﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أَي: ميتة يابسة، يقال: همدت الأَرض إِذا يبست لا عشب فيها، وهمد الثوب: إِذا بلى.
﴿اهْتَزَّتْ﴾ أَي: تحرك نباتها، والإسناد إليها مجازى، أَو تخلخلت وانفصل بعض أجزائها عن بعض لخروج النبات. ﴿وَرَبَتْ﴾: ازدادت بالماءِ: وجذور النبات.
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: وأنبتت من كل صنف حسن يبعث البهجة والسرور في نفس من يراه.
التفسير
٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ … ﴾ الآية.
هذه الآية مستأْنفة لإِقامة الدليل على إِمكان البعث، وإلزام المجادلين فيه الحجة، بعد أَن حكت الآيتان السابقتان جدالهم في شئون الله ومنها البعث، وأَنهم في جدالهم يتبعون كل شيطان مريد، يضلُّهم ويسوقهم إِلى عذاب السعير.
فالمراد من الناس في الآية: المجادلون في البعث المنكرون له، والتعبير عن اعتقادهم فيه بالريب والشك مع أَنهم جازمون بعدم إِمكانه فضلا عن عدم وقوعه، للإِيذان بأَن أَقصى ما يحتمل صدوره ممن لم يشاهد البعث هو الشك في أَمره، وهذا يزيله البرهان التالى، أَما: ما هم عليه من الإِنكار الجازم المصحوب بالمكابرة والعناد، فخارج عن دائرة الاحتمال.
وخلقهم من تراب إِما في ضمن خلق أبيهم آدم، وإِما لأَنهم مخلوقون من النطف وأَصلها التراب، فإِنها ناشئة عن الغذاءِ الذي تغذى به الوالدان، والغذاءُ أَصله التراب.
والمراد من النطفة هنا: ماءُ الرجل والمرأَة مجتمعين، ففي ماءِ الرجل الحيوانات المنوية وفي ماءِ المرأَة البويضة (١) فإِن الجنين يتولد من الماءَين، ولذا يشبه الولد أَبويه، فإِذا حصل اللقاءُ بين الرجل والمرأَة، التقى الماءان في القناة التي بين الرحم والمبيضين، فيحصل
стр. 2942
فيها تلقيح البويضة بأَقوى الحيوانات المنوية (١) إن أَراد الله خلق جنين من لقائهما - وبعد التلقيح تتكون الخلية الأُولى، وتنقسم بسرعة إِلى خليتين، ثم إِلى أَربع ثم إلى ثمان - وهكذا - وفي اليوم الرابع للتلقيح تكون قد وصلت في انقساماتها إلى مجموعة كثيرة من الخلايا متماسكة، فتنزلق إِلى الرحم، وبعد سبعة أَيام ونصف من التلقيح تقريبا تلتصق بجدار الرحم في قرار مكين وحولها غشاءٌ يقيها، ويكون الجنين حينئذ طبقة من الخلايا لا تمييز بينها.
وتظل الخلايا في نموها وتكاثرها وتطورها، وفي خلال الأسبوع الثالث يبدأُ التمييز لما تخلَّق منها.
فإِذا مضى أَربعون يوما من التلقيح، انتهى طور التحولات الأَولية للنطفة، وذلك هو الْمَعنِيُّ بالفقرة الأُولى من قوله: ﷺ : (إِن أَحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أَربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا ويؤْمر بأَربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأَجله وشقى أَو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح … ) الحديث أَخرجه البخاري بسنده عن ابن مسعود (٢).
والعلقة في اللغة: واحدة العلق، وتُطلق على الدم الغليظ والجامد، وعلى دودة في المياه الراكدة تعلق بالجسد فتمتص دمه، وعلى كل ما يعْلِق بغيره أَو يُعَلَّق عليه، ويبدأُ طور العلقة بعد أَربعين يوما من بدءِ الحمل، كما جاءَ في الحديث الشريف.
واللائق بحال التطور الذي حدث للنطفة، أَن يكون إِطلاق لفظ العلقة على الجنين حينئذ، لأَنه يشبه الدودة العالقة فقد حدث له بعض التصوير الأَولى في مَبْدأ طور العلقة، وهو عالق بجدار الرحم، وليس مجرد دم جامد كما يقولون.
فإِذا مضى على هذا الطور أَربعون يوما اتضح تصويره أَكثر من ذي قبل، ووصل وزنه إلى خمسة وعشرين درهما، وامتد طوله إِلى ثمانية سنتيمترات، وبهذا ينتهى طور العلقة
стр. 2943
ويليه طور المضغة الذي يستمر أَربعين يوما أُخرى كما جاءَ في الحديث "ثم يكون مضغة مثل ذلك".
والمضغة في اللغة: ما يمضغ من لحم وغيره وهى في أَصل الإِنسان: قطعة لحم فيها بعض التصوير، وسميت بذلك لأَنها في مجمل مظهرها تشبه في أَوَّل طورها قطعة لحم قدر ما يمضغ، إِذْ أَنها حينئذ تزن خمسة وعشرين درهما تقريبا، وطولها ثمانية سنتيمترات كما تقدم، ويظل الجنين في طور المضغة ينمو وينتقل في التصوير إِلى ما هو أَكمل حتى يتم خلقه في نهايته، فيكون وزنه نحو سبعين درهما، وطوله نحو ثمانية عشر سنتيمترا، وحينئذ تبدأُ حركته في بطن أُمه حيث قد نفخت فيه الروح، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
ويشير إليه قوله ﷺ بعد دور المضغة: "ثم ينفخ فيه الروح" وبهذه الحركة تطمئن الأُم على حياة جنينها.
والمقصود من نفخ الروح فيه حينئذٍ إِعطاؤُه دفعة قوية من الحياة تمكنه من الحركة في بطن أُمه بعد أَن تم خلقه، أَما أَصل الحياة فموجود في الحيوان المنوى والبويضة قبل التلقيح، ثم في الخلية الأُولى التي نشأَت من تلقيحه لها، ولولا الحياة فيهما لما تكونت تلك الخلية، ولولا استمرار الحياة لما تكاثرت وتطورت حتى أَصبحت شيئا آخر مخالفا لأَصلها.
ويستمر الجنين في النمو وهو محاط بثلاثة أَغشية، وفي نهاية الشهر التاسع يكون قد اكتمل نموه، وأَصبح صالحا لأَن يعيش خارج بطن أُمه، فيولد غالبا إن لم يكتب الله له البقاءَ في بطن أُمه أَكثر من تسعة أَشهر (٢).
