← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

١١ - وفي السورة يصف سبحانه القرآن الكريم بأنه أنزله قرآنًا عربيًا، وصرَّف فيه من الوعيد، وينهى النبي ﷺ عن العجلة بقراءَته من قبل أن يقضى إليه وحيه، وهو يتلقاه من آمين الوحى جبريل ﵇. ١٢ - ثم يذكر سبحانه قصة آدم ﵇ بتفصيل غير قليل، من أمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس وإِبائه وتحذيره هو وزوجته من أَن يُخْدَعَا به، إذ قَال سبحانه في خطابه: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. ولكن الشيطان وسوس لهما وخَدعهما حتى نسيا العهد والنهي عن الأَكل من الشجرة، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما. وانتهى أَمرهما بإخراجهما من الجنة، بعد أن منَّ الله عليهما بالعفو والتوبة. ١٣ - وفي السورة التذكير بأن من أَتبع هدى الله فلا يضلُّ ولا يشقى، ومن أَعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا ويحشره الله يوم القيامة أَعمى. ١٤ - وفيها التذكير كذلك بإهلاكه القرون الماضية، ومشيهم في مساكنهم، وما في ذلك من عبر وعظات لأُولى البصائر والنهى. ١٥ - وفيها يأْمر الله نبيه ﷺ بالصبر على ما يقوله المشركون من تكذيب واستهزاءً، فسيلقون جزاءهم، ولولا كلمة سبقت منه تعالى بتأخير العذاب إِلى أَجل مسمى لعجله لهم. ١٦ - وفي خواتيم السورة يأْمر الله تعالى رسوله ﷺ ، بتسبيحه وتنزيهه، وبأن يأْمر أهله بالصلاة … وأن يصطبر عليها، لأَنها أساس الخير كله .. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.

стр. 2767

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ المفردات: ﴿طه﴾: اسمان لحرفى الطاء والهاء .. ، هما فاتحة السورة، ويأْتى الكلام عليهما في التفسير، ﴿لِتَشْقَى﴾: لتتعب تعبًا شديدًا فوق طاقتك. ﴿تَذْكِرَةً﴾: تذكيرًا وعظة .. ، ﴿الْعُلَى﴾: جمع العليا، تأنيث الأعلى، مقابل الدنيا تأْنيث الأدنى. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: العرش في اللغة: سرير الملك ويُكْنى به عن السلطان والعز، ﴿اسْتَوَى﴾ استولى .. ويأْتى في التفسير معنى استوائه تعالى على العرش .. ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثَّرى .. التراب النَّدِىُّ - يقال ثَرِيَتِ الأرض - كَنَدِيَتْ وزنا ومعنى - فهي ثَرِيَّةٌ. كَنَدِيَّة؛ إِذا نَديَتْ ولانت بعد الجدوبة واليُبس - والذي تحت الثرى طباق الأرض المختلفة إلى نهايتها. التفسير ١ - ﴿طه﴾: افتتح الله ﵎ تسعًا وعشرين سورة ببعض أسماء الحروف الهجائية، وسورة طه .. واحدة منها .. وقد قال كثير من أئمة التفسير إنها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه؛ فلا يعلم المراد منها إلا هو، وقال بعضهم إنها اسم للسورة، وقيل إنها لتنبيه السامعين،

стр. 2768

إلى ما يأْتى بعدها من الآيات والعِبَر، وقيل غير ذلك وأرجح الآراء في تأويلها أنها ترمز إلى التحدى، بأن يأتوا بمثل هذا القرآن المكون من كلمات وجمل، ذوات حروف مما ينظمون منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الإِتيان بمثله أو بمثل سورة منه مع ما يمتازون به من الفصاحة والبلاغة، .. فمحمدٌ مثلهم .. وذلك دليل على أَن القرآن من عند الله تعالى، وليس لمحمد ﷺ فيه إلا مجرد تبليغه عن ربه. لا يزيد فيه حرفًا ولا ينقص منه حرفًا. ولا يزال إعجازه قائمًا. والتحدى به باقيًا، ولا يزال حفظه بحفظ منزِّله خالدًا أَبدًا، كما تكفل به جل وعلا - إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). ٢ - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: سبب النزول: كان رسول الله ﷺ يلقى من المشركين تعبًا مرهقًا. ويأسف أسفًا شديدًا بسبب إعراضهم عن القرآن الكريم وعدم إيمانهم به، فأَنزل الله ﵎ هذه الآية تسلية له .. وتخفيفًا عليه .. والمعنى - ما أَنزلنا عليك القرآن أيها الرسول - ليكون سببًا في شقائك وعنائك، وفرط أسفك على كفر هؤلاء المشركين، كقوله : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢). والشقاءُ شائعٌ في معنى التعب والعناء، ومنه قولهم، سيد القوم أشقاهم وقولهم: أشْقَى منْ رائِضِ مُهْرٍ. وهذا الوجه في سبب نزول الآية هو المختار، لمناسبته للسياق. وقوله تعالى: ٣ - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. أَي ما أنزلنا القرآن عليك إِلا تذكيرًا لمن شأْنه أَن يخشى الله ويخافه، لأَن الذين يخشون ربهم هم المنتفعون بالقرآن ومواعظه، وأما غيرهم فكالعدم، ولا ريب أن رسول الله ﷺ بلَّغ وذكَّر وحذَّر وأنذر، فليس مسئولًا بعد ذلك عن كفرهم، فقد قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣). وقال عز من قائل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤).

стр. 2769

ولما ذكر الله تعالى أنه أنزل القرآن تذكرةً لمن يخشى .. أَكد ذلك المعنى وقرره بقوله: ٨ - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: ووجه التوكيد أنه سبحانه نسب التنزيل إِلى ذاته المقدسة مرتين، مرة بضمير المتكلم في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ومرة بضمير الغيبة في قوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ … ﴾ وإنما نسب التنزيل إلى ذاته المقدسة مرتين، تعظيمًا لشأن المنزل ﷻ وتفخيمًا لشأن القرآن الذي أنزله، وقطعًا لريبة المرتابين في كونه منزلًا من عند الله. والاقتصار هنا على خلق السماوات والأرض؛ لأنه سيُصَرّح بخلق ما فيهما وما بينهما وما تحت الثرى في الآية السادسة. وتقديم خلق الأرض هنا؛ لأن الأرض أَقرب إلى الحسِّ، والإنعام بها على الناس أَظهر، ووصف السماوات بالعلَى - جمع للعليا - لتوكيد الفخامة، مع ما فيه من رعاية الفواصل. ثم وصف عظمته تعالى وعظمة ملكه فقال سبحانه: ٥ - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: وعرش الرحمن ﷻ أعظم مخلوقاته، ولا يحيط بوصف عظمته إِلا ربه، ومن العرش تَتَنزَّل أَوامر الله في شئون الكون كله، دون أن يكون الله فيه، لاستحالة ذلك عقلا. واستواؤه تعالى على العرش من قبيل المتشابهات التي يجب الإيمان بها وتفويض علم المراد منها إلى الله جل وعلا، وترك تأويلها مع تنزيهه تعالى عن مشابهة الحوادث وهذا مذهب جمهور أهل السنة، وفي ذلك يقول الإمام مالك: الاستواءُ معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والجحود كفر، والسؤال عنه بدعة. ومن العلماء من فسر الاستواء على العرش بأنه كناية عن انتهاء تدبير الكون إلى الله ، بعد إِتمام خلقه إياه، دون أَن يشركه في هذا التدبير شريك، كما لم يشركه من قبل في إِبداعه شريك. وإنما أُضيف لله تعالى الاستواءُ على العرش وحده مع أنه سبحانه مستوٍ على الكون كله، لأن العرش أعظم مخلوقاته، فإذا استوى عليه وهو أَعظمها فقد استوى على كل ما سواه،

стр. 2770

وأَما تفسير الاستواء على العرش بالاستقرار فيه كما تقول المشبِّهة، فهو باطل وكفر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). ثم بين سبحانه سعة سلطانه وشمول قدرته لجميع الكائنات فقال: ٦ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: أَي له وحده دون غيره، جميع ما في السماوات وَمَا فِي الأرضِ، سواء كان ذلك جزءا منهما أو حالاًّ فيهما، وله ما بينهما من كل كائن في الجوّ كالسحاب والهواء وما لا يعلمه سواه جل وعلا، وله ما وراء التراب من طباق الأرض ومعادنها ومياهها الجوفية، إِلى غير ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا الله تعالى، له كل ذلك خَلْقًا وملكًا وتَصرُّفًا، وذكر ما تحت الثرى مع دخوله تحت قوله ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لزيادة التقرير. ٧ - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، والمراد أُمته، أو لكل مخاطب، والمراد بالقول عمومه، فيشمل الذكر والدعاء وغيرهما، وقيل المراد به ذكر الله تعالى ودعاؤُه خاصة؛ وجواب الشرط مقدر، أَي وإن تجهر بالقول فاعلم أَن الله غنى عن جهرك؛ فإنه يعلم السر وأخفى، وفيه إِرشاد العباد إِلى أن الجهر بالنسبة إِلى الله تعالى لا داعى إِليه؛ لأنه يعلم السر وأَخفى؛ ما لم يكن للعبد فيه غرض شرعى كما سيأتى. والسرُّ ما تُحَدِّث به غيرك في خفاءٍ، والأخفى منه ما تحدِّث به نفسك ولا تَتَفوَّه به أصلًا. والمعنى: وإِن ترفع صوتك أَيها الإنسان بذكر الله تعالى أَو بدعائه أَو بغيرهما فإنه تعالى يعلمه؛ لأنه يعلم السر الذي تسرُّه، ويعلم ما هو أخفى منه مما تضمره وما توسوس به نفسك. وعلى أن المراد بالقول ذكر الله تعالى ودعاؤُه خاصة، فالمعنى: وإِن تجهر بذكر الله تعالى، وبدعائه كقوله جل ذكره ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢). وإِنما ينهى عن الجهر بذكره تعالى، ما لم تدع إِليه حاجة، كالتعليم والإرشاد وتثبيت الذكر في النفس، ومنع الوسوسة فيجوز في حدود الرفق والاعتدال، قال الآلوسى: فقد صح ما يزيد على عشرين حديثًا في أَنه ﷺ كثيرًا ما كان يجهر بالذكر،

