وخوفهم من ذلك وهم غارقون في غفلة عن سوء مصيرهم في هذا اليوم وحالهم أنهم لا يؤمنون. فلعلهم بهذا الإنذار يفيقون من غفلتهم، ويثوبون إِلى رشدهم، ويؤمنون بربهم وبمحمد نبيهم، فينجون من عذاب يوم الحسرة، إِن عذابه لأليم مقيم.
قال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمَّد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دَخل أهلُ الجنة الجنة وأهلُ النارِ النار، يجاءُ بالموت كأنه كبش أَملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون ويقولون نعم. هذا الموت. قال: فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون ويقولون نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأَشار بيده، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك.
ومجئ الموت في هذه الصورة الحسية التي أبرزت فناءَه بعد أن كان يميت الناس، تبشير لأهل الجنة ببقائهم الدائم في نعيمهم، وتحزينٌ لأهل النار وتيئيسٌ لهم من مفارقة ما هم فيه من شقاء.
وقال أبو حيان: الضمير لجميع الناس - والمعنى: خوِّفهم قاطبة يوم يتحسرون، فالظالمون يتحسَّرون على ما فرطوا في جنب الله، والمحسنون يتحسَّرون على قلَّة إحسانهم وتوهم تقصيرهم في طاعتهم ..
٤٠ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا … ﴾ الآية.
يخبر الله تعالى أَنه المالك المتصرف، وأن الخلائق كلها تهلك وتفنى، ولا يبقى غيره سبحانه، فيكون ميراث الأرض ومن عليها له وحده وهو خير الوارثين.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي يردون إلينا يوم القيامة للجزاء والحساب لا إلى غيرنا استقلالًا عنا أَو اشتراكًا معنا ..
﴿كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾: أي عاصيا. إذْ العصى والعاصي بمعنى واحد. يقال عصاه فهو عاصى وعصى.
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: أَي نصيرا وقرينًا تصاحبه في النار.
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١): أَي دهرًا طويلًا.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾: بمعنى أحاطنى بكثير من رعايته وإكرامه، يقال حفى به كرضى، حَفاوةً بفتح الحاء. وحِفاية بكسرها فهو حاف وحفى بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح ....
التفسير
٤١ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ .... ﴾ الآية.
العطف في الآية الكريمة على "اذكر" في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ أو على ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي اتل أيها النبي على قومك نبأ إبراهيم ﵇ في القرآن الكريم، وبلغهم قصته. فقَد عرفوا أنهم من ولده وينتمون إِليه، ويدعون أنهم على ملته، فعساهم يقلعون عما هم فيه من القبائح التي من أَشنعها عبادة الأصنام.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: أي جامعًا بين ملازمة الصدق في كل شئونه ما يأتى منها وما يدع، وبين النبوة، فهما وصفان متأصلان فيه وفق إعداد الله له، وقال الكشاف: الصدِّيق من أَمثلة المبالغة. والمراد أنه غلب كل من عداه في فرط صدقه، وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله وكل ما وصل إليه عن الله تعالى، فكان نبيًا في نفسه بخلقه وسيرته، لأن ملاك أمر النبوة الصدق وقد صدق في قوله وعمله، وصدّق الأنبياءَ والمرسلين قبله. كما يقول تعالى ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢). ومن صدقه الله بآيَاته ومعجزاته حرى أَن يكون كذلك. انتهى باختصار.
стр. 2734
وجملة ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ استئناف مسوقٌ لبيان الحكمة في ذكر قصة إبراهيم ﵇ في الكتاب والتنويه بشأنه، فكأَنه قيل: واذكر في القرآن إبراهيم لأنه كان صدّيقًا نبيًا، فهو جدير بأَن يذكر فيه تنويها بشأنه …
٤٢ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ … ﴾ الآية.
سلك إبراهيم ﵇ في دعوة أَبيه إِلى ترك عبادة الأصنام أقوم منهاج للنصح والإرشاد حيث التزم معه الأَدب الحسن، والتواضع الجم، والحجة الواضحة، لئلا يركب متن المكابرة والعناد، فيعرض عن الاستماع إليه بادئَ ذى بدءٍ، ويَنْكُبَ عن كل طريق قويم يدعوه إلى سلوكه. فقد تقدم إِليه فناداه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ليحرّك فيه بهذا النداء الحانى عاطفة الأُبوة، فيستمع إلى استفهامه وهو ينكر عليه عبادة ما لا يستحق أن يعبده، حيث قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ أي لم تعبد ما لا يسمع ثناءَك عليه عند عبادتك إِياه، وما تلتمسه منه من جلب نفع أو دفع ضرّ، ولا يبصر خضوعك له وخشوعك في حضرته وما تقدمه إليه من صلات وقرابين، أو لا يسمع ولا يبصر شيئًا من المسموعات والمبصرات، فيدخله في ذلك ما ذكر سابقا دخولا أَوليا.
﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾: أي لا يقدر على أن يجلب لك نفعا أو يدفع عنك ضرا، فهو بهذا التساؤل يطلب من أبيه الجواب عن علة عبادة هذا الذي يستخف به كل عاقل من عالم أو جاهل ويأْبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغايةُ البالغة من الإكبار والتعظيم، وهي لا تحق إِلا لمن له الاستغناءُ التام، والإنعام العام، والخلق والتكوين، والإِحياءُ والإماتة، وفي هذا تنبيه على أن العاقل يجب أَن يفعل كل ما يفعل لغرض صحيح وإدراك قويم، فكيف يتخذ غير الله معبودًا وإِن علا شأْنه، إذ أَنه مثله في الحاجة والانقياد. فما ظنك بجماد مصنوع ليس له أوصاف الأحياءٍ، وليس فيه غناءٌ، إنه إفك وضلال بعيد ..
وبعد أن بين له في رفق وحكمة ضلاله الكبير بعبادة الأصنام، دعاه إلى الحق المبين والعم الإلهى الذي آتاه الله إِياه، ملتزما معه أسلوب الاستمالة والاستعطاف فق
стр. 2735
٤٣ - ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي … ﴾ الآية.
لم يصف أباه بالجهل المفرط، وإن كان قد بلغ فيه الغاية، ولا وصف نفسه بالعلم الفائق الذي منحه الله إياه فهو نبيٌّ مرسل، بل جعل نفسه معه في صورة رفيق يصاحبه ويخلص له، حتى يستميله إِلى ما يدعوه إليه، فيسير إِلى جانبه في طريق الهدى والرشاد، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:
﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾: أي فاتبعنى إلي ما أدعوك إليه، أُرشدك إلى دين قويم يوصلك إلى أسنى المطالب ويبعدك عن الضلال المؤَدى إلى أفدح المعاطب ..
والظاهر أن هذه المحاورة كانت بعد أن نُبِّئَ، بدليل قوله: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ أي جاءَنى العلم بما يجب في حقه تعالى وما يمتنع وما يجوز، على أَتمّ وجهٍ وأكمله. وقيل العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها، وقيل بما يعم ذلك. وهو الأنسب .... وقد واصل إبراهيم نصحه لأبيه فقال:
٤٤ - ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ .... ﴾ الآية.
وهنا ثبطه عما كان عليه، بتصوير صنيعه بصورة يستنكرها كل عاقل. وذلك.
ما حكاه الله سبحانه يقوله: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ أي لا تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام التي عكفت عليها، فإِنه هو الداعى إلى ذلك يغريك به، ويدفعك إليه، ومن أطاعه في معصية الله فقد عبده.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾: تعليل للنهى عن عبادة الشيطان وتأكيد له ببيان أنه لا يَعْرف للرحمن حقا، فلهذا كان له عصيّا، أي كثير العصيان حين لم يمتثل أَمر ربه بالسجود لآدم، ثم حرضه على معصية ربه بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، حتى تسبب في إخراجه من الجنة، وكل من هو عاصٍ حقيق بأن ينتقم الله منه.
والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه أكثر قبحا، أو لأنه مترتب على معاداته لآدم ﵇ وذريته، فتذكير أبيه بذلك داع إلى الاحتراز عن طاعته وموالاته، والتعبير بلفظ الرحمن مشير إلى الإنعام والرحمة منه تعالى والشناعة البالغة من الشيطان لعصيانه للرحمن سبحانه، إِذ أَن رحمته تستوجب طاعته جل وعل
стр. 2736
٤٥ - ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ … ﴾ الآية.
