← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

معه قتل عاد وإرم، وكانوا أحيانا يخرجون التوراة ويضعون أصابعهم على اسمه ﷺ ، ويستفتحون به علي أعدائهم، فكانوا يقولون اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أَن تبعثه آخر الزمان، أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١). وفي سنة ١٣٥ ميلادية ثاروا مرة أخرى على الرومان، فاحتلوا المنطقة اليهودية في القدس ودمروها وقتلوا أهلها، وهدموا هيكلها من جديد، وحرثوا أرضه، وبنوا مكان المنطقة اليهودية مدينة أخرى حرموها علي اليهود (٢). إلى غير ذلك من حوادث الإفساد. وترتيبها زمنا أَو أثرا لتعرف المرتان المقصودتان من الآية الكريمة فيه صعوبة إن لم يكن متعذرًا، ولهذا قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر إفسادهم في الأرض مرتين، ولم يبين ذلك فلا يقطع بشيء مما ذكر. ٥ - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾: أي فإذا جاء موعد عقابكم على أولى مرتَيْ إفسادكم في الأرض، سلطنا عليكم عبادا لنا أَصحاب قوة شديدة وبطش في الخروب، فترددوا بين دياركم وتخللوها طلبًا لكم، وكان العقاب الموعود علي تلك الإفسادة وعدًا نافذًا لا خلف فيه، قال القرطبي في هؤُلاء العباد: هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر (٣) في المرة الأولى حين كذبوا أَرمياء وجرحوه وحبسوه، قاله ابن عباس وغيره، وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد: انتهى كلام القرطبي. وقال الآلوسى: الجمهور على أن في هذه البعثة خرب هؤلاء العباد بيت المقدس ورقع القتل الذريع والجلاء والأسر في بني إسرائيل، وحرقت التوراة: اهـ ولا تغفل عما قلناه من أن تعيين المرة الأولى وعقابها اجتهادى لا قطعي.

стр. 2487

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ المفردات: ﴿رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: جعلناكم تغلبونهم بعد أَن غلبوكم، وأصل الكرة الرجعة، وإِطلاقها على الغلبة هنا لما فيه من الرجوع إليهم بعد هزيمتهم منهم. ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: النفير والنافر من ينفر مع الرجل من عشيرته لمؤازرته والمراد من قوله ﴿أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ أكثر عددا بما كنتم أو من أَعدائكم (١). ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: أي وإن أَسَأتم فعليها، فاللام هنا بمعنى على. ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: وعد المرة الآخرة من مرتَيِ الإفساد. ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾: ليظهروا المساءة عليها بسبب ما نالكم من أَذاهم. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: المراد بالمسجد هنا بيت المقدس ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: وليهلكوا ما غلبوه واستولوا علية إِهلاكا شديدا. ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾: وإن عدتم للإفساد عدنا للعقوبة. ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: وجعلناها لهم سجنا يحصرهم ويحبسهم (٢) ويمنعهم من الإفلات.

стр. 2488

التفسير ٦ - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: أَي ثم رددنا لكم الدولة والغلبة ورجعناها لكم على من غلبوكم وتسلطوا عليكم وذلك بعد أَن صلحت أحوالكم واستقامت أموركم، واتحدت كلمتكم، وعملتم بنصائح أَنبيائكم، وأمددناكم بأموال كثيرة بعد ما نهبت أَموالكم، وأمددناكم ببنين بعد ما سبيت أولادكم، وجعلناكم أَكثر رجالا ينفرون معكم للقتال، بعد ما قل رجالكم الذائدون عنكم، فاستطعتم بما أمددناكم به من هذه النعم، أن تستردوا حريتكم وتعود إِليكم دولتكم، وينتهى استعباد أعدائكم لكم. ويفسر أَبو حيان في البحر إعادة الكرة عليهم بقوله: إِن ملكا غزا أَهل بابل، وكان بختنصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفا، ممن يقرءون التوراة، وأبقى عنده بقية في بابل فلما غزاهم ذلك الملك وغلب عليهم تزوج امرأة من بني إِسرائيل فطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى ديارهم ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن مما كانوا، انتهى. ولعل أَبا حيان يشير بما يقول إلى غزو الفرس لأهل بابل، ففي سنة ٥٣٩ قبل الميلاي غزا الفرس فلسطين واحتلوها بعد أَن احتلوا بابل، وأَلحقوها بدولتهم قرنين من الزمان، وفي عهدهم عادت قبيلة يهوذا من بقايا الأسر البابلى إلى القدس، وأعادت بناء الهيكل من جديد. وقيل رد الكرة: بأن سلط الله تعالى داود على جالوت فقتله، وعادت الدولة إليهم بملك طالوت عليهم، وتلاه داود ﵇، ثم سليمان ثم انقسموا وتحاربوا، فسلط الله عليهم عباده للمرة الثانية، وستأتي بقية الحديث عن ذلك بمشيئة الله تعالى. ٧ - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: بعد أَن بين الله تعالى أنه رد لهم الكرة علي أَعدائهم ونصرهم، جاءت هذه الآية، لتبين أَن ما نالهم من العقاب أَولا والنصر ثانيا إنما يجري على قاعدة الجزاء العادل فإن هم أحسنوا أُثيبوا، وإن هم أساءُوا عوقبوا.

стр. 2489

والمعنى: إِن أحسنتم يا بنى إسرائيل بعودتكم إلى طاعة ربكم، كانت منفعة هذا الإحسىان لكم، حيث يثيبكم عليه فى الدنيا النصر والثراء وكثرة الأولاد، وإِن أَسأْتم بالبغي والطغيان والاستعلاء، كانت مضرة هذه الإساءة عائدة عليكم، وقد عرفتم هذا الدستور الإلهي، فيما تناوب عليكم من الضراء أولا بسبب إفسادكم الفظيع أَول مرة، والسراء ثانيًا حينما تبتم إِلى الله، وعرفتم طريق الصلاح والاستقامة. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: فإذا جاء عقاب المرة الآخرة من الإفساد والاستعلاء الكبير على الناس، بعثنا عليكم يا بنى إسرائيل عبادًا لنا أقوياء أشداء لكي يعاقبوكم على المرة الثانية من الإفساد، وليظهروا بهذا العقاب العنيف آثار المساءَة الشديدة على وجوهكم من الحزن والخوف والرعب، والصفرة والحيرة -فإن الأعراض النفسية تتجلى آثارها واضحة على الوجوه- وبعثناهم أَيضًا ليدخلوا المسجد الأقصى -بيت المقدس- بالسيف والقهر والغلبة والإذلال كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ويهلكوا ما علوْه وغلبوه واستولوا عليه تتبيرا وإِهلاكا شديدًا لا يوصف واختلف فى المبعوث لعقاب بنى إِسرائيل فى هذه المرة، فقيل هو الإسكندر وجنوده، وقيل هو ملك من ملوك الطوائف اسمه "بيردوس" (١)، وهؤلاء الملوك ظفروا بعد أَن استولى الإسكندر على الفرس وقتل "دارا" ملكهم، فقامت من بعده دولة ملوك الطوائف، وعددهم يربو على سبعين ملكا، ومدة ملكهم خمسمائة واثنتا عشرة سنة وكانت هذه العقوبة على قتلهم نبيهم يحيى ﵇، وكان بين عقوبة بختنصر لهم وهذه العقوبة نحو سبعمائة وخمسة وثلاثين عاما، وبينها وبين قتل الإسكندر لدارا نحو ثلاثمائة سنة، وقيل غير ذلك، انظر الآلوسي. وقال بعض العلماء الأجلاء: إِن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ بعثهم وتعيين سبب العقوبة مما لا يتعلق به كبير فائدة، إذ المقصود أَنه لما كثرت معاصي بني إسرائيل، سلط الله عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أُخرى: اهـ. وهذا أسلم والله تعالى أعلم.

стр. 2490

٨ - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: أي لعل الله تعالى يرحمكم بعد العقاب بالبعث الثاني، إِن تبتم عن المعاصي، ولازمتم طاعته، فيكف عنكم عقابه وانتقامه، ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا، وإن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم في الدنيا، على نحو ما حدث في عقاب المرتين السابقتين أَو أَشد أو أَدنى حسب درجه آثامكم، وجعلنا جهنم لجميع الكافرين منكم ومن غيركم سجنا حاصرا لهم ومحيطا بهم، فلا مهرب لهم منه، فاحذروا العودة إلى آثامكم، لكي تنجوا من عقوبة الله في الدنيا والآخرة، ولقد عاد هؤلاء إلى الإفساد مرة بعد أخرى، فسلط الله عليهم من دمرهم وشتتهم في بقاع الأرض، وتراهم دائما يتجمعون في مكان واحد، تتجمع فيه بيوتهم، ويغلقون مسالكه حتى لا يعرف أحد أَسرارهم، وليأمنوا الاعتداء عليهم ممن يتآمرون ضدهم وقد تآمروا على النبي ﷺ وقصدوا قتله، فسلطه الله على بني قريظة، فقتل رجالهم، وأجلى بني النضير وقاتل أهل خيبر، وضرب الجزية على من بقي منهم حول المدينة. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ المفردات: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: يرشد للطريقة التي هي أعدل (١).

