﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾
المفردات:
﴿الطَّاغُوتَ﴾: كل ما عبد من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع.
التفسير
٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾:
في الآية تأكيد للرد السابق على المشركين الذين أنكروا أنهم على باطل، بدعوى أن ما هم عليه من الشرك وقع وفق مشيئة الله ﵎، حسب ما جاء في النص الكريم حكايته عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
والمعنى: ولقد بعثنا في كل أمة من الأمم السابقة رسولًا خاصا بهم يبلغهم معالم الهدى، ويرشدهم إلى قواعد النظر، ويمدهم بأدلة يدركها السمع والبصر. قائلا لهم: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة سواه كالشيطان والأوثان والكهان وكل داع إلى الضلال، ولما بلغوا ما بعثهم الله به من الأمر بعبادته وحده. واجتناب ما عداه. تفرقت أممهم.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: أَي أرشده إلى الحق الذي هو دينه، وجنبه الطاغوت بعد أن اتجه العبد إلى ربه، يبتغى منه التوفيق والهداية إلى انتهاج هذا الطريق القويم.
стр. 2382
﴿ومنهم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: أي لزمته بالقضاء عليه بالكفر إلى موته. لعناده وإصراره على ما اختاره لنفسه من التمسك بالضلال مع وضوح الأدلة الداعية إلى الحق الأبلج. ولم يكن وقوع ذلك عن طريق من طرق القسر والإلجاء كما زعموا.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: أي فسيروا في أكناف الأرض وأنحائها. أيها المشركون المكذبون الذين قلتم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فانظروا معتبرين بما حدث للمكذبين قبلكم من عاد وثمود ومن سلك طريقهم، فإنكم ستشاهدون في ديارهم آثار الهلاك المبيد، والعذاب المستأصل، فاحذروا أَن يحل بكم مثل ما حلّ بهم، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت الضلال عليهم، من غير إخبار بحلول العذاب بهم، لأن في أمرهم بالرؤية والمشاهدة لآثار العذاب لمن قبلهم من المكذبين ما يغني عن ذكر حلوله بهم.
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: تجتهد في طلب هداهم.
التفسير
٣٧ - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾: هذا خطاب للنبي ﷺ لإخباره بأن من سبقت له الضلالة بسوء اختياره، وإفساده استعداده. لا يهديه الله مهما بذلت من جهد في تقويمه، وقدمت من نصح لإشاده بعد أن أضله وفق علمه بسوء اختياره. والمعنى: إن تحرص أيها الرسول على هدى قومك فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهداية جبرًا وقسرًا فيمن وجبت له الضلالة بسوء اختياره.
стр. 2383
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: يدفعون عنهم العذاب يوم القيامة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ودع أمرهم لربك، فهو أَعلم بحالهم وما ينبغي لهم.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾
المفردات:
﴿جَهْدَ﴾: الوسع والطاقة وهو بفتح الجيم وضمها: من جهد نفسه في الأمر. بذل أقصى جهدها وطاقتها فيه، وبابه نفع. وجهد الأيمان؛ المبالغة فيها أو في تقويتها.
التفسير
٣٨ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: شروع في بيان فن آخر من أباطيل أهل مكة والتعجيب من صفتهم، فقد ذكر الله تعالى أنهم أقسموا بالله. وبالغوا في تأكيد أيمانهم وتغليظها. بأنه سبحانه لا يبعث مَن يموت، وهذا منهم اضطراب وسوء إدراك فإنهم معترفون بأنه تعالى خالق السماوات والأرض وما فيهن، فكيف ينكرون أن يبعث من في القبور تحقيقًا للعدالة بين عباده، بأن يجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولهذا رد عليهم سبحانه ردًا بليغًا بقوله تعالى:
﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: أي بلى يبعثهم، وقد وعد الله بذلك وعدًا ثابتا، لابد من إنجازه؛ لأنه أخذ على نفسه العهد بوقوعه، ولن يخلف الله وعده.
стр. 2384
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي ولكن أكثر الناس يجهلون أنهم مبعوثون لجهلهم بشئون الله من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ولعدم وقوفهم على سر التكوين، وعلى أن البعث حق لتحقيق العدل حين الجزاء، فلجهلهم بكل هذا وإعراضهم عن الإدراك والانتفاع بالتوجيه والنصح أنكروه وبالغوا في إنكاره وكذبوا الرسل في إخبارهم به. ويجوز أن يكون قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ للإيذان بأن ما عند أكثرهم بمعزل عن العلم المعتد به، وإنما هو توهم صرف، وجهل محض، وعلى هذا يكون لفظ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ منزلا منزلة الفعل اللازم لم يراع فيه تعلقه بمفعول أصلا.
٣٩ - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ … ﴾: أي يبعث الله الأموات مؤمنهم وكافرهم يوم القيامة، ليبين لهم بذلك حقيقة الحال، بما يحصل لهم من مشاهدة حقائق الأمور كما هي، ومعاينتها بصورها الحقيقية. فيصل بذلك علم المؤمنين إلى عين اليقين، ويتضح للمكذبين الجاحدين الحق الشامل لجميع ما خالفوه وأعرضوا عنه. بما جاء به الرسل الذين بعثوا إليهم ويدخل فيه البعث دخولا أوليا.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالبعث وأقسموا على إنكاره وكفروا بالله سبحانه بالإشراك وتكذيب وعده الحق.
﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: في كل أقوالهم عن الله ورسله من أَكاذيب ومن جملة ذلك قولهم: "لا يبعث الله من يموت". وجعلت غاية البعث هنا ما ذكر من بيان ما اختلفوا فيه وعلمهم أنهم كانوا كاذبين في إنكاره؛ لأن النص الكريم في معرض الرد علي المنكرين له، وإلا فالمقصود الأصلي من البعث باعتبار ذاته إنما هوالجزاء، وقد تكرر ذكره في مواضع أخر ....
стр. 2385
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾
التفسير
٤٠ - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ … ﴾ الآية.
استئناف لبيان أن بعث العباد يوم القيامة، ليس بعسير على الله تعالى حتى يستبعده الكفار وذلك لسهولة التكوين عليه بدءا، والإعادة عليه غاية:
والمعنى: ما قولنا لشيء إذا تعلقت بإيجاده إرادتنا إلا ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي أن نقول تبليغا له: ﴿كُنْ﴾ فإذا قلنا له ذلك فهو يكون. وهو تمثهل لسهولة تأتي المقدورات لله تعالى حسبما تتعلق بها مشيئته، وتصوير لسرعة إيجادها والمقصود أنه تعالى عند تعلق مشيئته بإيجاد شيء أوجده بقدرته في أسرع ما يكون، فلا يمتنع عليه إيجاده عند إرادته له.
كما لا يمتنع المأمور الممتثل عند أمر الآمر المطاع، وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون. فإنه تعالى ليس بحاجة إلى ذلك، كما أن المعدوم الذي يريد الله إيجاده لا يعقل خطابه؛ لأن الخطاب يكون للموجود دون المعدوم وإذا كان كل مقدور لله تعالى يتحقق بهذه السهولة والسرعة. فكيف يمتنع عليه البعث كما يدعي المنكرون الضالون مع أنه بعض مقدوراته سبحانه ..
стр. 2386
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾
المفردات:
(الهِجرةُ): بكسر الهاء وضمها: الخروج من أرض إلى أخرى، والهجرة إذا أطلقت انصرفت إلى هجرة المسلمين إلى المدينة قبل الفتح ما لم تدل قرينة علي خلافه كما سيأتي في بيان سبب النزول ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لننزلنهم، يقال بوَّأه منزلا وفيه أنزله. كأباءه.
التفسير
٤١ - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ … ﴾: هذه الآية قيل إنها نزلت في المهاجرين إلى الحبشة من أصحاب محمد ﷺ الذين اشتد بهم أذى المشركين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج إلى الحبشة فرارا بدينهم، وقد نقل عن ابن عباس أنها نزلت في صهيب وبلال وعمار وخباب وأبي جندل وغيرهم، أخذهم المشركون بعد هجرة النبي إلى المدينة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإِسلام، فأما صهيب فقال أنا رجل كبير. إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم. فافتدى منهم بماله. وهاجر فلما رآه أبو بكر ﵁ قال: ربح البيع يا صهيب، وهذا يفيد أنها نزلت بالمدينة، والصحيح في سبب النزول هو الأول لأن السورة مكية عدا ثلاث آيات في آخرها، ومعنى الآية على هذا: وأصحاب رسول الله ﷺ الذين هاجروا إلى الحبشة من وطنهم مكة وتركوا أموالهم، وأهليهم وكل عزيز عليهم في سبيل الله، لنصرة دينه والحفاظ عليه ابتغاء وجهه والتماس رضاه، وكانت هجرتهم بعد أن حل بهم من الظلم أقساه، ومن التعذيب والتنكيل ما يتجاوز الاحتمال. هؤُلاء المهاجرون المظلومون.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي لنبوئنهم مباءة حسنة. والمراد بها المدينة أو لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة بما استولوا عليه من فتوح صارت لهم فيها ولايات.
