← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ذاك - لواسع المغفرة والرحمة فيتفضل بإثابتهم على ما صنعوا من هجرة وجهاد وصبر، من بعد فتنتهم وإيقاع العذاب بهم، وفي إضافة الرب إلى ضميره ﷺ . إشارة إلى إظهار كمال اللطف به، والعناية بشأنه، مع الإشعار بأن إفاضة آثار الربوبية عليهم من المغفرة والرحمة ببركته ﵊ لكونهم أتباعًا له صلوات الله عليه وسلامه. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾ المفردات: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: أي تدافع عن ذاتها بالاعتذار. التفسير ١١١ - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا … ﴾ الآية. لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة طرفا مجملا من طغيان المشركين، وقسوتهم في تعذيب الضعفاء من المؤْمنين - عقب ذلك بذكر الحساب على الأعمال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ودفاع كل إنسان عن نفسه، وأن كل مكلف ينال جزاء ما عمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. والمعنى: اذكر أيها المكلف من الناس - اذكر اليوم الذي تجيءُ فيه كل نفس تدافع عن ذاتها وتعتذر بشتى المعاذير جاهدة في خلاصها يشغلها إلا شأنها من شدة الكرب الذي يحيط بها، حتى تفِر من أقرب الأقربين إليها، كما قال الله جل شأنه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (٢). ومن هول الكرب في ذلك اليوم، يقسم المشركون كاذبين، يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣)، يتبرأ المتبُوعون والتابعون بعضهم من بعض، كما قال جل سلطانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ

стр. 2452

اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (١). ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: أي ويعطى الله تعالى في ذلك اليوم العظيم كل نفسٍ جزاء الذي عملته. وافيًا غير منقوص ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). وضمير الجمع في قوله عز من قائل: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: عائد على كل نفس. أَي وكل النفوس التي يجزيها الله يوم القيامة لا يظلمون بزيادة في العقاب. ولا ينقص في الثواب، ولا تعاقب نفس ما بغير ذنب، ذلك لأن الذي يتولى الجزاء يومئذ، هو الحكم العدل اللطيف الخبير، الذي يقول وقوله الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). وبالجملة فقد ختمت الآية بقوله سبحانه: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لتأكيد عدالة الله مع المقصرين في عبادته وغيرهم، فكل يأخذ جزاءه عادلا، ويضاعفُ أجر حسناته حسب كيفية أدائها، ويجازي سيئاته بمثلها. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ المفردات: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: المثل في هذه الآية ونظائرها، الحال أو القصة التي لها شأنٌ وفيها غرابة. وضرب المثل ذكره للاعتبار به.

стр. 2453

(قَرْيَةً): المراد أَهل قرية. (رَغَدًا): واسعًا سهلًا. التفسير ١١٢ - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ … ﴾: أَشار الفخر الرازى فى ربط هذه الآية بما قبلها بقوله: اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد فى الآخرة هددهم أيضًا ببعض آفات الدنيا، وهي إصابتهم بالجوع والخوف كما ذكره فى هذه الآية: اهـ. ولما كان هذا المثل ينطبق على أَهل مكة، ذهب كثير من المفسرين إلى أَن القرية فى الآية الكريمة هى مكة، كما روى عن ابن عباس ﵄. وقال ابن كثير: هذا مثلٌ أُريد به أَهل مكة فإِنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، وكان يجبى إليها من ثمرات كل شيء فكفرت بأنعم الله وأعظمها بعثة محمد إليهم، فعوقبت بالجوع والخوف: اهـ. بتصرف، ويشارك أهل مكة فى انطباق المثل عليهم كل من حذا حذوهم وسار سيرتهم إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بالقرآن حجة بالغة، وعظة ناطقة. والمعنى: وجعل الله تعالى مثلا قرية كانت ذات أمن وسلامة من كل مَخُوف، لا يهيج أهْلَها أحدٌ بإغارة أَو اعتداءٍ عليها، وكانت (مُطْمَئِنَّةً): ساكنة قارَّة، لا يزعج أَهلها مزعج، ولا يرتحل عنها أَحد بسبب جوع أو خوف. يسوق الله إليها أَقواتها واسعة سهلة من كل بلد، وتحمل إليها من كل مكان برًّا وبحرًا (١). ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أي جحد أَهل هذه القرية نِعم الله عليهم فقابلوها بالكفر بدل الشكر، وبالمعصية بدل الطاعة فعاقبهم الله بعقاب من الجوع والخوف تمكن منهم، وأحاط بهم إِحاطة اللباس بلابسه، بسبب ما كانوا يصنعونه من الكفر والمعاصي. والتعبير عن سيئاتهم بقوله سبحانه: (بِمَا كاَنُوا يَصْنَعُونَ). للإيذان بأَن كفران النعم صار صناعة لهم وخلقًا راسخًا فيهم.

стр. 2454

ومن تتمة المثل قوله تعالى: ١١٣ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: فقد جيءَ به لبيان أن ما صنعه أهل تلك القرية من الكفر بأَنعمه سبحانه، لم يكن امتهانًا للعقل وتحقيرًا له فقط، بل كان كذلك معارضة لرسولهم، أى ولقد جاء أهل تلك القرية رسول من أنفسهم، هم أدرى الناس بأصله ونسبه وخُلُقه، يخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وينذرهم سوءَ عاقبتهم إن لم يفعلوا عن الكفر والمعصية، ففاجأُوه بالتكذيب من غير تروٍّ ولا تدبر، ثم استمروا فى كفرهم وعنادهم إِلى أن حلَّ بهم عذاب الله بالجوع والخوف وهم متلبسون بالظلم واغلون فيه. وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى. وهى أنه لا يعذب من كفر به حتى يبعث إِليهم رسولا يحذرهم عاقبة كفرهم، ويرشدهم إلى آيات ربهم وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). ولقد تم المثل بعذاب القرية الظالمة، وظهر جَلِيًّا أن حال أهل مكة أشبه بحال تلك القرية، في السوء واستحقاق العذاب، فقد كانوا فى حرم آمن، ويُتَخطَّف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف والفزع، وكانت تجبى إِليهم فيه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه سبحانه، استجابة لدعوة خليله إِبراهيم ﵇، إِذ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢). ولقد جاءهم رسول من أَنفسهم هو أَعظم الناس خُلُقًا وأَكرمهم معدنًا ونبلا، نشأَ بينهم زكيًّا نقيًّا حتى سموه الأمين، قبل أَن يرسله ربه رحمة للعالمين. دعاهم رسول الله إلى الله، وأنذرهم. وحذرهم: ولكنهم آذوهُ وكذبوه، واستمروا فى تكذيبهم عنادًا وكبرًا، حتى أخرجوه وأَصحابه من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. هنالك انتقم الله منهم واستجاب دعاء نبيه فيهم إذ قال: "اللَّهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف": فأصابتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع والجهد (٣).

стр. 2455

﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ المفردات: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: أَي وما ذكر اسم غير الله تعاد عليه: وسُمِّى الذكر على الذبيحة إِهلالًا لأنهم كانوا يرفعون به أصواتهم. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أي غير ظالم لغيره. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا متجاوز ما يسد رمقه ويدفع جوعه. التفسير ١١٤ - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا … ﴾ الآية. الظاهر أن الخطاب في هذه الآية لمن ضرب لهم المثل من كفار مكة وأَمثالهم كما قدمنا، لأنه هو الذي يقتضيه النظم الكريم، فهو مفرَّع على التمثيل السابق، وصادٌّ لهم عما يؤدى إِلى مثل عاقبته. والمعنى: وإذ تبين لكم حال من كفر بأنعم الله وكذب رسوله، وما حل بهم - بسبب ذلك من العذاب فانتهُوا عما أنتم عليه من الكفر والتكذيب، والتحليل والتحريم بأهوائكم، وكلوا مما رزقكم الله في أَرضه من الأنعام والحرث حال كونه حلالًا لا حرمة فيه ولا إثم، طيبًا لا تعافه النفوس الكريمة. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: بطاعته وطاعة رسوله. والفاءُ في المعنى داخلة على الأمر بالشكر، وإِنما أُدخلت على الأمر بالأكل، لأن الأكل وسيلة إلى الشكر فكأنه قيل: فاشكروا نعمة الله عقب أكلها، واعرفوا لها حقها، ولا تقابلوها بالمعصية والكفران.

