﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: الفتق، الشق، وهو ضد الرَّتْق، يقال: فَتَق الشيءَ (١) أي: شَقَّه وفصل بعضه عن بعض.
﴿فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: أي فيها جبال ثوابت.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾: لئلا تضطرب اضطرابًا يختل به توازنها.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾: الفَجُّ، الطريق الواسع، والجمع فجاج، مثل: سَهْم وسهام، وسُبُلٌ: جمع سبيل وهو الطريق، يذكر ويؤنث.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ﴾: المراد بها هنا المُظلة للأَرض. قال ابن الأَنبارى: تذكر وتؤنث، وقال الفراءُ: التذكير قليل.
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾: الفَلَكُ محركةً: مدار النجوم والكواكب.
والجمع: أَفلاكٌ وفُلُكٌ بضمتين.
﴿يَسْبَحُونَ﴾: أي يسرع كل منهما في مداره كالسابح في الماء، وجمع الضمير مع أَنه راجع إلى الشمس والقمر، لأن الجمع قد يستعمل فيما فوق الواحد (٢).
التفسير
٢٩ - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ .... ﴾ الآية.
أَي ومن يقل من الملائكة على نفسه إني إِله أعْبَدُ من دون الله تعالى ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾: أَي فذلك القائل الذي يُفْرَضُ صدور هذا القول منه، نجزيه أشد العذاب، وننزل به أَقسى النكال لا تغنى عنه صفاته السنيَّة، ولا أعماله المرضية، وهذا فرض غير واقع لعصمة الملائكة.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أَي مثل هذا الجزاءِ الفظيع نجزى الظالمين الواضعين للأُلوهية والعبادة في غير موضعهما، أَو نجزى الذين يتجاوزون الحد، فيضعون الأشياءَ في غير مواضعها، ويتعدون أَطوارهم في شئونهم الدينية.
стр. 2872
٣٠ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا ..... ﴾ الآية.
تشير الآية إلى تجهيل الكفار بتقصيرهم في التفكر والتدبر في الآيات الكونية الدالة على قدرة الله الباهرة، واستقلاله بالألوهية، وقهره لجميع المخلوقات، وأنها جميعًا تحت سلطانه العظيم.
والمعنى: أَعميت بصائر الذين كفروا ولم يعلموا من الشواهد والآيات أَو من الكتب السماوية أَن السماوات والأرض كانتا قبل فصلهما كيانًا واحدا لا انفصال فيه بينهما، حيث كانتا دخانًا في بدءِ خلق الله لهما فشقه وفصل بينهما.
روى عكرمة والحسن وقتادة وابن جبير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: إن السموات والأَوض كانتا شيئًا واحدًا ملتزقتين، ففصل الله تعالى بينهما، ورفع السماءَ إلى حيث هي، وأقر الأَرض (١).
ويقول ابن كثير في تفسيرها: أي كان الجميع متصلا بعضه ببعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، وجعل السماوات سبعًا والأَرض سبعًا. انتهى بتصرف يسير واختصار.
وتقول لجنة الخبراء في تعليقها على هذه الآية بالتفسير المنتخب، ما خلاصته: إِن هذه الآية تقرر معانى علمية، أيدتها النظريات الحديثة في تكوين الكواكب والأَرض، وهى أَن السماوات والأَرض كانتا في الأَصل متصلا بعضها ببعض على شكل كتلة متصلة متماسكة ثم انفصلتا، واستُدل على ذلك بأدلة علمية عديدة. اهـ.
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: تلك آية أخرى من آيات القدرة العظيمة، أي: وخلقنا من الماء الميت كل ما فيه حياة، كما أنه محتاج إِلى الماءِ في استمرار حياته وبقائها، إذ هو عنصر هام في إِبداع وغذاء وتنمية كل شيء حى - إنسانًا كان أَو حيوانًا أَو نباتًا - أَي: أن كل ما في الكون مما يتصف بالنمو لا يستغنى عن الماءِ، وإِلا لحقه الفناءُ والدمار، ولذلك كان جديرًا أَن يَمُنَّ به سبحانه على خلقه، لأنه من أَفضل النعم على الخلق وأَولاها بالتقدير والاعتبار.
стр. 2873
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: إنكار عليهم لعدم التصديق بما يشاهدون من الآيات التي تتصل بالآفاق والأَنفس، مع دلالتها على تفرده - جل شأْنه - بالأُلوهية.
بمعنى: أيرَوْنَ ذلك مشاهدة ومتكررا في كل شيء حى فلا يؤمنون بمبدعه، وكان عليهم أن يسارعوا إِلى الإيمان به، وقد شاهدوا آياته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
٣١ - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ..... ﴾ الآية.
أَي: وجعلنا بقدرتنا في الأرض جبالا ثوابت تحفظ توازنها لئلا تضطرب بهم اضطرابا لا يعقبه ثبات، فلا يكون للناس عليها قرار بسبب ذلك، أَما الميْدُ بسبب الزلازل ونحوها فإن الآية لا تأبى وقوعه، لأنه مَيْدٌ يعقبه ثبات واستقرار.
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أَي وجعلنا في الأرض جميعها، سهولها وجبالها وهضابها طرقا واسعة، لكي يهتدوا بها إلى مصالحهم ومهماتهم، وذكرت الآية ﴿سُبُلًا﴾ بعد أَن ذكرت قبلها فجاجًا، بيانًا للفجاج ودفعا للإبهام عنها، لأن الفج قد يكون مَسلُوكا وقد لا يكون، ولتدلَّ ضمنا على أَن الله خلق الفجاج ووسعها رعاية للسَّابلة الذين يسلكونها ورحمة بهم.
وقيل: إن المعني وجعلنا في الجبال طرقا واسعة ليسلك الناس فيها ويعبروا من قطر إِلى قطر، ومن إقليم إلى إقليم، فقد يكون الجبل حائلا بين هذه البلاد وتلك البلاد، فيجعل الله فيه فجوة واسعة ليسلك الناس فيها من هنا إلى هناك.
ويصح أَن يكون المراد من قوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَن يهتدوا بذلك إِلى الاستدلال على التوحيد وكمال القدرة والرحمة، أَو ما يعم الاهتداءَ إلى ذلك والاهتداءَ إِلى البَصَر بفضل الله عليهم، وبما يسره لهم من تبادل المنافع التي فيها صلاح أَمرهم، وتقويم شأْنهم.
٣٢ - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾:
هذه آية أُخرى من آيات الألوهية الدالة على وجود الصانع، وكمال قدرته، أي: وجعلنا السماء المُظلة للارض كأَنها قبة عليها، جعلناها سقفا محفوظًا بقدرتنا من أن يقع على
стр. 2874
الأرض، مرفوعا عنها بدون عَمَد ظاهرة يرتكز عليها، ودعائم يستند إِليها، وذلك كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (١). فقد أمسكها الله تعالى بقوانين تقتضى حفظها مرفوعة في الفضاء بقدرته، إلى أن يشاء الله انفطارها، وانتثار كواكبها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢).
وقيل: وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا بالملائكة أَو بالنجوم من أَن يسترق الشياطين السمع، ودليله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (٣).
وقيل: سقفًا محفوظًا من الفساد والانحلال إِلى الوقت المعلوم الذي تطوى فيه السماءُ كَطَيِّ السجلِّ للكتب، وقد روى ذلك عن قتادة.
﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾: أَي وهم عن آيات السماء الدالة على الوحدانية وكمال القدرة ذاهلون لا يتدبرون في ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، ونجومها وكواكبها، ورياحها وسحابها وغيرها، ولو تأملوها أدنى تأمل لهداهم التأمل إِلى الإيمان واليقين، ولكنهم آثروا الإعراض عنها والبقاء على ما هم عليه من كفر وضلال.
٣٣ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .... ﴾ الآية.
هذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون، جاء على طريق الالتفات من التكلم فيما سبق إِلى الغيبة هنا، لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام الذي يُذَكِّرهم الله فيه بأنه جل شأنه هو الذي خلقهن وحده، لخيرهم ومنفعتهم، فخلق الليل ليسكنوا فيه، حتى يستريحوا من مشاق العمل ومتاعبه، وخلق النهار لينصرفوا مع إشراقته إلى الدأب والسعى لتحصيل أَرزاقهم التي يسرها الله لهم، وجعل الشمس آية النهار ليستضيئوا بها وينعموا بدفئها، وجعل القمر آية الليل ليهتدوا بنوره المستمَدِّ من ضوء الشمس، ولهما أثرهما النافع في حياة النبات ونموه وخُضرته وإيتاء أُكُلهِ، وبهما يعلم عدد السنين والحساب.
стр. 2875
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: أَي كل واحد من الشمس والقمر يدور في مداره في الفضاء لا يرتكز على شيء، ولا يهوى في الفضاء، كالسابح الماهر، يشق الماء، ولا يسقط في قاعه وكذلك شأن سائر النجوم والكواكب ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وأسند دورانهما إلى ضمير جماعة العقلاءِ، تنزيلا لهما منزلتهم، في انتظامهما فيما سخرهما الله من أَجله، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، واسْتُحسن ليناسب فواصل الآيات، والتعبير عن دورانهما بالسباحة لشبهه بها، من حيث إِن دورانهما في الفضاء دون أَن يسقطا، يشبه سباحة السابح الماهر في الماءِ دون أَن يسقط في القاع.