стр. 2771

وصح عن أبي الزبير أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: (كان رسول الله ﷺ إِذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئٍ قدير، لا حول ولا قوة إِلا بالله، ولا نعبد إِلا إِياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناءُ الحسن لا إله إِلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) وهو محمول على اقتضاء حاجة التعليم ونحوه رفعَ الصوت، ومن الأغراض الشرعية رفع الصوت في تكبيرات العيد، فرحا به وابتهاجًا وتمجيدًا له، واعتذارًا بصدق الله لوعده ونصر عبده، وهزمه لأعدائه المشركين، انظر الآلوسى (١). ٨ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: هذه الآية الكريمة مستأْنفة لبيان أنه سبحانه وإن كانت ذاته المقدسة واحدة، فاسمَاؤُه وصفاته متعددة، فقد كان المشركون يقولون: ما بال محمَّد يدعونا إلى إِله واحد وهو يدعو إلهين، الله والرحمن، فقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. (٣) وقد جاء الاسم بمعنى الصفة ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٤) أي صفوهم. والمعنى: ذلك الذي سبقت نعوته العظيمة، وصفاته الجليلة، هو الله الذي لا اله إِلا هو له الصفات العليا في الحسن والكمال، وإن كانت ذاته جل وعلا واحدة.

стр. 2772

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ المفردات: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾: الاستفهام للتقرير، ويأتى بيانه في التفسير، وحديث موسى: خَبَرُهُ وَقصَّتُه، ويطلق الحديث علي كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في اليقظة أو المنام. ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: أي أبصرت نارًا إبصارًا بيِّنا لا شبهة فيه. ﴿بِقَبَسٍ﴾: أي بشعلة مقتبسة على رأس عُودٍ أو نحوه. ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: المقدس: المطهر، أو المبارك، ﴿طُوًى﴾: اسم الوادى وهو الجانب الغربيُّ من الطور. التفسير ٩، ١٠ - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا … ﴾ الآية. هذا استئناف مسوق لتقرير أمر التوحيد، الذي انتهى إلية مساق الحديث، والخطاب فيه للرسول ﷺ ، للإيذان بأن حديث موسي وقصته جديرة بأن تنتقل مع الأَجيال، ولبُّ هذه القصَّة أمر التوحيد، حيث قال الله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾.

стр. 2773

وبه ختم ﵇ مقاله إذ قال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. والاستفهام هنا للتقرير، وفيه معنى التنبيه والتشويق، كما تقول لصاحبك: هل بلغك الخبر الفلانيّ؟ فيتنبه ويشتاق لسماع الخبر، فإذا سمعه تقرر في نفسه، لأَنه أَتاه على شوق. ويقرب من هذا المعنى ما قيل: إِن حرف الاستفهام هنا بمعنى قد، أي قد جاءك خبر موسى وقصته، حين رأَى نارا في ابتداء الوحى إليه، وتكليم ربه إياه، وذلك بعد ما قضى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قاصدًا مصر بعدما طالت غيبته عنها، فضلَّ الطريق المسلوك في ليلة شاتيةٍ باردة مظلمة، وجعل يقدح بزنْدٍ معه؛ ليورى نارًا فلم يُخرِج شررا. فبينما هو كذلك، إِذ ظهرت له نارٌ من جانب الجبل عن يمينه، فاستبشر وبَشَّر أَهله بما رأى، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾: أَمر أَهله أَن يقيموا مكانهم، راجيًا أن يجيئهم بشعلة يقتبسها من النار التي رآها ليوقدوا منها ويستدفئوا، أَو أن يجد حول النار هاديًا يرشد إلى الطريق، وقد تاه عنه في ظلام الليل، والخطاب بصيغة الجمع للزوجة والولد (١). أَو الخطاب للزوجة وحدها، والجمع للتفخيم، كما في قول الشاعر يخاطب امرأَة واحدة. وإِن شئتُ حرمت النساء سواكمو (٢). وكانت النار في شجرة عنَّابٍ خضراء يانعة، كما روى عن ابن عباس ﵁. ١١ - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾: أي فلما بلغ مكان النار التي أبصرها ناداه ربه قائلًا: يا موسى.

стр. 2774

١٢ - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: أي إنِّى أنا الله ربك الذي أَكلمك، أي من غير واسطة الروح الأمين جبريل ﵇ كما قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١). وتكرير ضمير المتكم لتأكيد الدلالة وتحقيق المراد وإِماطة الشبهة، وفي سورة النمل: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). وفي سورة القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). ولا تعارض بين الآيات الكريمة، فقد ناداه ربه بها كلها، إلاَّ أنه سبحانه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداءُ الكريم، أَي أَنه سبحانه خاطب موسى بما يفيد هذه المعانى والصفات التي اشتملت عليها هذه النصوص المتفرقة، فلما تكررت القصة في سور متعددة أعطى كل سورة جانبًا منها، لمنع التكرار في العبارة والله أَعلم. وأمر سبحانه كليمه بخلع نعليه ليباشر بقدميه الأرض المقدسة، فتصيبه بركة تكليم الله إِياه في الوادى المقدس، ولأن الحفاء أَوصل في التواضع وحسن الأدب، ولذلك كان السلف الصالح يطوفون حفاةً. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بيان لحكمة الخلع المأمور به مع الإشارة إلى شرف البقعة وقدسها، وقد نفذ الكليم أمر ربه فخلعهما. ١٣ - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: أي وأنا الله الذي أصطفيتك من الناس، أَو من قومك للنبوة والرسالة، فاستمع لما أوحيه إِليك، وتقبله وتأهب للعمل بما يقتضيه، وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٤). ثم بين الله ما أوحاه إليه في هذه المكالمة القدسية فقال سبحانه:

стр. 2775

١٤ - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا … ﴾ الآية. أَي إِننى أنا الإله الواحد المعبود بالحق لا شريك لي، والفاء في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ لترتيب المأمور به على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به ، والمراد بالعبادة غاية التذلُّل والانقياد له في كل ما يكلف به وخصت الصلاة بالذكر، وأفردت بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ مع اندراجها في الأمر بالعبادة، لمزيد فضلها على سائر العبادات، بما نيطت به من ذكر المعبود وشُغْل القلب واللسان بذكره، وقد سمَّاها الله إيمانًا في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. (١) واختلف العلماءُ في كفر تاركها كسلًا، وأما تاركها جحدًا فلا خلاف في كفره. وقوله تعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾: أَي لتذكرنى، فإن ذكرى كما ينبغي لا يتحقق إلاَّ في ضمن العبادة والصلاة، أو لتذكرنى فيها، لاشتمالها على الأذكار؛ أو لِذِكْرى خاصة، فلا تَشُبْهُ بذكر غيرى، أو المراد بالذكر هنا، التذكُّر، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد. عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلِّها إذا ذكرها" فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صلَاةٍ أوْ نَسِيَهَا فَكَفّارَتُهَا أَنْ يُصَلَيَهَا إذا ذَكَرَها لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلاَّ ذَلِكَ". ثم بين السبب في وجوب العبادة وإقامة الصلاة فقال: ١٥ - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا … ﴾ الآية. أَي إِن الساعة قادمة لا محالة، لتحاسب كل نفس بما عملت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أُريد إِخفَاءها بعدم تحديد وقتها، ولولا ما في الإخبار بمجيئها من اللطف وقطع الأعذار، لما أخبرت بإتيانها، ومع أنه تعالى أَخفى وقتها فقد بين رسول الله ﷺ أماراتها، تذكيرًا للناس بها ليحذروها.

стр. 2776

١٦ - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾: أَي فلا يصرفنك يا موسى عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها بالعمل الصالح لا يصرفنَّك عن ذلك الكافرون الذين لا يصدقون بها، ويتبعون هواهم بتكذيبها، فتهلك معهم إن اتَّبعت هواهم، وهذا النهي وإن كان ظاهرًا لموسى فالمراد به أمته كما قال كثير من المفسرين، فانه ﷺ لا يصرفه عن الساعة والعمل لها صارف بموجب عصمته. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ المفردات: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾: الاستفهام للتقرير، يأتي توضيحه في التفسير. ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أعتمد عليها. ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾: وأَضرب بها ورق الشجر ليسقط على غنمى فتأْكله. والهشُّ كالهزِّ بمعنى التحريك. ﴿مَآرِبُ﴾: منافع ومصالح جمع مأربة مثلثة الراء. ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: هيئتها الأُولى التي كانت عليها. التفسير ١٧ - ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى … ﴾: الاستفهام هنا للتقرير، كما تقدم آنفًا في قوله تعالي: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ والحكمة فيه تنبيهه وتوقيفه على أنها عصًا عادية، حتى إِذا قلبها الله تعالى حية تسعى، علم أَنها معجزة عظيمة أَعدها الله لموسى، فازداد يقينًا وطمأنينة وثباتًا وأنسًا.