لا يزال الحديث متصلًا بين إبراهيم ﵇ وبين أبيه، فإنه في هذه الآية يحذره عاقبة عبادتة للشيطان من العذاب الفظيع، وهو في تحذيره إياه يبرز له ما يشير إلى مزيد من المجاملة له والاعتناء به. حيث بين أنه مدفوع لذلك النصح بدافع الخوف عليه مما يُبْتلى به، مع مراعاة الأدب معه حيث لم يصرح له بأن العذاب لاصق به، والعقاب واقع عليه بل قال: إني أخشى أن يمسك عذاب من الرحمن.
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: أَي قرينا له ومصاحبا إياه في العذاب الأليم، واللعن الدائم.
ومواجهتُهُ بولاية الشيطان التي يترتب. عليها مَسُّ العذاب الشديد مع أَن المقام معه مقام إظهار الشفقة عليه، لأن القسوة أَحيانا تكون من الرحمة والشفقة كما قال الشاعر:
فَقَسَا لِيزْدَجِرُوا وَمَنْ يكُ حازمًا … فَلْيَقْسُ أحيْانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
٤٦ - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ … ﴾ الآية.
تمادى أبو إبراهيم في عناده وإصراره على كفره فقال: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ … ﴾ حيث توجه إلى إبراهيم ﵇ باستفهام يستنكر به رغبته عن آلهته وانصرافه عنها، مع ضرب من التعجب. كأَن الرغبة عنها في تقديره مما لا ينبغي أن يصدر عن العاقل، فكيف بمن يعمل مع ذلك جاهدا على ترغيب غيره عنها! ثم قال له محذرا ومتوعدا:
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: أَي لئن لم تترك ما أنت عليه من النهي عن عبادتها، والدعوة إلى ما دعوتنى إليه من التوحيد. لأرجمنّك بالحجارة، على ما روى عن الحسن.
وقيل باللسان والمراد لأشتمنّك وروى ذلك عن ابن عباس …
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾: أي وابتعد عني بهجر جوارى دهرًا طويلًا، حتى لا يقع بك ما حذرتك منه. وقال علي بن طلحة وغيره عن ابن عباس: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ - قال: سالما سويا قبل أن تصيبك مني عقوبة، واختاره ابن جرير الطبرى: انظر ابن كثير ..
٤٧ - ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي … ﴾ الآية.
لم يعارضه إبراهيم ﵇ بما يسئُ إليه ردعا له، بل أَجابه بما عوّده إِياه من احتمال له، وتلطف به، ومقابلة للسيِّئة بالحسنة، فقال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أَي أَمان واطم
стр. 2737
فلا أُجيبك بمكروه، ولا أشافهك بما يؤذيك. فهو سلام توديع ومفارقة أَو تقريب وملاطفة، ولذا وعد أَباه في الآية بالاستغفار. ومن قال إن سلامه على أَبيه كان تحية مفارق، فهذا على رأى من يجوز تحية الكافر بدءا أو إجَابَةً. قيل لابن عيينة هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ (١)﴾ الآية. ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ بمعنى أَني سأطلب منه متضرعا إليه أَن يغفر لك بأن يوفقك للتوبة، ويهديك إِلى الصراط المستقيم فيكون استغفاره له مرادا منه طلب الهداية له، والاستغفار للكافر بهذا المعنى جائز قبل موته علي الكفر أو تحقق أَنّه لن يؤمن وكان هذا الاستغفار لأبية على هذا النحو ناشئا عن موعدة وعدها آزر إبراهيم ﵇ بأن يؤمن بما جاءه به فلما تبين لإِبراهيم أن أباه عدوّ لله تبرأ منه كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (٢). وقد استغفر له مدة طويلة قبل انقطاع رجائه في إيمانه، كما تشير إِلى ذلك هذه الآية وغيرها من الآيات التي تشتمل على قصته كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٣).
﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾: أي بليغا في البر بي والإكرام لي، فلهذا أرجو أن يجيبنى إِذا دعوته ..
٤٨ - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أَي وأَجتنبكم وأَتبرأُ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله حفاظا على دينى، حيث لم ينفعكم ما قدمته لكم من نصح وإرشاد ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾: وأَتجه إليه وحده بعبادتى، كما يفهم من اجتناب غيره من المعبودات، والمراد من الدعاء العبادة. وجوز أَن يراد به الدعاءُ مطلقا، فتدخل فيه العبادة لما فيها من الدعاء، ولا يبعد أن يريد بدعائه ربه أن يطلب منه الولد، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾: خائبا ضائع السعى عديم الأثر، وفيه تعريض بشقائِهم في عبادة آلهتهم ولفظ عسى يستعمل للترجّى، ولكنها هنا تفيد القطع بعدم
стр. 2738
شقائه بدعائه ربه؛ لأنَّ من يدعو الله لا يكون شقيا، ولأن إِبراهيم ﵇ سيد الأنبياء بعد محمَّد ﷺ ، فكيف يكون شقيا بدعاء ربه، ويحمل التعبير بها على التواضع وحسن الأدب، والتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل منه لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة، وذلك من الغيوب المختصة بالعليم الخبير. أفاد هذا روح المعانى …
٤٩ - ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
أي فلما ترك ديار أبيه وقومه مهاجرًا إلى الشام، أبْدَ لَهُ الله من هو خير منهم، كما قال سبحانه: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: عن ابن عباس وغيره: آنسنا وحشته بولد اهـ.
ونص هنا على أن الموهوب له بعد الهجرة هو إسحاق وابنه يعقوب، لأنهما هما اللذان ولدا بالشام التي اعتزلهم إليها، وكانا من ذرية "سارة" وهذا لا يمنع من أنه وهب له قبل ذلك إِسماعيل، فهو ابنه البكر من جاريته "هاجر"، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (١). كما يدل له التبشير بإِسحاق عقب قصة الذبيح مكافأة له على شروعه في ذبحه بعد أن أُمِرَ به في منامه، قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
ولعل ترتب هبة إسحاق ويعقوب فحسب على اعتزاله لقومه لإِبراز كمال النعمة التي أعطاها الله إياه، لما خصهما به من أولاد وحفدة أولِى شأْن خطير وذوى عدد وفير، وهما شجرتا الأنبياء الكثيرين، من عرف منهم ومن لم يعرف ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾: أي وكل واحد من إِسحق ويعقوب وهبه الله النبوة في حياة إبراهيم ﵇، فأقر الله عينه بنبوة ابنه وحفيده قبل وفاته، بعد أَن حقق له بشارة ملائكته بميلاد إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب في حياته كبر سنه وعقم زوجته.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: والمقصود بالرحمة التي وهب لهم كل خير دينىّ ودنيوىّ أوتوه. وقال الحسن: الرحمة النبوة. وذكرت بعد جعلهم أَنبياء للإيذان بأن النبوة
стр. 2739
من الرحمة التي يختص بها من يشاءُ. وقال الكلبي: الرحمة المال والولد، والرأي الأول أَشمل وأعم.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾: أي أثنينا عليهم ثناءً حسنًا، وجعلنا جميع الأُمم والملل تطريهم مهما تباعدت الأعصار، وتعاقبت الأزمنة. وإضافة لسان إِلى صدق ووصفه بقوله: ﴿عَلِيًّا﴾ للدلالة على أنّهم حقيقون بالثناء عليهم، وأن محامدهم لا تخفى علي أَحد، صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابِ﴾: المراد به هنا القرآن كما تقدم.
﴿مُخْلَصًا﴾: مختارا، أَي أَخلصه الله واختاره.
﴿رَسُولًا نَبِيًّا﴾: رفيع القدر من النَّبْوَة بمعنى العلو والرفعة أو من النبإ وهو الخبر.
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾: مناجيًا من المناجاة وهي المسارَّة بالكلام.
التفسير
٥١ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا … ﴾ الآية.
