← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

كما زعم الشيطان. ﴿طَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾: شَرَعَا وأخذا يلزقان على عورتيهما ورقة فوق أُخرى من ورق الجنة. ﴿فَغَوَى﴾: فضلَّ عن مطلوبه. ﴿اجْتَبَاهُ﴾: اصطفاه. التفسير ١١٥ - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: تمهيد: كرر الله قصة آدم في كثير من السور القرآنية بأَساليب متعددة، ليعرف أبناؤه من البشر عداوة الشيطان لهم ولأَبيهم من قبلهم، حتى يحذروا أَفانينه في تزيين الباطل، وينجوا من سوء المصير الذي يدبره لهم: وقد حكى الله سبحانه في هذه السور كيف أَغوى الشيطان آدم وأغراه بعصيان ربه، فانخدع بأَفانينه الشريرة فوقع فيما أراده من المعصية، ليخرج من الجنة كما خرج، وليتسلط على ذريته كما هدد وتوعد، ولا شك في أَن هذا التفصيل مثل لبيان ما أَجمله الله سبحانه في قوله في الآية السابقه ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ والمراد من العهد إلى آدم وصيته وأَمره، تقول: عهد الملك إِلى فلان إِذا أَوصاه وأَمره. والمعنى: ولقد وصينا آدم وأَمرناه أَن لا يقرب الشجرة فغفل عما وصيناه به ولم يشتغل بحفظه ولم نجد له ثبات قدم في تنفيذه، حيث خدعه الشيطان بأَساليبه، فنسى تحذير الله له منه بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. وفسر ابن زيد وغيره قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ بمعنى لم نجدْ له عزما على مخالفة عهد الله، بل كان عن طريق نسيان تحذير الله له من عداوة الشيطان دون تعمد للإِثم والمخالفة. ٩١٦ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾: هذه الآية شروع في بيان ما عهد به لآدم، وكيفية نسيانه وفقدان عزمه. والمعنى واذكر يا محمد وقت أَمرنا للملائكة بالسجود لآدم تشريفا وتكريما وبيانا لفضله، فامتثل الملائكة جميعا وسجدوا إلا إبليس فإِنه تَمنَّع عن السجود له حقدا وحسدا، لظنه أَنه أَفضل منه، حيث خلق من نار وخلق آدم من طين، والنار في زعمه أَفضل من الطين.

стр. 2837

١١٧ - ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾: أَي فقلنا عقب امتناع إِبليس عن السجود لآدم - قلنا له - تحذيرا وإرشادًا: إِن هذا عدو لك وعدو لزوجك فاحترسا منه، فلا يكونن سببا لإِخراجكما من الجنة فتتعب أَنت وزوجك بمتاعب الدنيا التي لا تكاد تحصى، وتشقى بكثرة التعب والنَّصَب فيها. ١١٨، ١١٩ - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾: إِنك في الجنة في عيش رغيد هنئٍ فلا تعب ولا مشقة، فأَنت في دار كرامة لا يصيبك فيها شئٌ من الجوع أو العرى، فالغذاءُ فيها يأْتيك بمجرد الرغبة لا عن جوع، والكساءُ الفاخر فيها يأْتيك كذلك لا عن احتياج، لا يصيبك فيها الظمأُ أَو حر الشمس، لأن شرابها تابع للإِرادة لا عن عطش، ولأَن ظلها دائم ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ (١). فاجتمعت لك فيها الأَسباب التي توفر الراحة للإنسان، وتجلب له السعادة، فاحرص عليها، وحافظ على البقاء فيها، وابتعد عن كل ما يؤدى بك إلى الخروج منها. ١٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: ولكن الشيطان وهو عدوه المتربص به، الواقف له بالمرصاد، لم يتركه يعيش في هذا النعيم حسدا له عليه، فأَخذ يخطر له في نفسه خطرات من الأمانى الكاذبة، ويهمس له بها همسا خفيا قائلا: إِنى سأَدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت ولم تمت، وملكت ملكا لا يفنى. ١٢١ - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: فتأول آدم نهى الله عن الأَكل من الشجرة، بأَنه نهى عن شجرة بعينها، وهى التي أُشير إِليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٢). ولم يحملها على الجنس، فأكل من جنسها هو وزوجه ولم يأْكل منها نفسها، فانكشفت لهما عوراتهما - وكانت مستورة عن أَعينهما - عقابا لهما على الأَكل منها، فقد كان الأَجدر به أن يفهم من النهي عمومه لجنس الشجرة لا خصوصه بها.

стр. 2838

ومن المفسرين، من جعل انكشاف عورتيهما مرتبا على الأَكل من الشجرة، لمصلحة أُخرى وليس عقابًا (١). ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: وشرعا يلصقان على عورتيهما من ورق الجنة لسترها. حياءً وخجلا .. ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾: وخالف آدم بذلك أَمر ربه فضلَّ عن مطلوبه وهو الخلود في الجنة، أو عن المطلوب منه وهو ترك الأكل من الشجرة، أَو عن الرشد باغتراره بوسوسة عدوه. وقد عرفت أَن أَكله من الشجرة كان بنوع من التأْويل كما تقدم بيانه، وسمى ذلك عصيانا لعلو منصبه ﵇ الذي يقتضي مزيد الانتباه لكيد عدوه، وعدم تصديقه في مزاعمه. ومن العلماءِ من فسر ظهور سوآتهما ومحاولة سترها بأَنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأَكل منها ظهر لهما أَنهما قد زَلَّا وخلعا ثوب الطاعة. وبدت منهما سوأَة المعصية، فاستولى عليهما الخوف والحياءُ من ربهما. وأَخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخفاء حى لا يُرى، وذلك بخصف أَوراق الجنة عليهما ليستترا بها. ١٢٢ - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾: ثم أَلهم الله آدم التوبة، فتاب إِلى ربه فاختاره الله وتاب عليه واصطفاه وقربه إِليه .. ١٢٣ - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .... ﴾ الآية. قال الله لآدم بعد أَن أَكل من الشجرة: اهبط أَنت وزجك من الجنة إِلى الأَرض، وقد أمر بذلك تنفيذا لحكمة الله من خلق آدم وحواءَ، وهى استخلافه وذريته في الأَرض كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ سورة البقرة. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: هذا إِخبار من الله لآدم بعداوة إبليس له ولذريته إِلى يوم القيامة. ويجوز أَن يكون المعنى: بعض أَولادكما لبعض عدو، وأُسندت العداوة إِلى آدم وحواءَ لأنهما منشأُ أَولادهما المتعادين.

стр. 2839

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾: وأخبره الله بأنه سيتعهد ذريته بإرسال الرسل وبيان الطريق المستقيم في كتب ينزلها عليهم، هادية لهم، فمن اتبع الهدى الذي أنزله وسار في الطريق الذي رسمه، وعمل مما شرعه، فلا يضل طريقه في الدنيا، ولا يشقى بالعذاب يوم القيامة، لأنه اختار لنفسه طريق السعادة فسعد في دنياه وأُخراه. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ المفردات: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾: عن الهدى المذكر بعبادتى. ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقة شديدة، والضنك: الضيق. ﴿آيَاتُنَا﴾: الأدلة والبراهين الدالة علينا. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فتركتها وأعرضت عنها. ﴿أَسْرَفَ﴾: جاوز الحد فانهمك في الشهوات واسترسل فيها. التفسير ١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا .... ﴾ الآية. بعد أَن بين الله حسن مصير من اتبع هدى الله الذي أنزله على أنبيائه، جاءت هذه الآية لتبين مصير من أعرض عنه.

стр. 2840

والمعنى: ومن انصرف عن الهدى الذي يذكره بعبادتى فإن له معيشة ضيقة في حياته مهما كان في سعة من العيش، فإِنه يكون شديد الحرص على الدنيا متهالكا على الازدياد منها، خائفا من انتقاصها، وقيل الضنك مجاز عما لا خير فيه، ووصف معيشة الكافر بذلك لأنها وبال عليه، وزيادة في عذابه يوم القيامة، كما دلت عليه الآيات، وبهذا المعنى فسره ابن عباس، فقد أخرج ابن أَبي حاتم بسنده عنه أنه قال في الآية: كل ما أَعطيته عبدا من عبادى قلَّ أَو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة: اهـ. وفسره عكرمة بالكسب الحرام. ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾: أَي ونسوقه يوم القيامة فاقدا البصر على الحقيقة، حتى يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ وكان كذلك لأنه لم ينتفع بما أَعطاه الله من بصر ينظر به في آيات الله. وقيل: عَمَاهُ كناية عن عدم اهتدائه إِلى حجة تنفعه، أَو إِلى حيلة يدفع بها العذاب عن نفسه. ١٢٥ - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: أي قال هذا الذي حشره الله أعمى يوم القيامة - قال - في حيرة وحسرة: يا رب لأَي سبب حشرتنى أعمى وقد كنت في الدنيا بصيرًا أَرى كل شيءٍ، فيأْتيه الجواب حينئذ من قبل الله فيما يحكيه بقوله: ١٢٦ - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: أَي مثل ذلك العمى الذي جئتَ به في الآخرة كنت أَعمى في الدنيا، فقد جاءَتك آياتنا فعَمِيتَ عنها، وتركتها كالشيءِ المنسى الذي لا يخطر بالبال، فاليوم نجازيك مثل عملك، فنجعلك أَعمى عن الاهتداءِ إِلى حجة تنفعك، ونتركك في حيرتك وعماك ترك المنسى، وندفع بك إِلى النار لتَصْلى عذابها وتتلظى بنارها، ولهذا قال سبحانه عقب هذه الآية: ١٢٧ - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾: أَي وبمثل ذلك الجزاءِ العادل نجازى كل من أَسرف على نفسه في ارتكاب المعاصي وترك الإيمان بربه، ولم ينظر في الآيات التي نصبها في الأنفس والآفاق، ولم يعمل بشرعه