стр. 2456

﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي إن كنتم تعبدون الله كما تزعمون، فأطيعوه فيما أمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه: ولا تحرموا ما أحل الله لكم، ولا تفتروا على الله الكذب بتحريم البحائر والسوائب ونحوها. وقيل إن الخطاب في الآية الكريمة للمؤْمنين، وهو مروى عن ابن عباس ﵄، وعليه اقتصر ابن كثير. ومعنى الآية على أن الخطاب فيها للمؤمنين خاصة: وإذ تبين لكم أيها المؤمنون حال من ضُرب لهم المثل من الكفار وما انتهوا إليه. فاسلكوا أنتم سبيل الشكر، وكلوا بما رزقكم الله وجعله لكم حلالا طيبا، ولا تحرموه على أنفسكم، واشكروا نعم الله عليكم بطاعته وطاعة رسوله، إن كنتم تخصون الله ربكم بالعبادة، كما هو مقتضى إيمانكم به وحده. ويجوز أن يكون الخطاب في الآية الكريمة للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم. فيشمل القولين السابقين، وهو مناسب لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). ولعل هذا هو مراد شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى إذ قال: يقول تعالى ذكره: (فكلوا أيها الناس مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم - كلوه - حلالًا طيبا مُذكَي بريئًا من الإثم، واشكروا الله علي نعمه التي أنعم بها عليكم، من ذلك من غيره من النعم، إن كنتم تعبدون الله وحده فأطيعوه فما يأمركم به وينهاكم عنه) اهـ بتصرف يسير. ولما أمرهم الله ﵎ أن يأكلوا مما أحل لهم من رزقه ناسب أن يبين ما حرم عليهم ليعلموا أن ما عداه حلال طيب، وأن التحلل والتحريم بأمره سبحانه لا بأهوآئهم فقال:

стр. 2457

١١٥ - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … ﴾ الآية. أي ما حرم الله عليكم من المطعومات إِلا هذه الأصناف الأربعة، التي حرمها لمصلحتكم دينًا ودنيا: أولها: (الْمَيْتَة) على أيِّ نحوٍ كان موتها، وهي كل ما لم يُذكَّ ذكاة شرعية. ويستثنى من الميتة السمك والجراد فقد أُحلت ميتتهما، لما أخرجه ابن ماجه والحاكم وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (أُحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطُّحال). وثانيها: (الدَّم) والمراد به الدم المسفوح، كما جاء صريحًا فى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (١). وإِنما حرم الدم المسفوح: لأنه يحتوى على جراثيم الأمراض، ويسرع إليه الفساد، بخلاف المعقود وهو الكبد والطّحال، ولذا يحل أكله إذا كان من حيوان مذكًّى. وثالثها: (لَحْمُ الخِنْزِيرِ) فإنه قذر، وأشهى الغذاء إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة منها. وأكل لحمه من أسباب الدّودة الشريطية الفتاكة: ومثل لحمه شحمُه وغضاريفه فإِن جميع أَجزائه قذر نجس ولو ذبح. ورابع هذه المحرمات: (مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بهِ) أى ما ذكر اسم غير الله تعالى عليه. حرمت الثلاثة الأُولى لخبث ذاتها، وحرم ما ذكر اسم غير الله تعالى عليه لخبثه معنًى، فقد ذكر عليه عند ذبحه اسم غير خالقه المنعم به. والمراد بغير الله تعالى: ما يشمل الأصنام وغيرها من المعبودات. وذهب جماعة من التابعين وأَهل العلم، إلى أن المراد بما أُهل لغير الله به: ما ذبح للأَصنام، لا ما ذكر عليه اسم المسيح أو عُزَير، لقوله تعالى في سورة المائدة -وهي من آخر السور نزولًا-؛ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. فالمراد بطعام الذين أُوتوا الكتاب: ذبائحهم، كما روى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس ﵄، أمَّا مطلق الطعام كالخبز والفاكهة فإنه يحل من أيِّ كافر كان بالإجماع. قال الآلوسي فى تفسيرها:

стр. 2458

واختلف العلماءُ فى حل ذبيحة اليهودي والنصراني إذا ذكر عليها اسم عزير والمسيح، فقال ابن عمر ﵄: لا تحل، وهو قول ربيعة؛ وذهب أَكثر أهل العلم إلى أَنها تحل، وهو قول الشعبي وعطاء، قالا: فإِن الله قد أَحل ذبائحهم وهو أَعلم بما يقولون؛ وقال الحسن: إِذا ذبح اليهودى والنصراني فذكر اسم غير الله تعالى، أَنت تسمع فلا تأكل، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله تعالى لك. اهـ. وإلى هذا الرأْي نذهب. فلا نرى أكل ما علمنا أن اسم غير الله ذكِر عليه عند ذبحه، ولو كان الذابح كتابيًّا، هذه المحرمات الأربع المحصورة فى هذه الآية. هي نفسها المحصورة فى آية البقرة وفى آية الأنعام. وأما ما زاد على هذه الأربع فى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ … ﴾ الآية (١) فإِنه مندرج فيها فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية. والنطيحة، وما أكل السبع - داخلة في الميتة، وما ذبح على النصب داخل فيما أُهل لغير الله به. وبهذا تبين أنه تعالى حصر المحرمات -في الأَصناف الأربعة- فى هذه السور الأربع: فى العهد النبوي الكريم مكيَّة ومدنية؛ فإِن سورتي الأنعام والنحل مكيتان، وسورتي البقرة والمائدة مدنيتان. والمائدة من آخر ما نزل. وفي إعادة البيان قطع للأعذار، وإزالة للشُّبه. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي فمن دعته الضرورة الملحة إلى تناول شيءٍ من هذه المحرمات، غير ظالم لمضطر آخر، ولا متجاوز قدر الضرورة وسد الرمق (٢)، فإِن الله واسع الغفران، شامل الرحمة، فلهذا يرفع عنه الإِثم لاضطراره ويرحمه ولا يعاقبه - وقد صرحت آية البقرة برفع الإثم فى مثل هذه الحالة وذلك فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). هذا، واستُدل بالآية الكريمة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. على اعتبار أن الآية خطاب لجميع المكلفين: مسلمين وكافرين.

стр. 2459

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ المفردات: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: أي لا يفوزون بمحبوب. ولا ينجون من مكروه. ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: أي انتفاع قليل لا يدوم. التفسير ١١٦ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ … ﴾ الآية. لما حصر الله ﵎ المحرمات في الأصناف الأربعة التي ذكرت في الآيات السابقة جاءَ بهذه الآية لتأكيد ذلك الحصر بالنهي عن التحريم والتحليل بالأهواء. والمعنى: ولا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم - لا تقولوا الكذب في شأن حل أكلها وحرمته، كقولكم - فيما حكاه الله عنكم -: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (١): وغير ذلك من أَقاويلكم الباطلة التي لا دليل لكم عليها في وحى الله وشرعه، ولكنها ناشئة عن الهوى والكذب على الله . أو المعنى: ولا تقولوا شأن البهائم هذا حلال وهذا حرام عند الله، لكي تصف ألسنتكم الكذب بذلك القول، فإنه دعوى من غير حجة ولا بينة، فإذا حكته ألسنتكم فقد صورت الكذب بصورته وأوضحته على حقيقته. وقوله تعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: معناه أَن قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بدون حق. عاقبته أنكم تفترون على الله الكذب، وتقولون عليه ما لم يقل، وتلك كبيرة الكبائر.

стр. 2460

وخلاصة المعنى: لا تقولوا في شأن الذبائح والأطعمة برأيكم تحلون وتحرمون دون علم أو وحي، فإن قولكم هذا هو الكذب؛ إذ لا سند له ولا دليل عليه. ثم توعد المفترين على الله الكذب عامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: أَي لا يفوزون بخير في الدنيا ولا في الآخرة، اللهم إلا بانتفاع قليل زائل في هذه الدنيا الفانية، كما قال تعالى: ١١٧ - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي متاعهم في هذه الدنيا بنعيمها وزخرفها متاع ضئيل زائل لا يعتد به، ولهم في الآخرة عذاب شديد الإِيلام، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (١). ويدخل في هذا الوعيد الشديد كل من أَحل ما حرم الله، أو حرم ما أَحل الله، بمجرد رأيه وهواه. ومن هنا كره كثير من السلف - ومنهم مالك - أن يقول المفتى: هذا حلال وهذا حرام في المسائل الاجتهادية. وإنما يقال ذلك فيما نص الله تعالى عليه، أَو رسوله ﷺ . ويقال في المسائل الاجتهادية: إني أَكره كذا وكذا، أَو نحو ذلك، فهو أَبعد من أَن يكون فيه توهم الافتراء على الله . قال ابن كثير: ويدخل في هذا كل من ابتدعَ بدعة ليس له فيها مستند شرعى. اهـ. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ . "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" أي فإِثْمُهُ عليه، وعمله مردود عليه. ثم يبين الله تعالى ما حرمه على اليهود دون غيرهم فقال سبحانه:

стр. 2461

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ المفردات: ﴿هَادُوا﴾: أَي اعتنقوا اليهودية ودانوا بها. التفسير ١١٨ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ … ﴾ الآية. والمعنى: وعلى أمة اليهود خاصة دون سائر الأمم. حرمنا ما قصصاه عليك أيها الرسول، من قبل نزول هذه الآية، وذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (١) اهـ. وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ (٢). دلت الآيتان في سورتي الأَنعام والنساء كما نبهت إليها هذه الآية من سورة النحل، على أَن هذا التحريم إِنما كان بسبب ظلمهم وعصيانهم. وكانوا يقولون: لسنا أَول من حُرِّمت عليهم هذه الطيبات، وإِنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومنْ بعْدهما حتى انتهى الأَمر إِلينا. فكذبهم الله تعالى. وقد نفى سبحانه ظلمه إِياهم؛ لأَنه هو الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: بذلك التحريم الذي كانوا هم السبب فيه. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث جنوا عليها بالكفر والمعاصي، فعوقبوا دون سواهم بالحرمان من الطيبات بسبب ظلمهم لأَنفسهم. وفي الآية تنبيه على أن التحريم كما يكون دفعًا للمضرة، يكون للعقوبة.

