← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

واختار الآلوسى ذلك في تفسيره، وقال إنه حسن جدًا، وقد فوض فرعون إلى موسى ﵇ أَمر الوعد الذي طلبه منه، مع إعلانه الوفاء به، ليثبت لنفسه أَنه متمكن من تهيئة أَسباب المعارضة، وإِعداد وسائل المغالبة طال الأَمر أَو قصر، قاصدًا إِلى إِرهاب موسى ﵇ منه ومن سحرته، ولكنه ﵇ فَوت عليه ما قصد إِليه، فأَسرع إلى الاستجابة إِلى طلبه بما حكاه الله عنه بقوله سبحانه: ٥٩ - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أَي وقت وعدكم يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم يجتمعون فيه ويمرحون، ويفاخرون ويزدانون فيه بأَنواع الزينة، أَو هو يوم سوق لهم يزِّينونه ويتزَينون له، وقيل غير ذلك. وأياما كان المقصود به، فهو يوم معروف عندهم بأنه يوم اجتماع لهم وزينة، وبسبب ذلك اختاره موسى ﵇ للاجتماع الذي طلبه فرعون، حتى يشهد العدد الكثير بطلان معارضة السحر لخوارق الآيات النبوية، ليكون انتصار الحق، وخذلان الباطل في يوم مشهود، ويشيع أَمره بين القاصى والدَّانى. ولم يكتف موسى ﵇ بتحديد ذلك، بل جعل إِبراز المعجزة في وقت يكثر فيه اجتماع الناس في ذلك اليوم حيث قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: أَي موعدكم يوم الزينة وقت الزينة وقت أَن يجتمع الناس فيه وهو وقت الضحى، حين يبدأُ ارتفاع الشمس في الأُفق ليكون الوقت مُتَّسعًا لأن يأْتوا بكل ما عندهم من سحر وإفك، قطعًا لعذرهم وإظهارًا لعجزهم، وإِبرازًا لخسرانهم، وبعد أَن استمع فرعون إِلى قول موسى ﵇، وقع منه ما حكاه الله جل شأْنه بقوله سبحانه: ٦٠ - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾: أَي فانصرف عن المجلس بدون إِبطاء، فأَخذ في جمع السحرة من أَرجاءِ مملكته، للاستعانة بما لديهم من حيل ومكر قائلًا: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١) فجمع السحرة، وأَخذ يرغبهم ويعدهم بالغلبة، وعظيم المكافأَة، وذلك ما يحكيه الله بقوله: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٢).

стр. 2802

٦١ - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ..... ﴾ الآية. لم تذكر هذه الآية إِتيان موسى ﵇ الموعد للإِيذان بأَنه محقق لا شك فيه، أَي أَنه أتى، وعند لقائهم تحدث إِليهم بما حكاه الله عنه بقوله سبحانه: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي قال لهم موسى: عذابًا لكم وقبحا لصنيعكم الذي تخيلون به للناس أَشياءَ لا حقائق لها، لا تختلقوا الكذب على الله بزعمكم أَن ما أَتيتكم به من المعجزة سحر يمكنكم أَن تَنْقَضُّوا عليه بسحركم. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾: أي فيستأْصلكم الله بعذاب شديد بسبب افترائكم الكذب عليه، وقد استحق الخيبة والحرمان من رحمة الله وثوابه من اختلق عليه الكذب، ونسب إليه ما لا يصح نسبته إِليه، كدعواكم فضل السحر على المعجزة المؤيدة لرسوله، فلا تكونوا أيها السحرة من المفترين. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ المفردات: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: أَي تخاصموا بينهم في أمر معارضته وكيفيتها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: النجوى: المسارَّة في الحديث، وإِسرار النجوى: المبالغة في إِخفائها. ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾: أَي ائتوا بكل حيلة لكم ومكر. ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾: من طلب العلا وسعى سعيه.

стр. 2803

التفسير ٦٢ - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: لما سمعوا كلامه ﵇ حين أنذرهم وحذرهم عاقبة أَمرهم، فَكَّرُوا فيما طرق أَسماعهم فتناولوا أَمرهم الذي طلب منهم أَن يفعلوه، وهو مغالبة موسى والانتصار عليه. وتشاوروا بينهم في رسم الطريقة الناجحة في معارضته والانتصار عليه، وأَسرُّوا الحديث الذي دار بينهم مبالغة في إِخفائه عن موسى وهارون ﵉. وكانت نتيجة نجواهم - على ما قاله جماعة منهم الجبَّائي وأَبو مسلم - ما حكاه قوله تعالى: ٦٣ - ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ … ﴾ الآية. أَي صدر عنهم بعد المناقشة والمناظرة قولهم الذي اتفقوا عليه وأكدوه، وهو اتهام موسى وهارون ﵉ بالسحر، وأَنهما خبيران بصناعته، يريدان أَن تكون لهما الغلبة عليكم، وأَن يستتبعا الناس لهما، ويقاتلاكم فَينتَصرا عليكم ويخرجاكم من أَرضكم مصر بسحرهما الذي أَظهراه. ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: أي يبطلا مذهبكم الذي هو أَمثل المذاهب وأَفضلها وهو ما كان عليه فرعون، وإنما يفعلان ذلك رغبة منهما في إظهار مذهبهما وإِعلاء دينهما، وقيل: ويذْهبا بأَهل طريقتكم المثلى، وهم أَشرافكم وذوو الرأْى فيكم، ولقد جاءَ هذا الرأْى من السحرة في حق موسى وهارون، متابعةً منهم لفرعون وموافقةً على ما قاله للملإِ حوله، وذلك ما حكاه في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١). ٦٤ - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا .... ﴾ الآية. كأَن بعضهم قال لبعض: ما دام أَمر موسى وهارون كما ذكر من كونهما ساحرين، يبتغيان الاستيلاءَ على أَرض مصر، وإِخراجكم منها، فأجمعوا كل كيْد لكم، وكونوا صفًّا واحدًا ورأْيًا مجتمعًا، بحيث ترمون به عن قوس واحدة، فإِن ذلك أَدعى إلى هيبتكم، وإِبراز كثرتكم، ولذلك أَثره في أَن تكون لكم الغلبة عليهما.

стр. 2804

ونقل خلاف كثير في تعيين عدد السحرة، ولكن مما لا شك فيه أَنه كان عددا كثيرًا، ليواجه به فرعون ذلك الموقف الرهيب الذي أحس برهبته حين قال: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾: هو الذي ختمت به الآية، محكِيًّا عن السحرة، يؤكدون به فوزهم بالمطلوب لهم، من المكافأة التي وعدهم بها فرعون، إن كانوا من الغالبين. أَي .. وقد فاز بالنصر والجائزة من استعلى، أَي من علا وغلب موسى وعصاه بسحره، وقيل: إِن السين والتاءَ هنا للطلب، أَي وقد أَفلح من استحق الموعود به من طلب العلا فبذل جهده، وسعى سعيه بتقديم كل ما يستنصر به من تخييل وخدل، وحيلة وخفة يد حتى تتم لهم الغلبة يوم اللقاءِ. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ المفردات: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾: الإيجاس: الإخفاءُ والإِضمار والخوف، أَي أَضمر في نفسه الخوف مما فوجئَ به. ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾: لَقِفَه - من باب عَلِمَ - يلقفه لقفًا بالقاف الساكنة، ولقفا بالتحريك تناوله بسرعة، والمراد أَنها ابتلعت ما ألقوه بسرعة. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾: أي خرُّوا خاضعين لله تعالى، وسُجدا جمع ساجد.

стр. 2805

التفسير ٦٥ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾: لما أَتم السحرة استعدادهم، أقبلوا على موسى ﵇ بجمعهم الحاشد قائلين: إما أَن تلقى ما عندك قبلنا، وإما أَن نكون أول من يُلْقى ما عنده، وكان تخييرهم له ﵇، إظهارًا لقوتهم وكمال ثقتهم بالانتصار عليه تقدم أَو تأَخر. ٦٦ - ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾: حينما سمع موسى ﵇ ما خيروه به، أجابهم باختياره أن يلقوا أَولًا، ليظهر لهم عدم اكتراثه بسحرهم، وليبرزوا أَقصى ما معهم من وسائل التمويه، والخداع، ويستفرغوا جهودهم في معارضته، لثقته بأَن الله سيُظهره عليهم. فأَلقوا ما أَعدُّوه لمنافسته ومغالبته من الحبال والعصى. ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾: أَي فأَلقى كل ساحر ما معه، ففاجأَ موسى ﵇ في هذا الوقت .. أَن حبالهم وعصيهم بسبب سحرهم تتحرك وتسير، قال الكلبى: خيل لموسى أن الأرض حياتٌ، وأَنها تسعى على بطنها. وما وقع من موسى ﵇ ليس أمرًا غريبًا أن يصدر من بشر رأى قومًا اشتهروا بالسحر، وأَجادوا طرقه وأحكموا وسائل التَّمويه، وصرْف الأعين عن رؤية الواقع. ٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: المعنى: فأضمر موسى ﵇ في نفسه شيئًا من الخوف من مفاجأَة ما رأى بمقتضى الطبيعة البشرية عند رؤْية الأمر المخيف، إِذ هي مجبولة على النَّفْرَة من الحيَّات، وضررها الذي اشتهرت به، وقيل خاف أَن يفتتن الناس بالسحرة، ويغترُّوا بهم قبل أن يُلقى العصا، ويستمروا في اغترارهم إِلى ما بعد إِلقائها وفتكها بسحرهم، تعصُّبًا منهم لبنى قومهم. ٦٨ - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾: أي قلنا له: لا تستمر على خوفك الذي أَضمرته في نفسك، لأَنك أنت الغالب لهم، المنتصر عليهم عند لقائك بهم - وغلبتك محققة لا شك فيها، كما يؤذن بذلك النظم الكريم المشتمل على جملة من التأْكيدات لا تخفى على فطنة القارئ

