← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: فإن أَهل الفكر حين يرون هندستها البارعة في بناء بيوتها، وتحول طعامها من الثمرات ولو كان مرًّا إلى عسل شهي مختلف الألوان، نافع للأبدان، يستدلون بذلك على أن لها ربًّا حكيما ألهمها وأعطاها من العجب ما يحير الأفكار، وما لا يستطيعه الإنسان، ولا يترددون في أن يقولوا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾ المفردات: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أي أخسه وأَحقره. ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: أَي متساوون. ﴿وَحَفَدَةً﴾: جمع حفيد وهو ولد الولد كما قال الأزهري: ويطلق على الخَتَن وهو الصهر كأبي الزوجة وأخيها وسائر أقاربها. رواه زِرٌّ عن عبد الله، وقال ابن عرفَة: الحفدة عند العرب الأعوانُ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع فهو حافد - قال - ومنه قولهم: "إليك نسعى ونحفد" وقال الخليل بن أحمد: الحفدة عند العرب الخدم. ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: النِّعم التي طابت وطاب أكلها وطعمها، أو ما أحله الله من الأرزاق.

стр. 2417

التفسير ٧٠ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: يحكى الله فى هذه الآية بعض عجائب قدرته وسلطانه فى الإنسان، بعد أن بيَّن عجائب إبداعه وحكمته. فى إنزال الماء من السماء، وإحيائه الأرض بعد موتها، وعظيم العبرة فى الأنعام حيث أخرج لنا من بين فرثها ودمها لبنا خالصا سائغا للشاربين، وبليغ حكمته ونعمته فى (النحل) حيث ألهمها تدبير رزقها ومساكنها العجيبة وأخرج لنا من بطونها شرابا مختلف الألوان كثير المنافع للأبدان، والحكمة فى بيان هذه الآيات توجيه العقول إلى الإيمان بمبدعها، وأَنه قادر على إحياء من في القبور. والمعنى: والله -تعالى- خلقكم فأحسن خلقكم؛ ورباكم فأحسن تربيتكم، ولم يجعل حياتكم فى دنياكم إلى بقاء بل أعدها إلى فناء، ففي أَول نشأتكم على وجه الأرض تنمون ثم تَشِبون، ثم يتوقف نموكم عندما يكتمل شبابكم، ولكنه يحفظ عليكم فتوَّتكم وقوتكم إلى أن تصلوا إلى سن الكهولة (١) فتضعف قُوَاكُم آنا بعد آن، ويتدرج ضعفكم حينا بعد حين، حتى إذا أطلت الشيخوخةُ بأعبائها، حل على أجسادكم الانحطاط الكبير، وعلى عقولكم الوهن الخطير، فتصبحون في أرذل العمر، وأخسِّ مراتب الحياة، فلا تعلمون من بعد علم شيئا، إِذ تنسون ما كنتم تذكرون ولا تحفظون ما تتعلمون، وفى أثناء هذه الحياة منكم من يتوفاه الله فى طفولته، ومنكم من يميته في شبابه، وبعضكم يأخذه فى كهولة، وآخر يرحلُ إليه فى شيخوخته، ولا يرتبط ذلك كله إلا بإِرادة العليم الخبير، فلا يستطيع حكيم أَن يتحكم فى أجله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).

стр. 2418

وليس لمراتب العمر سن معينة، فقد تأتي الكهولة أَو الشيخوخة فى سن الشباب، فكم من شبابٍ شابوا وانحطت قواهم وضعفت ذاكرتهم، ومفتاح هذا كله وعلمه عند الله رب العالمين، ولهذا ختم الله الآية بقوله جل ثناؤه. (إن اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ): أى إِنه تعالى واسع العلم بمقادير أَعماركم، عظيم القدرة على إحيائكم وإماتتكم، وهو صاحب المشيئة المطلقة فإن شاء أمات الشاب النشيط وأَبقى الشيخ الفاني، وإن شاء أجرى الأُمور على ضوابط مطردة، فالحكم لله العلى الكبير. واعلم أن النبى ﷺ كان يتعوذ من عدة أُمور منها الهرم حيث يحل أَرذل العمر، ففى صحيح البخارى عن أَنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ فيقول: "اللهم إِنِّى أعُوذْ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعوذُ بِكَ مِنَ الهرمِ، وأعوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ". ٧١ - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: بيَّن الله تعالى فى الآية السابقة دلائله ونعمه فى خلقنا وتفاوتنا فى آجالنا وعلومنا، وجاءت هذه الآية لبيان فضله فى رزقنا، وأننا لا نرضى أن نسوى بيننا وبين ممالِيكِنا فيه، فكيف يرضى المشركون أن يسووا بينه -سبحانه- وبين خلقه فى الأُلوهية، فيشركوهم معه فيها، ويعبدوهم أَكثر مما يعبدونه. والمعنى: والله جعلكم متفاوتين فى الرزق والنعمة، إذ جعل بعضكم غنيا والآخر فقيرًا، وبعضكم سيدًا والآخر مملوكا، وبعضكم مخدوما والآخر خادما، وقد جرت عادتكم أَن لا يُعْطِي من فضَّلهُ الله في النعمة مملوكه أَو خادمه ما يجعله مساويا له فيها، بل يعطيه شيئا يسيرًا، فإذا كانوا لا يحبون أن يجعلوا مماليكهم أو خدمهم مثلهم فى الرزق، مع أنهم مساوون لهم فى البشرية والمخلوقية لله والاستحقاق رزقه، فكيف يرضون أن يجعلوا شريكا مع الله مَلَكًا أَو بشرًا أو كوكبا أو صنما، ويسووه به -تعالى- في الأُلوهية والمعبودية، فى حين أنها مخلوقة له وليس لها من أمر نفسها أو غيرها شيء، فإن الأمر كله لله -تعالى- وختم الله الآية بتوبيخهم على إنكارهم لنعمه بهذا الإشراك فقال:

стр. 2419

﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: أيشركون بالله - تعالى - فيجحدون بهذا الإشراك ما أعطاهم من نعمة حيث اقتضت عبادتهم لآلهتهم أن هذه النعم منهم، أو أنهم شركاء فيها، مع أَنها من فضل الله دون سواه، ثم بين فضله عليهم في الأزواج والأولاد والأَتباع ورزق الطيبات، وعدم قيامهم بموجب إنعام فقال: ٧٢ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: والله تعالى جعل لكم يا بني آدم زوجات من جنسكم لتأنسوا بهن، ويكون أولادكم أمثالكم، فتتناسلوا وتنجبوا نوعا واحدًا بلا تباين ولا اختلاف، وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم، والأَول أظهر. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الحفدة: جمع حافد. وهو من يسرع في الخدمة والطاعة، وقد اختلف العلماء في بيان المراد منه هنا، وقد مرَّ في المفردات بيان بعض ما قالوه في ذلك وأَظهره أنهم أولاد الأَولاد، قال القرطبي: ما قاله الأزهرى من أن الحفدة أولاد الأولاد هو ظاهرُ القرآن بل نصه، ألا ترى أنه قال: "وَجَعَلَ لَكم منْ أزْوَاجِكُم بنين وحفَدَةً، فجعل الحفدة والبنين منهن" اهـ. وهو الذي استظهره ابن العربي. والطيبات: لذائذ النعم، أو حلالها. والمعنى: والله جعل لكم من جنسكم زوجات لتستريح نفوسكم إلى معاشرتهن، وتسكن قلوبكم عند لقائهن، وتزول همومكم بأحاديثهن، ولم يجعلهنّ من جنس آخر تنفر منه الطباع، ويختلف بسببه الجنس البشرى، ورزقكم لذائذ النعم وما أَحله منها، وكان عليكم أن تشكروه ولا تكفروه، وتوحدوه ولا تعبدوا معه غيره، ولكنكم أخللتم بمقتضى نعمته، ولهذا نعى على الكافرين ذلك فقال: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾: أفبالباطل من ألوهية شركائهم وحرمة البحائر والسوائب ونحوها يصدقون، وبنعمة الله التي لا حصر لها يكفرون، حيث يضيفونها لآلهتهم، وينسون الله الذي أنعم بها عليهم.

стр. 2420

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ المفردات: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: ولا يقدرون على أي شيء. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أي فلا تجعلوا لله الأشباه والنظائر، باتخاذكم له شركاء. التفسير ٧٣ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا … ﴾ الآية. أي ويعبد المشركون سوى الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئا من السماء كالضوء والمطر ومن الأرض كالنبات والثمر ولا يستطيع أولئك الشركاء أيَّ قَدْرٍ من الاستطاعة في النفع فضلا عن الضر. ٧٤ - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي فلا تجعلوا لله تعالى الأشباه والنظائر بعبادتكم سواه معه، ولا ينفعكم ما تزعمون من أنها تقربكم إلى الله زلفى، فلا يقربكم إليه سوى توحيده وعبادته وتنزيهه عن الشريك والنظير، أن الله تعالى يعلم الحق فيأمركم به، ويعلم الباطل فينهاكم عنه، وأنتم تجهلون ولا تعلمون، فاجحتنبوا نهيه وأطيعوا أمره.