стр. 2777

١٨ - ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا … ﴾ الآية. أَجاب موسى ربه فقال: هي عصاى. وبهذا تم الجواب ولكنه ﵇ أحب المزيد من مكالمة ربه، استئناسًا به، وفرحًا بمناجاته، فاغتنم الفرصة لذلك في مقام البسط، وذكر من منافعها أنه يعتمد عليها عند الإعياء أَو الوقوف في رأس القطيع. ﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾: أَي أَضرب بها ورق الشجر فيسقط على غنمى فتأكله، ثم إنه ﵇ أجمل بقية منافع عصاه فقال: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾: أي حاجات ومصالح أخر، وذلك مثل ما قيل: إنه ﵇ كان إذا سار أَلقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس، والكنانة والمخلاة والثوب ونحوها، وإِذا كان في البريّة ركَزها وألقى عليها الكساء واستظل به، وإذا قصر الرشاءُ عن الاستقاء وصله بها، وإِذا تعرضت غنمه للسباع قاتل بها، هذا بعض ما قيل في تلك المآب، والله أَعلم بها. قال ابن كثير: وقد تكلف بعضهم ليذكر شيئًا من تلك المآرب التي أَبهمت، فقيل: كانت تضئُ له بالليل وتحرس له الغنم إِذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأُمور الخارقة للعادة، والظاهر أَنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵇ صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها، ولكن كل ذلك من الأَخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵊، وقول الآخر: إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة!! ١٩ - ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى … ﴾: أَمره تعالى بإلقاء العصا على الأرض ليريه من شأنها ما لم يخطر له على بال، وليكون إلقاؤها قبل لقاء السحرة تمهيدًا لما يظهره الله تعالى على يد موسى وأَخيه من المعجزات، مع الطمأنينة ورباطة الجأش. ٢٠ - ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى … ﴾: فلما ألقاها موسى فوجئ بأنها حية عظيمة تمشى مسرعة على بطنها، والحية اسم علم

стр. 2778

يطلق على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، وقد انقلبت حين ألقاها موسى ﵇ ثعبانا عظيمًا، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (١). وجاءَ تشبيهها بالجان من حيث الجلادة وسرعة الحركة في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. ولا منافاة بينهما، فإِن الجان ضرب قَويُّ من الحيات. ٢١ - ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ … ﴾ الآية. لما انقلبت العصا، بقدرة الله تعالى ثعبانًا يمشي مسرعًا مضطربًا، خاف ﵇ ونفر وملكه ما يملك البشر عند مشاهدة الأهوال والمخاوف، فثبته ربه وقال له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ ثم زاده طمأنينة فقال له: ﴿سَنُعِيدُهَا﴾: أي نرجعها إِلى حالها الأُولى، التي كانت عليها. وفي الآية عِدَة كريمة بإظهار معجزة أخرى على يده ﵇ هي إِعادة العصا إلى هيئتها الأُولى، وإِيذان بأنها مسخرة له، لئلا تعتريه شائبة زلزلة عند مجابهة السحرة. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾

стр. 2779

المفردات: ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾: أي إِلى جنبك، وأصل الجناح للطائر، ثم أُطلق على اليد والعضد والجنب، وهو المراد هنا. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: أي من غير قبح ولا عيب، وهو هنا كناية عن البرص. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾: أي تجاوز الحد في عتوه وجبروته. ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: وسِّع لي صدرى. ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: أي سهل لي ما أمرتنى به، ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: أَي فك حبسة من لسانى. ﴿وَزِيرًا﴾: معاونًا من الوزَرِ بمعنى الحمل الثقيل، أو ملجأ أعتصم برأيه من الوَزَرِ، وأصله الجبل يتحصن به، ثم استعمل بمعنى الملجأ مطلقا. ﴿أَزْرِي﴾: أي قُوَّتى، يقال آزره .. أي قواه وأعانه، أو ظهرى. التفسير ٢٢ - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾: بعد أَن ذكر الله العصا آية موسى الأولى وبرهانه على نبوته، قفَّى عليها بذكر الآية الثانية وهى خروج يده بيضاء من غير سوءٍ من تحت إِبطه. والمعنى: وادخل يدك في طوق قميصك، واجعلها إِلى جنبك تحت إبطك، ثم أَخرجها تخرج بيضاءَ من غير قبح ولا عيب، نجعلها لك آية أخرى على نبوتك، وكان موسى ﵇ أَسمر اللون، فإذا وضع يده تحت إبطه خرجت بيضاء مخالفة للونه الأسمر، وكانت في بباضها تشعُّ نورًا مضيئًا كما روى عن ابن عباس. ٢٣ - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾: أي افعل ما أَمرناك به من إلقاء العصا، وضم اليد إِلى الجناح، لنجعلك مبصرا بعض آياتنا العظمى التي لا عهد لك ولا لغيرك بمثلها، والتى هي شاهدة على عظيم سُلْطَانِنَا، وكامل قدرتنا، وأَنك مرسل منا.

стр. 2780

٢٤ - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: انتقل النسق القرآنى بهذه الآية الكريمة من المقدمات السابقة، إلى المقصود منها. والمعنى: اذهب إلى ملك مصر وادعه إلى الاستقامة على طريق الحق والعدل، فإنه جاوز الحد في التجبر والطغيان، حيث ادَّعى الأُلوهية، وبغى على الرعية. وحينما كلف الله موسي بهذا الأمر الخطير، تضرع التي الله مستعينًا به كما حكاه الله بقوله: ٢٥، ٢٦ - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾: قال موسى متضرعًا إلى الله: رب وسع لي صدرى، فلا يضيق بكبرياء فرعون وجبروته، ومشقة دعوته ودعوة قومه الذين يعبدونه، واجعله في سعته مقبلًا على هذا الأَمر الجلل، مستريحًا لأدائه، وسهل لي أمرى الذي كلفتنى به بقوة العزيمة، والصبر والاحتمال، وتوفيقي إلى أحسن الأداء، ومعرفة شئون الحق وأحوال الخلق، لأصل بدعوتك إلى قلوبهم. ٢٧ - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾: واجعل لساني حين تبليغ الرسالة إلى فرعون طليقًا غير معقَّد ولا حبيس، حتى ينطلق في تبليغه ما تأمرنى به، وتكون عباراتي واضحة لكي يفهموا قولى، ويتأثروا بحسن أدائى. وهذه العقدة التي في لسانه لم نجد في السنة النبوية بيانًا أو سببًا لها، وقد تكلم فيها المفسرون، فنقل ابن كثير عن ابن عباس أنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، ليتكلم عنه بكثير مما لا يفصح عنه لسانه، ولم يرد في هذا الخبر بيان سبب هذه العقدة. وذكر الآلوسى: أنه كان في لسانه رُتَّةُ (١) من جمرة أدخلها فمه وهو صغير، وذكر كذلك قصة طويلة مشهورة على ألسنة الناس، وقيل غير ذلك، والله أعلم بصحة ما ذكروه، ويبدو لنا من سكوت السنة النبوية عن بيان هذه العقدة وأسبابها، أنها عقدة يخشى أَن تحدث له عند لقائه فرعون لتبليغه أنه ليس بإله، وأن لَا إله إلاَّ الله رب السماوات والأرض، في

стр. 2781

حين أَنه قتل منهم قتيلًا، وأنهم كانوا يأْتمرون به ليقتلوه، فلهذا سأل ربه أنا يشرح له صدره وييسر له أمره، ويطلق لسانه فلا يتلعثم ولا ينعقد عن تبليغ أَمر ربه، وأن يشد أزره بأخيه هارون ليصدقه ويعاونه. ولا يقتضي وصفه له بأَنه أفصح منه لسانًا، أن يكون لدى موسى رتة ولثغة في لسانه كما قيل، فربما كان مقصوده من ذلك أنه لا توجد لدى هارون أسباب يخشى أَن تحبس لسانه، كالأسباب التي لديه، على أَنه لو فرضت زيادة هارون عليه في الفصاحة، فإِن ذلك لا يقتضي وجود عيب في لسانه، فهو فصيح وأَخوه هارون أَفصح منه، والله تعالى أعلم. ٢٩، ٣٠ - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾: أي واجعل لي موازرًا ومعينًا من أهلى أَقرب الناس إلَيِّ، وهو هارون آخى، ليحمل معى أَعباءَ الرسالة، من الوِزْر بكسر الواو وسكون الزاى، بمعنى الحمل، ويجوز أن يكون المعنى: واجعل لي هارون أَخى ملجأ أَلجأُ إليه وأَعتصم به عند الشدائد، والمكاره، من الوَزَر بفتح الواو والزاى، بمعنى الملجأ. ٣١، ٣٢ - ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾: يطلق الأزر في اللغة على القوة وعلى الظهْر، فعلى الأول يكون المعنى: احكم يا رب بأخى هارون قوتى، وأَشركه يا مولاى في تبليغ رسالتى، وعلى الثاني، يكون المعنى: أشدد به ظهرى وأَشركه فيما ذكر من أَمرى. والمقصود من هذا الدعاءِ، أن يجعلهما الله تعالى متعاونين في تبليغ الرسالة إلى فرعون وقومه، وإِلى بني إسرائيل، أَخرج ابن أَبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أَنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾: - نُبِّئ هارون ساعتئِذ - حين نبِّئَ موسى ﵇. أَي أَنه نُبيءَ هارونُ بدعوة أَخيه موسى في وقت مكالمة الله الذي امتد حتى بشره ربه بإجابة دعائه كله كما سيأْتى، فلهذا قال ابن عباس - نُبيءَ هارون حين نُبِّئَ موسى، أَي أَنه نبئ في وقت المكالمة الذي كان موسي فيه قد نبئَ، ثم ختم موسى ﵇ دعاءه بما حكاه الله بقوله:

стр. 2782

٣٣، ٣٤، ٣٥ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: أَي اجعل هارون أَخى وزيرا لى، ونبيا ورسولا معى، لكي ننزهك كثيرا يا رب عما لا يليق بك من الصفات، كالشريك والنَّظير، والوالد والولد، ونرد ما يزعمه فرعون من أُلوهيته، وغير ذلك مما تتنزَّه عنه ساحة أُلوهيَّتك، يا إِله العالمين ولكى نذكرك ونثنى عليك بما أنت أَهله ذكرًا وثناءً كثيرا، إِنك كنت يا ربنا ولا تزال بصيرا بنا، في سائر أحوالنا، عليما خبيرًا بنياتنا وأُمورنا منذ خلقتنا، ومن ذلك إيماننا بك وحدك وعبادتك دون سواك بين قوم مشركين، فلعلَّ ذلك يجعلنا أَهلًا لاستجابة دعائي يا إلهى. قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائِما وقاعدا، ومضطجعًا. ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ المفردات: ﴿سُؤْلَكَ﴾: أي سؤَالك، والمقصود منه مطلوبه الذي سأَل ربه.