стр. 2462

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ المفردات: ﴿السُّوءَ﴾: لفظ جامع لكل قبيح؛ من كفر ومعصية وإيذاء ويشمل الافتراء على الله . ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: أي بِسُوء معرفة باللهِ تعالى وشديد عقابه، أو بطيش وغفلة وسفه. التفسير ١١٩ - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا … ﴾. لما هدد الله تعالى المشركين بالعقوبة على قبائحهم من ضروب الكفر والمعصية، بين في هذه الآية أَن قبائحهم - وإن عظمت وطال أمدها - لا تحول دون قبول التوبة منهم والفوز بمغفرته ورحمته سبحانه إذا رجعوا إليه وأنابوا وأصلحوا. والمعنى: ثم إن ربك يا محمد للذين عملوا القبائح بجهالة وسوء معرفة بالله تعالى وشديد عقابه؛ أو غير متدبرين في العواقب، لغلبة الشهوة والغفلة عليهم، ثم أقلعوا عن سوء ما عملوه تائبين نادمين، وأصلحوا أَعمالهم واستقاموا على التوبة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي إن ربك يا محمد من بعد التوبة عن عمل السوء مع الإقبال على الصلاح - إن ربك من بعد ذلك لعظيم المغفرة للتائبين المصلحين، واسع الرحمة بهم، يثيبهم على الطاعة فعلا وتركًا، فضلا منه وإحسانًا. وتكرير قوله: "إنَّ رَبكَ" لزيادة تأكيد الوعد، وإظهار كمال العناية بإنجازه، وللترغيب في التوبة النصوح الصادقة، فهي التي يتقبلها الله عن عباده، وفي إضافة لفظ

стр. 2463

(رب) إِلى ضميره ﷺ إِشارة كريمه إِلى كمال اللطف به ﷺ ، ثم بالتائبين الصادقين. حيث تشير إلى أنه تعالى أكرمهم بسببه، لأنهم من أتباعه. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ المفردات: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾: الأمة، الجماعة الكثيرة، والمراد أَنه كان بمنزلة أمة في الإيمان باللهِ وعبادته حيث كان رائد التوحيد في أُمة مشركة ولم تلن له قناة. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾: أَي مطيعا خاضعًا لله ، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع. ﴿حَنِيفًا﴾: أي مائلا عن الباطل إِلى الحق، من الحنِفِ وهو الميل. ﴿اجْتَبَاهُ﴾: أَي اختاره واصطفاه. التفسير ١٢٠ - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: لما أبطل الله تعالى في هذه السورة مذاهب المشركين: منَ ادعائهم الأنداد والشركاء له ، وطعنهم في رسول الله ﷺ ، وافترائهم الكذب على الله في

стр. 2464

التحليل والتحريم، مع قولهم نحن على ملة أبينا إبراهيم، جاءَت هذه الآية للثناء على إِبراهيم ووصفه بصفات تدل دلالة قاطعة على أنه ﵇، بريءٌ من الشرك والمشركين وأنهم أعق الأبناء لأَكرم الآباء. المعنى: إن إبراهيم كان أمة أي بمنزلة جماعة عظيمة في الإيمان باللهِ وحده والإِخلاص له في العبادة. قال ابن عباس ﵄: كان عنده من الخير ما كان عند أمة اهـ: وذلك لاستجماعه من الخيرات والفضائل ما لا يكاد يوجد إلا متفرقا في أمة عظيمة. ليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد فهو إمام الموحدين، وقدوة أَهل اليقين، نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامه، وخفض رايات الشرك وحطَّم أصنامه، وبذل نفسه وأسلم وجهه لله رب العالمين. وقال مجاهد: سمِّى ﵇ أُمة، لانفراده بالإيمان في وقته مدةً ما. وفي صحيح البخاري ومسلم أنه قال لامرأته: يا سارَّة، ليس على وجه الأرض مؤْمن غيري وغيرك .. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي مطيعًا لله سبحانه، مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق غير زائل عنه. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في أَمر من أمور دينهم، صرح بذلك مع ظهوره للرد على كفار قريش في قولهم: نحن على ملة أبينا إبراهيم، وزعمهم أَنه ﵇ كان علي ما هم عليه. ١٢١ - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾: أي كان إبراهيم ﵇ شاكرًا لنعم ربه كلها عليه، لم يخلَّ بشكر نعمة منها قولًا أو عملا. وفي هذا تعريض بالمشركين، وإيذان بأنهم في شركهم باللهِ وإسنادهم النعم لشركائهم ليسوا على منهاج أَبيهم إِبراهيم ﵇.

стр. 2465

﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أَي اختاره ربه واصطفاه، وهداه إِلى الطريق الموصل إِليه سبحانه وهو الإِسلام: دين الله الذي أَرسل به جميع رسله قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢). وإجتباءُ الله للعبد: تخصيصه إِياه بفيض إِلهي يحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي ولا اجتهاد، ويكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام خاصة، وقيل يكون لهم ولمن على سنتهم من الصديقين. وهداية الله ولإبراهيم ﵇، كان لها أثران عظيمان: أحدهما في نفسه، والثاني في قومه، حيث دعاهم إلى دين الله وأَرشدهم إلى آيات ربه. ١٢٢ - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً … ﴾ الآية. أَي أعطيناه في الدنيا نعمة حسنة إذ جعلناه قدوة لجميع أَهل الأَديان السماوية، وأَورثناه ثناءهم عليه وحب الانتساب إليه، تحقيقًا لدعائه ﵇ إذ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٣). وللعلماءَ أَقوال في تفسير الحسنة التي أَعطاها الله خليله إبراهيم في الدنيا فعن الحسن - أَنها النبوة وقيل هي الأولاد الأَبرار على الْكِبر، والمال الكثير ينفقه في وجوه الخير والبر؛ والعمر الطويل في السعة والطاعة، وقد من الله عليه بكل ذلك في الدنيا. والانتقال إِلى ضمير المتكلم في قوله سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. لإِظهار الاعتناء بشأنه، وتفخيم مكانه ﵇. ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي داخل في عداد إخوانه المرسلين، الكاملين في الصلاح، ذوى الدرجات العلا، تحقيقًا لدعوته إِذ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤).

стр. 2466

ولما أثني الله على خليله هذا الثناء العظيم، قال لخاتم النبيِّين صلوات الله عليه وعليهم: ١٢٣ - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: وملة إِبراهيم ﵇، هي الإِسلام المعبر عنه آنفًا بالصراط المستقيم، والمقصود بها: العقائد وأصول شريعته، فمحمد ﷺ مأمور باتباعها دون فروعها فإنها خاصة بأمة أبراهيم ﵇، وكل رسالة تشترك غيرها في العقائد والأصول العامة، وتختص بفروع من الشريعة تناسب عصرها واستعدادها. وذلك هو المقصُود بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تكرير لما سبق من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لزيادة التوكيد والتقرير. ولتنزيهه ﵇ عما. كانوا عليه من عقائد الشرك والضلال المبين. ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ المفردات: ﴿جُعِلَ السَّبْتُ﴾: المراد؛ فرض تعظيم يوم السبت وتقديسه. التفسير ١٢٤ - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ … ﴾ الآية. كان اليهود يزعمون أنَّ تعظيم يوم السبت والتخلي للعبادة فيه من شعائر ملة إِبراهيم ﵇، وأَنه كان من المحافظين عليه - فكذبهم الله تعالى، وبين أَنه لم يشرع ذلك

стр. 2467

التعظيم إِلا لبني إِسرائيل في رسالة موسى، بعد إِبراهيم ﵉ بمدة طويلة كما سيأتي بيانه. والمعنى: ما فرض الله تعالى تقديس يوم السبت بالتخلى للعبادة فيه، إلا على الذين اختلفوا في تقديسه على نبيهم، حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فاختاروا السبت، وهم اليهود، أخرج الشافعي في الأم، والشيخان في الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أَنهم أوتوا الكتاب من قبلنا (١) ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد". وقيل إن موسى ﵇ لما جاءهم بتعظيم الجمعة اختلفوا فيما بينهم، فأبى أكثرهم إلا السبت، وقالوا إِنه اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض، ورضيت شرذمة منهم بالجمعة، فأذِن الله تعالى لهم بالسبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه؛ وهكذا شددوا على أَنفسهم فشدد الله عليهم. وقد أطاع فريق منهم فكانوا لا يصيدون يوم السبت، وعصى أكثرهم فكانوا يصيدون فيه، فأَبغضهم الله ولعنهم، وجعلهم في خِسة القردة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣).