стр. 2806

٦٩ - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا .... ﴾ الآية. المعنى: وأَلق يا موسى عصاك، وعبَّر عنها هنا بقوله سبحانه: ﴿مَا فِي يَمِينِكَ﴾، إِما تصغيرًا لها، فكأنه قيل له: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العود الصغير الجرم الذي في يمينك، وإِما تهويلًا لأَمرها وتفخيمًا لشأنها، وإشعارًا بأَنها ليست من جنس العصى المعهودة، لما لها من آثار عظيمة، وأَفعال غريبة، فكأَنه قيل له: لا تحفل بهذه الأَجرام الكثيرة الكبيرة، فإِن ما في يمينك أعظم منها، وهذه على كثرتها أضعف منها، فأَلقها يا موسى: ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾: أَي إن تلقها تقلف الذي صنعوه من حبالهم وعصيهم التي تسعى، لأن الله يحولها إلى تنِّين عظيم، أي حية هائلة، تبتلع ما ألقوه بسرعة فائقة، والتعبير عما أَلقوه بقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾ للإشارة إلى أَن ما شوهد من سعيها، إنما هو من تمويههم وصنعهم الذي هو كيد ساحر قصد به فتنة الناس وإضلالهم، والتمكين لفرعون وحكمه، وليست له حقيقة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾: أَي ولا يقدر ولا ينجو حيث جاء، وأَين أَقبل وحيث احتال. ٧٠ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. حينما عاين السحرة ما حدث بعد إِلقاء موسى عصاه، وشاهدوه مشاهدة إِمعان وتأَمل، علموا علم اليقين أن ذلك معجز وليس من قبيل السحر والتمويه، وإِنما هو حق لا شك فيه، ولا يقدر عليه إلَّا الذي يقول للشيء كن فيكون، لأنه بمعزل عن السحر الذي استفرغوا جهدهم للإحاطة بفنونه، وطرقه وكل وجوهه، وأدركوا أنه فوق قدرة البشر، حيث تأَكد لهم أَن الله سبحانه هو الذي غيَّر مادة العصا إلى ثعبان عظيم أَباد حبالهم وعصيهم أَصلا وصورة، ولو كان ما صنعه موسى سحرا لبقيت الحبال حبالا والعصى عصيا بعد أن أبطلت العصا سحرهم فيها، ولما وَقَرَ هذا في قلوبهم اتجهوا إلى موسى فوقع كل منهم على وجهه ساجدًا لله إِعلانًا لتوبته وإِيمانه بالله وبرسالة رسوله موسى ﵇، حيث: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ وكفرنا بفرعون وبما يدعونا إِليه، قال ابن عباس وعبيد بن عمير: "كانوا أَول النهار سحرةً، وفي آخر النهار شهداءَ بررة ": فقد قتلهم فرعون بعد إِيمانهم بموسى كما سيجئُ بيانه، وعن عكرمة: لما خَرُّوا سجدًا أَراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة، وقد اختلف العلماءُ في عددِهم. فمنهم من أَنهم إِلى ثمانين أَلفا، كمحمد بن كعب، ومنهم من قال: إِنهم سبعون ألفًا كالقاسم

стр. 2807

ابن أَبي بزَّة، وقال السدِّى: كانوا بضعة وثلاثين الفًا .. إِلى غير ذلك من الأَقوال - والله أَعلم بعددهم، فليس أَمامنا ما يدل على صحة هذه الأَقوال المتباينة. والتعبير في الآية بقوله سبحانه: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دون فسجدوا إِشارة إلى أنهم رَأوْا ما ألجأَهم فلم يتمالكوا حتى وقعوا على وجوههم ساجدين. ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ المفردات: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أَي وقع إيمانكم من غير أن أُبيحه لكم، وأَصل آذن؛ أَأْذنَ مضارع أَذِنَ. قلبت الهمزة الثانية الساكنة ألفًا تخفيفًا. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾: أوجدنا (١).

стр. 2808

﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: (١) لن نفضلك. ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾: مفرد خطايا: خطيئة وهى الذنب المتعمد كالْخِطءِ بكسر الخاء، أَما الخَطأُ بفتح الخاءِ فهو ما لم يُتعمد، ويريدون بخطاياهم، الكفر والمعاصي. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: أَي جنات إِقامة يقال: عدن بالمكان عدْنًا وعُدُونًا من بابيْ ضرب وقعد: أي أَقام. ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾: صلح واهتدى. التفسير ٧١ - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ .... ﴾ الآية. يخبر الله سبحانه عن فرعون أَنه تمادى في عناده ومكابرته حين رأَى ما أَذهله من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ومن إيمان من استنصر بهم من السحرة أَمام جموع الناس وحشودهم، حين رأَى ذلك توعد كل من آمن بأَقسى وسائل التنكيل والتعذيب، بسبب إِيمانهم الذي أَنكره عليهم أَشد الأَنكار، وعدَّه جريرة تستوجب كل ما ينزل بهم من عقاب وعلى أَي وجه كان، وقد بيَّن جرمهم وفق فهمه السقيم بقوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أَي أَن إِيمانكم بموسى ﵇ وقع افتياتا منكم على سلطانى، لأَنه من غير أن آذن لكم به، قال ذلك ليُرِى قومه أن إِيمانهم غير معتد به حيث كان من غير إِذنه، ثم قال قولًا يعلم هو والسحرة والناس كلهم أنه افتراءٌ وبهتان، وهو نسبته إِيمانهم بموسى بعد أَن غلبهم إِلى أَنهم تعلموا السحر من موسى، فهو كبيرهم ومعلمهم، فلهذا تواطئوا معه على كل ما حدث، وقد حكى الله ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾: أَي إنه رئيسكم ومعلمكم السحر. فتواطأْتم على ما فعلتم، واتفقتم عليَّ وعلى رعيَّتى لتظهروه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ (٢). وقد أَراد فرعون بقوله هذا أَن يشيع بين قومه الشك والريبة، توجيهًا لهم إلى عدم الاكتراث بما أَظهره موسى ﵇ من المعجزة الباهرة، وبما أَعلنه السحرة من الإيمان، حتى لا يتبعوهم، فيؤمنوا كإِيمانهم، وإِلَّا فقد علم فرعون أَن موسى لم يعلمهم السحر، فقد عَلِمُوه قبل قدومه عليهم بل قبل ولادته، ثم توعد الذين آمنوا وعيدًا قاسيًا بقوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: أَي فأقسم: لأُقطعن أَيديكم وأَرجلكم مختلفات،

стр. 2809

اليد اليمنى والرجل اليسرى، واختار التقطيع على هذه الكيفية دون التقطيع من وفاق تنكيلًا كما أقسم: لأُصلبنكم أَيضًا في جذوع النخل، وقد نفذ وعيده فقطع وصلب حتى ماتوا ﵏ قال ابن عباس: (فكان أول من فعل ذلك) رواه ابن أَبي حاتم. وإيثار كلمة (فِي) في قوله: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ للدلالة على بقائهم على الجذوع زمنًا طويلًا كأنها محبس لهم، وظرف احتواهم. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾: أَي وأُقسم إِنكم لتعلمن علمًا لا شك فيه مَنْ منا أَشد عذابًا للناس وأدوم، أَهو موسى، أم أَنا الذي خذلتمونى بتواطئكم معه؟ وقصده من وعيده هذا إظهار صلفه وكبريائه، واقتداره على التعذيب الشديد، واستضعاف موسى والهزءُ به، لأَن موسى ﵇ لم ينل أحدا بشيءٍ من التعذيب. وقيل: معناه أي الإِلهين أشد عذابًا وأَدوم، أنا أَم إِله موسى. ٧٢ - ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ..... ﴾ الآية. المعنى: أنهم أَجابوه على وعيده وتهديده قائلين له في غير اكتراث به وبصنيعه لن نفضلك على ما جاءَنا من الله من المعجزات الظاهرة على يد موسى ﵇، وقيل: لن نفضلك على ما عَلِمْنَاه من الحق واليقين، ولن نركن إليك بتفضيلك على الله الذي خلقنا وسائر الناس، ولم نكن شيئًا مذكورًا، وقيل: إِن لفظ ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قسم جوابه محذوف دل عليه ما قبله، وهو قوله: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: أَي وحق الذي خلقنا لن نؤثرك على الذي جاءَنا من الله على يد موسى ﵇ من الآيات الباهرة. ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾: أَي فافعل ما شئت واحكم بما أَنت حاكم به، لأَنك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: يعنون أَنه إِنما ينفذ أَمره وقت هذه الحياة. ولا يقضى فيها إلَّا بمتاع أو عقاب، وما لهم من رغبة في خيرها وزينتها، ولا رهبة من عسرها وعقابها، وهذه الجملة التي ختمت بها الآية وما بعدها تعليل لعدم المبالاة المستفاد من قوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. ٧٣ - ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ..... ﴾ الآية. أَي صدقنا بالله وحده لاشريك له، رجاءَ أن يغفر لنا ربنا ما اقترفناه من الكفر والمعاصي ولا يؤاخذنا بها في الدار الأُخرى، أما الدار الفانية فليس لنا مآرب فيها حتى نتأَثر بما ينزل بنا من نكال، كما نضرع إليه أَن يغفر لنا السحر الذي أَكرهتنا على المعارضة به،