стр. 2387
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: أي ولأجر دار الآخرة أكبر مما وعدوه من أجر الدنيا، وكان عمر ﵁ إذا أعطى رجلًا من المهاجرين عطاء قال له: خذ بارك الله تعالى لك فيه. هذا بعض ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا الآية.
والضمير في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: إن كان لكفار مكة فالمعنى، لو علموا ما ادخره الله لهؤُلاء المهاجرين من خيرى الدنيا والآخرة لبادروا إلى الإيمان ولوافقوهم في الدين، وإن كان للمهاجرين فالمعنى؛ لو علموا ذلك لزادوا في الاجتهاد والصبر كل الابتلاء.
٤٢ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي أَصحاب هذى البشرى هم الذين صبروا على إيذاء المشركين لهم، وفراق أهليهم وأموالهم ووطنهم وبيوتهم، وعلى ربهم يتوكلون ويعتمدون ولهذا حقق لهم من فضله ما بشرهم به.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج والبراهين الواضحات، والمراد بها: المعجزات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾: جمع زبور وهو الكتاب، تقول العرب. زبرْتُ الكتاب، أي كتبْتُه. والمراد بالزبُر، الكتبُ السابقةُ.
٤٣ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا … ﴾: نزل النص الكريم للرد على مشركي مكة - حيث أنكروا نبوة محمد ﷺ . وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فهلا بعث إِلينا ملكا فقال سبحانه إبطالا لقولهم:
стр. 2388
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾: أَى جرت السنة الإلهية حسبما اقتضته الحكمة بألا يبعث الله للدعوة إلى دينه، إلا رجالاً يوحى إليهم بوساطة الملك الذي يحمل إليهم أوامر الله ونواهيه لتبليغها إِلى أُممهم، وتلك الأُمم حسب طبيعتها الآدمية لا تستطيع معاينة الملك على صورته الأصلية، فإنهم يهلكون إِن جاءهم بها، فلا بد من أن يكون بصورة رجل لكي يحتملوا لقاءه، ولكنه في هذه الحالة يلتبس عليهم الأمر فيظنونه بشرًا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ (١)، ولمَّا كان المقصود من خطاب الله لرسوله هو تنبيه الكفار إلى مضمونه. صرف الخطاب إِليهم حيث قال سبحانه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أى فاسألوا أهل الكتاب الذين أَسلموا كما قال سفيان، أو المراد أهل الكتاب مؤْمنهم وكافرهم. لأن من لم يؤْمن منهم معترف بأن الرسل كانوا بشرا. أو المراد علماءُ وأَحبار الأُمم السابقة الذين يجيدون ذكرها وحفظها.
﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أن جميع الأنبياء كانوا رجالا فاسألوهم ليعلموكم ذلك.
٤٤ - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾:
البينات: الحجج، والزبر: الكتب؛ جمع زبور وهو الكتاب أى أرسلنا الأنبياء بالحجج الواضحة، والبراهين الساطعة المؤيدة لهم، الدالة على صدقهم، وأرسلناهم بالكتب المنزلة عليهم بيانا للشرائع والتكاليف.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾: أى القرآن وهو مأخوذ من التذكير أي الوعظ والإيقاظ من الغفلة.
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾: من ربهم في هذا الكتاب من العقائد والأحكام والأخلاق بقولك وفعلك. لعلمك بمعنى ما أُنزل إليك، وحرصك عليه. واتباعك له. فتفصل لهم ما أُجمل، وتبين ما أَشكل بيانًا شافيًا، وبنحو هذا المعنى قال مجاهد، فقد نقل عنه أن المراد بهذا التبيين شرح ما أُشكل، وتفسير ما أُجمل إذ هما المحتاجان للتبيين، وأما النص في معناه والظاهر فلا يحتاجان إليه: اهـ نقلا عن الألوسي.
وبالجملة فالمعنى أَنزلنا اليك القرآن لتبين للناس ما خفى عليهم من أسراره وعلومه التي لا تكاد تحصى.
стр. 2389
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي رغبة في أن يتأملوا فينتبهوا للحقائق. ليكون ذلك داعيًا لهم إلى الاحتراز عما أصاب السابقين من العذاب، ودافعا إلى الاهتداء ليفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: أي عملوا السيئات بمكر وخبث.
﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: أي يشق بهم الأرض فيهلكوا في جوفها، يقال: خسف المكانُ أي ذهب في الأرض، وخسفه الله أي شقه وخسفه بفلان أي شق المكان وغيب الشخص بداخله، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. وبالجملة فهو لازم ومتعد ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: أي يهلكهم في حركتهم إقبالا وإدبارا، مقيمين أو مسافرين. ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على مخافة وحذر من الهلاك، أَو على تنقص في أنفسهم وموارد رزقهم إلى أن يهلكوا جميعًا. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي وما هم بممتنعين علينا بقوتهم أو بالهرب فرارا من بأسنا.
التفسير
٤٥ - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ … ﴾: هذا وعيد للمشركين من أهل مكة الذين احتالوا بالسيئات في إبطال الإِسلام، فمكروا برسول الله ﷺ حيث دبروا في خفاء كل أسباب الإيذاء له ولأصحابه الذين آمنوا معه واتبعوه، وهو وعيد عام لكل ماكر، والاستفهام للإنكار، ومعناه: يجب ألا يأمن هؤلاه الماكرون العقوبات السيئة التي تحل بهم
стр. 2390
كما حلت بالمكذبين قبلهم. وكيف يحق لهم أن يأمنوا إنزال أشد العقوبات بهم مع قدرته جل شأنه على:
﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: أي يهلكهم بالخسف وهو تغييبهم في الأرض بتغْويرها بهم - قال ابن عباس: كما خسف بقارون - يشير بذلك إلى قوله سبحانه ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (١).
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أي يأتيهم عذاب الله وهم في غفلتهم ولهوهم، أو من مأمنهم حيث يبتغون الأمن والسلام، أو من الجهة التي يرجون منها الخير والبركة. كما فُعل بقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة.
ولقد حدث لهم ذلك يوم بدر، فقد أهلكوا مع كثرتهم عددًا وعتادًا وهم يأملون النصر والغنيمة.
٤٦ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: أي ينزل بهم العذاب في تنقلهم للتجارة بعيدين عن مساكنهم. قاله قتادة، وقال الزجاج: المراد ما يعم سائر حركاتهم في أمورهم ليلا ونهارًا.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي فلا يستطيعون الإفلات والفرار من عذابه تعالى لأنه لا يعجزه شيء يريده، فهو القوي العزيز.
٤٧ - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: أي يأخذهم على مخافة وحذر من العذاب والهلاك.
بأن يأخذ طائفة. ويدع أخرى، فتخاف أن ينزل بها من العذاب مثل ما نزل بصاحبتها. أو أن تحدث حالات يخاف فيها عادة كالأعاصير والزلازل والصواعق فيتخوفوا منها فيأخذهم العذاب في حال تخوفهم. أو يأخذهم على تنقص في أنفسهم وفي صحتهم وأموالهم وأولادهم وموارد رزقهم إلى أن يهلكوا جميعًا. فهم في كل لحظة بسبب ما حل بهم في خوف من العذاب لأنهم يترقبون وقوعه.
ويلاحظ أن التنقص من معاني التخوف لغة كما سبق بيانه في المفردات. ولما كان المتقلبون في البلاد ليلا ونهارا للتجارة غيرها. بعيدًا عن المسكن والملجأ. مظنة الفرار من العقاب عند ظهور أول بوادره وكذلك المتخوفون من حلول العقاب بهم، فلهذا عبر سبحانه
стр. 2391
عن إصابة العذاب لهم بالأخذ الدال على القهر والشدة نظرًا لحالهما، وسدًّا لِمَنافِذِ النجاة على كليهما، وعبر عن إصابة العذاب لهم حال الغفلة بالإتيان لأنه ليس مظنة الفرار وسلوك أي مسلك للنجاة عادة. فلذلك اختلف التعبير في الإِنذار بالعذاب. وليس المراد حصر الإهلاك في هذه الأحوال الثلاثة، وإنما المراد بيان قدرة الله على إهلاكهم بأي وجه كان.
ثم ختمت الآية بما يفيد اقتضاء رحمة الله الواسعة، ورأفته الشاملة ألا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا ليتسنى لهم التفكر في شأنهم والتدبر في أمرهم. حيث قال سبحانه:
﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: حيث أمهلكم مع استحقاقكم للعقوبة لما اقترفتم من بغي وعدوان.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: تفيُّؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار. من فاء يفيء. إذا رجع.
﴿دَاخِرُونَ﴾: أذلاء منقادون، من الدُّخُور وهو الصغار والذل، وفعله. كمنع وخرج.
التفسير
٤٨ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ … ﴾: استفهام إِنكارى قصد به تقريع الذين مكروا السيئات، والمعنى أعمى الذين مكروا السيئات ولم ينظروا إلى ما خلق الله من كل جسم قائم له ظل مما تدركه الأبصار، ليعلموا عظمة الله وكبرياءه، وأنه سبحانه دانت
стр. 2392
له الأشياء والمخلوقات جميعًا جمادها ونباتها وحيوانتها، وأناسبها. كما دانت له ظلالها.