стр. 2491

﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أعددنا لهم عذابا شديد الإيلام. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾: أي يطلبه لنفسه، وكُتِبَتْ (يَدْعُ) في المصحف بدون واو مراعاة للنطق، وأصلها يدعو بالواو بعد العين. ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: أَي يدعو لنفسه بالشر مثل دعائه لها بالخير فلا يفرق بينهما لجهله. التفسير ٩ - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾: بين الله فيما تقدم أنه تعالى أَعطى موسى كتاب التوراة وجعله هدى لبني إسرائيل، وأنهم لم يعملوا به، بل أفسدوا في الأرض، وجاءت هذه الآية والتي بعدها لبيان أَن هذا القرآن أعطاه محمد ﷺ لكي يهدى الناس جميعًا إلى ملة الإسلام، فإنها أَقوم الملل، وأن علي جميع الخلق أن يؤمنوا به ومنهم أهل الكتاب. والمعنى: إِن هذا القرآن الذي أَنزلناه عليك يا محمد يهدى الي الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها وهي ملة الإِسلام إلى الله، والتوحيد الخالص من كل شوائب المشرك، والتنزيه له تعالى عن شوائب المماثلة للبشر، وعن سمات النقص التي لم تتورع عنها الملل والنحل المختلفة وكما يهدى إِلى الملة التي هي أقوم يبشر المؤمنين بأحكامه وعقيدته، الذين يعملون الأعمال الصالحة التي دعاهم إليها - يبشرهم - بأن لهم في مقابل إيمانهم وصالح أعمالهم أَجرًا كبيرًا في ذاته وفي أوصافه الكريمة، ينالونه في جنة عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين. ١٠ - ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: معطوف علي ما بُشِّرَ به الذين آمنوا داخل في حيز البشارة لهم، فكأنه قيل: يبشر المؤْمنين الصالحين بأجر كبير لهم، ويبشرهم أيضًا بأن أَعداءهم الذين لا يؤمنون بالآخرة الإيمان الصحيح، أَعددنا لهم فيها عذابا مؤلما، فإن الانتقام من العدو سرور يستحق أن يبشر به عدوه، وبخاصة إذا كانت العداوة من أجل الحق ﵎ (١).

стр. 2492

ويصح أن يراد من البشارة مطلق الإخبار الشامل للإخبار بما يَسُرُّ وبما ليس كذلك على سبيل المجاز، ومن استعمال التبشير في العذاب قوله تعالى في سورة النساء: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١٣٨) وفي سورة التوبة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٤). ١١ - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: بينت الآيتان السابقتان منزلة القرآن الكريم من الهداية للطريقة التي هي أقوم، وبشارته للمؤمنين بحسن المثوبة، وإنذاره للكافرين بشديد العقوبة، وجاءت هذه الآية لتبين أَن الإنسان لم يراع مصلحة نفسه حيث يطلب الشر ويتعجله بدل الخير، والمراد بالإنسان الجنس، وقد أُسند إليه حال بعض أفراده وهو الكافر والعاصى، أو حاله بصفة عامه في بعض أَحيانه. والمعنى على الأول مع ربطه بما سبق: أن هذا القرآن يهدى إلى الملة والشريعة التي هي أقوم ولكن الإنسان الكافر والعاصي يدعو لنفسه بالشر - أَي يطلبه لها - بكفره وعصيانه - يدعو لنفسه بهذا الشر مثل دعائه بالخير وطلبه لها، من غير تفرقة بين ما يؤَدي به إلى العقوبة وما ينتهي به إلى المثوبة جهلًا منه وسوء تمييز، وكان الإنسان بطبعه مبالغا في العجلة حيث سارع إلى ما يؤدي به إلى الضرر بغير تريث ولا مبالاة،، تجاهل ما ينتهى به إلى الخير والمنفعة عاجلها أَو آجلها، ولو تريث وفكر لاختار الإيمان والطاعة لحسن عاقبتها، ولنبذ الكفر والمعصية لسوء منقلبها، وقد منحه الله العمل ليقوم به غرائزه فلا عذر له في إهداره وعدم الانتفاع بتقويمه. والمعنى على الثاني: إِن هذا القرآن يدعو الإنسان إلى ما هو خير، وهو في بعض أحيانه يترك الدعاءَ بالخير ويدعو الله لنفسه وماله وأَهله وولده بالشر لمرض أَصابه أو غضب حل به، أَو ضجر من بليّة ومحنة، وكان الإنسان بحسب غريزته وجبلته شديد العجلة، لا يميل إلى التأني حتى تزول المحنة أَو العارض الذي استتبع دعاءه، ولو تأنى وتذرع بالصبر الذي يدعو إليه العقل والشرع، لآثر الدعاء بالخير بدل الدعاء بالشر. وقد جاءَ النهي عن ذلك صريحا، فقد أخرج أَبو داود والبزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تدْعوا عَلَى أَنفسِكم لَا تدْعُوا عَلَى أولَادِكم لَا تدْعُوا عَلَى أَموَالِكم، لئِلا توَافِقوا مِن الله تعَالى ساعَة فِيها إِجَابَة فيستجيب ل

стр. 2493

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ المفردات: ﴿آيَتَيْنِ﴾: علامتين ودلالتين على وجود الله وسائر كمالاته. ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾: أَي أزلنا ظلمته بضوء النهار. ﴿مُبْصِرَةً﴾: أَي مبصرا أَهلها في ضوئِها، وإنما أسند الإبصار لفظًا إلى آية النهار على سبيل المجاز؛ لأنها سبب الإبصار. ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: لتطلبوا رزقا من خالقكم ومربيكم. التفسير ١٢ - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾: بين الله قبل هذه الآية أن هذا القرآن يهدي للتى هي أقوم، ويبشر المؤمنين، وينذر الكافرين، وجاء بهذه الآية ليهدينا بها إلى الطريق العقلى الهادي إلى معرفة الله، وهو النظر في آياته الكونية. والمعنى: وجعلنا الليل والنهار في تعاقبهما واختلافهما طولا وقصرا، حسب اختلاف مطالعهما ومغاربهما، وفي تباينهما ظلمة وضياء حسب ظهور الشمس ومغيبها - جعلنا الليل والنهار في ذلك كله علامتين تهديان العقل إلى أَن لهما صانعا حكيما، ومدبرا علمًا، وقادرا عظيما، ثم فصَّل حال الليل والنهار وفائدتهما فقال سبحانه: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ (١): أي فجعلنا الليل الذي هو آية وبرهان على خالقه، جعلناه ممحوّ الضوء مطموسه مظلما لا يستبين فيه شيء: كما قال سبحانه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ ويجوز أن يكون المعنى: فأزلنا

стр. 2494

ظلمة آية الليل بالضوء الباهر والنور الساطع المنبعث من الشمس المشرقة. ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً … ﴾ الآية. أَي وجعلنا النهار الذي هو آية على بارئه ومدبره - جعلناه مضيئا، بحيث تتبين به المسالك والدروب وأسباب الأرزاق، لكي تبتغوا وتطلبوا في ضوئه رزقا من فضل ربكم لا يتيسر لكم في ظلام الليل، ولتعلموا بتفاوت الليل والنهار وتعاقبهما وسائر أَحوالهما، عدد السنين التي مرت بكم، وحساب الشهور والأيام والليالى، وغير ذلك مما ترتبط به مصالحكم ومعايشكم وعباداتكم. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: أي وكل شيء يرتبط بمعايشكم ومنافعكم الدنيوية والأخروية، بيَّنه الله سبحانه في القرآن تبيينا تاما لا التباس فيه ولا خفاء، كما جاء في قوله لرسوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبهذا ظهر كون القرآن هاديا للتى هي أَقوم ظهورا بينا. واعلم أَن القرآن اشتمل على قواعد كلية للعقائد والشرائع، وأما التفاصيل الجزئية فقد أَحالها الله تعالى على نبيه لتبيينها، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). فالصلاة في القرآن أَوجبها الله بنحو قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ولم يتعرض لكيفية أَدائها وبيان أَوقاتها، وقد تكفل الرسول ﷺ ببيان ذلك بوحى من الله تعالى.: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ (٢).

стр. 2495

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ المفردات: ﴿طَائِرَهُ﴾: أَي عملة من خير أَو شر، وقيل المراد رزقه وأَجله وعمله وجميع ما قدره الله له. ﴿فِي عُنُقِهِ﴾: تمثيل لشدة لزوم عمله له. ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: أي يجده مبسوطا غير مطوى. ﴿حَسِيبًا﴾: أي حاسبا عملك لك أو عليك. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: الوزر في اللغة الحمل مطلقًا، المراد به هنا الذنب، أي ولا تتحمل نفس حاملة للوزر ذنب نفس أخرى. التفسير ١٣ - ﴿وكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾: فسر بعض العلماء الطائر هنا بالعمل - خيرًا كان أَو شرًّا - وفسره آخرون بجميع ما جرى به القدر وأَحاط به العلم من الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة وسائر أحوال الإنسان، وإِطلاق لفظ (الطائر) على هذا أو ذاك على سبيل المجاز، فكأنما يطير إِلى العبد من عُش الغيب الذي علمه الله أزلا في شأن عبده. وتفسير الطائر بالعمل هو الذي نختاره في تفسير الآية؛ لأنه المناسب لقوله تعالى في آخرها: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.

стр. 2496

أَي ونخرج للإنسان يوم قيامِ الناس من قبورهم وبعثهم لحساب ربهم - نخرج له كتابا يحوي تفاصيل أعماله خيرها وشرها، يلقاه منشورا مبسوطا أمامه ليقرأه بنفسه، ويتعرف على حسناته وسيئاته، أخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال: يَا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لكَ صَحيفةٌ وَوُكِّلَ بكَ مَلكانِ كريمَانِ، أَحدُهُمَا عن يَمينك، والآخر عن شمالك حتى إِذَا مِتَّ طُويتْ صَحيفَتُكَ فَجُعِلتْ في عُنقِك قبرِكَ، حَتى تَجِيء يَومَ الْقيَامَةِ فَتُخْرَجُ لَكَ": اهـ والمقصود من جعلها في عنقه ارتباطها بصاحبها معنويا لا حسيا؛ لأن الإنسان يفنى في قبره، ولهذا قال الحسن في آخر عبارته، (حتى تَجيء يَومَ القِيَامَةِ فتخرج لك) وبعد أَن عرفنا أن أعمالنا تسجل علينا بهذه الآية الكريمة، وبنحو قوله تعالى: "ما لْفِظُ مِن قَوْل إلاَّ لَدَيْهِ رَقيِب عَتِيدٌ" وأَنها تنشر يوم القيامة، فلهذا ينبغي للغاقل أن لا يملي على الملكين الكاتبين لصحيفته إلا الأعمال الصالحة التي يفرح ويسعد بنشرها وقراءتها يوم القيامة، ويدعو غيره إِلى قراءتها فرحًا بها وبحسن عاقبتها كما حكاه الله تعالى عن السعيد الذي أوتي صحيفته بيمينه بقوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ (١). وهَذَا القول يصدر منه بعد. أن يقرأَ كتابه، تنفيذا لأمر الله تعالى إياه بقوله لكل مكلف سعيدًا كان أو شقيا: ١٤ - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾: فإذا قرأَه وعرف منه حسن عاقبته قال ذلك. والمعنى: يقال لكل إِنسان بعد أن يجد كتابه منشورا مسجلا فيه عمله اقرأ كتابك كفى بنفسك حاسبا عليك سيئاتك، وحاسبا لك حسناتك، فكل ذلك واضح مسطور في الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٢) وكما ترى المجرمين مشفقين مما فيه ترى الصالحين مستبشرين فرحين بما فيه كما تقدم بيانه.

