← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ -أَما هذا القول- فهو بعيد أيضًا لأنهم وإن ذكروا فى هذه السورة بعنوان أصحاب الحجر فى الآية رقم ٨٠ لكنهم لم يجعلوا القرآن عضين فإنهم لا علم لهم به لتقدمهم على نزوله فضلا عن أن المقام لا يسمح بإرادتهم. وكيف تتصل هذه الآية وما بعدها بقصتهم وبينهما تسع آيات، وفي أفصح الكلام، إن هذا لجد بعيد. ما ترتبط به هذه الآيات ومعناها قد مرَّ بك أيها القاريء الكريم أننا اخترنا الرأيين الأولين فى تفسير معنى المقتسمين لاتفاقهما على أنهم من أهل مكة. وهذا يناسب كون السورة مكية وترتبط تلك الآيات الأربع بقوله تعالى قبلها مباشرة: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ والمعنى على هذا: وقل أيها الرسول للناس: إني أنا المنذر لمن خالف ربه وكفر به وعصاه، المبين لهم ما أُنذروه كالإنذار الذي ننزله بشأن المقتسمين من أهل مكة الذين جعلوا القرآن أجزاء وفرقوه أوصافًا. فتارة يسمونه سحرًا وأخرى يزعمونه شعرًا وحينا يدَّعون أنه كهانة. وأخرى يفترون أنه أساطير الأولين. وهذا الإنذار الذي ننزله بشأنهم ونبينه لهم هو قولنا لك تسلية. ولهم وعيدًا وتهديدًا: فوحق ربك الذي أحاطك بحمايته ورباك بنعمته وشرفك برسالته لنسألنهم أجمعين عما كانوا في دنياهم يعملون من كفر وتكذيب وإعراض وافتراء ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١) فيحاسبهم أدَق حساب ويعاقبهم أشد عقاب. فليس الأمر كما يزعمون إذ يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢). وعبر بالماضى بقوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، مع أنه تعالى لم ينزل فى الماضي بشأنهم قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما أنزله وقتما أمر النبي بقوله له: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ الآيات. -وعبر بالماضي في قوله: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ - لأن المحقق إنزاله في المستقبل في حكم الذي نزل فعلا. ولأن نزوله سابق في علم الله وقضائه.

стр. 2347

ويجوز أن يراد مما أنزله الله على المقتسمين ما سبق نزوله من الإنذار للمعرضين عن القرآن المتقوِّلين عليه كقوله تعالى فى حق الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، وقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١). وذلك عقاب له على قوله في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. وكقوله فى سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). وعلى هذا يكون قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعيدًا آخر غير ما سبق نزوله بشأنهم. ويجوز أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ عائدا على الناس جميعًا، وليس خاصًّا بهؤلاء المقتسمين، أي وحق ربك يا محمد لنسألن الناس جميعًا - مؤمنهم وكافرهم عما كانوا يعملون فى دنياهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣). وليس سؤاله سبحانه سؤال استفهام واستعلام وإِنما هو سؤال تقريع وتوبيخ أَو تقرير، فعن ابن عباس ﵄ قال: لا يسألهم الله تعالى: هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم وإنما يقول: لم عملتم كذا وكذا؟ وروى الترمذي بإسناد حسن صحيح عن أبي برْزة رضىي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القيَامَةِ حَتَّى يُسَألَ عَنْ أرْبَع: عَنْ عُمُرِه فِيم أفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ منْ أيْنَ اكتَسَبَهُ وَفِيْمَ أنفَقَهُ، وَعَن جِسْمِهِ فِيمَ أبلَاهُ"؟ ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى فى سورة الرحمن: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤). وكذا فى سورة المرسلات: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٥).

стр. 2348

لأَن يوم القيامة طويل وفيه مواقف فيسأَلون في بعض المواقف ولا يسأَلون في بعضها. وفي التعرض لوصف الربوبية مضافًا إِلى ضميره ﵊، من تسليته واللطف به، ما لا يحتاج إِلى بيان. وكان رسول الله ﷺ يدعو إِلى الله تعالى سرًّا حتى نزلت هذه الآية: ٩٤ - (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ): أَي اجهر بما يأْمرك الله به، وأَعلِنْ رسالته التي أَرسلك الله بها إِلى الناس كافَّةً، ولا تبال بالمشركين وأَذاهم فالله حافظك وناصرك وعاصمك، كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" (١). ولما كان المستهزئون بالدعوة هم أَكبر المعوِّقين لها والصادِّين عن سبيل الله - وعده الله سبحانه أَن يهلكهم ويكفيه شرهم فقال: ٩٥ - (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ): الذين يستهزئون بك وبالقرآن! والمستهزئون نفر من رؤساء كفار قريش، اختُلف في عدَّتهم وفي أَسمائهم، والمشهور أَنهم خمسة، وكانوا يبالغون في إِيذاءِ رسول الله ﷺ ، والاستهزاءِ به. وبالقرآن، وهم: الوليد بن المغيرة المخزوى وهو رأَسهم، والعاصي بن وائل السهمى، والأَسود بن الطَّيب، والأَسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس، وقيل غير ذلك. غير أَن المعلوم في شأْنهم أَنهم كانوا طائفة ذات قوة وشوكة، لأَن أَمثالهم هم الذين يجترئون على مثل هذه السفاهة مع رسول الله ﷺ في علو منصبه وعظيم قدره في عشيرته. وقد وصف الله المستهزئين، وأَكد وعده لرسوله بأَنه سيكفيه شرهم فقال سبحانه:

стр. 2349

٩٦ - (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ): أَي أَنهم لم يقتصروا على الاستهزاءِ بك يا محمد بل اجترءُوا على عظيمة العظائم وكبيرة الكبائر: أَلا وهى الإِشراك بالله ، ولهذا كله "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" ما يحل بهم في الدنيا من الإِهلاك والإِبادة، وفي الآخرة من العذاب العظيم. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ المفردات: (يَضِيقُ صَدْرُكَ): أَي ينقبض ويُحرج. (مِنَ السَّاجِدِينَ): أَي من المصلين، وإِطلاق الساجدين عليهم؛ لأَن السجود في الصلاة أَظهر ما فيها من أَمارات الخضوع والاستسلام والذلة لله تعالى. (الْيقِينُ): المراد به هنا الموت؛ وعبر عنه باليقين لتحققه. التفسير بعد أَن جهر النبي ﷺ بالدعوة امتثالًا لأَمر ربه، اشتد إِيذاءُ قريش له ولمن آمن به، حتى ضاق صدره وعظم همه، بما كانوا يقولون من كلمات الشرك والسخرية فأَنزل الله عليه: ٩٧ - (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) الآيات. أَي وإِنا لنعلم ما يصيبك من انقباض صدرك، وعظِمِ همك وألمك، بسبب ما يقول المشركون فيك وفي اقرآن من كلمات الشرك والاستهزاءِ به. ٩٨ - (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ): أَي فافزع إِلى ربك فيما يصيبك من ضيق الصدر وانقباضه، ونزِّهه عما يقول المشركون،

стр. 2350

حامدًا له سبحانه على أَن هداك إِلى الحق وشرح صدرك به. وكن من المصلين الخاشعين، يكشف همك وغمك، ويذهب الضيق الذي تجده في صدرك. ولأَن السجود في الصلاة أَظهر ما فيها من الخضوع، وأَفضل أَجزائها من الخشوع - عبر الله به عنها، وأَمره به بصيغة تدل على الدوام والاهتمام بالصلاة وبالسجود معًا. وكان النبي ﷺ إِذا حَزَبه أَمر فزع إِلى الصلاة (١). وقد روى عن مسلم في صحيحه عن أَبي هريرة ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال: "أَقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأَكثروا الدعاء". وفي ختام السورة الكريمة بقوله تباركت أَسماؤه: ٩٩ - (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ): أَمر إلهى كريم للنبي ﷺ بدوام العبادة لربه والدعوة إِليه حتى يأْتيه اليقين، أَي الأَمر الموقن به وهو الموت. أَي دم على بما أَنت عليه من الصلاة والعبادة لربك ما دمت حيا. والآية دليل على وجوب العبادة - وعمادها الصلاة - على كل مكلف ما دام عقله ثابتًا. ولو كان مريضا كما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حُصينٍ ﵄ أَن رسول الله ﷺ قال: "صلِّ قائما، فإِن لم تستطع فقاعدا، فإِن لم تستطع فعلى جنبك". والآية الكريمة دليل كذلك على تخطئة من ذهب من الملاحدة إِلى أَن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أَحدهم إِلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم! وهذا كفر وضلال وجهل، فإِن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا هم وأَصحابهم أَعلم الناس بالله، وأَعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أَكثر الناس عبادةً ومواظبةً على فعل الخيرات، إِلى الممات. وإِنما المراد باليقين هنا الموت كما قدمناه. ولله الحمد والمنة، وهو المسئول أَن يتوفانا على أَكمل الأَحوال وأَحسنها فإِنه جواد كريم.