стр. 2841

أَرسل به رسله، حيث نجعله أَعمى في الآخرة، لا يهتدى إلى سبيل النجاة من عذابها، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى من عذاب الدنيا. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ المفردات: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾: أَفَلَمْ يتبين لهم ما يدلهم على الهدى. ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾: لأَصحاب العقول الراجحة. ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: أَي لكان عقابهم لازمًا لا يتأَخر عنهم. التفسير ١٢٨ - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ … ﴾ الآية. أَي أَغفل هؤُلاء المعرضون من أَهل مكة عن ذكر الله، فلم يتبين لهم خبر من أَهلكنا قبلهم من أهل القرون الماضية الذين ضلوا وأغرضوا عن ذكر ربهم، وهم يمشون في مساكنهِم حين أَسفارهم كعاد وثمود الذين يشاهدون آثارهم الدالة على ما كانوا عليه من عظمة وسعة في العيش فلقد أَخذهم الله بذنوبهم، ولم يُغْنِ عنهم ما كانوا فيه من القوة والمنعة - لم يغن عنهم - من عذاب الله شيئًا، وحاق بهم ما كانوا يكسبون، فلو كان هؤُلاءِ أصحاب عقول سليمة لاعتبروا بهؤُلاء السابقين، كما قال سبحانه: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ إن في إهلاك أهل هذه القرون الماضية على كفرهم، لعظات بالغات لأصحاب العقول الراجحة، التي تنهاهم عن الكفر والمعاصي.

стр. 2842

١٢٩ - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: ولولا كلمة سبقت من الله لنبيه ﷺ أنه لا يعذب أُمته في الدنيا بعذاب الاستئصال كما عذبت الأُمم السابقة، ولولا موعد سماه الله لعذابهم وهو يوم القيامة - لولا ذلك - لكان عذابهم العاجل المستأْصل لهم لازمًا محتمًا، لأَنهم سلكوا طريق السابقين في التكذيب والإِنكار، فاستحقوا بذلك العذاب مثلهم، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ المفردات: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: نَزِّه الله وعظِّمْهُ حامدًا له. ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: ساعاته جمع إِنَى كَإِلَى (٢).

стр. 2843

﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: أَي وأَجزاءً منه، جمع طَرَف، وهو الطائفة من الشيءِ - ذكره القاموس والصحاح. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تطل نظرهما بطريق الرغبه والميل. ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أَصنافًا من الكفرة. ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: زينتها وبهجتيا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: لنختبرهم به. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾: ما ادخره الله من الثواب والنعيم في الآخرة. التفسير ١٣٠ - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾: بعد ما أَخبر الله رسوله ﷺ بأَن المكذبين له مستحقون للعذاب الذي حل بمن سبقهم، وأَنه لولا ما سبق من وعد الله له بأَنه لا يعذب أُمته وهو فيهم - بعد هذا كله - أمره الله بالصبر على أَذاهم، وتحمل كل ما يقولونه، فإن عذاب الآخرة نازل بهم لا محالة. والمعنى: فأصبر أَيها الرسول على ما يقوله مشركو مكة الذين أَسرفوا في الكفر بآيات ربك وتكذيبك، فقد توعدناهم بأَجل مسمى ينالون فيه عذابًا أَشد وأَبقى، واشتغل بتسبيح ربك وتنزيهه عن النقائص، واحْمدْه، على ما أنعم به عليك من مختلف النعم، وأَعلاها النبوة والمعونة في تبليغ الرسالة مع معارضة هؤُلاءِ المعاندين، وليكن هذا التسبيح والحمد قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وفي أوقات مختلفة من الليل وأَطراف النهار، رجاءَ أَن يمنحك الله من مزيد التوفيق وعظيم النصر وجزيل الثواب، ما ترضى به نفسك الصابرة على أذاهم، الصامدة في تبليغ الدعوة إِليهم، وفي معنى هذا الوعد الكريم يقول سبحانه في سورة الضحى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وتأَول بعض المفسرين الآية بأَنها إشارة إلى مواقيت الصلوات الخمس، وجعل التسبيح فيها مجازًا عن الصلاة، فكأنه سبحانه يقول: وصل لربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل غروبها، وصلاة العشاء في

стр. 2844

بعض آناء اليل وأوقاته، وصلاتي الظهر والمغرب في أَطراف النهار، فصلاة الظهر في آخر طرف النصف الأول وأول الطرف الثاني، وذلك وقت زوال الشمس عن كبد السماءِ وصلاة المغرب في آخر طرف النصف الثاني منه، ولهذا قال سبحانه (أطراف) بصيغة الجمع، ويصح أَن يراد من الجمع ما فوق الواحد، أي وطرفى النهار، وقت الزوال ووقت الغروب .. ١٣١ - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: بعد ما أمر نبيه ﷺ في الآية السابقة بالصبر على ما يقوله المشركون في حق آيات ربه، والاشتغال عن سفههم بتسبيح ربه وحمده، نهاه في هذه الآية عن التطلع إلى ما هم عليه من زينة الحياة الدنيا، فإنها فتنة لهم. والمقصود من نهيه عن ذلك دوام التنزيه بما هو عليه من عدم التطلع إلى زينة الحياة الدنيا التي يتحلى بها المشركون، وتبصير المؤْمنين بأن ما عليه المشركون من غنى ويسار إِلى زوال، وما هو إلا فتنة لهم، فلا يتطلعون اليه، ولا يهتمون به، وأَن رزق الله ومثوبته على الإِيمان والإيذاء خير مما هم عليه .. والمعنى: قد أغنيتك بطاعتى وآياتى، فاصبر على ما يقولون في شأْنها وشأنك، ودُمْ على ما أنت عليه من عدم النظر إِلى ما متعنا به أَمثالا من المشركين متزاوجين - أَي متماثلين في الغنى والجاه، حيث أَعطيناهم زهرة الحياة الدنيا وزينتها، لنفتنهم في هذا المتاع، فهو إلى زوال، وما يرزقك الله في الدنيا من النصر والفتح والغنائم، وفي الآخرة من الثواب على الصبر وقلة المبالاة بدنياهم، أَبقى مما هم عليه من الثراء والجاه الفانى، وعلى المؤْمنين أن يقتدوا برسولهم فيما هو عليه من الزهد في دنياهم وعدم التطلع إِليها، فسيرزقهم الله في دنياهم وأُخراهم ما هو أَجدى عليهم وأَبقى مما يتمتع به المشركون: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).

стр. 2845

١٣٢ - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾: يرشد الله نبيه ﷺ في هذه الآية إلى أن يأمر أهله بالمداومة على أَداء الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها المحددة لها، ليكون في ذلك إرشاد لأُمته فتعلم أنها مأْمورة بذلك بطريق الأَولى. والمعنى: وأمر أهلك أيها الرسول بالصلاة، واصطبر أَنت على أَدائها وملازمتها، ونحن حين نكلفك بالصلاة لا نسألك أن ترزق نفسك، نحن نكفل رزقك فنحققه لك وأَنت تقوم بها، وذلك بتهيئة أَسبابه، وإعانتك على تحصيله، فأنت وسعيك ورزقك من صنع ربك، فلن تعوقك الصلاة المفروضة عن تحصيله في وقت الفراغ، والعاقبة المحمودة لأَهل التقوى الذين يصلون، وعلى ربهم يتوكلون وهم يعملون. وقد ائتمر أصحاب رسول الله ﷺ ، بما أمر الله رسوله وأهله، فكانوا يصلون كما يصلى، ويفزعون إليها في ضيقهم، كما يفزع، أخرج الطبرانى في الأَوسط وأبو النعيم في الحيلة، والبيهقى في شعب الإيمان بسند صحيح عن عبد الله بن سلام قال: (كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ … ﴾ الآية. وأخرج مالك والبيهقى عن أسلم قال: (كان عمر بن الخطاب يصلى من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلى حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ ". ويصح أن يراد من أهل الرسول من آمن به من المؤمنين، كما في قوله تعالى للوط: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ (١).