стр. 2497

والآية ظاهرة في أَن كل مكلف يستطيع قراءة كتابه وإن لم يكن في دنياه قارئا، ولهذا كلف الله كل إِنسان بقراءة كتابه، قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئا في الدنيا، ومن العلماء من فسر كتاب الإنسان بنفسه، فإن ما يصدر عنه من خير أو شر يطبع في نفسه وينقش في روحه، وهي في دنياها مشغولة بواردات الحواس المتجددة مشغولة عن هذه الآثار المنقوشة فيها والثابتة على صفحتها، فإذا انقطعت علاقتها بتلك الحواس قامت قيامة الإنسان، وأدرك كل ما صدر عنه من خير وشر منقوشا وثابتا في نفسه وروحه، بعد أن انكشف عنها الغطاءُ بالموت الجسدى، وكما يظهر ذلك من نفسه عقب موته، يظهر له منها في ساحة القيامة يوم النشور، فيقال له حينئذ: اقرأ كتاب نفسك واذكر أعمالك، كفى بنفسك مُحاسِبة لك بما ثبت فيها من عملك، ومعلوم أَن العبد إذا مات قامت قيامته الصغرى وأحسّ من نفسه بمصيره الذي ينتظره، فإذا بعث قامت قيامته الكبرى وكان الحساب والجزاءُ. ويقرب هذا المعنى للذهن أن الإنسان بدواعي المعاني يتذكر في دنياه أمورا مضى عليها عشرات السنين، وذلك ناشيء من انطباع صور الحوادث في نفسه. ١٥ - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: بين الله فما سبق أَن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم، ويبشر المؤْمنين المهتدين بالأجر الكبير، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يطلب لنفسه الشر طلبه للخير، فإن عمله ملازم له إلى يوم القيامة، وجاءت هذه الآية لتبين أَن المهتدى بهدى القرآن هو الذي ينتفع باهتدائه، وأن من ضل عنه فهو الذي يُضَر بضلاله، أَما المولى سبحانه فإنه لا ينتفع بطاعة عباده، ولا يضر بمعصيتهم، وأَما الرسول ﷺ فليس عليه إلا البلاغ. والمعني: أن من تأثر بمواعظ القرآن، وتفتحت بصيرته لمعارفه، واهتدى بهداه فلا تعود منفعة ذلك إِلا عليه وحده، وأن من انحرف عن سبيله، وضل عن طريقه فلا يعود وبال ضلاله إلا عليه وحده دون سواه، وتعالى الله أَن تنفعه طاعة المهتدي، أَو

стр. 2498

تضره معصية المنحرف، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة جزاه الله عن دينه خير الجزاء. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: هذه الجملة مؤكدة لمضمون الجملة السابقة، أَي ولا تحمل نفس مثقلة بوزرها وحاملة لذنبها - لا تحمل ذنب نفس أخرى، فكل امرئ بما كسب رهين، فلو أَمر شخص آخرٌ بمعصية، ووعده بأن يحمل عنه عقوبته، فوعده كاذب وكلاهما مسئول، فالآمر بالمعصية مسئول عن أَمره بها ومعاقَب عليها، ومنفِّذ المعصية مسئول عن تنفيذها ومعاقب عليها، روى عن ابن عباس أَنها نزلت في الوليد بن االمغيرة لما قال: اكفروا بمحمد ﷺ وعليَّ حمل أَوزاركم: اهـ وفي ذلك بقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). فإن قيل إنه ﷺ قال: "إِن الميت يُعذبُ بِبكَاء أَهْلِهِ عليه" فإن فيه أَخذ الإنسان بجزم غيره وقد أجيب عنه بأن الحديث محمول على ما إذا أَوصى بذلك قبل أَن يموت، أَو أنه يتألم لمعصية أَهله ببكائهم عليه وشقّهم الجيوب من أَجله، وعدم رضاهم بقضاء ربه، فهو لهذا يعذب نفسيا، وأَما قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فكل من المضل والضال حمل ذنب نفسه لا ذنب غيره، فالمضل حمل ذنب إضلاله لغيره، وغيره تحمل وزر ضلاله بسببه، فالجهة منفكة، وكل ما جاء على هذا النمط يُؤَول هذا التأويل. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: بعد أَن بين الله تعالى أَن عاقبة الهدى والضلال لا تعود إلا على صاحبيهما، جاءت هذه الجملة لتبين عظيم رحمة الله وعدالته وفضله. والمعنى: وما صح ولا استقام في حكمتنا وسنتنا أن نعذب أحدًا بنوع بما من العذاب دنيويا كان أَو أخرويًا - على فعل شيءٍ أَو ترك آخر، حتى نبعث رسولا يهدى إلى

стр. 2499

الحق، وينهى عن الباطل، ويقيم الحجج ويبين الشرائع، حتى تتم أسباب التكليف وتقوم به حجة الله على خلقه. واستدل الأشاعرة وفقهاءُ الشافعية بالآية على أن أهل الفترة ناجون وقد أَطلقوا القول فى ذلك. وبما أنه قد صح تعذيب جماعة من أهل الفترة، فقد أُجيب عنهم بأن أحاديثهم آحاد لا تعارض القطع بعدم التعذيب قبل البعثة -كما دلت عليه- الآية -وبأنه يجوز أَن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر مختص به يقتضي ذلك، علمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، نظير ما قيل في الحكم بكفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇ مع صباه. وقيل إن تعذيب هؤُلاء المذكورين في الأحاديث مقصور على من غيَّرَ وبدَّل من أهل الفترة بما لا يعذر به، كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، كما فعل عمرو بن لحي الذي استحدث عبادة الأوثان ولا يخفى أن هذه الإجابات عن هؤُلاء لا تتفق مع إطلاقهم القول بأنه لا وجوب إلا بالشرع ولا تكليف قبل البعثة، قال الآلوسي (١): ولو ثبت أن من جاءت الأحاديث بتعذيبهم فى الفترة بين الرسل كانوا من أَتباع رسول سابق بقى شرعه حينذاك كعيسى ﵇ لم يبق إِشكال- انتهى بتصرف يسير. ويقول المعتزلة: إن الإيمان بالله واجب بالعقل قبل البعثة وبعدها، ويحتجون بأن معرفة الله لا يمكن الوصول إليها إلا بالعقل حتى بعد البعثة، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالله تعالى يأمرنا بأن نعرفه بالنظر في آياته الكونية، ولا يمكن إثبات رسالة الرسول إلا بعد معرفة الله الذى أَرسله، فوجب أن تكون معرفة الله أولا بالعقل، وثبت أَن من كفر به قبل البعثة يستحق العذاب، ويقولون أيضًا إن الأحكام تعرف بالعقل لأنه يدرك حسن الأفعال وقبحها قبل ورود الشرع (٢). وقد أثبت الإمام الرازي

стр. 2500

الوجوب العقلي، وفسر قوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ بوجهين (أحدهما): حمل الرسول على العقل (والثاني): تخصيص العموم بأن يقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها بغير الشرع إلا بعد مجيء الشرع، ثم قال والذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أَن يجب علينا فعل ما ينتفع به، وترك ما يتضرر به، ويمتنع أن يحكم العقل على الله تعالى بوجوب فعل أو ترك فعل، اهـ (١). وحمل الآية أبو منصور الماتُريدى وتابعوه على نفي تعذيب أهل الفترة بالاستئصال في الدنيا، وذهبوا إلى تعذيبهم في الآخرة بترك الإيمان والتوحيد، وأهل الفترة كل من كان بين رسولين، ولم يكن الأول مرسلا إليهم، ولم يدركوا الثاني، واعتمد القول بتعذيب أهل الفترة الإِمام النووى في شرح مسلم، فقال: إن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، وليس في هذا مؤَاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل ﵈. قال الآلوسى تعليقًا على رأي النووى: والظاهر أن النووي يكتفى في وجوب الإيمان على كل أحد، ببلوغه دعوة من قبله من الرسل وإِن لم يكن مرسلا إليه. وقال الحليمي (٢) في منهاجه: إن العاقل المميز إذا سمع أية دعوة كانت إلى الله تعالى، فترك الاستدلال بعقله على صحتها وهو من أَهل الاستدلال والنظر كان بذلك معرضا عن الدعوة فيكون كافرًا - ويبعد أن يوجد شخص لم يبلغه خبر أحد من الرسل على كثرتهم وتطاول أزمان دعوتهم، ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم، والذين كفروا بهم وخالفوهم فإن الخبر يبلغ على لسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق، ولو أمكن أنه لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي، ولا عرف أن في العالم من يثبت إلهًا - ولآ نرى أن ذلك يكون فأمره على الاختلاف في أن الإيمان هل يجب بمجرد العقل، أو لا بد من انضمام النقل؟ اهـ.