стр. 2351

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة النحل المقدمة السورة مكية إلاَّ الآيات الثلاث الأَخيرة على أَرجح الآراء، وهى تتناول النعم العديدة المتوالية من الله سبحانه على خلقه، ولهذا سميت أَيضًا سورة "النعم". وإِن كثيرًا من البشر يقابلون هذه النعم بالجحود والكفران كما قال تعالى: "يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ" النحل (٨٣) وأَهم مشتملاتها: ١ - أَنها أَشارت إِلى أَن عذاب الله واقع ماله من دافع، على من يستحقونه من الطغاة العُتاة، وإِن أَمهلهم الله حتى حين فليس معنى ذلك إِفلاتُهم من عقابه الأَليم إِذا هُمْ أَصروا على الكفر والعصيان، فإِن الله ليملى للظالم حتى إِذا أَخذه لم يُفْلِته. ومن لطفه سبحانه بعباده أَنه ينذرهم قبل معالجتهم بالعذاب عن طريق تنزيل الملائكة بالوحى السماوى على من يصطفيهم من رسله ليبلغوه إِلى أَقوامهم: "لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (١). ٢ - أَنها بينت أَن الله سبحانه خلق السماوات والأَرض من العدم بالحق والحكمة، وخلق الإِنسان من نطفة من ماءٍ مهين ثم سوّاه إِنسانًا سويًّا، فإِذا هو مجادل مكابر مُقْبِلٌ على الخطإِ بعيدٌ عن الصواب، ومع هذا فالله سبحانه يغمره بإِحسانه وكرمه، فقد خلق له الأَنعام وسخرها له ينتفع بأَصوافها وأَوبارها وأَشعارها ويأْكل لحومها وما تدره من الأَلبان، وهيَّأَ له استخدام الدواب يمتطيها ويحمل عليها أَثقاله إِلى مكان بعيد، ومع أَن الله منَّ عليه بذلك هداه إِلى السبيل السوِىِّ المستقيم ليعبد الله حق عبادته، فبعث إِليه رسله؛ وبين له آياته.

стр. 2352

٣ - وأن من رحمة الله بخلقه أَنه أسقط لهم المطر يستغلونه فى الشُّرْب وإعداد الطعام وسقي المواشى وزراعة الأرض لتخرج أنواع الثمار والفواكه والبقول وغيرها، ومن نعم الله أيضًا على عباده أنه مهَّد لهم العيش على سطح الأرض، ونظم دورانها حول محورها بصورة تستتبع تعاقب الليل والنهار وهيأ لهم الانتفاع بضوءِ الشمس ونور القمر، والاهتداء فى ظلمات الليل بالنجوم أَثناء الحِلِّ والترحال، كما سخر لهم الانتفاع بالبحار والمحيطات وما تضمه من خيرات، وما تهيئه لهم من سهولة الانتقال بالسُّفن بين شتى البلاد والأقطار، وتظهر آثار حكمته سبحانه فى أنه ثبت الأَرض فى دورانها بالجبال الشامخة حتى لا تميد بما تحمله من العوالم العديدة. ٤ - وأن الله سبحانه هو الذي خلق الخلق بحكمته وقدرته وغمرهم بإِحسانه وفضله فهو وحده الجدير بالعبادة فكيف يشركون به أحدًا من خلقه، مع أن نعم الله عليهم لا تحصى ولا تعد، وهو يعلم ما يسرون وما يعلنون، وسيجازى كل إِنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب كما جازى الأُمم السابقة لهم فى الدنيا والآخرة، في حين أَن ما يعبدونهم من دونه لا يستحقون شيئًا من العبادة لفقدانهم أَهليتها، فهم لا يملكون لأنفسهم ولا لسواهم نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. ٥ - وأن الموت نهاية كل إنسان والناس إزاءَه فريقان: فريقٌ تتوفاه ملائكة العذاب ومصيره إِلى جهنم وبئس المصير، وفريق مؤمن تتوفاه ملائكة الرحمة فتبشره بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة؟ ولقد بعث الله الرسل وأَنزل معهم الكتب فاستجاب لهم فريق وكفر بهم فريق، وسينال كلُّ جزاءه بقدر عمله، والذين هاجروا فى سبيل الله سيشملهم الله برحمته ورضوانه فى الدنيا ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. ٦ - وبينت السورة أنه تعالى لم يرسل قبل محمد ملائكة حتى يحتجوا بهذا، وإنما أرسل رجالًا أوحى إليهم برسالاته، فهل أمن الكفار أن يخسف الله بهم الأرض جزاءَ كفرهم وعنادهم أَو يصيبهم بعذاب مباغت وهم آمنون، أَفلا ينظرون إِلى الكائنات المنقادة لمشيئته الخاضعة لإرادته سواءُ فى الأرض أم فى السماء، فهو إله واحد لا شريك له، تظهر آثار قدرته وحكمته وإِحسانه على خلقه، وإِن كان بعضهم يقابل الإِحسان بالإساءة والجحود، ويزعم

стр. 2353

أن الملائكة بناتُ الله، ويضيق بإنجاب البنات، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيبقيهن مع احتمال الذل والهوان أم يدفنهن أحياءً في التراب - ولو يؤاخذ الله الناس بذنوبهم لأزال كل ما يدب على سطح الأرض من الكائنات الحية ولكنه يؤخرهم إلى أجل محدود لا يتجاوزونه بأى حال. ٧ - وبينت السورة أنه تعالى أرسل الرسل إلى الأمم السابقة فكذبوهم فأصابهم ما يستحقونه من العذاب، وأنه تعالى أنزل على رسوله الكتاب إِرشادًا وتوضيحًا وهدى ورحمة، وكما أنزل الله الهداية الروحية لإحياء النفوس أنزل سبحانه الماءَ لإحياء الأرض بعد موتها، وسخر سبحانه الأنعام لتمنحهم من بطونها اللبن السائغ العذب، وأنبت لهم من الأرض ثمرات النخيل والأعناب يتخذون من ثمراتها شرابا حلوا وأكلًا شهيًّا، وسخر النحل وهداها لتتخذ من الجبال ومن الشجر والعرائش بيوتا لها ولتتناول من الثمار غذاءً تحيله إلى عسل شهيٍّ فيه غذاء وشفاء. ٨ - وبينت أن الله خلقنا ثم قدر علينا الموت، وقد يمهل بعضنا حتى يبلغ أرذل العُمُر فلا يعلم شيئًا؛ والله اختبرنا بتفضيل بعضنا على بعض فى الرزق، وخلق لنا أزواجًا من جنسنا حتى نأْنس بِهِنّ ونَسْكُن إليهن، ومنحنا منهُنَّ أبناءً وحفدة ورزقنا من طيبات الحياة فكيف نقابل إحسانه بالكفر، ونؤْمن بالباطل والضلال ونعبد مِنْ دونه من لا يملك أن يرزقنا ولا يستطيع الرزق إن أراد. ٩ - وأنه لا يستوى العجزة والقادرون ولا الأغبياءُ والأذكياءُ؛ وللجميع نهاية يوم القيامة الذى يباغت به الجميع مباغتة تقع كطرفة العين؛ ومن آيات الله التى ينبغي مراعاتها وشكرها أنه سبحانه أخرجنا من بطون أُمهاتنا. ونحن لا نعلم شيئًا، ثم منحنا نعمة السمع والبصر والعقل المفكر لكي نعبده ونشكره حق شكره، وأتاح لنا رؤية الطير المحلِّقة فى أجواز الهواء ضد الجاذبية الأرضية، وما يحفظها في تحليقها إلا الله الحكيم القدير العليم. ١٠ - ومن نعم الله العديدة علينا أنه هدانا لاتخاذ البيوت المستقرة، كما هدانا لأن نتخذ البيوت المتنقلة من الخيام المصنوعة من جلود الأنعام. وهيَّأ لنا أن نتخذ من أصوافها

