﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي وَزِنُوا بالميزان السوى الذي لا خداع فيه، ولا غش ولا تدليس، إِذا وزنهتم فإنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: أَي ذلك المذكور من إيفاء الكيل عند البيع، والوزن بالميزان السوى المستقيم، خير لصاحبه ولمن يعامله، وأحسن مآلا ومرجعا عند الله ﵎، أما الكسب الحرام فهو كالوقود الفاسد لا يُسيِّر الآلة .. بل يتلقها ويفسدها وربما يؤَدي إلى احتراقها وقد تهلك صاحبها، ولكن الكسب الحلال الطيب يبارك الله فيه، فينمو ويزيد ويكون وخيرا وبركة على صاحبه وأهله وولده، إذ يبعث على الطاعة ويقوى على الخير، ويقرب من الله ويدنى من الناس، ويكون لصاحبه لسان صدق بينهم.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾
المفردات:
﴿وَلَا تَقْفُ﴾: .. ولا تتبع، مأخوذ من قولهم قفوت فلانا إذا تتبعت أثره.
﴿مَرَحًا﴾: اختيالا … واستكبارا، وفخرا، والمرح شدة الفرح.
﴿الْحِكْمَةِ﴾: الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير.
﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودا ومبعدا مقصيا في النار.
стр. 2522
التفسير
٣٦ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾:
أي لا تتبع ما لا تعلمه، فلا تقل بغير علم ولا تتهم بغير بينة، ولا تقل سمعت وأنت لم تسمع، ولا تشهد بالزور، ولا تتبع الظن والحدس في حق الناس، فإنك بذلك تكون قد قلت ما لا تعلم، واتبعت ما ليس لك به علم وأخطأت بذلك في حق الله وحق عباده وحق نفسك.
وهناك أمور يعمل فيها بالظن، كالحكم على شخص معين بالإيمان تبعًا للظاهر، وكالإفتاء بالأحكام الشرعية عن الأدلة الظنية، وكالعلاج بالعقاقير التي يظن فيها الشفاء.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: أي أَن كل واحد من أَعضاء السمع والبصر والقلب كان صاحبه مسئولا عنه، فلا يحل له استعمالها في غير ما أحل الله تعالى، فلا تتسع إلى غيرك محاولا كشف عوراته، ولا تلق بأذنك إلى ما لا يحل من فحش القول، أَو إلى ما يلهيك عن عبادة ربك، وكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أَما البصر فاغضضه عما لا يحل لك ولا تمده إلى ما متع الله بغيرك تحسده عليه، بك عليك أن تنظر بذلك البصر ما يقربك من ربك، وما يوصلك إلى رزقك، أَما قلبك فاحفظه من شيطان موسوس أَو حسد قاتل مدمر أو عُجْب أو نفاق أَو رياء، فإن هذه الصفات وما يشبهها من الموبقات المهلكات، واطرد حظ الشيطان من نفسك حتى لا يكون له عليك سلطان، فيصبح قلبك سليما، وتلقى ربك راضيا مرضيا فتدخل رحمته وتفوز برضوانه.
٣٧ - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾:
أي لا تسر في الأرض مختالا مسرفا في فرحك ومرحك، بل تواضع لله الذي خلقك ورزقك، وهو قاهر لك قادر عليك، فإن غلبك البطر والغرور لجاهك، فاعلم أن الجاه نعمة من الله يمنحها ويسلبها، وإن طغيت على غيرك لعافية وصحة بدن فتذكر أنها وديعة الله عندك يستردها متى شاء، وإن دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى التكبر على عباده بمالك فاعلم أن الله يغار عليهم فهو ربهم وخالقهم، وإن زهوت بالبنين فتذكر أنك ستقدم على ربك بعملك فحسب ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
стр. 2523
﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: إنك مهما تخايلت بخطواتك واشتددت في إيقاع أقدامك على الأرض، فإنك لن تخرقها بخطواتك، ومهما تطاولت بهامتك كبرا وفخرا ورفعت رأسك تيها وعجبا، فلن تساوي الجبال الشواهق بطولك أو تطاولك.
فدع عنك الخيلاء والتعالي على الناس، فأنت مخلوق ضعيف.
٣٨ - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾:
أي كل ذلك المذكور في الأوامر والنواهي السابقة من الخصال كان السيء منه مكروها في حكم الله وشرعه، فدع ما نهاك عنه واستمسك بما أمرك به حتى لا تكون مبغضا من الله، وبعيدًا عن رضوانه ورحمته.
٣٩ - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾:
أي ذلك المذكور من الآداب. والأحكام التي جاءت في الآيات المتقدمة، هو ما أنزله إليك وحيا، وجعله من الأمور المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ، فهي موجودة في جميع شرائع الله، لأنها جامعة لكل أدب وخير ففيها محاسن الأخلاق ومحامد الشيم فلا تنسخ ولا تتغير باختلاف الشرائع.
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾: أي واحذر أيها المكلف أن تتخذ مع الله إلها غيره ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إن فعلت ذلك فقد حق عليك أن ترمي وتطرح في نار جهنم في مهانة وذلة، وأنت معلوم من نفسك على ما اقترفت وملوم من الملائكة خزنة جهنم حين تعنفك فتقول لك ولأمثالك: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فتجيبون بذلة ومهانة وتقولون:
﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
стр. 2524
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾
المفردات:
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ﴾: أَفضلكم ربكم فآثركم بصفوة الأولاد.
﴿عَظِيمًا﴾: أَي كبيرا، والمراد به هنا الأمر البالغ النُّكْرِ والقبح.
﴿صَرَّفْنَا﴾: بَيَّنَّا المعاني بوجوه وصور مختلفة.
﴿نُفُورًا﴾: إِعراضا … ، ﴿لَابْتَغَوْا﴾: لطلبوا مجتهدين في الطلب.
التفسير
٤٠ - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾:
بعد أن بين سبحانه - فساد طريقة من يجعل لله شريكا ونظيرًا، نبه في هذه الآية على شِدة جهل من أَثبت لله الولد .. وخصه سبحانه بالإناث.
стр. 2525
والمعنى: أفضلكم ربكم على جنابه - سبحانه - فخصكم بأفضل الأولاد، واختار لذاته أدناهم وأقلهم شأنا، فإن دعواكم أَن الله قد اختار الملائكة بنات له - سبحانه - تَستَلْزمُ أَنه اختار لكم البنين أفضل النوعين وأحبهما إِليكم، ورضى لنفسه البنات وهن أدناهما في نظركم مع أنه هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا حد له فكيف تنسبون إِليه ما تسوءُ البشارة به وجوهكم، ويملأ الغيظ بسببه قلوبكم، أتجعلون لله ما تكرهون دون حياء، فتأتي قسمتكم جائرة ظالمة، تدل على جهلكم بالله وسوء تقدير لعظمته، إنكم بافترائكم على الله تعالى .. وقولكم إِن الملائكة بنات الله تقولون قولًا منكرا .. كبيرًا في الإثم تحاسبون عليه وتعذبون به أشد العذاب يوم القيامة، فإنه تعالى واحد أحد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
٤١ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾:
أي ولقد كررنا وأَكدنا العبر والعظات والأحكام في هذا القرآن المجيد بأساليب متنوعة، ليتعظوا ويعتبروا فيهتدوا إِلى الحق، ويرججوا إلى بارئهم رجاءً في ثوابه وخوفا من عقابه، ولكن هؤلاء المجرمين الضالين المكذبين لا يريدون هداية ولا إرشادا، بل إنهم مع تكرار التذكير وتأكيد التوجيه إلى الخير، لا يزدادون إلا تباعدًا عن الحق وإصرارًا على الباطل، وإِعراضا عن التدبر والاعتبار.
٤٢ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾:
قل يأيها الرسول لهؤلاء المشركين المغترين العابدين للأصنام، وغيرها من دون الله - قل لهم: لو صح ما تزعمونه وتفترونه - وهو وجود آلهة مع الله لطلب هؤلاء الآلهة بكل جهدهم واجتهادهم أن يسلكوا طريقا إلى الله ذي السلطان والقهر ليشاركوه الأمر، أو ينازعوه السلطة ولكن شيئًا من ذلك لم يكن؛ لأن ما تزعمونه من آلهة هي في الحق عاجزة لا تقدر على خير ولا شر ولا تملك من أَمر نفسها شيئًا، فضلا عن أن تملك أمر غيرها.