стр. 2846

﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ المفردات: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا﴾: لولا حرف يفيد الحث على تحقيق ما بعده مثل هلَّا. ﴿بِآيَةٍ﴾: بمعجزة تدل على صحة ما يدعو إليه. ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: المراد بالصحف الأولى: الكتب السماوية السابقة، وفي جملتها التوراة والإِنجيل، والمراد بما فيها ما اشتملت عليه من قصص الأَنبياءِ والأَحكام المشتركة بين الرسالات، والمراد ببينة ما في الصحف الأُولى: القرآن، فكونه مشتملا على ما جاءَ فيها يجعله آية واضحة على نبوته ﷺ لأَنه أُمىّ لا علم له بما جاءَ فيها. ﴿نَذِلَّ﴾: نُهان. ﴿وَنَخْزَى﴾: ونفتضح. ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾: منتظر. ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾: الطريق المستقيم. التفسير ١٣٣ - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ … ﴾ الآية. أَي وقال الكافرون لرسول الله ﷺ إِنكارا. لما جاءهم به من البينات: هلا يأْتينا بمعجزة تدل على صدقه في دعوى الرسالة، مثل ما جاءَ به غيره من الرسل لأَقوامهم من المعجزات الحسية التي شاهدوها، وهم بهذا القول قد بلغوا الغاية في العناد والمكابرة، حيث أَنكروا آية الآيات ومعجزة المعجزات، وهو القرآن الكريم فلهذا رد الله عليهم بقوله:

стр. 2847

﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. أَي أَقالُوا ذلك ولم تأْتهم بينة ما في الكتب السماوية الأُولى، ممثلة في القرآن الكريم، فإن اشتماله على ما جاءَ فيها من قصص وعبر وعقائد وأَحكام يعتبر آية بينة على أَنه رسول من عند الله، فإِنه أُمى لا يقرأُ ولا يكتب، ولا صلة له بأَهل الكتاب، فضلا عما اشتمل عليه من أَعلى درجات الفصاحة التي لا يستطيع البشر أَن يأْتوا بمثلها، وقد تحداهم أَن يأْتوا بسورة منه فعجزوا، أَولم يقنعهم ذلك في كونه معجزة حتى يطلبوا معجزة أُخرى سواه وقد فات أَوان المعجزات المادية، وجاءَ أَوان المعجزة العلمية الباقية بقاءَ الزمان ولهذا قال ﷺ : "مَا مِنَ الأَنبياءَ نبيٌّ إِلا أُعطى من الآيات ما مثُله آمن عليه البشر، وإِنما كان الذي أَوتيتُه وحيًا أَوحاه الله إِلىَّ فأَرجو أَن أَكونَ أَكثرَهم تابعًا يوم القيامة" (١) وقد كانت للنبي معجزات غير القرآن كانشقاق القمر وغيره، ولكن التحدى لم يقع إِلا به، ولهذا تكفل الله بحفظه ليبقى آية للرسالة المحمدية الباقية إلى يوم القيامة، أَما المعجزات المادية فلا بقاءَ لها. ١٣٤ - ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾: أَي: إِنا بعثنا محمدًا إليهم، وأَيدناه ببينة ما في الصحف الأُولى وهو القرآن، ولو أَنا أَهلكناهم بشركهم ومنكراتهم من قبل محمد أَو من قبل إِتيان البينة، لقالوا محتجين: ربنا هلَّا أَرسلت إلينا رسولا يدعونا إِلى الهدى والرشاد فنتبعه من قبل أَن نذل في الدنيا بالهوان والإِهلاك، ونفتضح بظهور جرائمنا في الآخرة على رءُوس الأَشهاد في المحشر، وبالعذاب المهين في نار جهنم. ١٣٥ - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾: قل أَيها الرسول لهؤلاءِ المشركين المتمردين على الحق - قل لهم -: كل منا ومنكم منتظر ما يؤول إليه أَمره في الآخرة، فانتظروا فستعلمون عن قريب من هم أَصحاب الطريق السوى الذي لا عوج فيه، ومن اهتدى من الضلالة، هل هم المؤمنون بالقرآن العاملون بآياته، أَم هم الذين كفروا به وصدوا عن سبيله، وسيتبين لكم ذلك قريبًا بنصر من اهتدى إِلى طريق رحمة ربه، على من ضلَّ عنه إِلى طريق عذابه، أَو يتبين لكم ذلك عند الموت أو يوم القيامة وكل آت قريب - والله أَعلم.

стр. 2848

سورة الأنبياء من السور المكية، وعدد آياتها اثنتا عشرة ومائة، وسميت بذلك لاشتمالها على كثير من قصص الأنبياءِ، وبيان أَحوالهم مع أُممهم، وما لاقوا منهم من عنت وتكذيب، جاءَت في إطار المنهج المكى العام من الدعوة إلى عقيدة التوحيد، وذم عقيدة الشرك، وتوبيخ المشركين على إعراضهم عن الذكر، وعلى دعواهم تنافى النبوة والبشرية، والإخبار بأن الله أهلك كثيرًا من الأمم المكذبة لرسلها عقابًا لهم. وقد اشتملت على آيات الله في السماوات والأرض، وبيان أنه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. وأَن المشركين ليس لديهم برهان على مشروعية شركهم ولا على صحته، وأَن التوحيد عقيدة جميع المرسلين، وأن من اتخذوهم أَولادًا لله ليسوا كذلك، بل هم عباد مكرمون، كما بينت أَن السموات والأرض كانتا شيئًا واحدًا ففصل الله بينهما، وسيأتى بيان ذلك في موضعه، كما بينت أنه تعالى حفظ الأرض من الاضطراب بالجبال، وأنه جعل السماءَ فوقنا كالسقف، وحفظها من السقوط ومن العيوب، وخلق الليل والنهار والشمس والقمر، فكيف يعبدون غيره، وأَن الخلائق جميعًا سوف يموتون، وإِلى الله يرجعون، وعابت على المشركين استهزائهم بالرسول لِنَهْيِهِ إياهم عن عبادة آلهتهم، وتوعدتهم على تكذيبهم بيوم القيامة الذي سيأْتى الناسَ بغتة، ثم بيَّنت أنه تعالى سيضع الموازين يوم القيامة، فيقضى بين الناس بالحق، ولا يظلمهم مثقال حبة من خردل، ثم تحدثت عن أَنه تعالى آتى موسى وهارون التوراة ضياءً وذكرًا للمتقين، وآتى محمدًا ذكرًا مباركًا فكيف ينكرونه، ثم حكت قصة إبراهيم مع قومه وأنه حطم أصنامهم، وسفَّه أحلامهم فرجعوا إِلى الحق، ثم لم يلبثوا أن عادوا إلى وثنيتهم ونصرة آلهتهم، وأَنهم حكموا بقتله إحراقا بالنار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، فهاجر مع لوط إلى الأرض المباركة، ووهب الله له حال حياته إسحق ويعقوب بن إِسحق ﵈، ثم عقَّبتْ قصته بقصة لوط فنوح فداود وسليمان، فأَيوب فإسماعيل فذى النون فزكريا ويحيى فمريم وعيسى ﵈، لعلَّ المشركين يعتبرون بما جاء فيها من عظات، ويرجعون عن شركهم وعنادهم،

стр. 2849

وبعد أن حكت السورة قصص الأنبياء وبينت أنهم جميعًا على ملة واحدة، وهى ملة التوحيد، وأنه تعالى ربهم جميعًا، فلا يحل لهم أن يعبدوا سواه، ونعت على الأمم تفرقهم في الدين، ما بين موحد ومشرك، وبينت أنهم راجعون إليه للجزاء ثم وصفت أَهوال القيامة، وسوء جزاء الكافرين، وحسن جزاء المؤمنين، وبينت أَنه تعالى كتب في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، وأَنه أرسل محمدًا رحمة للعالمين، وتوعدتهم على الكفر به، وانتهت بقوله تعالى حكاية عن رسوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وفي شأنها أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال: "بَنُو إِسْرَائيلَ والكهفُ ومريمُ وطه، والأنبياء هُنَّ من العتاق الأُول، ومن تلادى" يريد من قديم ما كتب وحفظ من القرآن، كالمال التِّلاد - أي القديم، يعنى أَنها من أوائل ما نزل من القرآن، حيث نزلت بمكة.

стр. 2850

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ المفردات: ﴿حِسَابُهُمْ﴾: أي زمن حسابهم وهو يوم القيامة. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: منصرفون عن التفكير في عاقبتهم. ﴿ذِكْرٍ﴾: ما يذكرهم من القرآن بواجبات ربهم. ﴿مُحْدَثٍ﴾: جديد حديث النزول. ﴿يَلْعَبُونَ﴾: يسخرون ويستهزئون. ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: متغافلة بما يلهيها. ﴿النَّجْوَى﴾: المسارَّاة في الحديث وإخفاؤه. ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: تخاليط في رؤى المنام.

стр. 2851

﴿افْتَرَاهُ﴾: اختلقه من عند نفسه. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: المراد من القرية المُهلَكة أهلُها. التفسير ١ - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾: المراد من الناس هنا: المشركون، فهم الموصوفون بأَنهم في غفلة وإِعراض عن يوم الحساب وبأَنهم يستمعون الذكر وهم معرضون لاهية قلوبهم، وبقولهم عن الرسول والقرآن: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. والمعنى: قَرُبَ ودنا للمشركين يوم حسابهم - يوم القيامة - وحالهم أَنهم في غفلة عنه، معرضون عن القرآن الذي يذكرهم به، فهم بدنياهم مغرورن، وبأُخراهم مكذبون، ولسوف يندمون حين يرون أَنهم في العذاب محضرون. والتعبير عن وقت حساب الناس في الآخرة بأَنه قريب لهم، لأن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة إِلى ما مضى منها قليل، ولهذا كانت رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات ونُبُوَّتُهُ خاتمة النبوات، ومن أجل ذلك قال ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" (١) وأشار إِلى أصبعيه الوسطى والإبهام التي تليها، أي أَن بعثته قريبة من الساعة قرب نهاية الإبهام من نهاية الإصبع الوسطى، وقد ظهر من أَمارات قربها أَنك: (تَرَى الْحُفَاةَ العُرَاة العَالة رِعَاء الشاء يتطاولون في البنيان) كما جاء في الحديث النبوى الصحيح، وأن الأرض تزينت وظن أهلها أَنهم قادرون عليها، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٢) على أن الموت هو القيامة الصغرى، وهو منهم قريب، وحينئذ يعرفون حالهم ومآلهم. ٢ - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٣): هذه الآية مبينة لمدى إِعراضهم عن يوم الحساب الذي هو قريب منهم، وعن الحق الذي قامت به الحجة عليهم.