стр. 2354

وأوبارها وأشعارها أثاثًا لبيوتنا وملابس تقينا من لفح الحر ولذع البرد، وهدانا إلى اتخاذ الدروع التى تحمينا فى ساحة القتال، ولكن كثيرين منَّا يعرفون هذه النعم وهم لها جاحدون. ١١ - وأن الله سبحانه أمر عباده بمراعاة العدل والإحسان وصلة الأرحام، ونهاهم عن ارتكاب الآثام، كما أمرهم سبحانه بالوفاء بالعهود المُبْرمة والأيمان المؤكدة، وألَّا ينقضوا ما أبرموه وألَّا يتخذوا أيمانهم وسيلة للخداع والتمويه وألا يستبدلوا ما عاهدوا عليه الله بعرض زائل ولا ثمن قليل، فإنَّ ما عند الله خيرٌ وأبقى وسيجزى الله عبادهُ المتقين أَجزل الثواب. ١٢ - وأن على المؤمنين حين يتلون كتاب الله أن يستعيذوا به من وسوسة الشيطان حتى لا يُفْسِد عليهم تلاوتهم أَو يصرفهم عن تدبر آيات الله البينات؛ فإنه لا سلطان للشيطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وإنما سلطانه على الموالين له المنصرفين عن عبادة الله. ١٣ - وأنه إذا أنزل الله آية بدلا من آية كذَّب المشركون رسولهم، وكان عليهم أن يعلموا أن الرسول لا يفترى على الله الكذب، وأنه تلقى وحى الله عن طريق الروح الأمين تثبيتًا لقلوب المؤمنين وهدى وبشرى للمسلمين؛ وأن المشركين يزعمون أن محمدًا ﷺ تعلم القرآن عن طريق غلام أعجمي بمكة، وفاتهم أن هذا الغلام أعجمى لا يكاد يبين وأن القرآن الكريم عربي مبين، وافتراءُ الكذب على الله من شيمة الكذابين الكافرين. ١٤ - وأن من كفر بالله بعد الإيمان فجزاؤه العذاب الأليم، إِلا من أُكْرِه إكراهًا شديدًا على النطق بالكفر وقلْبُه ممتليءٌ بالإيمان. ١٥ - وأن النعم تزول بجحودها، وقد ضرب لذلك مثلا بقرية سعدت بأنعم الله فعاشتْ آمنة مطمئنة فلما كفرت أذاقها الله لباس الجوع والحاجة والهوان بسبب كفرها وإنكارها لأنعم الله. ١٦ - ثم وجه الله عباده إلى أن يطْعموا الحلال وأن يبتعدوا عن الحرام، ونهاهم عن أن يبتدعوا من التحريم والتحليل ما لم يأذن به الله، ونبههم إلى أن من وقع فى الآثام وبادر بالتوبة فإن الله من بعد ذلك لغفور رحيم. ١٧ - ثم أمر الله رسوله أن يلتزم فى دعوته بالرفق والأناة والموعظة الحسنة وأن يجادل الكُفار بالحسنى، وإذا آذاه المشركون فإنَّ له أَن يقابل إيذاءهم بمثله وله أن يصبر فإن الصبرَ خير عاقبة وأجدى مآلًا فإن الله مع الصابرين المحسنين.

стр. 2355

سورة النحل ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ التفسير ١ - (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ): نزل قضاءُ الله وحكمه بنصر المؤمنين وهزيمة الكفار إِذا أَصروا على الكفر والعصيان، والمقصود أَنه سيأْتى قضاءُ الله في المسقبل، والتعبير عن بالمستقبل بالماضى لأَنَّ وقوعه حتمى مؤكد في الوقت الذي حدَّده الله لوقوعه فكأَنه وقع فعلا، وشبيه هذا قوله تعالى: "وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ" (١). فإِن المناداة لا تقع إِلاَّ يوم القيامة، والمراد بأَمر الله هنا - كما قال ابن جريح - ما وعد الله رسوله من النصر على الأَعداء. والانتقام منهم بالقتل والسبى والاستيلاء على الديار اهـ. ومن ذلك قوله تعالى: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (٢). وإِذا كان قضاءُ الله نافذا لا محالة في الوقت الذي قدره الله سبحانه فلا داعى لأَن تستعجلوا وقوعه أَيها المشركون، وقد كانوا يتحدَّوْن الرسول ﷺ ويستعجلون وقوع العذاب الذي أَنذرهم به.

стр. 2356

(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): تنزيها للهِ سبحانه وتساميا عن أَن يكون له شريك أَو نظير، يماثله في أَمره كله: "أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (١) ". ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ المفردات: (بِالرُّوحِ): المقصود بالروح هنا القرآن الكريم ومنه قوله تعالى: "وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِليْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا (٢) ". أَو القرآن والسنة معا لأَنهما وحيٌ سماوى وإِن افترقا بأَن لفظ القرآن ومعناه أَنزلا من عند الله، أَما السنة فمعناها هو الذي أُنزل من عنده تعالى، وأَما لفظها فهو من تعبير نبينا محمد ﷺ . (مِنْ أَمْرِهِ): أَي أَن هذا الروح - أَي القرآن - ناشئٌ من أَمره وصادر عنه، ويصح أَن تكون (من) سببيه أَي بسبب أَمره. (أَنْذِرُوا): خوفوا وحذروا. التفسير ٢ - (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ): أَي أَنه سبحانه اقتضت حكمته قبل أَن يعاقب خلقه أَن يُرْشِدهمُ إِلى الصواب ويخوفهم العقاب فينزل ملائكته بالوحى السماوى حال كون هذا الوحى ناشئا ومبتدئا من أَمره وحده - ينزله - على من يصطفيهم من خلقه ومهمتهم ما بينه الله في قوله: "أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ" أَي خوِّفوا الناس من مخالفة أَمرى. وبينوا لهم أَنه لا إِله إِلا الله وأَن عليهم أن يعبدوه وحده وأَن يحذروا غضبه وعقابه الشديد الذي يحلُّ بهم إِذا ظلُّوا كافرين عاصين.

стр. 2357

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ المفردات: (نُطْفَةٍ): ماءُ الرجل ففيه الحيوانات المنوية، وماءُ المرأَة ففيه البويضة التي تلقح بحيوان من حيوانات مني الرجل، فيحصل الحمل وفقا لمشيئة الله تعالى. (خَصِيمٌ): شديد المخاصمة والمجادلة. (مُبِينٌ): واضح ظاهر. التفسير ٣ - (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ): بعد أَن قرّر الله أَن لا إِله إِلا هو ساق الدليل على وحدانيته، بأَنه ابتدع السماوات والأَرض على غير مثال سبق، ونسَّق بينهما أَتمَّ تنسيق، ودفع كلا منهما في فلكه المرسوم، خلق هذا كله مقرونا بالحق، مُتَّسِمًا بِالحكمة السامية في الخلق والتدبير كما قال سبحانه: " ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (١). (تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ): تنزه الله وتقدس وتسامى عن أَن يكون له شريك في ملكه أَو نطير في خلقه وتدبيره، فإِن هؤلاء الشركاءَ عاجزون عن تدبير أَنفسهم وجلب النفع لهم، أَو دفع التفسير عنهم، فكيف يكونون شركاء لله الواحد القهار، ثم تحدث عن خلق الإِنسان وخاصمته لربه فقال جل ثناؤه: ٤ - (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ): وكما خلق الله السماوات والأَرض بالحق خلق الإِنسان في أَبدع تكوين من ماءٍ مهين حيث زوده بالسمع والبصر وأَيده بالعقل المفكر. ولم يكتف بذلك، بل أَرسل إِليه الرسل،

стр. 2358

وأَنزل عليه الكتب، وكان مقتضى هذا أَن يقر بوحادنية الله وقدرته، وأَن يبادر بعبادته ولكنه اتخذ هذه المواهب التي أَيده الله بها ليجادل في وحدانية الله ويخاصم الدعاة إِليه إِذ يقول: "مَن يُحْيِى الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" (١) مع أَنه سبحانه قَوِىٌّ قَهَّارٌ منتقم ممن عصاه، وصدق الله إِذ يقول: "وَهُمْ يُجَادِلُونَ في اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ" (٢). ويصح أَن يكون المعنى؛ خلق الإِنسان من نطفة فإِذا هو منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم بعد أَن كان ماءً حقيرًا لا قيمة له ولا وزن - وهذا المعنى أَنسب بمقام الامتنان بإِعطاء القدرة على الاستدلال على الله تعالى. ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ المفردات: (وَالْأَنْعَامَ): الإِبل والبقر والظأْن والمعز. (ترِيحُونَ): يعيدونها من المراعى إِلى البيوت من الرواح وهي العودة إِلى البيوت آخر النهار. (تَسْرَحُونَ): تطلقون سراحها من الحظائر صباحًا إِلى المراعى الصالحة. (بِشِقِّ الْأَنْفُسِ): ما يشقُّ عليها ويرهقها ويحملها ما يثقلها من الأَعباء.