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
المفردات:
﴿الْخُلْدَ﴾: البقاءُ الدائم. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملة المختَبر.
﴿فِتْنَةً﴾: محنة وابتلاءً.
التفسير
٣٤ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..... ﴾ الآية.
نزلت الآية حين قال المشركون: نحن نتربص بمحمد ريب المنون ضيقا بدعوته، وكانوا يدفعون نبوته وينكرونها، ويقولون: إنه شاعر، وسيموت كما مات شاعر بنى فلان.
стр. 2876
وكان نزولها تسلية للنبي ﷺ ، وبيان أن ما تمنوه له لَاحِق بهم.
والمعنى: وما كان من سنتنا أن يخلد أَخد من قبلك، لا من الأنبياء ولا من المرسلين، ولا من سائر البشر، لكون ذلك مخالفا للحكمة التكوينية التي قدر الله فيها أن يكون لكل حَيٍّ أَجل ينتهى عنده، ثم يبعث الله الموتى ليحاسبهم على ما كانوا يعملون، فلا شماتة في الموت فهو ضريبة القهار على جميع عباده، ولهذا قال سبحانه:
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: أَي أفإن مت بمقتضى حكمتنا فَهُمُ الخالدون حتى يشمتوا بعدك في موتك، كلا، فليسوا بمنجاة من الموت، فإن الموت واقع بهم لا محالة.
وفي معنى ذلك قال الإِمام الشافعى ﵀:
تمنَّى رجال أن أَموت وإن أَمُتْ … فتلك سبيل لست فيها بأَوحدِ
فَقُلْ للذى يبغى خلاف الذي مضى … تزود لأُخرى مِثْلِهَا فكأن قد
٣٥ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ........... ﴾ لآية.
هذه الآية تؤكد المقصود من الآية السابقة ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾.
والمعنى: كل نفس يحدث لها الموت، وتذوق مرارة مفارقة الروح للجسد، وهى تختلف شدة وضعْفًا حسب تفاوت الناس إِيمانا وجحودًا، ولعل في التعبير بالذوق إِشارة إلى ذلك.
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾: أَي نعاملكم معاملة المختبر لإظهار ما في نفوسكم من خير أَو شر وذلك بما نختبركم به من الشدة والرخاء، والصحة والمرض وغيرها، مما تحبون أَو تكرهون، فننظر هل تصبرون عند البلاء، وتشكرون عند النعماء، أو تقنطون وتكفرون؟
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء لا إلى غيرنا، لا استقلالا ولا اشتراكا، فنجازيكم حسبما يظهر منكم من عمل ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١).
стр. 2877
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾
المفردات:
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾: أَي ما يتخذونك إِلا مهزوءًا بك ومسخورًا منك، يقال: هزأ منه وبه كَمَنَع وسَمِعَ، هُزْءًا وهُزُءًا بإِسكان الزاى وضمها أي: سَخِر.
﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: يذمها ويعيبها بقرينة المقام. ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾: العَجل والعجلة؛ طلب الشيء وتحريه قبل أَوانهِ وقد يكون ضارا، وفِعْله من باب عَلِمَ.
﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: المراد بالوعد مجئُ الساعة. ﴿لَا يَكُفُّونَ﴾: لا يمنعون.
﴿بَغْتَةً﴾: فجاة. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾: تدهشهم وتحيرهم.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يُؤخَّرُونَ، يقال: نظره: أي تأَنى عليه. وأَنظره: أَخره.
التفسير
٣٦ - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ..... ﴾ الآية.
المعنى: وإذا لقيك الذين كفروا من مشركى مكة كأَبى جهل والنضر بن الحارث وأضرابهما ما يتخذونك إلا مهزوءًا بك، مسخورا منك، مع علمهم بشرف أَصلك
стр. 2878
وعلو قدرك، وكرم خلُقك، وصدق قولك، ويقولون مستنكرين محقرين:
﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: بالسوءِ والعيب. ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: أَي يعيبون على رسول الله ﷺ ذِكْر آلهتهم بالسوءِ من ضعف وعجز، وحالهم أَنهم يكفرون بذكر الرحمن المنعم بجلائل النعم وسوابغ الرحمة على عباده، فهم لا يعترفون باسمه ولا يذكرونه، فأى الفريقين أحق بالاستنكار والتحقير؟ إِنهم بما اقترفوه من كفر وطغيان وسفه هم الأَحقاءُ بذلك، وبأَن يُذْكر صنيعهم بالتسفيه والتقبيح.
٣٧ - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ .... ﴾ الآية.
في هذه الآية صورة بلاغية، حيث جُعل الإنسان الذي خلقه الله من الطين - جُعلَ - كأَنه مخلوق من عَجَل، وذلك لفرطِ عجلته وقلة صبره، ولهذا تراه قد يبادر إِلى الكفر دون نظر إلى عواقبه، ويندفع في طلب أُمور دون النظر في مآلها، وقد يكون فيها ضرره وهلاكه، ومن ذلك ما صنعه النضر بن الحرث حين استعجل العذاب بما حكاه الله عنه بقوله جل شأْنه: ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وكان في ذلك يعبر عن قومه لأنه كان من زعمائهم، ولهذا أُسند القول إليهم وإن كان هو قائله، والعجلة وإِن كانت من طبع الإِنسان، لكن الله جعل لكل غريزة ضوابط من العقل والحكمة، توجهها نحو الخير ومكارم الأخلاق، وتهديها سواءَ السبيل.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾: خطاب للكفار المستعجلين لنزول العذاب والمعنى: سأُريكم آياتى في عذابى الذي أُنزله بكم في حينه، فلا تستعجلون بإنزاله قبل الأجل الذي ضربته له، فإن لكل شيءٍ أَجلا مضروبا. وقد حدث ذلك في غزوة بدر الكبرى، وما تلاها من الانتصارات الساحقة، التي أتمها الله بالقضاء على عبادة الأَوثان وعابديها بالجزيرة العربية.
وقيل: المعنى سأجعلكم تدركون آياتى التي تدل على نبوة محمد ﷺ من المعجزات الباهرة، وما له من العاقبة المحمودة، وسيتحقق وعدى لا محالة، فاتركوا العجلة، لعل الله يشرح صدوركم فتهتدوا.
стр. 2879
٣٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
المعنى: ويقول الذين كفروا: متى وعد الله؟ قصدًا إِلى استبطاء مجئِ الساعة، واستعجال إتيانها بطريق الإنكار والاستهزاء، لا قصدًا إِلى تعيين وقت المجئ، بدليل قولهم للنبي والمؤمنين: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الإخبار عن مجئ الساعة مع ما فيها من هول وعذاب.
وقيل: المراد بالوعد العذاب الذي طلبوه، واستعجلوا وقوعه، والرأى الأول أَولى لأنه هو المناسب للآية التالية، وهى قوله تعالى:
٣٩ - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:
أَي: لو يعلم الذين كفروا ما ينتظرهم يوم القيامة من الشدائد بسبب كفرهم، كما استعجلوه مستهزئين، فإن نار جهنم تحيط بهم من جميع جهاتهم، فلا يستطيعون دَفْعَها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فَضْلًا عن أطرافهم، وسائر بدنهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، فإن حالهم في الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (١). وكقوله سبحانه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٢).
وقيل: لو يعلمون ذلك لما أقاموا على الكفر، ولآمنوا بالله ورسوله، ثم بيَّن الله تعالى أَن وقت الساعة مما لا سبيل إلى علمه فقال:
٤٠ - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ....... ﴾ الآية.
أي: لا يعلم أحد وقت مجيئها غير الله تعالى، بل تَفْجَؤُهُمْ وتبغتهم من غير شعور بوقت مجيئها، فتحيرهم وتدهشم، بما يكون معها من شدائد وأهوال تغلبهم على أَمرهم ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾: فلا يقدرون على رد الساعة عن وقتها الموعود مهما بذلوا من جهد. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: أي ولا هُم يُمهلون ولا يُؤَخرون طَرفَةَ عين، لتوبة أَو اعتذار، بل يُؤخذون بالنواصى والأقدام.
стр. 2880
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
المفردات:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: سخر منهم أَقوامهم - يقال: هزأ منه وبه، كَمَنَعَ وسَمعَ، وَتَهَزَّأَ واستهزأ أَي: سَخِرَ.
﴿حَاقَ بِهِم﴾: أحاط بهم ولزمهم، وفِعْله حَاقَ يحيق كباع، حَيْقًا وحُيُوقًا.
التفسير
٤١ - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
نزلت الآية تسلية للرسول ﷺ وتعْزية له ببيان أَن ما حدث له من سخرية المشركين، حتى قالوا له: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - ما حدث له من ذلك - قد حدث مثله لإِخوانه المرسلين من قبله، وهى مع ذلك وعْد ضمنى من الله بأنه سيصيب المستهزئين به مثل ما أَصاب من سبقوهم من الساخرين برسلهم، لِمَا بَيْنَ جُرْمَيْهِمَا من تشابه وتقارب.