стр. 2810

قال أبو عبيد: إِذا أَمر السطان أَحدًا بفعل شيءٍ فقد أكرهه على فعله، وإن لم يتوعده، لما في مخالفة أَمره من توقع العقوبة، ولا سيما إِذا كان السلطان طاغية جبارًا، وإِلى هذا الرأْى ذهب الحنفية في أَحكمامهم الفقهية. انتهى ملخصًا، ولا ينافى هذا قولهم في آية أُخرى: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ فإِنهم قالوه مرضاة لفرعون الذي أَجبرهم، وقد أَفردوا الإِكراه على السحر بطلب المغفرة إِظهارًا لشدة نفرتهم منه وقوة رغبتهم في مغفرة الله ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: أي والله خير لنا إن أَطعناه، وأَبقى عذابًا منك إِن عصيناه، أَو والله خير في ذاته وصفاته، لأنه الخالق الرازق وله الأَمر كله، وأَبْقى جزاءً، ثوابًا كان أَو عذابا. ٧٤ - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾: قيل: هذه الآية والآيتان بعدها من قول السحرة لما آمنوا، وقيل: بل هي من كلام الله لبيان قاعدتين عامتين في الإِسلام: وهما عقاب المجرمين، وثواب الصالحين. والمعنى أَن من يلقى الله يوم القيامة على الكفر والمعاصي، فهو مستحق لأَن يكون له جهنم دار إقامة دائمة لا يموت فيها لينهى عذابه، ولا يحيى حياة ناعمة وذلك كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (١). ٧٥ - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾: أَي ومن يوافه مؤمنًا به تعالى، وبما أيد به رسله من المعجزات العظيمة التي من جملتها ما شاهدناه، وقد عمل الطاعات اتباعًا لما أَمر به سبحانه ونهى عنه، فأُولئك ينزلهم ربهم أَعلى الدرجات وأَعظمها التي تقصر دونها الصفات. ٧٦ - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾: الآية بيان للدرجات التي استحقها أولئك المؤْمنون، أَي أَن لهم الجنات دار إقامة وهى على أكمل صورة وأَجمل إِعداد، حيث تجرى من تحت غرفها وأَشجارها الأَنهار التي تملأ النفوس متعة وبهجة، ماكثين فيها أبد الآبدين وذلك جزاءُ من تطهر من الكفر والمعاصي وعبد الله وحده، لا شريك له.

стр. 2811

وعلى ما قيل: من أن الآيات الثلاث التي بُدِئَتْ بآية: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ إلى آخر هذه الآية، من قول السحرة .. يحتمل أَنهم سمعوا ما قالوه من موسى أَو من بنى إِسرائيل الذين كانوا بمصر أو ممن آمن من آل فرعون، وكان فيهم المؤمن الذي يكتم إيمانه ويحتمل أَن يكون ذلك إلهامًا أَنطقهم الله به لما آمنوا. ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ المفردات: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: أَي سِرْ بهم ليلا: تقول سريت الليل وسريت به إِذا قطعته بالسير، وأَسرَى لغة حجازية. (يَبَسًا): اليَبَس بالتحريك المكان الذي كان فيه ماءٌ فذهب ماؤُه وفعله يبِس من باب علِمَ وفي لغة يَبِس يَيْبِسُ بكسر الباءِ فيهما .. ﴿دَرَكًا﴾ الدَّرَكُ: اللحاقُ أَي لا تخاف أَن يلحقكَ فرعون وجنوده. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾: أَي سار خلفهم حتى اقترب منهم، يقال أَتْبعهُ وتَبعهُ بمعنى واحد. ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾: أَي أَصابهم. ﴿مِنَ الْيَمِّ﴾: من البحر. التفسير ٧٧ - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي … ﴾ الآية. كان فرعون قد وعد موسى ﵇ أَن يرسل بنى إِسرائيل معه، ويطلقهم من أَسره وقهره بعد أَن ظهر موسى بآياته عليه، ولكنه كان يماطل في الوفاء فينزل به الله وبقومه آيات العذاب، وكان كلما نزلت به آية، وعد عند انكشافها أن يفى بوعده، حتى إِذا انكشف العذاب خاس بعهده، فلما كملت الآيات البينات التي تتابعت عليه لنحو عشرين سنة، بعد ما غُلِبت السحرة (١) أَوحى الله إلى موسى أَن يرحل عن مصر ببنى إسرائيل لإِنقاذهم من

стр. 2812

ظلم فرعون وطغيانه، وأَن يكون رحيله عنها ليلا حيث يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ وقد أتت الجملة مصدرة بالقسم إبرازًا لكمال العناية بمضمونها. والمعنى: والله لقد أَوحينا إِليه آمرين إِياه أَن يسير ببنى إِسرائيل في الليل حفاظًا عليهم حتى لا يتعرضوا لمنع فرعون. ويقعوا في قبضته. فيذيقهم أَشد العذاب، ولما خرج بنو إِسرائيل بصحبة موسى وتم لهم ذلك أَصبحوا وليس لهم بمصر داع ولا مجيب، فغضب فرعون أَشد الغضب ودفعته شهوة الانتقام إِلى الإِسراع في جمع جنده وقواده قائلا لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (١) ولما أَعد للأَمر عدته، سار بمن معه يتبع موسى وقومه، وقد بكروا ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾: أَي عند مطلع الشمس، ولما تراءَى الجمعان نظر بعضهم إلى بعض، فقال أَصحاب موسى ﵇ ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢). تثبيتًا للأَقدام، وتطمينًا للقلوب، وكان البحر أَمامهم والعدو خلفهم. عند ذلك أُمِر موسى ﵇ أَن يفعل ما أَشار إِليه قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ (٣): أَي فَاضرب لهم البحر بعصاك لتتخذ لهم من المكان الذي ضربته فيه طريقا يبسًا لا ماءَ فيه ولا طين. فهو مصدر وصف به مبالغة: بمعنى أَنه يابس جاف يتسنى السير فيه بيسر وسهولة. ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾: أَي تفعل هذا وأَنت في حال لا تخاف أَن يلحقكم فرعون وقومه من ورائكم، لأَنك ومن معك في رعايتى ولا تخشى أَن يغرقكم البحر من حولكم، إِذ لا يحدث شئٌ في الكون إلا بإِرادتى. ٧٨ - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ .... ﴾ الآية. الفاءُ في قوله ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ تشير إِلى مضمر طوى ذكره، ثقة بغاية ظهوره. وتنويهًا بكمال مسارعة موسى إِلى الامتثال. والمعنى: ففعل موسى ﵇ ما أَمرناه به في السير ليلا. فضرب لهم طريقا في البحر بعصاه، وسلكه بمن معه، فأَتبعهم فرعون بجنوده بحرًا كما أَتبعهم بهم برًا، أَي

стр. 2813

تبعهم وسار في أثرهم، حتى إذا استُكْمِلُوا دخولا، خرج موسى بمن معه إلى الشاطئِ الشرقى من البحر سالمين، ولم يخرج أَحد من فرعون وجنوده، حيث حاق بهم ما كانوا به يستهزئون ويراد بالبحر: بحر القلزم وهو المعروف الآن بالبحر الأَحمر ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾: أَي فعلاهم وغمرهم ما غمرهم، من الأمر الهائل المروع الذي يعجز البيان عن وصفه، حيث انطبق عليهم الماءُ فأَغرقهم فهلكوا جميعًا، ونجى الله فرعون وأَبقاه ببدنه خاليًا من الروح في اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبنى إسرائيل من الغرق، ليراه بنو إسرائيل بعيونهم، فيطمئنوا ويؤْمنوا بهلاكه، وكانوا من ذلك في شك مريب، ولتكون قصته آية وعلامة لمن وراءَه من أَهل عصره ومن يأْتى بعده. تبين لهم العاقبة المحتومة لكل جبار عنيد، وإِلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (١). ٧٩ - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾: أي وأَضلهم عن الرشد، وما هداهم إلى الخير بل سلك بهم مسلكًا أَوصلهم إِلى الهلاك في الدنيا والآخرة. حيث أُغرقوا فأُدخلوا نارًا خالدين فيها، والجملة تأْكيد لإِضلاله إِياهم. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ المفردات: ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: الْمَنُّ مادة حلوة لزجة تشبه العسل، وكانت تنزل عليهم من الفجر

стр. 2814

إلى طلوع الشمس كما قيل. والسلوى: السُّمَانى أو طائر يشبهه. ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾: الطغيان مجاوزة الحَدِّ، ويراد منه في الرزق تجاوز المأمور به في أكله. ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: أَي يجب ويلزم. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾: أَي ينزل به، وفي المصباح حلَّ العذَاب يحُل بضم الحاءِ في المضارع وكسرها، أَي نزل. انتهى بتصرف. التفسير ٨٠ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ … ﴾ الآية. حكاية لِمَا خاطب الله سبحانه به بنى إِسرائيل بعد إِغراق عدوهم، لِتذكيرهم ببعض نعمه العظيمة، وَمِنَنِهِ الكبيرة التي توالت عليهم، حيث يقول جل شأْنه: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ أي قد خلصناكم من أَسره وتعذيبه فيسرنا لكم الهجرة إلى سيناء برا وبحرا وحفظناكم من الغرق، وأَغرقنا فرعون وقومه جميعًا وأنتم تنظرون كما يقول تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١). ثم بعد نزولكم سيناءَ قربناكم ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾: أَي وعدناكم أَن تأْتوا جانب الطور الأَيمن على لسان نبيكم موسى ﵇ للمناجاة، حيث أَمرناه أن يأمركم بالخروج معه، ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: إِن الوعد كان لموسى، وخوطبوا به لأَنه كان لأَجلهم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (٢): أَي وقد أَنعمنا عليكم نعمة عظيمة اخرى، فأَطعمناكم طعامًا طيبًا مباركًا يسرناه لكم، وجعلناه في متناول يدكم حيث كان ينزل عليكم المن والسلوى، فيأْخذ كل منكم حاجته منهما بدون عناءٍ رعاية لكم في التيه، ورحمة بكم، وإحسانًا اليكم، ثم أمرهم أمر إِنعام بها وإباحة لتناولها فقال سبحانه: ٨١ - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ .... ﴾ الآية. المراد من الطيبات لذيذ الرزق الذي تستطيبه النفوس وتستحسنه الطباع السليمة، وقيل: طيبات الرزق ما أَحله الله منه نوعًا وكسَبا، ولقد عقب الله هذه المنة بنهيهم عن

