ثوبه من الخلف لتمنعه من الهروب مما دعته إِليه.
قال القرطبي في المسألة الثالثة: في هذا الموضوع ما يفيد أنه الحكم بالأمارات عند فقد الشهود يؤخذ به في اللقطة وكثير من المواضع، حتى قال مالك في اللصوص: إذا وجدت أَمتعة معهم فادَّعاها قوم وليست لهم بينة فإن الحاكم يننظر بعض الوقت، فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم.
وقال محمد في متاع البيت إِذا اختلف فيه الرجل والمرأة: إن ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل والمرأَة فهو للرجل.
وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان العلامات في الحكومات أَي في القضايا التي لا شهود فيها، وأصل ذلك هذه الآية: اهـ
стр. 2079
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾: من احتيالكن ومكركن أيتها النساء.
﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من المذنبين المتعمدين: من خطئ المرءُ إذا تعمد الذنب، ومضارعه يخطَأُ بوزن يأثَم بفتح الثاء ومصدره الخطءُ بكسر الخاء بوزن الإثم.
التفسير
٢٨ - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾:
أي فلما رأي سيدها - أي زوجها - قميص يوسف شق من خلفه. قال لامرأته: إِن اتهام يوسف بأنه أراد بك سوءًا ناشيءٌ من كيدكن أيتها النسوة للرجال، فأنت التي راودتِهِ فم يفعل، وفرَّ منك فاجتذبتهِ إليكِ وأنتِ كاذبة في نسبة إرادة السوء إليه.
وقد أَصاب العزيز في الحكم بأن كيد النساء عظيم، لأنه أشد تأثيرًا في النفس ولأنه قد يورث من العار أشد مما يورثه كيد الرجال، ولتفرغهن لهذا الفن أكثر منهم، ولهذا كن أَعظم وسائل الشيطان في عصيان الله - تعالى - قال حكيم: "ما أَيس الشيطان من أَحد إلا أتاه من جهة النساء".
ولهذا قال بعض العلماء: أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان، فإنه - تعالى - يقول في حق الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وقال في حق النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
стр. 2080
٢٩ - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾:
بعد ما ظهرت براءة يوسف، وكيد المرأَة، قال العزيز: يا يوسف أَعرض عن هذا الإثم ولا تلتفت إليه، ولا تتحدث عنه، حتى لا تفتضح امرأتي بين الناس، واستغفري أنتِ أَيتها المرأَة من ذنبك الذي صدر عنك في حقي وحق يوسف إنك كنت من صنف الخاطئين الآثمين المتعمدين اقتراف الذنب، ولم يحدث منك عفوا.
ويلاحظ أنه أمر امرأته بالاستغفار لذنبها، والاستغفار طلب الغفران، والتجاوز عن الذنب، وهذا يحتمل أَنه يريد أن تطلب منه الصفح والمغفرة لما بدا منها، أو أَن تطلب الغفران من الله - تعالى - إن كانوا يعتقدون أَن لهم إِلها أَكبر من آلهتهم التي يعبدونها، وأنهم يتقربون بعبادتهم إيَّاها إِليه كشأن عبدة الأوثان في كل مكان، ولعله يشير إلى ذلك قول يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾
المفردات:
﴿نِسْوَةٌ﴾: جماعة من النساء لا واحد له من لفظه.
﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾: زوجته.
﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾: تطالب فتاها بمضاجعتها وتخادعه عن نفسه.
стр. 2081
﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾: شق حبه شغاف قلبها، والشغاف حجاب القلب - والمراد أن حبه تمكن من قلبها.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: بُعْد عن طريق الصواب والعفة بيِّن واضح.
﴿مُتَّكَأ﴾: ما يتكأ عليه من النمارق والوسائد.
﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَعظمنه وتهيَّبنه.
﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾: تنزيهًا له عن صفات العجز والنقص، والمراد التعجب من حسن يوسف.
التفسير
٣٠ - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾:
كان لمراودة امرأَة العزيز ليوسف ﵇ دوى هائل بين القصور، فتناولتها الأَلسنة حتى قال نسوة من عقائل أَشراف المدينة - عجبًا من هذه المرأَة وانتقاصًا لها كيف تنزل امرأَة عزيز مصر - وهى في مكانها الرفيع - إلى هذا الحد الوضيع، فتراود فتاها عن نفسه وتطالب غلامها بمخالطتها، قد تمكن حبه من قلبها فملأه ولم يدع فيه مجالًا لسواه، حتى كاد ينفطر من شدة الحب.
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
أَي إنا لنعلمها في بُعْدٍ واضح عن الصواب والعِفَّة والكرامة، حيث سمحت لنفسها بالهبوط إلى هذا الدرك الأسفل، بمراودتها لمملوك لها، وأَمرها نافذ فيه وكيف تجاوز حبها له أقصى الحدود، حيث مزقت ثيابه حينما حاول الإفلات منها، وكيف تفعل معه ذلك ولها زوج عظيم، هو عزيز مصر، إنها لخائنة ذليلة النفس.
٣١ - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾:
أي فحينما بلغ هذه المرأَة ما قالته نسوة المدينة في شأن عشقها ليوسف أَرسلت إليهن تدعوهن إِلى ضيافتها، وهيأت لهن من النمارق والوسائد ما يتكئن عليه في أَثناء الطعام والشراب والحديث، وأَعطت كل واحدة منهن سكينًا لتقطع به ما يحتاج إِلى القطع من
стр. 2082
الطعام كاللحم والفاكهة، وغرضها من ذلك ما سيقع من قطعهن لأيديهن من شدة انبهارهن من جماله - كما سيأتي بيانه، وسمى اغتيابهن لها مكرًا لكونه خفية منها كمكر الماكر - وإن كان ظاهرًا لغيرها، وكان المترفون في الزمان الخالى يجلسون للطعام على الوسائد والنمارق، فإذا انتهوا منه أتموا وقتهم في الحديث وهم على وسائدهم جالسون، ولا تزال هذه الطريقة متبعة في ولائم العرب ملوكًا ورعايا، وكذا في بلاد كثيرة.
وفسر بعضهم "المتكأ" بالطعام، أخذًا من قولهم اتكأنا عند فلان - أي طعمنا عنده - قال جميل:
فظللنا بنعمة واتكأنا … وشربنا الحلال من قُلَلِه
وقال مجاهد: ﴿مُتَّكَأ﴾: أَي طعاما يُحزُّ حزًّا، كأن المعنى: يعتمد عليه بالسكين عند القطع لأن القاطع يتكْئُ على المقطوع بالسكين.
﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ الآية.
كان الطعام بين أيدى هؤلاء النسوة المدعوات، وكن مشغولات به أَكلًا وتقطيعًا بالسكين، ولم يكن يوسف حاضرًا، فدعته قائلة: اخرج عليهن، تريد بذلك أَن يفاجئهن بجماله وهن ممسكات بالسكاكين، ولم يكن يدرى ماذا تخبئه له هذه المرأة الماكرة، فخرج عليهن فحينما رأَينه في جماله الفتَّان، وحسنه الرائق الفائق، عظمنه وتهيبن حسنه الرائع، وجرحن أَيديهن بما معهن من السكاكين، لفرط دهشتهن، وخروج الأمر عن منهاج الإرادة والاختيار، حتى لم يشعرن بما فعلن، ﴿وَقُلْنَ﴾: تنزيهًا لله - تعالى - عن العجز عن خلق هذا الجمال المثالى، ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ وغرضهن من ذلك التعجب من قدرته - سبحانه - على خلقه، وقلن أيضًا: ﴿مَا هَذَا﴾ الذي نراه (بَشَرًا)، فما مثله في الناس أَحد، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، يردن بهذه العبارة وصفه بأقصى مراتب الحسن والجمال، وهكذا جرت العادة في تشبيه كل متناهٍ في الحسن بالملك، كما جرت في تشبيه كل متناهٍ في القبح بالشيطان.
стр. 2083
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾
المفردات:
﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾: عَيَّرتنَّنِى في الافتتان به. (رَاوَدتهُ عَن نفْسِهِ): أي طلبت مخالطته وخادعتُه عن نفسه ليحقق لى ما أرجوه من ذاته. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: أَي امتنع طالبا للعصمة مما دعوتُه إليه، وبالغ في ذلك كما تدل عليه السين والتاءُ كما في استمسك واستجمع الرأى.
﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من الأذِلاَّء. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: استجب إِلى هواهن.
﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أَي من أَهل الجهالة، والمراد منها هنا السفاهة وفقدان الحكمة والرشد.
﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: منع أثره عنه فلم يحقق لهن ما أردنه منه بما حصنه به من قوة الثبات على العفة.
التفسير
بعد أن تحقق لامرأة العزيز ما أرادت من اطِّلاع النسوة على جمال "يوسُف" ﵇ وتأثرهن به أَكثر من تأَثرها به، حتى وصل أمر الدهشة بهن إِلى أن فقدن الِإرادة والاختيار، فجرحن أيديهن تجريحا من غير وعى، وكأَنهن كن يقطعن الطعام الذي بين أَيديهن، بعد أَن تحقق هذا كله، وجهت امرأة العزيز الخطاب إِلى أولئك النسوة، مبينة لهن أنها لم تكن مختارة فيما طلبته منه من المخالطة، لشدة سلطان
стр. 2084
جماله عليها، وصرحت لهن بما كانت تنكره أمام زوجها عزيز مصر: فقالت إنها هي التي راودته عن نفسه فامتنع، وذلك ما قصه الله - تعالى - بقوله:
٣٢ - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾:
وكلمة ﴿فَذَلِكُنَّ﴾: فيها إِشارة (بذا) إِلى يوسف، وخطاب بحرف (كن) إلى النسوة.
والمعنى: قالت امرأَة العزيز للنسوة اللاتى دعتهن لطعامها بعد أَن فتنهن جمال يوسف: فذلك الذي فتنتن به وقطعتن أَيديكن من أجله وقلتن إنه يشبه في الحسن والجمال الملك الكريم، هو يوسف الذي وجهتن إلىَّ الملام بسببه وقلتن عنى: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾: وقد ملأ حبُّه قلبها، ونحن نراها من أَجل ذلك في ضلال واضح، فلم يعد لَكنَّ بعد ذلك الذي حدث منكن بسبب جماله ما يدعوكن لملامى، وإنى أؤكد لكن بصراحة أننى أنا التي طلبته لمضاجعتى فامتنع وبذل أقصى الجهد في الإِباء والتحفظ الشديد - وبعد أن بسطت العذر لهن عما كان منها، هددته بأسلوب الملوك وأهل القهر في جملة من التأكيدات قائلة:
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾:
أَي ولئن أصرَّ يُوسُف على إبائه ولم يفعل ما آمره به من المضاجعة، ليوضعن في السجن، وليكونن فيه من الأذلاء.
ومما سبق تعلم أن يوسف ﵇ لم يتجه بشهوته البشرية نحوها، فقد ظل سنين عديدة تحت رعايتها وإكراها وبين يديها، ولم يتجه إليها بنظرة خبيثة ولا بعبارةٍ نابية، وذلك لكمال نفسه وطيب خلقه، وإعداد الله إياه للنبوة التي تنتظره وقد تأكدت هذه العصمة الربانية وتجلت بأَجلى مظاهرها، حين دعته إلى مخالطتها وبذلت له من أَساليب الإغراء ما بذلت، لترفع بذلك عن نفسه الخشية منها وتهيب مقامها وتدفعه إلى الرغبة فيها والاجتراء عليها بعد أن أذلت له أنوثتها، وأنه مع هذا الإغراء والتمكين التام، امتنع وأبى قائلا: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ فاستعاذ بالله ولجأ إليه ليعصمه منها، ويحميه من شباكها، وأَكد هذا الامتناع بأنه لا يخون
стр. 2085
سيده الذي اشتراه ورباه وأَحسن مثواه ليثير بذلك وازع الأمانة في نفسها نحو زوجها، فلعله يستيقظ من سُباته فيكُفها عنه، ولكنها أصرت، فذهب إِلى الأبواب ليفتحها ويهرب منها، فهمت به تمنعه وتجذبه إليها، وهمَّ بها يدفعها عن نفسه ويحاول أن يضربها لولا أن راى في نفسه حُجة ربّه وإلهامه إياه أَنه لو ضربها لاستخدمت هذا الضرب حجة لها على أنه هو الذي راودها عن نفسها، ولما امتنعت ضربها، فكف عن ضربها، وتمت عصمة الله له، وعند الباب الخارجى بوغتا معا بالعزيز فتتهمه المرأة بأَنه أراد بها سوءًا، ويكذبها قميصه الذي قُدَّ من دُبُرٍ، ويقتنع العزيز ببراءَته ويوصيه بأن يعرض عن هذا الأمر فلا يذيعه في الناس، ولكن نساءَ القصور يجدن دائما من يتطوع بإِذاعة أَخبارهن، وهكذا كان الأمر بالنسبة لامرأة العزيز مع يوسف فلما تسرب أمرها مع يوسف إلى نساء الأمراء وعبن عليها ما فعلته مع غلامها الذي ترفع عليها وقاومها، أرادت أَن تقطع ألسنتهن عن غيبتها والتشهير بها، بإيقاعهن في شرك هواه والافتتان به مثلها، فأعدت لهن مأدبة يُستعمل في طعامها السكاكين، وبينما هن يأكلن والسكاكين في أيديهن يقطعن بها الطعام، أخرجت يوسف عليهن ففوجئن بجماله الفتان فجرحن أيديهن بالسكاكين من شدة الذهول الذي أَصابهن عن جماله وقلن إعجابا به: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وكأنهن بهذه العبارة يقلن لها أنت معذورة فيما فعلت معه لروعة جماله وقوة تأثيره على النساء.