стр. 2421

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾ المفردات: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: أورد حجة علي سبيل التشبيه والتمثيل. ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾: المراد أنهم لا يستوون. ﴿أَبْكَمُ﴾: لا يقدر علي الكلام ولا يسمع. ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾: عالة وعبءٌ ثقيل على سيده الذي يتولى أمره. ﴿يُوَجِّهْهُ﴾: يبعثه في مهم من الأمر. ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: يدعو إلى الخير والبر. ﴿السَّاعَةِ﴾: المراد بها يوم القيامة. ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: رجع الطرف من أعلى إلى أسفل أو هو النظر بسرعة، يقال لمحه لمحا إذا نظره بسرعة. التفسير ٧٥ - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾:

стр. 2422

بعد أن نهى الله سبحانه عن الإِشراك به، وقرع المشركين ووبخهم على اتخاذ الأنداد له تعالى ضرب مثلين يوضح بهما عدم التساوى بينه وبين أحد أو شيء من خلقه ليدرك العاقل أنه إِذا انتفت المماثلة فيهما وجب التوحيد وامتنع الشرك بالبداهة. والمعنى: صور الله حالكم فى إِشراككم أوثانكم العاجزة؛ بالله القدير الكريم الكثير الخير والبر، صور لكم ذلك ومثله بحال من يُسوي بين عبد مملوك عاجز عن التصرف شديد الحاجة إلى غيره وبين حرٍّ رزقه الله رزقا واسعا فهو ينفق منه على غيره ويتفضل به على سواه فى السر والعلانية حسب مقتضيات الإنفاق، ويتصرف فيه بحكمة فكيف يستوى هذا الحر الكامل التصرف مع هذا العبد الشديد العجز عن التَّصرُّف، فضلا عن أَنه لا يملك أَمر نفسه، ولهذا سأل الله العقلاءَ بأسلوب الاستفهام الإنكارى فقال: (هَلْ يَسْتَوُونَ): أي هل يعقل أن هذا العبد الضعيف العاجز عن التصرف يتساوى مع الحر المتصرف على أحسن الوجوه وإذا كانا لا يستويان بداهة، فكيف يسوى هؤُلاء المشركون أوثانهم العاجزة بالله الخالق الرازق المدبر المحسن فى السر والعلن، ثم ختم الآية بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لبيان أن وضوح هذه الحجة يقتضى الثناء الكامل والحمد التام لله وحده لأنه المستحق له دون سواه، ولكن أكثر هؤلاء الكفار لا يعلمون أن هذا هو الحق وذلك لجهالتهم وغفلتهم، ولمّا كان فريق آخر منهم يعلم ذلك ويعرفه ولكنه لا يعمل بموجبه عنادا واستكبارا فلهذا قيل: (بَلْ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُون) ولم يقل: بل هم لا يعلمون. وقيل: المراد أنهم جميعا لا يعلمون فعبَّر بأكثرهم عن جميعهم. ٧٦ - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: وهذا مثل آخر مؤَكد للمثل الأول فى الدلالة على ما دل عليه بأوضح وجه وأظهر بيان. أي وذكر الله مثلا آخر يوضح فساد مساواتهم آلهتهم بالله، وهو يتجلى فى رجلين أحدهما: أَخرس أَصم لا يُفْهِم ولا يَفْهم وهو مع ذلك لا يقدر على شئ لنفسه أو لغيره من جلب نفع أو دفع ضر لجهله وسوءِ تقديره، وهو لذلك عبءٌ على غيره حيثما يرسله مولاه فى أمر فإنه لا ينال

стр. 2423

نجحا ولا يصيب خيرا، أَما ثانيهما: فرجل عاقل له رأى، سليم الحواس ينفع نفسه وغيره يأمر الناس بالإنصاف والعدل، وهو على منهج قويم وسيرة صالحة هل يستويان؟ وإذا كانا لا يستويان ولا يتشابهان فكيف يسوى المشركون الصنم الأصم الأبكم العاجز عن كل شيء بالله القادر الذي يفيض على عباده الكثير من آثار رحمته ونعمته، ويأمرهم بالعدل في توحيده وطاعته وفي أمرهم كله، وهو فيما يدعوهم إِليه على طريق مستقيم موصل إلى خيري الدنيا والآخرة. ٧٧ - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بعد أن بين الله تعالى عن طريق ضرب المثل استحالة أَن يستحق العبادة غير الواحد الأحد جاءَ بهذه الآية لتدل على كمال علمه وعظيم قدرته وبعيد حكمته. والمعنى: ولله وحده ما غاب في السماوات والأرض وخفى فيهما على خلقه، لهُ ذلك خلقا وملكا وعلما وتصرفا، ولا سبيل لغيره في شيءٍ من ذلك. ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: أي وما الشأن في سرعة مجيء الساعة التي يقوم فيها الناس لرب العالمين إِلا كرجع الطرف بإطباق الجفن، فإنه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ونحوه قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ أَي أن قيام الساعة وبعث الخلق للحساب والجزاء في السرعة كطرف العين، وقوله: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: ليس للشك بل لتخيير الْمُمثِّل في التمثيل به أو بالذى قبله، وكلاهما كناية عن بالغ السرعة وقيل: إن المعنى بل هو أَقرب عند الله في الحقيقة. وإنما خص الساعة بالذكر من بين علوم الغيب التي لا تحصى لكثرة المماراة والمجادلة فيها وتكذيب الأمم رسلها في إِخبارهم بها: ولذا ختم - سبحانه - الكلام عنها بما يثبت قدرته وأنه تعالى - لا يمتنع عليه شيء أَراده فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فلا يعجزه أمر الساعة، وبعث الأَجساد بعد موتها، كما لا يعجزه شيء سواد.

стр. 2424

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ المفردات: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لكي تشكروا. ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: مُيَسَّرَات مُهيآت للطيران. ﴿سَكَنًا﴾: موضعا تسْكُنُون فِيهِ أو تسكنون وتطمئنون إليه. ﴿الْأَنْعَامِ﴾: هي الإبل والبقر والغنم والمعز. ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾: تجدونها خفيفة سهلة المأخذ. ﴿ظَعْنِكُمْ﴾: سفركم وارتحالكم. ﴿أَثَاثًا﴾: الأثاث متاع البيت كالبساط والفراش والغطاء والكساء. ﴿مَتَاعًا﴾: ما يتمتع وينتفع به. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إِلى وقت انقضاء حاجتكم وتمتعكم به.

стр. 2425

﴿مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾: ما يستظل ويتقي به حر الشمس وضوءها من سقف وشجر وغمام وغير ذلك. ﴿أَكْنَانًا﴾: جمع كِنٍّ وهو ما يستتر به ويسكن فيه كالكهوف. ﴿سَرَابِيلَ﴾: هي الثياب مطلقا، جمع سربال أو سربالة. ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: تحفظكم منه، كما تحفظكم من البرد أيضًا، ففيه اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر. ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: هي لباس الحربِ كدروع الحديد وأغطية الرأس منه. التفسير ٧٨ - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: بعد أَن ضرب الله المثل للناس على فساد الشرك، واتخاذ الأوثان شركاء لله في العبادة، شرع في ذكر عدد من دلائل قدرته وبديع حكمته وجليل نعمته على عباده التي يستحق بموجبها أَن يُعْبد دون سواه، وأن يشكر ولا يكفر به، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى يخرجكم من بطون أُمهاتكم وليست لديكم القدرة علي تحصيل العلم، فقد كانت ملكاتكم في طفولتكم عاجزة عن أداء وظيفتها فمنَّ الله عليكم بنمو أَجسادكم وحواسكم وملكاتكم، لكي تُحصِّلوا بها العلم والمعرفة، فبالسمع تسمعون، وتُدركون المسموعات، وبالبصر تدركون المرئيات، وبالعقول والأفئدة تميِّزُون بين الخير والشر والنافع والضار، وتحصلون العلم، وقد فعلنا ذلك لكم وأنعمنا به عليكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أَي لكي تشكروا الله وتعرفوا له فضله فلا تعدلوا به أحدًا سواه. ٧٩ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾: هذه آية أخرى حثنا الله فيها علي النظر في عجائب صنعه.

стр. 2426

والمعنى: ألم ينظر المشركون إلى الطير مسخرات للطيران بما خلق الله لها من الأجنحة والأسباب المساعدة عليه، فإن من تأمل الطيور السابحة في الجو: لا شيء يجذبها إلى أعلى، ولا سبب يحفظها من السقوط في أسفل، أَدرك أَن الله هو الذي سخرها للطيران وسخر لها الجو وأمسكها فيه، ولم يمسكها سواه، وذلك بما أَمدها به من أسباب تحفظها وتمسكها إن تسقط إلى الأرض، وتجعلها تجوب الفضاء وتعلو وتهبط وتسرع وتبطئُ، وتميل يمينًا وتنحرف شمالًا، إِنه الله الذي أَعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إن في ذلك الذي ذكر من تسخير الطير في الجو وإمساكهَا من السقوط لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، يسوقها لقوم لهم علم وعقل وإِيمان فما بال المشركين يعرضُون عن هذه الآيات الجليلة المستوجبة لطرح الشركاء، والتوحيد الخالص لرب العالمين. وخص المؤْمنين لأنهم هم المنتفعُون بالنظر والتَّدبُّر، وإن كانت الحجة قائمة على كل عاقل. ٨٠ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾: وتلك آية أخرى ساقها الله، مبيِّنًا بعض نعمه المستوجبة لشكره والإيمان به. والمعنى: أنه هداكم إِلى اتخاذ البيوت لكي تستريحوا وتسكنوا فيها بين أهليكم وأولادكم ولم يترككم تأوون إلى الغابات أَو تعيشون في الكهوف وقت إِقامتكم الدائمة، أما في الترحل والانتقال فقد ألهمكم ما يعينكم على تلك الحياة وهو ما ذكره تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾: أي أرشدكم إلى صنع الخيام وضرب القباب في أَسفاركم، وهداكم إِلى اتخاذها من جلود الأنعام حيث: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: تجدونها خفيفة الحمل قليلة الكُلْفة، فيسهل عليكم نقضها وحملها ونقلها إِذا ارتحلتم، فإذا ما أقمتم سهل عليكم ضربها للإقامة، فيها ما أَقمتم.