стр. 2815

الطغيان بقوله ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾: أَي ولا تطغوا بسبب الرزق بأن تحملكم السعة والعافية على العصيان لأَن الطغيان تجاوزُ الحد إِلى ما لا يجوز ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: أي فيجب ويقع عليكم مقتى. ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾: أَي ومن ينزل عليه غضبي بسبب ارتكابه ما نهيته عنه، فقد هلك، وقِيل: فقد سقط وتردى في الهاوية وهى قعر جهنم. ٨٢ - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾: وإنى لكثير المغفرة لمن تاب من شركه ومعاصيه وآمن بى وعمل صالحًا، ثم استمر مهتديًا. وقيل: المراد بقوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ثم طهر قلبه من الأَخلاق الذميمة، كالعُجْبِ والحسد والكِبر وغيرهما، بعد ما آمن وعمل صالحًا، وقال ابن عطية: الذي يَقْوَى ويظهر في تفسير ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أَن يكون المعنى ثم حفظ معتقداته من أَن تخالف الحق في شيءٍ من الأَشياءِ، فإِن الاهتداءَ على هذا الوجه غير الإِيمان وغير العمل، اهـ. والتوبة التي أَشارت الآية إلى تكفيرها الذنوب والخطايا، هي التوبة النصوح؛ التي يقلع بها التائب عما كان فيه، ويعزم على أَلا يعود إليه أَبدًا، ويندم على ما فعل، فإن كانت المعصية في حق آدمى يزاد على ذلك أَن يبرأَ منها؛ برد الحق إِلى صاحبه إِن كان مالا ونحوه وبتمكينه من نفسه أَو طلب عفوه إِن كان حيًّا. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ المفردات: ﴿مَا أَعْجَلَكَ﴾: ما حملك على العجلة والسرعة. ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾: هم قادمون بعدى يسيرون على أَثرى.

стр. 2816

التفسير ذهب موسى لمناجاة ربه مع من اختارهم من قومه لصحبته في هذه المناجاة (١)، وغلبه الشوق إِلى مناجاة ربه فأَسرع إِلى مكان المناجاة وخلف قومه وراءَه فسأَله الله تعالى - وهو العليم - عن سبب العجلة منكرًا علية تركه للنقباءِ السبعين الذين اختارهم من قومه لصحبته قائلًا: ٨٣ - ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾: أَىُّ شيءٍ حملك على العجلة؟ وكان الجواب المتوقع أَنْ يذكر سبب العجلة وهو شدة الشوق إلى الله، ولكن موسى فهم أَنه تعالى ينكر عليه تركه لقومه خلفه فقال: ٨٤ - ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾: أَي هم قادمون خلفى يتبعون أَثرى وسيلحقون بى سريعًا. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾: وأَسرعت إِلى مناجاتك طلبًا لرضاك يا ربى وتلبية لأَمرك، ذكر القاسمى: "أَنه سبحانه إنما أراد بسؤَاله عن سبب العجلة - وهو أَعلم - أَن يعلم موسى أَدب السفر، وهو أَنه ينبغي تأَخر رئيس القوم عنهم في السفر ليكون نظره محيطًا بطائفته ونافذًا فيهم ومهيمنا عليهم". وهذا المعنى لا يحصل في تقدمه عليهم، أَلا ترى أَن الله علم هذا الأَدب لوطا فقال: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ (٢) على أن موسى غفل عن هذا الأَمر مبادرة منه إِلى رضا الله . ومسارعة إِلى الميعاد مع الرحمن وذلك شأْن الموعود بما يسره، يود لو ركب إِليه أَجنحة الطير، ولا أَسَرَّ من مواعدة الله تعالى له ﷺ . ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ المفردات: ﴿فَتَنَّا﴾: اختبرنا وابتلينا. ﴿السَّامِرِيُّ﴾: نسبة إِلى سامراءَ، وينسب بعض الباحثين السامرى إِلى طائفة معروفة من اليهود باسم السامريين، وهم الآن طائفة صغيرة من اليهود تقيم في نابلس وتخالف سائر اليهود في عاداتها وتقاليدها (٣).

стр. 2817

٨٥ - ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ....... ﴾ الآية. أَي قال الله تعالى لموسى: فإِنا قد أَوقعنا قومك في الابتلاءِ والاختبار ليظهر في واقع الأمر مدى صدقهم في الإِيمان وضعفهم فيه ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾: أَي حملهم على الضلال وفتنهم حتى عبدوا العجل، وسيأتى بيان ذلك تفصيلا … ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ المفردات: ﴿أَسِفًا﴾: شديد الحزن. ﴿طَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾: أَي طال عليكم عهد خروجى لإِحضار الألواح بما تحمله من أَوامر ونواهٍ. ﴿بِمَلْكِنَا﴾: باختيارنا وإِرادتنا - يعنون أنهم مكرهون مضطرون. ﴿أَوْزَارًا﴾: أَثقالًا أَو ذنوبًا. ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾: صورة عجل مجسم في هيئة تمثال. ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: الخوار صوت البقرة. التفسير ٨٦ - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ..... ﴾ الآية. فعاد موسى إلى قومه وهو في أشد الغضب والحزن لكفرهم بعد الإِيمان وضلالهم بعد الهداية ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: أي قالَ موسى موبخا لهم: يا قوم

стр. 2818

ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور، فكيف تعودون إلى الشرك بعد أن أَنقذكم الله منه؟ ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾: أي أَفطال عليكم زمان مفارقة موسى لكم؟ أَو عهد إِنجائكم من فرعون مصر وإغراقه لمن ظلمكم ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾: أَي أَنكم بفعلكم هذا كأنكم أردتم أن يحل عليكم غضب ربكم، حيث أَخلفتم وعدكم إِياى بالثبات على الإِيمان بالله وتنفيذ ما أُمرتم به. ٨٧ - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا .... ﴾ الآية. قالوا: ما فعلنا ذلك باختيارنا ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: ولكنا كنا نحمل أَعباءً وأحمالًا من ذهب المصريين فظنناها موضعًا للمؤاخذة لأنها ليست ملكًا لنا وإِنما استعرناها من المصريين في عيدنا لنردها إِليهم بعد حين: ﴿فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فأَلقينا بها في النار تخلصًا منها كما فعل السامرى وكما أَمرنا. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ﴾: وكان السامرى ماهرًا في الصياغة فصنع تمثالًا ذهبيًّا للعجل أَبيس معبود المصريين قبل هجرة بنى إسرائيل من مصر، وجعله بحيث إِذا حُرِّكَ صدر منه صوت كخوار الثيران أَو جعل فيه ثقوبًا إِذا هبت فيها الريح أَصدر هذه الأَصوات، والماهرون في صناعة الدمى الآن يجعلونها تصدر بعض الأَصوات أو تحرك بعض الأَعضاء. وأَجاز بعضهم أَن يكون السامرى قذف الحلى في النار بدعوى أَنها محرمة عليهم لسرقتهم إِياها من المصريين، واشترى لهم عجلا جسدا حيا، وسرق الذهب لنفسه. ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾: أَي قال السامرى ومن افتتن به وتابعه: يا قوم ها هو ذا إِلهكم وإِله موسى قد نسيه هنا وذهب يطلبه في الطور ويناجيه هناك، أو نسى موسى أُلوهيته. وضل الطريق إِلى ربه فخرج يبحث عنه، في حين أن هذا العجل هو ربه، وهكذا أَضلهم السامرى وفتنهم حتى عبدوا العجل. ٨٩ - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: الاستفهام هتا للتوبيخ، أَي أعمُوا فلم يروا أَن هذا العجل لا يتحدث إليهم ولا يرد على أَسئلتهم وأنه لا يملك أن يضرهم أَو ينفعهم، فكيف يكون إِلهًا مستحقًا للعبادة والتقد

стр. 2819

﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ المفردات: ﴿فُتِنْتُمْ﴾: ابتليتم واختبرتم. ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾: سنبقى. ﴿عَاكِفِينَ﴾: مقيمين على عبادته. التفسير ٩٠ - ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾: زعم اليهود - كما ورد في سفر الخروج (الإِصحاح) ٣٢ - أَن هارون ﵇ هو الذي صنع العجل الذهبى لبني إِسرائيل ودعاهم إِلى عبادته، وذلك دأْبهم في تلويث الأَنبياء بل وقتلهم بغير حق إِذا لم يوافقوا هواهم - مع أَنه نبى مرسل معصوم من الأَخطاءِ، وبخاصة الشرك بالله أو الرضا عنه - وقد برَّأه الله في هذه الآية مما أَلصقوه به. والمعنى: ولقد قال هارون لبنى إِسرائيل حين رآهم مقبلين على عبادة العجل - بتزيين السامرى - قال لهم قبل أن يستغرقوا في عبادته: إن هذا العجل فتنة واختبار من الله لكم، أتعبدونه وهو لا يملك من أَمركم شيئًا، أَم ترفضونه وتعبدون الله، فإِنه إِلهكهم الحق الجدير بالعبادة، لأنه المتصف بالرحمة البالغة حيث أَنجاكم من عدوكم، فاتبعونى في عبادته وتوحيده وأَطيعوا أَمرى بالكف عن عبادة العجل. ٩١ - ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾: أَصروا على باطلهم ولجوا في عنادهم وقالوا: سنظل عاكفين على عبادة العجل حتى يرجع إلينا موسى ويخبرنا بالحقيقة.