وتصدير الآية بالقَسَم للإيذان بالاهتمام بتحقيق مضمونها، أَي: وبالله لقد استهزئ في زمان قبل زمانك برسل ذوى شأْن خطير، وعدد كثبر، فأَحاط بهم الذي كانوا به يستهزئون، حيث أُهلكوا من أجله، فإذا كان هذا حال إخوانك الرسل مع أُممهم، فليس بِدْعًا ما تراه من هؤلاء المعاصرين من كفار قريش ومن وَالَاهُمْ من سخرية واستهزاءٍ، فاصبر كما صبروا، ولسوف ينصرك الله على قومك يا محمد، كما نصر المرسلين من قبلك على أقوامهم، والعاقبة للصابرين.
المستهزئين بما جاءَهم به من الحق - أن يسألهم - سؤال تقريع وتنبيه إلى نعمه التي أَسبغها وتفضل بها عليهم، حتى لا يغتروا بما يتقلبون فيه من أمن واستقرار، وإِمهال ومطاولة، فقال - جل شأْنه -:
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: أَي قل أَيها النبي لهؤلاء الكافرين: من يحفظكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إِذا تصرفتم - من يحفظكم - من عذاب الله الذي رحمكم بإمهالكم؟ لا أَحد يستطيع أَن يحميكم من نقمته بكم.
ويجوز أن يكون المعنى: من هذا الذي يحفظكم ويحرسكم من نوازل الليل والنهار بدل الرحمن؟ فَمَنْ هم الذين تركنون إليهم، وتتوهمون حفظهم وحراستهم لكم فيهما؟.
وقدم الليل على النهار في الآية، لأن كوارثه أَشد من كوارث النهار، والحفظ منها أَهم، وفي لفظ (الرحمن) تنبيه على أَنه لا يحميهم من عذابه إلَّا رحمته العامة، ولولاها لكانوا أَحقاءَ بتركهم للكوارث تحصدهم حصدًا، وكان عليهم أن يعرفوا ذلك ويشكروه لله ويذكروه، ولكنهم أعرضوا عن آياته، واستهانوا بآلائه، وتمسكوا بما هم عليه من الإِشراك به، كما يقول - جل شأْنه -:
﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي لا يُخْطِرونه ببالهم فهو بعيد عن مجال تفكيرهم ولهذا لا يخافون بأْسه ولا يعتبرون ما هم عليه من الأمن والدَّعَةِ حفظًا وكلاءَة لهم منه.
وإِيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته للإِيذان بأَنهم بلغوا الغاية القصوى في الغى والضلال حين أعرضوا عن شكره وذكره .
فإِن قيل: إنما اتخذوا الآلهة وعبدوها لتُقَربهم إليه زلفى، فهم يعرفون أَنه ربهم، فالجواب: أَن من عرف الله لا يصح أَن يعبد سواه، ولا أن يلجأ إلى ذكر غيره ويعرض عن ذكره، كما فعل هؤلاء، فكانوا بإشراكهم وإعراضهم عنه جاهلين بجنابه - سبحانه.
٤٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا .... ﴾ الآية.
انتقال من بيان جهلهم بكلاءَة الله وحفظه إياهم، وإعراضهم عن ذكره - جل شأْنه - إعراضًا تاما - انتقال من ذلك - إلى توبيخهم لاعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إل
стр. 2883
والمعنى: بل أللمشركينِ آلهة تحفظهم وتحميهم من عذاب يأْتيهم من جهتنا، فهم مُعوِّلُون عليها واثقون بها، كلاّ فهم كما قال الله:
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: وهو استئناف مؤكد لما قبله من الإنكار، وموضح لبطلان اعتقادهم في أَن تستطيع تلك الآلهة أَن تدفع عنهم ما ينزل بهم من شدائد وويلات، حيث إن آلهتهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يجدون من يجيرهم ويدفع عنهم قضاءً من جهتنا، بل هم في غاية العجز، فكيف يتوهم أن ينصروا عابديهم، ويستجيبوا لمن يدعونهم من دوننا.
وقيل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: أُريد به الكفرة، وروى ذلك عن قتادة وابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - على معنى لا يستطيع الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم، ولا يصحبهم نصر من جهتنا.
٤٤ - ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ........ ﴾ الآية.
إِضراب انتقالى عما تدل عليه الآية السابقة من بطلان توهم نصر آلهتهم - إلى الإخبار بأنهم إِنما وقعوا في هذا التوهم الباطل بسبب أَننا متعناهم وآباءَهم بما يشتهون من النعمة وطال عليهم العمر فيها، حتى ظنوا أنها لا تزول عنهم، فافتروا وأَعرضوا عن التدبر والتفكر في آيات ربهم، وبعدوا عن الحق واتبعوا ما سولته لهم أَنفسهم.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: يذكر الله قريشًا في هذه الآية الكريمة بعاقبة الكفرة من حولهم، وأَنهم لما بطروا نعمة الله عليهم وكفروا بها أهلكهم وأزال دولهم، وانتقص الأَرض من حولهم، بتخريبها بعد عمرانها، وكذلك يجزى الله الكافرين.
والمعنى: أَعَمِىَ هؤلاءِ المشركون بمكة فلم يروا أَنا نأتى أرض الكفرة من حولهم، فننقصها من جوانبها، بتخريب مدنها، والقضاء على عمرانها، وإِهلاك أهلها عقابًا لهم على كفرهم بنعم ربهم وآياته، كما حدث لقرى عاد وثمود وقوم لوط وسبإٍ وغيرهم.
﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: أَي أَبَعْدَ خراب مدنهم، وإهلاك أَهلها لكفرهم يعتبرون الغالبين؟ كلاَّ، بل هم المغلوبون، ومصيركم يا معشر قريش سوف يكون كمصيرهم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١).
стр. 2884
٤٥ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ..... ﴾ الآية.
بعد أن بينت الآيات السابقة غاية الهول لأولئك الذين يستعجلون إتيان الساعة، وما يصاحبها من عذاب، ونَعت عليهم جهلهم وإِعراضهم عن ذكر ربهم الذي يحفظهم من نوازل الليل وكوارث النهار - بعد ذلك - جاءت هذه الآية لتعلمهم أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ.
والمعنى: ما أَنا إلا مبلِّغ عن الله ما أُنذركم به من مجئِ الساعة وعذابها بما أَوحاه الله إليّ في هذا القرآن المنزل عليَّ من لدن حكيم عليم، وليس من شأْنى أن آتيكم بما تطلبونه مما ينافى الحكمة التكوينية والتشريعية، وما على الرسول إلاَّ البلاغ.
﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾: من تتمة الكلام الذي أُمر ﵊ أَن يقوله لهم، توبيخًا وتقريعًا، أي أَنهم لطول إعراضهم عن سبيل الحق، صاروا كالصم الذين أفقدهم الصَّمَمُ حاسة السمع، فجعلهم بمعزل عن سماع صوت الداعى إِذا أَنذرهم وحذرهم، وتقييد نفى السماع بإنذارهم مع أن الصم لا يسمعون الكلام إنذارًا أو تبشيرًا، للإشارة إلى شدة الصم فيهم، لأن الإنذار عادة يكون بأصوات مرتفعة مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه، فإذا لم يسمعوها يكون صَمَمُهُمْ في درجة لا غاية بعدها.
ويجوز أن يكون قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ كلامًا مستأنفًا من جهته تعالى تسلية لنبيه عما يُنْتَظَر من إِعراضهم، كأنه قيل له: قل لهم أيها الرسول: إنما أُنذركم بالوحى، واعلم أَنهم دائبون على إِعراضهم، فهم بمعزل عن السماع حينما ينذرون، لطول إعراضهم، فلا يَكُنْ في صدرك حرج منه، فما عليك إلَّا البلاغ.
٤٦ - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
تبين هذه الآية فداحة العذاب الذي أُنذروه فأَعرضوا عن الاستماع إلى نذيره.
والمعنى: وبالله لئن أصاب هؤلاءِ المكذبين أدنى إِصابة من عذابه تعالى الذي يَسخَرون منه لَيَدْعَنَّ على أنفسهم بالويل والثبور والهلاك، وليعترفُنَّ بذنوبهم وأَنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا، فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف، ويندمون حين لا يجديهم الند
стр. 2885
وإذا كان هذا حالهم عندما تمسهم نفحة من عذاب الله، فكيف يكون حالهم حينما يغشاهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
المفردات:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾: أَي نقيم لكل مكلف ميزانًا لوزن أَعماله، ثقلًا وخفة، وسيأْتى بيان المراد من ذلك.
﴿الْقِسْطَ﴾: العدل، وهو من المصادر التي يوصف بها الواحد والمثنى والجمع كلفظ (العدل).
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾: مثقال الشيءِ ميزانه.
﴿خَرْدَلٍ﴾: شجر معروف، حَبُّه من أَصغر الحبوب وأدقها. ويُضرب مثلًا للصغر.
﴿مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾: أَي محاذرون وجلون من أَهوالها.
التفسير
٤٧ - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .... ﴾ الآية.
هذه الآية مُستأْنَفة لبيان عدل الله بين عباده عند مجئِ الساعة التي أَنذرهم بها. وأَن أَعمالهم معلومة لديه، فلا تخفى منهم خافية، ولا تُظلم نفس شيئًا.