стр. 2783

﴿مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾: أَنعمنا عليك في وقت آخر بنعم غير هذه النعمة وسيأْتي بعض تفصيلها: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾: ألهمناها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: ولتربَّى تربية حسنة بعنايتى وعلمى، تقول: صنعت الفرس وأَصنعته: أحسنت رعايته والقيام بشئونه. ﴿يَكْفُلُهُ﴾: يرعاه ويعنى بتربيته. ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: فأنقذناك من الكرب بسبب قتلك القبطى من شيعة فرعون. ﴿مَدْيَنَ﴾: بلدة شعيب صهر موسى. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾: جئت على موعد مقدَّرٍ لإرسالك إلى فرعون. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك لرسالتي من الاصطناع بمعنى الاستخلاص، أو خلقتك لها. من الصنعة. التفسير ٣٦ - ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾: أي قال الله لموسى بعد أن دعاه، قد حققنا لك ما سألت، وأجبناك لما التمست، فسنشرح لك صدرك، ونيسّر لك أمرك، ونطلق لك لسانك، فلا تتهيب المواقف فيحتبس عن قول الحق، وسنؤزرك بنبوة أخيك هارون ورسالته، فأقبل على ما كلفناك به في حفظنا ورعايتنا وكفالَتنا، ثم زاده الله اطمئنانا على رعايته له في مهمته فقال: ٣٧ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾: أَي وبالله فقد أنعمنا عليك من غير دعاء منك، أَنعمنا عليك مرة أخرى في وقت سابق لم تكن فيه نبيًّا ولا رسولًا، فكيف لا ننعم عليك بما طلبته منا وقد اتخذناك نبيًّا ورسولًا، ولقد بدأ الله هذا الامتنان بالقسم اعتناءٌ به، وبالمقصود منه، ثم عقَّب الله هذا الامتنان المجمل بتفصيله فقال: ٣٨ - ﴿إذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى … ﴾: الإيحاءُ هنا … بمعنى الإلهام. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي ألهمها - أما الإيحاءُ عن طريق الملك .. فخاص بالأنبياء .. ولا نبوة للنساء. فضلا عن

стр. 2784

النحل - وهل كان هذا الإلهام في اليقظة أم كان في المنام؟ والذي يظهر لنا أنه في اليقظة، لأن الذي يكون في النوم يعبر عنه في عرف القرآن بالرؤْيا، كما في قوله تعالى -: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وقد كان هذا الإلهام قويا مقنعًا، فلهذا لم تَتَرَدَّد في تنفيذه، ولهذا شبهه الله بما يوحى للأَنبياء، في قوة الاقتناع به، والطمأْنينة له. والمعنى على هذا - ولقد ألهمنا أُمك في شأْنك تدبيرًا اقتنعت به تمامًا، لأنه كان مؤكدًا في نفسها تأْكيد ما يوحى إلى الأنبياء، فإن الأرواح قد تصل من الصفاء والشفافية إِلى ما يجعلها تتحقق من صدق إلهامها كأنها تشاهده على الحقيقة، وعن ذلك أن سارية كان قائدا في إحدى المعارك النائية، فأَحسّ عمر بن الخطاب بأَنه في مأزق حرج، فناداه وهو على منبره بالمدينة - يا سارية الجبل، فسمعه سارية فلجأَ برُمَاته إِلي الجبل، فانتصر على عدوه، ولما رجع من المعركة حدث الناس بذلك وفي مثل هذا يقول النبي ﷺ : "إنَّ مِنْ أمَّتى مُحَدِّثِينَ". ٣٩ - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ … ﴾ الآية. هذه الآية مفسّرة لما أَوحاه الله إلى أمِّ موسى، وكان قد ولد في السنة التي كان فرعون يقتل فيها مواليد بني إسرائيل من الذكور، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة البقرة مخاطبا بني إسرائيل: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١). وقيل في سبب ذلك: إن فرعون خاف أَن يذهب ملكه على يد مولود من بني إِسرائيل، يولد في هذا العام كما رآه في منامه، فأمر بقتل كل ذكر يولد منهم فيه - ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ولهذا لم يُقْدِر فرعونَ تدبيرُه في دفع ما قدره الله عليه، إذ لا يُغنى حَذرٌ مِنْ قَدرٍ. والمعنى: إذ أَوحينا إلى أُمك يا موسى أَن ضعيه في صندوق محكم الصنع بحيث لا يدخله ماءٌ، فاطرحيه في البحر - وهو النِّيل - يلقيه البحر بساحل فرعون. ولما كان إلقاءُ البحر للتابوت بالساحل أمرا واجب الوقوع، لتعلق إرادة الله به، جُعل البحر في النص الكريم كأنه مأْمور بذلك (٢).

стр. 2785

﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾: المراد بهذا العدو فرعون، وقد نفذت أم موسى ما أُلهمت به فاتخذت تابوتا محكما. ووضعت فيه موسى وألقته في النيل، وكان يذهب منه فرع إِلى بستان فرعون - كما قيل - فرأى آل فرعون التابوت فالتقطوه وفتحوه فوجدوا فيه صبيا أَصْبَحَ الوجه، فأَحبه عدوُّ الله حبًّا شديدًا بحيث لا يمالك أَن يصبر عنه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: والمعنى: أَي وأَنزلت عليك محبة مني، إذ أَحببتك وجعلت من يرونك يحبُّونك، فأَحبك فرعون وأنزلك منه منزلة الولد، وأَحبك أَهله وحاشيته، وفعلْتُ ذلك لكي تربَّى وتنشأَ لديه، وفي منزله في رعايتى وحفظى، تلحظك عين عنايتى، قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أَحبه الله وحببه إِلى خلقه، وقال في تفسير قوله سبحانه ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: يريد أَن تدبير أَمرك بعينى، أَي بعلمى ومشيئتى، حيث جُعِلْتَ في التابوت، وحيث أُلقى التابوت في البحر، وحيث التقطتك جوارى امرأَة فرعون، فذهب بالتابوت إِليها مغلقًا، فلما فتحته رأَت صبيًا لم يُر مثله قطُّ، وأَلقى عيها محبته، فدخلت به على فرعون، وقالت له: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ انتهى باختصار وتصرف (١). وقال ابن عطية: جُعِلَتْ عليه مَسْحَةُ جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه، وقال النحاس في تفسير ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولكى يفعل بك الصنيعة - أي الإِحسان - بحيث تربَّى بِالْحُنُوِّ والشفقة، وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشيءَ بعينه، إِذا اعتنى به - يريد أن في الكلام استعارة بالكناية - فليس لله عين كعيوننا، فهو منزه عن مشابهة الحوادث، ولكنها عين العناية والرعاية الصمدانية. ٤٠ - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ … ﴾ الآية. لما قذفت أم موسى وليدها في اليمِّ، صار فؤَادها فارغا من الصبر لفراقه، فقالت لأُخته: قُصِّيه وتعرفى خبره، وكانت امرأَة فرعون قد طلبت له المراضع، فكلما عرض على مرضع

стр. 2786

أَبي أن يرتضع منها، حيث حرم الله عليه المراضع، وكانت أخته تمشى بجوار النيل ترقب مصيره، فبصرت به عن بعد وهم لا يشعرون بأَنها ترقبه، فلما علمت مصيره ورأتهم يطلبون له المراضع، استأذنت من أَجله فأَذنوا لها: فأخذته ووضعته في حجرها، وناولته ثديها فمصه وفرح به، كما روى عن ابن عباس، فعرضوا عليها أَن تقيم عندهم، فقالت إنه ليس لي لبن، ولكن هل أَدلكم على من يكفله وهم له ناصحون، قالوا ومن هي؟ قالت: أمى، فقالوا: أَلها لبن؟ قالت: نعم. من أَخى هارون - وكان قد ولد قبل موسى - ولم يكن قد بدأ القتل في مواليد بني إِسرائيل المذكور فوافقوا على إِرضاعها إياه، فعادت فأَخبرتها، فلما جاءَته تقبل ثديها وارتضع منها، تلك خلاصة ما روى عن ابن عباس في قصة عودته إلى أُمه. والمعنى: واذكر يا موسى حين كانت أُختك تمشى على الساحل لتعرف مصيرك، فعرفت أَنك انتهيت إِلى دار فرعون، وأَنهم بحاجة إِلى مرضع، فقالت لهم: هل أَدلكم على موضع تتكفل برضاعه؟ فوافقوا. ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾: أي فرددناك إِليها لترضعك، وأَنت مكرم في بيت فرعون لكي تستقر عينها، فلا تكون زائغة أو متحركة تنظر هنا وهناك، باحثة عن مصيرك، أَو مشفقة من شدة الحيرة علي فَقْدك. ويجوز أَن تكون قرة عينها كناية عن فرحها، يقولون: قَرَّت العين إِذا بَرَدَتْ عند السرور، وللسرور دمعة بارِدة، وللْحزن دمعة ساخنة (١). ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: لا يزال الكلام مفصلًا في بيان نعم الله على موسى قبل أَن يشرفه بالنبوة والرسالة، والنفس التي قتلها موسى نفس قبطيٍّ كان يقتتل مع رجل من بني إِسرائيل، فاستعانه الإِسرائيلى