والمراد من قوله في المضغة ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: أَنها صالحة لكمال التخليق والتصوير، لخلوها من العيوب، وغير صالحة لهذا الكمال، لوجود بعض العيوب فيها، فينشأُ عن
стр. 2944
ذلك التفاوت في خلق الإِنسان فبعضه يكون كامل الخلق سالما من العيوب، وبعضه الآخر يكون به بعض النقصان والعيب في صورته وفي طوله وقصره وأَعضائه ووظائف تلك الأَعضاءِ (١) وغير ذلك.
وفسَّر بعضهم المخلقة بالمصورة، وغير المخلقة بغير المصورة، والمراد تفصيل حال المضغة، وبيان كونها أَولا قطعة لحم لم يظهر فيها شئٌ من الأَعضاءِ، ثم ظهرت شيئا فشيئا، ولكن هذا المعنى يقتضي تقديم غير المخلقة على المخلقة، مراعاة للتدرج في الخلقة.
وروى عن مجاهد وغيره: أَن المخلقة التي تواردت عليها أَطوار التخليق حتى تمت مدة الحمل، وغير المخلقة التي لم يتم لها ذلك وسقطت، وأَوردوا على هذا الرأْى: أن الآية في خلق الإِنسان من نطفة فعلقة، فمضغة، فكيف يخلق الإِنسان من نطفة ساقطة في أَي طور من أَطوارها، والرأْى الأَول هو المناسب للمعنى ولتفاوت حال الخلائق كمالًا ونقصانا والمعنى الإِجمالى لهذا الجزءِ من الآية ما يلى:
يأَيها الناس المنكرون للبعث المجادلون فيه بغير علم: إن كنتم في شك في إِمكانه وحصوله، فلا مجال لإِنكاركم ولا لِشَكِّكُم، فإنا خلقناكم أَصلا من تراب في ضمن خلقنا لأَبيكم آدم، ثم قدَّرنا في خلقكم منهاجًا آخر حيث خلقناكم من نطفة الوالدين، وذلك أَنه حين تلتقى النطفتان تنشأُ عن لقائهما. بمشيئتنا الخلية الأُولى لتكوين الإِنسان ثم تتكاثر تلك الخلية بانقسامها السريع إِلى خلايا متماسكة، ثم تسْتقِرُّ مِنَ الرحم في قرار مكين بأَمرنا، ثم طورنا هذه النطفة في الرحم حتى وصلت إِلى طور العلقة، حيث يصبح الجنين فيها كالدودة العالقة بالرحم، بعد أَن أَفضنا عليه شيئا من التخليق والتكوين ثم كبَّرنا هذه العلقة حتى جعلناها في حجم المضغة، وجعلنا هذه المضغة كاملة التخليق، بحيث ينشأُ عنها إنسان كامل التكوين، أَو ناقصته لينشأَ عنها إِنسان ناقص في تكوينه، بأَن يكون دون الأَول في الحسن وجمال التصوير، أو في تمام الأَعضاءِ وقيام الأَجهزة الجسمية بأَداءِ وظائفها ونحو ذلك - خلقناكم على هذا النمط البديع المتفاوت - لكي
стр. 2945
نبين ما لا يمكن حصره من عظمة الخالق وحكمته وكامل تدبيره وعظيم قدرته وغير ذلك من عظائم الأُمور التي من جملتها البعث والنشور فإِن من تأَمَّل ما ذكر من الخلق التدريجى جزم بأَن من قدر على خلق البشر من تراب لم يذق طعم الحياة، وأَنشأَه على وجه مصحح لتوليد مثله مرة بعد أُخرى، بتصريفه في أَطوار الخلقة وتحويله من حال إلى حال، مع ما بين تلك الأَطوار من المخالفة والتباين فهو قادر على إِعادته بعد موته، بل هو أَهون في القياس.
ثم بين الله حال الجنين بعد تلك الأَطوار فقال سبحانه:
﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾:
فهذه الجملة مستأْنفة لبيان مستقبلهم بعد تلك الأَطوار.
والمعنى: ونثبت في الأرحام بعد تلك الأطوار ما نشاءُ بقاءَه فيها إِلى أَجل سميناه لوضع كل جنين منكم بعد تمام خلقه وكمال نموه وصلاحيته لأَن يعيش خارج بطن أُمه، وغالِبُه تسعة أَشهر، ويقول الفقهاءُ: أَدناه ستة أَشهر ولحظتان للوطءِ والوضع، وأَقصاه عند الحنفية سنتان، وعند الشافعية أربع سنين وهذا نادِرٌ جدًّا.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: المراد بالطفل هنا: الأَطفال، فإِنه يطلق على الواحد والجمع، أَي: ثم نخرجكم بعد مدة الحمل التي أَردناها - نخرجكم أَطفالا بعد أَن كنتم أَجنة، ثم نُنَمِّى أَجسادكم وقواكم لتبلغوا أَشدكم وكمالكم في الجسم والعقل.
أَما الذي لا نشاءُ إِقراره في الأَرحام، فإننا نسقطه منها في أَول زمن الحمل أَو في آخره أَو فيما بينهما، تبعا لحكمتنا.
ثم بيَّن الله أَحداثا أُخرى تحدث بعد الولادة فقال على سبيل الاستئناف:
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أَي: ومنكم من يموت قبل بلوغ الأَشد أَو في أَثنائه ومنكم من يبقى بعد بلوغ الأَشد ويرتد إِلى أَخس العمر وأَحقره، حيث يمعن في الشيخوخة والهرم، فتضعف قواه الجسدية والعقلية، وينتهى أَمره إلى أَن ينسى ما علمه من قبل، ولا يقبل علما جديدا بعد، وذلك زمَنُ
стр. 2946
الخرفِ والخيالات التي لا أَصل لها، حيث يعود إلى ضحالة الطفولة وسذاجتها وسوءِ التصرف فيها.
وقد أَوصى الله الأَولاد بالإِمعان في الإِحسان إِلى الوالدين في هذه المرحلة الخطيرة، والتجاوز عما عسى أَن يحدث فيها منهم، وأَلا يقابلوهم بالتأَفف والانتهار، إِذ قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).
وقد أَجمل الله أَطوار حياة الإِنسان بصورة أُخرى غاية في الاختصار والبلاغة، حيث قال في سورة الروم:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٢).
وهذه الأَطوار التي نشاهدها في خلق الإِنسان، نشاهد مثلها في الحيوان والنبات، وينتهى الكل إِلى ممات، ولا يبقى سوى الديان ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُوالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣).