стр. 2526
٤٣ - ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾:
تنزه سبحانه، وتعالى علوًّا شاملا عما يقوله هؤلاء من نسبة الشريك والولد لله تعالى .. فالله ﷻ هو الواحد الأَحد لا شريك له ولا ولد.
٤٤ - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾:
بعد أَن بين الله لهؤُلاء المشركين فساد زعمهم بنسبة الشريك والولد لله، ونزه نفسه تنزيها كاملا عن ذلك، جاء بهذه الآية ليبين لهم: أَن الخلائق جميعها علويَّها وسفليها، عظيمها وحقيرها، ما يدركه الإنسان وما هو فوق إدراكه، كل ذلك خاضع له معترف بقهره وسلطانه ونعمه وآلائه.
والمعنى: أَن السموات السبع بأجرامها وكواكبها وأفلاكها وسكانها وجميع قواها وعناصرها .... وكذلك الأرض بما اشتملت عليه من إِنسان وحيوان ونبات وجماد وغيرها، كل أولئك يسبح وينزه حامدا الله تعالى بلسان الحال والدلالة كما تدل الصنعة على الصانع.
ولا نرى مانعا من أن يكون لهذه الكائنات تسبيح قولى غير مسموع منا وغير معروف الحقيقة والكيفية لنا، كما يشير إليه قوله تعالي: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (١). أى رجعى التسبيح مع داود، وقوله سبحانه: " ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (٢). أى سخرناها لتسبح مع داود فى وقتى العشى والإشراق، ولو لم يكن تسبيحا قوليا لَمَا قيد بهذين الوقتين كما يؤَكد ذلك ظاهر قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣). لأَن لغة الجمادات والحيوانات لايفقهها من البشر سوى من أوتى خاصية فهمها كداود وسليمان ﵉، وفيهما يقول الله تعالى؛ حكاية عنهما: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾. ولكنكم أيها الناس لاتفقهون تسبييحهم ولا تدركونه. ويجوز أَن يكون الخطاب للمشركين الذين تقدم الحديث عنهم، تقريعًا لهم، والمعنى على هذا: وما من شئٍ إِلا ينزه الله تعالى عن الشريك والولد، ولكنكم أيها المشركون لا تعقلون
стр. 2527
تنزيههم هذا، لأنكم لا تنظرون في الكائنات نظر المفكرين في خلق الله ومع غفلتكم هذه وعنادكم فإن الله سبحانه أمهلكم فلم يعجل لكم العقوبة، وذلك لحلمه عليكم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم وترجعون إلى ربكم، فإذا تبتم وأنبتم كان غفران الله لكم وعفوه عنكم. . فإنه كان ولا يزال كثير الحلم واسع المغفرة، قابل التوب.
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾
المفردات:
﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾: أي غير حسي فهو لهذا مستور لا يرونه. ﴿أَكِنَّةً﴾: جمع كنان والكنان هو الغطاء الذي يكن فيه الشيء أي يحفظ ويستر. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أن يفهموه فهم تدبر وتأثر واستجابة. ﴿وَقْرًا﴾: صَمَما مانعا من سماعه، والوقر الثقل في الأذن.
﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾: انصرفوا على أعقابهم هاربين معرضين. ﴿نُفُورًا﴾: جمع نافر وهو منصوب على الحال - أي نافرين، والنافر المتباعد المتجافي، أو مصدر نفر منصوب على المفعولية المطلقة لولوا، لأنه بمعناه.
стр. 2528
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾: أي أصحاب نجوى يتناجون فيما بينهم بالافتراء والإثم، والنجوى هي حديث السر بين من يَخْلُون بأنفسهم ليتناجوا في خفية وإسرار. ﴿رُفَاتًا﴾: والرفات الأجزاء المفتتة من كل شيء ينكسر، وقيل الرفات والفتات ما تكسر وتفرق من التبن ونحوه، والمراد هنا - والله أَعلم - ما تصير إليه أَجسادهم من التفرق بعد الموت.
التفسير.
٤٥ - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾:
أي فإذا قرأت يا محمد القرآن تدبرا وعبادة لله، وإرشادا وتعليما لقومك، جعلنا بينك وبين المشركين الكافرين بالآخرة حجابا ساترا، يمنعهم أن يدركوا ما أنت عليه من النبوة والرسالة وجلال القدر وعظيم المكانة، حتى اجترءوا عليك ونسبوا إليك نقائص وعيوبا أَنت منها برئ، ومن ذلك قولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.
٤٦ - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾:
هذه الآية مفسرة للحجاب المستور الذي جاءَ في الآية السابقة، وكأنه قيل:
وذلك الحجاب المستور هو أنا جعلنا على قلوب هؤلاء المشركين أكنة وأغطية تمنعهم من فقه القرآن، والوقوف على كنهه، كما أَصبنا آذانهم بالصمم والثقل العظيم ليجول بينهم وبين سماعهم لكتاب الله سماع لائقا به، فإنهم كانوا يسمعونه سماع استهزاء وسخرية لا سماع تأمل وتدبر، وهذا المنع كان جزاء لهم على إعراضهم، فلم ينعموا بنعمة الاهتداء إلى القرآن، لإصرارهم على الجحود والإنكار.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: أَي وإذا سمعك هؤلاء المشركون تقرأ من القرآن الكريم ما ينطق بتوحيد الله وتسبيحه، أَدبروا وفروا هروبا وانزعاجا من سماعه، لأنه ينفرهم من أَصنامهم - وينهاهم عن عبادتها مع الله تعالى.
стр. 2529
٤٧ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾:
هذه الآية الكريمة فيها تسلية لرسول الله، ووعيد لهؤلاء المستهزئين، فقد أخبر الله رسوله بأنه - سبحانه - يعلم بحالهم الذي يستمعون به القرآن وقت استماعهم إليه حين يتلوه، من الاستخفاف وإثارة اللغو والتصفيق والصفير، وكما يعلم ذلك - سبحانه - أمرهم حين يتناجون فيما بينهم ويتهامسون عنه في خلواتهم، ويفترون عليه الكذب.
ويقول هؤلاء المشركون الضالون عن صراط الحق يقولون للناس إنكم حين تتبعون محمدا لا تتبعون إلا رجلا قد أصابه السحر فاختلط عليه الأمر، ويعقب الله هذه التهم بقوله:
٤٨ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾:
انظر يا محمد - عليك الصلاة والسلام - متعجبًا من حمقهم وسفاهتهم، كيف تطاولوا عليك فزعموا أنك ساحر، كما زعموا من قبل أنك كاهن وشاعر ومجنون، فضربوا لك الأمثال فضلوا وبعدوا عن الحق وتحيَّروا في أمرهم معك، فهم لا يهتدون إلى الحق ولا إلى طريق ينال منك أو يصرف الناس عنك.
٤٩ - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾:
وقال هؤلاء المشركون - منكرين البعث مستبعدين له -: أئذا متنا وصرنا عظاما وحطاما مفتتا، نبعث من قبورنا، نخلق خلقا جديدا كما يقول لنا محمد، وهذا القول منهم هو غاية الإنكار لأدلة الإمكان والوقوع، أما الإمكان فلأن الله الذي خلق الناس ابتداء باعترافهم قادر على إعادتهم وبعثهم من قبورهم للحساب لأن الإعادة أيسر من الابتداء عادة، وأما الوقوع فلأنه تعالى عادل فلا يعقل أن يترك المحسن دون إثابة، والمسيء دون عقاب، فلا بد من البعث لينال كلٌّ جزاء ما قدمت يداه.
стр. 2530
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾
المفردات:
﴿فَطَرَكُمْ﴾: خلقكم على غير مثال سابق.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: يحركونها تعجبًا وسخرية.
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: تلبون دعوته حامدين إياه على بعثكم بعد الموت، وعلى ما يتصف به من عظمة وقدرة وحكمة ظهرت آثارها في البعث بعد الموت.