стр. 2886
ويرى جماعة من السلف أَن هذه الموازين حسية وأن الله تعالى يحول أعمال عباده إلى أجسام، لتكون صالحة للميزان الحسي، حتى يرى كل عامل عمله ماثلًا أمامه، إظهارًا للمعدلة وقطعًا للمعذرة: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (١). ويستشهدون على رأيهم هذا ببعض الآثار.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: الميزان تمثيل لعدل الله وليس ثمة ميزان حسى، إذ أنه سبحانه ليس بحاجة إِليه، فهو يعلم السر وأَخفى، في حين أَن أعمال العباد يجدونها مسطرة في كتبهم كما حدثت في دنياهم، وحكْمَ الله مقرونًا بها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ (٢).
وبهذا الرأى أَخذ المعتزلة، وينبغى عدم الجدل في حقيقة الميزان وترك أَمرها إِلى الله تعالى. واللام في قوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بمعنى في، أَو للتعليل - أَي لأجل يوم القيامة.
﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أي فلا يقع على أَي نفس مؤمنة أَو كافرة ظلم في جزائها الذي تستحقه على أَعمالها، فلا ينقص ثوابها ولا يزاد عقابها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ولهذا قال سبحانه:
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾: حبة الخردل تضرب مثلًا في القلة والحقارة، أَي: وإِن كان العمل الذي أَتى به المكلف في غاية الدقة والصغر جئنا به في صحيفته فيتعرف عليه ويجزى به، وعاد الضمير بالتأْنيث على مثقال، لاكتسابه التأْنيث من الحبة التي أُضيف إِليها، وهى مؤنثة.
وقرأَ مجاهد وعكرمة: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ أي: جازينا بها، من الإتياءِ بمعنى المجازاة والمكافأَة.
стр. 2887
﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾: أي لا أحد أَسرع وأدق حسابًا منا، فنحن نحصى على كل عامل ما قدمه من خير وشر، أَسَرَّ به أَو جهر، صَغُر أَو عَظُم، ثم نجزيه بالعدل والقسطاس المستقيم، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). قال أحمد بسنده عن عائشة ﵂: "إن رجلًا من أَصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله إِن لى مملوكَيْن يَكْذِبُونَنِى ويخونوننى ويعصوننى، وأَشتمهم وأَضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال له رسول الله ﷺ : (بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إياهم، إن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك عليهم، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كَفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم أقتص لهم منك الفضل الذي يبقى قِبلَك) فجعل الرجل يبكى بين يدى رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : مَا لَهُ؟ أَما يقرأْ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾؟ فقال الرجل: ما أَجد خيرًا لى من مفارقة هؤلاءِ، إني أُشْهدك أنهم أحرار كلهم. أَخرجه الإمام أَحمد بسنده عن عائشة ﵂.
٤٨ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾:
لما أمر الله نبيه ﷺ أَن يقول لقومه: ما أنذركم إلاَّ بالوحى الذي يوحيه إليه، أردف ذلك ببيان أن تلك سنة الله في الأنبياء والمرسلين، فكلهم تأْتيهم شرائعهم بوحى من ربهم لتبليغ أُممهم بما أوحى إليهم.
والمعنى: ولقد أوحينا إِلى موسى وهارون - كما أَوحينا إليك يا محمد - كتابًا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل وكونه ضياءً يستضاءُ به في ظلمات الجهل، ودياجير الغواية وغياهب الضلال، وتذكيرًا للمتقين ووعظًا لهم، وتخصيص المتقين بذلك الشرف؛ لأنهم المنتفعون به المستضيئون بأنواره.
стр. 2888
وفسر ابن زيد الفرقان الذي أُوتيه موسى وهارون بالنصر على الأعداءِ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
قال الثعلبى: هذا القول أَشبه بظاهر الآية، فيكون المعنى: ولقد آتينا موسى وهارون النصر والتوراة التي هي الضياءُ والذكر. انتهى بتصرف يسير.
٤٩ - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾:
الآية تصف المتقين الذين ينتفعون بالتوراة ويستضيئون بنورها، ويتعظون بذكر آياتها البينات قبل نسخها، فتذكر أَخص صفاتهم وهى أَنهم يخشون ربهم، ويخافون عذابه غائبين عن أَعين الناس، وذلك بما وقر في سرائرهم لعمق الإيمان، وقوة اليقين، وهم خائفون من مجئِ الساعة، وما وراء ذلك من حساب وجزاءٍ، فلهذا تَعظُم خشيتهم من ربهم في سرائرهم غائبين عن أَعين الناس.
أَو المراد يخشون ربهم وهو غير مرئى لهم، فقد عرفوا بالنظر والاستدلال أَن لهم ربًّا قادرًا على أَن يجازى على الأَعمال فهم يخشونه - جل شأْنه -، ويخافون عذابه وهو غير مشاهَدٍ لهم، ووصف المتقين بالإِيمان بالغيب، شهادةٌ بصدق إِيمانهم، ومدحٌ لهم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٢). وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٣). وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (٤). إِلى غير ذلك من الآيات، وإنما وصف المتقون بالخشية من الساعة بعد أَن وُصفوا بعموم خشيتهم من الله، لتهويل أَمرها، ووصفهم بضد ما اتصف به المستعجلون الذين لجُّوا في عُتُوِّهم، وأَعرضوا عن ذكر ربهم، والثناء على المتقين من أَهل التوراة قبل أَن ينسخها بالإِنجيل ثم بالقرآن العظيم، الذي أَوجب الله الإِيمان به على اليهود والنصارى وسائر البشر، ولهذا قال سبحانه:
٥٠ - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾:
أي: وهذا القرآن ذكْر يتعظ به أُولو الأَلباب، كثير البركة موفور النفع، أَنزلناه
стр. 2889
تأييدًا لرسولنا محمد وآيةً على نبوَّته، أَفأَنتم له منكرون وقد عجزتم عن الإِتيان بمثله، أفَلَيس ذلك آية على أَنه منزل من عند الله كالتوراة التي آمن بها غيركم، لقد ضللتم عن الهدى، وتجاوزتم الحد يا معشر قريش، وكنتم بإنكاركم له من الخاسرين.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾
المفردات:
﴿رُشْدَهُ﴾: الرُّشد الاهتداء؛ إلى وجوه البر والصلاح. ﴿التَّمَاثِيلُ﴾: جمع تمثال وهو الصورة المصنوعة على شبه ما خلق الله، والمراد: الأصنام. ﴿عَاكِفُونَ﴾: ملازمون ومقيمون على عبادتها. ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: انحرافٍ وبُعْدٍ واضح عن النهج القويم.
﴿اللَّاعِبِينَ﴾: اللاهين العابثين. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾: خلقهن وأَوجدهن من عدم على غير مثال سبق. ﴿الشَّاهِدِينَ﴾: المصدقين له المؤمنين به.
التفسير
٥١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ....... ﴾ الآية.
ذكر - سبحانه - فيما سبق مِن الآيات رسالة موسى وكتابَهُ، والقرآن وما حوى من ذكر وبركة، وجاءَت هذه الآية وما بعدها من الآيات، لنعرف منها قصة إبراهيم ﵇ مع قومه.
стр. 2890
والرشد هو: الاهتداء لوجوه البر والخير والصلاح، قال الفراءُ: أَعطينا. هداه من قبل النبوة والبلوغ اهـ.
فالله سبحانه يخبر عن خليله إِبراهيم أَنه آتاه الهداية إِلى الحق في صغره، وأَلهمه الحجة على قومه قبل النبوة، كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (١).
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: أي وكنا به وبما يتحلى به من الصفات الجميلة، والسجايا الحميدة التي تجعله من أَهل الاجتباءِ والاصطفاءِ، كنا بذلك كله عالمين.
ومعنى الآية إجمالا: ولقد أعطينا إِبراهيم رشده وهديناه إلى وجوه الصلاح والخير فيما يفعل وما يدع، وكنا بجدارته وأَهليته لذلك عالمين، فقد صنعناه على أعيننا، وأَعددناه ليحمل رسالتنا، فزودناه بالشمائل الطيبة، والسجايا الكريمة؛ ليكون ذلك عونًا له على أَدائها، وعصمة له من أن يناله أَحد، أو يحط من قدره حَسُودٌ أَو حاقد.
وهذا هو شأْن الله ﷻ في اختيار رسله يحيطهم بكريم عنايته ويطهرهم من كل نقص أو عيب.
٥٢ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾:
هذا هو الرشد الذي أوتيه إِبراهيم في صغره، حيث أَنكر على قومه عبادة الأَصنام قبل أن تأْتيه النبوة، وكلمة (إِذْ) ظرف لقوله: (آتَيْنَا) في الآية السابقة.
والمعنى على هذا: ولقد منحنا إبراهيم هداه وأَرشدناه إلى الطريق المستقيم وقت أَن قال لقومه - ساخرًا منهم ومن آلهتهم -: ما هذه التماثيل التي أَنتم عليها عاكفون، وعلى عبادتها مقيمون، وهى لا تستحق شيئًا مما تصنعون، فليس لها من الصفات ما يقتضي تعظيمها فضلًا على عبادتها، فكيف عكفتم على عبادتها؟
ويجوز أَن يكون لفظ (إِذْ) مفعولًا به لفعل محذوف تقديره (اذكر).
والمعنى على هذا: اذكر أَيها الرسول لقومك ما كان من أَمر إبراهيم مع قومه.