لما أمر الله تعالى محمدًا ﷺ أن يذكر لقومه قصة إبراهيم ﵇ في القرآن تعظيمًا لشأنه وبيانًا لجهاده في توحيد ربه، عطف عليها أمره إِياه بذكر نبإ الكليم ﵇ بيانًا لقدره وثناءً عليه.
والمعنى: واذكر أَيها الرسول في القرآن موسى تعظيمًا لشأنه فإنه كان مُخلصًا من كل ما يشينه، وقرئ بكسر اللام بمعنى أنه أخلص لله عبادته - حتى كانت منزهة عن الشرك والرياء.
стр. 2740
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: مرسلًا إِلى الخلق لتبليغ رسالة ربه وأَحكام دينه، كما كان رفيع القدر عظيم المنزلة عند ربه، حيث اصطفاه علي الناس برسالاته وبكلامه، وجعله نبيًّا لقومه، يخبرهم برسالته وما اشتملت عليه من التوحيد والشرائع.
وقد جمع له بين الوصفين: الرسالة والنبوة، وهو تشريف له عظيم.
٥٢ - ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾:
أي كان النداءُ مقبلًا من جانب الطور الأيمن لموسى ﵇، والطور الذي حصل النداءُ من جانبه، جبل في سيناءَ التابعة للقطر المصرى، ويجوز أَن يكون الأيمن من اليمن والبركة، فيكون وصفًا لجانب، أي من جانبه الميمون المبارك، وكان موسى عائدًا من مدين إلى مصر ومعه زوجته بنت شعيب، ومن تلك الجهة التي على يمينه أو الميمونة ظهر له كلام الله تعالى الذي ناداه به، وقربه بسببه تقريب تكريم وتشريف، حيث اختاره لمناجاته ومسارَّتِه. مثَّل حاله ﵇، بحال من قرَّبه الملك لمناجاته، ورفع الوسائط بينه وبينه ثقة به وإِعلاءً لقدره، فالتقريب معنوى لا حسِّي، تعالى الله عن الحلول بمكان وعن الجسدية والقرب المكاني ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
٥٣ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا … ﴾:
المعنى: من أجل رأْفتنا بموسى ﵇، ورعايتنا لشأنه، وهبنا له مساعدة أخيه هارون ومؤازرته، استجابة لدعوته التي طلبها بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ (٢). ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أَعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا. ذكره ابن كثير.
стр. 2741
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾
التفسير
٥٤ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ … ﴾ الآية.
الذي ذهب إِليه الجمهور، أَنه إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وهو الحق، وفصل ذكره عن ذكر أبيه وأَخيه، بذكر موسى ﵈، لإِبراز، كمال العناية بأمره ثناء عليه بأشرف الخلال التي أَشار إليها قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.
وهذه الجملة تعليل لإيجاب الأمر بذكره في الكتاب، ووصف ﵇ بأنه كان صادق الوعد لكمال شهرته به ببلوغه درجة من الوفاء لم تعهد من غيره، ولا أدلّ على ذلك من أنه وَعَدَ بالصبر على الذبح بقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). فوفّى وصدق، وقيل لم يَعِدْ ربه موعدًا إلاَّ أَنجزه وإنما خصه الله بالوعد الصادق، وإن كان ذلك موجودًا في غيره من الأنبياء تشريفًا له وإشارة إِلى أَنه بلغ فيه الغاية العظمى.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: أي كان رسولًا إلى قبيلة جرهم على شريعة أَبيه إِبراهيم ﵉، فإن أولاد إِبراهيم جميعًا كانوا على شريعته. وكان ﴿نَبِيًّا﴾ يخبرهم بتلك الشريعة مع تبشير الطائعين وإنذار المفرطين، والجمع لإسماعيل بين وصفى الرسالة والنبوة إشارة إِلى عظيم مكانته عند الله، وقد دلت الآية على أَنه لا يشترط في الرسول أن يكون صاحب رسالة خاصة وشريعة مستقلة، فقد بعث إسماعيل بشريعة أبيه إبراهيم إِلى جرهم، ولعل ذلك بسبب معاصرته لأبيه إبراهيم، وأن إِبراهيم لم يكن رسولًا مباشرا لجُرْهم والله أعلم.
стр. 2742
٥٥ - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ … ﴾ الآية.
هذا أيضًا من الثناء الجميل على إسماعيل ﵊ لأنه كان يأْمر عشيرته وذوى قرباه بإِقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والمثابرة وبذل الجهد اشتغالًا منه بالأَهم، وهو أَن يبدأَ بتكميلهم بعد تكميل نفسه، يشير إلى هذا قوله سبحانه لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢) ولا شك أن الأَنبياءَ وأَهليهم قدوة لأممهم، فلهذا كان معنيًّا بتكميل نفسه وأسرته، والمراد بالصلاة والزكاة معناهما المعروف، فالصلاة إِشارة إِلى العبادة اليومية والزكاة إشارة إلى العبادة المالية. وقيل: المراد بالزكاة مطلق الصدقة، وقيل تزكية النفس وتطهيرها.
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: لاتصافه بأكمل النعوت وأشرفها، حيث استقامت أَقواله وأفعاله، فكان عند ربه موضع الرضا والتكريم.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾
المفردات:
﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾: واصطفينا. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾: خر الشيءُ سقط وهو من باب ضرب والمراد بخرورهم سجدا: وضع جباههم على الأرض. وسجَّدا، جمع ساجد، ﴿وَبُكِيًّا﴾؛ جمع باك.
стр. 2743
التفسير
٥٦ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ .... ﴾ الآية.
إدريس ﵇ اسمه أعجمى وليس مشتقا من الدرس لأن الاشتقاق من غير العربي لم يقل به أحد، وهو أول من نظر في النجوم والحساب وجعل الله ذلك من معجزاته كما في البحر، كما قيل أنه أَول من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأَول من اتخذ الموازين والمكاييل والأَسلحة، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، فكان أَول مرسل من بني آدم.
ولكن هذه التفاصيل لم ترد في السنة النبوية، والله أعلم بصحتها، وحسبنا في أَمره قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: أي ملازما للصدق في كل أمر من أموره متصفًا بالنبوة تتويجا لصدقه الكامل.
٥٧ - ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾: هو النبوة والزلفى عند الله تعالى لأَنه كان صوَّاما قوّامًا، يعبد الله ويكثر عبادته، وقيل المكان العلى الجنة كما روى عن الحسن، ولا شئَ أعلى من الجنة، وقد صح في حديث المعراج أنه ﷺ رآه في السماءِ الرابعة وأَنه رحب به ودعا له بخير، وعلى هذا يكون المراد من المكان العلى السماءُ الرابعة، وقيل الذكر الجميل في الدنيا وعلو المرتبة.
٥٨ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ .... ﴾ الآية.
إشارة إلى الأَنبياء المذكورين في السورة الكريمة، والإِتيان بإشارة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ للتنبيه إلى علو مراتبهم. وبعد منازلهم في الفضل والشرف بما أنعم عليهم سبحانه من عظيم النعم الدينية والدنيوية.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾:
أي وممن هديناهم إلى الحق، وشرّفناهم بالنبوة والكرامة.
стр. 2744
قال السدى وابن جرير ﵀: فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به ممن حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم، إسحق ويعقوب وإسماعيل والذي من ذرية إسرائيل (١)، موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم.
قال ابن جرير ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم، لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إِدريس، فإنه كما قيل كان جَدَّ نوح ﵇، وقال القرطبى هذا خطأ.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾: أَي إذا سمعوا كلام الله المشتمل على حججه وبراهينه أَسرعوا ساجدين لربهم خضوعًا وخشوعًا واستكانة - تلهج ألسنتهم بشكره وحمده على ما وهبهم من نعم سابغة. وآلاء عظيمة، تذرف أعينهم دموع المهابة منه.
فلا ترى أحدا منهم إلا باكيًا شعورا منه بالعجز عن تقدير حقه عليه كما ينبغي له، مهما قدم من عمل وبذل من جهد، تلك صفوة مختارة تعلقت نفوسهم بجلاله وامتلأت قلوبهم بهيبته والإذعان له. ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ …
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾
المفردات:
﴿خَلْفٌ﴾: الخلْف، بسكون اللام: الولد الطالح الشرير، والْخَلَف؛ بفتح اللام وسكونها الولد الصالح أو من يأتي بعد مطلقًا، أو البدل. ﴿غَيًّا﴾: الغى، الضلال والهلاك أو السوءُ.
