﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾: أي وجعلنا كُلاًّ من الجبال والطير تسبِّح الله تعالى حين يسبحه داود، وكان ذلك تسبيح مقال ليكون وجه الامتنان على داود بتسبيحها معه ظاهرا واضحا. وقال بعض المفسرين: إِن التسبيح كان بلسان حالها، فهى لا تنطق، ولكن بديع صنعتها، ودقة تركيبها، وعظيم المهام المتعلقة بها تدل على أَنه - تعالى - هو الخالق البديع.
وفي كل شيءٍ له آية … تدل على أَنه الواحد
والرأْى الأَول أوضح وأرجح لما يأْتى:
١ - أَن حمل التسبيح على أَنه كان بلسان الحال لا يجعل لداود مزية على غيره، فكل الأشياءِ - ومنها الجبال والطير - تسبح بلسان حالها.
٢ - أَن تخصيص الجبال والطير دون غيرها بالتسبيح وكونها مسخرة مع داود يقتضي أن يكون التسبيح قوليًّا.
٣ - أَن الشأْن في اللفظ أن يحمل على ظاهره ما لم تكن - ثَمَّةَ - ضرورة صارفة عن هذا الظاهر ولا ضرورة ههنا.
٤ - أن قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يشير إِلى ذلك، أَي: وكنا قادرين على أَن نفعل العجائب، أَن تسبح الجبال والطير بلسان المقال.
٨٠ - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾:
أَي: وأَرشدناه إِلى صنع لباس الحرب ودروعها لتمنعكم وتحميكم من بأْس حربكم مع عدوكم وشدته، وقد اتخذ داود ﵇ من الحديد دروعا واقية بعد أَن ألانه الله له، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (١).
وقدم تسخير الجبال على الطير، لأَن تسخير الجبال وتسبيحها أَعجب وأَدل على قدرة الله وأَدخل في الإِعجاز لأَنها جماد، أما الطير في حيوان يصيح ويعبر عما في نفسه بمنطقه الذي علمه الله إياه.
стр. 2907
٨١ - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾:
وهذا هو الإِنعام الأول الذي خص الله به سليمان ﵇.
ومعنى النظم الكريم: وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب، فلا يعوقها عائق ولا يقف شئٌ دون سيرها، فهى تتخطى كل ما يعترضها وتتغلب عليه.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾: أَي تطيعه وتنقاد له ﵇ فإِن أَرادها سريعة شديدة أَسرعت واشتدت، وإِن أَراد منها غير ذلك كانت على حسب ما يريد ويحكم، تتجه وفق مشيئته به وبرجاله في ليل أَو نهار.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: إِلى أَرض الشام التي باركنا فيها، حيث جعلناها مكان الخصب العميم، والخير الكثير، والماءِ الوفير، والشجر النضير، وهى فوق ذلك مهبط كثير من الرسالات ومهد معظم الأَنبياءِ، فالبركة تشملها حسًّا ومعنى.
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ أَي: وكنا بكل شيءٍ سخرناه في الكون عالمين بطريقة تسخيره، وتدبير أَسبابه وآثاره، فلهذا سخرنا لسليمان هذه المخلوقات التي تعجز قدرته عن أَن تسيطر عليها، وكل ذلك إِنما يجرى حسبما تقتضيه حكمتنا ويحيط به علمنا.
٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ .... ﴾ الآية.
وهذه هي النعمة الثانية التي اختص الله بها سليمان ﵇.
والمعنى: وسخرنا لسليمان بعض الشياطين من الجن ينزلون في أَعماق البحار يستخرجون له من الجواهر والنفائس ما يحتاج إِليه ملكه.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: من بناءِ المدن والقصور والحصون ويصنعون الصنائع العجيبة كما قال الله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾. (١)
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: أَي وكنا للشياطين حافظين من أَن يزيغوا عن أَمره أَو يفسدوا ما عملوه أَو يضروا رعيته، وكان أَمرهم معه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
стр. 2908
ويقول الفخر الرازى تعليقا على تسبيح الحجارة وإِلانة الحديد لداود، وعلى تسخير الريح والشياطين لسليمان ﵉:
"اعلم أَن أَجسام هذا العالم إِما كثيفة أَو لطيفة، أَما الكثيف: فأَكثف الأَجسام الحجارة والحديد، وقد جعلهما الله معجزة لداود ﵇ فأَنطق الحجر وليَّن الحديد، وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر؛ لأَنه كما قدر على إِحياءِ الحجارة فأَي بُعد في إِحياءِ العظام الرميمة؟ وإِذا قدر على أَن يجعل في أَصبع داود ﵇ قوة النار مع كون الأَصبع في نهاية اللطافة، فأَي بُعد في أَن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا؟ وأَلطف الأَشياءِ في هذا العالم: الهواءُ والنار، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان ﵇ أَما الهواءُ فقوله تعالى: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ" وأَما النار فلأَن الشياطين مخلوقة منها، وقد سخرهم الله تعالى له فكان يأْمرهم بالغوص في المياه وهم ما كان يضرهم ذلك، وذلك يدل على قدرته تعالى على إِظهار الضد من الضد" اهـ.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
стр. 2909
المفردات:
﴿مَسَّنِيَ﴾: أَصابنى. ﴿الضُّرُّ﴾: سوءُ الحال بسبب المرض.
التفسير
٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
واذكر فيمن تذكره من الأَنبياء والصالحين أَيوب ﵇ وما أَصابه من البلاءِ وما قابله به من الصبر والضراعة والدعاءِ، واثقا أَنَّ كل شِدَّةٍ إِلى انتهاءٍ وأَن البلاءَ لم ينج منه أَحد حتى الأنبياءُ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١).
وقال ﷺ : "أَشد الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الأَمثل فالأَمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإِن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه، وإِن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى وما عليه خطيئة". رواه الشيخان والنسائى وابن ماجه.
ويذكر الرواة: أَن أَيوب ﵇ كان واسع الثراءِ، ذا مالٍ وافر وأَولاد، فأَصابه البلاءُ في ماله، وفي ولده، ثم في صحته، واشتد به البلاءُ وحلَّ به الإِعياءُ، فشكا إلى ربه متضرعا قائلا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ويقول الرازى في المسأَلة الرابعة - تعليقًا على هذه الآية -: إِن أَيوب ﵇ أَلطف في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، وعقب الرازى ذلك بقوله: فإِن قيل: إِن الشكوى تقدح في كونه صابرًا، فالجواب ما قاله سفيان بن عيينة حيث قال: من شكا إِلى الله تعالى فإِنه لا يعد منه ذلك جَزَعا، إِذا كان في شكواه راضيًا بقضاءِ الله، إذ ليس من شرط الصبر استحلاءُ البلاءِ، أَلَمْ تسمع قول يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ انتهى بتصرف يسير.
وقد ورد في بلاء أَيوب وفي مدته روايات واهنة لا يقبل العقل تصديقها؛ حيث إِنها تصف مرضه بأَنه نفَّر عنه الناس وأَبعدهم منه، وأَنه مكث به عدة سنين، وأَن
стр. 2910
زوجته كانت تقوم بالخدمة في البيوت لتحصل على رزقه، وكل ذلك باطل من جهة الرواية، ومنْ جهة ما يجب للأَنبياءِ، من الصفات الكريمة التي تجمع الناس حولهم، ولا تبعدهم عنهم، ليستطيعوا أَداءَ رسالة مولاهم؛ وكل ما جاءَ في الآية أَنه تعالى امتحنه بضر، فشكا إِلى ربه راجيا رحمته تعالى لأَنه أَرحم الراحمين، ولابد أَن يكون هذا الضر مما يصاب بنحوه الأَنبياءُ، ولا يبعد عنهم الأَوفياءَ والأولياءَ ولا يمنعهم من أَداءِ رسالتهم.
ويقول النسابون: إِنه ابن أَنوص، وكان من ولد عيصو بن إِسحاق، وأُمه من ولد لوط، وزوجته بنت ميشا بن يوسف، أَو رحمة بنت إِفرايم بن يوسف ﵇، والله أَعلم بصحة هذا النسب: انظر الرازى والبيضاوى في النسب المذكور.
٨٤ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ الآية.
فَلَبَّيْنَا دعاءَه وأجَبناه إِلى مطالبه ووهبناه العفو والعافية فأَعدنا له صحته وأَزلنا ما أصابه من مرض في جسمه.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾:
وكما أزلنا ما به من الضر، عوضناه من أَولاده الذين ماتوا أولادًا بعددهم ومثلهم معهم، تفضلا منا وعطفًا عليه جزاءَ صبره ورضاه بما قضيناه عليه، ولتكون قصَّته عبرة وذكرى لكل من يعبد الله ويرضى بقضائه ويصبر على بلائه ويشكره على نعمائه.
وليعلم الناس أَن البلاءَ ليس عقابًا على ذنب ارتكبه صاحبه؛ لأَن الدنيا ليست دار جزاءٍ، وليدركوا أَن من أَسباب الفرج دعاءَ الله تعالى والابتهال إِليه، وأَن العاقبة للمتقين، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
٨٥ - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾:
ذكر هؤلاءِ الأَنبياءِ بعد ذكر قصة أَيوب ووصفهم بالصبر، يدله على أَن كلا منهم قاسى من شدائد الحياة ما اقتضى منه الصبر، أَما إِسماعيل فصبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام بأَرض غير ذى زرع، وصبر على ما عانى في بناء البيت ومشاق التكليف.