стр. 2891
والمراد من ذكر هذه القصة: بيان مخالفتهم لجدهم إبراهيم في عقيدته، فقد كان عدوًّا للأَصنام التي يعبدونها، كما أَن فيها حث النبي على أَن يحتذى مع عَبَدَةِ الأصنام من قومه حذو أبيه إبراهيم ﵇ مع قومه، فيبين لهم فساد عبادة غير الله، ويصبر على أَذاهم.
٥٣ - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾:
أي قال قوم إبراهبم - لمَّا لم يجدوا حجة مقنعة ولا برهانًا يعتمدون عليه - قالوا -: إِنا وجدنا آباءَنا مقيمين على عبادة هذه الأصنام فاقتفينا أثرهم، وسرنا على نهجهم، وفي هذا الرد غاية الامتهان لعقولهم، ونهاية الاستخفات بعقيدتهم؛ لأَن الاحتجاج بالتقليد مُسْتَنَدُ العاجز المفحَم، وكأنهم قالوا: لا دليل لنا على ما نفعل ولا حجة لدينا في عبادتنا تلك إِلَّا تقليد الآباءِ والنسج على منوالهم.
والتعلل بتقليد الآباءِ في عبادة غير الله داء استشرى في أُمم كثيرة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١).
٥٤ - ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
وهكذا جاء رد إِبراهيم ﵇ مسفهًا لعقولهم وعقول آبائهم من قبلهم؛ إذ أَقسم لهم أنهم وآباءَهم في ضلال وَغَيٍّ واضح، بعُدوا به عن طريق الحق، وانحرفوا عن النهج القويم.
٥٥ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾:
أي أَن إبراهيم ﵇، لمَّا سفه أَحلامهم، وضلل آباءَهم، واحتقر آلهتهم، قالوا له: أهذا الكلام الذي صدر منك تعيب فيه آلهتنا، وتحط من قدرها، تقوله هازلًا ولاعبًا أو تقوله جادًّا ومحقًّا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك، فأَجابهم بما حكاه الله بقوله:
٥٦ - ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
أي: قال إِبراهيم - ردًّا على قومه -: لقد جئتكم بالحق، ولست هازلًا أَو لاعبًا، فليست هذه التماثيل أَربابا لكم ولا لغيركم، بل ربكم المستحق لعكوفكم على عبادته، هو رب السماوات
стр. 2892
والأرض الذي خلقهن وما فيهن دون شريك أَو معين، وأَنا على ربوبيته من الشاهدين، مما قام عندى من الأَدلة والبراهين، فلست مثلكم أَعبد ما لا تقوم على ربوبيته حجة ولا برهان وأَعتذر بتقليد الآباءِ والأَجداد.
ويجوز أَن يكون الضمير في (فَطَرَهُنَّ) راجعًا إلى التماثيل، فالله - تعالى - هو الذي خلق المادة التي صنعت منها، وهذا أَدخل في تضليلهم وأَثبت في الاحتجاج عليهم؛ حيث قد عبدوا مخلوقات لله الذي يعبده، تجرى عليها أَحكامه، فهي لا تملك شيئًا من أمر نفسها، فضلًا عن غيرها.
ثم توعدهم بأَنه سيفعل بتلك الأَصنام فعلًا له خطره وشأْنه، ليثبت لهم بالطريقة الفعلية أَنها لا تملك من أَمر نفسها شيئًا فقال:
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾
стр. 2893
المفردات:
﴿لَأَكِيدَنَّ﴾: الكيد؛ الاحتيال لإلحاق الأَذى بغيرك. ﴿تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: تَنْصرفوا عنها وتتركوا حراستها. ﴿جُذَاذًا﴾: قطعًا، من الجذِّ وهو القطع. ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾: يتحدث عنهم بما يعيبهم. ﴿كَبِيرًا﴾: أَي كبيرًا في تعظيمهم له، أَو في حجمه.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: يسمى بهذا الاسم. ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: على شهود منهم، جمع عَيْن بمعنى شاهد. ﴿يَشْهَدُونَ﴾: يحضرون مساءَلته وعقوبتنا له على فعله.
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: فعادوا إِلى أَنفسهم يتلاومون. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: الذين ظلموا أَنفسهم بعبادة ما لا يعقل.
﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾: انقلبوا عليها، والجملة كناية عن أَنهم رجعوا عن رأيهم وذلك بالشروع في الجدل.
التفسير
٥٧ - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾:
أكد إِبراهيم ﵇ ما اعتزم من الكيد للأَصنام بلام القسم ونون التوكيد في قوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ﴾.
والظاهر أَنه ﵇ لم يواجههم بالوعيد والتهديد المفهوم من الآية، لأَن المواجهة لا تتفق مع الكيد والاحتيال للإيقاع بالأَصنام وتكسيرها.
روى أن (آزر) خرج هو وقومه في يوم عيد لهم، فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعامًا، وقالوا: إلى أَن نرجع تكون الآلهة قد بَرَّكت عليه فنأْكل منه، فذهبوا وبقى إِبراهيم معتذرًا بأَنه سقيم، ثم نظر إليها وكانت سبعين صنمًا مصطفة، وثَمَّة صنم عظيم، ونظر إبراهيم إِلى ما بين أيديها من الطعام فقال لها - مستهزئًا -: أَلا تأْكلون؟ فلمَّا لم يجيبوه قال: ما لكم لا تنطقون؟ فراغ عليها ضربًا باليمين وجعل يكسرها بفأْس في يده حتى إذا لم يبق إِلاَّ الصنم الكبير، علق الفأس في عنقه ثم خرج. أهـ
стр. 2894
ويشير إِلى ذلك قوله تعالى:
٥٨ - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾:
أَي: فعمد إِبراهيم إِليها تكسيرًا وتقطيعًا حتى صارت قطعا صغيرة. وإنما استثنى كبير الأصنام دون جَذٍّ وكسر؛ لكي يرجعوا إليه ويستخبروه الخبر، فلا يجدوا عنده جوابًا، فهو الجماد الذي لا ينطق، ولعلهم حينئذ يستيقظون من سباتهم، ويتنبهون من غفلتهم، ويكون ذلك سببًا في إقلاعهم عن عبادة الأَصنام، والرجوع إلى دين إِبراهيم، والإيمان بالله رب السموات والأَرض دون سواه، فلما عادوا إِلى أَصنامهم عجبوا لما أَصابها، ولم يستدلوا بذلك على حقارتها، بل حدث منهم ما حكاه الله بقوله:
٥٩ - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي: قالوا - سائلين على سبيل التعجب والتأْثيم والوعيد - قالوا: مَنْ أَحدث هذه الفعلة الشنعاءَ بآلهتنا ومعبوداتنا فنالها بالتحطيم والتكسير؟ ثم وصفوا المحطِّم لها بقولهم:
﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: مؤكدين ظلمه وتعديه بإِنَّ ولام القسم - يعنون: أَنه بما فعل قد ظلم الآلهة بالاعتداءِ عليها، وظلم نفسه بتعرضه لسخطها - كما يزعمون ويتوهمون - كما أَنه ظلم عشيرته وقومه بإهانتهم في تكسير آلهتهم.
٦٠ - ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾:
أَي: قال الذين سمعوا إِبراهيم يعيب الأَصنام وعبادتها، ويدعو إلى إِله غيرها:
إِنا سمعنا فتى يذكر آلهتنا بسوءٍ، واسم هذا الفتى إبراهيم، فلم يذكر أَحد آلهتنا بسوءٍ غيره، ولم يستهزئ بها وينكر أُلوهيتها سواه، فيغلب على ظننا أَن يكون هو الذي فعل بها ما نرى.
وفي تعبيرهم عن إِبراهيم بقولهم: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ استهزاءٌ به وسخرية منه وإغراءٌ به، وتشغيب عليه للنيل منه.
وضمير الجماعة في قولهم: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾: يشير إِلى أَنهم كانوا يضفون على هذه الأصنام صفات العقلاءِ وأَنها تضر وتنفع.
٦١ - ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾:
أَي: أَنهم لما شاهدوا كسر الأصنام، وقيل لهم: إِن فاعل هذا يُظَنُّ أَنه إبراهيم؛ لأَنه كان يذكرها بسوءٍ، قالوا: فأْتوا به في مكان ظاهر بحيث تراه كل عين وتشاهده؛ ليش
стр. 2895
مساءَلته والعقوبة التي تحل به، فيشفى ذلك صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم،، ليكون ما ينزل به رادعًا لمن تحدثه نفسه أَن ينال من الآلهة، أو يحاول الميل إلى دين إِبراهيم الذي يدعو إليه، فلما أَحضروه بمشهد من قومه سأَلوه سؤال تقرير حتى يعترف بما فعل ليقدموا على عقابه.