стр. 2427

﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: أي وهداكم كذلك إلى أن تتخذوا من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز أثاث المنازل من البسط والفرش والكساء والغطاء والخيام، وما قد تحتاجون إليه في إقامتكم وأسفاركم تتنعمون به أنتم، أَو تتجرون به فتتسع أرزاقكم وتنمو بذلك أموالكم وتزداد ثرواتكم وتتمتعون به على أي وجه بما ذكر إِلى حين انقضاء آجالكم وانتهاء أعماركم أو حاجاتكم. ٨١ - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا … ﴾ الآية. أي أَنه تعالى جعل للضاربين في الأرض مما خلق من الأشجار والجبال والتلال ونحوها ظلالا يستظلون بها من الحر، كما جعل لهم من الجبال ما يسكنون فيه أو يأوون إليه عند الحاجة، من المغارات والكهوف. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: ومن نعمه سبحانه أَن ألهمكم اتخاذ ملابس للسلم تقيكم الحر مثل الجلابيب والأردية والقمص والقلانس ونحوها مما يستر أجسادكم ويقيكم حر الشمس وبرد الشتاء. وقد استغنى بذكر الوقاية من الحر عن ذكر الوقاية من البرد لأن العرب تستغنى في لغتها كثيرًا بذكر أحد المتقابلين الآخر اكتفاء بأحدهما؛ لأنه يشعر بالمحذوف ويدل عليه، وكما أرشدكم إلى صنع لباس السم، ألهمكم أَن تصنعوا من الحديد ما يدفع عنكم الضربات ويرد الطعنات في بأس الحرب وشدتها. ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: أي هكذا تتوالى نعم الله عليكم في حياتكم حتى تتكامل وتتم، لعلكم أنتم وكل من يصلح للخطاب والتذكير تتأملون وتتدبرون فتدركوا نعم الله عليكم، وتعرفوا لِواهِبِها قدْرَهُ فتنقادوا له، ولا تتخذوا معه الأنداد ولا تعبدوا ربًّا سواه، فأنت ترى من سرد هذه النعم أنه تعالى شمل بنعمته أهل الحضر وأهل المدر، فالكل بنعمته ينعمون، وبفضله يتمتعون.

стр. 2428

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُومِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ المفردات: ﴿تَوَلَّوْا﴾: أَعرضوا وأبوا. ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: التبليغ البيّنُ الواضح. ﴿يُنْكِرُونَهَا﴾: يجحدونها ولا يعرفون فضل المنعم بها. ﴿أُمَّةٍ﴾: جماعة من الناس. ﴿شَهِيدًا﴾: أي نبيا يشهد بكفرهم أو بإيمانهم. ﴿لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أَي لا يسمح لهم بالاعتذار إذ لا عذر لهم. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: ولا يطلب منهم العُتْبى أَي إرضاء الله يوم القيامة؛ والعُتْبى تطلق على الرضا - انظر القاموس. ﴿يُنْظَرُونَ﴾: يمهلون ويؤَجل عذابهم. ﴿نَدْعُو﴾ نعبُد. ﴿يَفْتَرُونَ﴾: يختلقون ويكذبون. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: أي وأظهروا الاستسلام إلى الله يوم القيامة.

стр. 2429

التفسير ٨٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي فإن أَعرض المشركون يا محمد بعد بيان الآيات الكونية والتنزيلية ولم يؤمنوا بما جئت به من الحق، فلا تحزن عليهم ولا تأسف على ما يصنعون فلست مسئولًا عن كفرهم. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أى فما عليك إِلا أن تبلغهم ما أُرْسِلْت به إليهم تبيينًا يوضح معالم الدين ويبين الصراط المستقيم وقد فعلت على أتم وجه وأَكمله، وهم مسئولون ومحاسبون على عدم استجابتهم، أمَّا خلق الإيمان فى قلوبهم فلست بقادر عليه. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (١). ٨٣ - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أى يعرف المشركون أن هذه النعم المذكورة وغيرها من عند الله فإذا سألتهم من الذى خلقها؟ قالوا: خلقها الله، وكان مقتضى هذه المعرفة أن لا يشركوا بالمنعم بها، وأن لا يعبدوا سواه، ولكنهم ينكرون نسبتها إلى الله بأفعالهم، وذلك بعبادة غير واهبها، وشكر غير مُسْدِيها من صنم أو غيره وعطف بثم التى تفيد التراخي والبعد، للدلالة على أَن إنكارهم أَمْرٌ ينبغى أن يكون مستبعدًا، وذلك بعد أن عرفوا نعم الله وسعدوا بها؛ إذ أَن من الواجب على من عرف النعمة وعاش فيها أن يعترف بها لمنعمها لا أن يجحدها وينكرها. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أى وأكثر أهل مكة هم الكافرون بها، حيث عبدوا غير الله وأعرضوا عن الحق، أما القليل منهم فقد آمن بالمنعم بها واستجاب لدعوة نبيهم الى توحيده. ويجوز أن يراد من نعمة الله نبوة محمد ﷺ ، وأنهم كانوا يعرفونها بعقولهم ثم ينكرونها بألسنتهم عنادًا، وأكثرهم الجاحدون به، أمَّا القليلون منهم فقد هداهم الله، فآمنوا به ﷺ ، وثبتوا على إِيمانهم مع ما قاسوه من التعذيب والإيذاء. ٨٤ - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: لما بين سبحانه حال الكافرين وأنهم عرفوا نعمة الله ثم أَنكروها؛ جاء بهذه الآية وعيدًا للمنكرين.

стр. 2430

والمعنى: واذكر لهم أيها النبى يوم القيامة، ونبئهم بما يقع فيه من الأهوال حيث يبعث من كل أمة شهيدًا من المرسلين، يشهد لمن آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر، حسبما علمه عن أُمته فى حياته. ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي لا يؤذن لهم فى الاعتذار إذ لا عذر لهم ولا حجة لديهم يدافعون بها عن أَنفسهم. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (١): أى ولا يطلب منهم أَحد فى هذا اليوم العتبى -أَي أَن يرضوا ربهم بتوبة أَو عمل صالح- فقد فات أَوان ذلك حيث كانوا فى دنيا التكليف، وقد أُعطوا الفرصة فيها فلم يفعلوا، فلا سبيل لهم بعدها إلى ذلك، فإِن الآخرة دار جزاء. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢). ٨٥ - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: وتلك صورة أُخرى لما يكون عليه الكافرون من أَهل النار، أَى وإذا رأَى هؤلاء الذين ظلموا أَنفسهم بالكفر. -إِذا رأوا العذاب على كفرهم ومعاصيهم وعاينوه وشاهدوه، ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: إذ لا مجال للتَّخْفِيف بتوبة أو اعتذار، ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٨٦ - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ … ﴾ الآية. وهذه صورة من الصور التى تكون بين الكافرين وبين من أشركوهم مع الله فى العبادة، أو عبدوهم من دون الله، فإِذا رأوهم نادوْا ربَّهم أذلَّاء صاغرين. ﴿هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾: أَضلونا وحملونا على عبادتهم. كأنما يقولون: هم الذين يستحقون العذاب دوننا. وكل شيء يومئذ ينطق بإِذن الله فلهذا تكذبهم معبوداتهم من كل نوع كما حكى الله بقوله:

стр. 2431

﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي إنكم كذبتم فيما زعمتم أننا شركاء لله، كما كذبتم في دعائكم أننا أَضللناكم ورضينا بكفركم، أو فيما تقولتم في دنياكم من استحقاقنا للعبادة، وما أضللناكم ولكنكم أَضللتم أنفسكم وعطلتم عقولكم، وما كان لنا عليكم من سلطان. ٨٧ - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: وهذه خاتمة أحوال الكافرين يوم الدين: إنها خزيهم واستسلامهم. والمعنى أَن المشركين استسلموا صاغرين بعد أن قامت عليهم الحجة وخاب أملهم في آلهتهم وضل سعيهم، وحقت عليهم الكلمة وباءُوا بغضب من الله. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وغاب عنهم كل ما افتروه من شرك آلهتهم لله، وشفاعتها لهم عند ربهم، غاب عنهم كل هذا ولقوا ربهم بفضيحة كفرهم وخزى معاصيهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ المفردات: ﴿صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: منعوا الناس عن الإيمان بدين الله. ﴿شَهِيدًا﴾: شهيد كل أمة نبيها، فهو شاهدها. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: المشار إِليهم الأمم أَو الأنبياءُ، أَو الكفار من أمة سيدنا محمد. ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن. ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: توضيحًا لأحكام كل شيء.