стр. 2911
وأَما إِدريس فقد قيل: إِنه مصرى بعث إِلى قومه، وإِنه أَول من خاط الثياب ووصفه بأَنه من الصابرين يدل على أَنه عانى من مشاق التبليغ ومحن الحياة ما اقتضى ووصفه بذلك.
وأَمَّا ذو الكفل فقد قيل: إِنه ابن أَيوب، وقيل: بل هو إِلياس، واختلف في نبوته، وأَكثر العلماءِ على أَنَّه نبى من أَنبياء الله، ولذا ذكره الله في سورة الأَنبياءِ، ووصفه مع قرِينيه بقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ للدلالة على أَن الصبر كان من أَبرز صفاتهم، وأَنهم امتحنوا بمشاق تقتضى التنويه بصبرهم عليها وإن كنا لم نعثر على المحنة التي صبر عليها ذو الكفل.
٨٦ - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا .. ﴾ الآية.
المراد بالرحمة هنا: النبوة، أَو الجنة ونعيم الآخرة، أَو ما هو أَعم من ذلك.
﴿إنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾: هذه جملة مستأْنفة في موضع التعليل، وصلاحهم هو الصلاح الكامل؛ لأَنهم الأَنبياءُ المعصومون فاستحقوا بذلك إِدْخالهم في رحمة الله، أو المراد بالرحمة: النبوة، والمعنى: أَنعمنا عليهم بالنبوة التي هي رحمة منا لأَنهم من الصالحين لها.
٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا … ﴾ الآية.
النون: الحوت، وذا النون: يونس ﵇ ونسب إِليه، لأَنه التقمه وهو مليم، كما سيأْتى بيانه في قصته، والمعنى: واذكر يا محمد لقومك قصة ذى النون حين تولى عنهم مغاضبا لهم، فقد بعثه الله لأَهل نينوى من بلاد الموصل فبلغهم رسالة ربه، وخوفهم عذابه، ولكنهم لم يؤمنوا وأَصروا على كفرهم فهاجر عنهم مغاضبا لهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أَي: غضبان على قومه ولم يؤمر بذلك ولا أُذِنَ له فيه.
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: أَي فظن أَن لن نضيق عليه ولا نؤاخذه في متاركة قومه وخروجه من بينهم دون إِذن منا.
стр. 2912
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
في النص الكريم أُمور ملحوظة دلت عليها قصة يونس في سورة الصافات، حيث بينت أنَّهُ ﴿أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾.
والمعنى: أَنه ﵇ لما ترك قومه دون إِذن من الله غضبًا عليهم لكفرهم وإِصرارهم عليه مع طول دعوته إِياهم، التجأَ إلى سفينة مشحونة، فلما لجَّجَت بمن فيها توقفت عن السير فقال قائلهم: إن الريح مواتية، فلماذا تتوقف؟ لابد أَن يكون بها رجل عاص، فأَجروا القرعة بينهم، فخرجت على يونس، وكان بذلك من المغلوبين، فأَلقوه في البحر فالتقمه الحوت وهو مليم. أَي: آت بما يلام عليه، وأَصبح بذلك داخل ظلمة كثيفة كأَنها ظلمات، حيث احتواه بطن الحوت داخل ظلمة البحر فنادى في هذه الظلمات: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، إِذ تركت قومى دون استئذان منك.
٨٨ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ .. ﴾ الآية.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَه الذي تضمنه نداؤُه أَن "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" ففي هذه الجملة طلب يونس ﵇ من ربه بأسلوب التلويح أَن يكشف عنه غمه ويزيل عنه كربه، بعد أَن وصفه بكمال الربوبية، ونزهه عن كل النقائص واعترف على نفسه، وهو من أَلطف أَساليب الأَدب في الدعاء، إِذ يُعَرِّض بطلبه ولا يصرح به ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نزل به بسبب إِلقائه في بطن الحوت.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي وكما نجى الله يونس من غمه ينجى كل مؤْمن يعترف بذنبه ويقرّ بتقصيره فيه نادما عليه، - ينجيه - إِن هو استعان بربه وسأَله العفو والمغفرة.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: لأَنَّ الأُمور كلها تصير إِليه حتما.
٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ .... ﴾ الآية.
أَي: أَجبناه إِلى ما طلب، من أَن يرزقه الولد، وهو في سنِّ اليأْس، تفضلا منا ورحمة، وأَصلحنا له زوجه بإزالة موانع الحمل فقد كانت عقيما عاقرًا، كما جاءَ في قوله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: هو بمثابة التعليل لما تقدم من قبول الدعاء وهبة الولد وإِصلاح الزوج، أَي: استجبنا له، ورزقناه يحيى في أَقصى سن اليأْس، وأَصلحنا له زوجه العقيم، لأَن أَهل هذا البيت كانوا يسارعون في الخيرات ولا يتباطأُون عنها إِذا ما حانت الفرصة لفعلها. فالضمير في "إِنهم" لزكريا وأَهله.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: أَي ويعبدوننا مخلصين العبادة راغبين طامعين في ثوابنا، خائفين مشفقين من عذابنا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾: خاضعين مذعنين لا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.
٩١ - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا .... ﴾ الآية.
هي مريم ﵍ أثنى الله عليها بالعفة وعدم مساس البشر قبل أَن تحمل بعيسى ﵇، فإحصانها فرجها: كناية عن أَنها لم يمسسها بشر.
وقد أَراد الله تعالى أن يجعلها آية للناس بقدرته على خلق بشر في أَرحام النساءِ بغير أب على خلاف السنة المعهودة؛ ليعلموا أنه كما قدر على خلق بشر بلا أَب ولا أُم كما صنع مع آدم ﵇ وبغير أُم كما صنع بحواءَ ﵍ فهو قادر على أَن يخلقه دون أَب كما صنع بعيسى ﵇.
ويصور الله خلقه في جوفها بقوله:
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾: أَي نفخنا في جوفها من الروح الأَمين جبريل ﵇، فهو الذي نَفَّذَ أمر الله تعالى.
ومعلوم من الدين بالضرورة، أَن جبريل يطلق عليه (الروح)، كما قال تعالى:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾:
стр. 2915
ولذا قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: أَي وجعلنا ولادتها إِياه على هذه الحال آية على قدرتنا ومظهرا لربوبيتنا.
٩٢ - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً … ﴾ الآية.
والأُمة كما تطلق على الجماعة من الناس تطلق أَيضا على الدين والملة، وهو المراد هنا.
أَي: إِن الدِّين الذي جاءَ به سائر الأَنبياءِ الذين تقدم ذكر أَنبائهم دين واحد، يدعو إِلى عبادة الله وحده، وإِن اختلفت شريعة كل نبى في بعض التفاصيل الفرعية التي تقتضيها طبائع العصور المختلفة، أما العقائد وأُصول الأَحكام فواحدة من لدن آدم إلى أَن تقوم الساعة.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾: أَي وأَنا الرب الذي اخترت الدين، وأَرسلت كل رسول إِلى أُمته بشريعته جملة وتفصيلا، على وفق إرادتى، وطبقا لمشيئتى، وأَنا أَعلم كيف أَبعث الرسل إلى الأُمم برسالاتى وأَنا المستحق للعبادة دون سواى، فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى، وحيث كان دين الله واحدًا في أصوله، فيجب الإِيمان بجميع رسل الله الذين يبلغون عنه دينه.
فلا يحل لأَحد أَن يؤمن ببعض الأَنبياءِ دون بعض، ولا ببعض الكتب دون بعض، ما لم تغيرها الأَهواءُ والشهوات، وتدخل عليها ما لم يأْمر به الله.
٩٣ - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ … ﴾ الآية.
كان الخطاب في قوله تعالى في الآية السابقة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ كان هذا الخطاب يقتضي أَن يقول هنا: وتقطعتم أَمركم بينكم، ولكنه عدل إِلى أُسلوب الحديث عن قوم في حكم الغائبين فقال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إنزالًا لهم عن شرف الخطاب؛ بسبب ما أَحدثوه من التفرق في الدين وجعله قطعا موزعة، ولكى يحكى أخبارهم لغيرهم ذمًّا لهم، كأَنه قيل: أَلا ترون إِلى عظم ما ارتكب هؤلاءِ من الاختلاف في دين الله الذي أَجمعت عليه كافة الأَنبياء، وفي ذلك ذم للاختلاف في الدين، وإسقاط للمختلفين فيه عن رتبة الخطاب إِعراضا عنهم.
ومما اختلف الناس فيه من دين الله: أَمر توحيد الخالق سبحانه.
стр. 2916
فقد قال قوم: عزير ابن الله، وقال آخرون: المسيح ابن الله. وغيرهم: الملائكة بنات الله، وعبد آخرون الأَوثان، ومنهم من عبدوا الكواكب وغيرها.
وخلاصة ذلك أَنهم أَغفلوا ما أُمروا به، من وجوب الاعتصام بوحدة الدين ونبذ الفرقة فيه.
﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾: أي كل الأُمم التي فرقت الدين، واختلفت فيه، عائدون إلينا بعد الموت للجزاءِ والحساب ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾
المفردات:
﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾: أَي لا يضيع الله أجر عمله.
﴿وَحَرَامٌ﴾: الحرام الممنوع منه بقهر الله أَو بشرعه أَو بالعقل أَو بأَمر من يطاع أَمْره،
стр. 2917
والمراد منه هنا الأَول كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾: أَي منعنا موسى بقدرتنا من أَن يرضع من المراضع سوى أُمه - انظر المادة في مفردات الراغب.
﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أَي قدرنا إِهلاكها، والمراد من القرية: أَهلها.
﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾: لا يبعثون. ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: أَي فتح سدهم الذي كف أَذاهم عن البَشر. ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾: وهم من كل مرتفع من الأَرض يسرعون.
﴿الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾: الموعود الثابت، والمراد به: ما يحدث بعد النفخة الثانية من البعث والحساب والجزاءِ.
﴿شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أَي مفتوحة لا تطرف.
﴿يَا وَيْلَنَا﴾: الويل العذاب، والغرض من ندائهم إِياه: التَّحسر.
﴿كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾: أَي أَغفلناه وأَهملناه فلم نعمل له.
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: هو الوقود الذي تشتعل به النار. ﴿زَفِيرٌ﴾: الزفير نَفَسُ؛ المغموم يخرجه من أَقصى جوفه.
التفسير
٩٤ - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ .... ﴾ الآية.
بعد أَن بيَّن الله تعالى تفرق الناس في أَمر الدين؛ فمنهم من آمن ومنهم من كفر، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان مصير كل منهم.
والمعنى: فمن يعمل من الصالحات التي بينها الله في رسالاته إِلى رسله، وهو مؤمن بما يعمله منها، وبأَن التكليف بها صادر عن الله تعالى، فلا حرمان له من أَجر عمله.
وعبَّر هنا عن الحرمان من الثواب بكفران السعى، لبيان كمال نزاهة الله تعالى عنه، بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه من القبائح وإبراز الإِثابة في معرض الأُمور الواجبة منه ، مع أنها من فضله وكرمه.
стр. 2918
﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾: الضمير فيه عائد على السعى، أَي: إِننا نثبت هذا العمل في صحيفة صاحبه؛ ليعلم أننا لا نضيع عليه نقيرا ولا قطميرا من طيبات أَعماله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
٩٥ - ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾:
بيَّنَ الله في الآيات السابقة أَن الناس تقطعوا أمر الدين فيما بينهم واختلفوا فيه، وأَنهم إِلى الله راجعون للحساب والجزاءِ، وأَن المؤمنين الصالحين سيجزون خير الجزاءِ. وجاءَت هذه الآية وما بعدها لتؤكد للكفار رِجوعهم إِلى الله وسوءَ حالهم يوم القيامة.
والمعنى: وممنوع على كل قرية قضينا أَزلا بإهلاك أَهلها لشدة طغيانهم وفسادهم، حرام عليهم، وممنوع تخلفهم عن الرجوع إلينا للحساب والجزاءِ، فلا بد من رجوعهم إِلينا مقهورين بقدرتنا، مسخرين ببعثنا إِياهم وإِعادة الحياة إلى أَجسادهم؛ ليلقوا عقابهم الأُخروى، بعد ما ذاقوا عذابهم الدنيوى.
ومن العلماءِ من اعتبر حرف "لا" صلة، وليس نافيا، وأَن المعنى: وممتنع على قرية أَهلكناها أن يرجعوا إِلى الدنيا بعد إهلاكهم، أَو يرجعوا إِلى التوبة.
والمعنى الأَول هو المناسب لما تقدم من قوله سبحانه: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ ولما سيأْتى عقبه من الجزاء الأُخروى للمنكرين للبعث، وشخوص أَبصارهم وتحسرهم على كفرهم يوم الجزاءِ.
٩٦ - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾:
(حتى) هذه هي التي يبتدأُ بعدها الجمل، ولا تفارقها معنى الغاية؛ فهى غاية لمقدر يقتضيه المقام.
والمعنى: تستمر هذه القرى على ما هي عليه من الهلاك إِلى وقت فتح أَبواب الشر من يأْجوج ومأْجوج وخروجهم من كل مكان مرتفع من الجبال والهضاب، يسرعون إلى البغى والعدوان على خلق الله، والآية واضحة الدلالة على أن خروج يأْجوج ومأْجوج من علامات
стр. 2919
الساعة، كما يدل عليه قولهُ تعالى عقبها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا … ﴾ الآية. فإِن جملة ﴿اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ معطوفة بالواو على جملة ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾، داخلة معها في حيز الشرط، وجوابهما هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فكأَنه قيل: فإِذا فتحت يأْجوج ومأْجوج، واقترب بذلك الوعد الحق، فاجأَتهم القيامة بأَهوالها، كما يدل على ذلك أيضًا حديث مسلم وأَبي داود وغيرهما، فقد جاءَ فيه: "أن الله تعالى يبعث يأْجوج ومأْجوج وهم كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى ﵇ وأصحابه إِلى الله فيرسل عليهم نغفا (١) في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة … " الحديث.
ومن العلماء من قال: إِن يأْجوج ومأْجوج هم التتار، وأَنهم فتحوا السد الذي بناه دونهم ذو القرنين، وعاثوا في الأَرض فسادًا، ويعرف هذا السد بسد باب الحديد - وراءَ جيحون - بين سمرقند والهند، كما يشتهر أيضًا بسد الصين، وقد اجتازه تيمورلنك بجيوشه المخرِّبة ومر به "شاه روح" وكان في خدمته رجل ألمانى يدعى "سيلد برجر" وجاءَ ذكر هذا السد في كتابه، كما تحدث فيه عن مرور "الشاه" به وكان ذلك في أَوائل القرن الخامس عشر (٢).
ولعله يشهد لصحة هذا الرأْى ما أَخرجه مسلم بسنده عن أُم حبيبة بنت أبي سفيان أَن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ فزعا محمرًّا وجهه يقول: "لا إله إلا الله. ويل للعرب من شَرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأْجوج ومأْجوج مثل هذه - وحلق بأَصبعه الإِبهام والتى تليها - قالت: يا رسول الله: أَنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم - إِذا كثر الخبث (٣) ".
فهذا يؤذن بأَن بداية فتح السد حدثت في عهده ﷺ وقد توقع النبي من ذلك شرًّا كثيرًا على العرب، وقد وقع ذلك في غزوات التتار على البلاد
стр. 2920
الإسلامية، وقتلهم الخليفة فى بغداد، وإلقائهم كتب العلم في نهر دجلة، وقتلهم أعدادا هائلة من المسلمين، واستيلائهم على البلاد الإسلامية حتى الشأم، حيث هزمهم جيش مصر في معركة (عين جالوت) [¬*]
سؤال هام وجوابه
إذا كان سد (يأجوج ومأجوج) قد فتح كما يشير إليه حديث مسلم المذكور، وكما دلت عليه أحداث التتار بعد تحطيم سد الصين الذى اشتهر بأنه سد يأجوج ومأجوج، فكيف يكون تخريبه من علامات الساعة القريبة، فى حين أن الدنيا لا تزال كما هي دون أن تحدث أشراط الساعة الكبرى، ومنها نزول عيسى ﵇؟ ولا يحتمل أن يكون (يأجوج ومأجوج) لا يزالون وراءَ سدهم في مكان آخر من الأرض وأنه لم يفتح بعد؛ فإن الأقمار الصناعية صَوَّرتْ كل أنحاء الأرض، والطيارات طارت فوق أقطارها وبحارها فلم يبق في أرض الله مكان خفى عن عدسات التصوير أو عن العيون، عن العيون، فكيف تكون أُمتان بهذا الخطر، وبالكثرة التى تحدثت الأخبار عنها ولا يعثر لهم على مكان؟ فضلا عن أن بلاد الله كلها مفتوح بعضها على بعض، ومتصلة بشتى وسائل الاتصال فأين يوجدون؟
لهذا نرى أن يأجوج ومأجوج اسمان مأخوذان - كما قالوا - من أَجَّ الظليم: إذا أَسرع أو من أَجيج النار: وهو اتقادُها، فيمكن إطلاقهما على ذوى الغلبة والقهر من أهل الفساد
وقد أطلقهما الله فى سورة الكهف على صنف حجزهم ذو القرنين بسده ثم فتحوه، وأطلقهما هنا على صنف خطير آخر يخرج فى آخر الزمان في عهد عيسى ﵇ قرب قيام الساعة، ويكون من علاماتها، وقد عبر اللهُ عن خروجهم حينئذ بالفتح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ على سبيل الكناية، للإيذان بأن أبواب شرهم تفتح على مصاريعها بعد أن كانت مغلقة، كما تقول: فتح العدو شره على الآمنين، هذا ما نراه في فهم النص الكريم، والله تعالى أعلم
٩٧ - (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقِّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا.) الآية.
المراد باقتراب الوعد الحق؛ القرب الشديد للبعث الذي وعده الله عباده في كتابه
стр. 2921
وعدًا ثابتا لا يتخلف، ليحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم، ويكون بعد النَّفْخَةِ الثانية في الصور.
وجملة ﴿اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ معطوفة بالواو على جملة ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ وكلتاهما فعل الشرط. أَما جوابه فهو قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما تقدم بيانه. أَي: فإذا حال الذين كفروا وشأْنهم شخوص أَبصارهم، وفتحها على أَهوال القيامة بحيث لا تطرف ولا تغمض.
﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي يقولون من شدة الكرب في حسرة وندامة: يا هلاكنا قد كنا في دنيانا في غفلة عن هذا اليوم، وما فيه من الأَهوال الجسام، ولم ندر أَنَّه مصيرنا، ثم أَضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، فقالوا: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأَنفسنا حيث نبهتنا الآيات والنُّذُر فلم نتنبه للخطر المنتظر، وبقينا كافرين بالبعث والحساب فحق علينا قول ربنا بالخلود في العذاب المهين.