стр. 2852

والمعنى: ما يأتى هؤلاءِ المشركين شئٌ من القرآن مُذكِّرٌ لهم من ربهم، حديث النزول مع جبريل، إلَّا في حال لهوهم ولعبهم بعباراته، حيث يقدحون فيه ويعترضون عليه، وينكرون ما جاءَ به، جهلًا منهم بمكانته من الحق، ومنزلته من الصدق، ولو أن هؤلاء تذكروا بمواعظ القرآن، لتحققوا من الآخرة وقربها، ولطابت نفوسهم بالتوبة والعمل لأُخراهم، ولم يركنوا إِلى زخارف دنياهم، ولكنهم كما قال الحسن: كلما جُدِّد لهم الذكر، استمروا على الجهل. ٣ - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (١) وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: أي أَن مشركى مكة كلما أُنزل إِليهم شئٌ من القرآن حَدِيث النزول، يذكرهم بما يجب لله من صفات الكمال، وبأنهم سوف يحاسبون على أعمالهم، لا يستمعون إِلاَّ وهم عابثون مستهزئون، ساهية قلوبهم معرضة عن ذكر الله متشاغلة عن التأمل والتعقل فيما تنتهى إِليه دنياهم، وما هم منتهون إليه من عذاب السعير، وفي معنى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (٢). ثم أطلع الله نبيه على مؤامرتهم فقال: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣): أَي وبعد أن غمرتهم الغفلة وأعرضوا مستكبرين لاهين مكذبين بالبعث والحساب، أَخفى هؤلاءِ الطاغُون تناجيهم ومسارتهم حين يثبطون المؤمنين ويَصُدُّون الناس عن الإِسلام، بِتنْقِيص الرسول وتكذيبه، وإثارة النفوس عليه، حتى ينفروا منه، ويعرضوا عن دعوته، يقولون لهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: الاستفهام للنفى المشوب بالتعجب، أي ما هذا إلاَّ بشر مثلكم، فهو واحد منكم، وليس من الملائكة، فكيف تسمعون له وتطيعونه، إِنه يريد أن يتميز عليكم ويتزعمكم، فليس بنبى ولا رسول كما يقول لكم، ومثلهم في هذا مثلُ قوم نوح، حين قال بعضهم لبعض: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ (٤).

стр. 2853

ثم زادت قريش في غلوها، فزعمت أَن القرآن سحر، وأن محمدًا يسحر به عقول الناس فقالوا منكرين على المؤمنين اتباعه: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: والاستفهام في الآية لاستنكار مجئِ الناس لسماعه، وتسْفيه المؤمنين وتوبيخهم على إيمانهم به. والمعنى: ما لكم تتوجهون إلى السحر وتطيعون صاحبه؟ وأنتم ترون بأعينكم أَنه بشر وتدركون بعقولكم ما يوثِّر بسحره على الضعفاءِ من قريش، فيفرق به بين الوالد وولده، وبين الرجل وأَهله، وغاب عنهم أن الحق أَقوى من السحر، وأَنه هو الذي فرق بين أَهل الهدى وأهل الضلال خوفًا من عدْواهم أو من ظلمهم وعدوانهم، وما محمد بساحر ولا عرف السحر، وما القرآن إلَّا رحمة للعالمين. ٤ - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: قرئ ﴿قَالَ﴾ بصيغة الماضى و (قُلْ) بصيغة الأمر، وقد أفاد مجموع القراءَتين، أَنَّ النبي ﷺ أَمره ربه أن يقول هذا القول ردا على مزاعمهم في نجواهم، وأَنه امتثل فقاله لهم. والمعنى: قال محمد لمن تناجوا واستَخْفَوْا بأحاديثهم طعنًا في رسالة النبي ﷺ ، قال محمد لهم: ربي يعلم قول كل قائل في السماوات والأرض، وهو عظيم السمع محيط العلم، فكيف لا يعلم سركم ونجواكم؟ ويعاقبكم على صدكم عن سبيله، وكفركم بكتابه ورسوله، وما أنتم في ملكه وملكوته وفي دائرة علمه وانتقامه إِلَّا شئٌ قليل. ولم يكتف هؤلاء الظالمون بما زعموه في حق القرآن من كونه سحرًا، بل تخبطوا في وصفه ووصف رسوله، كما حكاه الله بقوله سبحانه: ٥ - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: الأضغاث في الأَصل: الحشائش والأعشاب اختلط يابسها برطبها، أَي: أن رسالة محمد في نظرهم أَحلام مختلطة رآها في نومه، حملته على أَن يتوهم ما توهم، ويقول ما قال ولا حقيقة في الواقع لما ادعاه، ولا تأْويل له كما لا تُؤَوَّل الأَحلام المختلطة، ومن كان كذلك فلا ينبغي أن يصدق أَو يتبع، ثم أضْربُوا عن هذه الفرية، حين رأَوها هـ

стр. 2854

أمام عظمة القرآن وبلاغته، فزعموا أَنه افتراه بفصاحته، ونسبه وحيًا إلى الله، ثم اشتد تخبطهم فعدلوا إلى وصفه بأنه شاعر يجيد صوغ الشعر، ويحسن سبكه ويسحر ببلاغته من يسمعه، حتى يحمله على اتباعه، متجاهلين أَن محمدًا الذي نشأَ بين أظهرهم لا يعرف الشعر ولم يزاوله في حياته: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (١). وفي الطبرى أن هذه الدعاوى المفتراة، والمزاعم المختلفة على رسول الله ﷺ كانت لطوائف من المشركين لكل طائفة فريتها التي كفرت بها. يقول ﵀ في تفسير الآية: "ما صدقوا بحكمة القرآن ولا أَنه من عند الله، ولا أقروا بأَنه وحى أَوحاه الله إلى محمد ﷺ بل قال بعضهم: هو أهاويل رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم: هو فرية واختلاق افتراه على الله، واختلقه من قِبَل نفسه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر وهذا الذي جاء به شعر" اهـ. وهذا التنقل في أَباطيلهم ومفترياتهم مع علمهم أَنه على الحق، ناشئ عن استكبارهم وعنادهم، حتى قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٢). وصدق الله العظيم إِذ يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣). ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: أَي إن كان محمد صادقًا فيما ادعاه من أن الله بعثه للناس رسولًا، وأَنزل معه كتابًا، وأن الذي يتلوه وحى يوحى إليه من الله، ويريدنا على تصديقه فليؤيد قوله بمعجزة كونية تدعم دعواه، كمن سبقه من المرسلين، مثل إِحياء الموتى وإِبراء الأكمه والأَبرص على يد عيسى، وكعصا موسى، وناقة صالح وغيرها، فإن فعل ذلك آمنا به وصدقناه، ودعونا الناس لدعوته، وأعناه على تبليغ رسالته. ٦ - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: لما اقترحوا على الرسول ﷺ أن يأتى بآية تثبت لهم نبوته كمعجزة صالح وموسى وعيسى وغيرهم من المرسلين نزل قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أَي أَن أي قرية أَهلكناها كانت غير مؤمنة فاقترح أَهلها آيات كالتى تريدها

стр. 2855

قريش فلما جاءتهم لم يؤمنوا، وسنة الله أَنه إِذا أَجاب أُمة إِلى ما اقترحت من آيات ثم لم تؤمن أخذها أَخذ عزيز مقتدر. ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: الاستفهام فيه للإِنكار والاستبعاد، فمعنى: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أَن قريشًا لا يؤمنون إِن جئناهم بالآيات التي أَرادوها، وحينئذ يحق عليهم من العذاب والهلاك ما حق على الأَولين، فلهذا لم نجبهم إِلى ما طلبوا، لأنهم سيؤمنون بدونها، وينتشر بهم الإسلام وفقًا لمشيئتنا. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ المفردات: ﴿رِجَالًا﴾: أَي بشَرًا لا ملائكة. ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: المراد بهم هنا: أهل الكتاب.

стр. 2856

﴿جَسَدًا﴾ الجسد: جسمُ الإنسان خاصة كما قاله الخليل، وعممه صاحب القاموس في الإنس والجن والملَك، وهو المناسب للآية. ﴿صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْد﴾: بنصرهم على أعدائهم. ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾: الكافرين. ﴿ذِكْرُكُمْ﴾: وعظكم أو شرفكم. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: تتدبرون وتتعظون. ﴿وَكَمْ﴾: كم خبرية تفيد الكثرة. ﴿قَصَمْنَا﴾: القصم الكسر مع تفريق الأجزاء أَي: أهلكنا. ﴿أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾: أدركوه بالحاسة أي: عاينوا العذاب الشديد الذي يوشك أن ننزله بهم. ﴿يَرْكُضُونَ﴾: يفرون هاربين، وأَصل الركض: استحثاث الفرس برجلي الراكب ليسرع في جريه. ﴿مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾: ما وسع الله عليكم فيه من مختلف النعم. ﴿دَعْوَاهُمْ﴾: دعوتهم. ﴿جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا﴾: أَهلكناهم جميعًا فكانوا كالزرع المحصود. ﴿خَامِدِينَ﴾: ميتين، والخمود أصلًا للنار، يقال: خَمَدَتِ النَّارُ أَي: - هَمَدَت وَطُفِئَتْ، شبه ذهاب أَرواحهم بخمود النار. التفسير ٧ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: هذه الآية رد على ما زعموه من أنه لا يصح أن يكون الرسول بشرًا؛ حسبما يقتضيه قولهم السابق: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إِلى الأُمم التي سبقت أُمتك، إِلا رجالًا من البشر مثلك، نوحى إِليهم على لسان الملك ما نوحيه من العقائد الحقة والشرائع اللائقة بحالهم وزمنهم وبقصص الأَنبياء الذين سبقوهم مع أُممهم، كما نوحى إِليك، فما بالهم ينكرون عليك الرسالة لأنك بشر، ولست في ذلك بدعًا من الرسل، فكلهم من البشر. والواقع أَنهم يجادلون بالباطل، فهم على علم بأَن الرسول لا يكون إِلَّا بشرًا، إِذ أَنهم يقرون برسالة إبراهيم وإسماعيل، ولهذا يحجون البيت الحرام الذي بنياه، ويزعمون أنهم على شريعتهما، ولقد عاملهم الله بجهالتهم ومغالطتهم، فقال لهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أَي فاسأَلوا أَيها الجاهلون المفترون على رسالة محمد، اسأَلوا أَهل الكتاب عن الرسل: أَبشرًا كانوا أَم ملائكة، إن كنتم لا تع