стр. 2745
٥٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ … ﴾ الآية.
أَي فجاءَ من بعد هؤلاء الأنبياء وهم المثل العليا في التقوى والصلاح والمحافظة على أداه الصلاة في أوقاتها تامة الأركان حافلة بالخشوع والخضوع - جاءَ عن بعدهم طائفة مفطورة على الشر مستمسكة به بعيدة عن التقوى والصلاح، متهاونة في أداء الصلاة في أوقاتها أو تاركة لها أو لبعض أركانها، أو مغيرة لصورتها المشروعة، واتبعوا في دينهم وسلوكهم شهواتهم.
﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: فسوف يجدون في الآخرة، ضلالًا عن طريق الجنة، وعذابًا سيئًا في جهنم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ثم فتح باب الأمل للتائبين فقال سبحانه:
٦٠ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾:
أي أن الذين خلفوا الأنبياء بما يناقض عقائدهم وأَعمالهم سيلقون جزاء انحرافهم غيًّا أي ضلالًا وسوء عاقبة، لكن من رجع إلى الله وتاب عن غوايته وأَناب إلى ربه وآمن به إيمانًا صادقًا وعمل عملًا صالحًا فأولئك التائبون المؤمنون الصالحون يدخلهم الله الجنة ولا يعاقبهم بما أسرفوا علي أنفسهم فإن الإيمان الصادق يَجُبُّ ما قبله من السيئاتِ، والتوبة تمحو الحوْبة، ورحمة ربي وسعت كل شيء، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (١).
стр. 2746
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾
المفردات:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات إِقامة وثبات واستقرار.
﴿بِالْغَيْبِ﴾: الغيب ما غاب عن المشاعر.
﴿مَأْتِيًّا﴾: يأتيه من وعد به لا محالة، وقبل: ﴿مَأْتِيًّا﴾ مفعول بمعنى فاعل أي آتيا.
﴿لَغْوًا﴾: اللغو العبث أو الضلال أو ما لا فائدة فيه من القول والعمل.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: البكرة أول النهار إلى طلوع الشمس، والعشى من الزوال إلى غروب الثسمس، والمراد: أن رزقهم دائم؛ لأنه لا بكرة ولا عشى في الجنة.
التفسير
٦١ - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾:
انتقلت الآيات إِلى وصف الجنة التي وعد الله بها التائبين، وقد جاء في وصفها هنا أَنها جنات عدن، أي جنات إقامة واستقرار وثبات، والله لا يخلف وعده، فإن وعده آت لا محالة، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (١).
стр. 2747
٦٢ - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾:
ومن صفات هذه الجنات أَنها خالية من العبث والفحش والضلال وما لا فائدة فيه فلا يسمعون فيها ما يعكر عليهم صفاءَهم وإنما يسمعون فيها التحية وأحاديث السلام، ويتمتعون فيها بالرزق الطيب المتاح لهم دائما، جزاءً لما قدموا من تبوبة وإيمان وأعمال صالحات في دنياهم.
٦٣ - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾:
هذا شروع في تعظيم الجنة وبيان من يستحقونها، والمعنى أن هذه الجنة أَعدها الله لمن كان تقيًّا يخشى الله ويبادر بالتوبة إِذا أَذنب ويستمسك بالإيمان والعمل الصالح، والتعبير عن استحقاق الجنة بميراثها للإيذان بكمال استحقاقها، بما يشبه الميراث في القوة والثبوت.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾
المفردات:
﴿نَتَنَزَّلُ﴾: نهبط. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: ما نستقبله من الشئون المختلفة.
﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: ما تركناه خلفنا منها. ﴿نَسِيًّا﴾: كثير النسيان. ﴿سَمِيًّا﴾: شبيهًا ومثيلًا.
التفسير
٦٤ - ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾:
стр. 2748
هذا القول إِما أن يكون من الأَتقياء الذين ورثوا الجنة، فيكون المعنى أنهم ما يتنزلون إِلى وراثة الجنة إِلَّا بفضل الله الذي له ما بين أَيديهم من شئون الآخرة، تركوه وراءَهم من أُمور الدنيا وما بين ذلك من شئون البرزخ، فهو المهيمن عليهم في الدنيا والآخرة، وإِما أَن يكون من كلام جبريل ﵇ بأمر ربه، يحكيه عنه القرآن الكريم، فقد أخرج أحمد والبخارى والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن عباس في سببه قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵊: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾). والمعنى على هذا - وما ننزل إليك أو إلى شأْن من شئون الملكوت برغبتنا، وإِنما ننزل بأمر ربك تنفيذًا لمشيخته، فإِن زمام جميع الأمور بيد الله وحده فهو المالك لما بين أَيدينا من أَمر المستقبل وهو المسيطر على ما خلفنا من شئون الماضي وما هو كائن بين الماضي والمستقبل من الحاضر، وهو الذي يصرفنا بما يشاءُ كيف شاءَ مما تقتضيه حكمته الإِلهية، وهو سبحانه منزَّه عن السهو والنسيان فلن يغفل عنك فإنه ربك المنعم المتفضل الذي منَّ عليك برسالته.
٦٥ - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾:
أي أنه سبحانه رب الكائنات جميعها من سموات وأَرضين وما بينهما من القوى والعوالم الكونية، فهو سبحانه الخالق المدبر فكيف ينساك أو ينسى سواك ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. (١)
﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾: وبما أنه هو الخالق المدبر المسيطر على الزمان والمكان، فتوجه أنت وأُمتك إليه وحده بالعبادة واصبر على ما تقتضيه العبادة من جهود وتكاليف كما قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢).
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أي أَنك يا محمد لا تعلم له سبحانه مشاركًا في اسم الربوبية للسموات والأرض وما بينهما، لأنه سبحانه لا شريك له في ذلك مطلقًا، ومن كان كذلك وجب إفراده بالعبادة والصبر عليها.
стр. 2749
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾
المفردات:
﴿جِثِيًّا﴾: جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه.
﴿شِيعَةٍ﴾: جماعة متقاربة مشتركة في الميول.
﴿عِتِيًّا﴾: طغيانًا وعصيانًا.
﴿صِلِيًّا﴾: احتراقا.
التفسير
٦٦ - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾:
القائل هنا أُبيُّ بن خلف وقيل الوليد بن المغيرة، وسواء صح هذا أَو ذاك سببًا لنزول الآية، فهي عامة في كل منكر للبعث والنشور، أو شاك في أن يعود حيًّا بعد أَن تبلى عظامه فيقول هذا منكرًا أَو متعجبًا - فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
٦٧ - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾:
كرر ذكر الإِنسان في التذكير بالبعث، لأنه يتميز بالعقل وكان عليه أَن يتذكر أَن الله سبحانه خلقه من العدم وأنه برز إلى الحياة بعد أَن لم يكن شيئًا مذكورًا، كما قال سبحانه
стр. 2750
لعبده ورسوله زكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ (١). فالذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا يذكر قادر على إعادته بعد الموت وقد أَصبح شيئًا ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢).
والمعروف لدى الإنسان أن الإِعادة أهون من البدء كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣).
واعلم أن البدءَ والإِعادة سواءٌ عند الله في اليسر والسهولة، فإِنه سبحانه يقول للشئ كن فيكون، ولكن الله يخاطب عباده بما اعتادوا من أن الإِعادة أهون عليهم من البدء، فكيف يستبعدون البعث على الله، وهو إِعادة بعد بداية.
٦٨ - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾:
أَقسم الله سبحانه بربوبيته مؤكدًا بعثهم بعد الموت وحشرهم إِلى موقف الحساب وكل منهم مقرون بشيطانه الذي صرفه عن عبادة الله، وجذبه إلى اتباع أَهوائه وشهواته فينال كل منهما جزاءه العادل.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: ثم لنحضرنهم بعد الحشر والحساب إِلى جهنم ليشهدوا مصيرهم المحتوم وليرى المؤمنون عاقبة الكفار وجزاءهم الرهيب وهم باركون على ركبهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤).