فكل ذى ظل منها. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: أَي ينتقل ويرجع من جانب آخر بارتفاع الشمس وانحدارها. أو باختلاف مشارقها ومغاربها. فإن لها مشارق ومغارب حسب مداراتها اليومية التي تتحرك فيها كل يوم من أَيام السنة وفق تقدير العزيز العليم.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾: المراد بهما جانبا الشيء، استعارة عن يمين الإنسان وشماله، والمعنى أن ظلال الأشياء متفيئة عن جانبي كل واحد منها. ترجع من جانب إلى جانب. فتكون أول النهار على حال، وآخره على حال أخرى وذلك أنها تميل إلى جهة المغرب من وقت الشروق إلى الزوال. وتميل بعده إلى وقت الغروب راجعة إلى جهة الشرق.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾: أي حال كون هذه الظلال منقادة لإرادته تعالى في الامتداد والتقلص.
والرجوع من حال إلى حال خاضعة لأحكام تدبيره. غير ممتنعة عليه سبحانه فيما سخرها له، وذلك هو المراد بسجودها.
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: أي أن أَصحاب هذه الظلال التي انقادت ظلالها لما قدر لها من التفيؤ. أذلاءُ منقادون لحكمه تعالى. يستوى في ذلك الأجرام الثابتة، كالجبال والأشجار والأحجار ونحوها، والأجسام المتحركة من كل ما يدب على الأرض إنسانًا وغيره، وعبر بضمير العلاء وصفتهم مع شمول الحكم لسواهم، تغليبًا للعقلاء على غيرهم.
٤٩ - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ … ﴾: شروع في بيان سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة بعد بيان سجود الظلال وأصحابها بصفة عامة تأكيدًا لبيان قدرة الله جل شأنه، وأَنه سبحانه يخص لسلطانه وحده كل شيء، وينفاد له جميع ما في السماوات من الملائِكة والشمس والقمر والنجوم والكواكب والرياح والسحاب، وما في الأرض من كل شيء يدب ويتحرك عليها، وقوله من دابة بيان لما في الأرض، وقيل بيان لما في السماوات وما في الأرض جميعًا بناء على أن الدبيب هو الحركة الجسمانية في أرض أو في سماء، وربما كان ذلك إشارة إلى وجود أجسام عاقلة على بعض الكواكب، وقد عزى هذا الرأى إلى ابن عباس وغيره.
стр. 2393
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: أي وملائِكة الأرض والسماء يسجدون لله تعالى، وإنما أفردوا بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة، وسجود المكلفين المؤمنين لله يعم سجود الطاعة والعبادة، وسجود الخضوع لمراد الله تعالى، أما سجود غيرهم فهو سجود الخضوع والانقياد لما يريده الله بهم من الأمور الاختيارية والقهرية، فهم في كل ذلك ساجدون أي خاضعون لسلطان الله.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي أن الملائكة مع علو شأنهم لا يستكبرون عن عبادته والسجود له. ومخلوقات نورانية عاقلة مطيعة لله تعالى.
٥٠ - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ … ﴾: أَي يرهبون مالك أمرهم، ويخافونه خوف هيبة وإجلال. وهو فوقهم بالقهر والحكمة والعدم. كما في قوله تعالى: ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
أو المعنى؛ يخافون عذاب ربهم على حذف مضاف لأن العذاب المهلك إنما ينزل من السماء.
وجملة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بيان وتقرير لنفي الاستكبار لأن من خاف الله لا يستكبر عن عبادته.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: أي يؤدون كل ما يوجهون إِليه في سلوكهم. فشأنهم المثابرة على العبادة وتنفيذ ما يكلفون به من التدبيرات في كون الله تعالى، وإنما قال سبحانه: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ حيث لم يذكر من يُصْدِرُ لهم الأمْر، لأنه لا يخفى علي أحد، فهو الله تعالى.
стр. 2394
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾
المفردات:
﴿فَارْهَبُونِ﴾: أَي فخافون واخشوا عقابي إن خالفتم أَمرى.
﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾: وله الطاعة والانقياد أو الجزاءُ، مِن دِنْتُهُ أَي جازيْتُهُ.
﴿وَاصِبًا﴾: واجبًا لازمًا، وفسّره الربيعُ بن أَنس بقوله: "واصِبًا" خالصًا.
التفسير
٥١ - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾:
حذر الله في الآيات السابقة أَهل مكة من عاقبة كفرهم بما أنزله على رسوله من أَن يصيبهم مثل ما أصاب المكذبين بالرسل قبلهم، من الخسف أَو إتيان العذاب من حيث لا يشعرون، أَو إن يأخذهم في تقلبهم ونشاطهم بغير مقدمات، أو يأخذهم على تخوف من الهلاك بأَن يرهبهم قبله بمقدمات مخيفة، وأَتبع ذلك توبيخهم على أَنهم لم يتفكروا فيما خلقه من الأَشياء التي تنتقل ظلالها عن اليمين وعن الشمائل، من الجبال والأَشجار وغيرها، منقادة لله تعالى في أَمرها كله، وبيَّن أنه - سبحانه - يسجد له ما في السماوات والأرض عن دابة، وكذلك الملائكة مع رفعة شأنهم، فإنهم يطيعون ربهم فلا يعصونه، بل يفعلون ما يؤْمرون.
وجاءَت هذه الآية لتأمر أَهل مكة وغيرهم بتوحيده بالعبادة والخوف من التقصير فيما كلفهم به، فإِن منْ هذا شأنه لا يعبد سواه، ولا يخاف غيره. وقد كان مشركو قريش وغيرهم يعترفون بألوهية الله، ولكنهم كانوا يتخذون معه شركاء لتُقرِّبهم إليه، وهم مع ذلك يعتقدون أَن الله يملكها، فهذه قبيلة نزار مثلًا كانت تقول في تلبيتها في الخج: "لبيك اللهم
стр. 2395
لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكٌ هو لك. تملكه وما ملك" فهم يوحدونه بالتلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده، وفي مثل ذلك يقول الله تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. وكانت لهما أَصنام مشتركة، وأخرى لطائفة دون أخرى، أو لبيت دون آخر، ولما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم فتح مكة، وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا فجعل يطعنها بِسِيةِ (١) قوسه في عيونها ووجوهها وهو يقول: "جَاءَ الْحقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" ثم أمر بها فكُبَّتْ على وجوهها، ثم أخرجت من المسجد ودُمِّرت.
معنى الآية:
وقال الله الذي عرفتم سلطانه في هذا الكون: لا تتخذوا يا عبادى لكم إِلهين اثنين فضلًا عما فوقهما إِنما الإِله إله واحد لا شريك له، إذ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
ثم التفت النص الكريم من الغيْبةِ إلى التكلم، لِتربِيةِ المهابة والرهبة فقال:
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أَي إِن كنتم ترهبون شيئًا وتخافون منه، فإِياى ارهبوا وخافوا دون سواى، فليس غيري أحقّ بالرهبة، فارهبوني فإِنني أَنا الواحد الذي يسجد له ما في السماوات والأَرض ويخضع لسلطانه.
ثم بين الله سبب وجوب توحيده بالعبادة والرهبة بقوله:
٥٢ - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾:
أَي ولله وحده كل ما في السماوات والأرض، من أَجزائهما وما استقرَّ فيهما، له كل ذلك خلقًا وملْكًا وتصرفا، وله الطاعة والانقياد واجبًا ثابتًا لا يستحقه سواه، لِما تقرَّر من أَنه الإله الواحد الحقيقُ بأن يُرهب.
وعلى تفسير الدين بالجزاء يكون المعنى: وله الجزاء دائمًا، فلا ينقطع ثوابه عمن آمن وعمل صالحًا، ولا عقابه عمن كفر وصدَّ عن سبيله.
стр. 2396
ثم استنكر الله أن لا يتقي المشركون مَن هذه آيات عظمته فقال سبحانه:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾:
أي أبعد ما تقدم بيانه من أَن كل ما في السماوات والأرض يسجد ويخضع لله، وأن الطاعة واجبة له، والجزاء حق من حقوقه، أبعد ما ذكر تخصون غير الله بالتقوى؟ مع أنه - تعالى - هو المستحق لها دون سواه، ثم أنكر عليهم شركهم مع توالى نعمه عليهم فقال سبحانه:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾
المفردات:
﴿تَجْأَرُونَ﴾: تتضرعون ليكشف عنكم الضر. والجُؤار، رفع الصوت بالدعاء والاستعاثة (١).
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أمر تهديد لهم وليس أمر إباحة.
التفسير
٥٣ - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾:
المعنى: وما يصاحبكم من نعمة في أَنفسكم وأَموالكم وأولادكم فهى صادرة من الله تعالى.