стр. 2359

التفسير ٥ - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: أي وكما خلق الله الإنسان خلق له الأنعام وهى الإبل والبقر والمعز والضأن، وجعل له فيها دِفْئًا، حيث يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس وأغطية تمنحه الدفء فى الشتاء كما تمنحه الدفء الداخلي بالطعام حيث تمنحه طاقات حرارية حينما يأكل لحومها ودهونها وألبانها، فإن لكل طعام نوعا حراريًّا خاصًّا به يمنحه الله لآكليه، وللإنسان فيها منافع كثيرة كالحرث والرى وغير ذلك من النعم التى تستنبط منها. ٦ - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: وكما تمنحكم تلك المنافع العظيمة فهي تدخل البهجة والسرور على نفوسكم بجمالها حين تعيدونها من مراعيها مليئة البطون، حافلة الضروع وحين تخرجونها من حظائرها الى المراعي متدافقة متموجة تنساب إليها فى مرح وخفة وحيوية ونشاط متناسقة الأعضاء متسقة التكوين. ٧ - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾: أي ومن نعم الله سبحانه فى منافع الأنعام ولا سيما الإبل. أنها تحملكم وتحمل أمتعتكم الثقيلة من بلد إلى بلد لا تستطيعون الوصول إليه إلا بمشقة وعناءٍ. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: هذا تعليل لما سبق ذكره من نعم الله على عباده، مؤكد بعدة توكيدات، وفى إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين إظهار لمزيد عنايته سبحانه بخلقه، وعظيم رأفته وواسع رحمته بهم، والرأفة فرع من الرحمة تختص بدفع المكروه وتخفيف ما يشق على عباده، وأما الرحمة فتشمل هذا وغيره من أنواع الفضل والإنعام. ٨ - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾: ومن نعم الله عليكم أنه خلق لكم الخيل والبغال والحمير. وسخرها لكم لتركبوها وتنتفعوا بها في السلم والحرب، كما جعلها زينة لكم وجمالا تلفت الأنظار وتبهج النفوس. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: وكما خلق لكم الأنعام والدواب يهديكم إلى اختراع وسائل أُخرى للتنقل والحمل لم تكن موجودة في عصر نزول القرآن وما تلاه إلى زمن قريب، مثل

стр. 2360

السيارات والقطارات والطائرات والسفن الضخمة التي تسير بالبخار وغيره إِلى غير ذلك من الوسائل التي لم تعرف حتى الآن، وفي هذا الإِعجاز القرآنى ما لا يخفى على الباحثين الدارسين، ولا تزال الكشوف متوالية إِلى ما شاءَ الله بما لم يكن يخطر على بال. ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾ المفردات: (قَصْدُ السَّبِيلِ): مستقيم الطريق. (جَائرٌ): منحرف. التفسير ٩ - (وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ): أَي وكما أَنعم الله علينا بالنعم الحسِّية الوفيرة تفضل بهدايتنا إِلى الطريق المستقيم الموصل إِليه سبحانه بما أَنزله من الكتب، ومن بعثهم من الرسل، ولو وكلنا إِلى أَنفسنا لضللنا هذا الطريق الذي دعا إِليه جميع الرسل، وهو الذي وصَّانا به سبحانه في القرآن، وباقى الطرق معوج ينحرف عن الحق، وقد نهينا عن سلوكه كما قال تعالى: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (١). (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ): أَي ولو أَراد هداية البشر جميعًا بطريق الجبر لهداهم ولكن حكمته السامية اقتضت أَن يختبرنا، ويتركهم لعقولهم واختيارهِم، بعد أَن أَرشدهم إِلى آياته ودعاهم إِلى الحق على أَلسنة رسله "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ" (٢).

стр. 2361

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ المفردات: (السَّمَاءِ): كل ما ارتفع وعلا، والمقصود هنا السحاب. (فِيهِ تُسِيمُونَ): تبعثون أَنعامكم إِلى المرعى لتسوم في الشجر أَي تأْكل منه. التفسير ١٠ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ): استأْنفت الآيات تعداد نعم الله على خلقه فإِنه سبحانه يسلط أَشعة الشمس على البحار والأَنهار فيخرج منها بخار يتحول إِلى سحاب، ويسلط عليه الرياح، فتحمله إِلى حيث يشاءُ الله فينزل منه ماءٌ عذبا يشرب منه الإِنسان والحيوان وينبت به العشب والأَشجار كما قال سبحانه: ١١ - (يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): أَي ينبت لكم بالماءِ الذي أنزله من السماءِ أَصنافا مختلفة من النبات بدأَتها الآية الكريمة بالزرع لأَنه أَصل الغذاء وعمود المعاش وبه قوت أَكثر العالم، ثم أَتبعته بذكر الزيتون لأَنه غذاءٌ، ودواءٌ وقدمت النخيل على الأَعناب لأَن فيها غذاء متكاملا وفوائد أُخرى، ولأَنها ينتفع بها زمنًا طويلًا. والمراد بالأَعناب ثمار العنب. ومجيئها بلفظ الجمع لتعدد أَنواعها ومنافعها، ثم ختمت الآية الكريمة ما ذكرته من أَصناف النبات والشجر بقوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ"

стр. 2362

للإيذان بأن ما ذكر من قبل إنما هو بعض النعم: وأن خيراته الله وثمرات الشجر تفوت الحصر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إن فيما سبق بيانه من نعم الله العديدة لآية واضحة. على عظيم قدرته وتفرده بالوحدانية لقوم يتفكرون في آياته الله فيشكرونه على سوابغ نعمه. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ المفردات: ﴿ذَرَأَ﴾.: خلق. ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: أصلها يتذكرون. أدغمت التاء في الذال بعد قلبها ذالا أي: يتعظون. التفسير ١٢ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: ومن نعم الله الكثيرة كذلك على الإنسان أنه خلق الأرض وهيأها لتدور حول محورها دورانًا نشأ عنه تعاقب الليل والنهار مما أتاح للإنسان السكون والهدوء والراحة في أثناء الليل، ويسّر له العمل والكد والكفاح في أثناء النهار؛ ومن نعمه سبحانه أن سخر الشمس لتمدنا نهارًا بالضوء والحرارة، وسخر القمر ليمدنا بالنور الهادئ المريح ليلا، وجعلهما مراصد للتوقيت الزمنى، ولنعلم بهما مواقيت العبادات وعدد السنين والحساب.

стр. 2363

﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾: أي وكما سخر الله الليل والنهار والشمس والقمر، سَخَّرَ النجوم فهي مسخرات بمشيئته وتمكينه إِياها من أداء ما خلقت لأجله، والنجوم جمع نجم، وقد أطلقه الفلكيون على كل كوكب تشع منه حرارة ذاتية وضوء ذاتي وحوله مجموعة من الكواكب ترتبط به جاذبيةً واستنارةً وحرارةً كشأن الشمس بين كواكبها المرتبطة بها فكل نجم بين مجموعته هو شمس فيها، وجميع النجوم وكواكبها منقادة لإرادة الله تعالى، دائرة في أفلاكها المرسومة وفقًا لحكمته وطبقًا لإرادته. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: إن في تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، لآلات ودلالات بالغة على قدرة الله وحكمته وإبداعه ووحدانيته، لمن استعملوا عقولهم فاهتلوا بها إلى فاطر الأرض والسماوات وآمنوا به وأفردوه بالعبادة والتقديس. ١٣ - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي وما خلق لكم في الأرض متعددةً أصنافه مسخر بأمره أيضًا، من حيوان ونبات وجماد، فكل ذلك متنوع الأشكال مختلف الألوان والأصناف متعدد المنافع مسخر لنا لننتفع به كلما أردنا إن في هذا كله لآية عظيمة على قدرة الله وحكمته ورحمته لكل من تذكر وتدبر فاتعظ بما رآه بصره وأدركته حواسه وفقهه عقله. ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ المفردات: ﴿سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: ذَللَهُ ويسّر الانتفاع به. ﴿مَوَاخِرَ﴾: جمع ماخر من مخر الماء شقه. ﴿تَمِيدَ﴾: تضطرب.