فلما ظفرت منهن بهذا الإِقرار الذي يحمل معه الاعتراف بأنها معذورة فيما صنعت، أجترأت على المصارحة بما لم تصرح به من قبل، فقالت:
﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾:
وبذلك التصريح كذبت نفسها فيما قالته لزوجها من أنه أراد بها سوءا، واعترفت بأنها هي التي راودته وأنه هو الذي امتنع أشد الامتناع وجاهد في سبيل التخلص منها
стр. 2086
وزادت على ذلك أنها مصرة على تحقيق رغبتها فيه من المخالطة لا يصرفها عنها لوم العوازل، ولا إعراض الحبيب فقالت مهددة له:
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾:
ليعلم يوسف أنها ليست في أمرها معه على خفية ولا خيفة من أحد، فتضيق عليه الحيل، ولكى ينصحه أولئك النسوة بموافقتها، وإزاء هذا كله ماذا صنع يوسف ﵇ هذا ما يجيب عنه قوله تعالى:
٣٣ - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾:
أي قال يوسف بعد هذا التهديد والوعيد: يا رب دخول السجن آثر عندى وأَسهل وأهون من المخالطة التي يدعوننى إِليها، وإِلا تصرف عنى كيدهن بتثبيتى على ما أنا عليه من العصمة والعفة، وردعهن عنى، أُجبهن إلى ما طلبنه منى بمقتضى الطبيعة البشرية، وأكن بذلك من أهل الجهالة والسفه، الذين لا يعملون بما يعلمون، فإن من لم يعنه الله على العفة والحصانة، مع هذا الإغراء والقهر قد يخونه طبعه البشرى وجبلتُه، وتتحكم فيه قوته الشهوية، واعلم أَن السجن في ذاته ليس محبوبا، كما أن إجابتها إِلى ما طلبته كذلك، فهي والسجن شرَّان غير محبوبين له، ولكن أهونهما وأقربهما إِلى نفسه هو السجن، ليتخلص به من الفاحشة الكبرى فلذا عبر في جانبه بقوله:
﴿أَحَبُّ إِلَيَّ﴾: بمعنى أسهل عليَّ - على سبيل المجاز - وقد يقال إن أهون الشَّرين يحب أَحيانا، لأنه هو الوسيلة الوحيدة لتخليصه من شرٍّ أكبر وعلى أي حال فأفعل التفضيل على غير بابه.
ومما ينبغي التنبيه إليه أنه لم يرد في النص الكريم أن النسوة المدعوات للمأدبة، دعونه إلى الاستجابة لامرأَة العزيز، ولا إِلى الفاحشة معهن، فلهذا يحمل قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ على أنهن لما تأثرن بجماله إِلى درجه أنهن قطعن أَيدين دعونه إلى مطاوعتها، بل ربما طلبن منه مثلما طلبت منه، وقيل: إن ضمير جمع النسوة في قوله: ﴿مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾
стр. 2087
إِلخ راجع إلى امرأَة العزيز إِما للتعظيم لشأنها، وإِما للتعريض بدل التصريح ويرجح الرأى الأول قوله تعالى حكاية عن الملك: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (١).
٣٤ - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
أي فتفضل عليه ربه الذي يتولى تربيته وحمايته فاستجاب له دعاءه الذي تضمنه قوله:
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ ولهذا ثبته وأيأسهن من موافقته لهن فصرف بذلك كيدهن عنه، إنه - تعالى - عظيم السمع والعلم فلا يخفى عليه حاله ولا حال غيره، وهكذا يستجيب الله سبحانه لأهل الصدق في دعائه والاستعاذة به من كل مكروه.
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾
المفردات:
﴿بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر للعزيز وأهل مشورته.
﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات الدالة على براءَته.
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: أي أعصر عنبًا، سمي باسم ما يؤول إليه لكونه المقصود.
﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أخبرنا بمآل ما رأيناه في المنام.
التفسير
٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾:
أي ثم ظهر للعزيز وأهل مشورته من بعد ما رأَوا العلامات الشاهدة ببراءة يوسف وانحراف امرأَته والعلامات الدالة على أَنها مصرة على مخالطته غير مكترثة بالفضيحة.
стр. 2088
بدا لهم من بعد ذلك أَن يسجنوا يوسف ﵇ حتى زمن تنقطع فيه الإشاعة ويبدو للناس من سجنه أَنه هو الذي أرادها بسوء فلهذا عوقب، وليكون وجوده في السجن حائلا بينها وبينه حتى لا تعود إِلى مراودته.
تنبيه: لو أكره رجل على الزنى بالسجن فعليه الامتناع ولو سجن، فإن فعل فهو آثم بالإِجماع: انظر القرطبي في تفسير الآية.
٣٦ - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾:
يطلق الفتى على الشاب، من الفتاء وهو الشباب، ويطلق أيضًا على العبد صغيرًا كان أو كبيرًا كما قاله الماوردى.