التفسير
٥٠، ٥١ - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾:
الآية الكريمة إجابة عن سؤال الكفار السابق: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
والأمر بالقول موجه إلى رسول الله ﷺ ، وكل داع بدعوته.
والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء الجاحدين، وليقل كل داع إلى الحق لأمثلهم: لماذا تستبعدون وتنكرون بعثكم بعد أن صرتم عظاما ورفاتا، كونوا ما شئتم بعد الموت ولو حجارة أو حديدا أو خلقا مما يعظم في نفوسكم ويعلو عن أن تحله الحياة فإنكم عائدون إلى الحياة.
стр. 2531
﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾: فسيقولون في دهشة واستنكار من الذي يستطيع أن يعيد إلينا الحياة بعد هذا التحول العجيب، من الحياة الدافقة المتحركة إلى الموت ثم إلى العظام والرفات، فضلا عن التحول إلى الحجارة أو الجديد أَو أشباههما، وقد أَمر الله تعالى أن يجابوا عن هذا التساؤل الذي لا مبرر له بقوله:
﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: أي قل لهم أيها الرسول: الله الذي خقكم أول مرة من عناصر التربة الأرضية الجامدة الميتة على غير مثال سابق، هو الذي يعيد إليكم الحياة وإن تحولت أجسامكم من عظام ورفات إلى حجارة أو حديد أَو نحوهما، والمعروف لنا أن الإعادة عند البشر أسهل، ولكنها تحت قدرة الله لا توصف بالسهولة أَو الصعوبة، فكل الممكنات عنده سواء؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العلبم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾:
أي فحينما يستمعون هذا الجواب سيحركون رءُوسهم منكرين ساخرين قائلين في دهشة وإنكار: متى يتم هذا البعث؟ فقل لهم: سيكون هذا البعث قريبا؛ لأن كل آت وإن طال الزمان قريب.
٥٢ - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾:
أي يتم بعثكم يوم يدعوكم إليه فتهبون من قبوركم ملبين دعوته، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢). والمقصود بالدعوة النفخة الثانية، المعبر عنها بالصيحة في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (٣).
وعند بعثكم تلهحون بحمده تعالى مدركين عظمته وقدرته، وأنه أهل للحمد والثناء ويزول عنكم هذا الإنكار والعناد، بعد أَن شاهدتم الحقيقة التي كنتم سمعتموها من رسولكم في دنياكم:
стр. 2532
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي تعتقدون عند البعث أنكم لم تلبثوا في الدنيا أو في الحياة البرزخية إِلا زمنا يسيرا، كما قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (١).
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾
المفردات:
﴿يَنْزَغُ﴾: يفسد ويغوى بالعداوة والبغضاء ويثير الضغائن والأحقاد.
التفسير
٥٣ - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾:
بعد أَن بين الله جحود الكفار للبعث ومعاداة الحق أمر رسوله في هذه الآية أن يقول للمؤمنين: عليكم أن تلهجوا بالقول الحسن وأن تتمسكوا به وأن تطبقوه في حياتكم .. والمعنى: قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا بي وشرفوا بالنسبة إلي، قل لهم يقولوا الكلمة التي هي أحسن الكلام، وأَن يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يقابلوا الإساءة بالإحسان فإن هذه سنة عباد الرحمن، كما قال سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٢).
وقيل: المقصود بالعباد جميع الناس فإنهم جميعًا عبيد الله والنصيحة عامة لهم.
والمعنى على هذا: قل أَيها الرسول لجميع الناس مؤْمنهم وكافرهم يأمرون بما أمر الله به وينهون عما نهى الله عنه.
стр. 2533
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: إن الشيطان يفسد بين الناس، ويثير بينهم العداوة والبغضاء ويبث فيهم الأحقاد والضغائن، فيمزق شملهم ويفرق كلمتهم، ويهدم وحدتهم، أو يغريهم بالكفر والإلحاد وارتكاب الشرور رالآثام، فلهذا ينبغي أَن يعالجوا بالكلمة التي هي أحسن.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أي إن الشيطان كان عدوا للإنسان واضح العداوة منذ أغوى أَباهم آدم وأخرجه من الجنة، فعليهم أَن يتغلبوا على إغوائه بالتزام الكلمة الطيبة والقول الحسن، ليردوه عن متابعة وسوسته وإغوائه، فإنه يزين القبيح للإنسان ويجلوة أمامه في صورة حسنة، فيدفعه إليه دفعا، ويقبح له الحسن فينفره منه تنفيرا.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾
المفردات:
﴿وَكِيلًا﴾: كفيلا.
﴿زَبُورًا﴾: الزبور هو الكتاب المنزل على نبي الله داود ﵇، وهو كتاب ليس فيه تشريع، وإنما هو دعاء وتحميد. وتمجيد.
التفسير
٥٤ - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾:
بعد أن بين الله أحوال الكافرين، ودعا المؤمنين إلى التزام القول الحسن وحذرهم من إغواء الشيطان، خاطب المكلفين جميعا بأنه مطلع على أعمالهم وأَقوالهم ونياتهم، فإن يشأ
стр. 2534
شملهم برحمته لأنه يعلم أنهم أهل لرحمته، وإن يشأ عذبهم لأنه يعلم أَنهم قصروا في جانبه، ومشيئته مرتبطة بحكمته ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: أَي وما أَرسلناك أيها الرسول كفيلا لهم ومسئولا عن طاعتهم أَو معصيتهم، فكل امريء منهم بما كسب رهين.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢).
٥٥ - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
أَي أنه سبحانه يحيط علمه بكل من في السماوات والأرض ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فلهذا اختار من يعلم أنهم صفوة البشر أَنبياء، وفضل بعضهم على بعض، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾. وكان تفضيلهم بالفضائل النفسانية والعلمية، لا بكثرة الأموال والأتباع وغير ذلك من أمور الدنيا، وأَقربهم إليه خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أَرسله ربه رحمة للعالمين.
قال ﷺ : "أَنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأَنا أَول شافع وأول مشفع ولا فخر" رواه أَحمد والترمذي وابن ماجة.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: خص الله سبحانه داود بالذكر مع دخوله في الأنبياء قبله، ليبين أَنه ﵇ ممن فضلهم الله على بعض الأنبياء وذلك بإنزال الزبور عليه، وقد اشتمل على تسابيح الله وإِشارات إلى جلاله وعظمته وقدرته وكان يرتله بصوت عذب شجي، تردِّده معه الطيور والجبال كما قال تعالى في سورة ص: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣).
стр. 2535
وهذه الجملة ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تشير إلى أن الكتب المنزّلة على الأنبياء، هي شهادة من الله بفضلهم، وبمقدار مسئولياتهم فيها تتفاوت درجاتهم.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾
المفردات:
﴿زَعَمْتُمْ﴾: أدعيتم كذبا.
﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾: إزالته.
﴿تَحْوِيلًا﴾: صرفًا وإبعادًا.
﴿الْوَسِيلَةَ﴾: الصلة أَو السبب.
﴿مَحْذُورًا﴾: أي مخشيا مرهوبا.
التفسير
٥٦ - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾:
بينت الآيات السابقة أن علمه تعالى محيط بخلقه، وأنه يرحم من يشاءُ ويعذب من يشاءُ طبقا لعلمه وعدله وحكمته، وجاءت هذه الآية لتبين للمشركين عجز آلهتهم، والمعنى: تضرعوا أَيها المشركون إلى الآلهة الذين عبدتموهم من دون لله، وانظروا هل تسمع إلى ضراعتكم، أَو تجيب دعاءكم أو تدفع عنكم الضر أو تجلب إليكم النفع.
стр. 2536
﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾: أَي أن هذه الآلهة المزعومة لا تستطيع ولا تملك أَن تزيل عنكم ما يعتريكم من التفسير، ولا تملك أن تحوله عنكم إِلى غيركم، بل إنهم عاجزون لا محالة؛ لأنهم كما قال تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (١). فكيف تعبدونهم من دون الله؟
٥٧ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾:
كان بعض العرب يعبدون الملائكة، وبعضهم يعبدون الحق ﵎، كما كان بعض اليهود والنصارى يتخذون أَحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، فنزلت هذه الآية في شأن من يعبدون غير الله.