٦٢ - ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾:
أَي: أَأَنت الذي حطمت آلهتنا وكسرت معبوداتنا التي هي عندنا بمكان التقديس والتعظيم؟ وكيف تجرأْت على ذلك ولم تخف غضبها عليك، ولا غضبتنا لها، وانتقامنا منك؟
وكان جواب إبراهيم ﵇ غريبًا عجيبًا مخالفا لما كانوا ينتظرون، وذلك ما حكاه الله بقوله:
٦٣ - ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾:
لم يكن إِبراهيم يقصد أن صنمهم الكبير هو الذي حطم الأَصنام الصغيرة على الحقيقة، بل كان يريد بهذا الأُسلوب المجازى إِلزامهم الحجة وتبكيتهم، والاستهزاءَ بهم، وتنبيههم إِلى قِصَر فهمهم، وسوءِ تقديرهم، مع إرشادهم إلى الصراط السوى والسبيل المسنقيم، لأن هذا الصنم وإن كان كبيرًا فإنه لا إرادة له ولا حياة فيه، فلا يستقيم أَن ينسب إِليه تحطيم غيره من الأصنام وتفتيتها غيرة منها وكراهة لها، والذي يرشح ويقوى هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وكأَنه قال لهم: لا يعقل أَبدًا ولا يستقيم لدى من عندهم مُسكة من عقل أَن يكون هذا الصنم قد قام بتحطيم غيره من الأصنام، فجميعها جماد لا حياة فيها، وقد صنعت بأَيديكم، ولا يتميز واحد منها على سواه بكبر أَو زينة، فإِن صورها وأَشكالها قد جاءَت حسب أهوائكم ومشيئتكم فكيف تعبدونها؟ وإِذا كانت لا تستطيع حماية نفسها مِمَّن حطمها فكيف تخرون سجدًا لها، أَولى بكم أَن تتدبروا أَمركم، وتثوبوا إلى رشدكم، فتتركوا عبادتها، وتفردوا الله وحده بالعبادة والطاعة. ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: وهذا غاية السخرية، ونهاية الإِلزام بالحجة الدامغة، فهم لا ينطقون، ومن لا ينطق فلا يستطيع الإخبار عمن اعتدى عليه، ومن كان كذلك فليس أَهلًا للعبادة، وإذا عبده الحمقى والسفهاءُ فجدير به أن يُحَطّ
стр. 2896
٦٤ - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
أَي فتنبهوا واقتنعوا بأَن إِبراهيم محق فيما قال، ورجعوا إلى أَنفسهم يتلاومون، فوصف بعضهم بعضًا بالظلم: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾: لأَنهم كذبوا إِبراهيم وعبدوا أَصناما لا تنفع ولا تضر، ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا الإِخبار عمن حطمها، وهذه اليقظة العقلية تحدث أحيانا حين تسطع الحجة ويبهر الدليل، ولكنها لا تلبث طويلًا عند الجهلاءِ المقيمين على الضلال، ولذا لم يثبت قوم إِبراهيم على هذا الاقتناع، فعادوا إلى جهالتهم ورُدُّوا إلى سفاهتهم، ولذلك يقول الله تعالى:
٦٥ - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾:
أصل النكس: قلب الشيء، بحيث يكون أَعلاه أَسفله، وأُريد به - هنا -: أنهم عادوا إلى المجادلة بالباطل بعد ما استقاموا بمراجعة إِبراهيم لهم، ولم يستندوا في انتكاسهم هذا إِلى برهان ساطع أَو دليل قاطع، ولكنه العناد الذي تركهم في ريبهم يترددون مع أَن الحجة لا تزال قائمة عليهم بقولهم في الدفاع عن أنفسهم:
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾: وكان مقتضى هذا أن يستمروا على يقظتهم وأَن يخضعوا لحُجَّة إِبراهيم ومنطقه، ولكنهم لغلبة الجهل والصلف عليهم تنكروا للحق، وانساقوا وراءَ الباطل جهلا واستكبارا.
стр. 2897
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾
المفردات:
﴿أُفٍّ﴾: لفظ يدل على التوجع والتألم مما يجد. ﴿حَرِّقُوهُ﴾: أَحرقوه بالغ الإحراق.
﴿انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾: انتقموا لها. ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾: بَرْد أَمنٍ لا برد هلاك.
﴿كَيْدًا﴾: إِهلاكا ناشئا عن الكيد، وهو تدبير الشر للعدو.
﴿الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: هي بلاد الشام.
﴿نَافِلَةً﴾: هبة خالصة وزيادة على ما سأَل إبراهيم.
التفسير
٦٦ - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾:
بعد أن ظهرت الحجة لإبراهيم عليهم، قال مبكتا وموبخا لهم: أَتعودون إلى الجهالة
стр. 2898
فتعبدون ما لا يجلب لكم نفعا إِن أنتم عبدتموها، كما أَنها لا تضركم شيئا من الضرر إِن أَنتم تركتموها.
٦٧ - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
قبحًا لكم ولما تعبدون من دون الله، ألَا تتفكرون فيما صرتم إِليه فلا تعقلون سوءَ عملكم وقبيح صنعكم؟ الأجدر والأَولى بكم أَن تتدبروا وترجعوا إِلى الفطرة السليمة التي تهدى إلى الخالق - جل وعلا - فهو الذي فطركم وربَّاكم. وخلق معبوداتكم، فتعالى الله عن الشريك والمثيل، وعن قبول عبادتكم لسواه.
٦٨ - ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أَي قال بعضهم لبعض: حرقوا إِبراهيم وانصروا بذلك آلهتكم، فقد سخر منها ونالها بالتحطيم ولم يرع قدسيتها وتعظيمها عندكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: أَي إِن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مبينا فهذا سبيله، وإِلَّا تفعلوا كنتم مفرطين في حقها، وهذا الذي قالوه هو سبيل المُفْحَم المحجوج الذي بهتته الحجة وعجز عن البرهان، فقد قالوا ذلك بعد أَن استيقنت أَنفسهم أَن آلهتهم لا تستطيع أن تنصرهم عليه، بعد أَن عجزت عن دفع التحطيم عن أجسادها.
٦٩ - ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾:
أي قلنا للنار حين ألقوا فيها إِبراهيم: كونى بردا وسلاما عليه، والمقصود من هذا الأَمر الكريم أنه سبحانه سلب منها طبيعتها وهى الإحراق، وجعلها باردة غير ضارة ببرودتها بحيث لكون سلاما عليه، فلا يصيبه منها أَذى في جسده ولا في نفسه، فجمع له الله في تلك النار بين السلامة الحسية والسلامة النفسية، فكان مشروح الصدر مطمئن القلب، سليم البدن.
ذكر أَصحاب الأَخبار قصة تحريق إبراهيم ﵇ مرة مطولة، وأُخرى موجزة، ونحن نسوقها باختصار فما يلى:
لما اجتمع نمروذ وقومه لإِحراق إبراهيم بنوا له بنيانا كالحظيرة، يشير إِلى ذلك
стр. 2899
قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ (١). ثم جمعوا له الكثير من صلاب الحطب، وأوقدوا نارا عظيمة ثم اتخذوا منجنيقًا ووضعوا فيه إِبراهيم مقيدًا مغلولا، وقذفوه في النار، فأَتاه جبرائيل ﵇ وقال: يا إبراهيم هل لك حاجة؟ قال له: أَما إِليك فلا. قال جبرائيل: فاسأل الله ربك، قال: حسبى من سؤالى علمه بحالى، فقال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ وبهذا رد الله كيدهم إِلى نحورهم.
قال أَبو حيان في (البحر): قد أكثر الناس في حكاية ما جرى لإبراهيم ﵇، والذى صح هو ما ذكره الله تعالى من أَنه ﵇ أُلْقى في النار فجعلها الله عليه بردًا وسلاما، وبقول أَبي حيان نقول، والله أعلم.
٧٠ - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾:
أَي: أَرادوا بإبراهيم ﵇ مكرا عظيما في الإِضرار به؛ عقابا له على دعوة التوحيد التي جاءَ بها، وظنوا أَنهم سينالون ما يريدون، وأَخذوا لذلك أَسباب إِهلاكه، من إِشعال النار وطرحه فيها، ولكن ضل سعيهم، وباءَ عملهم بالفشل الذريع، فقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، وكان ما فعلوه هو البرهان القاطع على أنه ﵇ على الجادة والصراط المستقيم، وهم على الباطل، فجعلهم الله بذلك أَخسر الخاسرين، وأَتْعَس الماكرين المبطلين.
٧١ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾:
أَي: وأَتممنا على إِبراهيم النعم بأَن نجيناه من هؤلاءِ القوم فرحل من بلادهم بالعراق وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (٢). وهاجرت معه زوجته سارة وابن أَخيه لوط بعد أَن آمن به، ورحلوا معا إلى الأرض المباركة، أَرض الشام التي باركها الله، بأَن جعلها مهبط كثير من الأنبباءِ، ومهد معظم الرسالات، كما أكرمها بكثرة خيراتها وزيادة ثمارها وتدفق المياه
стр. 2900
في أَرجائها، وامتلاء أَرضها بالأَشجار، ووفرة الأَرزاق فيها. ثم هاجر لوط إِلى المؤتفكة حيث أَرسله الله إِلى قومها المشهورين بفعل الخبائث وستأْتى قصته معهم قريبا في هذه السورة.
وفي تعميم البركة للعالمين ما يفيد أن الذي بها من خيرات ليس مقصورا على أَهلها، ولعل ذلك أَكثر وضوحا في جانب الهداية، لأَن نور الرسالات والنبوات انتشر من هذه البقاع إِلى العالمين، ولم يكن حبسا على المقيمين فيها ولا مختصا بهم.
وقد انتشرت في أَرض الشام دعوة إِبراهيم ﵇، كما أَنها عمت أَرض الحجاز حيث بنى البيت الحرام، ودعا الناس من حوله إِلى عبادة الله وحج بيته الحرام، إِلى غير ذلك من جهات الأَرض التي زارها.