стр. 2787

الذي هو من شيعته على القبطى الذي هو عدوه، وكان القبطى باغيًا على الإِسرائيلى متشبثًا به، فلما لم يرضخ لوساطة موسى بينهما، وكزهُ بيده، أَي ضربه أَو دفعه، فقضى عليه، ولم يكن موسى يقصد قتله، بل تأْديبه، ولعله كان به مرض قلبى لم يحتمل معه تلك الوكزة، فمات منها أَو عندها، وقد جاءَ في الصحيحين أَن قتله كان خطأ ولم يكن عمدًا. والمعنى: وقتلت رجلا من أَقباط مصر على سبيل الخطإِ، حيث كان باغيا على رجل من بني إِسرائيل، فضربته فمات، فأَصابك الغم والحزن بسبب قتله، لما يترتب عليه من غضب فرعون عليك، أو اقتصاصه منك، وخشية أَن نغضب نحن عليك من أَجل قتله، فنجَّيناك من هذا الغم بغفران ما حدث منك بعد ما قلت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ونجيناك من نقمة فرعون بالهجرة إِلى مدين، وابتليناك بالشدائد ابتلاءً شديدًا وأَنت في طريقك إِلى مدين، فرارًا من نقمة عدوك لتعتاد الشدائد والصبر عليها تمهيدًا لتحصل أَعباءِ الرسالةِ. ٤٠، ٤١ - ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: أَي ثم جئت من مدين على الموعد الذي قدَّرت إِرسالك فيه، واخترتك لوحى رسالتى. ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ المفردت: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾: ولا تفْتُرا في تبليغ رسالتي، تقول وَنَيْتُ في الأَمر أني فيه ونَّى وونْيًا، أَي تباطأت وفترت فيه، ويطلق الونْى أَيضا على الضعف، والكلال، والإعياء. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾: إِنه تجاوز الحد في الظلم والجبروت والغرور.

стр. 2788

﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: يتعظ أو يخاف. ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾: يعجل ويقابلنا بالقول الغليظ علينا يقال: فرط مني أمرٌ، أي بدر، منه الفارط في الماءِ، الذي يتقدم القوم إلى الماءِ، ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: لا تخفى عليَّ خافية من أَمركما. التفسير ٤٢ - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا في ذِكْرِي﴾: هذه الآية مستأنفة، لبيان المقصود من اصطناع الله لموسى، والمراد بالآيات هنا العصا واليد؛ لأنهما الآيتان اللتان ذهب بها موسى وهارون أولًا إلى فرعون، بدليل أن موسى لما كلمه الله في طور سيناء، أمره سبحانه أن يلقى عصاه فأَلقاها، فصارت حية، وأَن ينزع يده من جيبه فنزعها فصارت بيضاءَ - لمَّا حدث ذلك - قال الله لموسى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (١) والتعبير عن هاتين الآيتين بصيغة الجمع في قوله سبحانه: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ إما لأَن المراد من الجمع ما فوق الواحد، وإما لأن كل آية منهما تشتمل على آيات، فانقلاب العصا حيوانا آية، وكونها ثعبانًا عظيمًا لا يقادر قدره آية أخرى، وكونه مسخَّرًا لموسى بحيث لا يضرّه آية ثالثة، وعودته بعد ذلك عصا آية رابعة، وكذلك اليد، فإن تحولها من السُّمرة إلى البياض آية، وكون بياضها مُؤَقَّتًا آية ثانية، وعودتها إلى حالتها الأُولى برغبته آية ثالثة. وأما القول بأن المراد بها الآيات التسع فلا يناسب المقام. ومعنى الآية: اذهب أَنت يا موسى وليذهب معك أخوك هارون بآياتى ومعجزاتى الدالة على أَنكما مرسلان مني، ولا تتباطئا أَو تفترا في تبليغ رسالتى والدعاء إلى عبادتى، وقيل: معناه تذكَّرانى ولا تنسياني واستمدَّا العون والتأْييد مني، فإنه لا يتم أَمركما بغير تأييدى، وعقب الله هذا الأَمر المجمل ببيان من يذهبان إِليه والمقصود من إرساله وطريقة أدائهما الرسالة فقال سبحانه:

стр. 2789

٤٣، ٤٤ - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: لم يكن هرون مع موسى وقت مكالمة ربه، فقد كان موسى عائدًا من (مَدْيَنَ) بعد هجرته إِليها عشر سنين عقب قتله القبطي، وكان هارون مقيمًا بمصر، حيث لم يحدث منه ما يقتضي تركه لها، كما حدث لموسى، والأَمر موجّه إِليهما مع أَن هارون غير موجود في ساحة الخطاب، على سبيل تغليب الحاضر على الغائب، ولأَن هارون سوف يصدق أَخاه حين يبلغه أمر ربه بإِشراكه معه في الرسالة إلى فرعون، فلهذا جُعل في حكم الحاضر المخاطب. وروى أن هارون أُوحي إِليه بمصر، أَن يتلقى أخاه، وقيل: بل أُلهم ذلك، وقيل: سمع بإِقباله فتلقاه، وعلى أَي حال فقد التقى موسى بأخيه هارون، وعرف أن الله أرسله وأَشركه مع موسى في تبليغ رسالة ربه. والمعنى: اذهب يا موسى أنت وهارون أَخوك مصحوبَيْن بآياتى، إلى فرعون ملك مصر، فِإنه جاوز الحدَّ في ظلم الخلق، وفي الغرور حيث ادعى الألوهية، فادعواه إِلى الإيمان بى وترك الطغيان على عبادى، واستعملا أسلوب اللِّين في دعوتكما إِياه إلى الهدى وترك الطغيان لعله بهذا الأسلوب اللين البعيد عن الخشونة يتذكر عظمة الله وآياته، ويمعن في التأمل فيها، أَو يخاف سوءَ المصير الذي ينتهى إليه أَهل الطغيان، فيؤمن بربه، وينتهى عن غروره وطغيانه. ولفظ: (لَعَلَّ) يستعمل للرجاء وللتعليل، فِإن أُريد منها الرجاءُ هنا، فالرجاءُ يكون من موسى وهارون. والمعنى على هذا: فقولا لفرعون قولًا ليِّنًا ترجوان بهذا اللين أَن يتعظ أو يخاف سوءَ المصير فيؤْمن، ولا يصح أَن يكون الرجاءُ من الله، لأنه تعالى يعلم قديمًا من غرور فرعون إصراره على الكفر والطغيان، وأنه بعيد عن التذكرة والخشية، ولكنه أرسلهما إليه ليقيما الحجة عليه، وإن أُريد من لعل التعليل. فالمعنى: لكي يتعظ أَو يخاف. وقد استنبط من الآية أَن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ينبغي أَن يكون بأُسلوب لين لا خشونة فيه، لكي يتأَثر باللين من تدعوه إلى الخير، فإن الخشونة في الدعوة تأْتى بعكس المقصود، قال تعالى لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِ

стр. 2790

وإِذا كان اللين مطلوبًا من صاحب الرسالة المؤيَّد من الله تعالى، فإنه يكون مطلوبًا من غيره بطريق الأَولى. ٤٥ - ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: هذا استئناف مبين لما أَجابَا به ربهما بعد أن كلفهما بدعوة فرعون باللين إِلى ترك ما هو عليه، وهذا القول كان وقت مناجاة موسى لربه، فهو من موسى وحده، وإِسناده إِليهما حينئذ على سبيل التغليب، لأَن هارون سوف يخاف من طغيان فرعون إذا بلغه من أَمر الرسالة ما لا يحبُّه، فكأنه مشارك موسى في هذا المقال، فأُسند إليه مع أَخيه، ويجوز أن يكون هذا القول قد حدث منهما معا بعد أن التقى موسى بهارون في مصر وأَخبره بما كلفا به من قبل الله تعالى. والمعنى: قال موسى وهارون: ربنا ومالِك أَمرنا إِننا نخاف إِن بلغنا رسالتك إلى فرعون أَن يبادرنا بقول غليظ، ويجابهنا قبل أَن نقيم له الحجة ونظهر له المعجزة، أَو أَن يطغى، ويجاوز الحد فيعاقبنا أَو يقتلنا. ٤٦ - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: أَي قال الله مطمئنًا لهما، بعد أَن أَظهرا له خوفهما من فرعون - لا تخافَا منه ولا من قومه إِننى معكما بالحفظ والنصرة والحماية، أسمع وأَرى ما يدور حولكما، فلن أُمكنه منكما، ثم حضهما على التوجه برسالته سبحانه إلى فرعون فقال:

стр. 2791

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ المفردات: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: المقصود بإرسالهم إطلاقهم من الأسر كما سنشرحه إن شاءَ الله تعالى. ﴿والسَّلَامُ علَى من اتَّبَعَ الهُدَى): أي والأمان من عقاب الله لمن أتبع الهدى الذي أَرسلَنا به. التفسير ٤٧ - ﴿فأِتيَاهُ فَقُولَاَ إنا رَسُولَا رَبِّكَ فَأرْسِل مَعَنَا بَنِى إسْرَآئِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾: نرى في هذا النص الكريم أن الله تعالى كلف موسى وهارون أَن يطلبا من فرعون في أَول لقاء بينهما أن يرسل بنى إسرائيل معهما، ولم يكلفهما بمطالبته بالإيمان بربه سبحانه، في حين أن سورة النازعات تدل على أَنهما كلفا بأن يهدياه أَولًا إلى معرفة ربه، فقد جاءَ فيها قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ وجمعًا بين النصين نقول: إن الله كلفهما بالأَمرين جميعًا، وإنهما تدرجا معه، فطلبا منه إِرسال بنى إسرائيل وإطلاقهم من الأسر، ورفع التعذيب والقتل عنهم، قبل أن يطلبا منه تبديل اعتقاده، فإن الأَول أَسهل عليه من الثاني. والمراد من إِرسال بنى إسرائيل معهما تخليص الأُسارى منهم، وإخراجهم من تحت جبروته، وليس المقصود التصريح لهم بالتوجه معهما إلى الشام، ويدل على ذلك قوله تعالى عقب هذه الجملة: "وَلَا تُعَذِّبْهُمْ" أي لا تعذبهم بإِبقائهم في السجون والتسخير، فقد كان هو وقومه يستخدمونهم في الأعمال الشاقة كالحفر والبناء ونقل الأحجار، ومن عصاهم عذبوه وسجنوه.