وكان الفتيان اللذان دخلا السجن بصحبة يوسف عبدين للعزيز، أحدهما ساقيه، والآخر صاحب طعامه وقيل: خبازه، وروى بشأنهما روايات لا سند لها فلذا ضربنا صفحا عنها والمعنى: ودخل السجن مع يوسف فتيان من عبيد الملك ورأَى كل منهما في نومه حلمًا أَحس بحاجته إِلى تأويله لتستريح نفسه، فإن السجين كثير الخوف من المستقبل محتاج إِلى الطمأنينة وقد اعتاد البشر من قديم على الاستعانة بالأحلام للكشف بها عن المجهول، وإذا لم يستطع الحالم تأويل حلمه لجأ إلى من يحسنه ويشتهر بذلك، وكان يوسف ﵇ يخبر السجناء ببعض الغيوب - كما سيأتي بيانه - فلهذا أخبراه بحلميهما، قال أَحدهما: إِني أَرى في منامي أنني أعصر عنبًا ليتحول إلى خمر بعد حينٍ، وقال الآخر: إني أرى في منامي أَننى أحمل فوق رأسى خبزًا تنقره الطير وتأكل منه، ثم قالا له بعد أَن عرضا عليه حلميهما.
﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
أي أخبر كُلا منا بتأويل حلمه الذي عرضه عليك مفصلا: إِنا نراك من الذين يحسنون تفسير الأحلام، حيث إنك تعودت أَن نفسر للسجناء أحلامهم قبل أن نرى حلمنا.
وتأويل الإحسان بذلك هو الأقرب إلى المقام، حيث عرضا حلميهما عليه، لأنهما جربا خبرته مع غيرهم في تأويلها إِلى درجة الإحسان.
стр. 2089
ومن المفسرين من حمله على إِحسان العلم، وبه قال الفراء، ومنهم من حمله على الإحسان في المعاملة وذلك لأنه كان يعود المرضى ويداويهم، ويساعد المحتاجين ويواسي السجناء ويسري عنهم ويصبرهم.
وقيل: معناه من المحسنين إِلينا إن فسرته لنا وأرحت قلوبنا.
واختلف في رؤياهما فقيل إنها مصطنعة وليست حقيقية، فعن ابن مسعود: قال أحد الفتيين لصاحبه: تعال حتى نجرب هذا الفتى العبراني، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا، قاله ابن مسعود.
وقيل: إنها صحيحة وهو الظاهر، قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها.
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾
التفسير
٣٧ - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾:
لما طلب السجينان من يوسف ﵇ أن يعبر لهما حلميهما وقالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَخبرهما بما يحقق صحة ما اعتقداه فيه من أَنه ممن يحسنون تأويل الأحلام
стр. 2090
تحدثا بنعمة الله عليه، وذلك أَنه قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا أخبرتكما قبل حضوره إليكما بنوعه وأوصافه، فقد كان من عادته ﷺ أَنه قبل حضور الطعام إليهما، يقول لهما: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، فيجدانه كذلك بعد حضوره، وأطلق التأويل على ذلك تشبيها له بتأويل الرؤيا، فإنهما يشتركان في الإخبار بالغيب.
ولما آنس منهما الثقة به وحسن الظن فيه، حيث قالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَراد أن يفهمهما مصدر هذا الإحسان، ومنشأ هذا العلم الذي تجلى به واستحق به صفة الإحسان، فقال مخاطبًا إياهما مشيرًا إِلى ما عنده من العلم.
﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾:
أي ذلكما الذي عرفته من تأويل الرؤيا والإخبار بالمغيبات، بعض ما علمنيه ربي بالوحي أو الإلهام من العلم، فلست أخبركما به تكهنًا فما أنا بكاهن، وقد علمنى ربي إِياها لأني تركت ملة قوم مشركين لا يؤمنون بالله على الوجه الذي يليق بجلاله، بل يشركون معه غيره، وهم بالآخرة هم كافرون، فلا يؤمنون بالبعث ولا بالنشور ولا بالثواب ولا بالعقاب، والمراد من تركه لملتهم أَنه لم يدخلها أصلا، ولهذا قال في الآية التالية -: "مَا كَانَ لَنَا أن نشرِكَ بِاللهِ مِن شَيء".
٣٨ - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾:
أي تركت ملة الوثنيين من قومي، حيث نشأت متبعا ملة آبائى الذين أرسلهم الله لهداية الخلق إِلى ملة التوحيد، وهم إِبراهيم ومن بعده ولده إسحق، ثم حفيده يعقوب والد يوسف ﵈.
﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾:
أي ما صح ولا استقام لنا معاشر الأنبياء، أن نشرك بالله أي شيء من الكائنات العاقلة وغيرها، فكلها مخلوقة لله وآيات شاهدات بوجود الله ووحدانيته، فلا يصح أن نعبدها مع الله.
стр. 2091
﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾:
أي ذلك المنهج الذي سلكناه في عقيدتنا ناشئ من فضل الله علينا، حيث أيدنا بالنبوة وجعلنا أهلا لتبليغ رسالته إلى الناس، وقيادتهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم ومن فضله على الناس أيضا، حيث وفقنا لإِرشادهم إلى توحيده، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله بتوحيده وإجابة المرسلين إلى العمل بما جاءهم به، مع أَنه تعالى أقام الأدلة والآيات في الأنفس والآفاق على استحقاقه وحده للعبادة.
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾: المراد بهما الفتيان اللذان دخلا معه السجن، ورأيا في منامهما الحلمين وعرضاهما عليه ليعبرهما لهما.
﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾: متعددون لا ارتباط ولا اتفاق بينهم.
﴿الْقَهَّارُ﴾: الغالب الذي لا يدانى في قهره ولا يعارض في مراده، ولا يستعصى عليه جبار ولا يفوته مطلوب. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من حجة.
﴿أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾: أسماء اتخذتموها دون أن يكون لها مسميات على الحقيقة.
стр. 2092
التفسير
٣٩ - ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
بين الله تعالى فيما سبق من الآيات أن يوسف لما دخل السجن صحبه فتيان وأَنهما رأيا حلمين، وطلبا من يوسف ﵇ أن يعبرهما، وأَن يوسف قبل أن يعبرهما ذكر للسجينين المذكورين أنه اعتاد معهما أَن يخبرهما بالغيب قبل حدوثه، فكان لا يأتيهما طعام إِلا أَخبرهما بنوعه وحاله ووصفه قبل مجيئه، حتى إِذا جاءهما كان على وفق ما حدثهما به، ثم بين لهما أنَّ مصدر العلم بذلك هو الله ربه، فهو الذي علمه إياه، ولم يكن من باب الكهانة والتنجم، وأنه ترك ملة قومه المشركين، فلم يشاركهم في شركهم وكفرهم بالآخرة، واتبع ملة آبائه إِبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأَنه لا يصح له ولا لأحد أَن يشرك بالله شيئا، وأن معرفة البشر بوحدانيته تعالى من فضل الله عليهم.