والمعنى: أَن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله هم خلق من خلق الله، وعبيد من عباده، خاضعون لمشيئته، منقادون لأمره يرجون رحمته ويخشون عذابه، يسبحون بحمده ويلهجون بذكره، ويتنافسون في التقرب إِليه بكل وسائل الزلفى.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾:
أَي هم مع ما تقدم من عبادتهم لله وتقربهم إِليه يرجون رحمته ويخافون عذابه، لأن عذابه شديد أليم. فهم لا يعتمدون على طاعتهم، بل يخشون عقابه حذرا من تقصيرهم.
ويجوز أن يكون المعنى: أولئك المشركون الذين يعبدون الأوثان يبتغون بعبادتها الوسيلة إِلى الله، ويرجون بذلك رحمة الله ويخشون عذابه، فأيهم أَقرب إِلى الله؟ لا شك أَن أولئك العابدين أقرب إِلى الله تعالى من أَوثانهم، فهو سبحانه أقرب إلى عباده من حبل الوريد، فلا يصح أَن يتقرب هؤلاء المشركون إِلى الله بعبادة من هم أبعد منهم عن الله وأَحط قدرا وأضعف قوة وشأنا، إن عذاب ربك يا محمد كان أمرا محذورا ومخوفا، فلماذا لا يحذره هؤلاء العابدون لأوثانهم، وقد أَشركوا به من هو مَثَلٌ في الضعف والهوان.
стр. 2537
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾
المفردات:
﴿قَرْيَةٍ﴾: القرية اسم للموضع يجتمع فيه الناس ويتخذون منه سكنا لهم، وتطلق أيضًا على سكانه. ﴿الْكِتَابِ﴾: اللوح المحفوظ. ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبا مسجلا، ﴿الْآيَاتِ﴾: المعجزات التي طلبها المشركون. ﴿مُبْصِرَةً﴾: داعية إِلى إِبصار الحق بدلالتها عليه وإِرشادها الناس إِليه.
التفسير
٥٨ - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾: حذر الله المشركين في آخر الآية السابقة من عذابه بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، وجاءت هذه الآية لتأكيد هذا التحذير.
والمعنى: إن من سنة الله تعالى مع الظالمين أَنه ما من أَهل قرية يقابلون أَنعم الله بالجحود والكفران ويكذبون الرسل وينكرون المعجزات إِلا أَهلكهم الله سبحانه وفقا لوعيده، كما أَهلك عادا وثمود وأَصحاب الأيكة وقومِ تبع، وفيهم يقول الله تعالى في سورة (ق): ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾.
وربما يصيب الله أَهل هذه القرية بعذاب شديد دون الإهلاك ليرجعوا إِلى الله تائبين نادمين، لأنه سبحانه يعلم أنهم سيفيئون إلى الإيمان قبل نهاية حياتهم، مثل أهل مكة،
стр. 2538
أَو لأنه تعالي يعلم أَن من ذريتهم من يعبد الله، أو لغير ذلك من الحكم، وقيل إن المراد أن الله سبحانه سيهلك جميع القرى قبل قيام الساعة ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث طويل عن الرجال، رواه بسنده عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ قوله: "فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى ريحًا طيبة فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة".
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: كان الإهلاك أَو التعذيب قضاء محتوما وقدرًا نافذا سجله الله عنده في اللوح المحفوظ لتنفيذه في الأجل المحدود.
٥٩ - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾:
روى النسائي وأَحمد والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال أهل مكة للنبي ﷺ : اجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إِن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإِن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، قال: بل باب التوبة والرحمة فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
والمعنى: أَن الله لم ينزل المعجزات التي طلبها المشركون لأنه سبحانه يعلم أَن قريشا سوف تجحد هذه المعجزات كما جحدها السابقون. وحينئذ تستحق الهلاك تطبيقًا له لسنته في شأن المكذبين بعد تحقيق ما طلبوه، والله تعالى يعلم أنها ستستجيب لدعوة الإسلام بعد حين، فلم ينزل هذه المعجزات المطلوبة واكتفى بِإعجاز القرآن الكريم، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
стр. 2539
وقد وعد الله رسوله ﷺ ، ألا يعذب قومه ما دام فيهم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١).
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾:
أي أَن الذي اقتضى عدم إِرسال الآيات المقترحة أَن قريشًا ستكذب بها، كما كذب بها الأولون فتتعرض للهلاك مثلهم، كما تعرضت ثمود لهذه التجربة حيث اقترحوا على نبيهم أَن يأتيهم بناقة ترعى الكلأ وتشرب الماء كله يوما، ثم تترك لثمود الكلأ والشراب يومًا آخر وتدر عليهم من أَلبانها ما يكفيهم، فعقروا هذه الناقة، جاحدين منكرين ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
ومعنى مبصرة: مدركة وعارفة نصيبها في الكلأ والماء، فلا تتعداهما إِلى نصيب ثمود فيهما، أو موضحة للناس الدلائل الباهرة على صدق نبي الله صالح ﵇ (٣).
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: وما ننزل المعجزات المقترحة إلا إِنذارا وإرهابًا للأمم الضالة، لتعود إِلى الإيمان. فإذا أصرت على الكفر والعصيان استحقت الهلاك والنكال والدمار.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾
المفردات:
﴿أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: شملهم بعلمه أَو أحاطت بهم قدرته.
стр. 2540
﴿الرُّؤْيَا﴾: ما يراه النائم في منامه، وقد تطلق على ما يراه الإنسان في يقظته، كما قال الشاعر الراعي يصف صائدا:
وكبَّر للرؤْيا وهشَّ فؤاده … وبشر قلبًا كان جمَّا بلَابِلُه
وقال بعضهم: هي حقيقة رؤيا المنام، ورؤيا اليقظة ليلًا، والمشهور الأول.
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾: شجرة الزقوم التي وصفها الله سبحانه بأنها ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (١).
﴿الْمَلْعُونَةَ﴾: الملعونَ آكِلُها، أو البعيدة عن مواطن الرحمة لأنها في أصل الجحيم.
﴿طُغْيَانًا﴾: مجاوزة للحد في العنف.
التفسير
٦٠ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾:
بعد أن تناولت الآيات السابقة أَقوال المكذبين والمعاندين، أدخل الله السكينة والطمأنينة على نفس رسوله ﷺ بهذه الآية.
والمعنى: واذكر يا محمد وعدنا إِياك أَن الله سبحانه أحاط علمه وشملت قدرته الناس جميعًا ومنهم المشركون، فلا يمكنهم من إِيذائك أَو إِيقاع الضرر بك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣). وهو سبحانه سيجزي كلا منهم بما يستحقه من جزاء ..
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾: أَي أَن ما أَطلعناك عليه عيانا من آياتنا الكبرى ليلة الإسراء، لم نجعله إلا اختبارا لإيمان المؤمنين وامتحانا للمشركين، ولما أخبر الرسول ﷺ قومه بحديث الإسراء سخر منه المشركون، وارتد عن الإسلام
стр. 2541
قِلَّةٌ من ضعفاء الإيمان، وثبت على تصديقه والإيمان به الصادقون المخلصون، وفى مقدمتهم أَبو بكر ﵁، ومن يومها أُطلق عليه لقب الصديق. راجع تفسير السورة.