المعنى الإجمالى للآيات السابقة
ولكى يتضح معنى هذه الآيات الثلاث مجتمعة نجملها فيما يلى:
٩٥ - وممنوع على أَهل أَية قرية أهلكناها لكفر أَهلها وطغيانهم، ممنوع عليهم أَن يتخلفوا عن الرجوع إِلينا للحساب والجزاءِ. فلابد من رجوعهم إِلينا لذلك.
٩٦ - وتستمر هذه القرى المهلكة على ما هي عليه من الهلاك إلى وقت فتح أَبواب الشر من (يأْجوج ومأْجوج) (١) وخروجهم من كل مكان مرتفع يسرعون إلى العدوان في آخر الزمان.
٩٧ - واقترب بخروجهم تحقيق الوعد الحق بالبعث، إذ يهلك الله الخلائق ثم يبعثهم ويحشرهم إِلى ساحة الحساب حيث الأَهوال الجسام، فإذا أَبصار الكافرين الذين أَنكروا البعث شاخصة لا تطرف هلعا، يقولون من شدة الكرب: يا عذابنا الشديد الذي
стр. 2922
ينتظرنا، قد كنا في دنيانا في غفلة عن هذا اليوم بل كنا ظالمين لأَنفسنا بالإِصرار على الكفر.
٩٨ - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾:
الخطاب في الآية لأَهل مكة، ومعلوم أَنهم كانوا مقيمين على عبادة الأَصنام والأَوثان، فالله يخبرهم بأَن مصيرهم ومعبوداتهم النار، وهذا الحكم عام فيهم وفي كل من عبد غير الله على شاكلتهم، كالذين يعبدون الكواكب أو الأَشجار أَو نحوها.
أَما المعبودات العاقلة المؤْمنة فلا تدخل في هذا العموم؛ لأَن (ما) في قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ لما لا يعقل.
روى أَن رسول الله ﷺ حين تلا هذه الآية قال له ابن الزبعرى: خَصَمتُكَ وربِّ الكعبة: أَليست اليهود عبدوا عزيرا والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة؟ فردَّ عليه بقوله ﷺ : "ما أَجهلك بلغة قومك أما فهمت أنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ؟ ".
ولو جعل الخطاب عاما لم يدخل هؤلاء كما تقضى به أَدلة السمع والعقل، لبراءَتهم من الذنوب والمعاصي التي ارتكبها عابدوهم بتسويل شياطينهم، وسيأْتى النص على براءَتهم في الآية رقم (١٠١).
والحَصَبُ: ما تُرمَى به النار لتتقد به - من حَصَبه بكذا أَي: رماه به.
والمعنى: إِنكم يا أَهل مكة ومن على شاكلتكم ممن يعبدون غير الله يُرْمَى بكم وبمعبوداتكم في نار جهنم، أَنتم عليها واردون وفيها داخلون، فلا تعصمكم منها آلهتكم كما لا تعصم نفسها منها، فكيف تعبدونها؟
٩٩ - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
أَي: لو كان ما تعبدونه - يا أَهل مكة - من أَوثانكم آلهة، لما دخلوا النار واحترقوا بها، فإن الإله يحمى نفسه من العذاب، وكل من العابدين ومعبوداتهم في نار جهنم خالدين، لا فكاك لهم فيها، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
стр. 2923
ويلاحظ أَن إِحراق آلهتهم معهم لا يرجع إِلى مسئولية الآلهة عن عبادة البشر لهم؛ لأنَّها لا تسمع ولا تعقل ولا تحس، بل المراد منه تسفيه عقول هؤلاءِ الذين عبدوها وإِهانتهم بإهانة آلهتهم.
١٠٠ - ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾:
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ الزفير: خروج النفَس من الحيوان.
والمعنى: لأهل مكة وسواهم من المشركين - لهم في جهنم - أَنفاس متتابعة تخرج من صدورهم، يحاولون بها تنفيس ما بهم من وقود النار وسوءِ الحال، وهم في النار لا يسمع بعضهم زفير بعض ولا صراخهم؛ لشدة ما يعانونه جسديًّا ونفسيًّا، نعوذ بالله من شرها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾
стр. 2924
المفردات:
﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة، أَو التوفيق للطاعة. ﴿حَسِيسَهَا﴾: أَي الصوت الذي يحس من توهجها ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾: الخوف الأَعظم بسبب صرف أَهل النار إِلى النار.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: كطى الديوان لصحائفه المكتوبة.
﴿الزَّبُورِ﴾: المراد به هنا كل كتاب أَنزله الله، مأْخوذ من الزَّبْر وهو الكتابة، وقد غلب لفظ الزبور على كتاب داود ﵇.
﴿الذِّكْرِ﴾: المراد به هنا اللوح المحفوظ.
﴿لَبَلَاغًا﴾: لكفايةً تُبْلغُ الإِنسان إِلى بغيته.
التفسير
١٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾:
بعد أَن ذكر الله سوءَ مصير من يتَّخذون آلهة من دون الله، وأنهم وما يعبدون وقود جهنم وأَنهم فيها مخلدون، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان حُسْن جزاء المؤمنين. والحسنى: تأْنيث الأَحسن والمراد بها هنا: الجنة، أو التَّوفيق للطاعة، فهو الخصلة الحسنى، ومعنى سبق الحسنى لهم: تقديرها في الأَزل من الله تعالى، لما علمه فيهم من إِيثارهم طاعته على هوى أَنفسهم.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: أَي أُولئك الذين سبقت لهم منا الحسنى مبعدون عن جهنم أَي لا يدخلونها.
وأَما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١):
فقيل: الخطاب للكفار خاصة، وقيل: إِن الورود قد يطلق على القرب، ولا مانع من أَن يحضر المؤمنون من الإِنس والجن حول جهنم حيث لا يحسون بصوتها ولا يشعرون بحرارتها. ويؤيد هذا قوله تعالى:
стр. 2925
١٠٢ - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾:
أَي: لا يسمعون صوتها الصادر عن اتقادها، فضلا عن أَنهم لا تدركهم حرارتها، تكريما لهم - ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾: أَي دائمون فيما أَحبته نفوسهم من أَلوان النعيم حسية كانت أو معنوية، فبكل يتنعمون، وهذه ثلاث صفات لمن سبقت لهم الحسنى، وهى: البعد عن النار، وعدم الإِحساس بما فيها من الشدائد، وخلودهم في الجنة ينعمون بلذتيها الحسية والمعنوية.
١٠٣ - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾:
وهذه صفة أُخرى لهم تضمنت الوعد بنجاتهم من بعض أَهوال الآخرة.
و ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾: الخوف الأَعظم، والمراد به: النفخ الثاني في الصور، وقيل: الموت، وقيل: انصراف أَهل النار إلى النار.
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أَي يستقبلونهم مبشرين، قائلين لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾: به في الدنيا، وتبشرون بمجيئه وبالنعيم فيه، ويكون هذا الاستقبال عند القيام من القبور، وهذا يؤيد تفسير "الفزع الأَكبر" بالنفخ الثاني في الصور. وتبشير الملائكة لهم حين تلقاهم يكون بالأَمان والسلامِ وتحقيق الوعد الذي وعدوا به في الدنيا، ويعتبر ذلك أسْمَى نعم الله عليهم، ومنتهى آمالهم وأَمانيهم.
١٠٤ - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ … ﴾ الآية.
المراد من طى السماء: إِخفاؤها بالمحو لتحل محلها سماءٌ أُخرى، وفاقًا لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ والسجل: الديوان الذي يشتمل على الصحائف المكتوبة، ويطلق أَيضًا على كل صَكٍّ به كتابة مسجلة فيه، والمراد
стр. 2926
بالكتب: ما يكتب فيه من الأُمور المختلفة، وقرئ ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أَي: لجنس الكتاب، والمعنى لا يختلف في القراءَتين، ومعنى الآية: واذكر لأُمتك أيها الرسول - اذكر لهم - يوم نخفى السماءَ كما يخفى السجل ما كتب فيه حين يطوى عليه، وذلك ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ حيث يبعث الله الخلائق ويحشرها على أَرض جديدة، وتحت سماءٍ جديدة ليحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾: أَي أَنه تعالى يُعيد السماءَ كما بدأَها بعد أَن أَفناها بقدرته سبحانه؛ فإنه يقول للشئِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وأَجاز بعض المفسرين أَن يكون المعنى: كما بدأْنا أَول خلق الناس حفاة عراة نعيدهم كذلك، واستندوا إِلى حديث أَخرجه مسلم عن ابن عباس جاءَ فيه: "قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: يا أَيها الناس: إنكم تحشرون إِلى الله حفاةً عراة غرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أَلا وإِن أَول الخلائق يكسى يوم القيامة إِبراهيم ﵇ … " الحديث. كما استندوا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله : ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أَي وعدنا بإِعادة الخلائق وبعثهم وعدا علينا إنجازه، إنا كُنَّا فاعلين ما وعدناهم، قادرين على تحقيقه.
١٠٥ - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾:
المراد من الزبور هنا: كل الكتب السماوية، التي أَنزلها الله على أَنبيائه ورسله. مأْخوذ من زبَرَ الكتابَ (١) - أي كتبه - والمراد من الذكر: اللوح المحفوظ الذي هو أُم الكتاب - كما قاله مجاهد وابن زيد، والمراد بالأَرض التي يرثها عباد الله الصالحون: أَرض الجنة، كما قاله ابن عباسٍ ومجاهد وسعيد بن جبير وأَبو العالية، ودليل هذا التأْويل قول أَهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ
стр. 2927
الْعَامِلِينَ﴾. وتأْويل الأَرض بالجنة هو المناسب لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بعد قوله تعالى.: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآيات.