وجاءت هذه الآية لإقامة الدليل لصاحبى السجن على فساد الشرك، وبيان أن الحكم في أمر العباد ليس إلا لله تعالى، وأنه جل وعلا أَمر أَن لا يعبد أحد سواه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، لإِفسادهم فطرتهم وسوء اختيارهم، وأَنت ترى من عرض هذه المعانى لتلك الآيات، أَن يوسف ﵇ لم يتعجل إجابة صاحبى السجن بتفسير حلميهما كما طلبا، بل بدأَ يمارس معها ما أعده الله له من النصح والإِرشاد لعباده، والهداية إلى توحيده وعبادته، كما هو شأن آبائه المرسلين ﵈.
وكان يرجو بذلك أن يهديهما الله تعالى إلى الحق، فمن اهتدى منهما كان من أَهل النجاة والسعادة، ومن نجا منهما كان داعيا لمن حوله من بطانه العزيز إلى توحيد الله تعالى، وكأنه يقول لهما عندي العلم بتأويل رؤيا كما فأنتما تعلمان أَنه لا يأتيكما طعام إلا أَخبرتكما بتأويله قبل أن يحضر إليكما، ولكن تعالوا فاسمعوا أَولا ما يطهر عقيدتكما من الشرك، ويهديكما إلى معرفة الواحد الديان قبل أَن أعبر لكما رؤياكما، ثم قص عليهما مصدر علمه بالتأويل، وتحدث عن ملة إبراهيم وإسحق ويعقوب، وأَنه لا يصح الإشراك بالله، لأنه لو تعددت الآلهة وتفرقت لفسدت السموات والأرض، وهذا المعنى الأخير هو الذي أشار إليه قوله تعالى حكاية عنه:
стр. 2093
﴿يَا صَاحِبَيِ (١) السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
والمراد بصاحبي السجن الفتيان اللذان دخلا السجن معاقبين معه: وناداهما بعنوان الصحبة له في السجن لأن السجن مدار الأشجان، ودار الأحزان، التي تصفو فيها مودة نزلاته فلهذا ناداهما بعنوان الصحبة له، ليقبلا عليه ويقبلا منه ما ينصحهما به.
والمعنى: يا رفيقي اللذين رافقاني وصحباني في السجن أخبرانى: أَأرباب شتى متفرقون لا ارتباط بينهم ولا اتفاق، خير لهذا الكون، أم الله المنفرد بالألوهية والخلق والإيجاد.
الغالب لكل ما في السموات والأرض، فلا يتعاصى عليه مقدور فيهما، ولا يمتنع عليه أَن يخلق غيرهما، فكيف يعبد المشركون سواه، مع أنه مخلوق لله، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
وبعد أن نبه يوسف صاحبي السجن إلى فساد تعدد الأرباب، بين لهما سقوط منزلتها وفقدان أهليتها للربوبية فقال لهما. كما يحكيه الله تعالى:
٤٠ - ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾:
الخطاب في قوله ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لصاحبي السجن وقومهما، ولذا قال بعد ذلك ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ بخطاب الجماعة أو المراد بالجمع ما فوق الواحد: ثم عطف عليهم آباءَهم.
والمعنى: ما تعبدون يا قوم عزيز مصر إلا أسماء ليس لها مسميات في الحقيقة فكل ما عبدتموه وأطلقتم اسم الألوهية عليه لا يستحق الألوهية، وتكون عبادتكم لتلك التي زعمتموها آلهة، عبادة اسماء ليس لها مسميات في الواقع.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾:
أي ما أَنزل الله بألوهيتها من حجة تصحح ألوهيتها وتسوغ عبادتها.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: ما الحكم في الألوهية وغيرها إلا لله سبحانه، والله لم يحكم بها لأحد سواه، لأنه لا إله غيره، ولا يستحق الألوهية سواه فكل ما عداه عبده ومحتاج إِليه، فلهذا ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: وعقب هذا بقوله ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
стр. 2094
هكذا يحكي الله تعالى ما دار بين يوسف وصاحبيه في السجن وخلاصته: أنه أعلمهما أَن التي يعيدونها ويسمونها آلهة لا تصلح للألوهية، وأنها أسماءٌ بلا مسميات وألوهيتها دعوى بغير دليل، وأن المستحق للألوهية هو الله وحده، ولهذا لم يحكم بها لسواه، بل أمر أن لا يعبدوا غيره، وأخبر أن ذلك هو الدين المستقيم الذي أجمعت على استقامته وصحته الأدلة النقلية والعقلية، ثم قال:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
أي ولكن أكثرهم يجهلون أَن ذلك هو الدين المستقيم دون سواه، لأنهم لم يستعملوا عقولهم في الاستدلال على الحق سبحانه بآياته.
وبعد أن بين يوسف ﵇ لصاحبي السجن أن عبادة الله تعالى هي الحق، وأنها خير لهما من عبادة الأَرباب المتفرقين الذين ليس لهم من صفة الألوهية أَدنى نصيب، وأن الحكم لله وحده في الكون كله، فلا ألوهية لأحد سواه، وأنه تعالى أمر أن لا يعبدوا إلا إياه، وأن هذا هو الدين القيم - بعد أن بين لصاحبي السجن كل ذلك - شرع يعبر لهما ما رأَياه في النوم ويفسره لهما فقال:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾
المفردات:
﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾: أي فيسقي سيده. ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾: تطلبان الفتيا.
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: عند سيدك. ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾: البضع، العدد من الثلاث إلى التسع، واشتهر أن يوسف مكث في السجن سبع سنين.
стр. 2095
التفسير
٤١ - ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾:
كرر يوسف النداء هنا لصاحبي السجن بعد أن أطال الحديث معهما في دعوتهما إلى الحق، تنبيها على أنه سيدخل بهما موضوعا آخر مغايرًا له، وهو تعبير حلميهما الذي طلباه، يقول يوسف: يا صاحبي في السجن، إِليكما تعبير رؤيا كليكما، أما أحدكما - وهو الذي رأى في منامه أنه يعصر خمرًا - فإنه يعود إلى خدمة سيده الملك بعد أن يعفو عنه ويخرج من السجن، وسيقوم على شرابه فيسقيه خمرا، وأما الآخر - وهو الذي رأى في منامه أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل منه الطير - فإنه يصلب فتأكل الطير من رأسه، ثم أغلق الباب دون التساؤل أَو التضرر مما أفتاهما به فقال:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾:
أي أتِمَّ الأمر الذي كنتما تستفتيان فيه وأحكم، ولم يعد فيه مجال للافتراض أو العدول عنه، فهو إِخبار موافق لما علمه ربه إياه وأرشده إليه، وليس فيه حدس ولا تخمين، والمراد بالأمر الذي فيه يستفتيان: ما رأياه من الرؤيين، وليس المراد مآلهما الذي هو نجاة أحدهما وهلاك الآخر - كما قال العلامة أبو السعود - فكأنه قال - عبرت لكما رؤييكما وأنا واثق من صدق تعبيرهما.