стр. 2364

التفسير ١٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: وهو الذي سخر لكم البحار بقدرته وحكمته، لكي تستطيعوا اصطياد كائناتها البحرية من الأسماك لتأكلوها طرية أي قبل أن يسرع إليها الفساد وسخرها أيضًا لكي تتزينوا بحليتها، وذلك باستخراج بعض الحلي منها، مثل اللؤلؤ والمرجان والأصداف لاستعمالها في الزينة. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. أي وترى السفن تشق سطح الماء تستخدمونها في صيد الأسماك واستخراج الحلي من البحر. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي ولتطلبوا بها منافع أخرى من فضل الله غير ما تقدم، كالتجارة ونقل الحاصلات والبضائع من مرفإ إلى مرفإ ومن قطر إلى قطر، وغير ذلك كالارتحال بها لطلب العلم حيث يوجد العلم والعلماء. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي وأمدكم الله بهذه النعم كلها لكي تشكروه على إحسانه وفضله. وتقدروه حتى قدره. ١٥ - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أي ومن نعم الله الكثيرة عليكم أنه جعل في الأرض جبالًا شامخات ثابتات تحفظ اتزانها في دورانها حتى لا تضطرب في حركتها. ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: أَي وجعل في الأرض أنهارا عذبة تجرى مياهها من منابعها إلى مصابها، لتهَيَّئ الري للإنسان والحيوان والنبات، وجعل سبحانه في الأرض طُرُقا كثيرة تنتقلون فيها من مكان إلى مكان للتجارة وجلب الرزق وتبادل المنافع، لكي تهتدوا إلى غاياتكم إذا سلكتموها. ١٦ - ﴿عَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أي وجعل في الأرض علامات لتوضيح الطرق من جبال وأنهار وغير ذلك، كما جعل النجوم في الليل عَلامات واضحة لتحديد الجهات في البحر والبر والجو، فقادة السفن والطائرات ورواد الفضاء يهتدون بالنجم القطبي أو سواه لتحديد مساراتهم واتجاهاتهم للوصول إلى أهدافهم.

стр. 2365

﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ التفسير ١٧ - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ … ﴾ الآية. أي إذا كان الله سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن بما يُعلم وما لا يُعلم وهو الخلاق العظيم فكيف يعبد معه ما لا قدرة له على النفع والضر لنفسه أو لغيره وهو مخلوق لله، وليس له في الخلق أدنى نصيب، أهما بعد هذا التباين متساويان فمن يخلق كل شيء كالذي لا يخلق أقل شيء. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أي أتعرضون عن الحق الذي أيدته الآيات فلا تتعظون بما تسمعون من العظات وبما ترون من الآيات، وقد وهب لكم عقولًا لا تميزون بها الخير من الشر والنفع من الضر فكيف غفلتم عن هذه الحقائق. ١٨ - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: أي وإن تحاولوا أن تعدوا نعم الله التي أنعم بها عليكم فلن تستطيعوا أن تَضبطوا عددها ولا تصل إليه قدرتكم فضلا عن القيام بحق شكرها، فكم له من نعم خافية ونعم ظاهرة ترونها في أنفسكم، وفيما سخره الله لكم من نبات وحيوان وجماد وأمطر وبحار وأَنهار وعيون وآبار وغير ذلك من نعم الله التي سخرها لمنفعة عباده، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾.

стр. 2366

وقد ختم الله هذه الآية بنعمة كبرى تفوق كل نعمة حيث قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فبشرهم بنعمة الغفران والرحمة ليبذلوا ما في وسعهم لشكر نعمه ويحرصوا على طاعته قدر طاقتهم، ولا ييئسوا من رحمته إِذا ما قصروا في طاعته ما داموا مؤمنين بربهم مصدقين برسالة نبيهم تائبين من ذنوبهم. ثم عقب الله هذه الآية بما يفيد التحذير من الغلو في العصيان طمعا في غفران الله، وبما يطمئن أهل التقوى على طاعتهم سِرِّها وجهرها فقال سبحانه: ١٩ - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: أي والله سبحانه يعلم حق العلم ما تخفيه السرائر وما تبديه الجوارح، فيثيب المحسن ويعاقب المسئ ويغفر للمستغفر، وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ المفردات: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: المراد بهم الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله. التفسير ٢٠ - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ الآية. أَي وكل الذين يعبدهم المشركون من دون الله من إنسان وأصنام وغيرها عاجزة عن أن تخلق أي شيء وإن كان حقيرًا، فإنها مخلوقة وليست بخالقة عاجزة وليست بقادرة، فكيف يعبدونها من دون الخلاق العظيم.

стр. 2367

٢١ - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي أن هذه المعبودات أموات فكيف عبدوها، فهي إما صخورٌ صماءٌ جامدة ليست فيها حياة وإما أحياء، لكنهم في حكم الأموات، وهم لهذا لا يشعرون متى يبعثون، والله سبحانه سيبعث هذه المعبودات الباطلة وعابديها ويخرجهم يوم القيامة للمحاجة فنتبرأ المعبودات من عابديها ثم يقذف بها وبعابديها في النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (١). أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم شهداء على أقوامهم الذين عبدوهم بغير حق كما فعل أصحاب عيسى من بعده ﵇، حيث عبدوه واتخذوه إلهًا. ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾ المفردات: ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا بد ولا محالة - أو حقًّا. التفسير ٢٢ - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: هذه الجملة تعتبر كالنتيجة للأدلة السابقة، فكأنه قال: قد ثبت بما تقدم بطلان أُلوهية غيره تعالى، وتحققت الألوهية لله وحده، فإلهكم إله واحد لا شريك له، ولكن المشركين لا تقنعهم البراهين، فهم كل باطلهم مقيمون فلهذا قال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: فالذين لا يصدقون بالحياة الآخيرة وما فيها من عقاب خالد على الشرك، قلوبهم منكرة وحدانية الله تعالى التي

стр. 2368

قال عليها البراهين، لعدم خوفهم من العقاب في شركهم، وهم لهذا مستكبرون عن قبول الحق والاستماع إلى رسوله الأمين، والنظر فيما يقدمه لهم من الآيات والبراهين، ولهذا كان لا بد من وعيد الله لهم بقوله: ٢٣ - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾: أي لا محالة أن الله تعالى يعلم ما يخفونه في أَنفسهم من الشرك وسوء الطوية وجميع معاصيهم وأسرارهم، كما يعلم ما يعلنونه من ذلك فلا تخفى عليه منهم خافية، فلابد من عقابهم على شركهم ومعاصيهم، فإن الله تعالى لا يحب المستكبرين عن الحق، المتعالين عن أدلته وبراهينه ولا يدخلهم جنته، أخرج مسلم عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "لَا يَدخُلِ الجنة من كَانَ في قَلبِهِ مثقال ذَرَّةٍ مِنْ كبرٍ". ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ المفردات: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أباطيلهم التي سطروها؛ جمع أُسطورة. ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾: أثقالهم والمراد منها؛ آثامهم. التفسير ٢٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: كان الوافدون على مكة للحج أو غير يسألون كفار مكة عن هذا النبي الذي ظهر بينهم، ورأيهم فيه وفيما أنزل

стр. 2369

عليه، فكان هؤلاء المشركون يسيئون في إِجابتهم لينفروهم منه، ويبعدهم عن الاستماع إليه، وذلك ما حكاه الله في هذه الآية. والمعنى: وإِذا سئل هؤلاء المشركون المتكبرون عما أنزله الله من الوحي على محمد ﷺ زعموا أنه حكايات ملفقة سطرها القدماءُ، وزعم محمد أنها أُنزلت عليه من الله تعالى، وكما حكى الله هذه الفرية عن المشركين هنا، حكاها عنهم في قوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. ٢٥ - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي أن هؤلاء المستكبرين قالوا لمن يسألهم عما أُنزل من الحق على محمد: هذا أساطير الأولين وأباطيلهم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا آثامهم كلها، ومنها هذا الذي اقترفوه في التنفير في الحق، ويحملوا أيضًا بعض آثام من أضلوهم وأبعدوهم عن الإِسلام بما افتروه على القرآن الكريم، وهو إثم الإضلال، فهما شريكان في الإثم، هذا يضله، وهذا يطاوعه فيتحاملان الوزر. والمراد من قوله تعالى: ﴿يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أنهم يضلونهم غير عالمين بأن ما يدعونهم إليه هو طريق الضلال، وفائدة التقييد بقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الإشعار بأن مكرهم لا يروج عند ذى لب وإنما يتبعهم الأغبياء والجهلة، والتنبيه على أن جهلهم ذلك لا يكون عذرا إن كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المُحِقّ الجدير بالاتباع وبين المبطل، أخرج مسلم وغيره عن رسول الله ﷺ أنه قال "مَنْ سَنَّ سنةً حَسنة كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أجْره شَيء، وَمَنْ سَن سُنة سيئَةَ كاَن عليْهِ وِزرهَا وَوزِرُ مَن عَمِلَ بهَا - .. " الخ. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: أي ألا بئس ما يحملونه من آثامهم وآثام من اتبعوهم في الكفر والضلال.