والمعنى على هذا: ولقد كتبنا في جنس الكتب السماوية من بعد الكتابة في اللوح المحفوظ: أَن أَرض الجنة يرثها عبادى الصالحون أهل التَّقْوَى، ولأُمة محمد خير نصيب فيها بمشيئة الله تعالى.
ومن العلماءِ من ذهب إلى أَن المراد بالأَرض: أَرض الدنيا، والوارثون لها: أُمة ﷺ ، يستولون عليها من الكافرين بالفتوحات، سلمية كانت أَو حربية، مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١) وهذا الرأْى هو إِحدى الروايات عن ابن عباس.
وعلى أَن المراد بالأَرض أرض الدنيا، والوارثين لها أمة محمد ﷺ يصح أن يراد من الزبور كتاب داود ﵇ ومن الذكر التوراة فإِنه يطلق عليها الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فتكون البشارة بميراث أمة محمد للدنيا جاءت في الزبور بعد التوراة.
١٠٦ - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾:
البلاغ يطلق على الكفاية، وعلى ما يتوصل به إِلى الغاية. والمعنى: أَن ما تقدم مما احتوته السورة من عقائد وشرائع وآداب فيه الكفاية للوصول إلى الغاية المطلوبة لقوم شأْنهم العبادة، فإذا أَخذوا أَنفسهم به واحتكموا إلى شرائعه، والتزموا بآدابه بلغوا ما يرجون من عظيم الثواب، والنجاة من العقاب …
стр. 2928
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾
المفردات:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: المراد من الاستفهام هنا: الأَمر. ﴿تَوَلَّوْا﴾: أَعرضوا ولم يُسْلِموا.
﴿آذَنْتُكُمْ﴾: أَعلمتكم. ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾: أي من غلبة المسلمين للكافرين.
﴿الْجَهْرَ﴾: ما تظهرونه وتجهرون به. ﴿مَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تسرون وتخفون.
﴿إِنْ أَدْرِي﴾: لست أَدرى. ﴿فِتْنَةٌ﴾: ابتلاءٌ واختبار.
﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: اقض بالعدل. ﴿مَا تَصِفُونَ﴾: ما تقولونه من الكفر والتكذيب.
التفسير
١٠٧ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: أَي وما بعثناك يا محمد بما بعثناك به من الهدى ودين الحق؛ إِلا رحمة للناس أَجمعين؛ فإِنك توضح لهم به صحيح العقيدة، وتعلمهم الأَحكام التي بها يحكمون، وإِليها يحتكمون، وفيها مناط السعادة في الدارين، فما أَرسلناك بما يُعْنِتُهُم أَو يشق عليهم أَو بما هو فوق طاقتهم، وهو ما يوضحه قوله تعالى:
стр. 2929
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وفيه تعريض بما فوت الكافر على نفسه من هذه الرحمة، حين أعرض ونأَى بجانبه، فخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
١٠٨ - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ … ﴾ الآية.
بعد أَن بين الله سبحانه أَنه سيطوى السماءَ، ويبعث الخلائق كما بدأَهم، وأَن أَرض الجنة يرثها الصالحون، وأَنه أَرسل نبيه محمدًا رحمة للعالمين عقب ذلك بأَمره ﷺ أن يدعو المشركين إِلى التوحيد والإِسلام؛ رحمة بهم لعلهم يسلمون، فينجوا من سوءِ المصير.
والمعنى: قل أَيها المبعوث رحمة للعالمين - لهؤلاءِ المشركين من قومك ولغيرهم: ما أَوحى الله إليَّ إلاَّ أنه إِله واحد، فما لكم تتخذون معه آلهة تعبدونها من الحجر والشجر والبشر وغيرها، ولا تصلح العبادة لسواه.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أَي فأَسلموا لله وانقادوا لأَمره، والتمسوا رضاه بطاعته؛ حتى تفوزوا بالنجاة وتكونوا من المفلحين. ثم عقب ذلك بإِنذارهم على الإِعراض فقال:
١٠٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ .. ﴾ الآية.
أَي: فإِن أعرضوا عما دعوتهم إليه، فقل لهم: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾: أَي بلغتكم ما أَوحى الله إِليَّ أَن أُبلغه من توحيده في العبادة، مستوين في الإِعلام بذلك، فلم أَخص به جماعة دون آخرين.
ويجوز أَن يكون المعنى: أَعلمتكم ذلك مستويا معكم (٢) في العلم بما أَعلمتكم به من وحدانية الله لظهور الأَدلة عليها، كما يجوز غير ذلك من المعانى، وحسب القارئ ما ذكرنا.
стр. 2930
وقد نقل الآلوسى عن الزمخشرى أَن في قوله تعالى لهم: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الخ استعارة تمثيلية، حيث شبه حال الرسول معهم بحال من بينه وبين أَعدائه هدنة، فأَحس بغدرهم فنبذ إِليهم العهد، وشَهَرَ النَّبْذَ وأَشاعه، وآذنهم جميعا بذلك - وعقب عليه الآلوسى بقوله: وهو من الحسن بمكان. اهـ
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: إن، هي النافية، والمراد بقوله: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ هو غلبة المسلمين عليهم، أَو هو ما يلقونه من عذاب يوم القيامة، أَي أنا لم أَعلم ذلك لأَن الله استأْثر بعلمه، ولم يطلعنى عليه، إنما علم ذلك كله عند ربي.
١١٠ - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾:
إِنه سبحانه يعم ما تطعنون به عليَّ وعلى شريعتى مجاهرين بذلك، ويعلم ما تخفون في صدوركم من الأَحقاد على المسلمين، وإِذا كان الله يعلم الجهر وما يخفى، وهو مُجَاز عليهما لا محالة، كان على العاقل البصير أَن يخلص النية لله تعالى، وأَن يصون لسانه وقلبه عن الوقوع فيما يوبقه من القول والنية وسوءِ الظن.
١١١ - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ .... ﴾ الآية.
الضمير في ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ عائد على مفهوم من المقام، وهو تأْخير مجازاتهم، والمعنى: لست أدرى؛ لعل تأْخير مجازاتكم مع إِصراركم على ما أَنتم عليه زيادة لكم في الفتنة وإِبعاد في الاختبار والإِملاء.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: وتمتيع من الله لكم بلذات الدنيا إِلى وقت مقدر تقتضيه الحكمة الإِلهية، ويعظم فيه قيام الحجة عليكم، فيكون أَشد في الإِيقاع بكم؛ لأَن المعرض مع تتابع الآيات وتوالى النذر يكون أَشد عقابًا وأَبعد نكالا.
١١٢ - ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ … ﴾ الآية.
ختم الله السورة بحكاية دعاءِ نبيه ﷺ وتفويضه الأَمر إِلى ربه وتوقعه الفرج منه.
стр. 2931
والمعنى: قال الرسول: يا رب اقض بينى وبين قومى بحكمك الحق وذلك بنصرتى عليهم. وقد قرئَ: قُلْ بصيغة الأَمر، أَي: قل يا محمد داعيًا ربك أَن يفصل بينك وبين قومك بالحق والعدل. قال قتادة: كان الأَنبياءُ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ فأَمر رسول الله أَن يقول ذلك، فكان إِذا لقى العدو يقول - وهو يعلم أَنه على الحق، وعدوه على الباطل -: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ اهـ.
ولا فرق في المعنى على القراءَتين إلاَّ أَن قراءَة "قال" لحكاية ما قاله ﷺ وقراءَة "قل" أَمر من الله لنبيه بما يدعو به.
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾:
كانوا يقولون: إنهم على حق في عبادة أَوثانهم، وإِن العاقبة سوف تكون لهم وإِن ما توعَّدهم به القرآن من العذاب على شركهم لو كان حقا لنزل بهم، فلهذا حكى القرآن عن نبيه ﷺ أَنه قال لهم في مقابل ما قالوه: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: والله الذي مَلَكنا وربَّانا، المنعوت بالرحمة الشاملة هو الذي أَطلب معونته على تفنيد ما تزعمون من تلك الأَوصاف، بإِظهار حقى على باطلكم ونصرى عليكم، وقد كذَّب الله سبحانه ظنونهم، وخيب آمالهم وخذلهم، ونصر الرسول والمؤمنين عليهم وصدق الله العظيم إِذ يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
стр. 2932
" سورة الحج"
اختلف في كونها مدنية أَو مكية، والجمهور على أَنها مختلطة، فمنها مكى ومنها مدنى، قال القرطبى: وهذا هو الأَصح لأَن الآيات تقتضى ذلك، ثم نقل عن الغزنوى قوله في هذه السورة: "وهى من أَعاجيب السور، نزلت ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، مكيا ومدنيَّا، سلميًّا وحربيًّا، ناسخا، ومنسوخا، محكما ومتشابها".
مقاصدها:
بدأت هذه السورة بأَمر الناس بتقوى الله، والتحذير من أَهوال يوم القيامة حيث يحاسبون على أَعمالهم، وأَتبعته التحذير من الجدال في الله بغير علم، وبيَّنت أطوار خلق الإِنسان ودلالتها على البعث، كما بينت دلالة إِخراج النبات من الأَرض عليه.