стр. 2501

وعلق عليه الآلوسي بقوله: وهذا صريح في ثبوت تكليف كل أَحد بالإيمان بعد وجود دعوة أحد من الرسل ﵈ وإِن لم يكن رسولا إليه، وبالغ بعضهم فى اعتماد ذلك حتى قال: فمن بلغته دعوة أَحدٍ من الرسل بوجه من الوجوه، فقصر فى البحث عنها فهو كافر من أَهل النار، فلا تغتر بقول كثير من الناس بنجاة أَهل الفترة مع إخباره ﷺ بأن آباءَهم الذين مضوا فى الجاهلية فى النار. ثم قال الآلوسي (١): والذى يميل إِليه القلب أَن العقل حجة قبل ورود الشرع فى معرفة الصانع تعالى ووجدته وتنزهه عن الولد للأدلة السابقة، أما إرسال الرسل وإنزال الكتب فمن رحمته تعالى، أو أنَّ ذلك لبيان ما لا ينال بالعقول من أنواع العبادات والمعاملات والحدود، فلا يرد أنه لو كان العقل حجة ما أرسل الله تعالى رسولا اكتفاءً بالعقل، وقيل في جواب هذا الإِشكال: لما كان أمر البعث والجزاء. مما يَشُقُّ على العقل وحده إلا بعظيم تأمل فيه حرج يعذر الإنسان بمثله ولا إيمان بدونه فلهذا بعث الله الرسل ﵈ لبيان ما به تتمة الدين، لا لنفس معرفة الخالق فإنها تنال ببداهة العقول، فالبعْرة تدل على البعير، والأثر على المسير، فسماءٌ ذات أبراج وأَرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير: اهـ. بتصرف. رأي الإمام الغزالي ثم حكى الآلوسي رأي الإمام الغزالي في ذلك إذ قال (٢): الناس بعد بعثته ﷺ أَصناف، صنف لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أَصلا، فأُولئك مقطوع لهم بالجنة، وصنف بلغتهم دعوته وظهور المعجزة على يده وما كان عليه ﷺ من الأخلاق والصفات الكريمة ولم يؤْمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا فأولئك مقطوع لهم بالنار، وصنف بلغتهم دعوته ﵇ وسمعوا به بطريقة مشوهة لا تظهره على ما كان عليه من الكمال في أَمره كله، فهؤُلاء أَرجو لهم الجنة إن لم يؤْمنوا به: اهـ بتصرف. وقد علق الآلوسي على هذا الرأي بقوله: ولعل القطع للأولين بالجنة، ورجاءها للآخرين إِذا كان هؤُلاء وأولئك مؤْمنين بالله تعالى، أما إذا كانوا غير مؤْمنين به فهم على الخلاف في أمرهم: اهـ بتصرف يسير.

стр. 2502

الرأي الذي نرتضيه تبين من هذا البحث أن أحاديث صحيحة وردت بتعذيب بعض المشركين في الفترة بين رسولين، وبما أنه تعالى قال ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فإننا نرى أن ما ذهب إِليه الماتريدية أَسلم، لما فيه من الجمع بين الكتاب والسنة، فبالسنة يحكم على أهل الفترة بالكفر واستحقاق عذاب النار، لإشراكهم بالله تعالى، وهم غير معذورين في هذا الشرك، فقد كان البدوى منهم يعرف أن البعرة تدل في البعير، وآثار السير على المسير، وأَن هذه الأرض ذات الفجاج، وهذه السماء ذات الأبراج، براهين علي وجود الخالق الكبير العليم، وأَن الشركاء التي عبدوها معه، ليس لها شيء عن الخلق والرزق، فهم لهذا لا يعذرون وإن لم يبعث فيهم رسول، لأن معرفة الله لا تتم إلا بالعقل قبل إِرسال الرسل، وبعدهم - كما تقدم ببانه - ويحمل نَفْى العذاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ على نَفْىِ عذاب الاستئصال في الدنيا ما لم يبعث إليهم رسول فيكفروا ويصروا، فبهذا يستحقون الاستئصال، ومعلوم أن الماتريدية من أَهل السنة كالأشاعرة - والله تعالى أعلم. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ المفردات: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أمرنا الرؤَساء والمنعمين فيها بالطاعة، وقِيل جعلناهم أمراء (١). ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: أي فخرجوا عن الطاعة وتمردوا فيها.

стр. 2503

﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: أي فوجب عليها القول، أي فوجب عليها الوعيد بالعذاب. ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: التدمير: الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: كم خبرية للتكثير أَي وكثيرا أَهلكنا. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: جمع قرن وهو من الزمان مائة سنة، والمراد من القرون أَهلها. التفسير ١٦ - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: بينت الآية السابقة أن عاقبة الهدى لا تعود إلا على المهتدي، وعاقبة الضلال لا تتعدى صاحب الضلال، فلا تحمل نفس وزر نفس أخرى كما لا تثاب نفس فاسقة بطاعة نفس أخرى وأنه تعالى لا يعذب أمة حتى يبعث إليها رسولا ينصحها ويرشدها فتستمر على ضلالها وجاءت هذه الآية لتؤَكد سابقتها، ببيان أَن الله تعالى جرت سنته أن لا يهلك قرية بعد بعث الرسول إِليها، حتى يأمر رؤساءها بطاعته ليستقيم أمر العامة فيها، فإذا لم تستجب دمرها تدميرا. والمعنى: إذا شئنا إهلاك قرية أعرضت عن رسولها، فإننا لا نكتفي بما علمناه أَزلا من انطماس بصيرة أهلها وجحودهم، ولا بمقابلة رسولهم بالتكذيب والكفر، بل نخص المترفين فيها بتكرار أَمرهم بطاعة ربهم، لأنهم أئمة الضلال وسبب فساد العامة، ولكى تسقط حجتهم يوم حساب ربهم، فاستمر فسقهم فيها ومن ورائهم عامتهم، فحق عليها وعيد ربهم بعذاب الاستئصال الدنيوى، فدمرها الله تدميرا هائلا، حيث أهلك أولئك الفاسقين المتمردين واستأصلهم بما شاءه الله من أَسباب الاستئصال، فصارت قريتهم بعدهم خرابًا، وانطمست معالمها. رأى الزمخشري يرى الزمخشري أَن الآية فيها استعارة تمثيلية، وخلاصة المعنى عليها: وإذا أردنا أن نهلك قرية كفر أهلها وعصوا وأصروا علي ذلك، أَمددناهم بالنعم وأترفناهم في الحياة،

стр. 2504

استدراجًا لهم، فكان هذا الاستدراج بالنعمة كأنه أَمر لهم بالفسق، ففسقوا فيها فحق الوعيد بتعذيبهم فدمرناها تدميرا. والمعنى الأول، أوضح وأظهر، وأساسه ما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن من أَن المراد بأمر مترفيها أمرهم بالطاعة، ولذا قال تعالى في مقابله: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ أَي قابلوا الأمر بالطاعة بالفسق. ١٧ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: والقرن زمان طويل، وأشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، وقد جاءَ في حديث أنه ﷺ (دعا لرجل فقال: "عِش قرنًا" فعاش مائة سنة) ويجمع القرن على قرون والمراد منها أهلها لاقترانهم في زمان واحد. والمعنى: وكثيرا ما أَهلكنا من الأمم المقترنة، كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن جاءوا بعد قوم نوح واستأصلناهم كما استأصلنا قوم نوح، وقد قصصنا عليك يا محمد أخبار بعضهم، ولم نقصص أَخبار غيرهم وكان إِهلاكهم لكفرهم وتكذيبهم لرسلهم، وكفى بربك بذنوب عباده الخفية والظاهرة خبيرًا بصيرا، أي عالمًا بدقائقها محيطًا بتفاصيلها فيعاقبهم عليها، فلا تبتئس يا محمد بما صنع قومك معك، فسوف نعاقبهم كما عاقبنا من قبلهم إِن أصروا على كفرهم، وإِنما قال من بعد نوح ولم يقل من بعد آدم، لأن نوحًا أول رسول آذاه قومه فاستأصلهم الله بعذاب الطوفان، ولظهو رحال قومه لم يذكروا ضمن الأمم المهلكة، على أن ذكره رمز إِليهم وإِلى ما حدث لهم وقدم "خبيرًا" على "بصيرًا" لتقدم متعلقه من الاعتقاد والنِّيات تقدمًا وجوديًا ورُتبيًا، فإِنها مبادئ الأعمال الظاهرة قال ﷺ : "إنَّمَا الأعمَالُ بالنيات" الحديث.

стр. 2505

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ المفردات: ﴿الْعَاجِلَةَ﴾: أي الدار العاجلة، والمراد بها الدنيا. ﴿يَصْلَاهَا﴾: بدخلها ويقاسي حرها. ﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودا مبعدا من رحمة الله. ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾: كان عملهم للآخرة مقبولا من الله مجزيا منه بحسن الثواب، وأصل معنى السعي: المشي السريع - وهو دون العَدو- يستعمل في الجد في الأمر خيرا كان أو شرا، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة - كما قال الراغب - ﴿مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا. التفسير ١٨ - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾: بين الله قبل هده الآية أنه تعالى لا يهلك أُمة عاصية إلا بعد أن يبعث إليها رسولا يأمر مترفيها أن يتركوا ما هم عليه من الكفر والمعاصي حتى تستقيم عامتهم، وأنهم إذا أصروا علي فسقهم دمرهم واستأصلهم، وأنه قد أجرى هذه السنة في كثير من القرى والأُمم من بعد نوح، وجاءت هذه الآية وما بعدها لتبين سنة أخرى لله تعالى في جزاء الناس على أعمالهم، فمن قصد بعمله دنياه وحدها، أعطاه منها ما تعلقت به مشيئته، ولكنه معاقب في الآخرة، ومن قصد بعمله أُخراه وكان مؤمنا أُثيب أحسن الثواب في أُخراه.