مدبرها وخالقها ورازقها، ثم إِذا أصابكم الضرر إِصابة يسيرة فإليه وحده تتضرعون ومستغيثين
стр. 2397
ابتغاء كشفه عنكم، فكيف تشركون معه شركاءكم في العبادة، وليس لها في نفعكم ودفع الضر عنكم من سبيل؟ ثم نعى الله عليهم عودتهم إِلى الشرك بعد أَن كشف الضرَّ عنهم فقال سبحانه:
٥٤ - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾:
أي ثم إذا كشف الله الضر عنكم بعد تضرعكم واستغاثتكم، إذا جماعة منكم يشركون بربهم أصنامهم في العبادة، مع أنها لا دخل لها في نفعهم ودفع الضر عنهم.
والخطاب في قوله: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمة" وقوله: "إذَا كَشَفَ الضرَّ عَنكُمْ" الآيتين، إن كان للمشركين كما هو الظاهر فلفظ "مِن" في قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ لبيان أن الفريق الكافر هو كلهم، فكأنه قيل: إذا فريق كافرٌ هُمْ أنتم، وأَجاز بعض المفسرين أن يكون مِنْهم منِ اعتبر وازدجر، فتكون "مِنْ" على هذا الرأى للتبعيض، كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. (١)
أما إن جُعل الخطاب في الآيتين للناس كافة، فالكافرون بنعمه وفضله بعضهم لا كلهم فتكون "مِن" في قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ للتبعيض لا للبيان ثم بين الله عاقبة إِشراكهم فقال:
٥٥ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أي أَن فريقًا منهم يشركون باللهِ في العبادة مع توالى نِعَمِهِ عليهم ودفع نِقمِهِ عنهم، لتكون عاقبةُ شركهم وأثرُه أن يكفروا بما آتاهم من النعم، وَيُنكِرُوا كونها منه دون غيره، ثم أنذرهم الله وهددَهُم بسوء المصير فقال:
﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أَي فاستمتعوا بما أنتم فيه من نعم كفرتم بها ولم تشكروها، فسوف تعلمون عاجلًا أَو آجلًا عاقبة أَمركم وما ينزل بكم من العذاب جزاءَ شرككم وكفرانكم.
стр. 2398
ثم عقب هذا الوعيد بتعداد جناياتهم المستوجبة له فقال سبحانه:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾
المفردات:
﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾: لآلهتهم التي لا يعلمون حقيقتها وخِسَّة قدرها.
﴿تَاللَّهِ﴾: قسم؛ أي والله.
﴿تَفْتَرُونَ﴾: أي تختلفون من الأكاذيب.
﴿مُسْوَدًّا﴾: المراد من اسوداده؛ كآبته واغتمامه على سبيل الكناية.
﴿كَظِيمٌ﴾: ممتليء غيظًا.
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾: أيبقيه على هوان وذل.
﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾: أم يخفيه ويدفنه فيه. ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: صفة القبح.
التفسير
٥٦ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾:
أي أَن المشركين حين يكشف الله الضر عنهم بعد تضرعهم إليه واستغاثتهم به، يعودون فجأة إِلى الشرك، ويجعلون لأصنامهم التي لا يعلمون حقيقتها وقدرها الخسيس
стр. 2399
- يجعلون لها - نصيبًا مما أعطاهم الله من الزروع والأَنعام وسائر الأَوراق، تقربًا إليها، وما لها عليهم من فضل، ولا لها عليهم من سبيل، ولا هي مدركة ما يُتَقَرَّبُ به إِليها، ثم ختم الله الآية بوعيدهم فقال:
﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾:
أي وحقّ الله المنزه عن الشريك والمثيل ليسأَلنكم الله سؤال توبيخ وحساب يوم القيامة، عن الذي كنتم تختلقونه في الدنيا من شركة أَوثانكم لله، واستحقاقها للعبادة معه، ثم يجزيكم على افترائكم.
٥٧ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾:
كانت خزاعة وكنانة يزعمان أَن الملائكة بنات الله، وقد انطوى هذا الزعم على فريتين: إِحداهما: أَن الملائكة إِناث، وثانيتهما: أَنهم بنات الله، فأَما الزعم الأَول فقد ردَّه الله بقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (١). وأَما الزعم الثاني فقد ردَّه الله بهذه الآية.
والمعنى: ويجعل المشركون البنات لله حيث يزعمون أَن الملائكة بنات الله - سبحانه وتنزيها له عن هذا الزعم الفاسد - والحال أَنهم يجعلون لأَنفسهم ما يحبون من البنين، فهم بذلك يختارون لأنفسهم في التبني، أفضل مما يختارون لربهم، تعالى الله عن التبنى بجانبيه علوًّا كبيرًا.
ثم يُوبِّخُهم الله على هذه النسبة أكثر مما مضى وأَصرح فيقول:
٥٨ - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾: أَي وإِذا أخْبِر أَحد هؤُلاءِ بولادة أنثى له، صار وجهه قاتم اللون كأَنما علاه السواد غيظًا من شدَّة الغَمِّ والحياء من الناس كأنما ارتكب ما يخجله. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: أَي وهو ممتلئٌ غيظًا وغضبًا، ثم يبلغ به الخجل من البشارة، بالأنثى إِلى ما حكى الله بقوله:
стр. 2400
٥٩ - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾:
أَي يستخفي من قومه حتى لا يروه بسبب ما بُشِّرَ به من السوء حينما أخبروه بولادة أنثى له وجعل يحدث نفسه في شأنه ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ فلا يقْتلهُ. ويظل يمسكه ﴿عَلَى هُونٍ﴾: على ذلٍّ وهوانٍ. ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾: بأَن يحْفر له فيه حُفْرة فيدفنه فيها حيا. ويهيل التراب عليه كما كانوا يقول: وأْد البنات من المكرمات، وإذا كان هذا حالهم في كراهة نسبة البنات إِلى أَنفسهم فكيف ينسبونها إِلى الله، إِذ يحكمون بأَن الملائكة بناته، ولهذا قبح الله حكمهم هذا فقال:
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: أي أَلا قبُح حكم حيث يجعلون ما هذا شأنه من الحقارة والهوان لديهم - يجعلونه وينسبونه - لله المنزه عن الصاحبة والولد ذكرًا كان أَو أنثى في حين أَنهم يتحاشون الإِناث. ويختارون لأَنفسهم البنين.
فمدار الخطإ نسبتهم البنات لله وهم يأبون ذلك لأَنفسهم في حين أَنه منزه عن الولد مطلقًا ذكرًا كان أَو أنثى، ولذا قال - سبحانه - عقب ما تقدم:
٦٠ - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
أي لهؤُلاءِ الذين لا يؤْمنون بالآخرة والحساب فيها على ما افتروه - لهم - صفة القبح، من الحاجة إِلى الولد ليقوم مقامهم ويرثهم عند موتهم، وحب البنين دون البنات للاستظهار بهم والانتفاع بكدهم، ووأْد البنات خوفًا من العار وحذرا من الفقر، ولله - تعالى - المثل الأَعلى والصفة العظيمة الشأن من الاستغناء المطلق عن الولد ذكرا كان أَو أنثى، فهو الغَنِىُّ المطلق الْغِنَى في أَمره كله، المنزه عن الحاجة إلى الصاحبة والولد ذكرًا كان أَو أنثى، المستوجب لكل كمال، المنزه عن كل نقص، وهو العزير الغالبا القادر مؤَاخذتهم، الحكيم في كل شئونه، فلهذا لم يعاجلهم بالانتقام منهم، لعلهم يثوبون إلى رشدهم، لهذا قال الله تعالى عقب ذلك:
стр. 2401
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾
المفردات:
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: الدابة ما يدب على الأرضِ، وقيل المراد بها هنا: الكافر، وسنفصل الكلام في ذلك في التفسير. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: ولكن يُوخرُ موْتهم إلى وقت سماه الله لذلك فلا يموتون قبله، ويجوز أن يكون المراد. ولكن يؤخر عذابهم إلى أجل مسمى، وهو إما موتهم حيث يعذبون في قبورهم أو يوم القيامة، فهو الأجل الذي سماه الله في لسان الشرع لجزاء الناس كما في قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي لا يتأخرون عن الأجل المسمى أقل زمن، ولا يتقدمون، والتعبير عنه بالساعة؛ لأنها في لغة العرب مَثَلٌ في القلة. وليس المراد بها الساعة المعروفة عندنا في عصرنا والمقدرة بستين دقيقة، لأَن ذلك اصطلاح مستحدث.
التفسير
٦١ - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾:
بيَّن الله تعالى فيما تقدم ما كان عليه المشركون من الضلال مثل زعمهم أن الملائكة بنات الله، مع أنهم يكرهون البنات ويستاءُون من البشارة بِهِنَّ ويدُسُّونهن أحياء في التراب، وأتبع ذلك تنزيهه تعالى عن ذلك وعن نسبة الولد إِليه سواءٌ أكان ذكرا أم أنثى، وبين سوء حكمهم
стр. 2402
هذا، وأن له تعالى الصفة العلية الشأن التي هي مثل في العلوّ والرفعة، وأن ما وصفوه به لا يليق به جل وعلا، فهو غير محتاج إلى الولد مطلقًا، لا لِيَرِثهُ ولا لِيُعِينه فهو الحي الذي لا يموت العزيز الحكيم، فليس بحاجة إلى ولد يعتز به، أو يدبر معه ملكوته، وأن أولئك المُتجنِّين على ربِّهم لهم صفة القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم عند موتهم فهم أهل الفناء، أَما الله تعالى فله صفة الحسن وهي كمال الاستغناء.