ثم حذرت من عبادة الله على حرف - أَي على ضعف وشك - فإِنه وخيم العاقبة، وأَتبعت ذلك بيان حسن مآل المؤمنين الصادقين، وأَنه تعالى سينصر رسوله على من كفر به، وسيفصل بين المؤمنين وأَعدائهم يوم القيامة، وأَنه تعالى يخضع لسلطانه من في السموات والأَرض، وجميع الكائنات العلوية والسفلية، وأَن كثيرا من الناس يسجد له سجود طاعة عملا بشرائعه، وكثيرا منهم حق عليهم العذاب بسبب عدم سجودهم وخضوعهم لشرائعه، ثم بينت مصير المختصمين في ربهم، فذكرت أَن الكافرين تقطع لهم ثياب من نار، ويعذبون بمختلف أَلوان التعذيب فيها، وأَن المؤمنين يدخلون الجنة ويحلون فيها بالذهب واللؤْلؤ ويلبسون ثياب الحرير، ويهتدون فيها إِلى الطيب من القول مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، ويهتدون إِلى طريق الله الحميد في سلوكهم فليس فيها لغو ولا كذب ولا شغب، فأَقوالهم دائما طيبة، وأَعمالهم حسنة، وعشرتهم مرضيه ثم بينت أنه تعالى عرَّف إِبراهيم مكان البيت ليبنيه للطائفين والعاكفين والركع السجود، وأَمره أَن يدعو الناس إِلى حجه مشاة وركبانا، يأْتون من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأَنعام، وأَن يَطَّوَّفوا بالبيت العتيق، وحذرت من الشرك بالله في أَداءِ المناسك، وأَوجبت تعظيم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب،
стр. 2933
ثم ذكرت أَن البُدْنَ المهداة من شعائر الله، وأَنها تذبح قائمة على قوائمها، وبينت أَن الله تعالى لن يصل إِليه شيء من لحومها بل تصل إِليه التقوى ممن أَهْدَوْها فينبغى لهم أَن يشكروه على تسخيرها لهم، ويكبروه على ما هداهم، وأَن هؤُلاء الحجاج الشاكرين المكبرين لهم البشرى على إِحسانهم، ثم عقبت ذلك ببيان أَنه تعالى تكفل بالدفاع عن المؤمنين، لأنه لا يحب كل مختال فخور.
وبينت أنه تعالى أَذن للمهاجرين الذين أُخْرِجوا من ديارهم بغير حق أَن يقاتلوا دفاعًا عن أَنفسهم، وأَنه تعالى قد شرع لعباده شرعة الدفاع، فلولاه: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
ثم ذكرت أَن الرسول ليس وحده في تكذيب قومه إِياه، فقد كُذَّب نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى من أَقوامهم، وأَنه تعالى أَهكهم، وأَنه - سبحانه - أَمهل كثيرا من القرى وهى ظالمة، ثم أَخذها وإِليه المصير ليعاقبها في الآخرة بعد إِهلاكها في الدنيا، والمقصود مما ذكر تسلية الرسول ﷺ عما أَصابه من قومه، ووعيد قومه بأَنهم إن لم يؤمنوا أَصابهم ما أَصاب الأُمم التي قبلهم وأَن عليهم أَن لا يَغْتَرُّوا بإِمهالهم.
ثم بينت أَن الشيطان كما يوسوس للمشركين من أُمته ﷺ فيلقى في نفوسهم الشَّبَه والتخيلات أَثناء قراءَته ليجادلوه بالباطل، فإِنه فعل مثل ذلك مع أُمم الأَنبياءِ والمرسلين السابقين وأَنه تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان من الشبه - أَي يبطله - بتوفيق النبي ﷺ لرده، أَو بإنزال ما يرده ثم يأّى الله بآياته محكمة لا تنال منها شبهة من الشياطين وأَوليائهم.
ثم بينت أَنه لا يزال الذين كفروا في مرية منه لعماهم عن الحق حتى يأْتيهم عذاب يوم عقيم، والملك يومئذ يتفرد به الله، فيحكم بينهم ويجزى كل امرئٍ بما قدمت يداه.
وذكرت أَن من أَدركه الموت بعد الهجرة - سواءٌ أَمات حتف أَنفه أَو قتل في سبيل الله - فإن الله يرزقه في الجنة رزقًا حسنا بسبب هجرته، وأَن من عاقب المعتدى بمثل ما بدأَه به من
стр. 2934
الاعتداءِ، ثم تمادى المعتدى فإِن الله ينصر من بُغِىَ عليه، ذلك بأَن الله هو الحق، وما يعبده المشركون من دونه هو الباطل، وأَن الله هو العلى الكبير.
ثم تحدثت عن آيات الله في إِنباته من الأَرض نباتًا بهيجًا، وفي تسخيره ما في السموات والأَرض، وإِمساكه السماءَ أَن تقع على الأرض إِلا بإِذنه، وفي الإِحياءِ والإِماتة، وذكرت أَنه تعالى جعل لكل أُمة منسكا وشريعة، فلا يصح أن ينازعك أَحد يا محمد فيما شرعه الله لأُمتك من الشريعة العامة الخاتمة، فإِن جادلوك ففوض الأمر إِلينا، فسوف نحكم بينك وبينهم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون.
وتحدثت عن أَن معبودات المشركين لا تصلح للعبادة لأَنها ضعيفة وقد بلغ من ضعفها أَنها لا تستطيع أَن تخلق ذبابا ولو اجتمعت لخلقه - وإِن سلبها الذباب شيئًا لا تستطيع استعادته منه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، وأَن المشركين ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
وأَنه تعالى: ﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ للأَنبياء ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، رسلا للبشر فلا وجه لاعتراض مشركى مكة على اختيار محمد ﷺ للرسالة، وطالبتِ المؤمنين في ختامها بأن يركعوا ويسجدوا ويعبدوا ربهم ويفعلوا الخير ليفلحوا، وأَن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده لأَنه اجتباهم، وأنه سبحانه ما جعل عليهم في الدين من حرج ملة أَبيهم إِبراهيم، وأَنه سماهم المسلمين من قبل وفي هذا القرآن ليكون الرسول شهيدا عليهم ويكونوا شهداءَ على الناس، ولهذا يجب عليهم أَن يقيموا الصلاة ويؤْتوا الزكاة ويعتصموا بالله الذي هو مولاهم ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
стр. 2935
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾
المفردات:
﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: التحريك الشديد المتكرر الذي يزيل الأَشياءَ عن مقَارِّهَا (١) والساعة: القيامة، وسميت بذلك لأَنها تفجأُ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله تعالى، والزلزلة التي تحدث عند الساعة من صنع الله تعالى ككل الزلازل، وإضافتها إِلى الساعة من إِضافة المصدر إِلى فاعله مجازا كما في نحو إِنبات الربيع للبقل، والمنبت في الحقيقة هو الله، أَو هي من إِضافة الحدث إِلى زمن حدوثه، فإِن الساعة زمن حدوث تلك الزلزلة الكبرى، كما أُضيف المكر إِلى الليل والنهار في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢).
﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ الذهول: النسيان، والمرضعة: التي تباشر الإرضاع فعلا، أَما المرْضِع - بلا هاء - فهى مَنْ شأْنُها الإِرضاع وإن لم تباشر الإرضاع حال وصفها به.
стр. 2936
التفسير
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
الخطاب في الآية يعم حكمه المكلفين من وقت نزولها إلى أَن تقوم الساعة، والأَصل في الخطاب أَن يكون لمن حضر المشافهة به، ولكن الخطاب الشرعى يعم حكمه كل من يصل إلى سِنِّ التكليف في عهد الرسول أَو بعده إلى أَن تقوم الساعة وذلك بطريق التغليب عند بعض الفقهاءِ، وبطريق الحقيقة عند غيرهم، وعموم الحكم في ذلك أَمر معلوم من الدين بالضرورة، سواءٌ أَكان بالتغليب أَم بالحقيقة، والزلزلة: التحريك الشديد المتكرر كما تقدم بيانها في المفردات، وقد تستعمل في تهويل الأَمر وتعظيم الخطب على سبيل المجاز، والمقصود بها في الآية: إما المعنى الحقيقى المصاحب لقيام الساعة بعد النفخة الثانية وفيه يقول الله سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).
ويقول أَيضا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٢).
وإِما أَن يقصد بها المعنى المجازى، وهو ما يحدث يوم القيامة من أَهوال جسام تجعل الولدان شيبا، ويكون الناس بسببها سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
والزلزلة على كلا المعنيين تكون يوم القيامة، وبه أَخذ ابن عباس، فقد روى عنه أَن زلزلة الساعة: قيامها، وممن قال بهذا الرأْى الحسن.
وقيل: المراد بها زلزلة تحدث قبل قيام الساعة وقبل طلوع الشمس من مغربها، فقد وردت آثار كثيرة بحدوث زلزلة عظيمة قبل قيامها، وتكون من أَشراطها، ويقول أَصحاب هذا الرأْى: إِنها تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
والرأْى الأَول هو الظاهر من الآية - كما يؤذن به صدرها وختامها - فإِنه سبحانه دعاهم فيها إلى التقوى خوفا من العذاب الشديد يوم زلزلة الساعة، فهذا شاهد على أَن
стр. 2937
المراد بالزلزلة: ما يحدث يوم القيامة بعد النفخة الثانية من تغييرات كونية، يشير إليها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) والمعنى الإِجمالى للآية: يأَيها المكلفون من الناس ذكوركم وإِناثكم، معاصرين لنزول الوحى أَو بعده إِلى يوم القيامة: اجعلوا لأَنفسكم وقاية وحماية من عذاب ربكم وذلك بطاعته فيما أَمركم به أَو نهاكم عنه، فإن زلزلة الساعة وأَهوال يوم القيامة، شئٌ عظيم الخطر منبئٌ عن مجئِ الوعد الحق، حيث تحاسبون على أَعمالكم وتجزون عليها.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢)، فالعاقل من أَخذ من يومه لغده، وعمل لما بعد الموت.