стр. 2506

والمعنى: من كان يقصد بعمله منافع هذه الدار العاجلة، من الاستمتاع بما فيها من المتع واللذائذ والذكر الحسن بين الناس دون أَن تخطُر الآخرة بباله، أَو يبتغي بعمله وجه ربه -كما هو شأن الكافر والمنافق- فإن الله تعالى يعجل له فى هذه الدار ما شاء تعجيله له من نعيمها ومنافعها، لا كل ما يريد العامل للدنيا. وليس بضروري أن يجيبه فيها إلى شيء من مآربه، فإنه لا يعطى إلا من أراد إعطاءه فإن أعطاه فعل سبيل الاستدراج والكيد بسبب إصراره على الكفر، وليس في سبيل الجدارة والاستحاق - كما قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وقد بين الله عاقبة هذا الصنف من الناس بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: أى ثم جعلنا له جزاءً على إهداره أُخراه وإيثاره دنياه، جعلنا له جهنم بدخلها ويقاسى حرها، ولا يقتصر أمره على ذلك، بل يضاف إليه الذم والإهانة والطرد من رحمة الله تعالى، فلهذا قال: ﴿يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ فما أسوأه من مصير، وفى مثل ذلك يقول الله تعالى فى سورة الشورى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. ١٩ - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾: أى ومن قصد بعمله الدار الآخرة وحسن الجزاء فيها، وجَدَّ في عملها اللائق بها وهو مصدق بربه ونبيه تصديقًا واثقًا لا تشوبه شائبة موهنة، فأولئك المصدقون المريدون الآخرة العاملون من أجلها كان سعيهم المتواصل مقبولا عند الله مثابا عليه أضعافًا مضاعفة، كما قال تعالى في سورة الشورى: (١) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. ٢٠ - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: أي كلا ممن يسعى للعاجلة ومن يسعى للآخرة نمده ونزيده مرة بعد أُخرى، بحيث يكون اللاحق مددا للسابق -نمدُّ هؤلاء وهؤلاء- من عطاء ربك ونعمته، فصاحب العاجلة يمده الله حسب مشيئته تعالى بالنعم الدنيوية التي سعى إليها وآثرها على الآخرة، ولم يعطها حقها من

стр. 2507

الشكران والطاعة والإيمان، وصاحب الآخرة يمده ربه بما يعينه على طاعته وشكره، ويستتبع حسن مثوبته، وما كان عطاءُ ربك أَيها المكلف ممنوعًا عمن يريده، بل هو فائض على ما يشاؤه الله بموجب حكمته، ولا يمنع بره عن عباده كفر ولا عصيان، وسَيُجزَى كلٌّ في أخراه على ما قدمت يداه. ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ المفردات: ﴿فَتَقْعُدَ﴾: القعود هنا بمعنى الإقامة أَو المكث، سواءٌ أَكان في مكثه قاعدا أَم قائما وقيل القعود بمعنى الصيرورة، من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة، أي حتى صارت كأنها حربة، وقيل غير ذلك. ﴿مَخْذُولًا﴾: أَي عديم النصير. التفسير ٢١ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: الخطاب في هذه الآية لكل مكلف، فالله تعالى يدعوه فيها إلى التأمل في فضله وتمييزه بعض الناس على بعض في الرزق والنعمة في الحياة الدنيا - دون نظر إلى عمل، ويبين أن التفاوت في الآخرة بين عباده سيكون أَعظم، تبعًا لتفاوتهم في الدنيا في العمل. والمعنى: انظر أيها المكلف وفكر في تفضيل الله بعض الناس على بعض في الرزق في هذه الحياة الدنيا من غير نظر إلى إيمانهم وكفرهم، فقد يكون الكافر أَوسع نعمة وأَعظم

стр. 2508

جاها من المؤمن في الدنيا، وقد يكون العكس؛ لأن العطاء في الدنيا لا ينظر فيه إِلى العمل غالبًا، بل هو كرم غير مشروط، وتذكير وامتحان يستتبع الجزاء. وهذا التفاوت الذي تراه في الدنيا لا قيمة له بجانب التفاوت الذي سوف يكون في الآخرة، فإن التفاوت فيها سيكون أَعظم، ودرجات التفضيل ستكون أَكبر، تبعًا لتفاوتهم إيمانًا وكفرا، وطاعة وعصيانًا، فبعضهم في أَعلى عليين وبعضهم في أَسفل سافلين، وغيرهم من سائر الخلق متفاوتون في الدرجات أو الدركات، وقد جاء في تفاضل أَهل الجنة في الدرجات عن أبي سعيد الخدرى أَن رسول الله ﷺ قال: "إن أَهلَ الجنة لَيَتَرَاءون أَهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدرى العابر من الأُفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى. والذي نفسى بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلينَ" أَخرجه الشيخان واللفظ لمسلم. وقد صح أَنه تعالى أَعد لعباده الصالحين ما لا عين رأَت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر. رروى ابن عبد البر في (الاستيعاب) عن الحسن قال: حضر جماعة من الناس باب عمر ﵁ وفيهم سهيل بن عمرو القرشى، وكان أَحد الأشراف في الجاهلية، وأَبو سفيان بن حرب وأولئك المشايخ من قريش، فأذن لصهيب وبلال وأَهل بدر - وكان يحبهم - فقال أَبو سفيان: ما رأَيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إِلينا، فقال سهيل - وكان أعقلهم -: أيها القوم .. إن والله قد أَرى في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دعى القوم ودعيتم فأسرعوا وأَبطاتُم، أَمَا والله لَمَا سبقوكم به من الفضل أَشدُّ عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه … انتهى بتصرف يسير .. وفي الكشاف أَنه قال: إنما أتينَا من قِبَلِ أنفسنا، إنهم دعوا ودعينا، فأسرعوا وأَبطأنا، وهذا باب عمر .. فكيف التفاوت في الآخرة؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر، لَماَ أَعد الله لهم في الجنة أَكبر.

стр. 2509

٢٢ - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: أي لا تجعل أيها المكلف مع الله إلها آخر تشركه معه في الألوهية - وتتجه إليه معه بالطاعة والعبودية، فيترتب على هذا الإشراك أنك تمكث في جهنم جامعا على نفسك الخذلان من الله حيث يدخلك جهنم، ومن الآلهة الشركاء حيث لا قدرة لها علي أن تخلصك من عقاب وربك. ويترتب عليه أيضا الذم من الله والملائكة والمؤمنين من عباده لأنك اتخذت إلها فقيرًا مثل فقرك، عاجزا مثل عجزك، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضررا، كما لا تملك لنفسك، ونسبت إليه ما لا يصلح، وجعلته شريكا لمن لا شريك له، وهو الذي خلقك ورباك، وبرزقه كفاك، نعوذ بالله من الشرك خفيه وظاهره، ونسأله العافية وحسن الختام. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ المفردات: ﴿وَقَضَى﴾: وأمر أمرا قاطعًا .. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾: أي إن وصلا أو أحدهما إلى الشيخوخة والكبر في كنفك وكفالتك. ﴿أُفٍّ﴾: اسم صوت يدل على الضجر. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: أي ولا تنههما عمالا يعجبك بغلظة. ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾: أي قولًا لينا جميلا يقتضيه حسن الأدب. ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾: أي ألِنْ جانبك شفقة عليهما

стр. 2510

وتواضعا وتذللا لهما، كالطائر يخفض جناحه شففة كل أولاده. ﴿الْأَوَّابِينَ﴾: الرجاعين التائبين. التفسير ٢٣ - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: بعد أن نهى الله كل مكلف عن أن يجعل مع الله إلها آخر؛ لأنه لا رب سواه أَتبع ذلك بيان أن الله قضى أمرا قاطعًا ألا يعبدوا إلا الله، وأن يحسنُوا إلى والديهم .. والمعى: أمر ربك يا محمد أن يوحده عباده بالطاعة ولا يشركوا به أحدًا فهو ربهم وخالقهم ومدبر أمرهم، وصاحب الآلاء والنعم التي ينعمون بها، يدركون بعضها ويخفى علي كثير منهم معظمها، ويعييهم ويعجزهم عدها وحصرها، ونواصيهم بيده ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فمن خطل الرأى - إذن - وسوء التقدير أن يشركوا - معه إلها آخر، لا يضر ولا ينفع، ولا يملك من أمر نفسه موتا ولا حياةً ولا نشورًا. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: وكما حكم وألزم الأولاد أن يحسنوا إلى والديهم بالقول الطيب والرعاية التامة والقيامِ بشأنهما، فهما أحق الناس بحسن الصحبة، ورضا الله في رضاهما وسخطه في سخطهما. ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي إذا تقدمت بهما أو بأحدهما السن وانتهيا إلى ضعف بعد قوة، ومرض بعد صحة ولم يستطيعا القيام علي أمرهما، وتدبير شأنهما لما أصابهما الكبر من وهن الجسم وإِلحاح العلة وضعف التفكير وتلك الحال مظِنة أن يصدر منهما ما يغضب أو يثقل على النفوس، أو يعوق عن سعى في الدنيا أو يكثر النفقة ويرهق الأُسرة ويشق عليها - إن حدث ذلك - فلا تقل لوالديك الكبيرين أو لأحدهما ما يدل علي ضجرك، أو يسيء إليهما، من قول بعيد عن حسن الأدب، أو فعل لا يليق من الولد لأبيه، فقد غذاه مولودًا، وعاله يافعًا، وسهر ليله لسقم أصابه، أو مرض ألمَّ به، أيكون جزاء هذا الأب الحاني غلظة القول وجفاء الخلق؟ أو يكون جزاء الأم الرؤوم أن تقابل بما يكسر قلبها، ويثير ألمها وينال من كرامتها، وهي التي كان بطنها له وعاء، وثديها