стр. 2370

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ المفردات: ﴿مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي كادُوا لِرُسُلِهِم يُرِيدون الإيقاع بهم. ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: أي فآتي أمر الله بنيانهم من أُسُسِه. ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾: أي سقط عليهم سقف بنيانهم. ﴿يُخْزِيهِمْ﴾: يُذِلهم بعذاب الخزى. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: هم الأنبياء والمؤمنون. التفسير ٢٦ - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: بعد أن حكى الله تعالى عن قريش قولهم عن القرآن ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وبين أنهم سوف يحملون يوم القيامة ذنوبهم وذنوب من يضلونهم، جاءت هذه الآية وما بعدها لتبين أنهم قد سبقهم مَنْ قبلهم بالكفر بالله وتكذيب رسلهم، وكانت عاقبتهم في الدنيا الهلاك وفي الآخرة الخزى والعذاب، وأن عليهم أَن يحذروا مثل مصيرهم. والمعنى: قد تآمر الذين من قبل قريش على رسلهم، فدبروا لهم المكايد ليهلكوهم أو ليقضوا علي الحق الإلهي الذي جاءوا به أممهم، فأحبط الله كيدهم، وسقط عليهم بنيان المؤامرة التي دبروها، دون أن ينال الرسل منها كريهة.

стр. 2371

شبهت حال الماكرين برسلهم في تدبير مكايدهم التي أرادوا بها الإيقاع برسل الله وفي إبطال الله تعالى تلك الحيل والمكايد، وجعلها أسبابًا لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنيانا، وعمدوه بالأساطين، فأُتِيَ ذلك البنيان من قبل أساطينه، بأن تداعت فسقط عليهم السقف من فوقهم فهلكوا. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي أتاهم الهلاك والدمار من جهة بنيانهم الذي أقاموه ضد الرسل، وقد كانوا يظنون أنه محكم بحيث لا يأتيهم من جهته ما يؤذيهم، فخيب الله ظنهم وجعله سبب هلاكهم في دنياهم. وكذلك أنتم يا أهل مكة، أحكمتم أمركم ضد القرآن العظيم، وقلتم فيه ما قلتم ومن جملته أنه أساطير الأولين، فسيأتيكم العذاب في الدنيا من حيث لا تحتسبون كما فعل الله بمن قبلكم، إن ظللتم على كفركم. ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: أي ثم يوم قيام الناس من قبورهم لحساب ربهم يذل الله المشركين بعذاب الخزى على رءوس الأشهاد، ويقول لهم تفضيحا وتوبيخا: أين شركائى في الألوهية الذين كنتم تخاصمون الأنبياء والمؤمنين في شأنهم، فاستحضروهم ليشفعوا لكم أو لينقذوكم إن كنتم صادقين في مزاعمكم نحوهم، وهيهات أن يجدوهم شافعين أو منفذين بل لائمين مكذبين. ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي قال الذين أوتوا العلم من أهل الموقف وهم الأنبياء والمؤمنون اللذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد ويقيمون لهم أدلته - قالوا لهم - شماتة بهم وتحقيقا لما توعدوهم به: إن الفضيحة والذل والهوان اليوم علي الكافرين بالله ورسله وآياته.

стр. 2372

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ المفردات: ﴿أَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: أظهروا المسالمة والانقياد والإذعان. ﴿مَثْوَى﴾: مستقر ومكان إقامة. التفسير ٢٨ - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: تسوق هذه الآية مشهدا من مشاهد النهاية لحياة الظالمين المصرين على الكفر، وهو أن ملائكة العذاب حين تقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بالكفر والعصيان، يستسلمون زاعمين أنهم لم يرتكبوا إِثما في حياتهم وأنهم ما كانوا يعملون السوء، فترد عليهم الملائكة قائلة: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي نعم قد عملتم السوء؛ إن الله سبحانه واسع العلم، محيط بكل ما كنتم تعملونه قبل وفاتكم، فكيف تكذبون على من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ومن ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. (١)

стр. 2373

٢٩ - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي فادخلوا جهنم من أبوابها السبعة التي أعدت للكفار والعصاة، لتبقوا فيها خالدين لا تبرحونها أبدا. ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: أي فما أسْوأ المقرَّ الذي أَعده الله للمتكبرين في جهنم. والمراد من المتكبرين هنا من ترفعوا عن عباده الله والاستجابة للرسل، وآثروا الكفر على الإيمان والعصيان على الانقياد والشرك على التوحيد. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ المفردات: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: بساتين إقامة من عدن بالمكان أقام به. ﴿طَيِّبِينَ﴾: صالحين. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: وأمان لكم. التفسير ٣٠ - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا … ﴾. بينت الآيات السابقة حال الأشقياء الذين أشركوا بالله وكذبوا رسله. وقالوا عن القرآن لما سئلوا عنه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ فكان جزاؤهم جهنم خالدين فيها، ثم تلتها هذه الآيات لبيان حال السعداء الذين أحسنوا القول لسائليهم والعمل لربهم. فأجزل لهم ربهم

стр. 2374

خيرى الدنيا والآخرة. وهؤلاء يقول فيهم سبحانه: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا): أي وقال القادمون على مكة للسؤال عمَّا أنزَله الله على النبي الذي سمعوا بمبعثه -قالوا- للمتقين من المؤمنين: (ماذا أنْزَلَ ربُّكم؟): أى ما الذى أنزله ربكم على رسوله: (قَالُوا خَيرًا): أي قالوا لهم: أنزل خيرًا كثيرًا وهو القرآن ففيه الخير كله، فهو رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به، وهم فى جوابهم هذا يخالفون الكفار. حيث أنكروا إنزاله بما أجابوا به بقولهم: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ". روى أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبي ﵇. فقد نقل عن السُّدى قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدًا ﷺ رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله. فانظروا أُناسًا من أشرافكم. فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة. فمن جاء يريده ردوه عنه. فكان إذا أقبل الرجل وافدًا لقومه ينظر ما يقول محمد ﷺ فينزل بهم. فيكفونه عنه، ويأمرونه بالانصراف. قائلين له: إِن لم تلقه كان خيرًا لك. لأَنه رجل لم يتبعه على أمره إلا السفهاءُ والعبيد ومن لا خير فيهم، أما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقوه، فإذا كان الوافد ممن أراد الله لهم الرشاد. وقالوا له مثل ما قالوا لغيره أَجابهم بقوله: أنا شرُّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه. فيلقى أَصحاب محمه ﵃ فيسَألهم فيخبرونه بحقيقة الحال: اهـ. وعلى هذا فالسائلون هم الوافدون. والمجيبون هم المؤمئون: ويجوز أَن يكون السائلون والمسئولون من المؤْمنين، حيث يسأل بعضهم بعضًا. ليقوى إيمانه. وليشعر بلذة الجواب الذى يعلمه. ويرغب فى سماعه، وقد يكون السائل من الكفرة المعاندين وغرضه التلاعب والتهكم. ثم أَخبر سبحانه عما أَعدَّه الله لعباده المتقين من حسن الجزاء في الدنيا والآخرة فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: أي للذين أحسنوا القول والعمل فى الدنيا حسنة جزاءَ إحسانهم ينالونها فى الدنيا، والمراد بها النصْر والفتْح والمدحُ والثناءُ وغير ذلك من المكرمات.