٤٢ - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾:
أي وقال يوسف للسجين الذي ظن نجاته من صاحبي السجن - وهو الذي رأى في منامه أنه يعصر لسيده الملك خمرًا - وأفتاه بأنه سيعود إِلى خدمته، قال يوسف لهذا السجين: اذكرني عند سيدك الملك حين تعود إلى خدمته، وحدثه عن تعبيري لرؤياك ورؤيا صاحبك حتى تحقق أمرهما على ما أخبرتكما، وأخبره أننى مظلوم حبست بلا ذنب، لعله يخرجني من السجن، ويمحو هذا الظلم عني.
стр. 2096
وكان يوسف يرجو أن يسارع بإخبار الملك حين يعود إلى خدمته، وفاء بعهده معه، وإدراكًا منه لما يقاسيه السجين في السجن من العذاب النفسي، والحرمان من الحرية، فقد شاركه في ذلك. ولكن الشيطان الذي يكره الوفاء بالعهد أنساه تذكير سيده الملك بأمر يوسف، حيث شغل قلبه بما استجد له من نعمة الحرية والعودة إِلى العمل في قصر الملك. وشواغل الخدمة المتتابعة لسيده. فمكث يوسف في السجن بعد خروج صاحبه السجين بضع سنين - والبضع من الثلاث إلى التسع كما تقدم - ويقال إنه مكث في السجن سبع سنين.
وأعاد بعض المفسرين الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ إلى يوسف ﵇، أي فأنسى الشيطان يوسف - ذكر ربه سبحانه. فلجأ إلى صاحبه السجين وقال له: اذكرني عند ربك - أي سيدك الملك - فعاقبه الله بأن أبقاه في السجن بضع سنين، جزاء له على تركه الاعتماد على الله تعالى. والميل في طلب النجاة إلى عبد من عبيده. وكان عليه أن يشكو إلى الله ويستغيث به.
وأَصحاب هذا القول اعتمدوا على أحاديث واهنة لا يصح الأخذ بها. وما يظن أحد من المنصفين وأهل التحقيق أن يوسف ترك الشكوى إلى الله، وهو الذي استعاذ بالله من خيانة العزيز الذي أحسن مثواه. وعف عن الحرام والإثم الذي كانت تدفعه إليه زوجته الخاطئة بشتى المغريات، وهو الذي دعا السجينين إِلى توحيد الإله سبحانه وترك الأرباب المتفرقين، الذين هم أسماء بلا مسميات. والحق ما قلناه أولا من أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو ساقي الملك، والدليل الحاسم على ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾: أي وقال الذي نجا منهما وتذكر يوسف بعد مدة طويلة: إلخ، كما أنه لا مجال لأن يتسلط الشيطان على نبي فينسيه ذكر ربه وهو يقول سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (١) على أن الأخذ بالأسباب مشروع قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢).
стр. 2097
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿عِجَافٌ﴾: جمع عجفاء على غير قياس (١) والعجفاء الهزيلة. ﴿الْمَلَأُ﴾: الأشراف والمراد بهم هنا الكهان والحكماء. ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾: فسروها لى وبينوا عاقبتها.
﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: أخلاط أحلام لا تؤول، والأضغاث جمع ضغث، يقال لكل مختلط من يقل أو حشيش أَو غيرهما، وقد استعير للرؤيا الغامضة لفظ الأضغاث، لأنها أخلاط من أَحاديث العقل الباطن وخيالاته ومخاوفه وآلامه وآماله.
التفسير
٤٣ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾:
بعد أن عبر يوسف الرؤيين وتحقق تأويله لهما، حيث قتل الخباز وصلب، وأَخرج الساقي من السجن وأعيد إلى خدمة الملك، بقى يوسف في السجن، ونسى الساقي أمره، فساق الله سببا يخرج به يوسف من السجن عزيزا كريما، وذلك أن ملك مصر رأى في منامه رؤيا أَزعجته، فجمع كبار الكهنة والحكماء في مملكته وقال لهم مستحضرًا للصورة التي شاهدها في منامه: إِني أرى سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع بقرات في غاية الهزال، وأرى سبع سنبلات حضر قد امتلأت بالحب ولم تجف بعد،
стр. 2098
وسبع سنبلات أُخر قد يبست وجف حبها ونضج، وبعد أن قص هذه الرؤيا على حكمائه ومستشاريه من الكهنة ناداهم قائلا:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾:
أي يأيها الرؤساءُ من الكهنة والحكماء فسروا لى رؤياى، وبينوا لى حكمها ومآلها، إن كنتم لجنس الرؤيا تعرفون تفسيرها، حتى تستطيعوا أن تنتقلوا من الصور الرمزية المشاهدة في المنام، إلى صور وأمثلة لها في حقائق الحياة، وعَبْرُ الرؤيا مأخوذ من العبور وهو المجاوزة، تقول عبرت النهر أي قطعته وجاوزته، وكذلك يفعل مفسر الرؤيا، فإنه يعبر بها من الخيال إِلى الحقيقة، أما تأويلها فمعناه بيان مآلها في ظاهر الحياة، وعبر الرؤيا وتعبيرها بمعنى واحد، غير أن الأول لغة القرآن، فهو أَولى من الثاني، وبعد أَن سأَلهم إفتاءه في رؤياه إن كانوا يستطيعون عبر الأحلام أظهروا عجزهم، وذلك ما يحكيه الله تعالى بقوله:
٤٤ - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾:
أي قال الملأ من الكهان والحكماء: هذه الرؤيا أخلاط أحلام كأضغاث النبات المختلطة، فلا تأويل لها عندنا، يريدون بذلك أن يخرجوا رؤيا الملك من جنس الرؤى الصادقة التي يمكن تأويلها لأهل العلم، وأن يجعلوها من جنس الأحلام الكاذبة، التي لا يستطاع تأويلها، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ ويجوز أَن يكون هذا القول منهم اعترافًا بقصور علمهم عن تأويل الأحلام مطلقًا لأنهم ليسوا بنحارير (١) - كما قال أَبو السعود - وإِطلاق الأحلام على الكاذب منها والرؤى على الصادق منها عرف غالب، وإِن كان كلاهما عامًا في الصادق والكاذب، ولهذا قالوا أخلاط أَحلام، يريدون أنها ليست من الأحلام الواضحة التي يمكن تأويلها ويصدق مدلولها وقد سوى صاحب القاموس بينهما بقوله: الحلم بالضم وبضمتين الرؤيا.