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: أي وما جعلنا شجرة الزقوم المذمومة في القرآن بأنها طعام الأثيم، وما جعلناها إلا اختبارا للناس، مؤمنهم وكافرهم، فقد وصف الله هذه الشجرة بأنها ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ (١). ويجوز أَن يكون المراد من لعن الشجرة فى القرآن لعن آكلها أو أنها بعيدة، من اللعن بمعنى البعد لأنها بعيدة من مواطن الرحمة لأنها ﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
ولما نزلت هذه الآيات، قال أبو جهل: إن محمدا يتوعدكم بنار وقودها الناس والحجارة، ثم يقول: إنها ينبت فيها الشجر، وما يُعْرَفُ الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أَمر جاريته فأحضرت تمرا وزبدا وقال لأصحابه ساخرا: تَزَقَّمُوا، والمعنى: وما جعلنا ما أَريناك ببصرك من الآيات الكبرى في السماء والأرض، إلا فتنة وامتحانا للناس مؤمنهم وكافرهم، وما جعلنا شجرة الزقوم إلا فتنة لهم أيضا، فثبت الصادقون، وارتد بعض الضعفاءِ من المؤمنين، وأنكر المشركون، لأن عقولهم القاصرة المحدودة لا تتصور أن تكون شجرة في قاع جهنم جهلا منهم بقدرة الله التي لا يعجزها شيء فى الأرض ولا في السماء.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: أي وننذرهم بالآيات المنزلة ونذكرهم بما أَصاب الأُمم السابقة من هلاك ودمار، فما يزيدهم الإنذار إلا إِمعانا فى الضلال وغلوا فى العناد والكبرياء، وإيغالا فى الجبروت والطغيان، والفعل المضارع (نخوفهم) يدل على أنه تعالى يتعهدهم من آن لآخر بالإنذار والتخويف. ولكنهم مع ذلك لا يزدادون إلا طغيانا كبيرا.
стр. 2542
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾
المفردات:
﴿أَرَأَيْتَكَ﴾: أخبرني.
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾: لأستولين عليهم بالإغواء، يقال، احتنك فلان فلانا، إذا استولى عليه وتولى قيادته كما يحتنك الإنسان الدابة بأن يضع حول فمها حبلا يقودها به وهو الرسن.
التفسير
٦١ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾:
واذكر يا محمد للمشركين الذين استجابوا لإغواء إِبليس في الضلال والكفر، قصة عداوته للبشرية. اذكر لهم حين قلنا للملائكة آمرين: اسجدوا لآدم الذي أبدعته قدرتنا من طين - اسجدوا - تحية له وتعظيما لقدرتنا، فاستجابت الملائكة فسجدت سجود طاعة لربها وتعظيم لآدم الذي خلقه دون وسيط، ولكن إبليس أعلن التمرد والعصيان في تكبر واستعلاء.
﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾:
أي قال: كيف أَسجد وأنا مخلوق من النار لمخلوق خلقته من الطين المهين …
وهو بهذا يعلن عصيانه لأوامر الخلاق العظيم ويجحد حكمته التي اقتضت خلق الإنسان وجعلته خليفته في أرضه، وحامل أمانته بين خلقه، وتعليمه الأسماء
стр. 2543
كلها، غفل إِبليس عن هذا كله وأَعلن تمرده وعصيانه وخروجه على طاعة خالقه، وبهذا استحق الطرد من رحمة الله (١).
٦٢ - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾: أي قال إبليس لربه: أَخبرني عن هذا المخلوق الذي فضلته عليَّ مع أنه غير جدير بهذا التفضيل والتكريم.
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي والله لئن مددت في عمرى إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته، لأقودهم إِلى الدمار والخراب وإلى الفساد والعصيان كما يقود الراكب دابته، إلا طائِفة قليلة منهم لا أقدر عليهم لأنك عصمتهم يارب من الضلال والإضلال، وفي ذلك يقول الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢). ويقول سبحانه حاكيا على لسان إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾
المفردات:
﴿اذْهَبْ﴾: امض في طريق غوايتك وإغوائك مطرودًا من رحمتي.
стр. 2544
﴿مَوْفُورًا﴾: كاملا غير منقوص. ﴿اسْتَفْزِزْ﴾: استحف واحفز وخادع.
﴿بِصَوْتِكَ﴾: بدعوتك إِلى المعصية. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾: صِحْ عليهم صياحا شديدًا واستحثهم على الشَّر وادفعهم إِليه دفعا.
﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: أي براكبي خيلك، وجنودك الماشين على أرجلهم والمراد من يساعدك من أَعوانك على اختلاف طاقاتهم وقدراتهم.
﴿غُرُورًا﴾: غشا وخداعًا.
التفسير
٦٣ - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾:
لما توعد الشيطان أَبناء آدم بالإغراء والإِغواء لصرفهم عن عبادة الله سبحانه زجره الله سبحانه بهذه الآية والمعنى: امض أيها الشيطان في طريق غوايتك وإِغوائك، مطرودا من رحمتي أنت ومن اتبعك من البشر، فمصيرك وإياهم جهنم تجزون فيها جزاء موفورا تاما وبئس المصير.
٦٤ - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾: وادفع إلى الشر من استطعت دفعه منهم بصياحك عليهم. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: أي وادفعهم دفعا إلى ارتكاب الشر والموبقات مستعينا عليهم بجنودك من شياطين الإنس والجن من فرسان مسرعين ومشاة مبطئين، أَي بمختلف أَساليب الإغواء، وذكر الخيل والراجلين من باب التمثيل.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: واشترك معهم في مباشرة كسب الأموال الحرام بالباطل، واشترك معهم في دفعهم إِلى تنشئة أَولادهم على الكفر والعصيان والضلال.
﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: أَي واخدعهم بالمواعيد الكاذبة مزيِّنًا لهم الشَّر مقبحا لهم الخير، وألق الشك في قلوبهم بحقيقة البعث والنشور، وما ينتظرهم من عذاب أليم، وما مواعيد الشيطان إِلا أباطيل زائفة وأَوهام خادعة لأن طبيعته قائمة على التغرير والخداع والنفاق فليفعل ما يشاء، فليس له على أحد سلطان إِلا الغاوين.
стр. 2545
٦٥ - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾:
بينت الآيات السابقة أن الشيطان توعد ذرية آدم بأنه سَيَحْتنكهم ويغويهم إِلا قليلا وأن الله هدده وأنذره بالفشل في وسوسته مهما ضللهم بوعوده الزائفة، وجاءَت هذه الآية لتبين أنه تعالى يحفظ عباده الصالحين من نزغات الشيطان وينجيهم من إغوائه وأَباطيله كما قال سبحانه فيه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١). وحسبك أَيها النبي أَنت والمؤمنون الصالحون حسبكُم حماية ربك لك ولهم وكفالته إياكم، وتخليصكم من مكايد الشيطان وجنوده، فتوكلوا عليه واعتصموا به - وقيل إن الخطاب في قوله تعالى: "وكفى بربك وكيلا" - موجه إلى الشيطان، كما في الجملة السابقة أَي وكفى بربك أَيها الشيطان وكيلا للمؤمنين من عباده: فليعوذوا بي من شرك فإني أعيذهم منه.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾
المفردات:
﴿يُزْجِي﴾: يبعث ويرسل. ﴿الْفُلْكَ﴾: السفن. ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾: انصرف عنكم أو غاب عن نصرتكم ومعونتكم من تعبدون. ﴿كَفُورًا﴾: جاحدا للنعمة.
стр. 2546
التفسير
٦٦ - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ … ﴾ الآية.
بعد أن تحدثت الآية السابقة عن فضل الله على عباده المخلصين بإنقاذهم من غواية الشيطان إِذا لجأُوا إليه واعتصموا به، واستمسكوا بكتابه، بعد ذلك تحدثت هذه الآية عن فضل الله على خلقه وموقفهم من هذا الفضل.
والمعنى: إن إلهكم صاحب النعمة الجزيلة عليكم هو الذي هيأ لكم صناعة السفن وتسخيرها في حملكم من بلد إلى بلد، وفي نقل حاصلات الشرق إِلى الغرب وحاصلات الغرب إلى الشرق، بأقل نفقة وبأيسر كلفة عبر المحيطات والبحار، كما يسر لكم بها الانتفاع بخيرات البحار من لؤلؤ ومرجان وأصداف ولحوم وزيوت الأسماك، كما سخرها ليمكنكم من منافع أخرى تبتغونها من فضله، مثل استخراج البترول من قاع البحار.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: سخر الله لكم سبحانه هذا كله لأنه كان ولا يزال واسع الرحمة بكم، ييسر لكم سبل الرزق من حيث تحتسبون أو لا تحتسبون.