стр. 2432

التفسير ٨٨ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية. بعد أن ذكر استسلام الكافرين واعترافهم بكفرهم بين يدي أَحكم الحاكمين أَوضح جزاءهم في تلك الآية الشريفة. والمعنى: أَن الذين كفروا بالله فلم يعترفوا بوحدانيته، وصرفوا الناس عن دينه الذي هو سبيله الأقوم. ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: ضاعفنا عذابهم ضعفين، عذابًا بكفرهم وغيهم وضلالهم، وعذابًا بصدهم الناس عن الإيمان وحملهم إياهم على الكفر والفسوق والعصيان فاستحقوا أن يزادوا عذابًا. ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: بسبب استمرارهم على الإِفساد وإصرارهم على الضلال، وفي الآية دليل على تفاوت العذاب في دركاته كما يتفاوت النعيم في درجاته. ٨٩ - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: واذكر أيها الرسول للناس يوم القيامة حيث نبعث في كل أمة شَهيدًا عليهم من أنفسهم، أَي من بينهم وجنسهم وبلغتهم لمعذرتهم. وشهيد كل أمة نبيها، يشهد لها أَو عليها بما كان منها من الاستجابه له، أَو الإعراض عنه والصد عن سبيله كما تقدم بيانه. ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: وأَحضرناك يا محمد يومئذ شهيدًا على أمتك هؤلاء، تشهد عليهم كما يشهد كل نبي على أمته، ويجوز أن يكون المراد من ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الأنبياءُ، فهم يشهدون على أممهم، وأنت يا محمد تشهد لهم بأنهم بلغوا ما أمروا بتبيلغه كما أخبرك به العليم الخبير في كتابه العزيز، أو جئنا بك يا محمد شهيدًا على الأمم بما لاقوْا به رسلهم من إِيمان وتصديق أَو إِنكار وتكذيب على ما أعلمك ربك. وقد ورد في تفسير تلك الآية عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنه قرأ سُورة النساء على رسول الله ﷺ حتى بلغ قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ فبكى رسول الله ﷺ وقال: حسْبُنا.

стр. 2433

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: أي وآتيناك القرآن مبينًا لأحكام كل شيءٍ من شئون معاش الناس ومعادهم، والبيان الذي جاء به القرآن للأحكام إما بإيراد نص فيها، أَوبالإِحالة على السنة كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). أَوبالإِحالة على الإِجماع حيث أَوجب الأخذ به وتوعد على مخالفته في قوله تعالىَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). أوبالإِحالة على القياس وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) فالاعتبار التَّبصُّرُ والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس فهذه أَربعة طرق لا يخرج عنها شئٌ من أحكام الشريعة الإِسلامية، وكلها مذكورة في القرآن، فكان بحق تبيانًا لكل شيء. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أَي وكان منشأ الهداية والرشد، كما أنه رحمة للمسلمين وبشرى لهم بحسن المصير وطيب المنقلب إلى ربهم؛ لأنهم أَسلموا وجوههم إلى الله، وأَحسنوا أقوالهم وأَعمالهم ونياتهم لربهم. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ المفردات: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: يأمر بالإنصاف وعدم الظلم. ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾: هوإتقان العمل وإِكماله. ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾: المراد به صاحب القرابة طلقًا. ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الفحشاء ما عظم قبحه قولًا أوفعلًا، ويكثر إِطلاقه على الزنى.

стр. 2434

(وَالمُنكَرِ): كل ما أَنكره الشرع من الذنوب والمعاصي. (وَالبَغْي): وهو التطاول على الناس ظلمًا وعدوانًا. التفسير ٩٠ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ … ﴾ الآية. هذه الآية كما يقول ابن مسعود ﵁: "أَجمع آية في القرآن للخير والشر ولو لم يكن فيه غيرها لكفت فى كونه تبيانًا لكل شيء وهدى ". أخرجه البخارى فى الأدب والحاكم وصححه ابن جرير واللفظ له. وقد قرأها الرسول ﷺ على الوليد بن المغيرة. فقال له: يا ابن أَخى أعد على فأعادها عليه. فقال له الوليد والله إِن له لحلاوة. وإن عليه لطلاوة، وإن أَعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى، وما هو بقول بشر، ولما سمعها أكثم بن صيفي من وفد قومه إِلى الرسول قال: إني أَراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن مذامها. فكونوا فى هذا الأمر رءُوسًا ولا تكونوا فيه أَذنابًا، ذلك لأنها جمعت إجمالًا بين ما يجب عمله من الفضائل وما يتعين تركه من الرذائل، والعدل الذى يأمر به سبحانه خُلقٌ جامع لكل الفضائل من القول والعمل. يغرس فى الإنسان حب الاستقامة والمساواة، والرغبة فى طاعة الله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وإنصاف الناس من نفسه، وإِنصاف بعضهم من بعض وهذا الخلق يجعله إذا ما تصرَّف فى أَمر من الأمور أو تخلَّق بخلق يتوسَّط فيه بين الإفراط والتفريط، وقال سفيان بن عيينة العدل استواءُ السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا وكما يأمر سبحانه بالعدل ويدعو إليه. فإنه يأمر بالإحسان، وهو إحسان العمل وإتقان العبادة أَى الإتيان بها على الوجه المطلوب الذى يليق بها من حيث الإخلاص لله، وكمال العبودية له، ويشير إلى ذلك ما رواه البخاري من قوله ﷺ : "الإحْسَانُ أن تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَم تكُنْ تَرَاهُ فَإنهُ يَرَاك" هذا بحسب الكيفية، وأَمَّا بحسب الكمية فبكثرة التطوع بالنوافل الجابرة لما قد يقع فى الواجبات من شائبة التهاون والنقص

стр. 2435

أو بالاستزادة من كل ما يحقق للطاعة مراتب الكمال، ويجوز أن يراد به الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم، وأَسْمى درجاته على هذا المعنى، الإحسان إِلى المسيء مع التمكن منه والقدرة عليه، وقد أَمر بذلك نبينا ﷺ ، ومن الحكم المنسوبة إلى عيسى ﵇ قوله: "إنَّمَا الْإحْسَانُ أنْ تُحْسنَ إلَى مَن أسَاء إِلَيْكَ. لَيْسَ الْإحْسَانُ أَنْ تحْسِنَ إلَى مَنْ أحْسَنَ إلَيك" أَخرجه ابن أبي حاتم عن الشعبى. ثم يأمر سبحانه بصلة الأقارب حفاظًا على روابط الدم والنسب فيقول: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: أي أنه يأمر بصلة ذوى الأرحام. على أي درجة كانت قرابتهم، وذلك بإعطائهم ما يحتاجون إليه، لا فرق بين الأقربين منهم والأبعدين، ويشير إلى ذلك ما جاء في النص الكريم من طلب إعطاء ذى القرابة مطلقًا، ولو طلبها للأقرباء أو للأقارب أو للأقربين لم يفد التعميم؛ لأن هذه الصيغ تقيد الإحسان لأكثرهم قرابة، فلذا جيء بهذا النص الكريم ليعم ذوى القرابة مطلقا، والتصريح بإيتاء ذى القربى مع أنه داخل في الإِحسان الذي يأمر به الله سبحانه، للاهتمام بشأن صلة القرابة وإعطائها حق قدرها، وبعد أن ذكر سبحانه ثلاثة من المأمورات. أَتبعها بذكر ثلاثة من المنهيات فقال تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾: أَي ينهاكم عن الفحشاء قولا وعملًا، والفحشاءُ: كل ما عظم قبحه من الذنوب ويكثر إطلاقها على الزنى، وكما ينهاكم عن الفحشاء ينهاكم عن جميع ما أنكره الشرع من المعاصي والآثام، وينهاكم أيضًا عن البغى على الناس ظلما وعدوانًا بانتهاك حرماتهم، واغتصاب حقوقهم. ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: جملة مستأنفة لبيان الحكمة في تشريعات هذه الآية الكريمة التي تعتبر دستورًا لمكارم الأخلاق. والمعنى: أَنه تعالى ينبهكم بما جاء في هذه الآية الكريمة، لكي تتعظوا فتسلكوا سبيلها وتعملوا بما جاء بها.