стр. 2099
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾
المفردات:
﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: قرئ بضم همزة ﴿أُمَّةٍ﴾ وتشديد ميمها مفتوحة (١). أي وتذكر بعد جماعة كثيرة من الزمن، قال الأخفش: هو في اللفظ واحد. وفي المعنى جمع: أهـ، وكل جماعة كثيرة فهى أمة. ﴿الصِّدِّيقُ﴾: الكثير الصدق.
التفسير
٤٥ - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾:
أى وبعد أن عرض الملك رؤياه على رهبانه وحكمائه، وعجزوا عن تأويلها قائلين ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ قال الذي نجا من صاحبي يوسف في السجن، والتحق بخدمة الملك ساقيًا له، وقد تذكر يوسف وقدرته العظيمة على تأويل الرؤيا، وأنه أوصاه أن يذكره عند سيده لعله يخرجه من السجن لأنه مظلوما ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ للملك وأهل مجلسه: أنا أخبركم بتأويل حلم الملك بعد أَن أعرفه من عليم بتأويل الأحلام فأرسلوني إليه لأسأله.
٤٦ - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾:
أي فأرسلوه إليه. فناداه نداء يشتمل على الثقة بصدقه العظيم في أمره كله، وبخاصة فى تأويل الرؤيا حسبما جربه منه وشاهد أحواله إذ قال له في براعة استهلال: يا يوسف
стр. 2100
أيها البليغ الصدق: أفتنا في رؤيا سبع بقرات سمان، يأكلهن سبع بقرات شديدة الهزال وأفتنا في سبع سنبلات خضر مليئة بالحب وسبع سنبلات أخر يابسات ناضجات الحب، وبين لنا مآلها وحكمها في عالم الشهادة.
وإنما قال ليوسف ﴿أَفْتِنَا﴾ بضمير الجمع مع أنه وحده هو المستفتي، للإِشعار بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له شأن في أمور الناس. وأنه في حكايتها سفير لغيره، ولهذا ختم استفتاءه بقوله:
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
أي لكي أرجع إلى من بيدهم الأمر ليعلموا تأويلها ويعملوا بمقتضاه، وليعلموا فضلك ومكانك العلمي العظيم مع ما أنت فيه من الحال، فينتبهوا إليك ويخلصوك مما أنت فيه.
ولم يقل: لأرجع إلى الناس ليعلموا، بل عبر بإسلوب الرجاءَ ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ﴾ الخ جريًا على نهج الأدب مع يوسف، واحترازًا عن المجازفة بأسلوب اليقين، لأنه لم يكن على يقين من رجوعه، فربما اخترمته المنية قبل أن يعود إلى مجلس الملك، كما أنه لم يكن على يقين من بقائهم حتى يعلمهم، فإن العالم بذلك كله هو الله - تعالى - وحده.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾
المفردات:
﴿دَأَبًا﴾: مصدر دأب في العمل - أي جَدَّ فيه. ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: سبع سنين صعاب على الناس. ﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما تدخرون من البذور ﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾: من الغيث أي يمطرون في
стр. 2101
وقت الحاجة، يقال غِيثَتْ البلاد إِدا مطرت في وقت الحاجة، ولذا يسمى المطر في هذه الحالة غيثا ويصح أَن يكون من الغوث، يقال أَغاثنا الله أَي أمدنا برفع المكاره حين داهمتنا.
التفسير
٤٧ - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾:
لما انتهى رسول الملك من إِخبار يوسف برؤيا الملك التي أزعجته، أول يوسف البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبات ذات زروع وثمار كثيرة، وأول البقرات العجاف والسنبلات اليابسات بسنين مجدبة تؤكل فيها حبوب جافة مخزونة في سنابل جافة، ووصف الطريقة التي يجتازون بها أزمة المجاعة في سبع سنين متتابعة، فقال لسائله بعد إحساسه وإدراكه أن السائل هو الملك: تزرعون الأرض سبع سنين دائبين جادين غير متوانين ولا كسلين، حتى تجود الأرض بأقصى خيراتها وأغزر ثمارها وحبها، فتلك السنوات السبع ذات الزروع والثمار الغزير هي تأويل البقرات السبع السمان والسنابل الخضر اليانعات، فما حصدتموه في كل سنة فاتركوه واختزنوه في سنابله ولا تجردوه لكي ينجو من أكل السوس، إِلا قليلا من حبها تعدونه للأكل كل عام فليس عليكم بأس من تجريده من سنابله.
فأنت تراه قد استدل على زراعة القمح سبع سنين دأبا بالسنبلات السبع الخضر فهي إشارة إِلى السنوات السبع الخصيبة، واستدل على تخزين القمح في سنابله سبع سنين بالسنبلات السبع اليابسات، واستدل على أن السنوات السبع الأخيرة ستكون جدباء وأنه يجب الاحتياط. لها بتخزين الطعام، استدل على ذلك بالبقرات السبع العجاف التي أَكلت البقرات السبع السمان كما سيأتى ببانه، ويبدو أن تخزين القمح في سنابله لمدة طويلة تصل إلى سبع سنين لم يكن معروفًا لدى قدماء المصريين، فقد كانوا يزرعون لكل عام ولا يحرمون من فيضان النيل سبع سنين متتابعة فلذا أرشدهم يوسف إِلى هذه الطريقة المثلى في التخزين لمدة طويلة، ولا عجب في أن يخبرهم بها
стр. 2102
يوسف ﵇ مع أنه لم يألف مثل ذلك، فقد علمه ربه علوما كثيرة، وحسبك دليلا على ذلك قوله لصاحبي السجن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
وقد قال القرطبي تعليقًا على هذه الآية ما يلى:
هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأُمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة، ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إِلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه الخ.