стр. 2857

حال الرسل السابقين؟ فالمراد بأَهل الذكر: أَهل الكتاب، فإِنهم مع عداوتهم للرسول لا يستطيعون إنكار بشرية الرسل، فإِن موسى صاحب التوراة من البشر، وهذا شئٌ لا يستطيع اليهود المجاورون للمشركين إِنكاره، وقيل: أَهل الذكر: هم أَهل القرآن، ورد ابن عطية هذا الرأْى بأنهم كانوا خصومهم فكيف يسألونهم. ٨ - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: بعد أن بيَّنَ القرآن أَن سنة الله في الرسل أن يكونوا بشرًا، بيَّن ما فيهم من بقية صفات البشر فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: أي وما جعلنا الرسل الذين أَرسلناهم إِلى الأُمم الماضية جسدًا لا يأْكلون الطعام كما هو شأْن الملائكة الذين تريدون رسولكم منهم، ولكن جعلناهم بشرًا مثله، يأكلون الطعام كما يأكل، وما كانوا باقين أَبدًا في الحياة الدنيا، بل هم إلينا راجعون كسائر البشر. ومع كون الآية مقررة لما قبلها فهى رد على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ويقول الآلوسى في تفسيرها: (والظاهر أَنهم يعتقدون في الملائكة الحياة الأبدية كاعتقاد الفلاسفة فيهم، وحاصل المعنى على هذا جعلناهم أجسادًا متغذية صائرة إلى الموت حسب آجالهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون ولا يموتون حسبما تزعمون) انتهى بتصرف يسير. ٩ - ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: ثم وفينا بوعدنا لرسلنا السابقين بالنصر على عدوهم، وحقت كلمتنا لهم، فأخذنا الأُمم الذين عصوهم وعتوا عن أَمر ربهم بالعذاب بعد أَن أجبناهم إلى الآيات التي طلبوها فكفروا بها، فأَنجينا رسلنا ومن أَردنا نجاته من المؤمنين - أَنجيناهم مما أخذنا به أممهم الكافرة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وأَهلكنا الذين أَسرفوا على أنفسهم بالكفر والتمادى في الضلال، هذه أنباءُ من قبلكم وتلك عاقبتهم فما لكم تعرِّضون أنفسكم لمثل ما نزل بهم بانتهاجكم نهجهم، وسيركم في طريقهم.

стр. 2858

١٠ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..... ﴾ الآية. التنوين في ﴿كِتَابًا﴾ للتعظيم، والمعنى: لقد أنزلنا على رسولنا كتابًا عظيمًا، فيه تذكير وموعظة لكم، كما أن فيه عزكم وشرفكم، إن آمنتم به، وصدقتم من بلَّغه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١): أَي شرف لمن اتبعه، وعمل بما جاءَ به. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أَي ألا تتفكرون فلا تعقلون، وفيه معنى الأمر، أَي تَفَكَّروا لكي تدركوا فيم يكون خيركم؟ وفيه الإشارة إلى أَن من أعرض عما جاء به الرسول فلم يُعْمِلْ عقله فيه، ولم يتدبر أمره، موسوم بعدم التعقل وقلة التبصر، وهو ما لا يليق بعاقل، ومثله في المعنى قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢). وهل يعرض عن داعية الشرف والاتعاظ عاقل؟ ١١ - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: هذه الآية وما بعدها لتفصيل ما أُجمل في قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ وبيان لكيفية إهلاكهم. والمعنى: إن سنتنا التي لا تتغير هي أَن نأْخذ الجاحدين بالآيات إِذا ما لجُّوا في ضلالهم وكثيرًا من الأُمم قصمنا أي: أَهلكناها إهلاكًا تامًا، ودمرناها تدميرًا كاملًا. فالمراد بالقرية أَهلها على حد: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وتلك القرى التي أَهلكناها كانت ظالمة لنفسها بكفرها ومعاصيها، ظالمة للرسل والمؤمنين بالتكذيب والاضطهاد، وملاحقتهم بالكيد والإيذاء، وأنشأْنا بعد إهلاك هذه القرى الظالمة قومًا آخرين ليسوا منهم، حلوا في أَماكنهم، وسكنوا قراهم، والظاهر أَن هذه القرى المهلكة لا يراد بها قرى معينة، وقيل: إِن المراد بها قرية باليمن تسمى "حضور" قتل أَهلُها نبيَّهم، فانتقم الله منهم أَبلغ انتقام لبلوغهم في الكفر أبشع ما يكون وهو قتل الأَنبياء، والرأى الأول هو الظاهر، فإن لفظ: ﴿كَمْ﴾ يدل على كثرة القرى المهلكة فكيف يُرَادُ به قريةٌ واحدة بعينها؟.

стр. 2859

١٢ - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾: وهذا بيان لحالهم حين حلول العذاب بهم. أي: فلما أدركوا عذابنا الشديد وشعروا بوقوعه بهم، وأحسوه بحواسهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾: وأصل الركض؛ ضرب الراكب دابته برجله لتسرع، أَي: أَنهم ركبوا دوابهم وركضوها - ظنا منهم أنها تنجيهم من أخذ الله وعذابه (١)، أَو هو على تشبيههم في فرارهم بالراكض يسرع طلبًا للنجاة، فجعلوا كأَنهم يستنهضون أَنفسهم حثّا لها على السرعة والتماسًا للنجاة من عذاب لا مفر منه أبدًا" (٢). ١٣ - ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾: أَي: قيل لهم هذا، والقائل إما من الملائكة، وإما من المؤمنين، أَو أَن من يراهم يقول بلسان الحال هذا المقال: لا تسرعوا في عَدْوِكم، وعودوا إِلى مقر نعمتكم ومواطن ترفكم الذي أَبطركم حتى جحدتم وكفرتم، وأَقيموا في مساكنكم ووطئوا مجالسكم، كما اعتدتم، لعل أتباعكم يَمثُلُون بين أَيديكم، ويسألونكم عما تأمرونهم به لينفذوه، أَو لعلكم تُسْألون عن باعث هذا العذاب عليكم، وسبب نزوله بكم، أو لعلكم تسأَلون أَن تؤمنوا كما كنتم تسألون قبل نزول البأْس بكم، فتسارعون إلى الإيمان طلبًا للنجاة، وكل ذلك على سبيل التهكم والسخرية بهم، وفي الآية آراءٌ أخرى، وحسب القارئ ما تقدم. وهذا الفرار منهم أبْلَغ في الجهل وأَبعد عن السداد، إِذ أنهم يقيسون أخذ الله القادر القاهر بأَخذ الناس للناس فظنوا الهرب منجيًا، فهربوا فلاحقهم عذاب الله. ١٤ - ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي أن أهل هذه القرى الظالمة لما أَحسوا بأْسنا وعذابنا، ركضوا وأسرعوا طلبًا للنجاة وقالوا - نادمين - يندبون نهايتهم: يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لرسلنا ولآيات ربنا ولأنفسنا، فحق علينا قول ربنا، وهكذا يندم الظالمون بعد فوات الأوان، ويتحسرون ويعترفون بخطاياهم حين وقوع العقاب، وسوف ينتهون بعده إلى عذاب دائم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار﴾ (٣).

стр. 2860

١٥ - ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾: الدعوى هنا بمعنى الدعاء والنداء، والمقصود بها قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي أَنهم ظلوا يولولون مرددين هذه الدعوة، قائلين: يا هلاكنا قد جاء أَوانك؛ فقد كنا ظالمين لأنفسنا بما أَشركنا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وما زالوا يرددون دعوتهم هذه حتى أتم الله إهلاكهم وإفناءَهم وكانوا كالزرع المحصود الذي انقطعت صلته بالحياة، وأَصل الخمود: انطفاءُ النار بعد اشتعالها، فشبه موتهم بعقاب الله بعد حياتهم ونشاطهم - شبه - بخمود النار بعد اشتعالها فتصبح لا ضوء لها ولا دخان ولا حرارة بعد أن تحولت إلى رماد. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ المفردات: ﴿لَاعِبِينَ﴾: أَي عابثين بدون حكمة. ﴿لَهْوًا﴾: اللهو كل ما يتلهى ويتسلى به.