стр. 2468

ثم جاء عيسى ﵇ بتعظيم الجمعة. كذلك، فاختلف عليه النصارى، وأبوا إلا الأحد، وكأنهم إنما اختاروه لأنه مبدأ الخلق عندهم. ثم جاءَ بتعظيم يوم الجمعة خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم - لخير أمة أخرجت للناس، فهداهم الله له. ففازوا بفضيلته، وحماهم الله ﵎ من الاختلاف فيه، ولله سبحانه الحمد والمنة. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: الخطاب للرسول ﷺ ، أو لكل من يصلح للخطاب، أي وإن ربك سيقضي يوم الجزاء الحق بين المختلفين على نبيهم، أو المختلفين فيما بينهم، فيجازى كُلا بما يستحقه من الثواب والعقاب. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ المفردات: ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: أي طريق ربك الموصل إِلى مرضاته، وهو الإسلام. ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: أي بالمقالة الحكيمة وهي الحجة الموصولة لليقين. ﴿الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: أي النصيحة الجميلة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل. ﴿وجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أَي وراجعهم بالطريقة التي هي أحسن في إظهار الحق.

стр. 2469

التفسير ١٢٥ - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … ﴾: بعد أَن أمر الله تعالى نبيه ﷺ باتباع ملة إبراهيم حنيفا - بين له في هذه الآية طريق الدعوة إليها. والمعنى: ادع أيها الرسول جميع المكلفين الذين بعثت إليهم. ادعهم إلى الإِسلام، بالحجج المزيلة للشبهة، الموصلة إلى اليقين، وبالنصائح الجميلة المرغبة في الحق والخير، المنفِّرة من الباطل والشر، ومن جادلك منهم فجادلهم بأحسن طرق المراجعة والمجادلة، أَي باللين والرفق، كما راجع إِبراهيم أباه وقومه، وكما حاجّ الطاغية الذي آتاه الله الملك (١). وإنما لم يقل: ادع إِلى سببيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى هي أَحسن لأن الجدال ليس طريقًا أصيلًا في الدعوة إلى الله ، وإِنما يكون عند المراجعة والمحاورة بقصد إظهار الحق والرجوع إليه والطمأنينة به، لا لقصد إفحام الخصم وغلبته، كما يتبع ذلك بين أهل الجدل والخصومة. ذلك بأن منهج القرآن الحكيم في دعوته وهدايته، قائم على الحجج القاطعة، والنصائح الرشيدة الهادية، في كل ما دعا إليه، وما جاءَ به .. من وحدانيته تعالى وقدرته، وبعثه الناس ليوم لا ريب فيه ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 2470

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: هذا إعلام من الله ﵎، بأن ليس على الرسول إلا البلاغ بالطريقة التي بيَّنها له، فأما ما وراء ذلك من حصول الهدى والضلال، والجزاء عليهما، فإِلى الله تعالى وحده، فإِنه هو العليم بمن يبقى على الضلال، وهو العليم بمن يهتدى إِلى ربه، فيجازى كلا بما يستحقه، طبقًا لما اختاره لنفسه. وتقديم الضالين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لأَن الكلام فيهم، وإيراد الضلال بصيغة الفعل الدال على الحدوث، لأن الضلال تغيير لفطرة الله التي فطر الناس عليها، وذلك أَمر عارض، بخلاف الاهتداء فإنه ثبات على الفطرة، فلذا جئ به على صيغة الاسم المنبئ عن الثبات، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميره ﷺ ، من اللطف والعناية. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ التفسير ١٢٦ - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ … ﴾ الآية. سبب النزول: عن أُبيِّ بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأَنصار أَربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ﵁، فمثلوا بهم، فقالت

стр. 2471

الأنصار: لئِنْ أَصبنا منهم يوما مثل هذا لنرْبيَنَّ عليهم في التمثيل، فلما كان يوم الفتح نزل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية. فقال رجل .. لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ .. كفوا عن القوم إلا أَربعة .. أخرجه الترمذي. وفي رواية عن أُبيٍّ أَيضا .. " … فقال رسول الله ﷺ . نصبر ولا نعاقب" والآية - بناءً على هذا السبب نزلت .. في فتح مكة، وتسمى مدنية على الأرجح وهو أَن كما ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة وقال القرطبي: وتبعه الأَلوسى: أطبق جمهور أَهل التفسير أن هذه الآية مدنية لما شق على المسلمين ما رأوا من تمثيل المشركين بقتلاهم، في غزوة أحد فتوعدوهم بأزيد مما فعلوا، إذا ظفروا بهم!! وقال النحاس: إِنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالا حسنا، ثم قال القرطبي: ولكن ما قاله الجمهور من أنها مدنية أثبت، وساق حديثا رواه الدارقطني عن ابن عباس مؤيدا لما ذهب إِليه الجمهور من مدنيتها. وسواء أكانت هذه الآية الكريمة مكية أم مدنية، وسواء أصح نزولها في شأن التمثيل بحمزة أم لم يصح، فإِن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .. ووجه اتصال هذه الآية بقوله تعالى قبلها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ الآية. أن الدعوة إِلى الله سبحانه لا تكاد تخلو من مخاصمة الأَعداء .. ومقابلتهم لها بالعداوة والإيذاء، لأنها تتضمن رفض عقائدهم الباطلة الموروثة، ونبذ عاداتهم السيئة المورثة، ولما كان هذا شديدا عليهم وباعثًا لهم على الخصومة الشديدة، فلهذا أَمر الله تعالى نبيه وأَصحابه أَن يقابلوا إِساءتهم بمثلها إِن أرادوا عقابهم عليها - والمعنى: وإِن أردتم أيها المؤْمنون عقاب من يصدكم عن دين الله، ويعتدي عليكم وأنتم تدعونه إِلى سبيل الله، فعاقبوه بمثل ما فعل بكم، وما ناله منكم، ولا تجاوزوا هذا المثل بحال، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) وليس ما فعله العدو أولًا

стр. 2472

عقابا ولكن العقاب هو الثاني؛ لأنه هو الذي يرد به المسلمون عدوان العدو، عقابًا له ودفاعا عن دينهم وأَنفسهم، وإِنما سمى اعتداء العدو عقابا من باب مماثلة الكلام ومشاكلته .. (١) كما سمى جزاء الاعتداء اعتداء في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) وكما سمى جزاء السيئة سيئة في قوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). ولم يقتصر العدل الإلهي على طلب المماثلة في العقوبة، وعدم التجاوز فيها. بل حث على العفو والصبر؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: أي ولئن صبرتم أيها الداعون إلى الله تعالى. لصبركم هذا هو خير لكم في دنياكم وآخرتكم من الانتصار بالمعاقبة، فإن الصبر والعفو وكظم الغيظ من أمهات الفضائل التي يسمو بها العبد، ويرفعه الله بها درجات، ويرد بها عدوَّه الألَد وليًّا حميما وصديقا مصافيا .. وإنما يحمل العفو عند القدرة، وحيث تدعو إليه المصلحة في عزة الإِسلام وسماحته، ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر أمرا صريحا بعد ما ندب إِليه من قبل تعريضا فقال جل ثناؤُه: ١٢٧ - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ … ﴾ الآية. لأنه ﵊ أولى الناس بعزائم الأمور، لمزيد علمه بشئون ربه، ووثوقه به أي اصبر أيها الرسول على ما أصابك من قومك، من إِعراضهم عن دعوتك، وايذائِهم لك .. وما صبرك إلا بمعونتة تعالى وتأييده وتوفيقه وتثبيته. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي ولا تحزن على الكافرين وكفرهم بك وعدم متابعتهم لك، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).