٦٩ - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾:
ثم لنخرجن للعذاب أشدهم عتُوًّا وطغيانًا وتمردًا على الرحمن الرحيم، المنعم على الجميع بالخير والفضل العظيم، ويستمر نزع أَعتاهم فأعتاهم، إلى أَن يحاط بهم، فإِذا اجتمعوا
стр. 2751
طرحناهم في النار على الترتيب، فنقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، قال ابن مسعود في تفسير الآية: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أَتاهم جميعًا ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا: اهـ
وذلك قوله تعالى:
٧٠ - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾:
ثم لنحن نعلم أَكمل العلم، ونعرف أوسع المعرفة من هو أشد استحقاقًا للاحتراق بنار جهنم منهم، ولقد سجلنا عليهم جميع أعمالهم في كتاب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (١) لتكون حجة عليهم.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾
المفردات:
﴿وَارِدُهَا﴾: داخلها أَو مار عليها.
﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: قضاءً نافذًا مبرمًا.
﴿جِثِيًّا﴾: جمع جاث وهو الجالس على ركبتيه.
﴿مَقَامًا﴾: المراد بالمقام الإقامة أَو موضعها.
стр. 2752
﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: الندى موضع اجتماع القوم ومكان حديثهم، فإن تفرقوا فليس بندى قاله الجوهرى: وهم يريدون بكونهم أحسن نديًّا، أنهم في الآخرة في أَحسن مكان حيث يجتمعون في الآخرة في نَدِيِّهمْ على فرض البعث والنشور.
التفسير
٧١ - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
روى الحاكم وأحمد وابن ماجه بسنده عن النبي ﷺ : (الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم بردا وسلاما حتى أَن للنار ضجيجًا من برْدِهِمْ) ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وفي هذا المعنى يقول الرسول ﷺ ؛ فيما رواه الشيخان: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحِلَّةَ القَسَم) والمراد تقليل زمان المس، والمقصود من القسم ما يفيده قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا … ﴾ الآية. فهو في حكم القسم في التأْكيد، وقد أفادت الآية أن كل إنسان يرد على النار فينجو المؤْمن منها، ويبقى الكفار فيعرف المؤمن منة الله عليه بنجاته من هذا المصير الرهيب.
٧٢ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾:
ثم نكتب النجاة للمتقين وندع الظالمين جاثمين في نار جهنم.
ويذهب بعض المفسرين إِلى أَن الجميع يمرون على الصراط فيجوزه المؤمنون ويتساقط الظالمون في جهنم، معتمدين على ما رواه مسلم في صحيحه: ثم يضرب الجسر على جهنم وهو دحضٌ (١) مَزَلَّة (٢)، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحسك … فيمر المؤمنون كطرْف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب فناج مُسلَّم، ومخْدُوشٌ مُرْسلٌ، ومكدوس في نار جهنَّم (٣).
стр. 2753
ويذهب بعض آخر من المفسرين إلى أَن المؤمن يرد على النار في الدنيا، بأن تصيبه الحمى لأنها من فيح جهنم، كما ورد في الحديث الشريف، روى أحمد والحاكم وابن ماجه أَن النبي ﷺ زار مريضًا بالحمّى فقال له: "أبْشِرْ فإن الله تعالى يقول: هي نارى أَسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة" وروى البزار عنه ﷺ : "الحُمى حَظُّ أمَّتِى مِنْ جَهَنم".
٧٣ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾:
أي أن من أَسباب بقاء الظالمين في جَهَنَّم جثيا، أنهم اغترُّوا بالدنيا وفضلوا أنفسهم على المؤمنين بما نالوه من حظوظها، وانصرفوا عن سماع آيات الله الواضحة البينة القوية المعجزة قائلين: ما بالُنا إِنْ كنا على باطِل - أَكثرُ أموالا وأَعَزُّ نفَرًا ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١). ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى … ﴾ (٢).
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾
стр. 2754
المفردات:
﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: القرن؛ مائة سنة وقد يطلق على أهله.
﴿أَثَاثًا﴾: الأثاث؛ المتاع الذي تؤثث به المساكن للانتفاع أَو الزينة.
﴿وَرِئْيًا﴾: الرئى: المنظر الحسن والمظهر الجميل.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: فليمهله وليطل عمره، وليزد في رزقه، استدراجًا له من الله سبحانه إلى حين.
﴿مَرَدًّا﴾: عاقبة.
التفسير
٧٤ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾:
أي وكثير من أَهل القرون السابقة أهلكناهم، وكانوا أَحسن أَثاثًا ومنظرًا من أَهل مكة، فليست بسطة الرزق وعلو المنزلة ووفرة القوة في الدنيا بالدليل على رضا الله والفوز بمحبته، فقد تكون هذه النعم استدراجًا من الله لهؤلاء المكذبين الضالين قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١). فكونهم أَحسن متاعًا ومنزلة وأجمل مظهرًا، ليس بدليل على أَنَّهم أفضل من المسلمين مكانًا عند الله فَرُبَّ جماعة ضعيفة القوة قليلة الرزق أَقرب إلى الله وأفضل عنده منزلة من سواها من الجماعات الفتية القوية، روى مسلم وأحمد عن النبي ﷺ : "رب أشعث مدفُوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
٧٥ - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾:
стр. 2755
أي قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين المدعين أنهم على الحق بما هم عليه من قوة ومال، وأنكم على الباطل بما أنتم عليه من ضعف وفقر، من كان منكم في الضلالة، فأمهله الله فيما هو فيه حتى يلقى ربه، فسيعلمون حين يرون العذاب أو الساعة من هو شر مكانًا عند الله وأضعف جندًا مِنْ سواه، أَهم هؤلاء المؤمنون الضعفاءُ الفقراءُ أم أولئك المشركون الأقوياءُ الأغنياءُ؟.
٧٦ - ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى .... ﴾ الآية.
لما أخبر الله سبحانه أنه سيمد للظالمين في ضلالهم استدراجًا لهم حتى يبغتهم بالعذاب أو بقيام الساعة، أخبر في مقابل هذا أنه يزيد المهتدين في هدايتهم ويوفقهم ويعينهم على أَداء الأعمال الصالحة الباقية، فهي أفضل من بسطة الرزق وسعة الجاه والقوة والبأْس الذي استدرج الله به الضالين، ليزدادوا إِثْمًا حتى إذا أخذهم لم يفلتهم. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١).
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾: وإذا كان المال والجاه والقوة فتنة لهؤلاءِ الضَّالِّين، فَإنَّ الأعمال الطيبة أفضل عند الله منزلة وأكرم مكانًا وأعظم أَجرًا، وابقى أَثرًا، فهى الباقيات الصالحات، وقد فسرها ابن عباس بالصلوات الخمس، وقيل الباقيات الصالحات: الأكثار من ذكر الله والثناءِ عليه بما أَلهمنا إيَّاه، روى أحمد في مسنده عن النبي ﷺ : ( … ألا إِنَّ سُبْحانَ اللهِ والْحمْدُ لِلهِ ولَا إله إلاَّ اللهُ والله أكْبر هُنَّ الْباقِياتُ الصالحات) وبالجملة فالإِكثار من الأعمال الصالحات وترطيب اللسان بذكر الله أَفضل عند الله وأدعى إلى قربِهِ وأكرم لديه مما ينغمس فيه الضَّالون من ترف ونعيم وأَحسن عاقبة عنده.
стр. 2756
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾
المفردات:
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾: أشاهد أمور الآخرة الغائبة عنه.
﴿عَهْدًا﴾: ميثاقًا.
التفسير
٧٧ - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾:
ذكر الشيخان أن هذه الآية وما بعدها نزلت في العاص بن وائل، روى مسلم في صحيحه بسنده عن خباب بن الأرَتِّ الصحابي الجليل قال: كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته اتقاضاه، فقال لي لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: فقلت: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث، قال: وإِنى لمبعوث بعد الموت؟ فإذا مت ثم بُعثتُ جئتَنى ولى ثَمَّ مالٌ ولى ولد فأُعطيك. فأَنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. إِلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
فالعاص يتهكم بعقيدة البعث والنشور ويرجئُ سداد دينه إِلى هذا الموعد.