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾:
هذا دليل آخر يسوقه الله تعالى حجة على أَن البعث حق لا شك فيه، والخطاب فِيه لكل ذى عينين ممن يجادلون في البعث وغيرهم، والمعنى: وترى أَيها الإنسان بعينيك - ترى الأَرض - يابسة لا نبات فيها فإذا اشتملت على البذور وأَنزلنا عليها الماءَ، دبت الحياة إِلى البذور، فأخرجت جذورها لتعلق بجوف الأَرض وتتثبت بها - كما علقت النطفة برحم الأُم وتشبثت منه بقرار مكين - وأَخرجت براعمها وأَشطاءَها فوق سطح
стр. 2947
الأَرض، وقد اهتزت بذلك وعلت قشرتها، وأَنبتت من كل صنف حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الريح، من مختلف أَنواع النبات والطعوم والأَشجار المورقة المثمرة، وشجيرات الزينة ذات المنظر المونق، والعبير الذي يشرح الصدور.
ولا شك أَن البعث يتجلي في النبات واقعيًا من آن لآخر، فإِنه كلما يبس ومات بعثه الله من جديد، بإِفاضة الماءِ على بذوره في جوف الأَرض، فتدب الحياة فيها، فتخرج جذورها لتستقر بها، وتنبت براعمها وأَشطاءُها محيطة بسيقانها بقدرة الله الحكيم الخبير، ونرى فيها من كل زوج بهيج مرة بعد أُخرى، فهل بعث الإِنسان بعد موته يختلف عن هذا في كثير أَو قليل؟ وصدق الله إِذ يقول: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾
المفردات:
﴿الْحَقُّ﴾: الثابت الذي لا شك في وجوده.
﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ الريب: الشك، والمراد من نفى الشك في الساعة: أَنها لا ينبغي أَن يحدث فيها شئٌ من الشك لوضوح أَدلتها، وإِن شك فيها الجاهلون.
стр. 2948
التفسير
٦ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
هذا كلام مستأْنف لبيان السر في تطورات خلق الإِنسان والنبات، والسبب الحقيقى فيها وما تدل عليه من تحقيق البعث.
والمعنى: ذلك الذي تقدم بيانه من خلق الإِنسان في أَطوار مختلفة، ابتداءً بخلقه من التراب وانتهاءً بجعله في أَرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا، ومن خلق النبات بمثل تلك الأَطوار - ذلك كله شاهد بأَن الله هو الحق الموجود الذي بيده الأَمر كله، وأَنه تعالى مِنْ شأْنه إِحياءُ الموتى به وإِعادة، وإِلا لما أحيا النطفة والأَرض الميتة مرة بعد أُخرى وأَنه سبحانه قادر تمام القدرة على كل شيءٍ. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
٧ - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: معطوف على أَن الله هو الحق، داخل معه في حيز السببية والشهادة أَي: ذلك التطور في خلق الإِنسان والنبات حاصل وشاهد بأَن الله هو الحق، وأَن مِنْ شأْنه إحياءَ الموتَى كما ترون في تطويره الإنسان والنبات وأَنه على كل شيءٍ قدير، ولهذا قَدَرَ على إبداع هذا الكون، وأَن الساعة التي يُنْهى فيها الحياة الدنيا ستأْتى من غير شك في مجيئها، وأَن الله سوف يبعث من في القبور ليحاسبهم في أُخراهم على ما قدموه في دنياهم، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢). فلهذا يريكم الآيات لعلكم تتفكرون.
والتعبير بلفظ "آتية" بدلا من لفظ "ستأْتي" للدلالة على تحقق إِتيانها ولا بد، لاقتضاءِ الحكمة مجيئها حتى يأْخذ المحسن جزاءَ إِحسانه والمسئُ جزاء إِساءَته، وإِلا لضاع على كل ذى حق حقه، ولتساوى المحسن بالمسئِ في مصيره، وذلك مناف لعدالة الله وحكمته.
стр. 2949
وإِنما قال سبحانه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ مع أن الملحدين يرتابون فيها للإِيذان بأَنها في ظهور دلائلها ووضوح أَمرها بحيث لا يصح أن تكون مجالا للإرتياب فيها، ولا تصلح مظنة للشك على الإِطلاق.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾
المفردات:
﴿يُجَادِلُ﴾: يخاصم ويناوئُ. ﴿فِي اللهِ﴾: في ذاته أَو صفاته. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بغير يقين ضرورى ﴿وَلَا هُدًى﴾: ولا نظر سديد يهديه إلى الحق. ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ولا كتاب سماوى يضئُ له سبيل الحق. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ العِطْفُ: الجانب، وثَنْيُهُ لجانبه: كناية عن الإعراض تكبرا. ﴿خِزْيٌ﴾: ذل وهوان.
التفسير
٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
هذه الآية مستأْنفة لبيان حال الذين يكابرون في الحق بلا دليل، ويؤُمون غيرهم في الضلال، أَما الآية السابقة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ الخ ففي بيان حال من يقلدونهم ويتبعونهم، ويجوز أَن تكون هذه معطوفة على تلك للغرض المذكور (١) وأَئمة الضلال في مكة أَشهرهم أبو جهل والنضر بن الحارث
стр. 2950
والأَخنس بن شريق، فقد كانوا يجادلون في شئون الله بغير حق ليصرفوا الناس عن الهدى الذي بعث به محمد ﷺ .
والمعنى: وبعض الناس يجادل في شئون الله فينكر البعث والنشور، والحساب والجزاءَ، ويجعل الملائكة بنات الله، وينكر اصطفاءَه أَنبياءَ من البشر، وغير ذلك بما أَكثروا فيه الجدل، دون أَن يكون لديهم علم يقينى ضرورى بما يقولون، أَو استنباط نظرى يهديهم إلى الحق، أَو كتاب سماوى ينير لهم سبيله، وكل جدل لا يقوم على شيءٍ من تلك القواعد، فهو منهار وضلال مبين.
٩ - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾:
أَي: ومن الناس من يجادل في الله بجهالة، لاويا جانبه، معرضا عن الحق مستكبرا عليه، يفعل ذلك لكي يضل الناس عن سبيل الله، ويصرفهم عن اتباع الحق، له يسبب ذلك خزىٌ وذلٌّ وهوان في الدنيا حين يصرعه الحق ويرتفع لواؤُه، ويبطل باطله ويزول أَثره، ونذيقه يوم القيامة عذاب النار الشديد الإِحراق.
١٠ - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾:
ذلك الذي تقدم من خزى الذي يضل في سبيل الله وعذابه، بسبب ما حدث منه من الكفر والمعاصي، وأَنه تعالى لا يحدث منه ظلم لعبيده.
والتعبير عن نفى مطلق الظلم عنه تعالى بصيغة المبالغة ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾ لتأْكيد نزاهته عنه بتصوير التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم.
стр. 2951
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُومِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُولَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾
المفردات:
﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على طَرف من الدين. ﴿فِتْنَةٌ﴾: شرٌّ وبلاءٌ.
﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾: ارتد إِلى الكفر ﴿الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الخسران البين الواضح من أَبان بمعنى: اتضح وظهر. ﴿الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: الانحراف البعيد عن الحق.