стр. 2436

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ المفردات: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: العهد ما ألزم الإنسان به نفسه أو أَلزمه به غيره بموافقته، وعهد الله يعم كل تكليف من الله، ويدخل فيه البيعة على الإِسلام. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: المراد من نقضها عدم الوفاء بها. ﴿كَفِيلًا﴾: شاهدًا أو رقيبًا. ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: حلَّته بعد فتله وإحكامه. ﴿أَنْكَاثًا﴾: جمع نِكْث على وزن حِمْلٍ وهو الصوف بعد حله. ﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أي خديعة ومفسدة. ﴿أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: أَكْثَر منها مالا وأَعز نفرًا. التفسير ٩١ - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾: لما ذكر سبحانه في الآية السابقة الأمور التي يترتب عليها إصلاح الفرد واستقرار الجماعة علي سبيل الإجمال. أتبع ذلك تفصيل بعض ما أجمل ليوضح لعباده معالم الطريق إلى الأمن

стр. 2437

والسلامة فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ أي التزموا الوفاء بكل عهد وبيعة لله تعالى، ويدخل فيها البيعة على الإِسلام، والنصرة لرسول الله ﷺ وقوله سبحانه: ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لتأكيد وجوب التزامهم بالوفاء، وذلك بتذكيرهم بأن هذا العهد قطعُوه على أنفسهم برغبة منهم واختيار. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: أي لا تحنثوا في الأيمان التي تحلفون بها عند البيعة وغيرها، ولا سيما الأيمان التي أَكدتموها بتكرارها وتنويعها. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: أَي رقيبًا يتكفل بوفائكم، حينما تعاقدتم، فلا سبيل لكم إِلى نقض العهد والحنث في الأيمان لأن الكفيل مراع لحال المكفول مهيمن عليه، فلا يستطيع الإفلات من قبضته، فكيف إِذا كان هذا الكفيل، هو الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض يعاقب الغادرين، ويثيب الأوفياء. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: من نقض المواثيق والعهود أَو الوفاء بها، وفي هذه الجملة تعليل للنهي عن نقض الأيمان، مشعر بالوعد على الوفاء والوعيد على الغدر. ٩٢ - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾: أي ولا تكونوا في نقضكم لما تعقدون من عهود كالمرأَة الحمقاء التي كانت تغزل غزلها قويا متماسكًا ثم تنقضه من بعد ما أحكمته، تنقضه أنكاثًا أي طاقات، وذلك بفك أجزائه بعضها من بعض ونفشه لتعاود غزله وتلك حماقة لا تعدلها حماقة، ويراد من هذا التشبيه تقبيح حال النقض للعهد، بتمثيل الناقض له بحال هذه المرأة المعتوهة في أخس أحوالها، تنفيرًا منه وتقبيحًا له. حيث جعل في عداد حمقى النساء، والكلام من باب ضرب المثل، ولم يقصد به امرأَة معينة، كما قاله مجاهد وقتادة. ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: الدخل في اللغة ما دخل في الشيء وليس منه، والمراد به هنا الغش والخديعة والمعنى: لا تكونوا في نقضكم للعهود مشابهين للمرأة التي سبق بيان شأنها، حال كونكم متخذين أيمانكم التي حنثتم فيها خديعة ومفسدة حيث جعلتموها وسيلة للغدر وعدم الوفاء وكان من حقها عليكم أَن تكون سبيلا إِلى أن تلتزموا بما عاهدتم الله عليه، والجملة مستأنفة على سبيل الاستفهام الإنكارى تقديرا. أي أتتخذون إيمانكم دخلا بينكم بمعنى لا ينبغي أَن يقع ذلك م

стр. 2438

﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: أي لا تنقضوا العهود طمعًا فى التحالف مع جماعة هى أكثر مالًا وأَعز نفرًا، بدل جماعة أخرى أَقل منها وأَهون، كما كانت تفعل قريش، فكانوا ينقضون العهود مع حلفائهم، ويحالفون أعداءهم إذا ما رأَوا فيهم قوة ومنعة، قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون منْ هُو أكثر منهم وأعز نفرًا فينقضون حلف هؤُلاء ويحالفون أُولئك فنهوا عن ذلك اهـ - وعلى هذا تكون الآية تحذيرًا للمؤْمنين أَن يغترُّوا بكثرة قريش وسعة أموالهم، فينقضوا بيعة رسول الله ﷺ ، وأيًّا كان السبب فالآية قاعدة عامة تحض على الوفاءِ بالعهود. والمعنى الإجمالي للآية: ولا تتخذوا أَيمانكم للخديعة والمكر، بأن تحلفوا للناس على ما عاقدتموهم عليه ليطمئنوا إليكم، ثم تغدروا بهم رغبة فى إِرضاءِ أُمة أقوى من الأُمة التى عاهدتموها، لتكون قوة لكم ومنعة بدلا منهم. وإِذا كان الله سبحانه قد نهى عن الغدر والحالة هذه. فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة الذاتية بطريق الأولى. ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: أَى إِنَّما يختبركم بكثرة أُمة عن أُمة، لينظر أَتتمسكون بعهد رسول الله ﵊؟ أم تخدعكم كثرة قريش وقوة شكيمتهم وقلة المؤْمنين وضعفهم حسبما يدل عليه ظاهر الحال. أو يختبركم أَيها المؤْمنون جميعًا بهذا التشريع فى عهودكم ومواثيقكم ليظهر ما تضمرونه من غدر أو وفاءٍ. ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: فى الدنيا، فيجازى كل عامل على عمله خيرًا كان أَو شرًّا. وستجد كل نفس ما عملته محضرًا، لا تخفى منه خافية، وفى ذلك إشارة واضحة إِلى الإِنذار والتحذير. ٩٣ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أى ولو شاء الله إِلْجاءَكُمْ على الإِيمان لجمعكم عليه وجعلكم أمة واحدة. ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: أَي ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك حيث أضل فريقًا وهدى آخر، فأما الفريق الأول. فهو من استحب العمى على الهدى، وأما الفريق الثاني فهو من آثر الحق على الباطل، فقد اقتضت عدالته أَن يجعل لعباده اختيارًا، فمن اختار شهوات الدنيا على طاعة ربه. تركه وما يريد تبعًا لاختياره وإصراره، ومن

стр. 2439

اختار رضا الله بالعمل الصالح سهَّل له ما أَراد تحصيله بدافع مما عنده من رغبة واختيار، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أَي وتأكدوا بلا شك أَنكم ستسألون جميعًا يوم القيامة سؤال محاسبة عن عملكم في الدنيا، لينال كل عامل جزاء عمله ثوابًا أَو عقابًا. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ المفردات: ﴿الدَّخَل﴾: الغدر والمكر والخديعة ونحوها. ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: زلَلُ القدمِ حسب اللغة زلقُها في طين ونحوه، ويُكنى به عن الوقوع في البلاء والمحنة بعد العافية والنعمة كما هنا ﴿السُّوءَ﴾: المكروه. ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: بسبب إِعراضكم عن أَحكام دينه، في سبيله إلى الوفاء بالعهود والأيمان وسائر الفضائل. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: عرضا قليلًا، ﴿يَنْفَدُ﴾: يذهب ويفنى. التفسير ٩٤ - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ الآية. تحذير صريح من الله لعباده من اتخاد الأيمان دخلا أي خديعة، بعد تحذيرهم فيما سبق تلميحًا واستنكارا في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ .. الآية قصدًا إلى المبالغة في قبح الغدر المنهي عنه، وللتمهيد لقوله سبحانه:

стр. 2440

﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: والمعنى: احذروا هذه الأيمان الكاذبة لئلا تحيد قدم عن سبيل الإِسلام بعد رسوخها فيه، وإفراد القدم وتنكيرها للإِشعار بأَن زلل أي قدم ذنب عظيم وإثم كبير، فكيف بالأقدام الكثيرة. وهو مثل يضرب لكل من كان على الطريق المستقيم فجانبه. ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: إلى ما يسوءُكم من العذاب الدنيوى ومختلف المكاره. ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: بسبب إعراضكم عن دين الله وعدم الاهتمام بتعاليمه، أو بما تسببتم فيه من صد غيركم عن هذا الدين، لأَن الكافر إذا رأى المؤْمن قد عاهد ثم غدر أَو حلف فحنث أو نقض عهد رسول الله وارتد. لم يبق له وثوق بدين، وكان داعيا له إلى شدة الإعراض عن الإسلام. ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي ولكم في الآخرة عذاب لا يعلم مداه ولا يحيط بقدره إلا الله جل شأنه. لقاء ما اقترفتم من كبائر وسيئات. ٩٥ - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ … ﴾: قيل المراد من عهد الله، بيعة رسوله ﷺ على الإيمان أو هو الآيات الداعية إلى إيجاب المحافظة على العهود والأيمان. والمعنى: لا تستبدلوا به ولا تعتاضوا عنه. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي تأخذوا بمقابل عهده سبحانه عرض الدنيا وزينتها، فإن هذا العرض مهما كثر في موازينكم فإِنه يكون ضئيلا بالنسبة إلى عطاء الله. أو هو عرض يسير في واقعه وحقيقته فلا يحل لأحد أن يتناوله، ويتخلى عن عهد الله الذي يجب الوفاءُ به، ويستحق الوفيُّ به عند الله أجرًا عظيمًا أَما عرض الحياة الدنيا فهو قليل وزائِل كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. ويشار بالثمن القليل القليل إلى ما كانت تعد به قريش ضعفاء المسلمين للارتداد عن الإِسلام، وقال ابن عطية: هذا نهْىٌ عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الآخذ فعله. أو فعل ما يجب عليه تركه، وعلى ذلك فالمراد بعهد الله ما يعم ما سبق وغيره. ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي إِن الذي عند الله من نصر وتوفيق وثواب أخروى دائم.