وبعد أَن نَبَّه الله على خطورة الساعة بتعظيم زلزلتها وتهويلها، عقب ذلك ببيان بعض آثارها على الناس فقال:
٢ - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾:
تضمنت هذه الآية ثلاثة آثار لزلزلة الساعة، وما أَحدثته من هول ورعب "أَولها" أَن الأُم التي ترضع وليدها في حنان وإِقبال عليه، تراها حين تحدث زلزلة الساعة الرهيبة، تنسى وليدها الذي تضعه في حجرها، وتنحنى عليه وقد أَلقمته ثديها، تنساه من الرعب الذي هز كيانها، وعطل أُمومتها وأَذهل عقلها وجمد حنانها، وما كانت لتنساه لولا أن الخطب شديد "وثانيها": أَنك ترى الحوامل من شدة الهول والفزع تتعطل أَجهزة الإمساك في أَرحامهن فتنحدر الأَجنة دون إِرادة منهن، ولا يمر الأَسى بقلوبهن على أَجنتهن، فالرعب من الحاضر والخوف من المستقبل يستولى على مشاعرهن "وثالثها": أَنك ترى الناس فقدوا الوعى والرشاد، حتى تحسبهم سكارى من الفزع والاضطراب والهذيان.
والكلام على طريق التمثيل، وأَنه لو كان هناك مرضعة ورضيع لذهلت عنه حال إِرضاعها إِياه لشدة الهول، وكذا ما بعده، لأنه لا حمل ولا رضاعة ولا سكر يوم القيامة أما إذا أُريد من الزلزلة ما ورد حدوثه منها قبيل قيام الساعة وقبيل طلوع الشمس من مغربها، فيجوز حمل الكلام على حقيقته.
стр. 2938
والمعنى الإِجمالى للآية: يوم ترون آثار هذه الزلزلة العظمى تنسى كل أُم ترضع ولدها أَنه في حجرها، وأَن ثديها في فمه، وتغفل عنه غفلة تامة، لشدة ما أَصابها من الرعب والفزع والذهول من أَهوالها، وتتحلل عضلات الإِمساك في أَرحام الأُمهات فلا تستطيع الحفاظ على أَجنتها، فتنحدر تلك الأَجِنَّةُ دون إرادة من أُمهاتها. وترى الناس من قُوَّة الهول والفزع كأَنهم سكارى من شدة الذهول والهذيان، وليسوا سكارى على الحقيقة، ولكن عذاب الله يومئذ شديد عنيف. نسأَل الله الأَمان واللطف بعباده.
قال الزمخشرى في كشافه: روى أَن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بنى المصطلق. فقرأَهما رسول الله ﷺ ، فلم يُرَ أَكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أَصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا، وكانوا من بين حزين وباك ومفكر.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾
المفردات:
﴿يُجَادِلُ﴾: يخاصم ويحاور، والجدل: شدة الخصومة والمدافعة (مَرِيدٍ): متجرد للفساد، من قولهم: شجرة مرداءُ لا ورق لها، وغلام أَمْرَدُ لمن لم ينبت شعر لحيته.
﴿تَوَلَّاهُ﴾: اتخذه وليًّا ومتبوعا.
التفسير
٣ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾:
تحدثت الآيتان السابقتان عن زلزلة الساعة وأَهوالها ومظاهر الرعب التي تحدث فيها وعن وجوب تقوى الله والعمل ليوم الوعيد، تفاديا للعذاب الشديد. وجاءَت هذه الآية
стр. 2939
والتى تليها عقبهما، لتجهيل من يجادل في الله وقدرته على بعث الناس وحسابهم، وتحذير الناس من سوء عاقبة الذين يتبعونه ويقتدون به، وقد نزلت الآيتان في النضر بن الحارث فقد أَخرج ابن أَبي حاتم عن أَبي مالك ﵁ (أَنه كان جَدِلًا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أَساطير الأَولين، والله لا يقدر على إحياءِ من بَلِىَ وصار ترابًا).
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالنص الكريم في هذه الآية والتى تليها يتناول كل من يتبع أَئمة الضلال، فيجادل في شئون الله بغير علم.
والمعنى: ومن الناس من يخاصم ويدافع في شئون الله تعالى بجهالة، فلا يرجع في مزاعمه إِلى برهان عقلى أَو دليل نقلى، كهذا الذي ينكر البعث والنشور ويستبعده على الله الذي خلقنا أَول مرة، وخلق الأَرض والسموات العلى، وكالذى ينسب إلى الله البنين والبنات في حين أَنه تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وكالذى ينكر معجزة القرآن دون حجة أَو برهان، وهو في ذلك وأَمثاله يتبع كل شيطان مريد متجرد للفساد عَرِيًّ عن الخير والحق، من شياطين الجن أَو من شياطين الإِنس وقد عقَّب الله هذه الآية ببيان مصير أُولئك المتبعين لأَئمة الضلال فقال:
٤ - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾:
أَي قضى الله على الشيطان المريد من أَئمة الضلال أَنه من اتبعه وسلك سبيله، فشأْنه أَنه: يضله عن سواءِ السبيل في دنياه، بتحسين البدع والمنكرات، وتزيين المحرمات وفاسد المعتقدات ويسوقه باتباعه في ذلك إِلى عذاب السعير في أُخراه، فعلى العاقل أَن ينظر في العواقب، فلا يجعل نفسه تابعا لذى رأْى فاسد، ومذهب ملحد لينجو من سوء المصير.
стр. 2940
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾
المفردات:
﴿فِي رَيْبٍ﴾: في شك. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: من مَنِىٍّ، وهى مأْخوذة من نطف الماء إِذا صَبَّه، وكذلك المنى يخرج مصبوبا. ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلقة: قطعة دم جامدة، وسميت بذلك لعلوقها بجدار الرحم وستأْتى لها عدة معان. ﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة: قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ.
﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أَي: مُسَوَّاة سليمة من العيوب والنقصان وغير مسواة لوجود بعض النقصان فيها، فيتبع هذا التفاوتَ في تكوين المضغة، تفاوتُ الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم (١)، وسيأْتى بيان ما قيل في تفسير ذلك.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إِلى وقت سميناه وعيّناه للولادة. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: ثم لتصلوا إلى كمال قوتكم جسدا وعقلا وتمييزا، والأَشُد: واحد جاءَ على وزن الجمع، أَو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل إِنه جمع شدة بكسر الشين، كنعمة وأَنعم.
﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أَي: أَخَسِّه وأدناد وهو زمن الهرَم والخَرَفَ.
стр. 2941
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أَي: ميتة يابسة، يقال: همدت الأَرض إِذا يبست لا عشب فيها، وهمد الثوب: إِذا بلى.
﴿اهْتَزَّتْ﴾ أَي: تحرك نباتها، والإسناد إليها مجازى، أَو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لخروج النبات. ﴿وَرَبَتْ﴾: ازدادت بالماءِ: وجذور النبات.
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: وأنبتت من كل صنف حسن يبعث البهجة والسرور في نفس من يراه.
التفسير
٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ … ﴾ الآية.
هذه الآية مستأْنفة لإِقامة الدليل على إِمكان البعث، وإلزام المجادلين فيه الحجة، بعد أَن حكت الآيتان السابقتان جدالهم في شئون الله ومنها البعث، وأَنهم في جدالهم يتبعون كل شيطان مريد، يضلُّهم ويسوقهم إِلى عذاب السعير.
فالمراد من الناس في الآية: المجادلون في البعث المنكرون له، والتعبير عن اعتقادهم فيه بالريب والشك مع أَنهم جازمون بعدم إِمكانه فضلا عن عدم وقوعه، للإِيذان بأَن أَقصى ما يحتمل صدوره ممن لم يشاهد البعث هو الشك في أَمره، وهذا يزيله البرهان التالى، أَما: ما هم عليه من الإِنكار الجازم المصحوب بالمكابرة والعناد، فخارج عن دائرة الاحتمال.
وخلقهم من تراب إِما في ضمن خلق أبيهم آدم، وإِما لأَنهم مخلوقون من النطف وأَصلها التراب، فإِنها ناشئة عن الغذاءِ الذي تغذى به الوالدان، والغذاءُ أَصله التراب.
والمراد من النطفة هنا: ماءُ الرجل والمرأَة مجتمعين، ففي ماءِ الرجل الحيوانات المنوية وفي ماءِ المرأَة البويضة (١) فإِن الجنين يتولد من الماءَين، ولذا يشبه الولد أَبويه، فإِذا حصل اللقاءُ بين الرجل والمرأَة، التقى الماءان في القناة التي بين الرحم والمبيضين، فيحصل
стр. 2942
فيها تلقيح البويضة بأَقوى الحيوانات المنوية (١) إن أَراد الله خلق جنين من لقائهما - وبعد التلقيح تتكون الخلية الأُولى، وتنقسم بسرعة إِلى خليتين، ثم إِلى أَربع ثم إلى ثمان - وهكذا - وفي اليوم الرابع للتلقيح تكون قد وصلت في انقساماتها إلى مجموعة كثيرة من الخلايا متماسكة، فتنزلق إِلى الرحم، وبعد سبعة أَيام ونصف من التلقيح تقريبا تلتصق بجدار الرحم في قرار مكين وحولها غشاءٌ يقيها، ويكون الجنين حينئذ طبقة من الخلايا لا تمييز بينها.