стр. 2820

﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ المفردات: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: قال عيسى بن موسى معناه: ما حملك على عدم اتباعي، فِإن المنع عن الشيءِ مستلزم للحمل على سواه، وقيل: المنع على ظاهره، وحرف (لا) صلة للتأْكيد وليس للنفى، كما في قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: فهي بمعنى ليعلم، وكما في قوله تعالى في حق إبليس في سورة الأَعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾: فهو بمعنى ما منعك أَن تسجد، ليتفق مع قوله في سورة (ص): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. التفسير ٩٢، ٩٣ - ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾: كان موسى ﵇ قد اشتد به الغضب، فجذب أَخاه هارون من لحيته وشعر رأْسه وقال له: يا هارون ما حملك حين رأيت بنى إِسرائيل ضلوا عن الهدى فعبدوا العجل، ما حملك على عدم اتباعى إلى جبل الطور لتتلقى تعليماتى، أو ما حملك على عدم اتباعى في تشديد النكير عليهم، لتحول بينهم وبين ما فعلوه ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بقولى لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، فكيف تركتهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إِليه؟

стр. 2821

٩٤ - ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾: قال له هارون: يا أخى وابن أمى التي طبعتنا على الحنان والشفقة لا تجذبنى بعنف من شعر رأسى وشعر لحيتى. ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾: إني خفت أن أقسو على بنى إِسرائيل فينقسموا إلى فريقين: فريق معى، وفريق يتمسك بعبادة العجل، فتقع بينهم حرب، وأكون أَنا سببًا في تمزيق وحدتهم وتشتيت أَمرهم وتفريق كلمتهم، فكنت أحاول أن أَردهم إلى الصواب بالنصح والإِرشاد. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ المفردات: ﴿مَا خَطْبُكَ﴾: أَي ما حالك وما شأْنك، والخطب الأَمر الشديد يكثر فيه التخاطب. ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾: أدركت وعلمت ما لم يعلموه وأَيقنته. ﴿الرَّسُولِ﴾: قيل المقصود به جبريل ﵇، وقيل موسى. ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾: طرحتها. ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾: زينت وحسنت. التفسير ٩٥ - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾: في هذه الآية يتجه موسى ﵇ إلى السامرى، ليحاسبه ويوبخه على صرفه قومه إلى عبادة العجل بعد أن فرغ من عتاب أَخيه هارون على تركهم يعبدونه، واعتذر هارون ﵇ بأَنه نصحهم فلم ينتصحوا وأنه خشى أن يقول له موسى: فرقت بين بنى إسرائيل،

стр. 2822

ولم ترقب قولى في المحافظة على وحدتهم، والحكمة في التصرف معهم، وكان للسامرى نفوذ في بنى إِسرائيل، وكان قوى التأْثير عليهم. قال قتادة: كان السامرى عظيمًا في بنى اسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إِسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أَصنام لهم، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١). فاغتنمها السامري وعلم أَنهم يميلون إِلى عبادة العجل فاتخذ العجل (٢). ٩٦ - ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾: قال الفخر الرازى: عامة المفسرين على أَن المراد بالرسول: جبريل، والمراد بأَثره: التراب الذي أَخذه من موضع حافر دابته، والأَكثرون منهم على أنه رآه يوم فلق البحر، وعن على أَن ذلك كان حين نزل ليذهب بموسى إِلى الطور، ثم اختلفوا في كيفية رؤيته جبريل دون سائر الناس، وحكى الرازى عن هؤُلاءِ المختلفين حكايات لا أصل لها، وذكر القرطبى وغيره: أَن السامرى لما زينت له نفسه أَن يأْخذ قبضة من التراب الذي تحت حافر فرس جبريل، جعل يلقى منه على الجماد، فيتحول إلى حيوان له روح ولحم ودم، فلما سأَلوا موسى أَن يعيدهم إِلى عبادة العجل زجرهم، فصنع لهم السامرى في غيبته عجلا من الحلى، وأَلقى من هذا التراب عليه، فتحول إِلى جسد من لحم ودم له خوار كسائر العجول، ويقول القرطبي في موضع آخر نقلا عن مجاهد: خواره وصوته كان بالريح لأَنه أَحدث فيه خروقًا، فإِذا دخلت الريح في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وبهذا نقول فإِن تحويل الجماد إلى حيوان حقيقى لا يكون معجزة إلا لنبى، كما حدث لموسى، حين حول الله عصاه الخشبية إلى حية تسعى، ولا يصح أَن يجرى الله مثل ذلك على يد من يعارض النبوة ويثير الشبه حولها، ولو أنهم قالوا إنه كان ساحرًا وإنه خيل لهم بسحره أَنه عجل حقيقى لكان ذلك خيرًا مما قالوه، وقد أَحسن الإِمام الرازى فيما نقله عن أَبي مسلم الأصفهاني، إذ قال نقلا عنه ما خلاصته: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي

стр. 2823

ذكره المفسرون، ونرى في الآية وجهًا آخر، وهو إن يكون المراد بالرسول موسى ﵇، وبأثره سنته وشريعته، وبيان الآية على هذا أَن موسى لما أقبل على السامري باللوم والسؤال عما دعاه إِلى صنع العجل وإِضلال قومه بعبادته، قال بصرت بما لم يبصروا به أي عرفت ما لم يعرفوه في دينك يا موسى، فقد تبين لي أَنه ليس بحق، فقبضت قبضة من أَثرك أَيها الرسول أَي أخذت شيئًا من سنتك ودينك فطرحته عن قلبى، وحملت القوم على ترك دينك بصناعة العجل وتحويلهم إلى عبادته، فعندئذ أَدرك موسى كفره، فتوعده بالعقاب في الدنيا والآخرة، وإنما وصف موسى بالرسول وهو لا يؤمن به على سبيل التهكم، كما قالت قريش للنبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾. وقد عقب الرازى على هذا الرأْى بقوله: واعلم أَن هذا القول ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه أَقرب إِلى التحقيق. والمعنى على هذا: قال السامرى لموسى ردًا على لومه وتوبيخه: علمت من أَمر دينك ما لم يعلمه قومك، فكرهت البقاء فيه، فقبضت قبضة من دينك المأْثور عنك، فطرحتها عني وحملت قومى على مخالفتك فصنعت لهم عجلا جسدا له خوار بسبب دخول الريح فيه أَو بالسحر، ودعوتهم إلى عبادته، حيث قلت لهم: هذا إِلهكم وإله موسى، فاستجابوا لى وعبدوه وكذلك سولت لى نفسى. ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ المفردات: ﴿لَا مِسَاسَ﴾: لا يمسنى أَحد. ﴿مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: أَي وعدا بالعذاب يوم القيامة لا خلف فيه.

стр. 2824

﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾: دمت على عبادته ملازما ومقيما، وأصله ظللت، فخفف بحذف اللام الأولى. ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ﴾: أي لَنَنْذروَنَّه ونُطَيّرنه في البحر، والنسف نقض الشيءِ أَو تعريضه للريح ليبعثره أَو ينقضه مما يشوبه، والمراد منه هنا التَّذْرية والذَّرو وهو المعنى الثاني للنسف، والمِنْسف ما ينسف به الطعام. ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: أَحاط علمه بكل شئٍ. التفسير ٩٧ - ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ..... ﴾ الآية. أي قال موسى للسامرى بعد اعترافه بصناعة العجل وحمله قومه على عبادته - قال له: اذهب عنا منفيا من بيننا، بحيث لا يمسك أَحد ولا تمس أَحدا، حتى تلجئك هذه المقاطعة إِلى أَن يختل عقلك فتقول: لا مساس، ترديدا لما يقوله الناس بعضهم لبعض في النهي عن ملامسته، تأْكيدا لفصله عن المجتمع الذي أَضله، وتنفيذا لما أَوصاهم به موسى ﵇ من مقاطعته وترك معاملته والاتصال به، وهذا هو الذي نراه مناسبا في تفسير الآية. ومن المفسرين من قال: إِن الله عاقبه بمرض جلدى، وكان يصاب بالحمى إِن مسه الناس، فكان يسترحمهم قائلا: لا مساس، فابتعد عنه الناس لا يؤاكلونه ولا يعاملونه لذلك. وأنكر الجبائي هذا الرأْى، وقال: إِنه خاف وهرب إِلى البرية، وجعل يهيم فيها فلا يجد أَحدا من الناس يمسه، حتى صار لبعده عن الناس كالقائل: لا مساس. اهـ وبما أَننا لا نجد دليلا على هروبه إِلى البرية ولا على إِصابته بمرض جلدى، فلهذا نرى أن ما ذكرناه أَولا في تفسير الآية هو المناسب للنص الكريم. وتعتبر هذه الآية من الأصول التي يعمل بها مع الذين يحدثون حدثا كبيرًا في الدين، وقد فعل النبي ﷺ مثل ذلك في الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، حيث أَوجب على المسلمين مقاطعتهم حتى عفا الله عنهم. ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: وإِن لك يا سامري وعدا بالعقاب في الآخرة لن يحدث فيه خلف، فإِنه تعالى لا يغفر أَن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاءُ.