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾: يقول الكافر لصنمه يوم القيامة بصوت مرتفع حين اتضح له أَن ضره أَقرب إِليه من نفعه. ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: لبئس الناصر ولبئس المصاحب أَنت أَيها الإِله الذي كنت أَعبده.
التفسير
١١ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾:
لقد صورت الآيات السابقة صنفين من أَهل الضلال، أَولهما، من يجادل في الله بغير علم متبعا في جداله أَئمة الكفر من كل شيطان مريد. وثانيهما: من يجادل
стр. 2952
في الله بجهالة، ولكنه يغطى جهالته بِثَنْيِ عطفه وخيلائه سَتْرًا لجهالته وادعاءً للزعامة والإِمامة على من دونه من الكافرين، لكي يتبعوه في سفهه وجداله بالباطل، وجاءَت هذه الآية لتصور صنفًا ثالثًا منهم، وهم أُولئك المذبذبون في عقائدهم، الذين لا يستقرون فيها على حال، بل يتقلبون فيها وفق المنافع والمضار.
أَخرج البخاري وابن أَبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أَنه قال في هذه الآية: "كان الرجل يقدم المدينة، فإذا ولدت امرأَته غلاما ونُتِجَتْ خيله قال هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأَته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء" وأَخرج ابن مردويه عن أَبي سعيد قال: أَسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده، فتشاءَم من الإِسلام، فأَتى النبي ﷺ فقال: أَقِلْنِى. فقال: "إِن الإِسلام لا يُقَال"، فقال: لم أُصب من دينى هذا خيرًا. ذهب بصرى ومالى ومات ولدى، فقال ﷺ : "يا يهودى: الإِسلام يَسْبِكُ الرجال كما تسبك النارُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة" فنزلت الآية.
وعن الحسن أَنها نزلت في المنافقين، ونحن نقول: سواءٌ كان سبب نزولها هذا أَو ذاك، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية فيمن يتَّجِرُ بالدين، ولا يؤمن عن يقين.
والمعنى الإِجمالى للآية: ومن الناس من يعبد الله على طرف من الدين لا تعمق له فيه، فإِن أَصابه خير دنيوى كالرخاءِ والصحة والولد، ثبت على هذا الطرف ثبات المستفيد لا ثبات المؤمن المتيقن، وإن أَصابته فتنة ومكروه في نفسه أَو أَهله أَو ماله، انقلب على وجهه الذي كان متجها إِليه، فارتد ورجع عن دينه، ومثله في ذلك كمثل الجندى الخائر العزيمة، جبان القلب، يكون في طرف الجيش، فإِن أَحسَّ بظفر وغنيمة بقى ليحرزها، وإِن أَحس بهزيمة لاذ بالفرار ملطخا بالعار.
وقد بين الله عاقبة كفره وارتداده فقال:
﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ فأَما خسارته في دنياه فعدم حصوله منها على ما يريد، وتعرضه للقتل إِن عُرِفَتْ رِدَّتُه، وأَما خسارته في الآخرة فالعذاب الأَليم والسعير الدائم، وذلك هو الخسران الواضح الذي لا يخفى على ذوى الأَل
стр. 2953
١٢ - ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾:
هذه الآية مستأْنفة لبيان حاله في دنياه بعد ردته عن الإِسلام ونكوصه على عقبيه بعد الإِقدام.
والمعنى: أَن هذا الذي انقلب على وجهه وارتد عن الإِسلام، لفوات المنافع الدنيوية التي كان يرجوها منه، يعبد من دون الله أو يدعو لحاجته ما لا يضره إِن كفر به وما لا ينفعه إِن آمن به وعبده أَو دعاه، فهو مخلوق لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فكيف يملكها لسواه ذلك الانصراف عن الحق إِلى الباطل هو الضلال البعيد عن سبيل النجاة.
١٣ - ﴿يَدْعُوا لَمَنْ (١) ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾:
وهذه الآية مستأْنفة أَيضًا لبيان مآل دعائه وعبادته غير الله تعالى.
والمعنى: أَن من انقلب عن الإِسلام وعبد غير الله أَو دعاه. يقول يوم القيامة حين يعذب بسبب معبوده الذي ارتد إِليه، وكان يأْمل شفاعته أَو حمايته يقول نادما بصوت مرتفع: المولى الذي ضرره أَقرب تحققا من نفعه والله لبئس المولى الذي يتخذه الإِنسان لنفسه ناصرا، ولبئس العشير الذي يصطفيه عشيرا، فكيف بما هو ضرر محض لا نفع فيه؟.
وقد استفيد من هذه الآيات الثلاث أَن الله تعالى لا يقبل النفاق في الدين، والتجارة بالعقيدة، فليس لله من الدين إِلا الدين الخالص، والعقيدة الثابتة، وأَن الصبر على البلاءِ واجب كل مؤمن، وميزة كل تقى. ولهذا قال ﷺ : "أشد الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الأَمثل فالأَمثل، يُبْتَلى الرجل علي حسب دينه، فإِن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤُه، وإِن كان في دينه رقَّةٌ ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشى على الأَرض وما عليه خطيئة" أَخرجه البخاري وغيره.
стр. 2954
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾
المفردات:
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: تجرى من تحت قصورها وأَشجارها.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾: فليمدد بحبل. ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: إِلى سقف بيته، وكل ما علاك سماء.
﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾: ثم ليختنق، من قطع بمعنى اختنق - كذا فسره ابن عباس ولعلهم أَطلقوا القطع عليه لما فيه من قطع النَّفس، وقيل المعنى: ثم ليقطع الحبل بعد الاختناق، على أَن المراد به فرض القطع وتقديره تهكما.
التفسير
١٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾:
بعد أَن حكت الآيات السابقة حال أَصناف ثلاثة من الكفرة، وسوءَ مآلهم، جاءَت هذه الآية للإِخبار عن حسن مآل المؤمنين الصادقين، وجميل ثوابهم في جنات النعيم.
والمعنى: إِن الله يثيب المؤْمنين الصادقين الثابتين على دينهم، الذين يعملون الصالحات وفق شريعتهم، فيدخلهم في الآخرة جنات وبساتين تجرى بينها الأَنهار، تحت القصور
стр. 2955
والأَشجار، إِن الله يفعل ما يريد، فيثيب المحسن جزاءَ إِحسانه ويعاقب المسئَ جزاءَ إِساءَته ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾.
١٥ - ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾:
تضمنت الآيات السابقة سُوءَ حال طوائف من الكفار وسوءَ عاقبتهم، وحسن حال المؤمنين بالله ورسوله وجزيل ثوابهم، ولما كان ما يصيب هؤُلاءِ وأُولئك يعتبر نَصْرًا من الله لرسوله، جاءَت هذه الآية لتؤَكده وتحققه، وتتحدى من يقف في سبيله ﷺ وتعده بالنصر الحاسم في الدارين.