وتظل الخلايا في نموها وتكاثرها وتطورها، وفي خلال الأسبوع الثالث يبدأُ التمييز لما تخلَّق منها.
فإِذا مضى أَربعون يوما من التلقيح، انتهى طور التحولات الأَولية للنطفة، وذلك هو الْمَعنِيُّ بالفقرة الأُولى من قوله: ﷺ : (إِن أَحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أَربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا ويؤْمر بأَربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأَجله وشقى أَو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح … ) الحديث أَخرجه البخاري بسنده عن ابن مسعود (٢).
والعلقة في اللغة: واحدة العلق، وتُطلق على الدم الغليظ والجامد، وعلى دودة في المياه الراكدة تعلق بالجسد فتمتص دمه، وعلى كل ما يعْلِق بغيره أَو يُعَلَّق عليه، ويبدأُ طور العلقة بعد أَربعين يوما من بدءِ الحمل، كما جاءَ في الحديث الشريف.
واللائق بحال التطور الذي حدث للنطفة، أَن يكون إِطلاق لفظ العلقة على الجنين حينئذ، لأَنه يشبه الدودة العالقة فقد حدث له بعض التصوير الأَولى في مَبْدأ طور العلقة، وهو عالق بجدار الرحم، وليس مجرد دم جامد كما يقولون.
فإِذا مضى على هذا الطور أَربعون يوما اتضح تصويره أَكثر من ذي قبل، ووصل وزنه إلى خمسة وعشرين درهما، وامتد طوله إِلى ثمانية سنتيمترات، وبهذا ينتهى طور العلقة
стр. 2943
ويليه طور المضغة الذي يستمر أَربعين يوما أُخرى كما جاءَ في الحديث "ثم يكون مضغة مثل ذلك".
والمضغة في اللغة: ما يمضغ من لحم وغيره وهى في أَصل الإِنسان: قطعة لحم فيها بعض التصوير، وسميت بذلك لأَنها في مجمل مظهرها تشبه في أَوَّل طورها قطعة لحم قدر ما يمضغ، إِذْ أَنها حينئذ تزن خمسة وعشرين درهما تقريبا، وطولها ثمانية سنتيمترات كما تقدم، ويظل الجنين في طور المضغة ينمو وينتقل في التصوير إِلى ما هو أَكمل حتى يتم خلقه في نهايته، فيكون وزنه نحو سبعين درهما، وطوله نحو ثمانية عشر سنتيمترا، وحينئذ تبدأُ حركته في بطن أُمه حيث قد نفخت فيه الروح، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
ويشير إليه قوله ﷺ بعد دور المضغة: "ثم ينفخ فيه الروح" وبهذه الحركة تطمئن الأُم على حياة جنينها.
والمقصود من نفخ الروح فيه حينئذٍ إِعطاؤُه دفعة قوية من الحياة تمكنه من الحركة في بطن أُمه بعد أَن تم خلقه، أَما أَصل الحياة فموجود في الحيوان المنوى والبويضة قبل التلقيح، ثم في الخلية الأُولى التي نشأَت من تلقيحه لها، ولولا الحياة فيهما لما تكونت تلك الخلية، ولولا استمرار الحياة لما تكاثرت وتطورت حتى أَصبحت شيئا آخر مخالفا لأَصلها.
ويستمر الجنين في النمو وهو محاط بثلاثة أَغشية، وفي نهاية الشهر التاسع يكون قد اكتمل نموه، وأَصبح صالحا لأَن يعيش خارج بطن أُمه، فيولد غالبا إن لم يكتب الله له البقاءَ في بطن أُمه أَكثر من تسعة أَشهر (٢).
والمراد من قوله في المضغة ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: أَنها صالحة لكمال التخليق والتصوير، لخلوها من العيوب، وغير صالحة لهذا الكمال، لوجود بعض العيوب فيها، فينشأُ عن
стр. 2944
ذلك التفاوت في خلق الإِنسان فبعضه يكون كامل الخلق سالما من العيوب، وبعضه الآخر يكون به بعض النقصان والعيب في صورته وفي طوله وقصره وأَعضائه ووظائف تلك الأَعضاءِ (١) وغير ذلك.
وفسَّر بعضهم المخلقة بالمصورة، وغير المخلقة بغير المصورة، والمراد تفصيل حال المضغة، وبيان كونها أَولا قطعة لحم لم يظهر فيها شئٌ من الأَعضاءِ، ثم ظهرت شيئا فشيئا، ولكن هذا المعنى يقتضي تقديم غير المخلقة على المخلقة، مراعاة للتدرج في الخلقة.
وروى عن مجاهد وغيره: أَن المخلقة التي تواردت عليها أَطوار التخليق حتى تمت مدة الحمل، وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت، وأَوردوا على هذا الرأْى: أن الآية في خلق الإِنسان من نطفة فعلقة، فمضغة، فكيف يخلق الإِنسان من نطفة ساقطة في أَي طور من أَطوارها، والرأْى الأَول هو المناسب للمعنى ولتفاوت حال الخلائق كمالًا ونقصانا والمعنى الإِجمالى لهذا الجزءِ من الآية ما يلى:
يأَيها الناس المنكرون للبعث المجادلون فيه بغير علم: إن كنتم في شك في إِمكانه وحصوله، فلا مجال لإِنكاركم ولا لِشَكِّكُم، فإنا خلقناكم أَصلا من تراب في ضمن خلقنا لأَبيكم آدم، ثم قدَّرنا في خلقكم منهاجًا آخر حيث خلقناكم من نطفة الوالدين، وذلك أَنه حين تلتقى النطفتان تنشأُ عن لقائهما. بمشيئتنا الخلية الأُولى لتكوين الإِنسان ثم تتكاثر تلك الخلية بانقسامها السريع إِلى خلايا متماسكة، ثم تسْتقِرُّ مِنَ الرحم في قرار مكين بأَمرنا، ثم طورنا هذه النطفة في الرحم حتى وصلت إِلى طور العلقة، حيث يصبح الجنين فيها كالدودة العالقة بالرحم، بعد أَن أَفضنا عليه شيئا من التخليق والتكوين ثم كبَّرنا هذه العلقة حتى جعلناها في حجم المضغة، وجعلنا هذه المضغة كاملة التخليق، بحيث ينشأُ عنها إنسان كامل التكوين، أَو ناقصته لينشأَ عنها إِنسان ناقص في تكوينه، بأَن يكون دون الأَول في الحسن وجمال التصوير، أو في تمام الأَعضاءِ وقيام الأَجهزة الجسمية بأَداءِ وظائفها ونحو ذلك - خلقناكم على هذا النمط البديع المتفاوت - لكي
стр. 2945
نبين ما لا يمكن حصره من عظمة الخالق وحكمته وكامل تدبيره وعظيم قدرته وغير ذلك من عظائم الأُمور التي من جملتها البعث والنشور فإِن من تأَمَّل ما ذكر من الخلق التدريجى جزم بأَن من قدر على خلق البشر من تراب لم يذق طعم الحياة، وأَنشأَه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أُخرى، بتصريفه في أَطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال، مع ما بين تلك الأَطوار من المخالفة والتباين فهو قادر على إِعادته بعد موته، بل هو أَهون في القياس.
ثم بين الله حال الجنين بعد تلك الأَطوار فقال سبحانه:
﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
فهذه الجملة مستأْنفة لبيان مستقبلهم بعد تلك الأَطوار.
والمعنى: ونثبت في الأرحام بعد تلك الأطوار ما نشاءُ بقاءَه فيها إِلى أَجل سميناه لوضع كل جنين منكم بعد تمام خلقه وكمال نموه وصلاحيته لأَن يعيش خارج بطن أُمه، وغالِبُه تسعة أَشهر، ويقول الفقهاءُ: أَدناه ستة أَشهر ولحظتان للوطءِ والوضع، وأَقصاه عند الحنفية سنتان، وعند الشافعية أربع سنين وهذا نادِرٌ جدًّا.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: المراد بالطفل هنا: الأَطفال، فإِنه يطلق على الواحد والجمع، أَي: ثم نخرجكم بعد مدة الحمل التي أَردناها - نخرجكم أَطفالا بعد أَن كنتم أَجنة، ثم نُنَمِّى أَجسادكم وقواكم لتبلغوا أَشدكم وكمالكم في الجسم والعقل.
أَما الذي لا نشاءُ إِقراره في الأَرحام، فإننا نسقطه منها في أَول زمن الحمل أَو في آخره أَو فيما بينهما، تبعا لحكمتنا.
ثم بيَّن الله أَحداثا أُخرى تحدث بعد الولادة فقال على سبيل الاستئناف:
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أَي: ومنكم من يموت قبل بلوغ الأَشد أَو في أَثنائه ومنكم من يبقى بعد بلوغ الأَشد ويرتد إِلى أَخس العمر وأَحقره، حيث يمعن في الشيخوخة والهرم، فتضعف قواه الجسدية والعقلية، وينتهى أَمره إلى أَن ينسى ما علمه من قبل، ولا يقبل علما جديدا بعد، وذلك زمَنُ