وجاءَت هذه الآية لتبين رحمة الله بالناس حيث لا يعاجلهم بالعقوبة الشاملة بسبب تماديهم في ظلمهم بل يؤَخرهم إلى أجل مسمى لعلهم يثوبون إِلى رشدهم. قبل أن يحين أجلهم.
والآية تحتمل معنيين. أحدهما: ولو يؤَاخذ الله الكفار، بكفرهم ومعاصيهم التي تحدثت الآيات السابقة بعضها، ما ترك على هذه الأرض من دابةٍ كافرة. حيث يهلكهم بشؤْم كفرهم ومعاصيهم، ولكنه لم يفعل رحمة بهم لعلهم يرجعون إلى رشدهم. ويكفون عن كفرهم ومعاصيهم.
وإِطلاق الدابة على الإِنسان لغوي. مأخوذ من دب على الأرض أي مشى عليها في هِينةٍ وتمهل، فالإنسان نفسٌ دابةٌ على الأَرض، قال الشاعر العربي:
زعمتنى شيخًا ولست بشيْخ … إِنما الشَّيخ من يدُبُّ دبِيبًا
والمعنى الثاني: يتجه بالإهلاك إِلى عموم ما يدب على الأرض، أي ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبه أَهل الذنوب منهم ما ترك على الأَرض من إِنسان طالح أَو صالح ولا ترك عليها غيره من دواب الأَرض. بسبب شؤْم أهل الذنوب. قال ابن مسعود في تفسيرها: ولو أخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأَصاب العذاب الجُعْلَان (١) في جحرها. ولأمسك الأمطار من السماء، والنَّبات من الأرض فماتت الدواب ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل: كما قال: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
стр. 2403
ولعل مما يساعد على إِرادة العموم ما جاءَ في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد الله بقومٍ عذابا أصاب العقاب من كان فِيهِمْ ثُمَّ بُعثُوا علَى نِياتهِمْ" وقولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
وبعد أن بيَّن الله شؤم المعصية وما تجره على أهل الأَرض من الآثار عقب ذلك ببيان رحمته بعباده فقال:
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
أَي ولكن يؤَخر إِهلاكهم إلى أجل عيّنهُ لذلك لعلهم يطيعون ربهم وينجون من عذابه، فإِنه تعالي خلقهم ليعبدوه وهداهم بالآيات والرسل إِلى طريق معرفته وطاعته، فلا عذر لهم في عصيانه.
ثم بين أَن أجلهم آتٍ لا ريب فيه ولا تغيير له بتقديم أَو تأخير، لعلهم يسارعون في التوبة فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي فإذا جاءَ الوقت المحدد لموتهم لا يتأخرون عنه أقل وقتٍ ولا يتقدمون.
فإن قيل: إن وقت إِهلاكهم إذا جاء لا يتصور تقدمهم عنه، فلماذا قيل: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فالجواب أن ذكره للمبالغة في بيان عدم تأَخره بنظمه في سلك ما يمتنع تنْبيهًا على أنه مثله في الامتناع. كما في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فإِن من مات كافرا معلوم بالضرورة أنه لا تقبل توبتُه بعد موته، وليس بحاجة إلى التصريح به، ولكنه ذكر مع من لا تقبل توبته عند الغرغرة ومشارفة الموت للإِيذان بأَنهما سواء في عدم قبول التوبة، لأَنها حدثت منه بعد يأسه من الحياة، فكان مِثْل من مات كافرًا في أَنه لا توبة له.
стр. 2404
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾
المفردات:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾: أي ينسبون إليه البنات التي يكرهونها لأنفسهم.
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾: أي تحكي الكذب بادعائها أن لهم العاقبة الحسنى في الآخرة.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾: لا بُدَّ ولا محالة (١). ﴿مُفْرَطُونَ﴾: متروكون منسيون في النار. كما قاله ابن الأعرابى وأبو عبيدة وغيرهما. (٢) وقال الحسن وقتادة: مُعجَّلون إلى النار مقدمون إلها، وأصله من أَفرطته أي قدمته في طلب الماء، والفرط الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قوله ﷺ : "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ" أي متقدمكم إليه.
﴿تَاللَّهِ﴾: أي وحق الله. ﴿وَلِيُّهُمُ﴾: أي متولي إغوائهم أو ناصرهم.
стр. 2405
التفسير
٦٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾:
أنكر الله عليهم في الآيات السابقة زعمهم أَن الملائكة بنات الله، وبيَّن أنه منزه عن الولد مطلقا وأَنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من السيئات لعاقبهم بعقوبات تعُمُّهُمْ وغيرهم بشؤم ظلمهم، ولكنه - تعالى - عظيم الحلم شامل الرحمة، فيؤخرهم إِلى وقتٍ سمَّاه لموتهم لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون، لعلهم يعودون إِلى الرشد، ويدركهم الهدى.
وجاءت هذه الآية لتوبيخهم مرة أخرى على ما زعموه في حقه - تعالى - وما ادعوه لأنفسهم من العاقبة الحسنى، ولإنذارهم بسوء المصير على مزاعمهم وعقائدهم.
والمعنى: وينسبون لله البنات التي يكرهونها لأنفسهم، ومع هذه الجريمة الشنعاء في حق الله تقول ألسنتهم الكذب وتصفه وتصوره حين تزعم أن لهم العاقبة الحسنى - ثم عقب الله زعمهم هذا بالوعيد عليه فقال:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾: أي لا بد ولا محالة من أَن لهم النار مكان ما زعموه لأنفسهم من أن لهم العاقبة الحسنى. ولا بد أنهم منسيون فيها متروكون في سعيرها لا يخرجون منها ولا يبرحونها.
ثم عقب الله هذه الآية بتسلية النبي ﷺ على ما يلاقيه من قومه من أَلوان الكفر والضلال، بأن ما يحدث له منهم حدث مثلُه للرسل قبله من أممهم، وذلك بقوله تعالى:
٦٣ - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
أَي والله لقد بعثنا رسلنا إِلى أُمم من قبلك أيها الرسول، فحدث منهم لرسلهم مثل ما حدث من قومك لك، حيث زين لهم الشيطان ما هم عليه من أَعمالهم القبيحة من الكفر والمعاصي،
стр. 2406
فظلُّوا مصرِّين عليها، فهو متولى إِغوائهم اليوم أَي في العصر الذي كانوا يعيشون فيه، ولهم في الآخرة عذاب شديد الإِيلام، ولا يجدون فيها من ينقذهم أو يخفف عنهم، ويجوز أن يكون المقصود باليوم يوم القيامة، والولاية بمعنى النصرة على سبيل التهكم.
والمعنى: فالشيطان الذي أغواهم وزيَّن لهم أعمالهم ناصرهم يوم القيامة، ومن كان الشيطان ناصره يومئذ فهو خالد في العذاب مثله؛ لأنه مذنب ومعاقب وفاقد لأسباب النصرة، ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وأعاد بعض المفسرين الضمير إلى مشركي قريش، والمعنى: ولقد أرسلنا رسلنا إلى أمم من قبلك فزين الشيطان لهم أعمالهم فصدهم عن السبيل فهو ولي مشركي قريش اليوم كما كان ولي مَنْ قبلهم في أَيامهم، فإنهم مثلهم في ضلالهم ولهم في الآخرة عذاب أليم كما كان لمن قبلهم، ثم بيّن أثر القرآن في تبيين الحق من الباطل فقال:
٦٤ - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
أي وما أنزلنا عليك القرآن أيها الرسول لسبب من الأسباب إِلا لتبين للناس ما اختلفوا فيه من التوحيد واليوم العظيم الذي هم فيه مختلفون، كما تبين لهما النافع والضار من الأخلاق، والحلال والحرام من الأعمال، وأَنزلناه أيضا للهدى والرحمة لقوم يؤمنون، فإنهم المنتفعون بعلومه. المهتدون بهداه، ويصح أن يراد منهم المستعدون للإيمان المهيئون له بما آتاهم الله من حسن النظر في آياته، فكأنه قال: وهدى ورحمة لقوم شأنهم أنهم يصدقون الحقَّ ويؤمنون به، بما جُبِلُوا عليه من البحث عن الحق والاهتداء إليه بآياته، والبعد عن الجدال بالباطل، ثم شرع الله في ذكر طائفة من آياته العظيمة الشأن فقال:
стр. 2407
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾
المفردات:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي عن السحاب، وكل ما علاك يطلق عليه سماءٌ.
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها. ﴿الْأَنْعَامِ﴾: الإِبل خاصة، وقيل: إذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضًا وقال أحمد بن يحيى: هي كل ما أحله الله من الحيوان (١) لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾: أي مما في بطون جنس الأنعام (٢) من اللبن، والمراد من البطون هنا الضروع. ﴿فَرْثٍ﴾: هو ما في الكرش من بقايا العلف بعد هضمه.