стр. 2375

﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾: أى مثوبتها خير وأعظم مما أُوتوه فى الدنيا من مثوبة لأنها إلى بقاءٍ. وكل ما فى الدنيا إلى فناءٍ، ولأن نعيمها لا يعدله نعيم آخر. ولهذا ختم الآية بمدحها بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: أى دار الآخرة، واعلم أن قوله سبحانه: "للذين أَحسنوا فى هذه الدنيا حسنة .. " الآية -إما أنه مستأنف للثناء على من أجابوا السائلين بأنه تعالى أنزل خيرًا، حيث وصفهم بأنهم أحسنوا فى هذه الدنيا إحسانًا مطلقًا، وعدَّ جوابهم عما سئلوا عنه من جملة إحسانهم، ووعدهم عليه الجزاءَ الأوفى. وإمَّا أن يكون هذا القول الكريم تفسيرا منهم لقولهم: "خيرًا" أى قالوا أنزل خيرًا. ذلك الخير الذى قالوه هو للذين أَحسنوا إلخ. قالوه ترغيبًا للسائل وإخبارًا عما وعد الله به عباده فيما أنزله على رسله. ٣١ - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا … ﴾: أى إن الدار التى وعد بها المتقون هى جنات إقامة واستقرار لا يخرجون منها باختيارهم ولا يخرجهم منها أَحد. وهذه الجنات تجرى من تحت أشجارها وبين قصورها الأنهار. إتمامًا لبهَائها وجمالها وكمال الابتهاج بها. ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: أَى لأهل الجنة دون سواهم من أنواع المشتهيات التى تميل إليها نفوسهم وتركب فيها طباعُهم فتتمناها. ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾: أي مثل ذلك الجزاء العظيم يجزى الله كل من اتقاه وابتعد عن الشرك وتجنب المعاصى والآثام. فلا يختص به أحد دون آخر. وفي هذا الوعد الكريم إشارة إلى تحسير الكفار. وتحزينهم على ما كان منهم. حينما سئلوا عما أنزل ربهم إذ ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ حيث حرموا هذا الثواب الجزيل الذى حصل عليه المتقون بحُسن إيمانهم وصادق جوابهم للسائلين. ٣٢ - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ … ﴾: هذا بيان لحال المتقين عند الاحتضار أي هم الذين تتوفاهم الملائكة طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصى، ومن كل سوءٍ، ووصفوا بذلك للإيذان بأن التقوى لا تتحقق إلا بالطهارة عما ذكر إلى وقت الوفاة، حثًّا لهم على التسمك والاستمرار، ولغيرهم على التحصيل والعمل، وقيل: هو كلام مستأنف

стр. 2376

معناه: الذين تتوفاهم الملائكة فرحين طيبي النفوس بما يسمعونه من بشارتهم لهم بالجنة. تلك البشارة التي يحكيها قوله سبحانه: ﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: أي يقول الملائكة لهم مطمئنين: سلام عليكم وأمان لكم أو تحية لكم من الله. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: أي أبشروا بدخول الجنة التي أعدها الله لكم ووعدكم نعيمها بعد البعث، فالمراد بالدخول هنا هو دخول أهل الجنة فيها حقيقة يوم القيامة، الأمر به قبل وقته بشارة بتحقيق وقوعه في وقته بعد البعث. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي ادخلوا الجنة بسبب ما وفقكم الله له من ثباتكم على التقوى وتمسككم بالطاعة والاستقامة على عمل الصالحات. ولا تعارض بين هذه الآية وحديث "لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدُكُم بِعَمَلِهِ" لأن المراد في الحديث أن العمل لا يساوى دخول الجنة، ولا يصلح بذاته أن يكون مقابلًا للجنة، فإن الله تعالى هو الذي أقدرنا على العمل الصالح، فإن كافأنا عليه فذلك محض فضل من الله تعالى، وأما الآية فقد أفادت أنه تعالى نفضل فجعل العمل سببًا شرعيا لدخول الجنة، ولولا ذلك لما استحق أحد بعمله هذا الثواب العظيم.

стр. 2377

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾ المفردات: ﴿أَمْرُ رَبِّكَ﴾: المراد به يوم القيامة أو العذاب الدنيوى. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: وأحاط بهم، وخصَّ لاستعمال لفظ حاق بالإحاطة في الشر، بعد أن كان في أصل معناه للإحاطة مطلقًا. ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يسخرون. التفسير ٣٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ … ﴾: أي ما ينتظر هؤُلاء الكفار بعنادهم إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك وعمل الشر، أو ما ينتظرون إلا أَن تنزل الملائكة عليهم للشهادة بصدق نبوتك. ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: المراد بأمره تعالى العذاب الدنيوي المستأصل لهم جميعا كالزلزلة. والخسف، والريح الصرصر ونحوها، وفي التعبير برب مضافًا إلى ضميره ﷺ . إظهار لكمال العناية به والرعاية له. ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي مثل ما فعل هؤلاه من الشرك والتكذيب فعل الذين سبقوهم مع أنبيائهم. فعاقبهم الله على فعلهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما يشير إِليه قوله سبحانه:

стр. 2378

﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: فيما أَنزل بهم من العذاب. لأنه سبحانه أعذر إليهم، وأقام عليهم حججه. بِإرسال رسله، وإنزال كتبه. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث عرضوها للعذاب بمخالفة الرسل، والتكذيب بما جاءُوا به، أي أن الله لم يظلمهم بتعذيبهم. ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم لمباشرتهم السيئات الموجبة لعقوبتهم. وذلك ظلم بين منهم لأنفسهم. ٣٤ - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: معطوف على قوله سبحانه: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا. والمعنى أن الله جل شأنه أنزل بالأمم السابقة أجزية أعمالهم السيئة التي اقترفوها وتمسكوا بها، وتسمية الأجزية سيئات للمشاكلة كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١). أو لأنها مسببة عن أعمالهم السيئة، فسميت باسم سببها إيذانًا بفظاعته، وإشارة إلى بالغ قبحه، ويجوز أن يكون المعنى: فأصابهم جزاءُ سيئات ما عملوا. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ويسخرون منه كلما توعدتهم به رسلهم إِن استمروا على كفرهم، وعبر بالحيق الذي خصه الاستعمال اللغوي بإحاطة الشر، للإيذان بأن العذاب لم يقتصر على مجرد إصابتهم، بل شملهم وعمهم، أو المعنى وأحاط بهم جزاءُ استهزائهم برسولهم أو به وبغيره.

стр. 2379

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غيره. ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ﴾: أي فما عليهم. ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي التبليغ الواضح أو الذي يبين الحق من الباطل. التفسير ٣٥ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾: شروع في بيان فن آخر من كفر أهل مكة، وهو اقتناعهم مما هم فيه من شرك وضلال واحتجاجهم لصحته بأنه تعالى شاءه لهم ودفعهم إليه، يريدون من قولهم هذا تبرير عدم الاستجابة لما دعاهم النبي ﷺ إليه من الإيمان بما جاءهم به، والتعبير عنهم بالذين أشركوا، لتقريعهم على الشرك وبيان أنه سبب الداء، وقمة البلاء. والمعنى: وقال مشركو مكة للرسول محتجين لما هم عليه من الشرك: لو شاء الله عدم عبادتنا لشيء غيره لما وقع منا انحراف ومخالفة لمشيئته، ولأخلصْنا العبادة له وحده. فلم نشرك نحن ولا آباؤنا الذين نهتدي بهم، ونتمسك بالاقتداء بآثارهم في كل أمورنا. ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مِما ابتدعوا تحريمه (١) واخترعوه من تلقاء أنفسهم وغرضهم من قولهم ذلك. تكذيب الرسول والطعن في الرسالة رأسًا بما حاصله أن ماشاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئًا، ونحل ما أحله، ولا نحرم شيئا