стр. 2861

﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾: نرمى به عليه. ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: فيصيبه ويقهره. ﴿زَاهِقٌ﴾: هالك فانٍ. ﴿الْوَيْلُ﴾: الهلاك والعذاب. ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾: بسبب وصفكم لربكم. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: وَلا يَمَلُّونَ وَلا يَتعبون. ﴿يَفْتُرُونَ﴾: يَعيَوْنَ ويضعفون. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾: بل اتَّخذوا؟. ﴿يُنْشِرُونَ﴾: يُحْيُون الموتى. ﴿لَفَسَدَتَا﴾: لخربتا واختلَّ نظامهما. التفسير ١٦ - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: عقب الله - سبحانه - إخماد الظالمين وإِهلاكهم، واستخلاف قوم آخرين مكانهم بهذه الآية ليشير بها إلى أَن أفعاله تعالى لا تَخلو عن الحكمة، وأن إهلاك الظالمين عين الحكمة، لكفرهم وظلمهم، وقد أَفادت الآية الكريمة أن ما بين السماوات والأرض شئٌ عظيم يقتضى الإشارة إِليه، وإن لم يصل العلماءُ بعد إلى تفصيله، وإن عرفوا بعضه كالأشعة الكونية والجاذبية والهواء. والمعنى: وما خلقنا السماوات والأَرض وما فيهما وما بينهما من الكائنات والعناصر والعوالم التي لا يعرفها بحقائقها وأوصافها إلا نحن - ما خلقنا ذلك عابثين لمجرد التلهى بل خلقناها مشحونة بالآيات والعجائب، ليتعرف علينا عبادنا بآياتنا، ولمصالح دنيوية وأُخروية، وحكم علوية ظاهرة وخفية، وسيتجلى ذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين. ١٧ - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: هذه الآية مقررة لما قبلها من انتفاء اللهو واللعب في خلق السماوات والأرض وما بينهما، كما أَنها منزهة له تعالى عما زعمه المشركون من أن الأصنام بنات الله، وما زعمه النصارى من أن لله زوجة وولدًا هما مريم وعيسى ﵇، وما زعمه اليهود من أن عزيرا ابن الله، تَعَالىَ اللهُ عَمَّا يقُولُونَ عُلُوًا كَبِيرًا.

стр. 2862

يقول الإمام الواحدى: اللهو: طلب الترويح عن النفس. ثم المرأة تسمى لهوا وكذا الولد، لأنه يُسْترْوَحُ بكل منهما، ولهذا يقال لامرأة الرجل وولده: رَيْحَانَتَاه. والمعنى: لو أَردنا أن نتخذ لهوا من النساء أو الأولاد، لاتخذناه من عندنا مما نصطفيه ونختاره (١)، لا كالذين زعمتموهم، لأَن ولد الوالد وزوجته يكونان عنده لا عند غيره. انتهى بتصرف. وتفسير اللهو بالولد مَرْوِيٌ عن ابن عباس والسدى، وتفسيره بالمرأة مروى عن قتادة، وفسر الجبائى الآية بقوله: لو أَردنا اتخاذ اللهو لاتخذناه من عندنا، بحيث لا يطلع عليه أَحد، لأنه نقص فَسَترُهُ أَولى، انتهى. وقد أَفادت هذه الجملة أَنه تعالى يستحيل عليه اتخاذ زوجة أو ولد بأَى صورة في السماءِ أَو في الأَرض، لأَنه تعالى يستحيل عليه أَن يشتغل باللهو، فكل أَفعاله تتسم بالجد والحكمة، ولذا ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أَي أننا لا نفعل ذلك لكونه مستحيلا في حقنا. ١٨ - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ … ﴾ الآية. ليس من شأْننا التلهى والعبثُ بل شأْننا الحق والجد، ولهذا نقذف الباطل بالحق فيدمغه، ويذهب به، ويقضى عليه ويدمره. ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾: هالك زائل، وفي التعبير بالقذف الذي لا يكون إلا في الأجسام الصلبة - عادة - من حجر ونحوه، وبالدمغ الذي أَصله إصابة الدماغ وهو مقتل، وبالزهوق الذي هو خروج الروح من الجسد إِبراز للمعنوى في صورة المُحَسِّ المشاهد، وفي ذلك أبلغ تصوير لغلبة الحق على الباطل حتى يمحقه ويمحوه. قال الزمخشرى في كشافه: "بل" للإِضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه تعالى لذاته كأَنه قال: تنزيهًا لنا أَن نتخذ اللهو واللعب من عادتنا، فموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح أن نَغْلِبَ اللهو بالجد، وندحض الباطل بالحق. اهـ.

стр. 2863

﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: المخاطبون بذلك ابتداءً هم الكفار من أهل مكة، ولأَمثالهم في كل حين مالهم من الويل الشديد، و"مِنْ" في قوله ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ تعليلية، و"ما" مصدرية أي بسبب وصفكم الله تعالى بما لا يليق بجلاله سبحان، ويجوز أَن تكون "ما" اسما موصولا، والمعنى: ولكم الويل من الذي تَصفون الله به مما يجب تنزيههُ عنه من اتخاذ الصاحبة والولد كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (١). ١٩ - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: بينت الآيات السابقة فساد الأديان التي تزعم أن لله ولدا، كما توعَّدت أولئك الزاعمين بإِبطال مزاعمهم، ونَصْرِ الحق على باطلهم حتى يزهق، وأَن الله تعالى سوف يعاقبهم على افترائهم، وجاءَت هذه الآية لبيان كمال استغنائه عن الولد المزعوم وعن طاعتهم، فإنه سبحانه يملك من في السماوات والأرض، وكل من عنده خاضعون لربوبيته. والمعنى: ولله من في السماوات والارض من سكانهما، وما فيهما من سائر المخلوقات، له تعالى كل ذلك خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا، وإحياءً وإماتة وتعذيبًا وإثابة، دون شريك له فيه، ومَنْ عنده في مكانة الشرف والكرامة من الملائكة، لا يستكبرون عن عبادته وطاعته في كل ما يأْمرهم به، ولا يَمَلُّون ولا يتعبون، فأى حاجة لله تعالى في أن يتخذ ولدًا وهو تام الاستغناءِ عن الولدية، وأَى ضرر أَصابه بعبادتكم لغيره؟ والتعبير عن الملائكة بأَنهم عنده سبحانه، على سبيل التمثيل بِجَعْلِ منزلتهم في الشرف ورفعة الجاه كمنزلة المقربين مكانًا من الملوك، ونَفْيُ استكبارهم عن العبادة، مشعِرٌ بالتعريض بمن كفر من الناس واستكبر على عبادته. ولما بين الله في هذه الآية أَن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته الشاملة لكل أَنواع الخضوع لأوامره وتعظيمه وتنزيهه، عقبها بالتنويه بحال من أحوال عبادتهم فقال سبحانه: ٢٠ - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾: فقد بين سبحانه في هذه الآية حالا من أَحوال خضوع الملائكة لله، وأَنهم لا تشغلهم عبادته والخضوع له فيما يأْمرهم به من شئون الكون عن دوام تسبيحه.

стр. 2864

والمعنى: ومَنْ عند الله من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والخضوع لأَوامره، فهم يسبحونه ليلا ونهارًا لا ينقطعون، والمقصود من ذكر الليل والنهار الدوام، سواءٌ كان عندهم ليل ونهار أَو لم يكن، ولا يمنعهم هذا التسبيح الدائم من قيامهم بما يكلفهم الله به، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فالتسبيح لهم بمنزلة التنفس لا يشغلهم عنه شاغل. ٢١ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: بهذه الآية بدأَ التقريع والتوبيخ لمن اتخذوا آلهة لهم غير الله تعالى، وحرف (أَمْ) هنا إِما بمعنى (هل) الاستفهامية الإنكارية - كما جنح إِليه بعض المفسرين - والإنشار بمعنى الإحياءِ. والمعنى على هذا: هل اتخذ المشركون آلهة من الأرض همْ يُنْشِرون الموتى، ويعيدونهم أَحياءً، كلا فإِنهم لا يقدرون أَن يدفعوا الفناءَ عن أنفسهم، فكيفْ ينْشِرُون غيرهم ويحيونهم، فلماذا عبدوهم؟ وإِما أَن تكون (أمْ) بمعنى بل والهمزة، فكأنه قيل: بل اتَّخَذُوا، وتكون (بل) للإضراب الانتقالى عن النقاش السابق، إلى تقريع الكفار وتوبيخهم على اتخاذ آلهة عاجزين. والمعنى على هذا: بل أتَّخَذَ المشركون آلهة من هذه الأرض هم يعيدون الموتى إلى الحياة، كلاَّ فهم أَعجز ما يكونون عن ذلك. وعلى أَي التقديرين في تفسير حرف (أَمْ) فمآل المعنى واحد كما هو واضح مما قدرنا ووصف آلهتهم التي اتخذوها بكونها من الأرض لتحقيرها، وتوبيخ عابديها على تركهم رب السماوات والأرض الذي هو يحيى ويميت إلى آلهة حقيرة لا قدرة لها على إحياء الموتى. ٢٢ - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: بعد أَن بين الله فيما تقدم هوان آلهتهم وعجزها، ووبخهم على عبادتها معه سبحانه جاءَت هذه الآية الكريمة، لكي تقيم الدليل العقلى على وحدانيته تعالى.