٦٧ - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾:
وإِذا تعرضتم لأخطار البحار، من نحو زوابع وأعاصير وعواصف وأَنواء وأَسماك مفترسة متوحشة، وتطلعتم إلى من يمد يده الرحيمة لإنقاذكم من الهلاك والدمار، ذهب عن أَذهانكم من تدعونه لتفريج كربتكم سوى الله القوي القدير اللطيف بعباده، الرحيم بخلقه، فإنكم تدعونه وحده ليكشف الضر عنكم وينجيكم بما أصابكم.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾: فلما أنقذكم الله بفضله ورحمته، وأوصلكم إلى الشاطئ سالمين قابلتم نعمته عليكم بالجحود، وأعرضتم عنه منصرفين إِلى آلهتكم. ومن المشاهد أَن الإنسان بطبيعته وفطرته يلجأ إلى خالقه في شدته، فإذا جاءه الرخاءُ أعرض عن ربه إلا من عصم الله كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ (١).
стр. 2547
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾
المفردات:
﴿يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾: يغيبكم في جوفه وقد ظننتم الأمن فيه.
﴿حَاصِبًا﴾: ريحا ترميكم بالحصباء فتهلكوا.
﴿وَكِيلًا﴾: حافظًا يرعاكم. ﴿قَاصِفًا﴾: عاصفا محطما مدمرا.
﴿تَبِيعًا﴾: ناصرا ومعينا.
التفسير
٦٨ - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾:
إِذا نجاكم الله من أهوال البحر وعدتم إلى البر قابلتم فضله بالجحود، فهل أمنتم أَن ينالكم عذابه وأَنتم في البر، بأن تتعرضوا لزلزال مدمر يقلب بكم الأرض ظهرا لبطن فيدفنكم فيها وأنتم أحياء، كما خسف بقارون وبداره الأرض، أَو أن يرسل عليكم ريحا تحمل الحصباء، كما فعل بقوم لوط.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. ثم لا تجدوا حينئذ من تكلون إليه أمر الدفاع عنكم، بأن يصرفه عنكم أَو يحفظكم من ضرره، فإِنه لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه.
٦٩ - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾:
стр. 2548
بل أَأَمِنْتم أن يعيدكم إلى ركوب البحر مرة ثانية فيرسل عليكم ريحا عاصفا محطما مدمرا يطويكم في جوف الأمواج فتغرقون بسبب كفركم، وبالجملة ينبغي أَن يعلم كل امريء أَنه في قبضة إِله قوى جبار فعال لما يريد، فعليه أَن يطيعه ويخشاه، سواءٌ أكان في بحر أَم في بر، ولا ينبغي له أَن يأمن مكر الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾: ثم لا تجدوا لكم حينئذ نصيرا أو منقذا يتابعكم ليدفع عنكم الأخطار، أو متابعا لنا مطالبا الثأر لكم منا.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾
التفسير
٧٠ - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾:
يخبر الله سبحانه بهذه الآية عن تكريمه بني آدم، وتفضيله إياهم حيث خلقهم جميعا، برهم وفاجرهم، على أَحسن الصور التي تتمثل في اعتدال القامة وتناسق الخلق وجماله ونعمة العقل والإدراك، وفي طعامهم وشرابهم، وَكُلُّ شأن من شئون حياتهم يتميزون به عن غيرهم من جميع مخلوقاته، وإتماما لتكريمه سبحانه إياهم وهبهم قدرة تمكنهم
стр. 2549
عن التسلط على ما في الأرض، من كنوز ومياه ومعادن وبترول، وغير ذلك مما جعلهم يقيمون الصناعات، ويستنبتون الزروع ويغرسون الأشجار، ويملكون سبل التقدم والعمران كما مكنهم من الانتفاع بما في السماء، من هوائها وسحابها. وسائر كواكبها وأجرامها التي أَمدتهم وتمدهم بطاقات كثيرة لا غنى لكائن حمىّ عنها، فضلا عن الاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، وقصارى القول أن الله تعالى سخر كل شيء لتكريم الإنسان. وكان هذا التسخير بقدرته تعالى، وليس بقدرة البشر.
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: أي أنعمنا عليهم فحملناهم في البر على الدواب من الإبل والخيل والبغال وعلى غيرها من وسائل الانتقال. كما حملناهم في البحر على السفن المختلفة الأشكال والأحجام المختلفة الأغراض.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: التي تجمع فنون المطاعم والمشارب الذيذة التي منحناهم إياها، مما لا يتسنى لهم أن يحصلوا عليها بصنعهم، وإن صنعوها فبتيسير الله وإِقداره، وإجرائها في مواد مخلوقة له سبحانه، أما غيرهم من الحيوانات فأرزاقها مما تعافه أَنفسهم.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾: أَي أَن الله جل شأنه فضلهم تفضيلا عظيما على كثير ممن خلقهم سبحانه بأمور كثيرة، إذ شرفهم بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله، وتفهم تعاليمه، ويحصل بهديه التمييز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، وذلك مما يوجب عليهم شكر المنعم المتفضل، ويتحقق شكره بتوحيده وإخلاص العباة له سبحانه، ورفض الشرك الذي لا يقبله من له أَدنى تمييز. فكيف بمن فضل على ما سوى الملإ الأعلى، من كل ما يدب على وجه الأرض أَو يحلق في أَرجاء السماء، وكما فضلهم بالعقل فضلهم بأُمور خلقية ذاتية، مثل النطق والصورة الحسنة، والقامة المديدة المعتدلة، إلى غير ذلك مما امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان.
واعلم أن الرسل من البشر أفضل من الملائِكة مطلقا، ثم الرسل من الملائكة مفضلون على من سواهم من البشر والملائكة. ثم عموم الملائكة على عموم البشر. هذا رأى الجمهرة من العلماء.
стр. 2550
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾
المفردات:
﴿نَدْعُو﴾: ننادى. ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾: بنبيهم أَو بكتاب أعمالهم. ﴿فَتِيلًا﴾: الفتيل هو الخيط الدقيق الممتد في شق النواة طولا. والمراد به المقدار البالغ الغاية في القلة من العمل.
﴿أَعْمَى﴾: يراد به أَعمى البصيرة.
التفسير
٧١ - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾:
هذا شروع في بيان تفاوت أحوال الناس في الآخرة حسب تفاوت أحوالهم وأَعمالهم في الدنيا.
والمعنى: اذكر لقومك أَيها النبي يوم ننادى كل جماعة من بني آدم بمن ائتموا به واتبعوه من نبي وكتاب تشريع، أَو كتاب الأعمال التي قدموها، فيقال لهم يا أَتباع محمد أَو موسى أَو عيسى ﵈، أَو يا أتباع القرآن أَو التوراة أَو الإنجيل أَو يا أَصحاب كتاب الخير. أو يا أصحاب كتاب الشر.
والراجح أن يكون المراد هنا بالإمام كتاب الأعمال على ما رواه العوفى عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أَي بكتاب أَعمالهم، وكذا قال أَبو العالية والحسن والضحاك، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١). ويجوز أن
стр. 2551
يكون المراد بإمامهم دينهم الذي دانوا به في الدنيا صحيحا أَو فاسدًا، فينادى يا أصحاب دين كذا ليسلّموا كتبهم.
﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: أي فمن أعطى كتاب أعماله من أولئك المدعوين فأخذه بيمينه كان ذلك تبشيرا وتشريفا له.
﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾: أَي فهؤلاء المختصون بتلك الكرامة يقرأ كل منهم كتابه، وحين يسر بقراءته ينادي إخوانه مبتهجا تعالوا فاقرءُوا كتابي، لتروا ما أَكرمني الله به من الثواب العظيم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (١).
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: أَي ولا ينقصون من ثواب أَعمالهم المكتوبة في صحائفهم أَي شيء ولو بلغ الغاية في القلة. فكان قدر فتيل وهو الخيط الرفيع في شق النواة ويضرب به المثل في الصغر وفيما لا قدر ولا اعتداد به لدى المخلوقين.
٧٢ - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الآية.