стр. 2511

سقاءً، وحِجْرها مهادًا ووطاءً، تؤثره على نفسها، وتَفْدِيه بروحها، هذا فضلًا عن أن الجنة تجت أقدامها، فَبِرُّها خير وبركة، وغنى وسعادة، وبالجملة فبر الوالدين ينبغي أَن يكون في أَجمل وأبهى حلله فإنه بعض الوفاءِ لِفضلهما ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ وإِن من سوء الطالع أَن يعق الولد أبويه، فيقابل الحسنة بالسيئة، والنعم والفضل بالجحود والكفران، والعناية بالترك والإهمال، إن فى هذا لَبَوَارًا وخسرانًا فى الدنيا، وغضبًا من الله وحرمانًا من رضوانه فى الآخرة. ٢٤ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: أَى إِن حق الوالدين لا يقف عند إخفاء الضجر والبعد عن الانتهار والزجر، ولا عند الإحسان بالقول الطيب واللفظ اللَّين كما جاءت به الآية السابقة، بل إن وراءَ ذلك ما جاءت به هذه الآية من أَن تبسط لهما من نفسك، وتخفض جناح الذل منك كما يخفض ويبسط الطائر جناحه على فراخه رعاية وشفقة وحنانًا، بحيث لا يشوب هذا الخفض تكلف ولا تصنع ولا رياءٌ، ولا تخالطه رائحة استعلاءٍ أو يشم منه أَثر كبر أو مَنّ، بل يكون ذلك عن رحمة لمن أسدى إِليك معروفًا وقدم إِليك برًّا ورعاية، وقد أتاح الله لك فرصة فاغتنمها بأداء بعض ما عليك لهما، والوفاءِ بما لديك من دَيْنهما، فهما مفتقران إِلى من يأخذ بأيديهما ويعطف عليهما ويقوم على برهما فى كبرهما، وأنت أولى الناس بهما، ثم لا يقف بك الأمر عند هذا بل توجه إِلى الله بقلب ضارع تَقِيٍّ أن يرحمهما برحمته الواسعة فى الدنيا والآخرة، فتكون بذلك نعم الولد الذى يدعو لوالديه فيصلهما بره حتى بعد وفاتهما ولا ينقطع عملهما وأَنت تدعو لهما، وهذا الدعاءُ جزاءُ تربيتهما لك، ورحمتهما بك، فقل: رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرًا، فتكون نعم المجازى والمكافيء .. وفي أمر الله الولد أَن يدعو لوالديه بالرحمة مع قيامه ببرهما والإِحسان إليهما، ما يشير إلى أن الولد مهما بذل وأَعطى وأَحسن إِلى والديه فلا يستطيع أَن يوفيهما حقهما، وأَنه لا يفي بذلك الحق سوى الله تعالى، فلذلك يدعوه سبحانه ليجبر عنه النقص فى برهما .. هذا وإِنَّ بِرَّ الوالدين لا يتوقف على كونهما مسلمين أَو طائِعَيْن .. بل يشملهما ولو كانا فاسقين أَو كافرين ولكنه لا يطيعهما في كفر أَو فسق، قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ

стр. 2512

لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وله أن يدعو لأبويه الفاسقين بالغفران والرحمة بعد موتهما، طمعًا في فضل الله، ولكن ليس له أن يدعو لهما بذلك إِن كانا كافرين، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وعليه أن ينصح والديه الفاسقين أَو الكافرين في رفق ولين، فإن وفقه الله تعالى فمن فضله عليه وعليهما، وإلا فقد أعذر لربه كما أعذر له إبراهيم ﵇ في نصح أَبيه آزر: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ الآيات من سورة مريم. هذا وإن بر الوالدين لا ينقطع بموتهما، بل جعله الله موصولًا بعد وفاتهما إكرامًا لحقهما وتوكيدًا لمكانتهما. فعن أبي أُسَيْدٍ وهو مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: "بينا نَحْن جلُوس عِند رَسُولِ اللهِ ﷺ . إذ جاء رَجل مِنْ بَنِي سلمَة فقال: يا رَسُول الله هَل بقِى مِنْ بر أَبَوَىَّ شيء أَبرُّهُمَا بِهِ بعد مَوْتِهِمَا؟ فقال: نعم الصلاة عليهما، الاسْتغْفَارُ لهما، وإِنفاذ عهدهما، من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما" (١). ٢٥ - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾: أي إِن الله الذي خلقكم ورباكم بنعمه وفضله أعظم علمًا بما انطوت عليه صدوركم وما انعقدت عليه قلوبكم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فإن كنتم من الذين مَنَّ الله عليهم بالتقوى وجعلهم في زمرة الصالحين ورجعتم إِليه تائبين، فإنه سبحانه يتفضل عليكم بالتجاوز عما وقع منكم، من تقصير بَدَرَ منكم بمقتضى الجِبِلة البشرية التي هي مظنة الجهالة، فإنه كان ولا يزال غفورًا للتوابين، وفي هذه الآية وعد صريح وبشارة واضحة للمُطيع البار، وإِنذار ضمني للعاصي المعاند، فالله سبحانه يحاسب كلا على عمله ونيته "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ ومَا نَوَى" ..

стр. 2513

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ المفردات: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾: وأعط صاحب القرابة حقه من البر والصدقة. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر في غير معصية الذي لا مال معه. ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: التبذير إتلاف المال في المعاصي أو الترف. ﴿إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أي أصحابهم المطيعين لهم. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: أي وإن أعرضت عن إعطاء أصحاب القرابة والمسكين وابن السبيل لعدم وجود ما تعطيهم إياه من البر. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: فقل لهم قولا سهلًا، بوعدهم بالعطاء عند اليسر أو الاعتذار لهم. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي ولا تبخل بخلًا شديدًا، كأن يدك مغلولة إلى عنقك. ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾: بالتبذير المنهي عنه. ﴿مَحْسُورًا﴾: مغمومًا نادمًا علي إسرافك. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يوسعه. ﴿وَيَقْدِرُ﴾: يضيق الرزق حسب مشيئته تعالى وحكمته.

стр. 2514

التفسير ٢٦ - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: بعد أن أمر الله المسلم بأداء حقوق الوالدين أمر - سبحانه - برعاية الأقرباء وذوي الأرحام بالنفقة الواجبة والعطاء والصلة، فإن ذلك يديم الود ويبقي على التراخم، كما أمره أن يشمل بره وفضله إخوته في الإِسلام والإنسانبة، فيحنو على مسكينهم يخفف عنه شدة الحياة ولأوَاءها، بمنحه مما أفاء الله عليه ما يقيم به أوده ويسد خلته، ويبقى على إنسانيته غير ذليلة ولا مهينة، كما يمتد عطاؤه إلى ذلك الإنسان الذي انقطعت به سبيل الحياة، ونأى عن أهله وماله، أصبح غير معروف لأحد بنسب أو قرابية سوى أنه ابن للطريق الذي يسير فيه، يعطي هذا المُنْبتَّ ما يبلغه أهله ووطنه رحمة به وتوطيدًا للأخوة، وبذلًا للمعروف واستجابة لداعي المروءة، بهذا قد حدد الله لنا مجال البر وإطار الخير، فلا خروج عنه إلا إلى مباح في اعتدال، إذ لو جنح صاحب المال عما أمر الله وأحل، فإنه يكون مبذرًا، ويصير من إخوان الشياطين، كما قال الله تعالى: ٢٧ - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: يعني أن المبذرين الذين يصرفون أموالهم في المعاصي، الترف الواسع، يشبهون الشياطين ويماثلونهم ويتأسَّون بهم وكفران النعمة لصرفها فيما حرم الله، يتلفونها في ترفهم وينسون المبرات، فإذا ساروا على طريقتهم هذه لم يرجعوا يرجعوا إلى ما شرعه الله، حشروا في النار مع قرنائهم وأمثالهم من الشياطين الذين يسيرون وفق إغوائهم، ويسلكون سبيلهم، والجزاء من جنس العمل. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: أي أن الشيطان دأب على كفران النعم، حيث إنه يصرف القدرة التي منحها الله له إلى المعاصي والإفساد في الأرض وإضلال الناس، وكان حقها أن تصرف فيما خلقت له، في عبادة ربه وطاعة مولاه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فاحذروا أن تتشبهوا بالشياطين في الجحود والكفران، حتى لا تكون عاقبتكم البوار والخسران كَعاقبتهم. ٢٨ - ﴿وَإِمَّا (١) تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: أي وإن أعرضت وملت عن هؤُلاء الأقارب والمساكين وأبناء السبيل فلم تحقق لهم

стр. 2515

ما يطلبون أَو لم تمنحهم ما يؤملون، وذلك لعسر أصابك، أو فقر نزل بك، وأنت تتطلع وترجو من، ربك أن ييسِّر لك ويفرج كربك، واثقًا بفضله طامعا في رحمته - إن أَعرضت عن هؤلاء لذلك - فاعتذر لهم بالقول الطيب والكلام اللين والدعاء، مع الوعد الجميل ببرهم، عندما يزول عذرك، لتسر نفوسهم وتفتح باب الرجاء أَمامهم، وهذا تأديب وتوجيه يبقى المودة ويديم الألفة بين المؤمنين ولله در هذا الشاعر حيث يقول: إلاَّ تَكنْ ورِق (١) أجود بها … للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي … إما نوالى وإما حسن مردودي ٢٩ - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾: أَمرنا الله فيما تقدم بالإنفاق في البر، جاءت هذه الآية ليعلمنا الله أَدب إنفاق المال، فنهانا - سبحانه - عن البخل والشح وعن الانطلاق في البذل. والمعنى: ولا تجعل يدك - كالمغلولة الممنوعة بالغُلّ عن الانبساط في الإنفاق، بل تَعوَّدْ بسط اليد والسخاء والجود حتى لا يلومك ويعتب عليك أَهلك، ويذمك من يعرفك من أصابك وعشيرتك، ويمَلكَ اهلك وولدك ويتمنوا هَلَاككَ، ولا تسرف في الإنفاق وتتجاوز الحد، فتكون كمن بسط يده ونشرها فضاع ما كان فيها من مال، بل تدبر أَمر مستقبلك أنت ومن تعول حتى لا تضيعهم فترجع ملوما من الله تعالى ومن الناس ومن نفسك إذا احتجت كما تصير بهذا الإسراف كليلا منقطعا، كالذى بلغ الغاية في التعب والإعياء، فلم يستطع مواصلة سيره، فعليك أَن تكون وسطا بين الإفراط والتفريط، متصفا بصفات عباد الرحمن الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ويلاحظ أن الإسراف قد يؤدى إِلى الإثم إن أَضاع العيال، قال ﷺ : "كَفَى بِالْمَرء إثمًا أَنْ يُضَيِّع منْ يَعُول". ٣٠ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي إن بسط الرزق وتوسعته وقبضه ليس لك ولا هو من شأنك أيها المربوب الضعيف الذي لا تعلم أمر نفسك وما يصلحها، ولا تقدر على تدبير شأنك من غير معونة ربك، فهو الذي