والاستفهام في الآية للتعجيب والإنكار على العاص الذي يؤكد أَنه سيكون صاحب مال وولد في الآخرة وفي الدنيا.
стр. 2757
٧٨ - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾:
أَي هل انكشف الغيب أَمامه فاطلع على حالته في الآخرة، أم أَخذ على الله موثقًا أَن يغمره بفضله في الآخرة كما غمره في الدنيا.
٧٩ - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾:
هذا رد على العاص بأُسلوب الردع والتكذيب له فِإنه لم يطلع على الغيب ولم يتخذ على الله عهدًا، والمعنى أننا سنسجل عليه هذا الضلال في سيِّئاته لنحاسبه عليه حسابًا عسيرًا أو نزيده عذابًا فوق عذاب.
٨٠ - ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾:
أَي أَنه سيموت ويغادر الدنيا ونرث أَمواله وأولاده، ولن ينال في الآخرة إلَّا العذاب الأليم فإنه سيبعث يوم القيامة فردًا مجردًا من الأموال والأَولاد ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾
المفردات:
﴿ضِدًّا﴾: أعداءَ متعاونين عليهم في خصومتهم وتكذيبهم.
التفسير
٨١ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾:
اصطنع هؤلاء الكفار لهم آلِهة غير الله ظانين أن هذه الأَصنام ستكون مصدر عزة وقوة لهم، وقد رد الله عليهم بقوله:
стр. 2758
٨٢ - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾:
كلا: كلمة زجر وردع لهم عما توهموه من كونها عزا لهم، وقد أتبعه ببيان أن هذه المعبودات مصدر عداءٍ وتكذيب لهم فيما ادعوه من أُلوهيتهم، وسبب عذاب ونقمة عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (١).
ويجوز أن يكون الضمير المرفوع في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ عائدا على المشركين، أَي أَن المشركين بعد البعث سيدركون أَنهم كانوا على ضلال فيكفرون بعبادة آلهتهم حيث لا يجديهم ذلك نفعًا.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾
المفردات:
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: تدفعهم دفعا. ﴿وَفْدًا﴾: جماعة.
﴿وِرْدًا﴾: قوما عطاشًا واردين على جهنم، كالبهائم تساق إلي موارد الماء.
التفسير
٨٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾:
ألم تعلم يا محمد أَنا سخرنا الشياطين على الكفار تدفعهم إِلى الكفر دفعا شديدا ابتلاءً منا لهم، فلم يقاوموا هؤلاء الشياطين بل استجابوا لإغرائهم وتحريضهم وانساقوا معهم
стр. 2759
في الضلال انسياقا، وشبيه بهذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١).
٨٤ - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾:
أي فلا تتعجل عليهم وقوع العذاب جزاء عتوهم وجبروتهم فإننا نعدّ لهم أعمالهم ونحسبها عليهم قبل موتهم لنعذبهم بها يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (٢).
٨٥ - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾:
أي أَنه تعالى سيجازى الكافرين على كفرهم حينما يحشر الأتقياءُ إِلى أرحم الراحمين لينعموا بثواب تقواهم، قال ابن عباس وفدا يعنى ركبانا منعمين غير مجهدين.
٨٦ - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾:
وفي هذا اليوم الرهيب نسوق الكفار إِلى جهنم حيث يذوقون أَلوان العذاب والنكال جزاءَ كفرهم وطغيانهم فيردون عطاشا مسوقين لا إلى الماء ليشربوا منه ويطفئوا عطشهم، بل إلى جهنم لتكون مثوى لهم.
٨٧ - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾:
لا يستحقون الشفاعة فلا يشفع لهم أَحد، ولهذا سوف يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٣). لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، فإنه يستحق الشفاعة، فيؤذن له بشفاعة الشافعين، وفسر ابن عباس العهد بقوله: العهد شهادة ألا إله إِلا الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وعدم رجاء أحد إِلا الله تعالى. وفسره ابن كثير بقوله: شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
стр. 2760
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾
المفردات:
﴿إِدًّا﴾: الإد؛ المنكر العظيم.
﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: يتصدَّعن.
﴿وَلَدًا﴾: الولد كل ما يولد، ذكرًا كان أو أُنثى، واحدا أَو اثنين أَو جماعة.
﴿أَحْصَاهُمْ﴾: علم عددهم.
التفسير
٨٨ - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾:
زعموا أَن الله اتخذ ولدا، فقال المشركون إن الملائكة بنات الله، وزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وقد رد الله عليهم بقوله:
٨٩ - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾: أي لقد جئتم بقولكم هذا شيئًا منكرا باطلا عظيم الفرية على الله - سبحانه -.
стр. 2761
٩٠ - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾:
أي توشك السموات - على تماسكها - أَن تتصدع من افترائه على الله، وأَن تنشق الأرض، وأَن تتحطم الجبال وتسقط أَجزاؤها، فإن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إِليه، وكيف يكون لله ولد، وهو بغير حاجة إليه ليعينه أَو ليرثه كما هو شأن البشر، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فهو حي لا يموت، قادر لا يعجزه شيءٌ.
٩١ - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾:
أي تكاد السموات والأرض أَن يحدث لها ما ذكر بسبب ادعائهم ولدًا للرحمن، فإنها فرية على الله لا تتقبلها بل تكذبها بما فيها من الإِبداع، فإنه شاهد بوحدانيته وتمام قدرته وعدم حاجته إلى اتخاذ ولد يعينه ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
٩٢ - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾:
ولا يليق بكمال الله وعظمته أن يكون له ولد، فإن الوالد يتخذ الولد ليكون عونا له في شيخوخته وضعفه أو ليكون امتدادًا لحياته حين تنتهى حياته والله سبحانه غنى عن هذا كله ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
٩٣ - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾:
أي ليس في السموات والأرض إِلا عبيدًا لله سبحانه، وسيأتون بوصف العبودية يوم القيامة مهما كان شأنهم، وسيحاسبهم علمًا ما قدموه من خير وشر، فكيف يزعم الزاعمون أن له ولدا "تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبيرًا".
٩٤ - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾:
لقد حصرهم وأحاط بهم علمًا، وعدهم عدًّا، وأحصى عليهم أَعمالهم وأَفكارهم وأَنفاسهم، فلا حاجة به إلى ولد يعينه.
стр. 2762
٩٥ - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾:
وكل منهم سيموت ويبلى ثم يبعثه الله ويحشره إليه منفردا وحيدا، دون معين أَو نصير سواءٌ منهم من كان عابدا أَو معبودا، أو من زعموه لله ولدا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾
المفردات:
﴿وُدًّا﴾: محبة.
﴿لُدًّا﴾: اللد؛ جمع الألد وهو الخصم الشديد الخصومة الْمُلِحُّ في عداوته المجادل بالباطل أَو الظالم أَو الفاجر.
﴿رِكْزًا﴾: الركز؛ الصوت الخفى.
التفسير
٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾:
بعد أَن ذكر الله سبحانه أَحوال الطغاة العتاة ومصيرهم الأليم ذكر في مقابلهم هنا المؤْمنين وما أعده لهم من الحب وآثاره في الدنيا والآخرة. والمعنى أَن المؤمنين الذين يحملهم إيمانهم على أداء الأعمال الصالحة سيجعل لهم الرحمن الرحيم مودة في قلوب الناس وعند الملائكة،
стр. 2763
ومن أَجلِّ نعم الله على عبده أَن يمنحه حبه وحب عباده في السماوات والأرض. روى الشيخان عن النبي ﷺ : "إذا أحبَّ الله عَبدًا نادَى جِبْرِيلَ إن الله يُحِب فُلَانًا فأحِبَّهُ فَيُحبُّه جِبْريل، فينادى جبريل في أهل السَّمَاءَ أنَّ اللهَ يحب فلانا فأحبوه فيحبه أَهل السماء ثم يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرض". ويجوز أن يكون المقصود من حب الله المؤمن الذي يعمل الصالحات أن يكافئه على هذا بما يستحقه من الثواب.