٧٢ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ..... ﴾ الآية.
يعدد الله نعمه على إبراهيم ﵇، فإِنه - تعالى - قد نَجَّاه من النار ثم هيَّأَ له ولابن أَخيه لوط الذهاب إِلى الأَرض المباركة، وبعد أن استقر به المقام منَّ الله عليه بنعمة الذرية ليكونوا امتدادًا له في أَداءِ رسالة الله في الأرض، فوهب له من زوجته (سارة) إِسحاق ومن وراء إِسحاق يعقوب.
والتعبير عن رزقه بإِسحق وابنه يعقوب بأَنه هبة ونافلة؛ لأنهُ رُزِقَهما في أَعلى سن اليأْس، والنافلة في اللغة قد تطلق على: العطية، وعلى هذا تكون (نَافِلَةً) حالا من إسحاق ويعقوب، ويجوز أَن تكون حالا من يعقوب وحده، فقد قيل: إِن هبة إِسحاق كانت إِجابة لدعوة إِبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) وهبة يعقوب كانت زيادة وعطية له من غير سؤال منه لربه .
﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾: أَي وكلا من إِبراهيم ولوط وإِسحاق ويعقوب جعلناهم طائعين لنا عاملين بأَوامرنا مجتنبين محارمنا.
стр. 2901
٧٣ - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا .... ﴾ الآية.
أَي: وأَعددناهم ليكونوا أَنبياءَ هداة وأَئمة يقتدى بهم الناس ويتبعون سبيلهم؛ فهم الأُسوة الحسنة والقدوة الطيبة، إذ الدعوة بالعمل مع القول آكد وأَقوى وأَكثر نفعًا من الدعوة بالقول وحده، ومع كونهم قدوة لغيرهم في عقائدهم وسلوكهم، فهم يهدون بأَمرنا أَي: يدعون الناس إلى دين الله بإِرشاد ووحِي منا، وقد بين الله ما أَوحاه الله إليهم ليعملوا به ويبلغوه فقال:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾: أَي وشرعنا لهم فعل الطاعات والمبرات التي يسعد بها البشر في دنياهم وأُخراهم، ومن أَعظم هذه الخيرات التي شرعناها لهم: إِقام الصلاة، أَي: أَداؤها تامة كاملة على خير الوجوه في أَوقاتها، وإِيتاء الزكاة لمستحقيها مما يحبون ومن خير ما يملكون، لا يدفعهم إِلى بذلها رغبة أَو رهبة من أَحدٍ إِنما يقدمونها ابتغاءَ مرضاة ربهم.
فأَنت ترى أَن الله خصَّ الصلاة والزكاة بالذكر مع دخولهما في الخيرات التي أَوحاها وشرعها، لأَن الصلاة أَشرف العبادات البدنية، والزكاة أَفضل القربات المالية، ومجموع العبادتين تعظيم للخالق، ورحمة بالمخلوق.
وقد جمع الله لهؤلاءِ الصفوة من خلقه فضائل الصفات، وكرائم الشمائل، فوصفهم بالصلاح لأَنه أول مراتب السائرين إِلى الله تعالى، ثم زادهم فضلا فوصفهم بالإِمامة والقدوة، ثم وصفهم بالنبوة والوحى.
وبعد أَن بين أَصناف نعمه عليهم بَيَّن اشتغالهم بعبوديته فقال:
﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾: أَي: خاشعين لا يستكبرون عن عبادتنا، ولا يتجهون بها إلى أَحد سوانا فقد قابلوا إحسان الله عليهم بإِخلاص العبودية له وحده.
стр. 2902
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
المفردات:
﴿حُكْمًا﴾: حكمة ونبوة. ﴿الْقَرْيَةِ﴾ قيل: هي سَدوم. ﴿الْخَبَائِثَ﴾: هي كل منكر من الأعمال، ومن أَفحشها إتيان الذكران. ﴿فَاسِقِينَ﴾: خارجين عن أَمر الله وطاعته. ﴿الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: الطوفان والغرق.
التفسير
٧٤ - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ..... ﴾ الآية.
لما ذكر الله قصة إِبراهيم ﵇ مع قومه، وبين أنه أَنجاه ولوطا إِلى الأَرض المباركة، أَتبعها قصة ابن أَخيه لوط مع قومه.
ومعني الآية: وأعطينا لوطا حكمة في سلوكه مع قومه الذين يمارسون أفحش رذيلة في العالمين، فكان يأْخذهم إِلى الفضيلة بالأُسلوب الرشيد والمنطق السديد، كما آتيناه علمًا دينيا وشرعا كريما يتبعه ويأْمر به قومه.
стр. 2903
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾: وأَنعمنا عليه بأن نجيناه وحفظناه من كيد أَهل قريته، وخيانتهم له، ومن الهلاك معهم عندما قلبها بهم ودمرها عليهم، جزاءَ ما ارتكبوا من المنكرات، وكان أَشدها فحشا إتيانهم الذكران، والاستغناءَ بهم عن الحلال الطيب من نسائهم.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾: إِنهم قد طبعوا وجبلوا ونشأُوا خارجين عن طاعة ربهم، مرتكسين في الرذيلة، فكان إِتيانهم الفواحش متفقا مع خسيس طبائعهم ومرذول جبلتهم.
٧٥ - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
أَي: وأَدخلنا لوطا في رحمتنا، وأَحطناه بفضلنا وجزيل عطائنا، فمنحناه النبوة وهى قمة المنح، فأَى رحمة أَفضل وأَتم وأَكمل من اصطفاءِ الله لعبده واختياره ليكون مُبلغا عنه تعالى وهاديا لقومه، ويجوز أَن يراد من الرحمة الجنة، أَي: أَدخلناه في جنتنا؛ لأَنه من الصالحين.
٧٧،٧٦ - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
المعنى: واذكر - يا محمد - نبأَ نوح وقت أَن اشتد به الكرب، من أَذى قومه تارة بالتكذيب والتسفيه، وأُخرى بالكيد والسخرية، فالتجأَ إِلينا مستعينًا بنا، ودعانا بقوله: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١) وطلب منا أَن نهلك جميع الكافرين من قومه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٢) وذلك بعد أَن أَعلمناه أَنه لن يؤمن من قومه إِلا من قد آمن، فاستجبنا له وحققنا ما طلب فنجيناه وخلصناه من الحُزْن والضيق العظيم ونصرناه من قومه الذين كذبوا بآياتنا، حيث حميناه من شرهم، فإنهم كانوا أَهل سوء وقبح وفساد، وجعلنا عاقبتهم جميعا الإِغراق بالطوفان بعد أن أنجينا نوحا ومن آمن من قومه.
أي: اذكر أَيها الرسول - لقومك قصة داود وسليمان وشأْنهما في قضية غنم لقوم انتشرت في زرع لآخرين، فأَكلت ما أَكلت واتلفت ما أَتلفت، وخلاصة ما ذكره المفسرون في هذه القصة: أَن رجلين دخلا على داود ﵇ أَحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال الأَول: إن غنم هذا دخلت حرثى ورعته وما أَبقت فيه شيئا، فقال داود ﵇ لصاحب الحرث: اذهب فإِن الغنم لك، فخرجا فمرا على سليمان، فقال لهما: كيف قضى بينكما؟ فأَخبراه. فقال: لو كنت أَنا القاضى لقضيت بأَن تدفع الغنم إِلى صاحب الحرث فيكون له نفعها، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، حتى إِذا كان العام القابل، وكان الحرث على هيئته يوم أُكِل رُدَّت الغنم إِلى صاحبها، وقبض صاحب الحرف حرثه، فوافق داود على حكم سليمان، وقال له: القضاءُ ما قضيت، وبمعناه قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما.
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾: أَي وكنا شاهدين عالمين بما حكم به كل واحد منهما لا يغيب عنا منه شئٌ.
٧٩ - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾:
أَي: فأَرشدنا وأَلهمنا سليمان إلى أصوب الرأيين وأرشد الحكمين، فقد اجتهد داود ﵇ في الأَمر فرأى أن ما أَكلته الغنم وأَتلفت يقدر ويقوَّم بثمنها جميعًا فحكم بها لصاحب الحرث، ورأَى سليمان ﵇ أَن غير هذا أَرفق بالفريقين، وقضى بأَن تسلم الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بها لبنا وسمنا وصوفا ونسلا، ويقوم صاحب الغنم على الحرث حتى يعود إلى ماكان، ثم يرد إلى كل منهما ما يملك من حرث أَو غنم كما تقدم بيانه.
وهذا الحكم قد بنى على اجتهاد من داود وسليمان ﵉ فالنبي - له أَن يجتهد فيما لم يرد فيه نص، والوحى قد يقره أَو يعدله أَو لا ينزل في شأْنه بشيءٍ فيكون تقريرًا للحكم، وكلاهما ﵉ آتاه الله الحكمة والعلم فلم يخرج حكم أَحدهما على ما تقتضيه الحكمة حسب اجتهاده؛ فكلاهما كانت له المعرفة بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام والبصر بالأُمور، وفضل سليمان راجع إِلى فضل أَبيه، والوالد تسره زيادة ولده ع
стр. 2906
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾: أي وجعلنا كُلاًّ من الجبال والطير تسبِّح الله تعالى حين يسبحه داود، وكان ذلك تسبيح مقال ليكون وجه الامتنان على داود بتسبيحها معه ظاهرا واضحا. وقال بعض المفسرين: إِن التسبيح كان بلسان حالها، فهى لا تنطق، ولكن بديع صنعتها، ودقة تركيبها، وعظيم المهام المتعلقة بها تدل على أَنه - تعالى - هو الخالق البديع.