стр. 2473

﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: أَي ولا تكن في حرج وضيق صدر من مكر الكفار بك، فإِن الله كافيك وحافظك منهم، ومظفرك بهم، وفي هذا تأكيد لتسليته ﷺ ، ولأمر الله له بالصبر، ثم ختم الله سبحانه هذه السورة الكريمة بتلك البشارة العظيمة؛ بمعيته للمتقين المحسنين - والنبى إِمامهم، فقال عز من قائل: ١٢٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: والمعنى أَن الله جلت آلاؤُه، مع الذين جمعوا بين فضيلتي التقوى والإحسان، واستمروا عليهما .. والمقصود من معيَّته تعالى هنا أنه سبحانه يعينهم ويحفظهم من مكر الأعداء بهم، وينصرهم عليهم، فهي معية رعاية وحفظ. كالتي يشير إِليها قوله تعالى لموسى وهارون وقد أَرسلهما إلى فرعون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١). والتي يشير إِليها قول النبي ﷺ للصديق وهما في الغار، كما حكى الله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢). ولا ريب أَن هذه المعية الخاصة أعلى وأجل من المعية العامة التي في مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣). فإنها معية العلم والرقابة والمحاسبة، وتلك معية العناية والرعاية والمحبة. وشتان ما بينهما - ذلك وقد اشتملت خواتيم هذه السورة على تعليم حسن الأَدب في الدعوة وترك التعدى، والأمر بالصبر على المكروه. وعظيم البشارة للمتقين المحسنين. وقد روى ابن جرير .. وغيره أن هرم بن حبان (٤). قيل له عند الاحتضار أوصِ. فقال: إِنما الوصية من المال ولا مال لي: وأوصيكم بخواتيم سورة النحل.

стр. 2474

سورة الإسراء هذه السورة مكية بتمامها عند الجمهور، واستثنى بعضهم أَربع آيات فإنها مدنية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾. وقوله: ﴿وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وقيل غير ذلك، وسيأتي تحقيقها في مواضعها، وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة آية. وكان النبي ﷺ يقرؤها وسورة الزمر كل ليلة، كما أَخرجه الإِمام أَحمد والترمذي وحسنه والنّسائي وغيرهم عن عائشة ﵂، وكما تسمى سورة الإسراء تسمى سورة بني إِسرائيل، لكثرة ما ذكر فيها من الحديث عنهم. صلتها بما قبلها قال الجلال السيوطي: لما قال الله سبحانه في آخر النحل ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: ذكر في هذه شريعة أهل السبت التي شرعها لهم سبحانه في التوراة، فقد أَخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أَنه قالَ: إن التوراة كُلها في خَمْس عشرةَ آية من سُورة بني إِسرائيل، وذكر تعالى فيه عصيانهم وإفسادهم وتخريب مسجدهم، واستفزازهم النبي ﷺ ، وإِرادتهم إخراجه من المدينة، وسؤالهم إياه عن الروح، ثم ختمها جله شأنه بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون وأَخبر سبحانه أَن فرعون أراد أَن يستفزهم من الأرض فَأهلِك … الخ. مقاصد السورة اشتملت هذه السورة الكريمة على مقاصد كثيرة نذكر منها ما يلي: ١ - إسراء الله بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إِلى المسجد الأقصى ليطلعه على بعض آياته العظيمة. ٢ - وإِيتاء بني إسرائيل التوراة ليعبدوا الله وحده ويهتدوا بهداه، ولكنهم ضلوا وأفسدوا في الأرض مرتين إفسادا شنيعا، فبعث الله من عباده الأقوياء أَهل الشدة والغلبة

стр. 2475

من عاقبوهم أشد العقاب، فقد جاسوا خلال ديارهم وقتلوا كثيرًا من رجالهم وأسروا نساءهم وذراريهم، وحطموا هيكلهم، وقد أَنذرهم الله إن عادوا إِلى الإفساد في الأرض أَن يعود إلى عقابهم. ٣ - وبيان أَن القرآن يهدى إلى الشريعة الأقوم ويبشر المؤمنين الصالحين وينذر الكافرين الطالحين. ٤ - وأَنه تعالى جعل الليل والنهار آيتين، وجعل من أثرهما أَن نبتغى من فضله، ونعلم عدد السنين والحساب وأَلزم كل مكلف بعمله، وسجله في كتاب ليقرأَه، يوم القيامة ويعرف منه مصيره. ٥ - وأنه تعالى لا يهلك قرية إلا بعد أَن يرسل إِليها رسوله ويدعو مترفيها إلى الحق ويأمرهم بترك الفساد، ويستمروا على ما هم فيه فيحق عليهم قضاؤه، - فيدمرها عليهم وعلى أتباعهم. ٦ - وأَن من أراد العاجلة أَعطاه الله ما قدره له منها، وليس له في جنة الآخرة من نصيب، بل يعاقب على كفره بالنار يصلاها مذموما مدحورًا، ومن أراد الآخرة وعمل لها وهو مؤمن، شكر الله سعيه ومتعه بالجنة دار السلام. ٧ - ووصيته تعالى لعباده أن لا يشركوا به شيئًا، وأن يحسنوا إِلى والديهم وبخاصة في حالة الشيخوخة، ونهيه الآباء عن قتل الأولاد خشية الفقر فإنه يرزقهم وإياهم، ونهيه الناس عن الزنى وقتل النفس بغير حق، وإعطاء ولى القتيل سلطان المطالبة بقتل غريمه، فلا يتعداه إلى سواه، ونهيه الأولياء والأوصياء أن يقربوا مال اليتيم بغير حق، وأَمره الناس بالوفاء بالعهد وإيفاء الكيل والميزان المستقيم، ونهيه عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم وأن يمشي في الأرض مرحًا وكبرا، فإنه لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا، فلا وجه لكبريائه على الناس مهما أَوتي من النعم، فإنها إِلى زوال. ٨ - كما أَنكرت علي من يزعم أَن الملائكة بنات الله، ووصفت هذا الزعم بأنه عظيم الخطورة على قائله.

стр. 2476

٩ - وبينت أَنه لو كان معه آلهة كما يقولون لطلبوا سبيلا إلى صاحب العرش لينازعوه في ملكه كما يفعل الشركاءُ، وبذلك تفسد السماوات والأرض، ولكنها لم تفسد فانتفى بذلك وجود شركاء له تعالى، وثبت أنه هو الذي تسبح له السماوات والأرض دون سواه. ١٠ - كما بينت أَن النبي ﷺ إذا قرأَ القرآن على من يجحدون الآخرة لم يفقهوه، وولوا على أدبارهم نفورا لكفرهم وإعراضهم، ووصفوه بأنه رجل مسحور، وأَنكروا أَن تبعث العظام والرفات، مع أَنهم لو تحولوا وصاروا حجارة أَو حديدا أو غير ذلك، فإنه تعالى يعيدهم كما فطرهم أول مرة. ١١ - وتضمنت أنه تعالى فضل بعض النبيين على بعض، ومن أَمارات هذا التفضيل أن يكون لهم كتب خاصة بهم، كداود ﵇، حيث آتاه الله زبورا. ١٢ - وبينت أن شركاء المشركين لا يملكون كشف التفسير عنهم إذا دعوهم، وأَن المعبودات العاقلة التي يعبدونها لا تقرهم على عبادتهم لها؛ لأنها تتبارى في طلب الوسائل أيها أقرب في الوصول إلى رضا الله تعالى، يرجون رحمته ويخشون عذابه، كما هو الشأن في الملائكة التي يعبدونها ومن على نهجهم من البشر. ١٣ - وتضمنت أنه تعالى لم يحقق لهم ما طلبوه من الآيات الكونية حتى لا يهلكهم بالكفر بها، كما أهلك أمثالهم ممن كذبوا رسله قبلهم. ١٤ - وأَنه تعالى أمر ملائكته بالسجود لآدم، وأن إبليس تكبر على أن يسجد له وقد خلق من طين، وأن إبليس توعد ذريته بإغوائهم إلا قليلًا منهم، وهم المؤمنون الصالحون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ١٥ - وأنه تعالى كرم بني آدم ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير من خلقه، ولذا كلفهم بعبادته، وأنه سيدعو كل أُمة بإمامها يوم القيامة، وإمام كل أمة كتابها، فيقال يأهل القرآن يأهل التوراة ماذا فعلتم بكتابكم؟ أو إِمامهم نبيهم، ويعطي كل واحد منهم كتابه فيعرف منه مصيره.

стр. 2477

١٦ - كما اشتملت على تكليف النبي ﷺ والمؤمنين معه بأَن يقيموا الصلاة لدلوك الشمس أَي زوالها عن وسط السماء إلى سواد الليل، ووقت قراءة الفجر، يشير بذلك إلى إِجمال مواقيت الصلوات الخمس، وتكليفه ﷺ خاصة بقيام الليل والتهجد على سبيل الوجوب، رجاء أن يبعثه الله المقام المحمود يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة العظمى. ١٧ - وبينت أن الروح من أَمر الله، وأَن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا لا يؤهلهم لمعرفة حقيقتها، وأَن القرآن معجز للإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. ١٨ - وأنه لم يمنع الناس أَن يؤْمنوا حين جاءهم الهدى على لسان أَنبيائهم إلا زعمهم أن الله لا يبعث من البشر رسولًا، وأَن الله رد عليهم بأنه لو كان إرسال الملائكة للبشر يجعل الملائكة يمشون على الأرض مطمئنين ولا يطيرون، بل يبقون بينهم كشأن البشر لنزلَ عليهم من السماء ملكًا رسولًا، ولكن الملائكة خلقت لتطير في ملك الله، ولو حولوا إلى مثل البشر لاشتبه أَمرهم عليهم، فزعموا أَنهم بشرٌ وليسوا ملائكة ولو بقوا على خلقتهم لصعق البشر من لقائهم. ١٩ - وتضمنت إِيتاء موسى تسع آيات بينات، وزعم فرعون أنه مسحور، وكفره بما جاءَ به من البينات، وإغراقه وجنوده جزاء كفرهم وعنادهم. ٢٠ - وختمت السورة بأمره ﷺ وأَمر أُمته تبعًا له، بالحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولا ولى من الذل، وأن يكبره تكبيرا.