٩٧ - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾:
والمعنى: يا محمد إنا أنزلنا عليك كتابنا بلغتك العربية وجعلناه ميسَّرا للسامعين والقارئين لتبشر به المتقين بما ينالون من ثواب جزيل على إِيمانهم، ولتنذر به قوما يعادونك أَشد العداء، ويجادلونك بالباطل - لتنذرهم بعقاب أَليم على هذه الخصومة والمجادلة في الحق بالباطل. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
٩٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾:
أي وأَهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية قبل أهل مكة، لما كذبوا رسلهم.
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾:
أي فهل تدرك بإحساسك منهم أَحدًا أَو تسمع لهم صوتا، فبعد أن كانت هذه الأُمم تملأُ الأرض، وتتعالى على أنبيائِهم وتعاديهم وتجادلهم بالباطل، أَصبحت قراهم خامدة خاوية على عروشها، بعد أن دمرها الله على أهلها، عقابا لهم على كفرهم ومخاصمتهم لأَنبيائهم، فليحذر أَهل مكة هذا المصير وليعتبروا به وصدق الله إِذ يقول: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ (١).
стр. 2764
سورة طه
تمهيد:
هذه السورة هي العشرون في ترتيب المصحف، وسميت سورة طه باسم فاتحتها، وتسمى أَيضًا سورة الكليم؛ لأن معظم آياتها في قصة الكليم موسى ﵇، وهي مكية، إِلا الآيتين (١٣١،١٣٠) من قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ إِلى قوله سبحانه: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ فإِنهما مدنيتان، وعدة آياتها خمس وثلاثون ومائة.
ومن وجوه مناسبتها لسابقتها .. أنهما مكيتان، ومبدوءتان بأسماء الحروف المتقطعة، وإن أَول هذه متصل بآخر تلك في المعنى، فقد ذكر في تلك إنزال القرآن الكريم بلسان الرسول ﷺ ، تبشيرًا للمتقين وإنذارًا للمعاندين، وفي هذه أُكَّد ذلك المعنى. ومما تضمنته هذه السورة ما يلي:
١ - بيان أن إِنزال القرآن الكريم على النبي ﷺ ، ما هو إلا للتذكرة والعظة وسعادة البشر في الدنيا والآخرة.
٢ - تكليم الله لموسى ﵇ بالوادى المقدس طوى، واختياره لرسالته التي أساسها ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وبهذه الرسالة أَرسل الله رسله جميعًا إلي أُممهم ..
٣ - أَمْر الله تعالى لموسى ﵇ أَن يلقى عصاه ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ وأن يخرج يده من جيبه، فتخرج بيضاء من غير سوءٍ، آية أخرى ليرى موسى بعض آيات الله الكبرى.
٤ - أمره لكليمه بعد ذلك أَن يذهب إلى فرعون رسولًا مؤيّدًا بهاتين الآيتين …
٥ - سؤَال موسى ربه أَن يشرح له صدره، وييسِّر له أمره ويحل عقدة لسانه، ليفْقهُوا قوله، وإن يجعل له أَخاه هارون وزيرًا يشاركه في الرسالة ويعينه على أَعبائها، فقال الله مجيبًا إياه في كل ما سأَل: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ يذكره تعالي بنصره له منذ ولادته، حيث نجاه من القتل والغرق، ورَبّاه مكرّمًا مع أمه في بيت عدوه! وقد كان يقتل من يولد في بني إسرائيل من المذكور .. ثم كيف نجاه من قوم فرعون الذين ائتمروا به ليقتُلوه، لما قتل أَحدهم خطأ، ثم ذهب إلى مدين، وصاهر الشيخ الكبير، ولبث
стр. 2765
أكثر من عشر سنين، ثم سار بأهله إلى مصر محْفوفًا بعناية الله وحفظه، حتى أمره الله وهو في سيناء أن يذهب هو وأَخوه إِلى فرعون ليبلِّغاه معًا رسالة الله تعالى، فلما بلّغ موسى أخاه ما أمرهما الله به من تبليغ فرعون دعوته سبحانه ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ..
٦ - وفي هذه السورة بيان ما دار بين موسى وفرعون من المقاولة، ثم ما دار بين موسى والسحرة، وخيفته ﵇ حين ألقوْا حبالهم وعصيَّهم فخيل إليه من سحرهم أَنها تسعى، فثبته الله تعالى وأوحى إليه أن يلقى عصاه، فألقاها فإذا هي حية عظيمة مخيفة تبتَلع كل ما ألقاه السحرة، وهنالك آمن السحرة جميعًا برب هرون وموسى، ولم يبالوا بوعيد الطاغية وتهديده إذ قالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
٧ - وفيها انفلاق البحر ونجاة موسى وبنى إِسرائيل، وغرق فرعون لمَّا تبعهم.
٨ - وفيها فتنة السامرى، وإضلاله بني إسرائيل، باتخاذه عجلًا جسدًا له خوار، حين كان موسى ﵇ يناجى ربه في الطور، ولما رجع أفزعه ما رأَى من إضلال السامرىّ لقومه، حتى عبدوا العجل الذي صنعه، فأخذ برأس أَخيه يجرُّه إليه، فاعتذر أَخوه ﵇ بمخالفة بني إسرائيل تحذيره إياهم، ونصحه لهم، واستمرارهم في ضلالهم، حتى رجع موسى ﵇، وهنا أغلظ موسى قوله للسَّامرىّ، وتوعّده بأَن يعيش في الدنيا طريدًا، وفي الآخرة معذبًا، ثم حرَّق العجل ونسفه في اليم نسفًا، ليريهم ضلالتهم في عبادته، وجهلهم بالمعبود الحق وما ينبغي له من عظائم الصفات .. قائلًا لهم:
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
٩ - وفي السورة التذكير بالذكر الحكيم الذي آتاه الله نبيه محمدًا ﷺ .. وفيه الخير كل الخير لمن أقبل عليه وعمل به، وأَما من أعرض عنه ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾.
١٠ - وعقَّبه بالتذكير بأَهوال يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا … ﴾ الآيات.
стр. 2766
١١ - وفي السورة يصف سبحانه القرآن الكريم بأنه أنزله قرآنًا عربيًا، وصرَّف فيه من الوعيد، وينهى النبي ﷺ عن العجلة بقراءَته من قبل أن يقضى إليه وحيه، وهو يتلقاه من آمين الوحى جبريل ﵇.
١٢ - ثم يذكر سبحانه قصة آدم ﵇ بتفصيل غير قليل، من أمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس وإِبائه وتحذيره هو وزوجته من أَن يُخْدَعَا به، إذ قَال سبحانه في خطابه: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. ولكن الشيطان وسوس لهما وخَدعهما حتى نسيا العهد والنهي عن الأَكل من الشجرة، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما. وانتهى أَمرهما بإخراجهما من الجنة، بعد أن منَّ الله عليهما بالعفو والتوبة.
١٣ - وفي السورة التذكير بأن من أَتبع هدى الله فلا يضلُّ ولا يشقى، ومن أَعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا ويحشره الله يوم القيامة أَعمى.
١٤ - وفيها التذكير كذلك بإهلاكه القرون الماضية، ومشيهم في مساكنهم، وما في ذلك من عبر وعظات لأُولى البصائر والنهى.
١٥ - وفيها يأْمر الله نبيه ﷺ بالصبر على ما يقوله المشركون من تكذيب واستهزاءً، فسيلقون جزاءهم، ولولا كلمة سبقت منه تعالى بتأخير العذاب إِلى أَجل مسمى لعجله لهم.
١٦ - وفي خواتيم السورة يأْمر الله تعالى رسوله ﷺ ، بتسبيحه وتنزيهه، وبأن يأْمر أهله بالصلاة … وأن يصطبر عليها، لأَنها أساس الخير كله .. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
стр. 2767
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾
المفردات:
﴿طه﴾: اسمان لحرفى الطاء والهاء .. ، هما فاتحة السورة، ويأْتى الكلام عليهما في التفسير، ﴿لِتَشْقَى﴾: لتتعب تعبًا شديدًا فوق طاقتك. ﴿تَذْكِرَةً﴾: تذكيرًا وعظة .. ، ﴿الْعُلَى﴾: جمع العليا، تأنيث الأعلى، مقابل الدنيا تأْنيث الأدنى. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: العرش في اللغة: سرير الملك ويُكْنى به عن السلطان والعز، ﴿اسْتَوَى﴾ استولى .. ويأْتى في التفسير معنى استوائه تعالى على العرش .. ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثَّرى .. التراب النَّدِىُّ - يقال ثَرِيَتِ الأرض - كَنَدِيَتْ وزنا ومعنى - فهي ثَرِيَّةٌ. كَنَدِيَّة؛ إِذا نَديَتْ ولانت بعد الجدوبة واليُبس - والذي تحت الثرى طباق الأرض المختلفة إلى نهايتها.