والمعنى: أَنه تعالى ناصر رسوله ﷺ في الدنيا بإِعلاءِ كلمته وإِظهار دينه، وفي الآخرة بإِعلاءِ درجته، وإِدخال من صدَّقه جنات تجرى من تحتها الأَنهار، والانتقام ممن كذبه بعذاب الحريق، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يمنعه مانع، فمن كان يغيظه ذلك من أَعاديه، ويظن أَنه تعالى لا يحققه، بسبب مدافعته ومكايده، فليبالغ في استفراغ الجهد فغاية أَمره خيبة مساعيه، وعقم مقدماته وفساد مؤامراته، وبقاءُ ما يغيظه من نصر الله لرسوله، وقد وضع مقام هذا الجزاء قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ لغرض التحدى والتهكم، ومعناه: فليمدد بحبل إِلى سقف بيته ثم ليختنق بهذا الحبل الذي وضعه غُلاًّ في عنقه، فلينظر وليتأَمل هل يشفيه من الغيظ قتله نفسه حسرة على نصر الله لرسوله؟ وتفسير القطع بالاختناق مروى عن ابن عباس ومجاهد وعطاءٍ وغيرهم، مأْخوذ من قطع إِذا اختنق، لأَن الغُلَّ يقطع النفس إِذا ضاق على العنق.
وخلاصة معنى الآية: من ظن أَن الله لا ينصر نبيه محمدا وكتابه ودينه وأُمته المؤمنة، وكان هذا النصر يغيظه، فليذهب فليقتل نفسه فإن الله ناصره لا محالة، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١).
стр. 2956
١٦ - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾:
أَي: وكما أَنزلنا الآيات السابقة واضحة الدلالة على خذلان الباطل وأَهله، ونصر الحق وذويه، أَنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها الصافية الجلية، ولأَن الله تعالى يهدى من يريد هدايته، ممن أَقبل عليه وشرح الحق صدره - أَنزل القرآن على هذا النحو البديع ليكون داعيهم إِلى الهدى، وقائدهم إِلى سواءِ السبيل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾
المفردات:
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: هم اليهود، ولعل التعبير عنهم بالذين هادوا لرجوعهم إلى الله وتوبتهم من عبادة العجل بعد عودة موسى من مناجاة ربه. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: أَصحاب دين أَقاموه على الروحانيات، وسنعرض لتفصيل أَمرهم في تفسير الآية، والصابئون مِنْ: صَبَأَ، وله عدة معان، منها: خرج من دين إلى دين وهو من باب منَع وكرُمَ ويستعمل بمعنى: صار، وبمعنى: طلع كما في قولهم: صَبَأَ النَّجْمُ كَأَصْبَأَ.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾: قوم يعبدون الشمس والقمر والنار على ما روى عن قتادة.
стр. 2957
﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾: يحكم بينهم، ويجزى كلا على حسب عقيدته وعمله.
﴿شَهِيدٌ﴾: أَي مراقب وعليم.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلم تعلم. ﴿يَسْجُدُ﴾: يخضع ويَذل.
التفسير
١٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾:
حكى الله في الآيات السابقة سوءَ أَحوال الكفار - تابعيهم ومتبوعيهم والمذبذبين منهم - وبين سوءَ مصيرهم ومنقلبهم، وبين حسن حال المؤمنين الصالحين وجميل مثوبتهم، وختم ذلك ببيان أَنه تعالى مؤَيِّد رسوله بالنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وجاءَت هذه الآية الكريمة لتؤَكد نصره في الآخرة على جميع الفرق الكافرة.
وقد ذكر الله في هذه الآية ست فرق يفصل الله بينها يوم القيامة، أُولاها: المؤْمنون، والمقصود بهم في هذا المقام: من آمن بالله ورسوله محمد ﷺ ، وثانيها: الذين هادوا وهم المعروفون باليهود، ولما ذهب موسى لميقات ربه، صنع لهم السامرى عجلا جسدا له خوار، وقال: هذا إِلهكم وإِله موسى فعبدوه، فأَخبره الله بما صنع قومه فرجع إِليهم غضبان أَسفا، ووبخهم على ما فعلوا، وطلب إِليهم التوبة، وقد حكى الله ذلك في عدد من السور، ومنها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
فمعنى كونهم هادوا: أَنهم رجعوا إِلى الله وتابوا عن عبادة العجل فتاب عليهم، أَي: قبل توبتهم، فلهذا أَطلق عليهم القرآن: (الذين هادوا) مراعاة لما كان من أَجدادهم، وأَما المعاصرون للنبي ﷺ فهم مكلفون بالإِيمان بالنبي ﷺ ومن لم يؤْمن به فهو كافر؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٢).
стр. 2958
وثالثها: الصابئون، وقد جاءَ عنهم في كتاب - الملل والنحل - للشهرستانى: أَنهم كانوا على عهد إِبراهيم ﵇ ويقال لمقابليهم: الحنفاء، وكانوا يقولون: إِنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأَحكامه - جل شأْنه - إِلى متوسط روحانى لا جسمانى - ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيات، وكانوا يعظمونها غاية التعظيم ويتقربون إليها، ولما لم يتيسر لهم التقرب إِليها والتلقى منها بذواتها، فزعت جماعة منهم إِلى هياكلها، وهى السبع السيارات وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وربما نزلوا عن الهياكل إِلى الأَشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغنى شيئًا وهى الأَصنام.
والفرقة الأُولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأَصنام. وقد أَفحم إِبراهيم كلتا الفرقتين وأَلزمهم الحجة - وذكر الشهرستانى في موضع آخر من كتابه: أَن ظهورهم كان في أَول سنة من ملك طهمورث من ملوك الفرس اهـ (١) وذكر صاحب كتاب "الصابئة" أَنه توجد في سهول الموصل جماعة منهم يؤْمنون بأَن الخالق واحد أَزليٌّ لا أول لوجوده ولا نهاية له، منزه عن عالم المادة والطبيعة، وهو الذي أَوجدها، ولكنهم مع هذا يتقربون إِليه بعبادة الأَفلاك والكواكب، زاعمين أَنها أَقرب الأَجسام المرئية إلى الله تعالى، وأَنها حية خالدة ناطقة، وأَن كل ما يحدث في العالم يكون على حسب ما تجرى به الكواكب حسب أَمر الله لها - كما زعموا - فعظموها ثم جعلوا لها تماثيل وأَصنامًا ترمز إليها فعبدوها (٢).