стр. 2516

يبسط الرزق لمن يشاءُ ويضيقه، وأنت مأمور منه سبحانه أن تكون معتدلًا في الإنفاق في حالتى الفقر والغنى، وأَن تسعى في سبيل رزقك، والله يعينك في سعيك إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، يعطى عباده حَيْثُمَا جرت به مشيئته وحكمته فمن حكمته تعالى أن يغاير بين الناس في الفقر والغنى، ليستقيم أَمر الحياة وينتظم شأنها، فطائفة تيسر لعمل، وثانية تسخر في آخر، وهكذا ييسر الله كلا لما خلق له فتسير الحياة ويستقيم أَمر الخلق، ولو جعل الله الناس على حال واحدة لاختل النظام وفسد وانتهى أمر الخلق إلى فوضى، وتعطلت جوانب كثيرة من حياة الناس، وصدق الله حيث يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ المفردات: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوف فقر وفاقة. ﴿خِطْئًا كَبِيرًا﴾: ذنبا عظيما وخطيئة كبيرة، والخِطْءُ بكسر الخاءِ تعمد الذنب، قال الأزهرى: خطِيء يخْطَأ خِطْئًا - بوزن علم يعلم علمًا -

стр. 2517

إذا تعمد الخطأ، مثل أثِمَ يأثمَ إثْما، وأخطأ إذا لم يتعمد، إخطاءً وخَطَأً. (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى): ولا تدخلوا في شيء من مقدمات الزنى، فضلا عن مباشرته. (فَاحِشَةً): فعلة سيئة ظاهرة القبح. (لِوَلِيِّه): لوارثه الذى له المطالبة بدمه فإن لم يكن له ولى فالسطان وليه، (سُلْطَانًا): تسلطا واستعلاءً على القاتل ومؤَاخذته بالقصاص أو الدية. (فَلَا يُسْرِف في القتْلِ): بأن لا يقتل غير القاتل ولا يمثل بالمقتص منه. (يَبْلُغَ أشُدَّه): يصل إلى حد الرجال، ويبلغ وقت اشتداد قوته فى البدن والعقل وتدبير المال وصلاح الحال. (وَأوْفُوا الكَيْلَ): اجعلوه وافيا كاملا مضبوطا بلا خديعة. (بِالقِسْطَاسِ المستَقِيمِ): بالميزان العادل. (وَأحْسَنُ تَأويلًا): وأحسن مآلا وعاقبة فى الدنيا والآخرة. التفسير ٣١ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: بعد أن بين الله -سبحانه- فى الآية السابقة أن أمر الرزق بيده توسيعا وتضييقًا نهى عباده في هذه الآية عن قتل الأولاد مشفقين من فقر ينالهم. والمعنى: ولا تقتلوا أولادكم خوفا من فقر ينالكم بسبب قيامكم بالإنفاق عليهم، لأن قتلهم كان في شرع الله منذ القدم إثما عظيما، لا يقع إلا ممن لا يؤْمن بربه ولا يتوكل عليه، فنفسه خواء وقلبه فارغ ليس به أثر إيمان ولا بقية يقين، إن هذا العمل الشائن الفاجر ذنب كبير ناشيء عن تزيين الشركاء من الجن أو سدنة الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله ليوقعوا الآباء في مهاوي الضلال والفساد والهلكة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (١). فلو تركتم -أيها المشركون- عبادة غير الله وآمنتم برَبكم حق الإيمان لعلمتم أنه -سبحانه- قد تكفل بأرزاق خلقه جميعا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢).

стр. 2518

وليس عليكم إِلا أن تتخذوا للرزق أسبابه التي يسرها الخالق - سبحانه، واعلموا أن أولادكم الذين تتوهمون أنهم مُنْتقصون من أرزاقكم إنما يرزقهم الله معكم لا تبعًا لكم، فمن الهمة القاصرة والعزيمة الخائرة أَن يستبد بكم هذا الوهم، فتقدموا على فعلتكم الشنعاء هذه. وفي هذه الآية قدم ضمير الأولاد في منح الرزق على ضمير المخاطبين إذ قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقهُم وَإياكُم﴾ ليبين للآباء أن رزق الأولاد محل عناية واهتمام من الله تعالى فليس هناك داع - إذًا - للإشفاق والخوف من وقوع الفقر، وقدم ضميره الآباء في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقهُم وَإياكُم﴾ للمبادرة بطمأنة الآباء على أَرزاقهم وأنها واصلة إِليهم لا محالة فلا موجب لقتلهم أولادهم - وفي التعبير بلفظ كان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إيذان بأن هذا الفعل الأثيم كانت تأباه كل الفطر السليمة وترفضه الطبائع الكريمة وجميع شرائع الله ﵎ التي أَنزلها على أنبيائه عن قبل، فهي شريعة موروثة، فكيف ساغ لهم الإقدام على قتلهم. ٣٢ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: وبعد أن نهى - سبحانه - فيما سبق عن قتل الآباء أولادَهم، وبين أن قتلهم هو جرم فاحش وذنب كبير، حذر في هذه الآية من الدنو من الزني، وبين أنه كان في عرف الناس وشريعة الله فعلة ظاهرة الفحش، وساء طريقا في الحياة، والتحذير من القرب من الزنى تحذير من مباشرة دواعيه وأسبابه، ولهذا أمر كلا من المؤمنين والمؤْمنات بغض البصر فالنظرة الآثمة سهم من سهام إبليس وهي بداية كل شر، كما نهى ومنع خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية؛ لأن الشيطان يجيد السفارة فيها، فيوسوس لكل منهما، ويزين الشر ويأمر بالفحشاء، وفي الأثر: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" كما نهى سبحانه أَن تبدى المرأة زينتها لرجل لا يحل له. ذلك منها، فإن فعل ذلك يحرك الرغبة الآثمة بينهما ويدعو إلى الفجور.

стр. 2519

ومما يؤَدي إِلى الفاحشة أَن تلين المرأَة وتخضع في كلامها، فيطمع فيها من في قلبه مرض الفحش وداءُ الرغبة الآثمة في الفساد، هذا هو تحذير الله عباده من أَن يقربوا الزنى فما بالهم إذا قارفوه وفعلوه ووقعوا فيه، إِنه سبب في اختلاط الأنساب وهتك الأعراض وتفكك المجتمع، وشيوع الرذائل، وذهاب الإنسانية الفاضلة والنزول بها إِلى درك الحيوانية، فضلا عن أَن من يمارس ذلك يذهب بهاؤُه وتهون منزلته، ويفضح في أهله، فالزنى عمل بالغ الفحش، سيء المغبة، وخيم العاقبة، وساء طريقا، فهو يورد صاحبه موارد الهلاك، وينزل به إلى منازل السفلة، الذين ينأى عن صحبتهم كل طاهر كريم عفيف. ٣٣ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. أَي ولا تعتدوا بالقتل على النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها وجعلها مصونة لا يجوز الاعتداءُ عليها، ما لم ترتكب جرما يقتضي قتلها، كما إِذا ارتد مسلم أو قتل مؤْمنا عمدًا أَو ثبت زناه بعد إِحصان، فقد روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إِلا الله وأَني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". فإذا اعتدى إنسان على آخر بالقتل دون ذنب أَو جريرة تُحِل ذلك القتل، فقد جعل الله لقريب ذلك المقتول ووليه حق المطالبة بدمه، فإن شاء هذا الولي القصاص فهو حقه وإِن شاء أخذ الدية فذلك له أَيضا، وإن شاء عفا، والسلطان ولى من لا ولى له، وبما أَن الله ﷻ قد أعطى الولى الوارث للقتيل هذا الحق فالواجب عليه - عند استيفاء القصاص - ألا يسرف فلا يقتل غير القاتل ولا يندفع إِلى الأخذ بالثأر على غير بينة. أو إِثبات، وليس جعل الحقوق المذكورة لولى الدم مقتضيا أن يباشرها بنفسه، بل عليه أن يرفع الأمر إِلى القضاء ليصدر حكمه فيها بما تقتضيه القواعد الشرعية، فإن قضى بالقصاص أَمر من يباشره حتى لا يندفع الناس إلى القتل جزافا وَلأوهَى الأسباب، وإِنما حرم الله ذلك الإسراف لأن الله قد نصر ذلك الولى وأَيده، حين شرع القصاص وأعطاه حق المطالبة به فما وراء ذلك فهو عدوان و