стр. 2478

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ المفردات: ﴿سُبْحَانَ﴾: هو علم للتسبيح عند الزمخشرى، والتسبيح التنزيه، ولا يجوز استعماله شرعًا إلا في الله تعالى (١). ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾: الإسراءُ سير الليل كالسُّرى، اتقول: أسريتُ وسريتُ إذا سرتَ ليلًا، وأسريتُ به سرتُ به ليلًا، والمراد بالعبد هنا محمد ﷺ . ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: هو مسجد مكة المشتمل على الكعبة. ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: مسجد بيت المقدس، ووصف بالأقصى لأنه أقصى أي أبعد مسجد يعظم بالزيارة بالنسبة لأهل المسجد الحرام. ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: البركة، الخير والنماءُ والسعادة، ومباركة الله حول المسجد الأقصى حسية بجعل الأرض حوله دائمة الثمار والخيرات، ومعنوية بدفن الأنبياء والصالحين فيها. البيان كانت رحلة الإسراء العظيمة في أخريات العهد المكى بعد أَن قاسى النبي ﷺ من قريش ومن حولهم من العنت والإيذاء، والإعراض والكبرياء ما يهدم الأجساد، ويحطم القوى، فلهذا أكرم الله نبيه ﷺ برحلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وبرحلة المعراج من بيت المقدس إلى ما وراء سدرة المنتهى، لينفس عنه

стр. 2479

ما أصابه، ويسبغ عليه أسمى نعمه ورحمته، ويكشف له عن بعض آياته، ترفيها له ومكافأة على ما ناله من أذى قومه، وشحذًا لهمته في المرحلة المقبلة للدعوة، فقد كان الإسراء والمعراج به ﷺ بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة، حيث اشتد إيذاءُ قريش له بعد وفاتهما. وحكى أَبو حيان في البحر أنه أسرى ﷺ في سبع عشرة من ربيع الأول، وعمره إحدى وخمسون سنه وتسعة أشهر، وثمانية وعشرون يوما، وهذا التاريخ يقتضي أن الإسراء كان قبل الهجرة بعام واحد، وأنه كان في أَواخر السنة الثانية عشرة من النبوة تقريبا. المعنى الإجمالي للآية تنزيها شاملا لله الكبير المتعال الذي نقل عبده المختص به، ونبيه الخفيّ به، نقله وأسرى به ليلًا بكيفية عجيبة من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، الذي أحاطه بالبركة والخير الكثير، من رياض وغياض وثمار وأنهار، وزروع وأشجار، ومن نفحات الأنبياء والصالحين، وبركات رسل الله الراحلين، وقد نقله وأَسرى به لكي يطلعه على بعض آياته العظيمة، إعظاما لمقام عبده ورسوله، وتنفيسا عنه بعد ما أجهده قومه، أنه تعالى هو السميع لأقوال عبده ورسوله في تبليغ دعوة ربه، العليم بأفعاله الخالصة عن شوائب الهوى، المقرونة بالصدق والهمة، الجديرة بالقرب والزلفى، فتعالى الله الذي له هذه القدرة وهذا العلم، تعالى عن جميع النقائص، فلا يكون اصطفاؤه لعبده الخصيص به إلا حكمة وصوابًا. المعنى التفصيلي كيف كان الإسراء: جاء حديث قصة الإسراء في جميع كتب السنة، وذكر النَّقَّاشُ ممن رواه عشرين صحابيا فهو لهذا من الأحاديث المتواترة، ومن ذلك ما أَخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا أنَا في الحجرِ - وفي رِوَايَةٍ في الحَطيمِ - بَيْنَ النائمِ واليَقظَان، إذ أتَاني آتٍ فَشقَّ مَا بَيْنَ هذه

стр. 2480

إِلى هذه، فَاستَخْرَجَ قَلْبِى فَغَسَلَة، ثُمَّ أعِيدَ، ثُم أتِيتُ بِدَابةٍ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، يقَال لَهُ البُراق، يضَعُ حَافِرَهُ عِنْد مُنْتَهى طَرفِه، قَالَ فَركِبتهُ حَتى أتَيتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ - قالَ - فرَبَطْتُهُ بِالحَلقَةِ التِى تَرْبِطُ بِها الأنْبِيَاءُ، ثُم دخلْت المَسجِدَ فصَليْت فيهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ خَرَجتُ فَجَاءني جِبْريلُ ﵇ بِإنَاء مِنْ خمْرٍ وإناء مِن لبنٍ، فَأخذتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبرِيلُ اخْتَرتَ الفِطرَة: قَالَ: ثُم عَرَجَ بِنا إلىَ السماء" إلى آخر قصة المعراج، وسنَعْرِض لها إِن شاء الله تعالى في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. وجاء في رواية البخاري في طريقة غسل قلبه الشريف قوله ﷺ : "فاسْتَخْرَجَ قَلْبِى، ثُم أُتيتُ بِطَست من ذَهَب مَملوء إيمانًا فَغَسلَ قَلْبِى ثُمَّ حَشَا، ثُمَّ أعِيدَ". وكان الإسراءُ والمعراج والعودة في بعض ليلة واحدة، واختلف العلماءُ هل كانا بالجسد والروح، أَو بالروح فقط، أَو كانا مناما، والجمهور على أَنهما كانا بالجسد والروح يقظة، ويشهد لذلك التعبير عنه ﷺ بقوله: (بِعَبْدِهِ) والعبد يشمل الجسد والروح معا، كما يشهد له إعداد البراق له وركوبه إياه، ووصفه بأنه كان يضع حافره عند منتهى بصره، ومن أقوى الأدلة على ذلك ما حدث له ﷺ من شق صدره وغسله بالإيمان وحشوه، فإنَّ هذا كناية عن أنه تعالى كلف الملك بإعداده جسديا وروحيًا لتلك الرحلة الخطيرة، وشحنه بالقوى الإلهية التي تجعله في منعة من الأخطار الكونية أَثناء هذه الرحلة، وتجعله أيضًا مستعدا لاستقبال الأنوار الإلهية، ومن العلماء من قال: إن ذلك كان مناما، وبه قال الحسن، وروى ذلك عن عائشة ومعاوية، ورد ذلك بأن عائشة ﵂ كانت حينذاك صغيرة ولم تكن معه ﷺ ، وأن معاوية كان كافرًا فلا يصح ما أسند إليهما، أَما الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ فهو دليل عليهم وليس دليلا لهم، فإن الرؤيا هنا بمعنى الرؤية البصرية كما في قول الراعي يصف صائدًا: وكبر للرؤيا وهشّ فؤاده … وبشر قَلبًا كان جما بل

стр. 2481

ولو كانت رؤيا منامية لما كانت فتنة للناس حين علموا بها، لأن النائم قد يرى نفسه في السماء وأنه يطير بين المشارق والمغارب ولا يكذبه أحد، ومثله يحدث عادة لكثير من الناس مناما. وسيأتى بيان فتنة قريش حين أخبرهم النبي ﷺ بحديث الإسراء، عند شرح قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ (١). والعبودية لله عند العارفين من أهل الحق أشرف الأوصاف، ولقد كان المحبون للبشر يفخرون بها، ومن ذلك قول قائل في محبوبته: لَا تدعني إلا بِيَا عَبدَها … فَإنهُ أَشرَفُ أسمَائيا فكيف بالعبودية لمالك الملك والملكوت، على أن في وصفه ﷺ بالعبودية وقد وصل إلي ما هو عليه من الرفعة العلية، سدا لِبَاب الغلو فيه، كما وقع للنصارى مع نبيهم عيسى ﵇. قال القشيري: لما رفعه الله إلى حضرته السنية، ورقاهُ فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة. والمسجد الحرام وقت الإسراء كان مليئًا بالأصنام التي كان العرب يعبدونها قبل إيمانهم، وتسميته بالمسجد الحرام مع هذا، لأن المسجد في اللغة مكان السجود وهو الخضوع، وكانوا في عبادتهم لأصنامهم خاضعين لها أشد الخضوع، وكان حرمًا آمنًا يحرم فيه القتل والأخذ بالثأر عندهم. والمسجد الأقصى بيت المقدس، فكان مسجد النبيين ومصلاهم (٢)، بناه يعقوب بعد بناء إبراهيم الكعبة بأربعين سنة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ثم شرع في تجديده داود، وأتمه سليمان ابنه ﵉،