стр. 2408
﴿سَائِغًا﴾: هنيئًا لا يُغصُّ به شاربُه.
﴿سَكَرًا﴾: ما يسكر وهو الخمر، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر - وسيأتي لذلك بيان أوسع وتأويل أفضل - إن شاء الله تعالى -.
التفسير
٦٥ - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾:
تضمنت هذه الآيةُ الكريمةُ شواهد عظيمة الدلالة على أنه - تعالى - هو الجدير بالألوهية والعبادة له دون سواه، فقد أرشدت أَصحاب الفكر الرشيد إلى أن هذه السماء التي نشاهدها خالية من الماء، صافية الأَديم يسوق الله برحمته السحاب تحتها ويزجيه بعد أن كوَّنه من أَبخرة المياه، وجعله ركاما، ثم يبسطه في جو السماء كيف يشاءُ، ويصيب به من يشاءُ من عباده، فيحيى به الأرض بعد موتها، ويبسط فيها الزرع النضير، وينبت فيها الأشجار ذات الأزهار والثمار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأَسماع والأبصار.
ومعنى الآية إجمالًا: والله أَنزل من السماء ماءً بقدر معلوم، على الأرض اليابسة التي تشبه الموتى في عدم جدواها، وتوقف الانتفاع بها، فلما أنزل الله الماءَ عليها دبَّت فيها الحياة، حيث اخضرَّت وَرَبَتْ وانبتت من كل صنف بهيج، إن في ذلك لعلامة واضحة الدلالة على ألوهيته ووحدانيته، يبينها لقوم يسمعون التذكير به سماع تدبر وتفكر، ثم اتبعها آية أخرى باعثة على توحيده فقال:
٦٦ - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾:
أي وإن لكم أَيها العقلاءُ الذين تحسنون الاستماع وتفكرون في الشواهد والآيات التي تُذكَّرُون بها - إِن لكم - في الإِبل والبقر والغنم والمعز لعظة عظيمة الشأن حيث تشاهدون أننا نسقيكم مما في أَجوافها لبنًا أبيض خالصه مما يؤَثِّر في بياضه أَو ريحه أو طيب طعمه سائغًا
стр. 2409
للشاربين، مع أننا أخرجناه من بين فرث وهو ما في الكرش من روث كريه الرائحة، ودم أَحمر لا يستسيغه الطبع الإنساني.
فأنت ترى أن الأنعام تتناول أَعلافَها جافةً ورطبة، فتمضغها وتزدردها، فيحولها القادر الحكيم بما تفرزه كبودها وأجهزتها الهاضمة من العصارات - يحولها - إلى دم أحمر يدفعه القلب بنظام رتيب إلى أجسادها لتغذيتها، وروث تدفعه كروشها إلى أمعائها الغلاظ، لتتخلص منه آنا بعد آن.
وهذا الدم القاني يتجه بتدبير الله وحكمته إلى ضروع الإناث منها، تلك الضروع التي هيَّأها الله بقدرته وأعدَّها لتحويله إلى لَبن خالص من كل شائبة من تلك الشوائب التي مرَّت بها عملية الهضم والتحويل، فلا ترى في بياضه حمرة الدم، ولا في طعمه أَثرًا لطعوم الأعلاف والدماء والفرَث، ولا تحسُّ برائحةٍ كريهة من هذه الروائح التي احتبست في أجوافها، بل تجده لبنًا أبيض ناصعا خالصًا سائغًا للشاربين فتبارك الله أَحسن الخالقين.
٦٧ - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾:
قال القرطبي: السكر ما يُسْكِرُ في مشهور اللغة، ونقل عن بعض السلف أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر، وأن المراد بالسكرِ الخمر، وبالرزق الحَسَنِ ما يُؤْكل ويُشرب حلالًا من هاتين الشجرتين، وذلك لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر فيها وإنما حرمت في المدينة، ولست أدري كيف دُسَّ هذا الرأى على أولئك الأعلام من السلف، وكيف أُقحم في كتب التفسير ليقرأه القارئون تفسيرًا لآية من كتاب الله منقولا عنهم، فإما أن يسلموا به تقديرًا لجلال من نسب إِليهم وإِما أن يقولوا ما لا يحل في كتاب الله، حيث يقولون إن هذه الآية نزلت يمتن فيها الله على عباده بما أَنعم به عليهم في النخيل والأعناب من السكر والرزق الحسن، فكيفَ عدل عن استحسان الخمر والامتنان بها في مكة إلى استرذالها وتحريمها في المدينة وهي هي بعينها لم يزد عليها ولم ينقص منها شيء، فإما أن تكون في
стр. 2410
ذاتها قبيحة ضارة فتكون حرامًا دائمًا وإما أن تكون حسنة نافعة فتكون حلالًا دائما، فلا يتغير حكمها بتغير المكان.
والصواب: ما قاله الطبرى في معنى الآية وهو أَن السكر ما يطعمُ من طعام النخيل والأعناب ويحل شربه من ثمارها، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فالبث والحزن بمعنى واحد، وبهذا قال أبو عبيدة، حيثَ قال: السكر الطُّعم. يقال: هذا سَكَرٌ لك: أي طُعمٌ.
وقال آخر - كما نقله القرطبي - السكر العصير الحلو الحلال، وسمى سكرًا لأنه قد يصير مسكرًا (١) إذا بقى، فإذا بلغ الإسكار حُرِّم - قلت وقد جمع صاحب القاموس بعض ما تستعمل فيه كلمة السَّكر من هذه المعاني وغيرها فقال. والسَّكرُ - محركة - الخمر ونبيذ يتخذ من التمر ونحوه، وكل ما يسكر وما حرم من ثمرةٍ، والخل والطعام والامتلاءُ والغضب والغيظ: اهـ بتصرف.
وبما أن الآية للامتنان فالأنسب بمعنى السكر فيها ما يحل من طعام النخل والعنب وشرابهما وإِليك فيما يلي المعنى الإجمالي للآية الكريمة:
ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه عصيرًا حلوا حلالًا، ورزقًا حسنًا منحكم الله إياه منهما، من رطب وتَمْر وعنب وزبيب، وغير ذلك من الأطعمة والأشربة، كالبسر والدبس (٢)، والخل وأَصناف الحلوى .. التي تصنع منهما إن في ذلك لعلامة باهرة على قدرة الله ووحدانيته وكرمه وفضله، وهذه الآية والعلامة على ما ذكر موجهة لقوم يستعملون عقولهم فيدركون أنه لا إله سواه، ولا يستحق العبادة غيره.
стр. 2411
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾
المفردات:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾: ألهمها وعلمها.
﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: أي وما يهيئه الناس من العرائش والسقف والبيوت والخلايا.
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾: فادخلي طرق ربك لطلب الرزق.
﴿ذُلُلًا﴾: جمع ذلول أي مسخرة منقادة.
التفسير
٦٨ - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾:
النحل: من الحشرات النافعة للبشرية، بما تفرزه عن العسل الذي جعل الله فيه شفاء للناس وسميت بهذا الاسم، لأن الله سبحانه نحلها هذا العسل، كما قال الزجاج والجوهرى: أي منحها إياه وقد أخبر الله في هذه الآية والتي تليها عن المنهج الذي تسلكه حتى تخرج لنا العسل من بطونها ليتغذى به الناس ويستشفوا من كثير من الأمراض، وبين أن سلوكها هذا المنهج بوحى منه جل وعلا.
وللوحى في اللغة معان مختلفة، والمراد منه هنا الإلهام، وهو ما يخلقه الله في القلب ابتداء من غير سببٍ ظاهرٍ.
ولا يقتصر هذا الوحى على النحل، بل تفضَّل الله به على كل حيوانٍ فقد ألهمه الله - تعالى - ما فيه منافعه فيسعى إليه، وما فيه مضاره فيجتنبه، وما فيه معاشه فيدبره، حتى لتراه يختزن قوته في الشتاء إذا كان لا يستطيع الظهور فيه والتعرض لبرده، فلهذا يملأ مخازنه بالطعام
стр. 2412
ويعقمه بما يجعله صالحًا ولا يتعرض للفساد، ولم يقتصر هذا الإلهام على الحيوان بل تعداه إلى النبات والجماد، فإن البذور والنوى، يلهمها الله أن تتجه بجذورها إلى أسافل جوف الأَرض لتستمسك بها وتتغذى منها، وتتجه ببراعمها وسيقانها وأوراقها وفروعها إلى أعلى دون أن يطرأَ على منهجها هذا أَي اختلاف.
وألهم الأَرض أَن تغذِّي جذور النبات، وتيسر لها سبيل التعمق داخلها ولو كانت الأرض صخرية، فكم من غابات وأشجار وأَعشاب تنبت فى الأَرض الجبلية. هذا إِلى جانب ما يتم داخلها من التحولات الخطيرة التى تنشأ عنها المعادن والغازات والعناصر المختلفة وكل ذلك يتم بإلهام الله وتدبيره. ولقد أحسن إبراهيم الحربي قوله: لله فى الموات قدرة لم يُدْر ما هي، لم يأتها بها رسول من عند الله، ولكن الله تعالى عرفها ذلك (١).