ونحن نقول: إنهم بجميع فرقهم كفار، ولا يغنيهم اعترافهم بوجود الله على النحو الذي مرَّ بيانه، لأَنهم كالمشركين الذين أَشركوا الأَصنام مع الله في العبادة، مع اعترافهم بأَنه - تعالى - هو الخالق. وقد جاءَ الإِسلام لمحاربة الشرك في جميع صوره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 2959
ورابعها: النصارى وعقائدهم في المسيح معروفة، وهم كافرون بنبينا محمد ﷺ .
وخامسها: المجوس وهم كما قال الآلوسى نقلا عن الشهرستانى: طوائف كانت قبل اليهود والنصارى، يؤْمنون بالشرائع على خلاف الصابئة، ولهم شبهة كتاب، وهم يعظمون النار. وروى عن قتادة: أَنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر والنيران، وقال القرطبى: هم عبدة النيران القائلون بأَن للعالم أَصلين: نورًا وظلمة.
وسادسها: الذين أَشركوا، وهو وصف شامل لكل من عبد غير الله فيدخل فيه عبدة الحيوان والأَنهار والأُمهات والآباءِ ونحوهم، ممن لا يزالون على تلك المناهج في الهند والتبت وأَفريقيا وغيرها، وكل هذه الفرق كافرة عدا الفرقة الأُولى التي آمنت بالله ورسوله.
والمعنى الإِجمالى للآية: إن الذين آمنوا بالله ورسوله وكتابه، واليهود الذين يعاصرون الإِسلام، والصابئين على اختلاف فرقهم التي مرَّ بيانها، والنصارى المعاصرين للإِسلام على اختلاف مذاهبهم، والمجوس، والذين أَشركوا بالله رب العالمين - أَشركوا به - غيره من خلقه في العبادة، إن هؤُلاء جميعًا يقضى الله بينهم يوم القيامة فيظهر المحق منهم وهم المؤْمنون، والمبطل منهم وهم سائر الفرق، ويجزى كلا على حسب حاله، فيثيب المؤْمنين ويعذب سواهم، وما ربك بظلام للعبيد، إِن الله مراقب لعباده شهيد على أَعمالهم محيط بعقائدهم وما كسبته جوارحهم فهو على كل شيءٍ شهيد وبكل خلقه عليم.
١٨ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾:
هذه الآية جاءَت لتأْكيد قدرة الله على الفصل بين هذه الفرق التي ذكرت في الآية السابقة وهى التي اختلفت إِيمانًا وكفرًا، ببيان خضوع كل شيءٍ في هذا الكون له تعالى، ومن كان كذلك فإِنه لا يصعب عليه الفصل بين من أَطاعه ومن عصاه، والرؤْية في قوله
стр. 2960
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: رؤْية القلب والعقل، فهى بمنزلة أَلَمْ تعلم، والمراد بالسجود هنا: الخضوع، وهو عام في الإِنسان والحيوان والنبات والجماد فكل ما في الكون خاضع لتدبير الله وأحكامه، والمراد بمن في السموات والأَرض: ما فيهما بطريق القرار فيهما أَو الجزئية منهما "فَمَنْ" مستعملة هنا للعاقل وغيره، كما تستعمل (ما) في مثل ذلك أَحيانًا.
وإِفراد الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب بالذكر مع دخولها في عموم من يسجد له تعالى في السموات والأَرض؛ لأَن الناس عبدوها مع الله مع أَنها مخلوقة له وخاضعة لأَحكامه.
فذكرت هنا لتنبيه الناس إِلى خطئهم في عبادتها، فالشمس عبدتها حِمْير، والقمر عبدته كنانة، ونجم الدبران عبدته تميم، والشَّعْرَى عبدتها لخم وقريش، والثريا عبدتها طئٌ، وعطارد عبدته أَسد، وعبد أَكثر العرب الأَصنام المنحوتة من الجبال، والعُزَّى عبدتها غطفان، وهى شجرة من السمر المعروف.
ومن الناس من عبد البقر في الهند وغيرها، وقد مرت عقيدة الصابئة في عبادة الكواكب، فلهذا نبَّه الله إِلى خطأ هؤُلاءِ العابدين وكفرهم بمن خلقها وسخَّرَهَا.
وقد انتقل الكلام في آخر الآية من سجود التسخير إِلى سجود الطاعة الاختيارية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ فهو على تقدير: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، وهم صنف المؤمنين من الفرق الست التي مرت في الآية السابقة ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: وهم باقى الفرق الست لأَنهم لا يخصونه بالسجود - كما مرَّ بيان حالهم - ولا يصح أَن يقصد بسجود كثير من الناس سجود التسخير، فيعطف على من في السموات والأَرض، لأَن سجود التسخير عام في الناس جميعًا - مؤْمنهم وكافرهم - فلا يصح قصره على المؤْمنين دون سواهم، ومن العلماءِ من جعل ﴿كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ مبتدأ وقدَّر خبره (حق له الثواب) بدليل ما بعده، وهو قوله سبحانه:
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: أَي وكثير منهم وجب عليه العذاب بكفره وإِبائه السجود الذي كلفه الله بأَن يكون له خالصًا.
стр. 2961
ومن العلماءِ من جعل "كثير" مبتدأَ وقوله "من الناس" خبره على معنى: وكثير من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون المتقون المستحقون للثواب، أَما غيرهم فقد خرجوا عن حقيقة جنسهم بانحرافهم في عقائدهم.
والمعنى الإِجمالى للآية: أَلم تعلم أَيها المفكر العاقل أَن الله تعالى يخضع لتدبيره وحكمته وسلطانه كل ما في السموات والأَرض، ما استقر فيهما أَو كان جزءًا منهما، وأَنه تخضع له الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهى مخلوقة له وخاضعة لتدبيره وسلطانه، فكيف يتخذها الناس آلهة معه؟.
ويسجد لله تعالى سجودَ طاعة واختيار كثير من الناس وهم المؤمنون المتقون، فحق لهم الثواب.
وكثير من الناس لا يخصونه تعالى بالسجود فحق عليهم العذاب، ومن يُهِنْهُ الله تعالى بتعذيبه على معاصيه وسوءِ عقيدته، فليس له من يكرمه بإنقاذه من الإِهانة والتعذيب، فإِنه تعالى يفعل ما يشاءُ، مما تقتضيه حكمته وعدله، فلا معقب لحكمه ولا معارض، لمشيئته.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾
стр. 2962
المفردات:
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: الخَصْم المخاصم مذكرا أَو مؤنثا، مفردا أَو مثنى أَو جمعا.
﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾: وقع الجدل بينهم في شأْن ربهم. ﴿الْحَمِيمُ﴾: الماءُ الحار.
﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: المقامع جمع مِقْمعة كَمِكْنَسة وهي: الأَعمدة من الحديد يضرب بها.
﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أي عذاب الاحتراق ويكون بالغليظ من النار.