стр. 2482

وهو أَحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال لأن ثواب الصلاة فيها يضاعف، قال ﷺ : "لَا تُشَد الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلَاثةِ مَسَاجِد، مسجِدِي هذا والمسجِد الحرامِ والمسجد الأقْصَى" والصلاة في المسجد الحرام أعظمها أجرا، ثم المسجد النبوى ثم المسجد الأقصى، والغاية من الإسراء بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أَن يطلع الله تعالى نبيه محمدا ﷺ على بعض آيات قدرته تعالى في رحلة الإسراء والمعارج، وما وقع فيها من الأعاجيب، وكان ذلك من قبيل الإعداد للمرحلة التالية للهجرة، ولا شك أَن في شق صدر النبي ﷺ وشحنه بالإيمان، العلوم والتقوى الإلهية، أثرًا عظيمًا في تحمله لتلك الرحلة الكونية العظيمة، التي رأَى فيها بعض ملكوت السماوات والأرض، وفي تقوية روحه ومضاعفة همته وعزيمته، لكي يستقبل المرحلة التالية للهجرة وهو جمُّ النشاط عظيم الاحتمال. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ المفردات: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أبناء يعقوب ﵇، فقد كان يدعى إسرائيل. ﴿وَكِيلًا﴾: ربا تكلون إليه أموركم، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: ذرية من آمنوا بنوح وحملناهم معه في السفينة، لننجيهم من الغرق بالطوفان. التفسير ٢، ٣ - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾:

стр. 2483

لما بين الله تعالى في الآية السابقة أنه بارك حول المسجد الأقصى، جاءَ بهاتين الآيتين ليبينَ بعض البركات الروحية هناك، حيث آتى موسى الكتاب لهداية بنى إسرائيل الذين أسكنهم الله الشام حول المسجد الأقصى، بعد هجرتهم من مصر وخروجهم من التيه، ثم إِن هاتين الآيتين وما بعدهما تعتبر تمهيدًا للحديث عن هداية القرآن للتى هي أقوم، ليعرف بنو إِسرائيل أَنهم لم ينصفوا أَنفسهم حين أَعرضوا عن الطريق الأقوم، والشريعة المثلى، بعدم إيمانهم بالقرآن ومن أنزل عليه القرآن، في حين أنه مَنَّ الله تعالى عليه بهذه المنزلة العلية، حيث أسرى به في بعض ليلة، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى ما وراء سدرة المنتهى، حيث أوحى الله تعالى إلى عبده ما أَوحى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. معنى الآيتين وأَعطينا موسى الكتاب في ألواح مشتملة على التوراة، وجعلنا هذا الكتاب هاديًا لبني إسرائيل إلى الحق، بعد أَن دانوا في مصر بعبادة العجل الذي كان يعبده الفراعنة، وقد أَعطينا موسى هذا الكتاب لكيلا تتخذوا سواى ربا تكلُون إِليه أموركم يا ذرية من حملناهم في السفينة مع نوح، وأنجيناهم من الغرق، إن نوحًا كان عبدًا، شكورًا لنا، فلم يتخذ ربا سوانا، وكذا من حملناهم في السفبنه معه، فلهذا حفظناهم من الطوفان وأغرقنا سواهم، فكونوا يا بني إسرائيل على سنة من أنجيناهم من الغرق من أَهل التوحيد، لتكونوا بمنجاةٍ من عقوبة أهل الشرك. وفي التعبير عن بني إسرائيل، بذرية من حملنا مع نوح، تذكير بفائدة التوحيد وأَثره في الدنيا، وتحذير في الشرك وعقوبته، كما أن فيه إشارة إلى أن غيره تعالى من الوكلاء والأرباب المزعومة، لا تستطيع أَن تأتي بمثل هذه الآية الكبرى التي تتمثل في الطوفان العالي لإغراق من لم يعبدها، وفي السفينة لإنجاء من عبدها، فهي أحقر من أَن تهلك أَو تنجى ذبابة، فسبحان الكبير المتعال الذي ينجي المؤمنين ويهلك الكافرين، بما لا يتصوره البشر ولا تطيق مثله جميع القوى والقدر. وأجاز بعض العلماء عود الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ إلى موسى ﵇، تعليلا لإيتائه الكتاب، فكأنه قيل وآتينا موسى الكتاب هداية لقومه؛

стр. 2484

كان عبدًا شكورا، وما اخترناه أظهر وأَولى، لما فيه من رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، وهو نوح ﵇. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ المفردات: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أَي أوحينا إليهم (١) على سبيل الجزم والقطع. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: أَي في التوراة، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: أي في جنس الأرض، أو هي الشام وفيها بيت المقدس. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: العلو، الارتفاع، والمراد به هنا الاستكبار والتغلب على الناس بالظلم. ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾: سلطنا عليكم. ﴿عِبَادًا لَنَا﴾: أَي ناسا مملوكين لنا كي يؤدبوكم، ولا يقتضى وصفهم بالعبودية أَن يكونوا مؤْمنين فالكافر والمؤمن عباد مملوكون لله، تجري عليهم أَحكامه. ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أصحاب قوة وبطش شديد في الحروب. ﴿فَجَاسُوا (٢) خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: أي ترددوا بينها لطلبكم وعقابكم. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي وكان ما ذكر من إرسال العباد ليعاقبوكم، وعدًا نافذًا لا مفر من وقوعه، والوعد يستعمل في الخير والشر، ويفرق بينهما بحسب المقام، وقد يفرق بينهما لفظًا، فيقال في الخير وعَدَ، وفي الشر أوعدَ ومنه قول الشاعر: وإني وإن أَوعدته أَو وَعَدتُه … لمُخْلفُ إيعادى ومنجزُ موعدى وقد يقال في الخير وَعْدٌ وفي الشر وَعِيدٌ.

стр. 2485

التفسير ٤ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية. بين الله تعالى في الآية السابقة أَنه أعطى موسى التوراة ليستهدي بها بنو إسرائيل، جاءت هذه الآية لتبين أنهم انحرفوا عنها وأفسدوا في الأرض مرتين، مخالفين ما أَمرهم الله به في التوراة من الصلاح والاستقامة. والمعنى: وأوحينا إِلى بني إسرائيل في كتابهم التوراة، أَو قضينا عليهم بسبب انحرافهم عن هداه، لتفسدن في الأرض التي تعيشون عليها في الشام، أو في جنس الأرض - لتفسدن فيها - مرتين، ولتستكبرن استكبارًا كبيرًا على الله تعالى، فلا تلتزمون بهداه، وعلى الناس فتغلبونهم وتظلمونهم وتسيئون إليهم، وتحديد هاتين المرتين اللتين أفسدوا فيهما متعذر لأنهم قد أفسدوا مرات كثيرة منذ نزلت التوراة حتى الآن، ومما جاء في إِفسادهم، أنهم لما مات ملكهم تنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضا، ولم يسمعوا النصح من نبيهم زكريا، بل عدوا عليه وقتلوه، وقد رواه ابن إسحاق، وفي الكشاف أن أولاهما قتل زكريا وحبس أَرميا، وثانيتهما قتل يحيى وإرادة قتل عيسى ﵈ ومنها أنهم في سنة (٧١) إحدى وسبعين بعد الميلاد حاولوا أَن يثيروا المتاعب للرومانيين فبطش بهم القائد الروماني (صيطس - أوتيتوس) وقتل منهم خلقًا كثيرين، وخرب هيكلهم المقدس الذي كانوا يفاخرون به الأمم، ويباهون بضخامته وما فيه من آنية الذهب والفضة، فتفرق كثير منهم في الأرض، وذهب بعضهم إلى الحجاز، فتكون منهم يهود بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع حول المدينة، ويهود خيبر وغيرهم كما فر بعضهم إِلى الشام ومصر وغيرهما. ومن هاجر منهم إلى الحجاز اختاروها لأنهم قرءوا في التوراة خبر نبي يبعث من بين إخوتهم، وهم بنو إسماعيل، وأن دينه سيذيع وينتشر من يثرب - أي المدينة - فلذا أقاموا حولها ليؤَازروه، حتى يعيد إليهم مجدهم وكانوا إذا تحاربوا مع الأوس والخزرج قبل البعثة وانتصروا عليهم، قالوا لكليهما: سيبعث نبي من بني إسماعيل وسنؤمن به ونقتلكم