ولا غرابة فى ذلك، فقد جاء القرآن الكريم بذلك صراحة عن الأرض فى سورة الزلزلة فقد قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾: أى ألهمها وأعطاها من الأَسباب ما نشأَت عنه تلك المسببات.
ولم يحرمنا القرآن العظيمُ ولا السنةُ المطهرة من الإشارة إِلى تلك العجائب التي لم يستطع الإنسان أن يكشف الكثير من أخبارها وأسرارها، فالله تعالى يقول إنه أَمر الجبال والطير أن تُؤَوِّب فى التسبيح وترجِّعه مع داود، وذلك في قوله فى سورة سبإ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (٢). وفى سورة ص ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣).
والرسول يقول في جبل أُحد: (أُحُدٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ) فوصف الجبل الأصم بأنه يحب الرسول. ورجف أُحُدٌ والنبي فوقه وأبو بكر وعمر وعثْمان فخاطبه النبي قائلًا: "اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّما فَوْقَكَ نَبيٌّ وَصِدِّيقٌ وشهيدان ". أخرجه البخاري وغيره.
ومن عجائب إلهام الله للحيوان ما وقع يوم وصول النبى ﷺ إلى المدينة، حيث تجاذب الصحابة ناقته القصواء وهو عليها، ليكون الرسول ضيفًا كريمًا على من يفوز بها
стр. 2413
منهم، فقال لهم: "خلُّوا سَبِيلها فإنها مأمورةٌ" فتركوها وأرخى النبى زمامها دون أَن يوجهها، فجعلت تنظر يمينا وشمالا أَثناء سيرها حتى بَرَكَتْ بفناء بنى عدى بن النجار أمام مِرْبد سهل وَسُهَيل ولدى رافع بن عمرو، ثم ثارت الناقة والرسول عليها حتى بركت أمام باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت وبَرَكَتُ فى مبركها الأول وَأرْزَمَت (أَي صوَّتَتْ دون أن تفتح فمها) ونزل النبي ﷺ عنها وقال: "هَذَا الْمَنْزِلُ إنْ شاء اللهُ"، واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، وقال أبو أيوب المرْءُ مع رحله، فنزل النبى عنده، وأخذ سعد ابن زرارة ناقته عنده.
وقصة (الهدهد) العجيبة مع سليمان، وكذا قصة (النملة) فى توعيتها للنمل من أن يحْطِمهُ سليمان وجنوده، وتعليم الله سليمان منطق الطير كل ذلك واضح فى أن لها إِدراكات ونطقا وعبارات لا يعلمها إلا من علمه الله، فلا غرابة فى أن يُعبر الله عن إلهامه للنحل في معاشها بالوحى، لأن لها إدراكات تعي بها هذا الإلهام، فتبارك الله أَحسن الخالقين.
المعنى الإجمالي للآية
وألهم ربُّك النحلَ، قائلا فى إلهامه إياها: اتخذي بيوتا لك تأْوين إليها فى الجبال داخل كهوفها ومغاراتها وكُواها، وفى الشجر داخل أَجوافها وبين أغصانها وفيما يعرشه ويُهيئهُ لك بنو آدم من العرايش والخلايا ونحوها.
وعرش، معناها هنا: هيَّأ، قال القرطبي: وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إِتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها. ومنه العريش الذي صنع لرسول الله ﷺ : اهـ ويقول ابن العربي في هندسة النحل لبيوتها: ومن عجيب ما خلق الله في (النحل) أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءَت بينها فرج إلا الشكل المسدس، فإنه إِذا جمع إِلى أَمثاله اتصل كأنه قطعة واحدة: اهـ من القرطبي.
٦٩ - ﴿ثُمَّ (١) كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾:
أي وكلي أيتها النحلُ بعضا من كل الثمرات، وهو رحيق الأزهار التى هى أساس
стр. 2414
لثمرات أو من الثمرات نفسها، ويقولون إنها قد تأكل من الأزهار المُرَّة، ويعود كل ذلك عسلا حلوا شهيا، وفي ذلك يقول المعرى:
والنحل يجنى المُرَّ مِنْ زَهْرِ الرُّبى … فيعود شَهْدًا في طريق رُضَابِهِ (١)
والأمر في قوله تعالى للنحل: "ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثَّمراتِ" ليس على حقيقته، بل المقصود منه أنه -تعالى- يسَّر لها ما تشتهيه من الثمرات لتأكل منه، فتجد نفسها مجبولة على أن تتناول منها ما تريد كأنها مأمورة بذلك، لتحيى وتؤدى وظيفتها فى الحياة، من إفراز العسل لغذاءِ الناس وشفائهم، ثم بيَّن الله أن سبلها إلى ذلك مذللة فقال سبحانه:
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: أي فاذهبي طائرة فى طرق ربك التي توصلك إِلى الحدائق والبساتين فهي مفتوحة لك فى جنبات السماء شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبا، مسخرة لك، لا يمنعك عنها مانع فأَنت نافعة للزراعة، وجالبة للأرزاق، وكما ذلَّلها الله لك في الغداة وأنت ذاهبة إلى أرزاقك، ذللها لك فى الأصيل وأنت عائدة إلى بيوتك لا تضلين سبلها، فسبحان الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
وقيل فى معنى الآية: فاسلكى ما أكلت من الأزهار والرحيق فى مسالكه التى يتجول فيها بقدرة الله عسلا.
ثم اتجه الكلام من مخاطبة النحل إِلى الكلام مع الناس فى عجائب صنع الله على سبيل الاستئناف، وذلك فى قوله تعالى:
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾:
يقُصُّ الله علينا في هذه الآية أن النحل بعد أن تتناول غذاءها من كل الثمرات، يخرج من أَجوافها عسل ألوانه مختلفة تبعًا للون ما تناولته من الأزهار والثمرات، فقد يكون أبيض، وقد يميل لونه إلى الصفرة أو الحمرة أو نحوهما، كما قد يتأثر برائحتها طيبة أو كريهة، وقد يكون للجو (٢) أَوْ لِسِنِّ النحل أثر في ألوان العسل، كما يقوله القدامى والله تعالى أعلم، وقد عبر عنه بشراب لأنه مما يشرب.
стр. 2415
والجمهور على أن العسل يخرج من أفواه النحل، ومن ذلك قول الحسن: لُبَابُ البُرِّ بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم: اهـ ونحن نقول: إنما قال الله سبحانه: (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا): لأنها هى التى تحيل الثمرات التي تأكلها النحل إلى عسل، ثم تدفعه وتخرجه من هذه البطون عن طريق أفواهها، وقال الآلوسى: وفى الكشف أَن فى قوله تعالى: (ثَمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمرَاتِ) إشارة إِلى أن لمعدة النحل فى ذلك تأثيرًا، وهو المختار عند المحققين من الحكماء: اهـ يريد بذلك أن يردَّ على من يزعم أن المراد من بطونها أفواهها، وأن الأفواه هى التى تصنع العسل دون دخل للمعدات فى تحويل الغذاء إلى عسل.
وقد بين الله تعالى أَن هذا العسل فيه شفاءٌ للناس، إما مجردًا وإِما مخلوطا بغيره من المعاجين المختلفة، كما كان قدامى الأطباء يعالجون، وقد اعترف الطب الحديث بفوائده فى كثير من الأمراض والقروح وليس بلازم أَن يكون فيه شفاءٌ لكل الأمراض أو لكل الناس فقد يشفى به مرض فى إنسان ولكنه لا يشفى به في إنسان آخر، وقد يشفى به مرض، ويزيد العلة فى مرض آخر، ولهذا لم يعمم الله تعالى فى لفظ الشفاء، إذ لم يقل: فيه الشفاءُ للناس، بل قال: (فِيهِ شِفَاءٌ) بتنكير شفاء للتبعيض، ليكون المعنى: فيه بعض الشفاء للناس لا كل الشفاء دائمًا (١).
وقد ذكر قدامى الأطباء أنه ينقي الجروح ويُدمِّلها ويأكل اللحم الزائد، ويشفى من دموع العين وحكتها وجربها كحلا وبخاصة مع ماء البصل، وإن أُذيب فى الماءِ سكن المغص وقطع العطش، إلى غير ذلك مما كتبته كتب الطب القديم فارجع إليها إن شئت فقد كَتَبَتْ عنه كثيرًا من الفوائد والأضرار، وهذه الآية دليل على جواز التداوى خلافا لمن كره ذلك، بل هو مطلوب لقوله تالى: (وَلا تُلْقُوا بأيدِيكُم إلَى التَهْلُكَةِ). وفى صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لَكل داءٍ دواءٌ فإذا أُصِيب دواءُ الداء برأ بإذن الله" وأخرج أبو داود والترمذى عن أُسامة بن شريك قال: قالت الأعراب ألا نتداوى يا رسول الله قال: "نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا واحدًا" قالوا يا رسول الله وما هو؟ قال الهرم" لفظ الترمذي وقال: حديث حسن صحيح إلى غير ذلك من الأحاديث.