стр. 2792

والمعنى: فاذهب يا موسى أَنت وأخوك هارون إِلى فرعون، فقولا له: إِننا مرسلون من الخالق الذي أَنشأَك ورباك، فأَطلق سراح بنى إسرائيل من السجن ومن السُّخرة، ولا تعذبهم بأَى نوع من أنواع التعذيب الذي تمارسه أنت والقبط في إذلالهم. ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: أَي وقد جئناك بحجة من ربك، على أننا مرسلون من قبله، ولسنا مفترين على الله، بدعوى إِرساله إِيانا إليك، والسلامة من العذاب في الدارين لمن اتبع الهدى الذي أَرسلنا الله به، وليس السلام هنا بمعنى التحية، لأنه ليس في ابتداء كلامهم كما هي العادة في التحية، بل هو بمعنى الأمان لترغيبه في حسن العاقبة. ولو جاءَ هذا السلام أول الكلام لتحيته منهما، لما كان مناسبًا لما أَوصاهما الله به، من أن يقولا له قولًا ليِّنًا لعله يتذكر أَو يخشى، فإِن مفاجأَته بأَنه لا تحية له، لأنها لأَهل الهدى وهو ليس منهم، تعتبر مفاجأَة خشنة منفِّرة يقولانها بين يديه غير عابثين بمنصبه في قومه، وَتَمْنَعُهُ من أن يتذكر أَو يخشى، وتخالف اللين المطلوب منهما في محادثته، ولأَنه يعتبرهما من رعيته، وقد نشآ في نعمته وتحت سلطانه، وقال أَبو حيان: الظاهر أَن قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ فصل للكلام، والسلام فيه بمعنى التحية، وجاءَ ذلك على ما هو العادة من التسليم عند الفراغ من القول، إِلَّا أَنهما ﵉ رغبا بذلك عن فرعون، وخصَّا به متبعى الهدى، ترغيبًا له بالانتظام في سلكهم: اهـ. والصواب ما قلناه أَولًا، من أَن السلام هنا بمعنى الأَمان، وقد جاءَ في وسط كلامهما مع فرعون وليس في آخره، فقد قالا له عقب ذلك: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فكأنما قالا له: والأَمان على من اتبع الهدى الذي جئناك به، لأن العذاب على من كفر به وتولى عنه. فإن قيل إِن النبي ﷺ بدأَ خطابه لعظيم الروم بتحيته على هذا النحو حيث قال له - كما جاءَ في الصحيحين: "من محمد رسوك الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام علي من اتبع الهدى" فلماذا لم يؤمر موسى وهارون بمثل ذلك؟ فالجواب: أَن النبي ﷺ

стр. 2793

إنما يفعل ذلك مع هرقل في منزلة من العزة والمنعة، لم يكن فيها موسى وهارون كما تقدم بيانه، فلذا أَوصاهما الله تعالى بملاينته على النحو الذي جاءَ في النص الكريم. ٤٨ - ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: أي وقولا لفرعون أَيضًا: إنا قد أَوحى الله إلينا أن العذاب في الدنيا والآخرة على من كذبنا، وأَعرض عما جئنا به من وحى ربنا. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ المفردات: (خَلْقَهُ): ما خلقه عليه من المادة والصورة والوظائف المختلفة. (ثُمَّ هَدَى): ثم أرشد ما خلقه لما يصلحه. (فَمَا بَالُ الْقُرُون الْأُولَى): أي فما شأْن أَهل القرون السابقة وما حالهم. (عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَابٍ) (١): المراد بالكتاب هنا علم الله تعالى، وقيل اللوح المحفوظ، وقيل صحف الأَعمال. (لَا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى): أَي لا يغيب سبحانه عن شيءٍ يحدث فيفوته علمه، ولا ينسى شيئًا علمه جل وعلا، والجملة مستأْنفة لتأْكيد علم الله بأَحوال القرون الماضية، أَو لتعليل علمه بها. التفسير ٤٩ - ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾: جاءَ في الآيات السابقة أَنه تعالى أمر موسى وهارون بالتوجه إلى فرعون وإِخباره أَنهما رسولان من ربه، وأَن يطلبا منه رفع العذاب عن بنى إِسرائيل، ويخبراه أَن السلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى.

стр. 2794

وقد جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان ما حدث من فرعون بعد لقائهما إياه وتبليغه ما أُمرا بتبليغه إليه. ولم تتحدث الآيات عن أَنهما توجها إليه وأَبلغاه، اكتفاءً ببيان موقفه من رسالتهما، فإِن ذلك يؤْذن بأَنهما توجها إليه وأَبلغاه فبدأ يناقشهما فيما جاءاه به. وأَول ما بدأَ به مناقشته أَن قال: (فَمَن رَّبُّكَما يَامُوسى) فأضاف الربوبية إليهما ولم يضفها إلى نفسه مع أَنهما أَفهماه أنهما رسولان من ربه الذي هو ربُّهما، لأنه لا يريد الاعتراف بربوبية غيره، ولعل فرعون اختص موسى بهذا السؤَال مع أن هارون كان معه، لأن موسى هو الذي قام بتبليغه، وإِلى جانبه هارون يؤيده، ويحتمل أَن يكون للتعريض بأَنه ربه، كما قال: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) فكأَنه يقول له: فمن ربكما يا مَنْ كنتُ لك مُربِّيا، وجئتَ تنزع الربوبية منى. وعلى أَي حال فالمعنى إِذًا: إذا كنتما رسوليْ ربكما الذي أَرسلكما فأخبرانى من ربكما الذي تدعونى إلى الإِيمان به يا موسى. ٥٠ - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾: أَي قال موسى جوابًا لفرعون: ربُّنا يعْرَفُ بصفاته، ولا يدرك بذاته، فهو الذي أَعطى كل شيءٍ ما خلقه عليه من المادة والصورة والوظيفة، وأعطاه ما يحقق به ما خلق له، وهداه إلى تحقيقه، فقد أَعطى العين الصورة التي تطابق الإِبصار، وأمدها بالقوة التي تبصر بها وأَعطى الأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وأَمدها بالقوة التي تستمع بها، وكذلك الأنف واليد والرجل وغيرها، أعطاها الله خلقها اللائق بها والمناسب لوظيفتها، وأمدها بالقوة التي تحقق ما خلقت لأَجله، وهداها لتحقيقها، ومثل ذلك يقال في الحيوان والنبات، بل وفي الجماد أَيضًا، فالعلم من آن لآخر يكشف لنا عن عجائب الكون وإِنك لترى في الذرَّة وتكوينها وخصائصها ما يحيِّر العقول، فكيف بغيرها من ملكوت الله.!! ٥١ - ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: لما وضح الحق في جانب موسى، خاف فرعون أَن يتأثر الناس بما قاله موسى، فيكفوا عن القول بأُلوهيته، والاندماج في عبوديته، فلهذا وجه إِليه سؤالا يريد أن يحرجه به،

стр. 2795

ويظهر ضعفه أَمام سامعيه، فقال له: إِن كنت رسولًا يا موسى فأَخبرْنى: ما حال أهل القرون الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث مفصلة؟ ولما كان موسى ﵇ خالى الذهن عنها حين سؤاله، أَجابه بما حكاه الله بقوله: ٥٢ - ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾: أي قال موسى: - ردًّا على فرعون -، علم أَحوال القرون الماضية يختص به ربِّى الذي أرسلنى وما أنا إلا عبد له تعالى، فلا علم لى إلا بما أَخبرنى من شئون الرسالة، وقد بلغ من علم الله أَنه تعالى لا يضل ولا يغيب عنه شيء في الوجود، فلا يفوته علم شيءٍ منه ابتداءً، ولا ينسى معلومًا دخل دائرة علمه، فقد أحصى وأحاط بكل شيءٍ علمًا أَزلا وأَبدًا. والمراد بالكتاب على هذا الوجه، علم الله تعالى، تمثيلا لثبوت معلوماته سبحانه، وتقرّرها وتمكنه منها، بما استحفظه العالم وقيده في كتابه، تقريبًا للأَذهان، لأَن علم الله بها أَقوى وأثبت مما حوته كتب الكاتبين، ولكون المراد ما ذكر، عقبه بقوله: (لَا يَضِلُّ رَبِّى ولَا يَنسَى) وقيل: المراد به اللوح المحفوظ، والصواب ما قلناه لأنه هو المناسب للمقام - والله أعلم. وقيل: إنما سأله عن إحصاء أعمال القرون الأولى وجزائها، فأَخبره بأنها محفوظة عند الله في كتاب، وسيجازيهم عليها في الآخرة، إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، ولعل المراد بالكتاب على هذا الوجه، هو السجل الذي يكتب فيه الملك أَعمال المكلف، ويحصِيها عليه، كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١). وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ (٢).