стр. 2825

﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾: قد عرفت مما تقدم أَن العجل الذي صنعه السامرى من حيلهم فيه ثلاثة آراء (أَحدها): أنه عجل تحول من حلي إِلى حيوان، حينما وضع عليه السامرى ترابا من تحت حافر الفرس التي كان يركبها جبريل - كما قيل - (وثانيها): أنه عجل من ذهب لم تحل فيه الحياة، وأن خواره صناعى أو بسبب السحر، فعلى أَنه عجل حيوانى، يكون حرقه بعد ذبحه، حتى إِذا صار رمادا نسفه في اليم، أي ذراه في الهواء في اتجاه البحر، أَما على أنه عجل صناعى لم تحل به الحياة، وأَن خواره صناعى أو بطريق السحر، فيكون حرقه وتصييره رمادا من آيات موسى ﵇، لأَن الذهب إِذا صهر بالنار يصبح سائلا ولا يمكن نسفه، (وثالثها) أَنه عجل حيواني اشتراه موسى السامرى بعد أَن صهر الذهب وسرقه، وأمر حرقه بعد ذبحه واضحٌ، وأَن كنا نستبعد أن يحرقه موسى وهو لحم حيوان أحل الله أكله، وكان يكفى - لو صح أَنه حيوان حقيقى - أن يذبحه ليظهر بذبحه عدم صلاحيته للألوهية، ثم يبيح لهم أكله. والذي لم يظهر لنا والله أَعلم أَنه عجل صناعى (١) وأَن خواره صناعى أو عن طريق السحر، وأن الحياة لم تحل فيه، فإن ذلك معجزة فلا يجريها الله على يد منافق لا يعترف بوحدانيته تعالى، بل هي من آيات الرسل كما حدث لعصا موسى ﵇، وأَن إِحراق موسى له يعتبر آية ومعجزة من معجزاته ﵇. والمعنى: وانظر يا سامري إِلى العجل الذي صنعَته وجَعلْتَه لك إلها، وأقمت على عبادته ملازما أنت ومن استجاب لك من قومك، والله لنحرقنه حتى يصير رمادا، ثم لننسفنه ونذرينه ليلقيه الريح في البحر حتى تعلم أَنت ومن تبعك عجزه عن حماية نفسه من النار، وفساد رأْيكم في عبادته. ٩٨ - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: هذه الآية جاءت لإحقاق الحق بعد إِبطال الباطل، والخطاب فيها لعموم بنى إسرائيل.

стр. 2826

والمعنى: ما إلهكم يا بني إِسرائيل سوى الله الذي لا إله سواه أَحاط علمه بكل شيءٍ. فكيف تشركون به العجل الذي لا يعلم ما يراد به، ولا يستطيع حماية نفسه، وبهذا تم حديث موسى بشأْن العجل الذي عبدوه. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ المفردات: ﴿ذِكْرًا﴾: المراد به القرآن الكريم، وأطلق الذكر عليه لأَنه يذكر الناس بما ينفعهم، أَو لأَنه شرف للرسول ولقومه ﷺ كما في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. ﴿وِزْرًا﴾: أَي ذنبا ثقيلا. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: المشركين. ﴿زُرْقًا﴾: أَي زرق الأَبدان أَو العيون. ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾: يخفضون أَصواتهم من شدة ما يجدون. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: ما مكثتم في القبور أَو الدنيا إِلا عشر ليال. ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾: أَعدلهم رأْيا. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾: ما لبثتم في القبور أَو في الدنيا إِلا يوما. التفسير ٩٩ - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: أَي مثل ذلك القصص الصادق من خبر موسى وقومه نقصُّ عليك يا محمد أمثاله من قصص الأَولين تسلية لك مما حل بك من قومك، وتأْييدا لنبوتك، وتبصيرا للمستبصرين من

стр. 2827

أولى الالباب الباحثين عن الحق، وقد أعطيناك من عندنا قرآنا مذكِّرًا بما في تلك الأنباءِ والقصص من العبر وهو كتاب شريف جامع لكل الكمالات. ١٠٠، ١٠١ - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾: أي من أَعرض عن هذا الذكر العظيم الذي أَعطيناك أيها الرسول، ولم يؤْمن بما جاء فيه من العقائد والأحكام الدنيوية والأُخروية فإنه يحمل يوم القيامة إِثما عظيما لا قدرة له على احتماله مقيما في جزائه جهنم إِقامة دائمة، وبئس للمعرضين عنه - وبئس لهم - يوم القيامة هذا الحمل الذي حملوه بالإعراض عن الذكر الذي بعثك الله به إِليهم (١). ١٠٢ - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾: أي اذكر لهم يا محمد يوم ينفخ إسرافيل في البوق نفخة البعث من القبور، حيث يقوم الناس لرب العالمين، ونسوق المجرمين يومئذ بعد البعث زرق الأجساد أو زرق العيون من أجل ما يحملونه من الأوزار، وخوفهم من محاسبة العليم القهار، وسئل ابن عباس عن وصفهم هنا بقوله ﴿زُرْقًا﴾ وفي آية أخرى بقوله ﴿عُمْيًا﴾ فكيف يجمع بينهما؟ فقال: ليوم القيامة حالات، فحالة يكونون فيها عميا وأخرى يكونون فيها زرق العيون. وقال الفراءُ: المراد من ﴿زُرْقًا﴾ عميا لأن العين إِذا ذهب نورها ازْرَقَّ ناظرها. ١٠٣ - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: أي يخفضون أصواتهم، ويتهامسون فيما بينهم قائلين، ما لبثتم في القبور إلا عشر ليال، أَو عشرة أَيام (٢)، ومرادهم من قولهم ذلك استقصار مدة لبثهم في القبور وسرعة انقضائِها، بعد أَن تحقق لديهم البعث الذي أَنكروه من قبل، يقولون ذلك على سبيل التنديم، كأَنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبر إِلا مدة يسيرة، وقد كنتم تزعمون أنكم لن تبعثوا منه

стр. 2828

أَبدا، وعن قتادة أَنهم قصدوا بهذه العشر مدة لبثهم في الدنيا، استقصارا لها لزوالها وتأسفهم عليها بعد أن عاينوا الشدائد التي لا غاية لها، وأَيقنوا أنهم استحقوها بسبب إضاعتهم دنياهم القصيرة في قضاء الأوطار واتباع الشهوات: انتهى بتصرف. وفي مجمع البيان عن ابن عباس وقتادة أَنهم قصدوا مدة لبثهم بين النفختين، حيث يمكثون أربعين يوما مرفوعا عنهم العذاب. ١٠٤ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾: نحن أعلم بما يقوله هؤُلاء المتحسرون على ضياع رقادهم أو إقامتهم في دنياهم حين يقول أَحسنهم طريقة في القياس بين ما كانوا فيه وما هم مقبلون عليه. ما لبثتم إِلا يوما واحدا، يريد بذلك حملهم على الندم أَكثر فكأَنه يقول لهم: إن تقدير إقامتنا في القبور أو في الدنيا بعشرة أَيام يعتبر شيئا كثيرا بالنسبة إلى ما نحن مقبلون عليه من الشدائد فما لبثنا أكثر من يوم واحد، ووَصَفَ القرآن قائلَ هذا بأَنه أَمْثَلُهُمْ طريقة لكون ما قاله أَعظم في التنديم، وأقوى في التحسير، وأدل على شدة ما هم مقبلون عليه، ولكل مقام مقال يحسن فيه أكثر من غيره. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ المفردات: ﴿يَنْسِفُهَا﴾: يذريها ويطيرها. ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾: فيتركها سهلا مستويا. ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾: لا تجد فيها انخفاضًا ولا شيئًا مرتفعا.

стр. 2829

﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: يتبعون إسرافيل الذي دعاهم بالنفخ في الصور إلى الحساب. ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾: أَي لا عوج للداعى على معنى لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. التفسير ١٠٥ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾: هذه الآية مستأْنفة لبيان حال الجبال عند قيام الساعة بعد ما سأَل السائلون رسول الله عنها، وهؤُلاءِ السائلون ممن ينكر البعث من قريش، فقد أَخرج ابن المنذر عن ابن جريج أَنهم قالوا على سبيل الاستهزاءِ كيف يفعل ربك بالجبال يوم القيامة، وقيل هم أُناس من المؤْمنين سأَلوا عنها على سبيل التعلم وطلب المعرفة. والمعنى: ويسأَلك السائلون يا محمد عن حال الجبال يوم القيامة، أَتظل باقية على ما هي عليه، فقل مجيبا لهم، يجعلها الله كالرمل أَو التراب ثم يرسل عليها الريح فتذروها وتبعثرها. ولا تستعصى على من يقول للشئِ كن فيكون. ولا يوجد في القرآن أَمر من الله للرسول مقرون بالفاء، يجيب به السائلين سوى ما هنا. أَما ما عداه فبدون الفاءِ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الخ. والسبب في هذا أَن الفاءَ للترتيب والتعقيب، وقد جئَ بها هنا للمسارعة إلى إزالة ما في ذهن السائل المشرك من بقاء الجبال تبعا لظنه عدم الحشر، أَو للمسارعة إلي تعليم السائل المؤمن حفظا لعقيدته مما يقوله المنكرون، وهذه خلاصة ما نقله الآلوسى عن الإِمام الرازى (١).