стр. 2416
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: فإن أَهل الفكر حين يرون هندستها البارعة في بناء بيوتها، وتحول طعامها من الثمرات ولو كان مرًّا إلى عسل شهي مختلف الألوان، نافع للأبدان، يستدلون بذلك على أن لها ربًّا حكيما ألهمها وأعطاها من العجب ما يحير الأفكار، وما لا يستطيعه الإنسان، ولا يترددون في أن يقولوا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾
المفردات:
﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي أخسه وأَحقره. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: أَي متساوون.
﴿وَحَفَدَةً﴾: جمع حفيد وهو ولد الولد كما قال الأزهري: ويطلق على الخَتَن وهو الصهر كأبي الزوجة وأخيها وسائر أقاربها. رواه زِرٌّ عن عبد الله، وقال ابن عرفَة: الحفدة عند العرب الأعوانُ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع فهو حافد - قال - ومنه قولهم: "إليك نسعى ونحفد" وقال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم.
﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: النِّعم التي طابت وطاب أكلها وطعمها، أو ما أحله الله من الأرزاق.
стр. 2417
التفسير
٧٠ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾:
يحكى الله فى هذه الآية بعض عجائب قدرته وسلطانه فى الإنسان، بعد أن بيَّن عجائب إبداعه وحكمته. فى إنزال الماء من السماء، وإحيائه الأرض بعد موتها، وعظيم العبرة فى الأنعام حيث أخرج لنا من بين فرثها ودمها لبنا خالصا سائغا للشاربين، وبليغ حكمته ونعمته فى (النحل) حيث ألهمها تدبير رزقها ومساكنها العجيبة وأخرج لنا من بطونها شرابا مختلف الألوان كثير المنافع للأبدان، والحكمة فى بيان هذه الآيات توجيه العقول إلى الإيمان بمبدعها، وأَنه قادر على إحياء من في القبور.
والمعنى: والله -تعالى- خلقكم فأحسن خلقكم؛ ورباكم فأحسن تربيتكم، ولم يجعل حياتكم فى دنياكم إلى بقاء بل أعدها إلى فناء، ففي أَول نشأتكم على وجه الأرض تنمون ثم تَشِبون، ثم يتوقف نموكم عندما يكتمل شبابكم، ولكنه يحفظ عليكم فتوَّتكم وقوتكم إلى أن تصلوا إلى سن الكهولة (١) فتضعف قُوَاكُم آنا بعد آن، ويتدرج ضعفكم حينا بعد حين، حتى إذا أطلت الشيخوخةُ بأعبائها، حل على أجسادكم الانحطاط الكبير، وعلى عقولكم الوهن الخطير، فتصبحون في أرذل العمر، وأخسِّ مراتب الحياة، فلا تعلمون من بعد علم شيئا، إِذ تنسون ما كنتم تذكرون ولا تحفظون ما تتعلمون، وفى أثناء هذه الحياة منكم من يتوفاه الله فى طفولته، ومنكم من يميته في شبابه، وبعضكم يأخذه فى كهولة، وآخر يرحلُ إليه فى شيخوخته، ولا يرتبط ذلك كله إلا بإِرادة العليم الخبير، فلا يستطيع حكيم أَن يتحكم فى أجله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).
стр. 2418
وليس لمراتب العمر سن معينة، فقد تأتي الكهولة أَو الشيخوخة فى سن الشباب، فكم من شبابٍ شابوا وانحطت قواهم وضعفت ذاكرتهم، ومفتاح هذا كله وعلمه عند الله رب العالمين، ولهذا ختم الله الآية بقوله جل ثناؤه.
(إن اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ): أى إِنه تعالى واسع العلم بمقادير أَعماركم، عظيم القدرة على إحيائكم وإماتتكم، وهو صاحب المشيئة المطلقة فإن شاء أمات الشاب النشيط وأَبقى الشيخ الفاني، وإن شاء أجرى الأُمور على ضوابط مطردة، فالحكم لله العلى الكبير.
واعلم أن النبى ﷺ كان يتعوذ من عدة أُمور منها الهرم حيث يحل أَرذل العمر، ففى صحيح البخارى عن أَنس بن مالك قال:
كان رسول الله ﷺ يتعوذ فيقول: "اللهم إِنِّى أعُوذْ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ الهرمِ، وأعوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ".
٧١ - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾:
بيَّن الله تعالى فى الآية السابقة دلائله ونعمه فى خلقنا وتفاوتنا فى آجالنا وعلومنا، وجاءت هذه الآية لبيان فضله فى رزقنا، وأننا لا نرضى أن نسوى بيننا وبين ممالِيكِنا فيه، فكيف يرضى المشركون أن يسووا بينه -سبحانه- وبين خلقه فى الأُلوهية، فيشركوهم معه فيها، ويعبدوهم أَكثر مما يعبدونه.
والمعنى: والله جعلكم متفاوتين فى الرزق والنعمة، إذ جعل بعضكم غنيا والآخر فقيرًا، وبعضكم سيدًا والآخر مملوكا، وبعضكم مخدوما والآخر خادما، وقد جرت عادتكم أَن لا يُعْطِي من فضَّلهُ الله في النعمة مملوكه أَو خادمه ما يجعله مساويا له فيها، بل يعطيه شيئا يسيرًا، فإذا كانوا لا يحبون أن يجعلوا مماليكهم أو خدمهم مثلهم فى الرزق، مع أنهم مساوون لهم فى البشرية والمخلوقية لله والاستحقاق رزقه، فكيف يرضون أن يجعلوا شريكا مع الله مَلَكًا أَو بشرًا أو كوكبا أو صنما، ويسووه به -تعالى- في الأُلوهية والمعبودية، فى حين أنها مخلوقة له وليس لها من أمر نفسها أو غيرها شيء، فإن الأمر كله لله -تعالى- وختم الله الآية بتوبيخهم على إنكارهم لنعمه بهذا الإشراك فقال:
стр. 2419
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أيشركون بالله - تعالى - فيجحدون بهذا الإشراك ما أعطاهم من نعمة حيث اقتضت عبادتهم لآلهتهم أن هذه النعم منهم، أو أنهم شركاء فيها، مع أَنها من فضل الله دون سواه، ثم بين فضله عليهم في الأزواج والأولاد والأَتباع ورزق الطيبات، وعدم قيامهم بموجب إنعام فقال:
٧٢ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾:
والله تعالى جعل لكم يا بني آدم زوجات من جنسكم لتأنسوا بهن، ويكون أولادكم أمثالكم، فتتناسلوا وتنجبوا نوعا واحدًا بلا تباين ولا اختلاف، وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم، والأَول أظهر.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾:
الحفدة: جمع حافد. وهو من يسرع في الخدمة والطاعة، وقد اختلف العلماء في بيان المراد منه هنا، وقد مرَّ في المفردات بيان بعض ما قالوه في ذلك وأَظهره أنهم أولاد الأَولاد، قال القرطبي: ما قاله الأزهرى من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهرُ القرآن بل نصه، ألا ترى أنه قال: "وَجَعَلَ لَكم منْ أزْوَاجِكُم بنين وحفَدَةً، فجعل الحفدة والبنين منهن" اهـ.
وهو الذي استظهره ابن العربي.
والطيبات: لذائذ النعم، أو حلالها.
والمعنى: والله جعل لكم من جنسكم زوجات لتستريح نفوسكم إلى معاشرتهن، وتسكن قلوبكم عند لقائهن، وتزول همومكم بأحاديثهن، ولم يجعلهنّ من جنس آخر تنفر منه الطباع، ويختلف بسببه الجنس البشرى، ورزقكم لذائذ النعم وما أَحله منها، وكان عليكم أن تشكروه ولا تكفروه، وتوحدوه ولا تعبدوا معه غيره، ولكنكم أخللتم بمقتضى نعمته، ولهذا نعى على الكافرين ذلك فقال:
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾:
أفبالباطل من ألوهية شركائهم وحرمة البحائر والسوائب ونحوها يصدقون، وبنعمة الله التي لا حصر لها يكفرون، حيث يضيفونها لآلهتهم، وينسون الله الذي أنعم بها عليهم.
стр. 2420
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾
المفردات:
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: ولا يقدرون على أي شيء.
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أي فلا تجعلوا لله الأشباه والنظائر، باتخاذكم له شركاء.
التفسير
٧٣ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا … ﴾ الآية.
أي ويعبد المشركون سوى الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئا من السماء كالضوء والمطر ومن الأرض كالنبات والثمر ولا يستطيع أولئك الشركاء أيَّ قَدْرٍ من الاستطاعة في النفع فضلا عن الضر.
٧٤ - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
أي فلا تجعلوا لله تعالى الأشباه والنظائر بعبادتكم سواه معه، ولا ينفعكم ما تزعمون من أنها تقربكم إلى الله زلفى، فلا يقربكم إليه سوى توحيده وعبادته وتنزيهه عن الشريك والنظير، أن الله تعالى يعلم الحق فيأمركم به، ويعلم الباطل فينهاكم عنه، وأنتم تجهلون ولا تعلمون، فاجحتنبوا نهيه وأطيعوا أمره.