стр. 2865

والمعنى: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله تدبر شئونهما وتصرف أَمرهما لفسدتا؛ وذلك لأن شأن التعدد الاختلاف والتغالب، وأَن يفسد كل من الآلهة عمل الآخر، وبما أن المشاهد هو صلاح السماوات والأرض وبقاؤهما منذ بدء الخليقة على هذا النظام البديع والتدبير المحكم، فإن ذلك يدل أَوضح دلالة على أن خالقهما ومدبرهما هو إِله واحد. والآية الكريمة تشير إلى برهان عقلى يسمى برهان التمانع والتعارض بين إِرادات الآلهة المتعددين، وشاهد صحة هذا البرهان في الحياة، أَن الأمة لا يصلح أَمرها إلا بملك واحد، فإن تعددت ملوكها فسد الأمر فيها، والجسد الواحد لا يصلح أَمره إِلا بقلب واحد، فإِنْ تعددت القلوب فسد الجسم، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ كما أن الأسرة لا يصلح أمرها إِلا برئيس واحد، فإن تعدد الرؤساءُ فيها فسد، والمصنع لا يديره إِلا رئيس واحد، فإن تعدد رؤساؤه تعارضوا وفسد الأمر فيه، وهكذا كل أَمر في الحياة لا يصلح إِلا بإرادة واحدة رشيدة فعالة مسيطرة، ليس لها معارض يفسد عليها تدبيرها، ولهذا نزه الله تعالى نفسه عما يقوله المشركون عن شركائهم بقوله في نهاية الآية: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أي فيترتب على هذا البرهان الواضح تنزه الله صاحب العرش والسلطان المطلق عن وصف هؤلاءِ المشركين إِياه بأَن له شركاءَ تستحق العبادة معه، إذ أَنهم جميعا في ظل سلطانه وتحت عرشه وفي قبضة ملكه، وكرم ربوبيته. وهذه الجملة مع إفادتها تنزيه الله تعالى عما يدَّعيه المشركون، فقد أَفادت التعجب من عبادتهم هذه المعبودات الخسيسة، وفي عدها شريكة لرب العرش العظيم. ولعلماء العقيدة براهين أُخرى، وحسب القارئ ما قدمناه. ٢٣ - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾: استئناف مبين لما يقتضيه تفرده سبحانه بالألوهية وعظمة الربوبية، وهو أَن يكون سائلا لعباده عما يفعلون لا مسئولا منهم عما يفعله فيهم، يقول العلامة الزمخشرى في

стр. 2866

تفسير هذه الآية: "وإذا كانت عادة الملوك أَلا يسالهم مَنْ في مملكتهم عن أفعالهم، وعما يُورِدُون ويُصْدِرُون من تدبير ملكهم تهيبا وإِجلالا مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم، كان مَلِك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورأزقهم أَولى بألا يُسْأل عن أفعاله، مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله معقول، ومرتبط بدواعى الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأُ ولا فعل القبيح" انتهى بتصرف يسير. أَما العباد فإنهم يُسألون بمقتضى عبوديتهم وتكليفهم بطاعته سبحانه، والعمل بشرائعه التي شرعها لهم على ألسنة رسله، وبمقتضى ما منحهم من عقول صالحة لتمييز الحق من الباطل، والخير من الشر والنفع من الضر، وفي جملة من يسأَلهم الله من عباده من أشركوهم معه كالمسيح والملائكة، فكيف تصلح معبوداتهم للعبادة وهم مسئولون للإِله الواحد . ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ المفردات: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾: بل أتخَذُوا. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: أَحضروا دليلكم.

стр. 2867

﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾: أَي ما في القرآن من التوحيد ونفى الشريك ذكرُ من اتبعنى. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: ممن تقدمنى من أهل الأديان السماوية. ﴿وَلَدًا﴾ أَي: من الملائكة على ما يزعمون. ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: لا يتكلمون إلا بأَمره. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: يعلم ما عملوا وما سيعملون. ﴿لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: لا يشفعون إلا لمن يأذن الله لهم فيه. ﴿مُشْفِقُونَ﴾: خائفون على أنفسهم مراقبون لربهم. التفسير ٢٤ - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ...... ﴾ الآية. "أَم" هي المنقطعة المفيدة معنى (بل والهمزة) جاءَت للانتقال من إظهار بطلان ما اتخذوه آلهة في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا .... ﴾ الآيتين، إلى تأكيد بطلان ذلك الاتخاذ، والهمزة التي تضمنتها أَم لإِنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه، وتكرار هذا مع ما سبق، لتأْكيد استقباح حالهم، واستنكار كفرهم باتخاذ الشريك لله سبحانه، ومزيد توبيخهم على ذلك، فكأَنه قال: ما أَشد قبح ما فعلتموه من اتخاذ آلهة لا حول لها ولا قوة، بل هي في حكم العدم. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: أَي قل لهم - يا محمد - ردًا عليهم وتفنيدًا لمزاعمهم: أحضروا برهانكم ودليل صدقكم على مُدَّعاكم، عقليا كان أَو نقليا. والمقصود من طلب البرهان على صحة شركهم تعجيزهم وتحديهم والسخرية بمزاعمهم، إِذ لا يوجد برهان عليه عقلا، كما أَشار إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ولوضوح عجز هؤلاء الشركاءِ عن حماية أَنفسهم مما يضرهم أو أن يجلبوا لأنفسهم ما ينفعهم، فكلهم تحت سلطانه تعالى.

стр. 2868

كما أَنه لا يوجد دليل نقلى على جواز شركهم، وإِليه يشير قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: أَي هذا التوحيد الذي دعوتكم إِليه، هو ذكر مَن معى من أُمتى، وذكر من قبلى من الرسل وأُممهم، فهو شريعة الله في جميع الرسالات، ولم يختص به الأُمة المحمدية. ويصح أن يكون المعنى: هذا القرآن تضمن وَعْظ الله لأُمتى، ووعظه سبحانه لأُمم الأنبياء والمرسلين قبلى، فاقرءُوا الكتب السماوية كلها، وانظروا هل تجدون في أَحدها ما يخالف الآخر في عدم مشروعية الشرك؟ ثم انتقل الأُسلوب القرآنى من الخطاب إلى الغيبة بطريق الإِضراب الانتقالى، في ختم الآية بقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أَن هؤلاءِ المشركين لا يجدى تبكيتهم على عقيدة الشرك التي لا يوجد لأحد عليها دليل عقلى ولا نقلى، فدَعْ مطالبتهم بالبرهان، فإنهم لا يعقلون أَن الشرك لا برهان له، فلهذا لا يفرقون بين الحق والباطل ولا يميزون بينهما، فتراهم يعرضون عن الحق دون تأمل. والتعبير بأكثرهم لأن فيهم من اهتدى إِلى معرفة الحق، ثم آمن به مقبلا عليه متفانيًا في سبيل الدفاع عنه. ٢٥ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: بيَّن الله في الآيات السابقة بطلان عقيدة الشرك عقلا ونقلا، وجاءَت هذه الآية لتؤكد ذلك ولتبين أن عقيدة التوحيد، كانت عقيدة الرسل التي أَوحاها الله إِليهم، قال قتادة: لم يرسل الله نبيا إِلا بالتوحيد، وإن اختلفت الشرائع. انتهى بتصرف يسير. والمعنى: وما بعثنا قبلك يا محمد رسولا إِلى أمته بشريعة من شرائعنا إلا أَوحينا إليه فيها أَنه لا إِله لهم سواى، فاعبدوني أَنتم وجميع أُممكم ولا تعبدوا أَحدًا غيرى. ٢٦ - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾: تحكى هذه الآية جناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها، بعد بيان تنزهه عن الشريك مطلقا، وسبب نزول هذه الآية أن حيا من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله،

стр. 2869

ونقل الواحدى: أن هذه العقيدة ليست قاصرة عليهم، بل قالها معهم قريش وجهينة وبنو سلامة وبنو مليح، وأَخرج ابن المنذر وابن أَبي حاتم عن قتادة قال: قالت اليهود إن الله تعالى صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة، فنزلت. وأيا كان سبب النزول فالآية الكريمة تظهر شناعة هذا القول وقائليه من هؤلاءِ وغيرهم كالنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، واليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وجميع من قالوا: الملائكة بنات الله، وكما تشنع هذه الآية على عقائدهم فيهم، تبين صفة هؤلاء عند الله وهى العبودية دون النبوة. والمعنى: وقال فريق من الناس: اتخذ الرحمن له ولدًا يشاركه في الأُلوهية، وليس الأمر كما زعم هؤلاءِ الزاعمون، بل هؤلاء الذين زعموهم له أَولادا ما هم إلا عباد مقربون عند الله، مكرمون منه، لصفاءِ عبادتهم لربهم، وإخلاصهم لربهم، ولفظ الولد يطلق على الواحد وكذا المتعدد كما هنا، ولهذا جاءَت بعده صيغة الجمع في قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي: بل الولد الذين زعموهم لله هم عباد مكرمون عنده. ٢٧ - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾: أي أن من زعموهم أَولادًا لله لا يسبق قولهم قوله تعالى، ولا يعملون إلا بأمره كما هو شأن العبيد المطيعين لسيدهم المنقادين له، فهم تابعون لمولاهم في أَقوالهم وأَفعالهم دائِما، ثم بيَّن السر في أَدبهم هذا بقوله: ٢٨ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: أي أن هؤلاءِ الذين زعموهم أَولادًا، في غاية الطاعة له، لأَنه سبحانه يعلم جميع أحوالهم المستقبلة والماضية، فلهذا يراقبونه تعالى ويخشونه، ويطيعونه في أمرهم كله ولا يتقدمون للشفاعة لأحد إِلا لمن ارتضى أَن يُشْفَعَ له من المؤمنين العصاة دون الكافرين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. أخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقى في البعث، وابن أَبي حاتم عن ابن عباس في بيان من يرتضى الله الشفاعة لهم: "مَن قَالَ لَا إلهَ إلاَّ الله" فهو يرى أَن الشفاعة

стр. 2870

لعصاة المؤمنين ولو كانوا من أَهل الكبائر، وشفاعتهم تكون بطلب الغفران لهم من ربهم في الدنيا أَو في الآخرة. ومعنى وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: أنهم مع كرامتهم على الله خائفون من وقوع أَي تقصير منهم في طاعته، مشفقون من تبعاته، وما ذلك الإشفاق والخوف إِلا من شدة خوفهم منه وإِجلالهم لمقام الله تعالى. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ المفردات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾: أَي مرتوقتين ومتصلتين ليس بينهما انفضال، والرتق في الأصل: الضم والسَّدُّ، يقال: رتق الفتق من باب نَصَرَ، رَتقًا ورُتوقًا إذا سده.