стр. 2441

﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. من هذا الثمن القليل الذي يعدونكم به لإِغرائكم بنقض العهود، أَو الذي يصل إِليكم عن أَي طريق، في مُقابل ترك عهد الله والتخلى عنه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أَي إن كنتم من أهل العلم والإدراك والفهم. فتدبروا التفاوت البين بين خيري الدنيا والآخرة. وبين ما يمقته سبحانه وما يرضى عنه. ٩٦ - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ … ﴾: أي ما لديكم من خيرات الدنيا وطيباتها يذهب وينتهي مهما طال به الأَمد، وامْتدَّ به الزمن. وكثر منه العدد. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾: فهو يعطيكم من فيض رحمته. وخزائن نعمه التي لا نفاد لها ولا فناء لنعيمها في الدنيا والآخرة. أَما حصول ذلك في الآخرة فظاهر. وأما في الدنيا فلأن نعيمها موصولا بنعيم الآخرة ومستتبع له، ولهذا الارتباط كان النعيمان من الباقيات الصالحات، ومن هنا كان التعبير في الآية بلفظ ﴿بَاقٍ﴾ أولى من التعبير بلفظ يبقى لإِفادة الدوام والاستمرار. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أكّد سبحانه النص على منح الصابرين أَجرهم الخاص بهم بجملة القسم ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ المعبر فيها بنون العظمة، لحفزهم على قوة الاحتمال والثبات على إِيذاء المشركين لهم، والصبر على مشاق التكاليف التي تنتظم احتمال الأذى في سبيل الوفاء بالعهود والبر بالأيمان. والمعنى: ولنَجزينَّ الذين صبروا على مشاق التكالف الشرعية ومنها الوفاء بالعهد، - لنجزينهم - بحسب أَحسن اعمالهم. فيكون عطاؤُنا لهم جزاءً الأدنى من هذه الأعمال كعطائنا لهم جزاءَ الأعلى منها من الأجر الجزيل، تفضلا منَّا وكرمًا، وتلك عِدَة كريمة بغفران ما قد يعترى صبرهم على مشاق التكاليف من تفسير أَو قصور، فإن أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون يقتضي هذا التجاوز والغفران.

стр. 2442

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ المفردات: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: يراد بها حياة هنيئة مرضية. ﴿قَرَأْتَ﴾: أَردت القراءَة. ﴿الرَّجِيمِ﴾: المطرود من رحمة الله. ﴿سُلْطَانٌ﴾: تسلط وقهر. ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: يتخذونه وليًّا يتبعون أَمره. التفسير ٩٧ - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: شروع في ترغيب المؤْمنين جميعًا وحثهم على كل عمل صالح. تدعو إِليه شرائع الإسلام وتعاليمه، إِثر ترغيب جماعة منهم في الثبات على العهد والاستمساك بما هم عليه من عمل صالح خالص مهما قدم لهم عن المغريات على نكثه. والمعنى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى من المكلفين وهو مصدق تمام التصديق بما جاء به نبينا محمد ﷺ . فإن أَعمال الكفرة لا اعتداد بها، لا وزن لها مهما كان فيها من البر، وأوثرت الجملة الإِسمية في قوله ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لدلاتها على الدوام والاستمرار. ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: أَي فلنُعطينَّهُ في الدنيا ما تطيب به حياته من كل ما يتطلبه عيشه، من سعة في المال، وبركة في الصحة والعيال أو بما وهبناه من قناعة ورضا بما قسم له، وتوقُّعٍ للأجر العظيم في آخرته. وقيل: هي حياة الآخرة التي تكون في الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر. وصحة بلا سقم. وسعادة بلا شقاوة. أخرج ابن جرير،

стр. 2443

وابن المنذر وغيرهما عن الحسن قال: ما تطيب الحياة لأحدٍ إِلا فى الجنة، وقيل هى حياة البرزخ ففيها يشعر الميت بأنه من أهل السعادة أو من أَهل الشقاء، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أَي ولنجزينهم فى الآخرة جزاء موافقا لأحسن أَعمالهم حسبما نفعل بالصابرين الذين ذكر جزاؤُهم فى الآية التى سبقت. وقد ذكر الجزاء هناك خاصًّا بالصابرين، وهنا عاما لبيان شموله لكل من يعمل عملا صالحا خالصا لوجه الله. وذلك لا يدع أى مجال لشائبة التكرار بين الآيتين حيث اختلف الغرض المقصود من كل منهما. ٩٨ - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: بعد أن ذكر سبحانه أن أَساس الجزاء الموفور هو صلاح العمل واستقامته. جاءت هذه الآية لبيان ما يصان به العمل الصالح ويخلص من شوائب النقص أو الفساد. والمعنى: فإذا أردت قراءة القرآن فاسأل الله سبحانه أن يعيذك ويحفظك من وساوس الشيطان المطرود من رحمة الله، والأمر بالاستعاذة منه للندب عند جمهور العلماء، وروى عن الثوري وعطاء أنه للوجوب، نظرًا لظاهر النظم الكريم، وهو مخالف للمنقول عن جمهور العلماء، والخطاب عام لكل مسلم يقرأ القرآن الكريم، وهذا هو الذى يقتضيه السياق، وقيل إِنه خطاب للرسول ﷺ ، وتوجيه الخطاب إليه، على هذا الرأى، للتنبيه على أنها لغيره ﷺ آكد، فإنه صلى الله عليه وسم مُحصَّن من الشيطان، ومع هذا فقد أُمر بالاستعاذة منه، فما ظنك بغيره، وصيغة الاستعاذة المأثورة هى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لتضافر الروايات على أنه ﷺ كان يستعيذ كذلك. وروى عن ابن مسعود أنه قرأ على النبى صلى الله عليه وسم: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له ﷺ : " يا ابن أُم عبْدٍ: قُلْ أعُوذُ بِاللهِ مِن الشَّيطانِ الرَّجِيم. هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ" روى ذلك الثعالبى والواحدى. ٩٩ - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي أنه ليس للشيطان تسلط وتأثير على المؤْمنين المتوكلين على الله ربهم، حيث إن دعوته لهم إلى الشرك والمعاصي غير مستجابة، ووسوسته لا تؤثَر فيهم، لاعتصامهم بالإيمان المتين،

стр. 2444

وإخلاصم العبادة لله رب العالمين، وتوكلهم عليه وحده في كل ما يعملون وما يتركون، واستعانتهم به على تحمل مشاق التكاليف ونزغات الشيطان، أو أنه كما قال الثورى: ليس له عليهم سلطان يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه. ١٠٠ - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أي ما سلطانه وتأثيره وهيمنته وولايته، إلا على أتباعه الذين يطيعونه ويستجيبون لإغرائه ووسوسته إلى درجة الشرك، وهم بمعزل في غوايتهم هذه عن القهر والإكراه، فلو أصروا على عصيانه لنجوا من كيده، حيث يقول جل شأنه حكايته عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وفي ذلك يقول الله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١). ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾ المفردات: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: جعلناها بدلا منها لإحلال حكم محل آخر.

стр. 2445

(مفْتَرٍ): مختلق وكاذب. (روحُ القُدُسِ): جبريل ﵇، والقدس الظهر. (يُلْحِدُونَ إلَيْهِ): يميلون إلَيْه من الإلحاد وهو الميل عن القصد. ومنه اللحْدُ لميل الشق فيه إلى الجنب. (أَعجَمِيٌّ): أَى أنه فى نطقه عجمة تتنافى مع الفصاحة القرآنية. التفسير ١٠١ - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: أي وإِذا أنزلنا من القرآن الكريم آية تفيد حكما جديدا، وجعلناها مكان آية فى شريعة سابقة تخالفها فى الحكم أَو جعلنا معجزة بدل معجزة كانت لنبى سابق. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: على أنبيائه من أَحكام أو معجزات ويعلم وجه مناسبته لزمانه، فكل وقت من الأحكام والآيات ما يناسبه، فما يكون مصلحة فى زمن. قد يكون مفسدةً في زمن غيره، وما يكون معجزة لنبي مع قوم بعث إِليهم قد لا يتناسب مع آخرين ليحصل به التحدي والإفْحام. وجملة ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ ذكرت اعتراضا بين الشرط والجواب لتوبيخ المشركين والتنبيه على فساد رأيهم، لأنهم لو أنصفوا أنفسهم لتركوا أمر ذلك إلى علم الحكيم الخبير. وحكى شأنه جرمهم الذي اقترفوه عندما وقع التبديل، فقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: أي قال الكافرون مخاطبين الصادق الأمين: ما أَنت إلَّا مُتقولٌ على الله مختلق نسبة الأحكام إليه لأنك تنسخ أَحكاما جاءت فى الرسالات السابقة، مع أنها من عند الله، ولم يقولوا ذلك عن دراية ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: شيئًا أصلا فهم جهلاء أَغبياءُ أو لا يعلمون أن في التبديل حِكمًا بالغة. وإسناد عدم العلم إلى أكثرهم، لأن بعضهم كان يعلم يقينا صدق محمد ﷺ ، وإِنما يصفه بالافتراء مكابرة وعنادا. ١٠٢ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: قل أَيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يصفونك بافتراء القرآن، قل لهم ليس هذا القرآن مفترى بل نزله روح القدس جبريل عليك بالحق من ربك الذى يحيطك بآثار ربوبيته، نزله عليك ليُثبت الذين آمنوا على الإيمان ويبعدهم عن ضلال العقيدة، لما فيه من الحجج والبراهين المطمئنة للقلوب، وليثبتهم على التصديق بأن النسخ فيه لمصلحة