стр. 2796

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ المفردات: (مَهْدًا): أي مبسوطة مذَلَّلة، وهو في الأصل مصدر مَهَد الأرض أو الفراش أَي بسطه ويسّره. وفعله من باب فتح يفتح ثم أَطلق المهد على كل ما يبسط ويمهد، وغلب على فراش الصبى. (سُبُلًا): جمع سبيل وهو الطريق. (أَزْواجًا): أي أصنافًا ونظائر متشابهة وأطلق عليها ذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض، أَو لأن بعضها ذكر والآخر أُنثى (نَبَاتٍ شَتَّى): أَي متفرق؛ جمع شتيت، من شتَّ الأمر أَي تفرق، وأَلفه للتأْنيث. (وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ): أَي سرحوها وأَطعموها من المرعى وهو مكان الكلإِ والعشب. والأَنعام الماشية التي ترعى، وهى تذكر وتؤَنث، وأكثر ما تطلق على الإِبل، ومفردها نَعَم بفتحتين وهو مذكر دائمًا، كما قال الفراءُ يقولون هذا نَعم - انظر المختار. (لِأُولِي النُّهَى): أَصحاب العقول السديدة، وقيل لهم ذلك لأَنهم يُنتهى إلى رأْيهم، أَوْ ينْهَوْنَ أَنفسهم، ومفرده نُهْيةٌ. بضم فسكون. التفسير ٥٣ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا … ﴾ الآية. هذا الكلام إما أَن يكون بقية ما أَبلغه موسى لفرعون عن الله تعالى (١)، وإما أَن يكون كلام موسى قد تم، عند قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ وابتدأَ الكلام منه سبحانه لتعداد نعمه على عباده.

стр. 2797

وعلى الأَول يكون المعنى: لا يضل رَبى عن أَحوال القرون الماضية ولا ينساها، ربي الذي الذي جعل لكم الأَرض مُمهدة كمهد الصبى، مبسوطة بحيث تستطيعون التقَلُّب فيها، والاستقرار عليها، والانتفاع بها، وفتح لكم فيما بين وِهادِها وجبالها ووديانها سبلا وطرقا، تسلكونها من بلد إِلى بلد، ومن قطر إِلى قطر، لتستكملوا منافعكم، وتحققوا مآربكم، مما يكون متيسرًا لدى غيركم، ومفقودًا أَو قليلا عندكم. وعلى الثاني يكون المعنى: هو الله الذي أَنعم عليكم بنعمه العظيمة، حيث جعل لكم الأَرض مبسوطة كمهد الصبى، وفتح لكم فيما بينها طرقا .. الخ. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾: إِما أَن يراد من السماء السحاب، وإِما أن يراد ما فوقها، فعلى الأَول يكون قد عبّر بالسماءِ عن السحاب، لأَن كل ما علاك سماءٌ، ونزول الماء من السحاب أَمر واضح لا ريب فيه، وعلى الثاني يكون إنزاله من السماء بمعنى إنزاله بسببها، فإن السحاب يتكون من بخار الماء الناشيء عن حرارة الشمس المسلطة على المحيطات والبحيرات، والأرض المرويَّة، وفيما يلى معنى الآية على الوجهين معًا: المعنى: وهو الذي أَنزل من السحاب أَو بسبب الشمس التي هي في السماءِ، أَنزل ماءً بقدر معلوم، بحيث لا يضر مصلحة البشر، فيغرقهم، فأَخرجنا به أشباهًا ونظائر من النبات، متفرقة في خصائصها، حيث ترونها مختلفة الطعم والشكل واللون والرائحة، مختلفة النفع للإِنسان في بناءِ جسده وعلاجه من أَمراضه، وللحيوان كذلك، وهى مع اختلافها متزاوجة، ومتشابهة في عموم النفع والجمال والنضرة والبهجة، كما أَنها متزاوجة حيث توجد بين أَصنافها الذكورة والأنوثة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١). قالوا: ومن نعمته تعالى، أن أَرزاق العباد تقوم على الأَنعام، وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم، ولا يستسيغون أَكله، وبعد أَن بين نعمه على خلقه بإنبات أَصناف النبات، أَباحها لهم ولأَنعامهم بقوله:

стр. 2798

٥٤ - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: أَي كلوا ما يصلح منها لأَكلكم، وأَطعموا أَنعامكم في المسارح والمراعى ما لا يصلح منها لكم، إن فيما ذكر من النعم لبراهين عظيمة، لأصحاب العقول السديدة، التي ينهون بها النفس عن الغواية، ويبعدونها عن القبائح، منها يستدلون على وجود الخالق العظيم، والمدبر الحكيم، والبرّ الرحيم. ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ المفردات: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: أي ومن الأرض نخرجكم مرة ثانية حين البعث والحساب، والتَّارة كل فعلة متجددة. ﴿أَبَى﴾: امتنع عن الإيمان وكرهه، يقال أَباه إباءً وإباءَة بكسر همزتها الأُولى كرهه. ﴿مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ﴾: أَي وعدًا أَو زمانًا موعودًا نلتزم به. ﴿مَكَانًا سُوًى﴾: بضم السين وكسرها أَي مكانًا منتصفًا تستوى مسافته بيننا وبينك، أو مستويًا ليس به ارتفاع أَو انخفاض. ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: هو يوم عيد لهم يجتمعون فيه مع البهجة والزينة. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: الضحى يؤَنث ويذكر، ووقته حين ارتفاع الشمس بدون إِبعاد في الارتفاع.

стр. 2799

﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: أَي مكره وحيل سحْرِه. ﴿وَيْلَكُمْ﴾: دعاءٌ عليهم بالويل وهو الهلاك. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾: أَي فيستأْصلكم به، يقال: أَسحته وسحته بفتح الحاءِ. بمعنى أهلكه. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾: أَي خسر وهلك من اختلق الكذب. التفسير ٥٥ - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: المعنى: من الأَرض بدأْنا خلقكم - فإِن خلق أَبيكم آدم ﵇ من ترابها وخلقه أَصل لخلق كل فرد من أَفراد البشر، حيث إِن لكل منهم حظًّا من خلقه ﵇، انطوت عليه فطرته، وقيل المعنى: خلقنا أَبدانكم من الأَرض، فإِن النطف التي هي أَصلكم تولدت عن الأَغذية التي نبتت ونمت في تراب الأرض الممتزج بالماء. وبهذا يظهر في وضوح أَنه سبحانه خلقنا من الأَرض، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: أي وفي الأَرض نرجعكم إِذا متم وتفرقت أَجزاؤُكم وبليت أَجسادكم، وإِيثار التعبير بقوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ على ﴿وإِليها نعيدكم .. ﴾ للإِشارة إِلى الاستقرار الطويل بعد العودة إليها. ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: أَي ونخرجكم من الأرض ونحييكم مرة أُخرى للبعث والحساب والجزاءِ، وكون هذا الإخراج حصل مرة أخرى، باعتبار أَن خلق أَبينا آدم من الأَرض إخراج لنا منها أَولا، وإِن لم يكن إِخراج البدءِ وإخراج الإِعادة متساويين من كل وجه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تموُتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (١). ٥٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾: حكاية لما جرى بين موسى ﵇ وفرعون عليه لعنة الله، وقد صدرت الآية بالقسم إِظهارًا لكمال العناية بما تضمنته من الآيات الدالة على نبوة موسى ﵇، وأَنها عرضت على فرعون فعاينها كلها وأَبصر إِعجازها. والمراد بالآيات التي شاهدها فرعون، جميع المعجزات ما يتصل منها بالتوحيد، وما يتصل منها بنبوة الكليم، قصدًا إلى إِلزامه الحجة، حتى يستجيب إِلى دعوة الحق، ويتخلى عن

стр. 2800

الكفر والعناد، ولكنه عكس الآية، وجعل أسباب الهدى والطاعة، دوافع إلى الزيغ والتمادى في الضلال وهذا ما يحكيه الله تعالى بقوله: (فَكَذَّبَ وَأبَى) أي فكذب بالآيات، أو كذب موسى ﵇ من غير تردد أو تأخر، وكره الإيمان وأعرض عنه جحودا واستكبارًا. ٥٧ - ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾: الآية بيان لكيفية تكذيب فرعون وإبائه، أَي قال: نحن ننكر عليك مجيئك إِلينا، لإِنجاء بنى إسرائيل من بيننا، بل لإخراجنا من أَرض مصر بما أَظهرته من السحر، حتى تكون خالصة لك ولقَومك، فكيف تخرجنا منها بسحرك! وهى أَرضنا وأرض أَجدادنا، وإِنما قال ذلك، لحمل قومه على بغضه ومقته، وإثارتهم للانتقام منه، حيث أَوضح لهم أَن مراده ليس إِنجاءَ بنى اسرائيل وتخليصهم، بل إِخراج المصريين من أَرضهم، والاستيلاءَ على أَموالهم، واسترقاق ذراريهم، حتى يبتعدوا عنه، ويبالغوا في عداوته ومدافعته. وتسمية المعجزة سحرًا، لأَنه لم يدرك حقيقتها بعد، ولهذا توعد موسى بأَنه سيأتيه بسحر مثلها على أَيدى سحرته فقال: ٥٨ - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ .... ﴾ الآية. أَي ما دام الذي جئت به سحرًا فلنعارضك بسحر مثل الذي أَتيتنا به، ليتبين للناس أَنه من صنعك، وليس هو من عند ربك، ثم قال لموسى ﵇: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾: أَي فاجعل لاجتماعنا بك وعدًا أَو زمانًا موعودًا، لا يقع إخلافه منا ولا منك، وإِنما نلتزم جميعًا الوفاءَ به، واجعل موعدنا معك ﴿مَكَانًا سُوًى﴾: أَي اجعله في مكان نَصَفٍ وعَدلٍ، تستوى مسافته بيننا وبينك، وبهذا قال كثير من أَهل التفسير. وأخرج ابن أبي حاتم عن أَبي زيد أَنه قال: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ أَي مكانًا مستويًا من الأرض، بحيث يرى فيه بعضنا بعضًا، ويرى كل المشاهدين ما يصدر منك ومن السحرة، وفيه إِظهار الجلادة وقوة الوثوق بالغلبة ما فيه.