стр. 2380

مما حرمنا كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى، لكان الأمر وفق مشيئته من التوحيد ونفى الإشراك وتحليل ما أحله وعدم تحريم شيء مما حرمنا، وحيث لم يتحقق هذا. ثبت أنه جل شأنه لم يشأ شيئًا مما ذكر. بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما تقوله الرسل هو من تلقاء أنفسهم. فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي سئل هذا التكذيب والاستهزاء الشنيع بالرسل وادعاء أن شركهم رضيه الله وشاءه لهم - مثل ذلك كله اقترفه الذين سبقوهم من الأمم المسابقة. فأشركوا بالله، وحرموا ما أحله، وجادلوا رسلهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، وأعرضوا عما يدعونهم إليه استخفافًا بهم فأهلكوا. وقد أنكر الله عليهم مجابهتهم للرسل، وتماديهم في عنادهم، وبين أن المرسلين ليسوا مسئولين عن كفرهم بعد أن بلغوهم شريعة ربهم بوضوح وإخلاص فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي ليس من شأنهم إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحًا. لإظهار طريق الحق وإبانة أحكام الوحى: بما ينبئ أن مشيئته جل شأنه. إنما تتعلق بهداية من صرف قدرته واختياره إلى تحقيق الحق، وفعل الطاعة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١). وهي تتعلق كذلك بإشراك الذين اتجهوا إلى اقتراف الشرك والعصيان، وفق علمه تعالى بطبيعتهم ومباشرتهم الاختيارية لما عملوا. فالله سبحانه إنما شاء شركهم لأنه علم أزلا أنهم لا يؤمنون باختيارهم وسوء تصرفهم، وأما إلجاؤهم إلى الإيمان. فليس ذلك من وظيفة الرسل التي بعثوا بها إلى أممهم، ولا من الحكمة التي يدور عليها التكليف. لأن شأنهم تبليغ الأوامر والنواهي لا تحقيق مضمونها وإجراء موجبها على الناس قسْرًا والجاءً، وإنما المسئولية على الكفار أنفسهم، ولا تنفعهم معاذيرهم الواهنة، ومنها قولهم إنما أشركوا بمشيئة ربهم، فإنه تعالى يقول: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.

стр. 2381

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ المفردات: ﴿الطَّاغُوتَ﴾: كل ما عبد من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع. التفسير ٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: في الآية تأكيد للرد السابق على المشركين الذين أنكروا أنهم على باطل، بدعوى أن ما هم عليه من الشرك وقع وفق مشيئة الله ﵎، حسب ما جاء في النص الكريم حكايته عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. والمعنى: ولقد بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولًا خاصا بهم يبلغهم معالم الهدى، ويرشدهم إلى قواعد النظر، ويمدهم بأدلة يدركها السمع والبصر. قائلا لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة سواه كالشيطان والأوثان والكهان وكل داع إلى الضلال، ولما بلغوا ما بعثهم الله به من الأمر بعبادته وحده. واجتناب ما عداه. تفرقت أممهم. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: أَي أرشده إلى الحق الذي هو دينه، وجنبه الطاغوت بعد أن اتجه العبد إلى ربه، يبتغى منه التوفيق والهداية إلى انتهاج هذا الطريق القويم.

стр. 2382

﴿ومنهم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: أي لزمته بالقضاء عليه بالكفر إلى موته. لعناده وإصراره على ما اختاره لنفسه من التمسك بالضلال مع وضوح الأدلة الداعية إلى الحق الأبلج. ولم يكن وقوع ذلك عن طريق من طرق القسر والإلجاء كما زعموا. ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أي فسيروا في أكناف الأرض وأنحائها. أيها المشركون المكذبون الذين قلتم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فانظروا معتبرين بما حدث للمكذبين قبلكم من عاد وثمود ومن سلك طريقهم، فإنكم ستشاهدون في ديارهم آثار الهلاك المبيد، والعذاب المستأصل، فاحذروا أَن يحل بكم مثل ما حلّ بهم، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت الضلال عليهم، من غير إخبار بحلول العذاب بهم، لأن في أمرهم بالرؤية والمشاهدة لآثار العذاب لمن قبلهم من المكذبين ما يغني عن ذكر حلوله بهم. ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ المفردات: ﴿تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: تجتهد في طلب هداهم. التفسير ٣٧ - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ لإخباره بأن من سبقت له الضلالة بسوء اختياره، وإفساده استعداده. لا يهديه الله مهما بذلت من جهد في تقويمه، وقدمت من نصح لإشاده بعد أن أضله وفق علمه بسوء اختياره. والمعنى: إن تحرص أيها الرسول على هدى قومك فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية جبرًا وقسرًا فيمن وجبت له الضلالة بسوء اختياره.

стр. 2383

﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: يدفعون عنهم العذاب يوم القيامة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ودع أمرهم لربك، فهو أَعلم بحالهم وما ينبغي لهم. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ المفردات: ﴿جَهْدَ﴾: الوسع والطاقة وهو بفتح الجيم وضمها: من جهد نفسه في الأمر. بذل أقصى جهدها وطاقتها فيه، وبابه نفع. وجهد الأيمان؛ المبالغة فيها أو في تقويتها. التفسير ٣٨ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: شروع في بيان فن آخر من أباطيل أهل مكة والتعجيب من صفتهم، فقد ذكر الله تعالى أنهم أقسموا بالله. وبالغوا في تأكيد أيمانهم وتغليظها. بأنه سبحانه لا يبعث مَن يموت، وهذا منهم اضطراب وسوء إدراك فإنهم معترفون بأنه تعالى خالق السماوات والأرض وما فيهن، فكيف ينكرون أن يبعث من في القبور تحقيقًا للعدالة بين عباده، بأن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولهذا رد عليهم سبحانه ردًا بليغًا بقوله تعالى: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: أي بلى يبعثهم، وقد وعد الله بذلك وعدًا ثابتا، لابد من إنجازه؛ لأنه أخذ على نفسه العهد بوقوعه، ولن يخلف الله وعده.

стр. 2384

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي ولكن أكثر الناس يجهلون أنهم مبعوثون لجهلهم بشئون الله من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ولعدم وقوفهم على سر التكوين، وعلى أن البعث حق لتحقيق العدل حين الجزاء، فلجهلهم بكل هذا وإعراضهم عن الإدراك والانتفاع بالتوجيه والنصح أنكروه وبالغوا في إنكاره وكذبوا الرسل في إخبارهم به. ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ للإيذان بأن ما عند أكثرهم بمعزل عن العلم المعتد به، وإنما هو توهم صرف، وجهل محض، وعلى هذا يكون لفظ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ منزلا منزلة الفعل اللازم لم يراع فيه تعلقه بمفعول أصلا. ٣٩ - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ … ﴾: أي يبعث الله الأموات مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة، ليبين لهم بذلك حقيقة الحال، بما يحصل لهم من مشاهدة حقائق الأمور كما هي، ومعاينتها بصورها الحقيقية. فيصل بذلك علم المؤمنين إلى عين اليقين، ويتضح للمكذبين الجاحدين الحق الشامل لجميع ما خالفوه وأعرضوا عنه. بما جاء به الرسل الذين بعثوا إليهم ويدخل فيه البعث دخولا أوليا. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالبعث وأقسموا على إنكاره وكفروا بالله سبحانه بالإشراك وتكذيب وعده الحق. ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: في كل أقوالهم عن الله ورسله من أَكاذيب ومن جملة ذلك قولهم: "لا يبعث الله من يموت". وجعلت غاية البعث هنا ما ذكر من بيان ما اختلفوا فيه وعلمهم أنهم كانوا كاذبين في إنكاره؛ لأن النص الكريم في معرض الرد علي المنكرين له، وإلا فالمقصود الأصلي من البعث باعتبار ذاته إنما هوالجزاء، وقد تكرر ذكره في مواضع أخر ....

стр. 2385

﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ التفسير ٤٠ - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ … ﴾ الآية. استئناف لبيان أن بعث العباد يوم القيامة، ليس بعسير على الله تعالى حتى يستبعده الكفار وذلك لسهولة التكوين عليه بدءا، والإعادة عليه غاية: والمعنى: ما قولنا لشيء إذا تعلقت بإيجاده إرادتنا إلا ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي أن نقول تبليغا له: ﴿كُنْ﴾ فإذا قلنا له ذلك فهو يكون. وهو تمثهل لسهولة تأتي المقدورات لله تعالى حسبما تتعلق بها مشيئته، وتصوير لسرعة إيجادها والمقصود أنه تعالى عند تعلق مشيئته بإيجاد شيء أوجده بقدرته في أسرع ما يكون، فلا يمتنع عليه إيجاده عند إرادته له. كما لا يمتنع المأمور الممتثل عند أمر الآمر المطاع، وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون. فإنه تعالى ليس بحاجة إلى ذلك، كما أن المعدوم الذي يريد الله إيجاده لا يعقل خطابه؛ لأن الخطاب يكون للموجود دون المعدوم وإذا كان كل مقدور لله تعالى يتحقق بهذه السهولة والسرعة. فكيف يمتنع عليه البعث كما يدعي المنكرون الضالون مع أنه بعض مقدوراته سبحانه ..
следующие страницы →