стр. 2520

٣٤ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: وكما نهاكم الله تعالى عن أن يقتل أحدكم غيره إلا بحق فقد نهاكم أيضا عما يشبه القتل وهو أَكل مال اليتيم بغير حق، فلا تقربوا ماله بسوء فتجمعوا عليه بين فقد الوالد وحنان المربي، وبين ضياع المال الذى يقوم عليه أمره ويصلح به شأنه، إن هذا الاعتداءَ لؤْم وخسة وَقسوة على إِنسان ليس لديه قدرة على الدفاع عن نفسه، إن الرحمة والمروءة تقتضيكم أن تقربوا ماله بما يحفظ أصله، وينمي فرعه، بهذا تكونون قد قمتم على أَمر هذا المال بأحسن الطرق، وأَفضل الوسائل التي تعود على صاحبها بالنفع والخير، وداوموا على إِصلاح ذلك المال حتى يبلغ اليتيم أَشده، بوصوله إلى سن الرشد، ونمو عوده وقوة جسمه، وزيادة خبرته ومعرفته، ونمو تجربته وقدرته على التصرف الحسن والسلوك القويم، فإذا بلغ راشدا فعليكم أَن تدفعوا إليه ماله غير منقوص، ولا تمسوا ماله بسوء بعد ذلك. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: وكونوا أَوفياءَ بكل ما عاهدتم الله على القيام به، من تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وفي جملة ذلك رعاية اليتامى وما عاهدتم الناس عليه مما يصح فيه العهد شرعا، فلا تخيبوا رجاءهم، ولا تقطعوا آمالهم التي عقدوها عليكم في إصلاح أمرهم، إن العهد سيسألكم عنه ربكم يوم القيامة، فأوفوا به ولا تضيعوه. وأَظهر العهد إِذ قال: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ﴾ ولم يقل إنه - لكمال العناية بشأنه والحث على الوفاء به، وإنما عبر بقوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ مع أن السؤال لصاحب العهد على سبيل المجاز، والمراد أنه مسئول عنه يوم القيامة. فيقال لصاحبه: لِمَ نَكَثْتَ عهدك وضيعته ولم توف به؟ فيجمع الله عليه التبكيت مع العقوبة على عدم الوفاء به. ٣٥ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾: واجعلوا الكيل وافيا عادلا، لا نقص فيه إِذا كلتم لغيركم، واكتفى بالأمر بإيفاء الكيل عند البيع عن الأمر بتعديله عند الشراء من الناس، لأنه يُؤذِنُ بحرص الشارع على وصول الحق إِلى صاحبه، فكما لا يبخسه حقه عندما يبيع له، كذلك لا يظلمه عندما يشترى منه، وقد جاء النص صريحا عن التطفيف في الجانبين فى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.

стр. 2521

﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي وَزِنُوا بالميزان السوى الذي لا خداع فيه، ولا غش ولا تدليس، إِذا وزنهتم فإنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: أَي ذلك المذكور من إيفاء الكيل عند البيع، والوزن بالميزان السوى المستقيم، خير لصاحبه ولمن يعامله، وأحسن مآلا ومرجعا عند الله ﵎، أما الكسب الحرام فهو كالوقود الفاسد لا يُسيِّر الآلة .. بل يتلقها ويفسدها وربما يؤَدي إلى احتراقها وقد تهلك صاحبها، ولكن الكسب الحلال الطيب يبارك الله فيه، فينمو ويزيد ويكون وخيرا وبركة على صاحبه وأهله وولده، إذ يبعث على الطاعة ويقوى على الخير، ويقرب من الله ويدنى من الناس، ويكون لصاحبه لسان صدق بينهم. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ المفردات: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: .. ولا تتبع، مأخوذ من قولهم قفوت فلانا إذا تتبعت أثره. ﴿مَرَحًا﴾: اختيالا … واستكبارا، وفخرا، والمرح شدة الفرح. ﴿الْحِكْمَةِ﴾: الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير. ﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودا ومبعدا مقصيا في النار.

стр. 2522

التفسير ٣٦ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي لا تتبع ما لا تعلمه، فلا تقل بغير علم ولا تتهم بغير بينة، ولا تقل سمعت وأنت لم تسمع، ولا تشهد بالزور، ولا تتبع الظن والحدس في حق الناس، فإنك بذلك تكون قد قلت ما لا تعلم، واتبعت ما ليس لك به علم وأخطأت بذلك في حق الله وحق عباده وحق نفسك. وهناك أمور يعمل فيها بالظن، كالحكم على شخص معين بالإيمان تبعًا للظاهر، وكالإفتاء بالأحكام الشرعية عن الأدلة الظنية، وكالعلاج بالعقاقير التي يظن فيها الشفاء. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: أي أَن كل واحد من أَعضاء السمع والبصر والقلب كان صاحبه مسئولا عنه، فلا يحل له استعمالها في غير ما أحل الله تعالى، فلا تتسع إلى غيرك محاولا كشف عوراته، ولا تلق بأذنك إلى ما لا يحل من فحش القول، أَو إلى ما يلهيك عن عبادة ربك، وكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أَما البصر فاغضضه عما لا يحل لك ولا تمده إلى ما متع الله بغيرك تحسده عليه، بك عليك أن تنظر بذلك البصر ما يقربك من ربك، وما يوصلك إلى رزقك، أَما قلبك فاحفظه من شيطان موسوس أَو حسد قاتل مدمر أو عُجْب أو نفاق أَو رياء، فإن هذه الصفات وما يشبهها من الموبقات المهلكات، واطرد حظ الشيطان من نفسك حتى لا يكون له عليك سلطان، فيصبح قلبك سليما، وتلقى ربك راضيا مرضيا فتدخل رحمته وتفوز برضوانه. ٣٧ - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: أي لا تسر في الأرض مختالا مسرفا في فرحك ومرحك، بل تواضع لله الذي خلقك ورزقك، وهو قاهر لك قادر عليك، فإن غلبك البطر والغرور لجاهك، فاعلم أن الجاه نعمة من الله يمنحها ويسلبها، وإن طغيت على غيرك لعافية وصحة بدن فتذكر أنها وديعة الله عندك يستردها متى شاء، وإن دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى التكبر على عباده بمالك فاعلم أن الله يغار عليهم فهو ربهم وخالقهم، وإن زهوت بالبنين فتذكر أنك ستقدم على ربك بعملك فحسب ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

стр. 2523

﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: إنك مهما تخايلت بخطواتك واشتددت في إيقاع أقدامك على الأرض، فإنك لن تخرقها بخطواتك، ومهما تطاولت بهامتك كبرا وفخرا ورفعت رأسك تيها وعجبا، فلن تساوي الجبال الشواهق بطولك أو تطاولك. فدع عنك الخيلاء والتعالي على الناس، فأنت مخلوق ضعيف. ٣٨ - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾: أي كل ذلك المذكور في الأوامر والنواهي السابقة من الخصال كان السيء منه مكروها في حكم الله وشرعه، فدع ما نهاك عنه واستمسك بما أمرك به حتى لا تكون مبغضا من الله، وبعيدًا عن رضوانه ورحمته. ٣٩ - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: أي ذلك المذكور من الآداب. والأحكام التي جاءت في الآيات المتقدمة، هو ما أنزله إليك وحيا، وجعله من الأمور المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ، فهي موجودة في جميع شرائع الله، لأنها جامعة لكل أدب وخير ففيها محاسن الأخلاق ومحامد الشيم فلا تنسخ ولا تتغير باختلاف الشرائع. ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾: أي واحذر أيها المكلف أن تتخذ مع الله إلها غيره ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إن فعلت ذلك فقد حق عليك أن ترمي وتطرح في نار جهنم في مهانة وذلة، وأنت معلوم من نفسك على ما اقترفت وملوم من الملائكة خزنة جهنم حين تعنفك فتقول لك ولأمثالك: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فتجيبون بذلة ومهانة وتقولون: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).

стр. 2524

﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ المفردات: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ﴾: أَفضلكم ربكم فآثركم بصفوة الأولاد. ﴿عَظِيمًا﴾: أَي كبيرا، والمراد به هنا الأمر البالغ النُّكْرِ والقبح. ﴿صَرَّفْنَا﴾: بَيَّنَّا المعاني بوجوه وصور مختلفة. ﴿نُفُورًا﴾: إِعراضا … ، ﴿لَابْتَغَوْا﴾: لطلبوا مجتهدين في الطلب. التفسير ٤٠ - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾: بعد أن بين سبحانه - فساد طريقة من يجعل لله شريكا ونظيرًا، نبه في هذه الآية على شِدة جهل من أَثبت لله الولد .. وخصه سبحانه بالإناث.

стр. 2525

والمعنى: أفضلكم ربكم على جنابه - سبحانه - فخصكم بأفضل الأولاد، واختار لذاته أدناهم وأقلهم شأنا، فإن دعواكم أَن الله قد اختار الملائكة بنات له - سبحانه - تَستَلْزمُ أَنه اختار لكم البنين أفضل النوعين وأحبهما إِليكم، ورضى لنفسه البنات وهن أدناهما في نظركم مع أنه هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا حد له فكيف تنسبون إِليه ما تسوءُ البشارة به وجوهكم، ويملأ الغيظ بسببه قلوبكم، أتجعلون لله ما تكرهون دون حياء، فتأتي قسمتكم جائرة ظالمة، تدل على جهلكم بالله وسوء تقدير لعظمته، إنكم بافترائكم على الله تعالى .. وقولكم إِن الملائكة بنات الله تقولون قولًا منكرا .. كبيرًا في الإثم تحاسبون عليه وتعذبون به أشد العذاب يوم القيامة، فإنه تعالى واحد أحد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ٤١ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: أي ولقد كررنا وأَكدنا العبر والعظات والأحكام في هذا القرآن المجيد بأساليب متنوعة، ليتعظوا ويعتبروا فيهتدوا إِلى الحق، ويرججوا إلى بارئهم رجاءً في ثوابه وخوفا من عقابه، ولكن هؤلاء المجرمين الضالين المكذبين لا يريدون هداية ولا إرشادا، بل إنهم مع تكرار التذكير وتأكيد التوجيه إلى الخير، لا يزدادون إلا تباعدًا عن الحق وإصرارًا على الباطل، وإِعراضا عن التدبر والاعتبار. ٤٢ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: قل يأيها الرسول لهؤلاء المشركين المغترين العابدين للأصنام، وغيرها من دون الله - قل لهم: لو صح ما تزعمونه وتفترونه - وهو وجود آلهة مع الله لطلب هؤلاء الآلهة بكل جهدهم واجتهادهم أن يسلكوا طريقا إلى الله ذي السلطان والقهر ليشاركوه الأمر، أو ينازعوه السلطة ولكن شيئًا من ذلك لم يكن؛ لأن ما تزعمونه من آلهة هي في الحق عاجزة لا تقدر على خير ولا شر ولا تملك من أَمر نفسها شيئًا، فضلا عن أن تملك أمر غيرها.
следующие страницы →