стр. 2446

البشر، وليهديهم إلى سبيل الرشاد، ويبشرهم بحسن الجزاء وكريم اللقاء، وفيه دليل على أن أَضداد الصفات المذكورة للمفترين من الكفار، فلهم خزي الدنيا وعذاب النار. وإطلاق روح القدس على جبريل ﵇؛ لأنه ينزل بالقدس أي الطهر من الله، والمراد به الوحى الذى يطهر النفوس من الجهل والإثم، وقيل لطهره من الأدناس البشرية، فهُو من إِضافة الموصوف إلى صفته، فكأنه قيل: نزله الروح المقدس .. أي المطهر - كما يقال: حاتم الجود .. أي حاتم ذو الجود. ١٠٣ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: رد من الله سبحانه لفرية خبيثة أثارها كفار مكة حول محمد ﷺ . حيث قالوا: إنه لا يعلمه هذا القرآن إلا بشر نعرفه، يريدون به غلامًا أعجميا كان يقرأ التوراة والإِنجيل ورأَى فيهما أَوصاف النبي ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه بعد أَن تحقق من صفات النبوة فيه. ولقد كذبهم الله تعالى في زعمهم هذا بقوله جل شأنه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: أَي كلام الرجل الذي ينسبون إِليه تعليم الرسول، ويُميلون إليه فريتهم ما هو إِلا كلام أعجمي لا يفهمه عربي. ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي وهذا القرآن الذي تدعون أن الرسول ﷺ تعلمه من أعجمي، إنما هو كلامٌ عربي بلغ القمة في البيان والفصاحة والبلاغة، حتى عجزت العرب عن محاكاته، وهم على ما هم عليه بلاغة وفصاحة وقوة بيان، وعذوبة لفظ، وسلامة قول: بل لو اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لاستبان عجزهم، وظهر قصورهم، ولو كان بعضهم لبعض نصيرًا ومعينًا، فكيف تجعلونه من تعليم بشر أعجمي، وهو لا يمكن أن يصدر إلا عن واهب القوى والقدر جل وعلا. ١٠٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: المراد بالآيات هنا القرآن الكريمُ، كما دلت عليه الآيات السابقة.

стр. 2447

والمعنى: إن الذين لا يؤْمنون بآيات القرآن ولا يصدقون بأنها آيات الله وينسبونها تارة إلى الكذب والافتراء، وأخرى إلى أنها مُعلمة من بشر ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾: أي لا يوفقهم إلى طريق النجاة، لعلمه سبحانه أنهم ليسوا أهلا لذلك، لسوء حالهم التابع لسوء اختيارهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الآخرة لكفرهم بآيات الله، وإعراضهم عن هداه. ١٠٥ - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: ردّ لقولهم إنما يعلمه بشر، ببيان أن الذين ينسبون الافتراء والكذب إلى رسول الله ما هم إلا الذين اعتادوا الكفر بآيات الله وحججه الدالة على وحدانيته، فلا غرابة في تكذيبهم رسول الله المؤيد بآياته الواضحة في القرآن العظيم الذي أعجز … الجن والإنس، وظهر لهم عجزهم عن الإتيان بسورة مثله، وثبت بذلك أَنه منزل من عند الله، فهم بإنكارهم هذه الحقيقة يفترون على الله الكذب، حيث زعموا أَن ما هو كلام الله مفترى عليه، ولا يجرؤُ على افتراء الكذب وقلب الحقائق إِلا الكافرون الذين اعتادوا على تكذيب آيات الله وبراهينه أمثالهم. ويصح أن يكون المعنى: ما يفتري الكذب وينسبه إلى الله إلا الذين لا يصدقون بالبراهين والآيات الدالة عليه سبحانه، ومحمد ﷺ ليس منهم، فهو أكمل الناس علمًا بربه، وإيمانا بآياته الدالة عليه، وقد عرفتموه بينكم ودعوتموه بالصادق الأمين، فكيف يفترى الكذب على الله، كما نسبتموه إليه زورا وبهتانا. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: أي أولئك الموصوفون بعدم الإيمان بآيات الله، هم المتناهون في الكذب، إذ لا كذب أشنع من تكذيب آيات الله والطعن فيها، مع وضوح أنها آياته وبراهينه .

стр. 2448

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ المفردات: ﴿أُكْرِهَ﴾: أُجْبر على التلفظ بكلمة الكفر. ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: آثروها على الآخرة فعملوا لها. ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: ختم عليها، والمقصود أنه حال بينها وبين الحق لإصرارها على الكفر. ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: من طابت به نفسه. ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا محالة، ﴿فُتِنُوا﴾: امتحِنُوا وابتلوا. التفسير ١٠٦ - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾: هذا ابتداءُ كلام. لبيان حال من كفر بآيات الله بعد إيمانه إثر بيان شأن من جحدها. ولم يؤْمن بها أصلًا.

стр. 2449

والمعنى: من جحد وجود الله أو أَنكر دينه الحق من بعد إيمانه، وسلوكه سبيل المؤْمنين فإِن الله يغضب عليه ويعذبه عذابا عظيما (١). ثم استثنى الله من هذا العقاب منْ أكره على الكفر بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: أي إلا من أُرغم على الكفر بشيء يخشى منه على نفسه أو على عضو من أَعضائه. فكفر. وحاله في اطمئنان قلبه، وسلامة عقيدته لم تتغير، فلم يخالط يقينه أي شك أَو تردد فلا، يضره وهذا الكفر. بل هو في كنف الله ورعايته. ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: أي لم يكن مكرها على الكفر. بل آثره واطمأنت إليه نفسه، وتفتَّح له قلبه. انشرح به صدره ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾: أَي فينزل عليهم ويحل بهم غضب عظيم من الله. لا يدركون كنهه، وقد أَشعر إظهار اسمه الجليل في معرض الوعيد بشدة العذاب لهؤُلاءِ الكافرين المتعمدين للكفر. وفي سبب نزول هذه االآية روىَ العوفِيُّ عن ابن عباس: أنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ ، فأَنزل الله هذه الآية، هكذا قال الشعبي وأَبو مالك وقتادة، وفي رواية ابن جرير. فشكا ذلك إِلى النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : "كيف تجد قلبك" قال مطمئنا بالإيمان. وقال النبي ﷺ : "إن عادوا فَعُد". ١٠٧ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: الإشارة راجعة إلى وعيد من كفر بعد الإيمان. أَي ذلك الوعيد السابق. بإِنزال الغضب والعذاب العظيم عليهم منه تعالى بسبب إيثارهم الدنيا وزينتها وتعلقهم بمطامعها ومفاتنها وإِعراضهم عن الآخرة. إيثارا للعاجل الفاني. على النعيم الباقي. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أَي وذلك الوعيد أيضا بسبب أَن الله تعالى لا يهدي القوم الكافرين الإِيمان، على سبيل القهر والإلجاء؛ لأنه ثبت في علمه المحيط اختيارهم الكفر على الإيمان وإِصرارهم عليه، فلهذا لم يعصمهم من الزيغ، ولا مما يؤدي إِليه من إنزال الغضب عليهم. والعذاب العظيم بهم، فمن بعُد عن الله بعد اللهُ عنه وأَدناه من عقابه، ومن تقرب إلى الله قرب الله منه وأدناه من رحمته.

стр. 2450

١٠٨ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ .. ﴾: أي أولئك الموصوفون بما ذكرته الآيات السابقة من ألوان الكفر، وقبائح الأعمال، ختم الله على قلوبهم فصارت مغلقة لا تقبل الحق، وعلى أسماعهم فلم يعودوا يسمعون سماع فهم وتدبر كأَنهم صُمّ، وختم على أبصارهم فلا تحسن رؤْية ما يحيط بهم من عجائب الكون التى تتحدث بقدرة الخالق، ووحدانية المبدع جل شأنه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أي وأُولَئِك هم الغارقون فى الغفلة البالغون غايتها ومنتهاها دون سواهم، إذ لا غفلة أقوى في آثارها من الغفلة عن تدبر العواقب الوخيمة، والتفكير فى المصالح العظيمة. وقد روى عن ابن عباس ﵄. أنه قال: غافلون عما يراد بهم في الآخرة. ١٠٩ - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أَى لا محالة أَنهم هم الخاسرون فى أُخراهم، حيث ضيَّعوا أعمارهم فيما لا يفيد، وصرفوها فى اقتراف المعاصي والآثام التي تفضي بهم إِلى غضب الله عيهم، والخلود فى العذاب الأليم، وكان عليهم أَن يتجهوا إلى ما خلقوا له من توحيد الله وعبادته، وإلى كل عمل نافع لهم فى الدنيا والآخرة. ١١٠ - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾: أي ثم إن ربك يا محمد نصير لمن هاجروا من دار الكفر إِلى دار الإِسلام من بعد ما فتنهم الكافرون وآذوهم بالعذاب لحملهم على الارتداد، ثم جاهدوا أنفسهم وصبروا على أذى معذبيهم، فلم يشكوا ولم يكفروا، بل ظلموا على سلامة عقيدتهم التى يخفونها ويضمرون التمسك بها. والآية نزلت فى عمار وخباب ونحوهما ممن أُوذوا في سبيل الله. وقرأ ابن عامر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فَتَنُوا﴾ بالبناء للفاعل أي من بعد ما فتنوا غيرهم، أي من بعد عذب المشركون المؤْمنين كالحضرمي أَكْره مولاه جبْرًا على الارتداد ثم أسلما وهاجرا. وأصل الفتْن إدخال الذهب فى النار لتمييز الجيد من الرديء. ثم أُطلق على البلاء وتعذيب الإنسان مجازًا، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إِن ربك يا محمد من بعد ما فعلوه من الهجرة والجهاد فى سبيل الله والصبر على المشاق لعظيم المغفرة. يغفر لهم ما أُكرهوا عليه من كلمة كفر قالوها ليتقوا بها العذاب. ويغفر لهم غيرها من السيئات -إن ربك عن بعد