стр. 2830

١٠٦، ١٠٧ - ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾: أَي أَنه تعالى بعد أَن يزيل الجبال ويبعثرها، يترك أُصولها أَرضًا مستوية، كأنها مع غيرها صف واحد على سمت مستو متماثل، بحيث لا ترى في أُصول تلك الجبال المنسوفة انخفاضًا ولا نتوءًا بارزا والعِوج بكسر العين يستعمل في غير المستقيم حسيا ومعنويا أَما مفتوح العين فقاصر على الحسي غير المستقيم (١). ١٠٨ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ … ﴾ الآية. أَي يومئذ ينسف ربي الجبال، يتبع الناس داعى الله إِلى المحشر، وهذا الداعى هو إسرافيل، وظاهر ما جاءَ في القرآن أن هذه الدعوة هي النفخة الثانية في الصور قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ وهى المعنية بقوله في سورة يس: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ والله أَعلم بحقيقة هذه الدعوة وكيفيتها. ومن المفسرين من جعلها دعوة كلامية، حيث قال. إِن إِسرافيل يضع الصُّور في فمه ويقول: أَيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، هلموا إلى العرض على الرحمن فيقبلون من كل صوب إِلى صوته … وأَخرج ابن أَبي حاتم عن محمد بن كعب القرظى قال: يحشر الله تعالى الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماءُ وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادى مناد فيتبع الناس صوته يؤُمونه، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾. وقال على بن عيسى: الداعى هو الرسول الذي كان يدعوهم إلى الله : انتهى. وأظهر الأقوال ما قلناه أَولا، من تفويض العلم بحقيقة هذه الدعوة وكيفيتها إلى العليم الخبير ، ومعنى ﴿لَا عِوَجَ﴾ لا يعوَج للداعى مدْعوٌّ ولا عدول له عنه، وذلك مثل قولهم: لا عصيان له أي لا يعصى، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى: لا شك فيه.

стр. 2831

﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: أي وخفتت أَصوات الخلائق هيبة للرحمن، ورهبة من الموقف الرهيب، فلا تسمع من أحد من أهل الموقف إِلا صوتًا خفيفا خافتا يصدر من فمه. وفي إحدى الروايات عن ابن عباس أن المراد من الهمس هنا خفق الأقدام، وبمثله قال عكرمة وابن جبير والحسن، واختاره الزجاج والفراءُ، ومنه قول الشاعر: وهنّ يمشين بنا همسا. والمعنى على هذا: سكتت أصواتهم وانقطعت كلماتهم، فلا نسمع منهم إلا خفق أقدامهم وهم يمشون إلى المحشر، والخطاب في قوله ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ لكل من له سمع يستمع به. ١٠٩ - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾: أَي يومئذ يدعوهم داعى الرحمن إِلى المحشر للحساب، فيستجيبون له خاشعين، لا تنفع الشفاعة أحدا من أفراد الأُمم، إلا من أذن الرحمن بالشفاعة لأجله من بينهم، ورضى له قول الشافع وأَذن له به. ويصح أن يكون المعنى: ورضى للمشفوع له ما كان يقوله، والمراد منه كما قاله ابن عباس: قوله (لا إله إِلا الله) وخلاصة المعنى على هذا: لا تنفع الشفاعة أَحدا، إلا من أَذن الرحمن في أَن يُشفع له وكان مؤْمنا. والمراد على كل تقدير: أنه لا تنفع الشفاعة أحدا إِلا من ذكر، وأَما من عداه فلا تنفعه وإن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدِّين للشفاعة عن الناس، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. ١١٠ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾: أي يعلم الرحمن ما يستقبله المحشورون من المقادير التي كتبها لهم أو عليهم وما تركوه خلفهم من أعمالهم وأَحوالهم الدنيوية، ولا يحيطون علما بالمذكور من مجموع الأمرين، فإنهم كما قال الجبائى: لا يعلمون جميع ما ذكر، ولا تفصيل ما علموه منه. ويجوز أن يكون المعنى ولا يحيطون به تعالى علما، من حيث صفاته وكمالاته التي لا تتناهى ولا يعرف أحد كنهها ومداها، فنحن لا نعلم من أَمره سبحانه إِلا ما جاءت به الرسل وما تتسع له عقولنا.

стр. 2832

* ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ المفردات: ﴿وَعَنَتِ﴾: وخضعت، وذلت خضوع العانى وهو الأَسير، وفرق بعض اللغويين بين الخضوع وبين الذل، فجعل الخضوع بمعنى الخشوع والتذلل لذى طاعة، وجعل الذل وصفا لمن كان ذليل النفس في ذاته. ﴿الْقَيُّومِ﴾: الدائم القيام بتدبير أَمر خلقه وحفظهم. ﴿هَضْمًا﴾: نقصا من الحق. التفسير ١١١ - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ … ﴾ الآية. المراد بالوجوه جميع الناس أَو المجرمون الذين سبق الحديث عنهم، وإِطلاق الوجوه عليهم مجاز، ويصح أن يراد بها حقيقتها، وتخصيصها بالذكر لأَنها أَشرف الأَعضاء الظاهرة، وأول ما تبدو عليه آثار الخضوع والذل. والمعنى: وذلت الوجوه وخضعت واستسلمت في هذا اليوم العصيب الذي تقدم الحديث عن بعض أهواله - استسلمت استسلام الأسرى لجبار السموات والأَرض، الحي الذي لا يموت، القائم على أُمور عباده، بتدبيرها وحفظها، والقيام بما يصلحها. ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾: المراد بمن حمل ظلما، كل كافر، أو ما يَعمُّهُ وغيره من سائر العصاة، وخيبة كل عاص بقدر ما حمل من الظلم. والمعنى: وخضعت النفوس للحى المسيطر على كل شئٍ وقد خسر كل من كسب ظلما في دنياه، حين يعرض يوم القيامة على مولاه فيأمر بعقابه على ما كسبت يداه.

стр. 2833

وبعدما حكت هذه الآية خيبة الظالمين الآثمين، عقبها الله ببيان حسن حال المؤمنين الصالحين، فقال سبحانه: ١١٢ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾: أَي ومن يعمل شيئًا من الصَّالِحاتِ في دنياه وهو مؤْمن به ويجعل دنياه مزرعة لآخرته، فإِنه يُقْبل يوم القيامة على الملك الحق العادل في خلقه، وهو مطمئن النفس، لا يخاف ﴿ظُلْمًا﴾ بأَن يحمل أَوزارا لم يرتكبها ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ بأَن ينقص حق من حقوقه، أَو يضيع ثوابٌ لعمل من أَعماله مهما قلَّ أَو خفى بل يُوفَّى أَجره كاملا، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١). ولا يقتصر جزاؤُه على الوفاء، بل يضاعف ثوابه على قدر نيته وعمله، وفقا لمشيئة الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ المفردات: ﴿صَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيد﴾: كررنا وفصلنا فيه من الإنذار والتخويف. ﴿ذِكْرًا﴾: اعتبارا واتِّعاظا. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾؛ فتنزه الله الملك الكامل التصرف في ملكه، الثابت في ذاته وصفاته. ﴿يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾: يتم جبريل تبليغ القرآن الموحى به إِليك.

стр. 2834

التفسير ١١٣ - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: أي مثلما تقدم من التنزيل المشتمل على القصص النافع والوعد بالثواب على العمل الصالح، والوعيد بالعقاب على العمل السئِ والكفر، ومثل هذا الإِنزال أَنزلنا القرآن كله، بأُسلوب عربى واضح ليفهموه، وليكون آية على نُبُوَّتِكَ، يعجزهم عن معارضته، وكررنا فيه من التخويف والإنذار على الكفر والمعاصي، لكي يتقوها، أو يحدث لهم اعتبارا واتعاظا يؤدى بهم إِلى التقوى. وفسر قتادة التقوى هنا بالحذر والورع، وفسر بعضهم الذكر بالشرف. ١١٤ - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ … ﴾ الآية. أَفاد هذا النص الكريم استعظام شئونه تعالى في ملكه، وما صرف في القرآن من الوعد والوعيد والأوامر والنواهى المقتضية لوجوب العمل به، كما أَفاد التعجب من عظمة القرآن ووجوب الإِقبال عليه والعمل به، وتعظيم من أنزله. والمعنى: تقدس الله وتنزه عن النقائص فهو المتصرف بالأَمر والنهي، الحقيق بأن يعمل بكتابه، لكي يرجى ثوابه، ويخشى عقابه، وهو الدائم الذي لا يزول ولا يتغير. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾: ولا تعجل يا محمد بقراءَة القرآن الذي يوحى به إليك، ترديدًا لما تسمعه من قبل أَن يُتِمَّ جبريل تبليغه إِليك، وقد كان ﷺ إذا التقى به جبريل وأَلقى عليه القرآن يتبعه عند تلفظه بكل كلمة خوفا من أَن يصعد جبريل ﵇ ولم يحفظه، حرصا على حفظ الوحى، فطمأَنه الله على ذلك، وبشره بجمعه إياه، ونهاه عن التعجل بقراءَته عند نزوله كما قال تعالى في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١). ثم أَرشده الله إلى الدعاءِ بالاستزادة من العلم مطلقا بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾: وكان ﷺ يسأَل الله دائِما الاستزادة من العلم،

стр. 2835

أخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعني وزدنى علما، والحمد لله على كل حال". وهذا دليل على فضل العلم، وحث على التزود منه ما وجد الإنسان إِلى ذلك سبيلا. ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ المفردات: ﴿عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾: أَي وصيناه لا يقرب الشجرة. ﴿عَزْمًا﴾: ثباتا وتصميما. ﴿فَتَشْقَى﴾: فتتعب بمتاعب الدنيا. ﴿وَلَا تَعْرَى﴾: يقال عرى يَعْرَى إذا تجرد من اللباس. ﴿وَلَا تَضْحَى﴾: ولا يصيبك حر الشمس، يقال: ضَحَا، كَسَلا ضَحْوًا، وَضَحِىَ كَرَضِىَ ضحْيًا، أَصابته الشمس. ﴿فَوَسْوَسَ﴾: الوسوسة؛ الخَطْرَةَ الرديئة، وتطلق على الهمس الخفى، وعلى حديث النفس. ﴿شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾: الشجرة التي إِذا أَكل منها الإِنسان خلد ولم يمت