ثم شرع يوسف يبين بقية التأويل فقال:
٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾:
أي ثم يأتي من بعد السنين الخضراء التي تجدون وتتعبون في الزرع فيها فتأكلون منه وتدخرون من حبه - يأتي من بعد ذلك - سبع سنين صعاب على الناس يأكلن ما قدمتم لهن من الحب المتروك في سنابله إِلا قليلا مما تدخرونه منها لبذور الزراعة، وإسناد الأكل إليهن مع أن الآكلين هم الناس، على سبيل المجاز كما في قولهم: نهاره صائم، وفي هذه الآية تأويل أكل البقرات السبع العجاف التي هي رمز للسنوات السبع الجدباء للبقرات السبع السمان التي هي رمز للسنوات السبع الخصبة.
٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾:
أي ثم يأتي من بعد ما ذكر من السنين الخصيبة والجدباء عام فيه يمطر الناس بالغيث الذي كانوا محرومين من تتابعه وغزارته سبع سنين، وفيه يعصرون ما يقبل العصر من الثمار والحب وغيرهما، كالعنب والزيتون والسمسم والقصب. وقيل معنى يعصرون يحلبون الضروع.
стр. 2103
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾
المفردات:
﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾: ما حالهن.
﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما شأنكن، والخطب الأمر الذي يستحق أن يخاطب المرءُ فيه صاحبه.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: تنزيها لله وتعجبًا من نزاهة يوسف.
﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: وضح بعد خفاء، وأصله بمعنى تبينت حصة الحق من حصة الباطل.
﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: أي لا ينفذه ولا يوصله إلى غايته.
التفسير
٥٠ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾:
بعد أن سمع رسول الملك من يوسف تأويل الرؤيا عاد وأخبره بما سمعه من يوسف، ويبدو أنه حدثه بعلمه وفضله وخلقه وأنه قد حبس ظلما سنين كثيرة، فعرف فضله على خاصته وكهَّانه وأدرك أَن حقه في الحرية والكرامة ينبغي أن يرد إليه.
стр. 2104
وقال: ائتوني بيوسف، فلما جاءه الرسول يدعوه إلى لقاء الملك لم يشأ أن يجيبه إلى طلبه قبل أن تظهر براءته، بل قال له: ارجع إلى سيدك فاسأله ما حال النسوة الآتي قطعن أيديهن ودعونه إلى الفاحشة، يريد بذلك أن يحقق الملك في شأنهن معه ليعل نزاهته مما نسبته إليه من مراودته إياهن.
وإِنما لم يتعرض يوسف لامرأة العزيز مع أنها أصل البلاء، محافظة على حقها، وتفاديًا لمكرها، وأما النسوة فقد كان يطمع في شهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، لذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدى، ولم يصرح بمراودتهن له وقولهن أطع مولاتك، واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله:
﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾: مجاملة لهن. واحترازًا من خصومتهن له دفاعًا عن أنفسهن، إذا سمعن أنه ينسبهن إلى الفساد.
٥١ - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾:
قال الملك لما جاء الرسول بطلب يوسف أن يحقق مع النسوة: ما شأنكن حين راودتن يوسف وخادعْتُنَّه عن نفسه بترغيبه في إِطاعة مولاته هل وجدتن فيه من سوء وريبة.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
أي قلن مجيبات للملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي تنزيها لله. يردن بذلك تبرئة يوسف والاعتراف بنظافته وعفته، ولذا عقبن هذه العبارة بما أردته منها وهو قولهن:
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾: مبالغة منهن في نزاهة يوسف عن جنس السوء. فضلا عن الفحشاء.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾: مقرة بالحق في مجلس التحقيق.
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي الآن في هذا المجلس تبين الحق ووضح بعد خفاء، أنا راودته عن نفْسِهِ.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في تنزيه نفسه عن مراودته لى عن نفسي، وهكذا يحق الله - تعالى - الحق على روؤس الأشهاد، إظهارًا لكرامة الصادقين من عباده، وبذلك تحقق ليوسف ما أراده من ظهور براءته ونزاهته قبل خروجه من السجن في هذا المجلس الحافل،
стр. 2105
حتى يطمئن الناس إلى طهره يقينًا، ولا سيما العزيز الذي رباه، ولذلك قال يوسف عقب ذلك.
٥٢ - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾:
أي ذلك الذي تقدم من البقاء في السجن حتى يسأل الملك النسوة، وتظهر براءتي مما نسبته امرأَة العزيز إِليَّ، ليعلم العزيز قبل خروجي من السجن علمًا صادرًا عن اعتراف زوجته - ليعلم - أَنِّي لم أخنه بالغيب وراء الأبواب المغلقة والستور المرخاة، كما زعمت امرأَته، وليعلم أيضًا أَن الله تعالى لا يُنَفِّذ كيد الخائنين، ولا يوصله إلى السداد بل يبطله كما فعل بزوجته ولو كنت خائنا له فيها لفضحني ولم يهد كيدى كما فعل بها.
ويعلم مما تقدم من التأويل أَن هذه الآية حكاية لما قاله يوسف ﵇ تبريرًا لإصراره على إِظهار براءته قبل خروجه من السجن، حتى لا يحمل خروجه قبل ذلك على أَنه من باب العفو عنه مكافأة له على تأويل رؤياه، ولعله قال مضمون هذه الآية: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ الخ بعد أن عاد إليه رسول - الملك وأخبره بما جرى في مجلس التحقيق من ظهور براءته، وعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾.
حكاية لكلام يوسف بعد ما ظهرت براءته بإقرار النسوة أمام الملك وجلسائه.
وقيل إن الآيتين حكاية لكلام امرأة العزيز، ومعنى هذه الآية على أَنها حكاية لكلامها:
ذلك الذي قلته عن يوسف وهو غائب عن هذا المجلس وحبيس في السجن من أنني راودته عن نفسه، ليعلم أنَّ لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته عن هذا التحقيق، بل قلت الحق الذي أنكرته عبر هذه السنين، وليعلم أَن الله لا يهدى كيد الخائنين.
وسيأتي بيان قوله تعالى ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ على الوجهين المذكورين.
واعلم أَن يوسف ﵇ بلغ من النزاهة وكرم النفس مبلغا عظيمًا وحسبك أَنه لم يتعجل الخروج قبل أَن تظهر براءته علنية على هذا النحو المشرف، مع أنه