стр. 2486

معه قتل عاد وإرم، وكانوا أحيانا يخرجون التوراة ويضعون أصابعهم على اسمه ﷺ ، ويستفتحون به علي أعدائهم، فكانوا يقولون اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أَن تبعثه آخر الزمان، أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). وفي سنة ١٣٥ ميلادية ثاروا مرة أخرى على الرومان، فاحتلوا المنطقة اليهودية في القدس ودمروها وقتلوا أهلها، وهدموا هيكلها من جديد، وحرثوا أرضه، وبنوا مكان المنطقة اليهودية مدينة أخرى حرموها علي اليهود (٢). إلى غير ذلك من حوادث الإفساد. وترتيبها زمنا أَو أثرا لتعرف المرتان المقصودتان من الآية الكريمة فيه صعوبة إن لم يكن متعذرًا، ولهذا قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر إفسادهم في الأرض مرتين، ولم يبين ذلك فلا يقطع بشيء مما ذكر. ٥ - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي فإذا جاء موعد عقابكم على أولى مرتَيْ إفسادكم في الأرض، سلطنا عليكم عبادا لنا أَصحاب قوة شديدة وبطش في الخروب، فترددوا بين دياركم وتخللوها طلبًا لكم، وكان العقاب الموعود علي تلك الإفسادة وعدًا نافذًا لا خلف فيه، قال القرطبي في هؤُلاء العباد: هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر (٣) في المرة الأولى حين كذبوا أَرمياء وجرحوه وحبسوه، قاله ابن عباس وغيره، وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد: انتهى كلام القرطبي. وقال الآلوسى: الجمهور على أن في هذه البعثة خرب هؤلاء العباد بيت المقدس ورقع القتل الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل، وحرقت التوراة: اهـ ولا تغفل عما قلناه من أن تعيين المرة الأولى وعقابها اجتهادى لا قطعي.

стр. 2487

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ المفردات: ﴿رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: جعلناكم تغلبونهم بعد أَن غلبوكم، وأصل الكرة الرجعة، وإِطلاقها على الغلبة هنا لما فيه من الرجوع إليهم بعد هزيمتهم منهم. ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: النفير والنافر من ينفر مع الرجل من عشيرته لمؤازرته والمراد من قوله ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أكثر عددا بما كنتم أو من أَعدائكم (١). ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي وإن أَسَأتم فعليها، فاللام هنا بمعنى على. ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: وعد المرة الآخرة من مرتَيِ الإفساد. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: ليظهروا المساءة عليها بسبب ما نالكم من أَذاهم. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: المراد بالمسجد هنا بيت المقدس ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: وليهلكوا ما غلبوه واستولوا علية إِهلاكا شديدا. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾: وإن عدتم للإفساد عدنا للعقوبة. ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: وجعلناها لهم سجنا يحصرهم ويحبسهم (٢) ويمنعهم من الإفلات.

стр. 2488

التفسير ٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: أَي ثم رددنا لكم الدولة والغلبة ورجعناها لكم على من غلبوكم وتسلطوا عليكم وذلك بعد أَن صلحت أحوالكم واستقامت أموركم، واتحدت كلمتكم، وعملتم بنصائح أَنبيائكم، وأمددناكم بأموال كثيرة بعد ما نهبت أَموالكم، وأمددناكم ببنين بعد ما سبيت أولادكم، وجعلناكم أَكثر رجالا ينفرون معكم للقتال، بعد ما قل رجالكم الذائدون عنكم، فاستطعتم بما أمددناكم به من هذه النعم، أن تستردوا حريتكم وتعود إِليكم دولتكم، وينتهى استعباد أعدائكم لكم. ويفسر أَبو حيان في البحر إعادة الكرة عليهم بقوله: إِن ملكا غزا أَهل بابل، وكان بختنصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفا، ممن يقرءون التوراة، وأبقى عنده بقية في بابل فلما غزاهم ذلك الملك وغلب عليهم تزوج امرأة من بني إِسرائيل فطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى ديارهم ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن مما كانوا، انتهى. ولعل أَبا حيان يشير بما يقول إلى غزو الفرس لأهل بابل، ففي سنة ٥٣٩ قبل الميلاي غزا الفرس فلسطين واحتلوها بعد أَن احتلوا بابل، وأَلحقوها بدولتهم قرنين من الزمان، وفي عهدهم عادت قبيلة يهوذا من بقايا الأسر البابلى إلى القدس، وأعادت بناء الهيكل من جديد. وقيل رد الكرة: بأن سلط الله تعالى داود على جالوت فقتله، وعادت الدولة إليهم بملك طالوت عليهم، وتلاه داود ﵇، ثم سليمان ثم انقسموا وتحاربوا، فسلط الله عليهم عباده للمرة الثانية، وستأتي بقية الحديث عن ذلك بمشيئة الله تعالى. ٧ - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: بعد أَن بين الله تعالى أنه رد لهم الكرة علي أَعدائهم ونصرهم، جاءت هذه الآية، لتبين أَن ما نالهم من العقاب أَولا والنصر ثانيا إنما يجري على قاعدة الجزاء العادل فإن هم أحسنوا أُثيبوا، وإن هم أساءُوا عوقبوا.

стр. 2489

والمعنى: إِن أحسنتم يا بنى إسرائيل بعودتكم إلى طاعة ربكم، كانت منفعة هذا الإحسىان لكم، حيث يثيبكم عليه فى الدنيا النصر والثراء وكثرة الأولاد، وإِن أَسأْتم بالبغي والطغيان والاستعلاء، كانت مضرة هذه الإساءة عائدة عليكم، وقد عرفتم هذا الدستور الإلهي، فيما تناوب عليكم من الضراء أولا بسبب إفسادكم الفظيع أَول مرة، والسراء ثانيًا حينما تبتم إِلى الله، وعرفتم طريق الصلاح والاستقامة. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: فإذا جاء عقاب المرة الآخرة من الإفساد والاستعلاء الكبير على الناس، بعثنا عليكم يا بنى إسرائيل عبادًا لنا أقوياء أشداء لكي يعاقبوكم على المرة الثانية من الإفساد، وليظهروا بهذا العقاب العنيف آثار المساءَة الشديدة على وجوهكم من الحزن والخوف والرعب، والصفرة والحيرة -فإن الأعراض النفسية تتجلى آثارها واضحة على الوجوه- وبعثناهم أَيضًا ليدخلوا المسجد الأقصى -بيت المقدس- بالسيف والقهر والغلبة والإذلال كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ويهلكوا ما علوْه وغلبوه واستولوا عليه تتبيرا وإِهلاكا شديدًا لا يوصف واختلف فى المبعوث لعقاب بنى إِسرائيل فى هذه المرة، فقيل هو الإسكندر وجنوده، وقيل هو ملك من ملوك الطوائف اسمه "بيردوس" (١)، وهؤلاء الملوك ظفروا بعد أَن استولى الإسكندر على الفرس وقتل "دارا" ملكهم، فقامت من بعده دولة ملوك الطوائف، وعددهم يربو على سبعين ملكا، ومدة ملكهم خمسمائة واثنتا عشرة سنة وكانت هذه العقوبة على قتلهم نبيهم يحيى ﵇، وكان بين عقوبة بختنصر لهم وهذه العقوبة نحو سبعمائة وخمسة وثلاثين عاما، وبينها وبين قتل الإسكندر لدارا نحو ثلاثمائة سنة، وقيل غير ذلك، انظر الآلوسي. وقال بعض العلماء الأجلاء: إِن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ بعثهم وتعيين سبب العقوبة مما لا يتعلق به كبير فائدة، إذ المقصود أَنه لما كثرت معاصي بني إسرائيل، سلط الله عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أُخرى: اهـ. وهذا أسلم والله تعالى أعلم.

стр. 2490

٨ - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: أي لعل الله تعالى يرحمكم بعد العقاب بالبعث الثاني، إِن تبتم عن المعاصي، ولازمتم طاعته، فيكف عنكم عقابه وانتقامه، ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا، وإن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم في الدنيا، على نحو ما حدث في عقاب المرتين السابقتين أَو أَشد أو أَدنى حسب درجه آثامكم، وجعلنا جهنم لجميع الكافرين منكم ومن غيركم سجنا حاصرا لهم ومحيطا بهم، فلا مهرب لهم منه، فاحذروا العودة إلى آثامكم، لكي تنجوا من عقوبة الله في الدنيا والآخرة، ولقد عاد هؤلاء إلى الإفساد مرة بعد أخرى، فسلط الله عليهم من دمرهم وشتتهم في بقاع الأرض، وتراهم دائما يتجمعون في مكان واحد، تتجمع فيه بيوتهم، ويغلقون مسالكه حتى لا يعرف أحد أَسرارهم، وليأمنوا الاعتداء عليهم ممن يتآمرون ضدهم وقد تآمروا على النبي ﷺ وقصدوا قتله، فسلطه الله على بني قريظة، فقتل رجالهم، وأجلى بني النضير وقاتل أهل خيبر، وضرب الجزية على من بقي منهم حول المدينة. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ المفردات: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: يرشد للطريقة التي هي أعدل (١).
следующие страницы →