أي ومن كان في الحياة الدنيا أعمى البصيرة عن حجج الله وبيناته، وعن كل ما أولاه الخالق جل شأنه من نعم ظاهرة وباطنة. فهو في الآخرة أَعمى لا يهتدى إلى ما ينجيه. ولا يجد ما يجديه، لأن عماه في الدنيا بإِعراضه عن توحيد الله أوجب هذا التخبط في الآخرة والحرمان فيها.
وعن ابن عباس: ومن كان في هذه النعم والآيات التي رأى أَعْمى، فهو في الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا. وقيل ومن كان في هذه الدنيا أَعمى القلب حشر يوم القيامة أَعمى العين كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: عما كان عليه في الدنيا، حيث استحالت عليه جميع أسباب النجاة لفقده كل طريق يوصل إِليها، إذ لا توبة في تلك الدار ولا إِمهال. ولا عودة لتدارك ما فات.
стр. 2552
وهذا الفريق الذي عميت بصيرته في الدنيا وكان أَعمى في الآخرة، هو لفريق الذي أَوتى كتابه بشماله، بدلالة ذكره مقابلا للفريق الذي أوتى كتابه بيمينه، ولم يذكر بعنوان أوتي كتابه بشماله صريحا كما ذكر الفريق الأول بعنوان إيتاء كتابه بيمينه، اكتفاء بذكر السبب الموجب لذلك وهو ونه أعمى البصيرة في الدنيا، وأَعمى وأَضل سبيلا في الآخرة.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾
المفردات:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾: وإِن قاربوا ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾: ليصرفونك. ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾: لتختلق.
﴿خَلِيلًا﴾: صفيا وصاحبا من الخُلة، بضم الخاء وهي الصحبة.
﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾: تميل إليهم.
التفسير
٧٣ - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ … ﴾ الآية.
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، إن وفد ثقيف أَتوا النبي ﷺ فسألوه شططا وقالوا متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدي لها فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحرم وادينا كما رمت مكة حتى يعرف العرب فضلنا عليهم، فهمَّ رسول الله ﵊ أن يعطيهم ذلك فنزلت. وقيل سبب نزولها هو قول أكابر قريش
стр. 2553
للنبي ﷺ اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالى، حتى نجلس معك ونسمع منك، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم فيما يقولون فعصمه الله وأَنزل الآية.
والمعنى: وإِنه كاد هؤلاء المشركون بما اقتوحوه عليك أَن يوقعوك في الفتنة بأن تستجيب إلى ما طلبوه منك من أمور تقربك منهم.
﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾: أَي يأملون بذلك أَن تختلق علينا غير الذي أنزلناه إليك، وأَمرناك باتباعه فتخالفه إلى تنفيذ ما اقترحته عليك ثقيف من تحريم واديهم كتحريم مكة أَو طلبته قريش من إِقصاء الفقراء عنهم، فكادت نفسك تميل قليلا إلى موافقتهم رجاء إيمانهم رحمة بهم.
﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾: أَي لو استمعت إليهم لقربوك منهم، صفيا وصاحبا وكنت وليًّا لهم.
٧٤ - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾:
أَي ولولا تثبيتنا إِياك وعصمتنا لك لقاربت أَن تميل إِليهم ميلا قليلًا لشدة احتيالهم عليك، وخداعهم لك ومكرهم بك، ولكنك أَدركتك عنايتنا، فحالت بينك وبين القرب من أدنى مراتب الركون، وهذا صريح في أَنه ﷺ ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إِليها، قال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ معصوما، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أَحد منهم إِلى المشركين في شيء من أَحكام الله تعالى وشرائعه.
٧٥ - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾:
أَي لو قاربت الركون إليهم لجمعنا عليك عذابا مضاعفًا في الدنيا والآخرة، حيث يكون هذا العذاب ضعف ما يعذب به غيرك في الدارين إذا فعل مثل هذا الفعل، لأنه كلما كانت الدرجة أَعلى والمنزلة أَسمى كانت المؤاخذة على الخطيئة أَشد وأَقوى.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾: يمنع عنك العذاب ويحول بينك وبينه إذ لا سلطان فوق سلطاننا حتى تجد فيه ملجأ أَو معينًا.
стр. 2554
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾
المفردات:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾: أَي وإن قاربوا. ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾: ليزعجونك، يقال استفزني فلان أزعجنى. ﴿خِلَافَكَ﴾: بَعدك.
التفسير
٧٦ - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾:
قال مجاهد وقتادة: نزلت هذه الآيات في همِّ أهل مكة بإِخراجه ﷺ من أُم القرى ولو أَخرجوه منها لما أمهلوا ولكن الله أَمره بالخروج فخرج.
والمعنى: قارب أهل مكة أن يزعجوك بعداوتهم وشدة إيذائهم. ليخرجوك من الأرض الطيبة أرض مكة قبل أن يأْذن الله لك بالهجرة.
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
أَي ولو حققوا ما همُّوا به، بإكراهك على الخروج لم يبقوا بعد إكراهك عليه إلا زمنا قليلا يستأصلون ويهلكون جميعًا بعده.
والواقع أنه ﷺ لم يخرج من مكة بإكراه قريش له، وإِن كانوا قد هموا به بل كان خروجه بأمر ربه حين أذن له في الهجرة، حفاظا على الدعوة وتمكينا لها من المضي في طريقها لأداء مهمتها السامية في جو من الأمن والاستقرار. وليسلم منهم ومن أَعقابهم من يشرف بالإِسلام، لذلك لم يقع لهم الاستئصال، وعن مجاهد قال: أَرادت قريش ذلك ولكنها لم تفعل لأنه سبحانه أَراد استبقاءَها وعدم استئصالها ليسلم منها ومن أَعقابها من يسلم، فأذن لرسوله بالهجرة، فخرج بإذنه لا بإخراج قريش وقهرهم.
стр. 2555
وأسند الإخراج إليهم في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (١). وفي قوله ﷺ : "أَوَ مخرجي هُمْ". وفي قول ورقة - ليتني كنت جذعا إِذ يخرجك قومك، - أَسند الإخراج إِليهم - لِهَمِّهِمْ به ومزاولة مقدماته باستفزازهم له ولأصحابه.
٧٧ - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾:
أَي سننا سنة في أُمم المرسلين قبلك، وهي إن تعذب كل أمة كفرت برسولها وآذته وجعلته يخرج من بين أظهرها، وذلك بإِهلاكها بحيث لا تلبث بعده إلا قليلًا حتَّى يحيق بها الدمار والنكال، ولولا أنه ﷺ رسول الرحمة لجاء قومه والذين كفروا بها بعذاب من عند الله لا قبل لهم به في الدنيا. لهذا قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢). وإِسناد السنة إلى الرسل مع أَنها لله جل شأنه لأَنها سنت لأجلهم.
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾: أَي لا خلف في وعدها ولا تغيير في وقتها ونوعها.
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾
стр. 2556
المفردات:
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لميلها عن وسط السماء. يقال "دلكت الشمس" أي مالت وانتقلت من وسط السماء إِلى ما يليه غَرْبًا. ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: شدة ظلمته، يقال غسق الليل غسقا ويحرك وغسقانا وأَغسق اشتدت ظلمته، ويطلق الغسق على ظلمة أول الليل. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: قراءته والمراد بها صلاته. ﴿فَتَهَجَّدْ﴾: الهجود النوم، والتهجد التيقظ منه للصلاة.
﴿نَافِلَةً﴾: زائدة على الفريضة. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: إِدخال صدق، فهو مصدر ميمى من الرباعي، وكذلك ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أَي إِخراج صدق. ﴿سُلْطَانًا﴾: حجة لها سلطة على العقل بقولها.
التفسير
٧٨ - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾:
لما ذكر سبحانه في الآيات السابقة محاولة المشركين صرفه ﷺ عن الدعوة وإِزعاجه بالفتن والأذى، أَتبعها هذه الآيات بأَمره فيها بإقامة الصلاة لما فيها من التثبيت والصبر والقوة الروحية على مجابهة فتن المشركين.
والمعنى: أقم الصلاة أَيها الرسول وسائر المؤمين عند ميل الشمس عن وسط السماء إلى أَن تشتد ظلمة الليل بعد غروبها، وهذا الوقت يشتمل على أربع صلوات هي الظهر.