стр. 2836

كما زعم الشيطان. ﴿طَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾: شَرَعَا وأخذا يلزقان على عورتيهما ورقة فوق أُخرى من ورق الجنة. ﴿فَغَوَى﴾: فضلَّ عن مطلوبه. ﴿اجْتَبَاهُ﴾: اصطفاه. التفسير ١١٥ - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: تمهيد: كرر الله قصة آدم في كثير من السور القرآنية بأَساليب متعددة، ليعرف أبناؤه من البشر عداوة الشيطان لهم ولأَبيهم من قبلهم، حتى يحذروا أَفانينه في تزيين الباطل، وينجوا من سوء المصير الذي يدبره لهم: وقد حكى الله سبحانه في هذه السور كيف أَغوى الشيطان آدم وأغراه بعصيان ربه، فانخدع بأَفانينه الشريرة فوقع فيما أراده من المعصية، ليخرج من الجنة كما خرج، وليتسلط على ذريته كما هدد وتوعد، ولا شك في أَن هذا التفصيل مثل لبيان ما أَجمله الله سبحانه في قوله في الآية السابقه ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ والمراد من العهد إلى آدم وصيته وأَمره، تقول: عهد الملك إِلى فلان إِذا أَوصاه وأَمره. والمعنى: ولقد وصينا آدم وأَمرناه أَن لا يقرب الشجرة فغفل عما وصيناه به ولم يشتغل بحفظه ولم نجد له ثبات قدم في تنفيذه، حيث خدعه الشيطان بأَساليبه، فنسى تحذير الله له منه بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. وفسر ابن زيد وغيره قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ بمعنى لم نجدْ له عزما على مخالفة عهد الله، بل كان عن طريق نسيان تحذير الله له من عداوة الشيطان دون تعمد للإِثم والمخالفة. ٩١٦ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾: هذه الآية شروع في بيان ما عهد به لآدم، وكيفية نسيانه وفقدان عزمه. والمعنى واذكر يا محمد وقت أَمرنا للملائكة بالسجود لآدم تشريفا وتكريما وبيانا لفضله، فامتثل الملائكة جميعا وسجدوا إلا إبليس فإِنه تَمنَّع عن السجود له حقدا وحسدا، لظنه أَنه أَفضل منه، حيث خلق من نار وخلق آدم من طين، والنار في زعمه أَفضل من الطين.

стр. 2837

١١٧ - ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾: أَي فقلنا عقب امتناع إِبليس عن السجود لآدم - قلنا له - تحذيرا وإرشادًا: إِن هذا عدو لك وعدو لزوجك فاحترسا منه، فلا يكونن سببا لإِخراجكما من الجنة فتتعب أَنت وزوجك بمتاعب الدنيا التي لا تكاد تحصى، وتشقى بكثرة التعب والنَّصَب فيها. ١١٨، ١١٩ - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾: إِنك في الجنة في عيش رغيد هنئٍ فلا تعب ولا مشقة، فأَنت في دار كرامة لا يصيبك فيها شئٌ من الجوع أو العرى، فالغذاءُ فيها يأْتيك بمجرد الرغبة لا عن جوع، والكساءُ الفاخر فيها يأْتيك كذلك لا عن احتياج، لا يصيبك فيها الظمأُ أَو حر الشمس، لأن شرابها تابع للإِرادة لا عن عطش، ولأَن ظلها دائم ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (١). فاجتمعت لك فيها الأَسباب التي توفر الراحة للإنسان، وتجلب له السعادة، فاحرص عليها، وحافظ على البقاء فيها، وابتعد عن كل ما يؤدى بك إلى الخروج منها. ١٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: ولكن الشيطان وهو عدوه المتربص به، الواقف له بالمرصاد، لم يتركه يعيش في هذا النعيم حسدا له عليه، فأَخذ يخطر له في نفسه خطرات من الأمانى الكاذبة، ويهمس له بها همسا خفيا قائلا: إِنى سأَدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت ولم تمت، وملكت ملكا لا يفنى. ١٢١ - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: فتأول آدم نهى الله عن الأَكل من الشجرة، بأَنه نهى عن شجرة بعينها، وهى التي أُشير إِليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٢). ولم يحملها على الجنس، فأكل من جنسها هو وزوجه ولم يأْكل منها نفسها، فانكشفت لهما عوراتهما - وكانت مستورة عن أَعينهما - عقابا لهما على الأَكل منها، فقد كان الأَجدر به أن يفهم من النهي عمومه لجنس الشجرة لا خصوصه بها.

стр. 2838

ومن المفسرين، من جعل انكشاف عورتيهما مرتبا على الأَكل من الشجرة، لمصلحة أُخرى وليس عقابًا (١). ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: وشرعا يلصقان على عورتيهما من ورق الجنة لسترها. حياءً وخجلا .. ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾: وخالف آدم بذلك أَمر ربه فضلَّ عن مطلوبه وهو الخلود في الجنة، أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة، أَو عن الرشد باغتراره بوسوسة عدوه. وقد عرفت أَن أَكله من الشجرة كان بنوع من التأْويل كما تقدم بيانه، وسمى ذلك عصيانا لعلو منصبه ﵇ الذي يقتضي مزيد الانتباه لكيد عدوه، وعدم تصديقه في مزاعمه. ومن العلماءِ من فسر ظهور سوآتهما ومحاولة سترها بأَنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأَكل منها ظهر لهما أَنهما قد زَلَّا وخلعا ثوب الطاعة. وبدت منهما سوأَة المعصية، فاستولى عليهما الخوف والحياءُ من ربهما. وأَخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حى لا يُرى، وذلك بخصف أَوراق الجنة عليهما ليستترا بها. ١٢٢ - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾: ثم أَلهم الله آدم التوبة، فتاب إِلى ربه فاختاره الله وتاب عليه واصطفاه وقربه إِليه .. ١٢٣ - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .... ﴾ الآية. قال الله لآدم بعد أَن أَكل من الشجرة: اهبط أَنت وزجك من الجنة إِلى الأَرض، وقد أمر بذلك تنفيذا لحكمة الله من خلق آدم وحواءَ، وهى استخلافه وذريته في الأَرض كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ سورة البقرة. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: هذا إِخبار من الله لآدم بعداوة إبليس له ولذريته إِلى يوم القيامة. ويجوز أَن يكون المعنى: بعض أَولادكما لبعض عدو، وأُسندت العداوة إِلى آدم وحواءَ لأنهما منشأُ أَولادهما المتعادين.

стр. 2839

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾: وأخبره الله بأنه سيتعهد ذريته بإرسال الرسل وبيان الطريق المستقيم في كتب ينزلها عليهم، هادية لهم، فمن اتبع الهدى الذي أنزله وسار في الطريق الذي رسمه، وعمل مما شرعه، فلا يضل طريقه في الدنيا، ولا يشقى بالعذاب يوم القيامة، لأنه اختار لنفسه طريق السعادة فسعد في دنياه وأُخراه. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ المفردات: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾: عن الهدى المذكر بعبادتى. ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقة شديدة، والضنك: الضيق. ﴿آيَاتُنَا﴾: الأدلة والبراهين الدالة علينا. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فتركتها وأعرضت عنها. ﴿أَسْرَفَ﴾: جاوز الحد فانهمك في الشهوات واسترسل فيها. التفسير ١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا .... ﴾ الآية. بعد أَن بين الله حسن مصير من اتبع هدى الله الذي أنزله على أنبيائه، جاءت هذه الآية لتبين مصير من أعرض عنه.

стр. 2840

والمعنى: ومن انصرف عن الهدى الذي يذكره بعبادتى فإن له معيشة ضيقة في حياته مهما كان في سعة من العيش، فإِنه يكون شديد الحرص على الدنيا متهالكا على الازدياد منها، خائفا من انتقاصها، وقيل الضنك مجاز عما لا خير فيه، ووصف معيشة الكافر بذلك لأنها وبال عليه، وزيادة في عذابه يوم القيامة، كما دلت عليه الآيات، وبهذا المعنى فسره ابن عباس، فقد أخرج ابن أَبي حاتم بسنده عنه أنه قال في الآية: كل ما أَعطيته عبدا من عبادى قلَّ أَو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة: اهـ. وفسره عكرمة بالكسب الحرام. ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾: أَي ونسوقه يوم القيامة فاقدا البصر على الحقيقة، حتى يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وكان كذلك لأنه لم ينتفع بما أَعطاه الله من بصر ينظر به في آيات الله. وقيل: عَمَاهُ كناية عن عدم اهتدائه إِلى حجة تنفعه، أَو إِلى حيلة يدفع بها العذاب عن نفسه. ١٢٥ - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: أي قال هذا الذي حشره الله أعمى يوم القيامة - قال - في حيرة وحسرة: يا رب لأَي سبب حشرتنى أعمى وقد كنت في الدنيا بصيرًا أَرى كل شيءٍ، فيأْتيه الجواب حينئذ من قبل الله فيما يحكيه بقوله: ١٢٦ - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: أَي مثل ذلك العمى الذي جئتَ به في الآخرة كنت أَعمى في الدنيا، فقد جاءَتك آياتنا فعَمِيتَ عنها، وتركتها كالشيءِ المنسى الذي لا يخطر بالبال، فاليوم نجازيك مثل عملك، فنجعلك أَعمى عن الاهتداءِ إِلى حجة تنفعك، ونتركك في حيرتك وعماك ترك المنسى، وندفع بك إِلى النار لتَصْلى عذابها وتتلظى بنارها، ولهذا قال سبحانه عقب هذه الآية: ١٢٧ - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾: أَي وبمثل ذلك الجزاءِ العادل نجازى كل من أَسرف على نفسه في ارتكاب المعاصي وترك الإيمان بربه، ولم ينظر في الآيات التي نصبها في الأنفس والآفاق، ولم يعمل بشرعه
следующие страницы →