وفي كل شيءٍ له آية … تدل على أَنه الواحد
والرأْى الأَول أوضح وأرجح لما يأْتى:
١ - أَن حمل التسبيح على أَنه كان بلسان الحال لا يجعل لداود مزية على غيره، فكل الأشياءِ - ومنها الجبال والطير - تسبح بلسان حالها.
٢ - أَن تخصيص الجبال والطير دون غيرها بالتسبيح وكونها مسخرة مع داود يقتضي أن يكون التسبيح قوليًّا.
٣ - أَن الشأْن في اللفظ أن يحمل على ظاهره ما لم تكن - ثَمَّةَ - ضرورة صارفة عن هذا الظاهر ولا ضرورة ههنا.
٤ - أن قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يشير إِلى ذلك، أَي: وكنا قادرين على أَن نفعل العجائب، أَن تسبح الجبال والطير بلسان المقال.
٨٠ - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾:
أَي: وأَرشدناه إِلى صنع لباس الحرب ودروعها لتمنعكم وتحميكم من بأْس حربكم مع عدوكم وشدته، وقد اتخذ داود ﵇ من الحديد دروعا واقية بعد أَن ألانه الله له، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (١).
وقدم تسخير الجبال على الطير، لأَن تسخير الجبال وتسبيحها أَعجب وأَدل على قدرة الله وأَدخل في الإِعجاز لأَنها جماد، أما الطير في حيوان يصيح ويعبر عما في نفسه بمنطقه الذي علمه الله إياه.
стр. 2907
٨١ - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾:
وهذا هو الإِنعام الأول الذي خص الله به سليمان ﵇.
ومعنى النظم الكريم: وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب، فلا يعوقها عائق ولا يقف شئٌ دون سيرها، فهى تتخطى كل ما يعترضها وتتغلب عليه.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾: أَي تطيعه وتنقاد له ﵇ فإِن أَرادها سريعة شديدة أَسرعت واشتدت، وإِن أَراد منها غير ذلك كانت على حسب ما يريد ويحكم، تتجه وفق مشيئته به وبرجاله في ليل أَو نهار.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: إِلى أَرض الشام التي باركنا فيها، حيث جعلناها مكان الخصب العميم، والخير الكثير، والماءِ الوفير، والشجر النضير، وهى فوق ذلك مهبط كثير من الرسالات ومهد معظم الأَنبياءِ، فالبركة تشملها حسًّا ومعنى.
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ أَي: وكنا بكل شيءٍ سخرناه في الكون عالمين بطريقة تسخيره، وتدبير أَسبابه وآثاره، فلهذا سخرنا لسليمان هذه المخلوقات التي تعجز قدرته عن أَن تسيطر عليها، وكل ذلك إِنما يجرى حسبما تقتضيه حكمتنا ويحيط به علمنا.
٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ .... ﴾ الآية.
وهذه هي النعمة الثانية التي اختص الله بها سليمان ﵇.
والمعنى: وسخرنا لسليمان بعض الشياطين من الجن ينزلون في أَعماق البحار يستخرجون له من الجواهر والنفائس ما يحتاج إِليه ملكه.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: من بناءِ المدن والقصور والحصون ويصنعون الصنائع العجيبة كما قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. (١)
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: أَي وكنا للشياطين حافظين من أَن يزيغوا عن أَمره أَو يفسدوا ما عملوه أَو يضروا رعيته، وكان أَمرهم معه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
стр. 2908
ويقول الفخر الرازى تعليقا على تسبيح الحجارة وإِلانة الحديد لداود، وعلى تسخير الريح والشياطين لسليمان ﵉:
"اعلم أَن أَجسام هذا العالم إِما كثيفة أَو لطيفة، أَما الكثيف: فأَكثف الأَجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله معجزة لداود ﵇ فأَنطق الحجر وليَّن الحديد، وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر؛ لأَنه كما قدر على إِحياءِ الحجارة فأَي بُعد في إِحياءِ العظام الرميمة؟ وإِذا قدر على أَن يجعل في أَصبع داود ﵇ قوة النار مع كون الأَصبع في نهاية اللطافة، فأَي بُعد في أَن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا؟ وأَلطف الأَشياءِ في هذا العالم: الهواءُ والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان ﵇ أَما الهواءُ فقوله تعالى: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ" وأَما النار فلأَن الشياطين مخلوقة منها، وقد سخرهم الله تعالى له فكان يأْمرهم بالغوص في المياه وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته تعالى على إِظهار الضد من الضد" اهـ.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
стр. 2909
المفردات:
﴿مَسَّنِيَ﴾: أَصابنى. ﴿الضُّرُّ﴾: سوءُ الحال بسبب المرض.
التفسير
٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
واذكر فيمن تذكره من الأَنبياء والصالحين أَيوب ﵇ وما أَصابه من البلاءِ وما قابله به من الصبر والضراعة والدعاءِ، واثقا أَنَّ كل شِدَّةٍ إِلى انتهاءٍ وأَن البلاءَ لم ينج منه أَحد حتى الأنبياءُ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١).
وقال ﷺ : "أَشد الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأَمثل فالأَمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه، وإِن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى وما عليه خطيئة". رواه الشيخان والنسائى وابن ماجه.
ويذكر الرواة: أَن أَيوب ﵇ كان واسع الثراءِ، ذا مالٍ وافر وأَولاد، فأَصابه البلاءُ في ماله، وفي ولده، ثم في صحته، واشتد به البلاءُ وحلَّ به الإِعياءُ، فشكا إلى ربه متضرعا قائلا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ويقول الرازى في المسأَلة الرابعة - تعليقًا على هذه الآية -: إِن أَيوب ﵇ أَلطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، وعقب الرازى ذلك بقوله: فإِن قيل: إِن الشكوى تقدح في كونه صابرًا، فالجواب ما قاله سفيان بن عيينة حيث قال: من شكا إِلى الله تعالى فإِنه لا يعد منه ذلك جَزَعا، إِذا كان في شكواه راضيًا بقضاءِ الله، إذ ليس من شرط الصبر استحلاءُ البلاءِ، أَلَمْ تسمع قول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ انتهى بتصرف يسير.
وقد ورد في بلاء أَيوب وفي مدته روايات واهنة لا يقبل العقل تصديقها؛ حيث إِنها تصف مرضه بأَنه نفَّر عنه الناس وأَبعدهم منه، وأَنه مكث به عدة سنين، وأَن
стр. 2910
زوجته كانت تقوم بالخدمة في البيوت لتحصل على رزقه، وكل ذلك باطل من جهة الرواية، ومنْ جهة ما يجب للأَنبياءِ، من الصفات الكريمة التي تجمع الناس حولهم، ولا تبعدهم عنهم، ليستطيعوا أَداءَ رسالة مولاهم؛ وكل ما جاءَ في الآية أَنه تعالى امتحنه بضر، فشكا إِلى ربه راجيا رحمته تعالى لأَنه أَرحم الراحمين، ولابد أَن يكون هذا الضر مما يصاب بنحوه الأَنبياءُ، ولا يبعد عنهم الأَوفياءَ والأولياءَ ولا يمنعهم من أَداءِ رسالتهم.
ويقول النسابون: إِنه ابن أَنوص، وكان من ولد عيصو بن إِسحاق، وأُمه من ولد لوط، وزوجته بنت ميشا بن يوسف، أَو رحمة بنت إِفرايم بن يوسف ﵇، والله أَعلم بصحة هذا النسب: انظر الرازى والبيضاوى في النسب المذكور.
٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ الآية.
فَلَبَّيْنَا دعاءَه وأجَبناه إِلى مطالبه ووهبناه العفو والعافية فأَعدنا له صحته وأَزلنا ما أصابه من مرض في جسمه.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾:
وكما أزلنا ما به من الضر، عوضناه من أَولاده الذين ماتوا أولادًا بعددهم ومثلهم معهم، تفضلا منا وعطفًا عليه جزاءَ صبره ورضاه بما قضيناه عليه، ولتكون قصَّته عبرة وذكرى لكل من يعبد الله ويرضى بقضائه ويصبر على بلائه ويشكره على نعمائه.
وليعلم الناس أَن البلاءَ ليس عقابًا على ذنب ارتكبه صاحبه؛ لأَن الدنيا ليست دار جزاءٍ، وليدركوا أَن من أَسباب الفرج دعاءَ الله تعالى والابتهال إِليه، وأَن العاقبة للمتقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
٨٥ - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾:
ذكر هؤلاءِ الأَنبياءِ بعد ذكر قصة أَيوب ووصفهم بالصبر، يدله على أَن كلا منهم قاسى من شدائد الحياة ما اقتضى منه الصبر، أَما إِسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام بأَرض غير ذى زرع، وصبر على ما عانى في بناء البيت ومشاق التكليف.