стр. 2871

﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: الفتق، الشق، وهو ضد الرَّتْق، يقال: فَتَق الشيءَ (١) أي: شَقَّه وفصل بعضه عن بعض. ﴿فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي فيها جبال ثوابت. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾: لئلا تضطرب اضطرابًا يختل به توازنها. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾: الفَجُّ، الطريق الواسع، والجمع فجاج، مثل: سَهْم وسهام، وسُبُلٌ: جمع سبيل وهو الطريق، يذكر ويؤنث. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ﴾: المراد بها هنا المُظلة للأَرض. قال ابن الأَنبارى: تذكر وتؤنث، وقال الفراءُ: التذكير قليل. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾: الفَلَكُ محركةً: مدار النجوم والكواكب. والجمع: أَفلاكٌ وفُلُكٌ بضمتين. ﴿يَسْبَحُونَ﴾: أي يسرع كل منهما في مداره كالسابح في الماء، وجمع الضمير مع أَنه راجع إلى الشمس والقمر، لأن الجمع قد يستعمل فيما فوق الواحد (٢). التفسير ٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ .... ﴾ الآية. أَي ومن يقل من الملائكة على نفسه إني إِله أعْبَدُ من دون الله تعالى ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾: أَي فذلك القائل الذي يُفْرَضُ صدور هذا القول منه، نجزيه أشد العذاب، وننزل به أَقسى النكال لا تغنى عنه صفاته السنيَّة، ولا أعماله المرضية، وهذا فرض غير واقع لعصمة الملائكة. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أَي مثل هذا الجزاءِ الفظيع نجزى الظالمين الواضعين للأُلوهية والعبادة في غير موضعهما، أَو نجزى الذين يتجاوزون الحد، فيضعون الأشياءَ في غير مواضعها، ويتعدون أَطوارهم في شئونهم الدينية.

стр. 2872

٣٠ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ..... ﴾ الآية. تشير الآية إلى تجهيل الكفار بتقصيرهم في التفكر والتدبر في الآيات الكونية الدالة على قدرة الله الباهرة، واستقلاله بالألوهية، وقهره لجميع المخلوقات، وأنها جميعًا تحت سلطانه العظيم. والمعنى: أَعميت بصائر الذين كفروا ولم يعلموا من الشواهد والآيات أَو من الكتب السماوية أَن السماوات والأرض كانتا قبل فصلهما كيانًا واحدا لا انفصال فيه بينهما، حيث كانتا دخانًا في بدءِ خلق الله لهما فشقه وفصل بينهما. روى عكرمة والحسن وقتادة وابن جبير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: إن السموات والأَوض كانتا شيئًا واحدًا ملتزقتين، ففصل الله تعالى بينهما، ورفع السماءَ إلى حيث هي، وأقر الأَرض (١). ويقول ابن كثير في تفسيرها: أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، وجعل السماوات سبعًا والأَرض سبعًا. انتهى بتصرف يسير واختصار. وتقول لجنة الخبراء في تعليقها على هذه الآية بالتفسير المنتخب، ما خلاصته: إِن هذه الآية تقرر معانى علمية، أيدتها النظريات الحديثة في تكوين الكواكب والأَرض، وهى أَن السماوات والأَرض كانتا في الأَصل متصلا بعضها ببعض على شكل كتلة متصلة متماسكة ثم انفصلتا، واستُدل على ذلك بأدلة علمية عديدة. اهـ. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: تلك آية أخرى من آيات القدرة العظيمة، أي: وخلقنا من الماء الميت كل ما فيه حياة، كما أنه محتاج إِلى الماءِ في استمرار حياته وبقائها، إذ هو عنصر هام في إِبداع وغذاء وتنمية كل شيء حى - إنسانًا كان أَو حيوانًا أَو نباتًا - أَي: أن كل ما في الكون مما يتصف بالنمو لا يستغنى عن الماءِ، وإِلا لحقه الفناءُ والدمار، ولذلك كان جديرًا أَن يَمُنَّ به سبحانه على خلقه، لأنه من أَفضل النعم على الخلق وأَولاها بالتقدير والاعتبار.

стр. 2873

﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: إنكار عليهم لعدم التصديق بما يشاهدون من الآيات التي تتصل بالآفاق والأَنفس، مع دلالتها على تفرده - جل شأْنه - بالأُلوهية. بمعنى: أيرَوْنَ ذلك مشاهدة ومتكررا في كل شيء حى فلا يؤمنون بمبدعه، وكان عليهم أن يسارعوا إِلى الإيمان به، وقد شاهدوا آياته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ٣١ - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ..... ﴾ الآية. أَي: وجعلنا بقدرتنا في الأرض جبالا ثوابت تحفظ توازنها لئلا تضطرب بهم اضطرابا لا يعقبه ثبات، فلا يكون للناس عليها قرار بسبب ذلك، أَما الميْدُ بسبب الزلازل ونحوها فإن الآية لا تأبى وقوعه، لأنه مَيْدٌ يعقبه ثبات واستقرار. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أَي وجعلنا في الأرض جميعها، سهولها وجبالها وهضابها طرقا واسعة، لكي يهتدوا بها إلى مصالحهم ومهماتهم، وذكرت الآية ﴿سُبُلًا﴾ بعد أَن ذكرت قبلها فجاجًا، بيانًا للفجاج ودفعا للإبهام عنها، لأن الفج قد يكون مَسلُوكا وقد لا يكون، ولتدلَّ ضمنا على أَن الله خلق الفجاج ووسعها رعاية للسَّابلة الذين يسلكونها ورحمة بهم. وقيل: إن المعني وجعلنا في الجبال طرقا واسعة ليسلك الناس فيها ويعبروا من قطر إِلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم، فقد يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وتلك البلاد، فيجعل الله فيه فجوة واسعة ليسلك الناس فيها من هنا إلى هناك. ويصح أَن يكون المراد من قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَن يهتدوا بذلك إِلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والرحمة، أَو ما يعم الاهتداءَ إلى ذلك والاهتداءَ إِلى البَصَر بفضل الله عليهم، وبما يسره لهم من تبادل المنافع التي فيها صلاح أَمرهم، وتقويم شأْنهم. ٣٢ - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾: هذه آية أُخرى من آيات الألوهية الدالة على وجود الصانع، وكمال قدرته، أي: وجعلنا السماء المُظلة للارض كأَنها قبة عليها، جعلناها سقفا محفوظًا بقدرتنا من أن يقع على

стр. 2874

الأرض، مرفوعا عنها بدون عَمَد ظاهرة يرتكز عليها، ودعائم يستند إِليها، وذلك كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (١). فقد أمسكها الله تعالى بقوانين تقتضى حفظها مرفوعة في الفضاء بقدرته، إلى أن يشاء الله انفطارها، وانتثار كواكبها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢). وقيل: وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا بالملائكة أَو بالنجوم من أَن يسترق الشياطين السمع، ودليله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (٣). وقيل: سقفًا محفوظًا من الفساد والانحلال إِلى الوقت المعلوم الذي تطوى فيه السماءُ كَطَيِّ السجلِّ للكتب، وقد روى ذلك عن قتادة. ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾: أَي وهم عن آيات السماء الدالة على الوحدانية وكمال القدرة ذاهلون لا يتدبرون في ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، ونجومها وكواكبها، ورياحها وسحابها وغيرها، ولو تأملوها أدنى تأمل لهداهم التأمل إِلى الإيمان واليقين، ولكنهم آثروا الإعراض عنها والبقاء على ما هم عليه من كفر وضلال. ٣٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .... ﴾ الآية. هذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون، جاء على طريق الالتفات من التكلم فيما سبق إِلى الغيبة هنا، لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام الذي يُذَكِّرهم الله فيه بأنه جل شأنه هو الذي خلقهن وحده، لخيرهم ومنفعتهم، فخلق الليل ليسكنوا فيه، حتى يستريحوا من مشاق العمل ومتاعبه، وخلق النهار لينصرفوا مع إشراقته إلى الدأب والسعى لتحصيل أَرزاقهم التي يسرها الله لهم، وجعل الشمس آية النهار ليستضيئوا بها وينعموا بدفئها، وجعل القمر آية الليل ليهتدوا بنوره المستمَدِّ من ضوء الشمس، ولهما أثرهما النافع في حياة النبات ونموه وخُضرته وإيتاء أُكُلهِ، وبهما يعلم عدد السنين والحساب.

стр. 2875

﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أَي كل واحد من الشمس والقمر يدور في مداره في الفضاء لا يرتكز على شيء، ولا يهوى في الفضاء، كالسابح الماهر، يشق الماء، ولا يسقط في قاعه وكذلك شأن سائر النجوم والكواكب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وأسند دورانهما إلى ضمير جماعة العقلاءِ، تنزيلا لهما منزلتهم، في انتظامهما فيما سخرهما الله من أَجله، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، واسْتُحسن ليناسب فواصل الآيات، والتعبير عن دورانهما بالسباحة لشبهه بها، من حيث إِن دورانهما في الفضاء دون أَن يسقطا، يشبه سباحة السابح الماهر في الماءِ دون أَن يسقط في القاع. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ المفردات: ﴿الْخُلْدَ﴾: البقاءُ الدائم. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملة المختَبر. ﴿فِتْنَةً﴾: محنة وابتلاءً. التفسير ٣٤ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..... ﴾ الآية. نزلت الآية حين قال المشركون: نحن نتربص بمحمد ريب المنون ضيقا بدعوته، وكانوا يدفعون نبوته وينكرونها، ويقولون: إنه شاعر، وسيموت كما مات شاعر بنى فلان.
следующие страницы →