стр. 2801

واختار الآلوسى ذلك في تفسيره، وقال إنه حسن جدًا، وقد فوض فرعون إلى موسى ﵇ أَمر الوعد الذي طلبه منه، مع إعلانه الوفاء به، ليثبت لنفسه أَنه متمكن من تهيئة أَسباب المعارضة، وإِعداد وسائل المغالبة طال الأَمر أَو قصر، قاصدًا إِلى إِرهاب موسى ﵇ منه ومن سحرته، ولكنه ﵇ فَوت عليه ما قصد إِليه، فأَسرع إلى الاستجابة إِلى طلبه بما حكاه الله عنه بقوله سبحانه: ٥٩ - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أَي وقت وعدكم يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم يجتمعون فيه ويمرحون، ويفاخرون ويزدانون فيه بأَنواع الزينة، أَو هو يوم سوق لهم يزِّينونه ويتزَينون له، وقيل غير ذلك. وأياما كان المقصود به، فهو يوم معروف عندهم بأنه يوم اجتماع لهم وزينة، وبسبب ذلك اختاره موسى ﵇ للاجتماع الذي طلبه فرعون، حتى يشهد العدد الكثير بطلان معارضة السحر لخوارق الآيات النبوية، ليكون انتصار الحق، وخذلان الباطل في يوم مشهود، ويشيع أَمره بين القاصى والدَّانى. ولم يكتف موسى ﵇ بتحديد ذلك، بل جعل إِبراز المعجزة في وقت يكثر فيه اجتماع الناس في ذلك اليوم حيث قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أَي موعدكم يوم الزينة وقت الزينة وقت أَن يجتمع الناس فيه وهو وقت الضحى، حين يبدأُ ارتفاع الشمس في الأُفق ليكون الوقت مُتَّسعًا لأن يأْتوا بكل ما عندهم من سحر وإفك، قطعًا لعذرهم وإظهارًا لعجزهم، وإِبرازًا لخسرانهم، وبعد أَن استمع فرعون إِلى قول موسى ﵇، وقع منه ما حكاه الله جل شأْنه بقوله سبحانه: ٦٠ - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾: أَي فانصرف عن المجلس بدون إِبطاء، فأَخذ في جمع السحرة من أَرجاءِ مملكته، للاستعانة بما لديهم من حيل ومكر قائلًا: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١) فجمع السحرة، وأَخذ يرغبهم ويعدهم بالغلبة، وعظيم المكافأَة، وذلك ما يحكيه الله بقوله: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٢).

стр. 2802

٦١ - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ..... ﴾ الآية. لم تذكر هذه الآية إِتيان موسى ﵇ الموعد للإِيذان بأَنه محقق لا شك فيه، أَي أَنه أتى، وعند لقائهم تحدث إِليهم بما حكاه الله عنه بقوله سبحانه: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي قال لهم موسى: عذابًا لكم وقبحا لصنيعكم الذي تخيلون به للناس أَشياءَ لا حقائق لها، لا تختلقوا الكذب على الله بزعمكم أَن ما أَتيتكم به من المعجزة سحر يمكنكم أَن تَنْقَضُّوا عليه بسحركم. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾: أي فيستأْصلكم الله بعذاب شديد بسبب افترائكم الكذب عليه، وقد استحق الخيبة والحرمان من رحمة الله وثوابه من اختلق عليه الكذب، ونسب إليه ما لا يصح نسبته إِليه، كدعواكم فضل السحر على المعجزة المؤيدة لرسوله، فلا تكونوا أيها السحرة من المفترين. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ المفردات: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أَي تخاصموا بينهم في أمر معارضته وكيفيتها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: النجوى: المسارَّة في الحديث، وإِسرار النجوى: المبالغة في إِخفائها. ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾: أَي ائتوا بكل حيلة لكم ومكر. ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾: من طلب العلا وسعى سعيه.

стр. 2803

التفسير ٦٢ - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: لما سمعوا كلامه ﵇ حين أنذرهم وحذرهم عاقبة أَمرهم، فَكَّرُوا فيما طرق أَسماعهم فتناولوا أَمرهم الذي طلب منهم أَن يفعلوه، وهو مغالبة موسى والانتصار عليه. وتشاوروا بينهم في رسم الطريقة الناجحة في معارضته والانتصار عليه، وأَسرُّوا الحديث الذي دار بينهم مبالغة في إِخفائه عن موسى وهارون ﵉. وكانت نتيجة نجواهم - على ما قاله جماعة منهم الجبَّائي وأَبو مسلم - ما حكاه قوله تعالى: ٦٣ - ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ … ﴾ الآية. أَي صدر عنهم بعد المناقشة والمناظرة قولهم الذي اتفقوا عليه وأكدوه، وهو اتهام موسى وهارون ﵉ بالسحر، وأَنهما خبيران بصناعته، يريدان أَن تكون لهما الغلبة عليكم، وأَن يستتبعا الناس لهما، ويقاتلاكم فَينتَصرا عليكم ويخرجاكم من أَرضكم مصر بسحرهما الذي أَظهراه. ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: أي يبطلا مذهبكم الذي هو أَمثل المذاهب وأَفضلها وهو ما كان عليه فرعون، وإنما يفعلان ذلك رغبة منهما في إظهار مذهبهما وإِعلاء دينهما، وقيل: ويذْهبا بأَهل طريقتكم المثلى، وهم أَشرافكم وذوو الرأْى فيكم، ولقد جاءَ هذا الرأْى من السحرة في حق موسى وهارون، متابعةً منهم لفرعون وموافقةً على ما قاله للملإِ حوله، وذلك ما حكاه في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١). ٦٤ - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا .... ﴾ الآية. كأَن بعضهم قال لبعض: ما دام أَمر موسى وهارون كما ذكر من كونهما ساحرين، يبتغيان الاستيلاءَ على أَرض مصر، وإِخراجكم منها، فأجمعوا كل كيْد لكم، وكونوا صفًّا واحدًا ورأْيًا مجتمعًا، بحيث ترمون به عن قوس واحدة، فإِن ذلك أَدعى إلى هيبتكم، وإِبراز كثرتكم، ولذلك أَثره في أَن تكون لكم الغلبة عليهما.

стр. 2804

ونقل خلاف كثير في تعيين عدد السحرة، ولكن مما لا شك فيه أَنه كان عددا كثيرًا، ليواجه به فرعون ذلك الموقف الرهيب الذي أحس برهبته حين قال: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾: هو الذي ختمت به الآية، محكِيًّا عن السحرة، يؤكدون به فوزهم بالمطلوب لهم، من المكافأة التي وعدهم بها فرعون، إن كانوا من الغالبين. أَي .. وقد فاز بالنصر والجائزة من استعلى، أَي من علا وغلب موسى وعصاه بسحره، وقيل: إِن السين والتاءَ هنا للطلب، أَي وقد أَفلح من استحق الموعود به من طلب العلا فبذل جهده، وسعى سعيه بتقديم كل ما يستنصر به من تخييل وخدل، وحيلة وخفة يد حتى تتم لهم الغلبة يوم اللقاءِ. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ المفردات: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾: الإيجاس: الإخفاءُ والإِضمار والخوف، أَي أَضمر في نفسه الخوف مما فوجئَ به. ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾: لَقِفَه - من باب عَلِمَ - يلقفه لقفًا بالقاف الساكنة، ولقفا بالتحريك تناوله بسرعة، والمراد أَنها ابتلعت ما ألقوه بسرعة. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾: أي خرُّوا خاضعين لله تعالى، وسُجدا جمع ساجد.

стр. 2805

التفسير ٦٥ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾: لما أَتم السحرة استعدادهم، أقبلوا على موسى ﵇ بجمعهم الحاشد قائلين: إما أَن تلقى ما عندك قبلنا، وإما أَن نكون أول من يُلْقى ما عنده، وكان تخييرهم له ﵇، إظهارًا لقوتهم وكمال ثقتهم بالانتصار عليه تقدم أَو تأَخر. ٦٦ - ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾: حينما سمع موسى ﵇ ما خيروه به، أجابهم باختياره أن يلقوا أَولًا، ليظهر لهم عدم اكتراثه بسحرهم، وليبرزوا أَقصى ما معهم من وسائل التمويه، والخداع، ويستفرغوا جهودهم في معارضته، لثقته بأَن الله سيُظهره عليهم. فأَلقوا ما أَعدُّوه لمنافسته ومغالبته من الحبال والعصى. ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾: أَي فأَلقى كل ساحر ما معه، ففاجأَ موسى ﵇ في هذا الوقت .. أَن حبالهم وعصيهم بسبب سحرهم تتحرك وتسير، قال الكلبى: خيل لموسى أن الأرض حياتٌ، وأَنها تسعى على بطنها. وما وقع من موسى ﵇ ليس أمرًا غريبًا أن يصدر من بشر رأى قومًا اشتهروا بالسحر، وأَجادوا طرقه وأحكموا وسائل التَّمويه، وصرْف الأعين عن رؤية الواقع. ٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: المعنى: فأضمر موسى ﵇ في نفسه شيئًا من الخوف من مفاجأَة ما رأى بمقتضى الطبيعة البشرية عند رؤْية الأمر المخيف، إِذ هي مجبولة على النَّفْرَة من الحيَّات، وضررها الذي اشتهرت به، وقيل خاف أَن يفتتن الناس بالسحرة، ويغترُّوا بهم قبل أن يُلقى العصا، ويستمروا في اغترارهم إِلى ما بعد إِلقائها وفتكها بسحرهم، تعصُّبًا منهم لبنى قومهم. ٦٨ - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾: أي قلنا له: لا تستمر على خوفك الذي أَضمرته في نفسك، لأَنك أنت الغالب لهم، المنتصر عليهم عند لقائك بهم - وغلبتك محققة لا شك فيها، كما يؤذن بذلك النظم الكريم المشتمل على جملة من التأْكيدات لا تخفى على فطنة القارئ
следующие страницы →