والعصر والمغرب والعشاءُ.
والأَمر بإقامتها بين دلوك الشمس وغسق الليل يراد به إقامة كل صلاة منها في وقتها الذي عين لها بينهما، ببيان جبريل ﵇. كما أن كيفية كل صلاة منها بينها النبي ﷺ عن ربه، بتعليم جبريل ﵇، وإِنما فرضت في الأوقات المعينة لها لأن شأن الإِنسان فيها أن يكون متيقظًا وقد أفرد الله تعالى صلاة الفجر بأَمر خاص تضمنه قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ اهتماما بها لأنها تكون بعد نوم يفصلها عن الصلوات الأربع، وعبر عن صلاة الفجْر بالقرآن لأَنها يطلب فيها تطويل القراءَة أَكثر من غيرها، ولهذا تشهدها الملائكة كما سيأتي، وبذلك تكون الآية الكريمة قد أَشارت إِلى الصلوات الخمس.
стр. 2557
وقيل المراد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ صلاة المغرب، ويكون معنى دلوك الشمس غروبها وغسق الليل ظلمته، باختفاء الشفق فيكون آخر وقت صلاتها أَداء.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حينما يتعاقبون، والمراد بهم الكتبة، وقد روى الترمذي عن أَبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حديث صحيح، وأَخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يَتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر" وقيل تشهده كثرة من المصلين عادة أو من حقه ذلك، أَو تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة، واليقظة بالنوم وهو أَخو الموت، وإظهار لفظ القرآن في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام به.
٧٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (١) … ﴾ الآية.
التهجد التيقظ بعد النوم، والمقصود بالتهجد هنا الصلاة ليلا بعد النوم، والضمير في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ يعود على القرآن، أَي فتهجد بالقرآن وصل مُتَلبسًا بقراءته بعد الفاتحة، وذلك بعد قيامك من النوم ليلًا، ويستدل بذلك على تطويل القراءة في التهجد ويجوز عود الضمير على الليل. والباءُ بمعنى في. أي: وبعض الليل وفتهجد فيه.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: فريضة زائدة على المفروض على الأمة. خاصة بك فالخطاب فيه للنبي ﷺ ، وقيل كانت في الابتداءِ واجبة عليه وعلى الأمة ثم نسخ الوجوب وصار الأَمر فيها للندب، فهو إِذا تطوع بما ليس بواجب عليه، كان ذلك زيادة له في الدرجات. أَما غيره من الأمة فتطوعه لجبر نقص ولتدارك خلل يقع في الفرض أَو لتكفير ذنب يلم به أَو لزيادة ثواب. قال معناه مجاهد وغيره.
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: أَي وبعض الليل فتهجد فيه لتكون على رجاء أن يبلغك ربك إِلى كمالك الذي أنت أهل له في الدار الآخرة. فيقيمك في مقام محمود عند نفسك وعند الناسِ أجمعين. وذلك هو مقام الشفاعة العظمى في فصل
стр. 2558
القضاء، حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه ﷺ ، قال ابن عباس ﵄: "مقامًا يحمد فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تَسْأَل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أَحد إِلا تحت لوائك". وقيل المقام المحمود هو إِعطاؤُه ﵇ مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أَصلا، وعلى الجمله فالمقام المحمود ينتظم كل مقام بتضمن كرامة له ﷺ ويشير إِلى ذلك التنكير في قوله: ﴿مَقَامًا﴾ حيث يفيد التعميم والتفخيم.
٨٠ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١):
لما وعد الله رسوله المقام المحمود، أَمره أَن يتجه إليه بدعائه لينجز له وعده أَي قل مناديًا ربك: أَدخلنى فيما أَمرت به من الطاعات إِدخالا مرضيا، وأَخرجني عما نهيت عنه إخراجا نظيفا من المعاصي، وهيئ لي كل أسباب العزم والقوة لجهاد أعداء دينك، حتى أَنتصر عليهم بسلطانك وتأْييدك، حتى أَكون أهلا لما وعدتني من المقام المحمود، وقيل علمه جل شأنه أَن يدعوه بأَن يخرجه من دار المشركين دار الإِيذاء والغدر، وأَن يُدخله موطنا للطمأنينة والأمن فدعا ربه كما أَمره فأَخرجه من مكة وأَدخله المدينة، وروى هذا المعنى الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة مهاجرًا، ودخوله مكة يوم الفتح آمِنًا - وتقديم الإِدخال في الآية على الإِخراج مع أَن إخراجه من مكة أَسبق من إدخاله فيها بعد ذلك، لأن إِدخاله فيها هو الهدف المقصود، وقيل المعنى: أَدخلني في الأمر الذي أَكرمتني به من النبوة مدخل صدق وأَخرجنى منه مخرج صدق إذا أَمتنى، قاله مجاهد.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾:
أَي حجة ثابتة وبرهانا بينا يكون به النصر على من يخالفني، وكون السلطان مرادًا به ما ذكر، موافق لرأْى الشعبى وعكرمة. وذهب الحسن إِلى أَن المراد به إظهار دينه على الدين كله، بالتسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحد، وبعصمته من كل أذى يوجه إِليه وإِلى دين الله. وقد استجاب الله لدعاء رسوله، فأَظهر دينه على الأَديان كلها وعصمه من أَذى الناس وكيدهم، يشير إِلى ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
стр. 2559
﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). وقد أشعر وصف "سلطانا" بقوله "نصيرا" وهي من صيغ المبالغة - أَشعر بأنه ﷺ يدعو بنصر حاسم.
٨١ - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾:
أي وقيل جاءَ الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم برده، وهو الإِسلام المؤيَّد بمعجزة القرآن الكريم، الداعي إِلى الإيمان الصادق والعلم النافع، وذهب الباطل واضمحل فهلك الكفر والشرك، وما زينه الشيطان من شرور وآثام.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: وعد من الله جل شأنه بنصر الحق على الباطل أَي أن الباطل شأنه عند الله أن يكون مضمحلا ولا بقاء له مهما طال به الأمد، وامتد به الزمن، وتعدد المستمسكون به، وفي بيان ذلك يقول سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (٣) ويروى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نصبا - فجعل النبي ﷺ يطعنها بمخصرة في يده، وربما قال: بعود، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ جاء الحق وما يبدئُ الباطل وما يعيد، هذا لفظ رواية الترمذي، قال القشيرى: فما بقى منها صنم إلا خر لوجهه، ثم أَمر بها فكسرت.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾
المفردات:
﴿خَسَارًا﴾: الخسار، الهلاك والضلال.
стр. 2560
التفسير
٨٢ - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ … ﴾:
أي شفاءٌ لما في الصدور من شك ونفاق، وزيغ وشرك، وذلك بتخليصها من مرض الجهل، وداء العناد، وشهوة الإعراض حتى تستبين الأمور الدالة على الله تعالى، فالقرآن في تقويم النفوس، وتنقية القلوب كالدواء الشافى للمرضى، وهو جميعه كذلك. ويرى بعض العلماء أَنه يستشفي به من الأمراض الظاهرة، استنادا إلى حديث صحيح في ذلك، قال القرطبي: روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ثلاثين راكبًا، قال فنزلنا على قوم من العرب، فسألناهم أن يضيِّفونا فأبوا - قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: فيكم أحد يرقى من العقرب؟ إن الملك يموت. قال.: قلت أنا - نعم، ولكن لا أَفعل حتى تعطونا، فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه "الحمد لله رب العالمين" سبع مرات فبرأ، فبعث إلينا بالنُّزل (١)، وبعث إلينا بالشاء (٢)، إلى آخر الحديث.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: هو رحمة لهم، ففيه بواعث الإيمان والحكمة، والرغبة في كل فضيلة ومكرمة، فتعمهم بالعمل به الرحمة التي تشمل تفريج الكروب. وتكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: أي ضلالا وهلاكا لتكذيبهم المتتابع، وكفرهم المتكرر بكل آية يوحى بها، وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن، باعتبار كونه سببها حيث تمادوا في كفرهم به وتكذيبهم له كلما أُنزل، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (٣).