التفسير
١ - ﴿طه﴾:
افتتح الله ﵎ تسعًا وعشرين سورة ببعض أسماء الحروف الهجائية، وسورة طه .. واحدة منها .. وقد قال كثير من أئمة التفسير إنها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه؛ فلا يعلم المراد منها إلا هو، وقال بعضهم إنها اسم للسورة، وقيل إنها لتنبيه السامعين،
стр. 2768
إلى ما يأْتى بعدها من الآيات والعِبَر، وقيل غير ذلك وأرجح الآراء في تأويلها أنها ترمز إلى التحدى، بأن يأتوا بمثل هذا القرآن المكون من كلمات وجمل، ذوات حروف مما ينظمون منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإِتيان بمثله أو بمثل سورة منه مع ما يمتازون به من الفصاحة والبلاغة، .. فمحمدٌ مثلهم .. وذلك دليل على أَن القرآن من عند الله تعالى، وليس لمحمد ﷺ فيه إلا مجرد تبليغه عن ربه. لا يزيد فيه حرفًا ولا ينقص منه حرفًا. ولا يزال إعجازه قائمًا. والتحدى به باقيًا، ولا يزال حفظه بحفظ منزِّله خالدًا أَبدًا، كما تكفل به جل وعلا - إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
٢ - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾:
سبب النزول:
كان رسول الله ﷺ يلقى من المشركين تعبًا مرهقًا. ويأسف أسفًا شديدًا بسبب إعراضهم عن القرآن الكريم وعدم إيمانهم به، فأَنزل الله ﵎ هذه الآية تسلية له .. وتخفيفًا عليه .. والمعنى - ما أَنزلنا عليك القرآن أيها الرسول - ليكون سببًا في شقائك وعنائك، وفرط أسفك على كفر هؤلاء المشركين، كقوله : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢). والشقاءُ شائعٌ في معنى التعب والعناء، ومنه قولهم، سيد القوم أشقاهم وقولهم: أشْقَى منْ رائِضِ مُهْرٍ.
وهذا الوجه في سبب نزول الآية هو المختار، لمناسبته للسياق. وقوله تعالى:
٣ - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
أَي ما أنزلنا القرآن عليك إِلا تذكيرًا لمن شأْنه أَن يخشى الله ويخافه، لأَن الذين يخشون ربهم هم المنتفعون بالقرآن ومواعظه، وأما غيرهم فكالعدم، ولا ريب أن رسول الله ﷺ بلَّغ وذكَّر وحذَّر وأنذر، فليس مسئولًا بعد ذلك عن كفرهم، فقد قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣). وقال عز من قائل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤).
стр. 2769
ولما ذكر الله تعالى أنه أنزل القرآن تذكرةً لمن يخشى .. أَكد ذلك المعنى وقرره بقوله:
٨ - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾:
ووجه التوكيد أنه سبحانه نسب التنزيل إِلى ذاته المقدسة مرتين، مرة بضمير المتكلم في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ومرة بضمير الغيبة في قوله:
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ … ﴾ وإنما نسب التنزيل إلى ذاته المقدسة مرتين، تعظيمًا لشأن المنزل ﷻ وتفخيمًا لشأن القرآن الذي أنزله، وقطعًا لريبة المرتابين في كونه منزلًا من عند الله.
والاقتصار هنا على خلق السماوات والأرض؛ لأنه سيُصَرّح بخلق ما فيهما وما بينهما وما تحت الثرى في الآية السادسة. وتقديم خلق الأرض هنا؛ لأن الأرض أَقرب إلى الحسِّ، والإنعام بها على الناس أَظهر، ووصف السماوات بالعلَى - جمع للعليا - لتوكيد الفخامة، مع ما فيه من رعاية الفواصل. ثم وصف عظمته تعالى وعظمة ملكه فقال سبحانه:
٥ - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾:
وعرش الرحمن ﷻ أعظم مخلوقاته، ولا يحيط بوصف عظمته إِلا ربه، ومن العرش تَتَنزَّل أَوامر الله في شئون الكون كله، دون أن يكون الله فيه، لاستحالة ذلك عقلا.
واستواؤه تعالى على العرش من قبيل المتشابهات التي يجب الإيمان بها وتفويض علم المراد منها إلى الله جل وعلا، وترك تأويلها مع تنزيهه تعالى عن مشابهة الحوادث وهذا مذهب جمهور أهل السنة، وفي ذلك يقول الإمام مالك: الاستواءُ معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والجحود كفر، والسؤال عنه بدعة.
ومن العلماء من فسر الاستواء على العرش بأنه كناية عن انتهاء تدبير الكون إلى الله ، بعد إِتمام خلقه إياه، دون أَن يشركه في هذا التدبير شريك، كما لم يشركه من قبل في إِبداعه شريك.
وإنما أُضيف لله تعالى الاستواءُ على العرش وحده مع أنه سبحانه مستوٍ على الكون كله، لأن العرش أعظم مخلوقاته، فإذا استوى عليه وهو أَعظمها فقد استوى على كل ما سواه،
стр. 2770
وأَما تفسير الاستواء على العرش بالاستقرار فيه كما تقول المشبِّهة، فهو باطل وكفر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ثم بين سبحانه سعة سلطانه وشمول قدرته لجميع الكائنات فقال:
٦ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾:
أَي له وحده دون غيره، جميع ما في السماوات وَمَا فِي الأرضِ، سواء كان ذلك جزءا منهما أو حالاًّ فيهما، وله ما بينهما من كل كائن في الجوّ كالسحاب والهواء وما لا يعلمه سواه جل وعلا، وله ما وراء التراب من طباق الأرض ومعادنها ومياهها الجوفية، إِلى غير ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا الله تعالى، له كل ذلك خَلْقًا وملكًا وتَصرُّفًا، وذكر ما تحت الثرى مع دخوله تحت قوله ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لزيادة التقرير.
٧ - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾:
والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، والمراد أُمته، أو لكل مخاطب، والمراد بالقول عمومه، فيشمل الذكر والدعاء وغيرهما، وقيل المراد به ذكر الله تعالى ودعاؤُه خاصة؛ وجواب الشرط مقدر، أَي وإن تجهر بالقول فاعلم أَن الله غنى عن جهرك؛ فإنه يعلم السر وأخفى، وفيه إِرشاد العباد إِلى أن الجهر بالنسبة إِلى الله تعالى لا داعى إِليه؛ لأنه يعلم السر وأَخفى؛ ما لم يكن للعبد فيه غرض شرعى كما سيأتى.
والسرُّ ما تُحَدِّث به غيرك في خفاءٍ، والأخفى منه ما تحدِّث به نفسك ولا تَتَفوَّه به أصلًا. والمعنى: وإِن ترفع صوتك أَيها الإنسان بذكر الله تعالى أَو بدعائه أَو بغيرهما فإنه تعالى يعلمه؛ لأنه يعلم السر الذي تسرُّه، ويعلم ما هو أخفى منه مما تضمره وما توسوس به نفسك. وعلى أن المراد بالقول ذكر الله تعالى ودعاؤُه خاصة، فالمعنى: وإِن تجهر بذكر الله تعالى، وبدعائه كقوله جل ذكره ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢). وإِنما ينهى عن الجهر بذكره تعالى، ما لم تدع إِليه حاجة، كالتعليم والإرشاد وتثبيت الذكر في النفس، ومنع الوسوسة فيجوز في حدود الرفق والاعتدال، قال الآلوسى: فقد صح ما يزيد على عشرين حديثًا في أَنه ﷺ كثيرًا ما كان يجهر بالذكر،