стр. 2451

ذاك - لواسع المغفرة والرحمة فيتفضل بإثابتهم على ما صنعوا من هجرة وجهاد وصبر، من بعد فتنتهم وإيقاع العذاب بهم، وفي إضافة الرب إلى ضميره ﷺ . إشارة إلى إظهار كمال اللطف به، والعناية بشأنه، مع الإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة ببركته ﵊ لكونهم أتباعًا له صلوات الله عليه وسلامه. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ المفردات: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: أي تدافع عن ذاتها بالاعتذار. التفسير ١١١ - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا … ﴾ الآية. لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة طرفا مجملا من طغيان المشركين، وقسوتهم في تعذيب الضعفاء من المؤْمنين - عقب ذلك بذكر الحساب على الأعمال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ودفاع كل إنسان عن نفسه، وأن كل مكلف ينال جزاء ما عمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. والمعنى: اذكر أيها المكلف من الناس - اذكر اليوم الذي تجيءُ فيه كل نفس تدافع عن ذاتها وتعتذر بشتى المعاذير جاهدة في خلاصها يشغلها إلا شأنها من شدة الكرب الذي يحيط بها، حتى تفِر من أقرب الأقربين إليها، كما قال الله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٢). ومن هول الكرب في ذلك اليوم، يقسم المشركون كاذبين، يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣)، يتبرأ المتبُوعون والتابعون بعضهم من بعض، كما قال جل سلطانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ

стр. 2452

اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١). ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: أي ويعطى الله تعالى في ذلك اليوم العظيم كل نفسٍ جزاء الذي عملته. وافيًا غير منقوص ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وضمير الجمع في قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: عائد على كل نفس. أَي وكل النفوس التي يجزيها الله يوم القيامة لا يظلمون بزيادة في العقاب. ولا ينقص في الثواب، ولا تعاقب نفس ما بغير ذنب، ذلك لأن الذي يتولى الجزاء يومئذ، هو الحكم العدل اللطيف الخبير، الذي يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). وبالجملة فقد ختمت الآية بقوله سبحانه: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لتأكيد عدالة الله مع المقصرين في عبادته وغيرهم، فكل يأخذ جزاءه عادلا، ويضاعفُ أجر حسناته حسب كيفية أدائها، ويجازي سيئاته بمثلها. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ المفردات: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: المثل في هذه الآية ونظائرها، الحال أو القصة التي لها شأنٌ وفيها غرابة. وضرب المثل ذكره للاعتبار به.

стр. 2453

(قَرْيَةً): المراد أَهل قرية. (رَغَدًا): واسعًا سهلًا. التفسير ١١٢ - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ … ﴾: أَشار الفخر الرازى فى ربط هذه الآية بما قبلها بقوله: اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد فى الآخرة هددهم أيضًا ببعض آفات الدنيا، وهي إصابتهم بالجوع والخوف كما ذكره فى هذه الآية: اهـ. ولما كان هذا المثل ينطبق على أَهل مكة، ذهب كثير من المفسرين إلى أَن القرية فى الآية الكريمة هى مكة، كما روى عن ابن عباس ﵄. وقال ابن كثير: هذا مثلٌ أُريد به أَهل مكة فإِنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، وكان يجبى إليها من ثمرات كل شيء فكفرت بأنعم الله وأعظمها بعثة محمد إليهم، فعوقبت بالجوع والخوف: اهـ. بتصرف، ويشارك أهل مكة فى انطباق المثل عليهم كل من حذا حذوهم وسار سيرتهم إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بالقرآن حجة بالغة، وعظة ناطقة. والمعنى: وجعل الله تعالى مثلا قرية كانت ذات أمن وسلامة من كل مَخُوف، لا يهيج أهْلَها أحدٌ بإغارة أَو اعتداءٍ عليها، وكانت (مُطْمَئِنَّةً): ساكنة قارَّة، لا يزعج أَهلها مزعج، ولا يرتحل عنها أَحد بسبب جوع أو خوف. يسوق الله إليها أَقواتها واسعة سهلة من كل بلد، وتحمل إليها من كل مكان برًّا وبحرًا (١). ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أي جحد أَهل هذه القرية نِعم الله عليهم فقابلوها بالكفر بدل الشكر، وبالمعصية بدل الطاعة فعاقبهم الله بعقاب من الجوع والخوف تمكن منهم، وأحاط بهم إِحاطة اللباس بلابسه، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والمعاصي. والتعبير عن سيئاتهم بقوله سبحانه: (بِمَا كاَنُوا يَصْنَعُونَ). للإيذان بأَن كفران النعم صار صناعة لهم وخلقًا راسخًا فيهم.

стр. 2454

ومن تتمة المثل قوله تعالى: ١١٣ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: فقد جيءَ به لبيان أن ما صنعه أهل تلك القرية من الكفر بأَنعمه سبحانه، لم يكن امتهانًا للعقل وتحقيرًا له فقط، بل كان كذلك معارضة لرسولهم، أى ولقد جاء أهل تلك القرية رسول من أنفسهم، هم أدرى الناس بأصله ونسبه وخُلُقه، يخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وينذرهم سوءَ عاقبتهم إن لم يفعلوا عن الكفر والمعصية، ففاجأُوه بالتكذيب من غير تروٍّ ولا تدبر، ثم استمروا فى كفرهم وعنادهم إِلى أن حلَّ بهم عذاب الله بالجوع والخوف وهم متلبسون بالظلم واغلون فيه. وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى. وهى أنه لا يعذب من كفر به حتى يبعث إِليهم رسولا يحذرهم عاقبة كفرهم، ويرشدهم إلى آيات ربهم وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). ولقد تم المثل بعذاب القرية الظالمة، وظهر جَلِيًّا أن حال أهل مكة أشبه بحال تلك القرية، في السوء واستحقاق العذاب، فقد كانوا فى حرم آمن، ويُتَخطَّف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف والفزع، وكانت تجبى إِليهم فيه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه سبحانه، استجابة لدعوة خليله إِبراهيم ﵇، إِذ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). ولقد جاءهم رسول من أَنفسهم هو أَعظم الناس خُلُقًا وأَكرمهم معدنًا ونبلا، نشأَ بينهم زكيًّا نقيًّا حتى سموه الأمين، قبل أَن يرسله ربه رحمة للعالمين. دعاهم رسول الله إلى الله، وأنذرهم. وحذرهم: ولكنهم آذوهُ وكذبوه، واستمروا فى تكذيبهم عنادًا وكبرًا، حتى أخرجوه وأَصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. هنالك انتقم الله منهم واستجاب دعاء نبيه فيهم إذ قال: "اللَّهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف": فأصابتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع والجهد (٣).

стр. 2455

﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ المفردات: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: أَي وما ذكر اسم غير الله تعاد عليه: وسُمِّى الذكر على الذبيحة إِهلالًا لأنهم كانوا يرفعون به أصواتهم. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أي غير ظالم لغيره. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا متجاوز ما يسد رمقه ويدفع جوعه. التفسير ١١٤ - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا … ﴾ الآية. الظاهر أن الخطاب في هذه الآية لمن ضرب لهم المثل من كفار مكة وأَمثالهم كما قدمنا، لأنه هو الذي يقتضيه النظم الكريم، فهو مفرَّع على التمثيل السابق، وصادٌّ لهم عما يؤدى إِلى مثل عاقبته. والمعنى: وإذ تبين لكم حال من كفر بأنعم الله وكذب رسوله، وما حل بهم - بسبب ذلك من العذاب فانتهُوا عما أنتم عليه من الكفر والتكذيب، والتحليل والتحريم بأهوائكم، وكلوا مما رزقكم الله في أَرضه من الأنعام والحرث حال كونه حلالًا لا حرمة فيه ولا إثم، طيبًا لا تعافه النفوس الكريمة. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: بطاعته وطاعة رسوله. والفاءُ في المعنى داخلة على الأمر بالشكر، وإِنما أُدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل وسيلة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله عقب أكلها، واعرفوا لها حقها، ولا تقابلوها بالمعصية والكفران.
следующие страницы →