التفسير
١٩ - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ..... ﴾ الآية.
المراد بهذين الخصمين اللذين اختصموا في ربهم: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين المنقسم إِلى الفرق الخمس التي ذكرت عطفا على المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وقد أُريد بهما ذلك تعيينا لطرفى الخصام وتحريرًا لمحله، وإِزاحة لما عسى أَن يتبادر إِلى الذهن من كون الخصام بين كل واحدة من الفرق الست وبين البواقى، وروى عن مجاهد والحسن وعطاءِ بن رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي ما يؤيد ذلك من أَنهما فريقا المؤمنين والكافرين، وهذا يتفق مع ما روى عن ابن عباس من أَن الآية رجع إِلى الأَديان الستة المذكورة في الآية التي أُشير إِليها سابقًا. وبه يتبيَّن كون الفصل السابق بين المؤمنين ومجموع مَن عطف عليهم من الفرق الخمس الكافرة.
ومعنى اختصامهم في ربهم: اختصامهم في شأْنه فيما يتعلق بذاته وصفاته، وفيما يليق به وما لا يليق، فآمن به على ما ينبغي فريق وكفر فريق، ولما كان كل خصم يجمع طائفة جاءَ (اختصموا) بصيغة الجمع، واعتقاد كل من الفريقين حقِّية ما هو عليه، وبطلان ما عليه الفريق الآخر، وبناءُ كل منهما أَقواله وأَفعاله على اعتقاده، يكفى في تحقيق خصومته للفريق المقابل له، وإِن لم يجر بينهما الجدل والخصام على سبيل المواجهة.
وحمل الآية على العموم المذكور لا ينافى ما قيل من أَنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ﵃، وعقبة وشيبة ابنا ربيعة
стр. 2963
والوليد بن عتبة، أَو أَنها نزلت في المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأَن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم فَصَّلت الآية ما أجمل سابقا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ببيان ما أُعد لكل فريق من جزاءِ فَصْلا لهذه الخصومة فقال سبحانه:
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي تُقَطَّع لهم في الآخرة من النار الهائلة قِطَع تشبه الثياب في كونها على مقادير جثثهم، وإِحاطتها بهم كما تحيط الثياب بلابسها، وذكر التقطيع بصيغة الماضى (قُطِّعَت) مع أَنه سيقع في المستقبل، لأَن ما كان من أَخبار الآخرة فالموعود به كالواقع المحقق.
"وأَخرج جماعة عن سعيد بن جبير أن هذه الثياب من نحاس مذاب، وليس شئٌ حمِىَ في النار أَشدّ منه، فليست الثياب من نفس النار بل من شيءٍ يشبهها وتكون هذه الثياب كسوة لهم وما أَقبحها كسوة!! ولذا قال وهب: "يُكْسى أَهل النار، والعُرْى خير لهم" اهـ من تفسير الآلوسى والله أَعلم بصحة ما نقل عن سعيد بن جبير، فإِنه من الغيب الذي لا يعرف إلا بالوحى.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: أَي يصب على رءُوسهم الماءُ الحار الذي انتهت حرارته إلى غايتها.
٢٠ - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾:
أَي: يذاب بالحميم إذا صب على رءُوسهم - يذاب به - ما في بطونهم من الشحم والأَمعاءِ.
قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وكذلك تذوب به جلودهم بمعنى: تتساقط.
وقيل التقدير: يذاب به ما في بطونهم وتحرق الجلود، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
٢١ - ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾:
أي: وجعل الله لتعذيبهم أَعمدة من حديد يضربون بها ويُدفعون. وقيل المقامع: المطارق وهي المرازب أَيضا، وقيل: هي سياط من نار، وسميت بذلك لأَنها تقمع المضروب أَي: تُذِلُّه.
стр. 2964
٢٢ - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا .... ﴾ الآية.
أَي: كلما أَرادوا الخروج من النار لِغَمٍّ عظيم من عذابها رغبة في الخلاص منه، وأَشرفوا على الخروج، وذلك حين تجيش بهم النار وتثور، فترفعهم إِلى أَعلى نحو أَبوابها - كلما حدث منهم ذلك - ضربوا بالمقاطع فأُعيدوا إلى معظم النار، لا أَنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعادون إِليها.
قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إِن الأَرجل لمُقَيَّدَةٌ وإِن الأَيدى لَمُوثَقَةٌ، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها، وقال الحسن: معنى الخروج: أَن النار تضربهم بلهبها، فتلقيهم إِلى أَعلاها، فضُربوا بالمقامع فَهَوَوْا فيها سبعين خريفًا.
وكلا الرأْيين يدور على أَن إِرادة الخروج من النار ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن مشارفتهم الخروج منها، برفعهم إِلى أَعلاها.
وقال: بعضهم إن المعنى: كلَّما أَراد أَحدهم أَن يخرج من مكانه المعدّ له في النار إِلى مكان آخر، فخرج أُعيد فيه بضرب الزبانية إِياهم بالمقامع.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أَي: وقيل لهم إِذلالا وإِهانة: ذوقوا عذاب الحريق، وهو عذاب الغليظ من النار العظيم الإِحراق، جمعا لهم بين التعذيب البدنى والنفسى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾
стр. 2965
المفردات:
﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: الأَساور جمع أَسْوِرة كأَسْلحة، وواحد أَسْوِرة سُوار - بكسر السين وضمها - كسلاح وغراب، وهو ما يلبس في اليد ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: إلى طريق الله المحمود. وهو الدين الحق.
التفسير
٢٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .. ﴾ الآية.
لما أَخبر - سبحانه - عن حال الفريق الأَول فريق الكفار وما هم فيه من العذاب والنكال؛ عقَّبه بذكر حال الفريق المقابل وهو فريق المؤمنين ببيان ما هم فيه من نعيم مقيم.
والمعنى: أَن الله تعالى يكافئُ المؤمنين على إِيمانهم مكافأَة كريمة، فيدخلهم جنات تجرى الأَنهار في أَرجائها وتنساب في جوانبها، وتحت أَشجارها، وبين قصورها. ليصفو جوها ويَرقّ هواؤُها، وتطيب الإِقامة فيها، واستكمالًا لنعيمهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: أَي تلبسهم الملائكة في الجنة بأَمر ربهم أَساور متخذة ومصنوعة مِنْ ذهب، ويمنحون لؤلؤًا يحلَّون به، وقال القشيرى: المراد: ترصيع السوار باللؤْلؤ.
ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤْلؤٍ مصْمَت بمعنى أَنه لا يخالطه شئٌ، ثم يضعون كل ذلك في أيديهم (١)، كما في صحيح مسلم من حديث أَبي هريرة قال: سمعت حبيب الله ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المسلم حيث يبلغ الوضوءُ" ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: أَي: أَن جميع ما يلبسونه يكون من حرير سُنْدسِه وإستبرقه. كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (٢). وذلك في مقابلة ثياب الكافرين التي قطعت لهم من نار
стр. 2966
قال النص الكريم: ﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾ ولم يقل: ويلبسون، كما قال: يُحلَّون. للإِشعار بأَن اللباس لهم أَمر محقق غنى عن البيان إِذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإِنما يحتاج إلى بيان نَوْعِهِ. بخلاف التحلية، فإنها ليست من لوازمهم الدائمة؛ فلذا جعل بيانها بصيغة (الفعل) المضارع ليفيد التجدد من آن لآخر، وفي تصدير الآية الكريمة عن المؤمنين بالتوكيد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ … ﴾ إظهار لمزيد العناية بهم وإِشارة إِلى تحقق ما وعدوا به، والتحلية بلبس الحرير قيل: هو حكم عام في أَهل الجنة، وقيل: هو باعتبار الأَغلب، لما أخرج النسائى وابن حبان وغيرهما عن أَبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أَهل الجنة ولم يلبسه هو) اهـ.
قال القرطبى في تفسيره: وذلك لاستعجال ما حرم الله عليه في الدنيا. ثم قال هذا نص صريح، وإِسناده صحيح.
٢٤ - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: أَي وهدى الله - سبحانه - المؤمنين في الدنيا، ووفَّقهم إِلى الطيب من القول، وهو كلمة التوحيد واتباع الأَوامر، واجتناب النواهى، وحكى الماوردى: هو الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقيل: ما يعم ذلك وسائر الأَذكار ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: أَي إِلى طريق الله المستحق غاية الحمد لذاته، وصراطه: هو الإِسلام فهو سبيل الله إِلى الجنة.
وقيل: إِن ذلك يكون في الآخرة، بأَن يقولوا عند دخول الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (١). ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٢).
وما يقع في محاورتهم من طيب القول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٣). كما هدوا فيها إلى طريق الجنة فهى المكان المحمود الذي يحمدون فيه ربهم على ما أَحسن إِليهم، وتفضل به عليهم. كما جاءَ في مسلم.
(إِنهم يُلْهَمُون التسبيح والتحميد كما يُلْهمون النَّفَس).
стр. 2967
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾
المفردات:
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي ويمنعون الناس عن طريق الإِسلام، لأَن الصد: المنع. والسبيل: الطريق. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يراد به المسجد نفسه، وقيل: الحرم كله ومنه مكة. ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: أَي المقيم فيه الملازم له، وفعله من باب: قعد وضرب. ﴿وَالْبَادِ﴾: الطارئِ عليه من سكان البادية وغيرها. ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾: الإِلحاد في اللغة؛ الميل عن القصد، أَي: ومن يرد فيه مرَادًا مائلا عن القصد والاستقامة، بسبب ظلمه.
التفسير
٢٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ..... ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية - على ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما - في أَبي سفيان بن حرب وأَصحابه حين صدوا رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين عام الحديبية عن المسجد الحرام، فَكره ﵊ أَن يحاربهم وكان محرما بعمرة، ثم صالحوه على أَن يعود في العام القابل.
وكان نزول الآية وعيدًا لهؤُلاءِ المشركين من قريش ومن والاهم، حيث بالغوا في الظلم والطغيان بسبب كفرهم وما صاحبه من الصد عن الإسلام وعن المسجد الحرام ذاته أَو عن الحرم كله ومنه مكة، وقد صُد عنه النبي وأَصحابه وكانوا بالحديبية وعُبِّر عن الحرم بالمسجد الحرام لأَنه المهم المقصود.
стр. 2968
والتعبير في النص الكريم بقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ مع أَنها بمعنى وصَدُّوا لاستحضار الصورة الماضية تهويلا وتقبيحا لأَمر الصد الذي واجهوا به النبي وأَصحابه مع علمهم بأَنهم حضروا مسالمين قصدا إِلى النُّسُك، ومن حقهم أَن يدخلوه. كما قال تعالى:
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾: أَي جعلنا دخوله حقا لجميع الناس لقضاءِ النُّسُك فيه، يستوى في ذلك المقيم فيه أَو في حرمه، مع الحاضر إليه من أَهل البادية وغيرهم مِمَّن يفدون عليه. فأَهل مكة ليسُوا أَحق بتقديسه وتعظيمه من النازحين إِليه.
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾: أَي من يرد فيه مرادًا ما بِإلحاد، أَي: ميل عن الاستقامة إِلى الإِثم بسبب ظلمه الذي حَمَله على الإِقدام عليه عامدا غير متأَول.
من يفعل ذلك ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أَي ننزل به في الآخرة أَلوانا من أَشد العذاب وأَقساه، لأَن الله عظم فيه الذنب - صغيره وكبيره -، وضاعف عليه العقاب، مما جعل أُولى النُّهى يبالغون في المحافظة على حرمته، ويبتعدون عن كل ما يمس قدسيته، وكانوا يعدون شتم الخادم فيه إِلحادًا بظلم، واليمين اللغو كذلك، كقولهم: لا والله، وبلى والله، مع أَنها غير مؤْثمة في غير الحرم، أَخرج ابن جرير عن مجاهد قال: (كان لعبد الله بن عمر ﵄ فسطاطان، أَحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإِذا أَراد أَن يصلى صَلَّى في الذي في الحرم، وإِذا أَراد أَن يعاتب أَهله عاتبهم في الذي في الحل، فقيل له. فقال: نُحدَّث أَن من الإِلحاد فيه: لا والله، وبلى والله) ويروى عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄ إن من الإِلحاد في الحرم أَن نقول: كلاَّ والله، وبلى والله. وكان مجاهد يرى (أَن المعاصي تُضَاعف بمكة كما تضاعف الحسنات) فتكون المعصية معصيتين: إِحداهما: بنفس المخالفة، والثانية: بإِسقاط حرمة البلد الحرام - وقال الخفاجى: الوعيد على الإِرادة المقارنة للفعل، لا على مجرد الإرادة، وبه قال ابن مسعود وعكرمة. اهـ من تفسير روح المعانى.
стр. 2969
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾
المفردات:
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾: أَي جعلنا مكانه مباءَة ومرجعا يعود إليه إبراهيم للعبادة والعمارة، ويقال: بوأْته الدار، وبوأْت له الدار بمعنى: أَسكنته إياها.
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾: أَي لا تشرك بى في العبادة شيئًا، بل اجعلها لى وحدى.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: أَي واجعل ساحته نقيَّة طاهرة من الأَصنام والأَوثان؛ ليكون خالصًا للطائفين والمصلين لرب العالمين.
التفسير
٢٦ - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ … ﴾ الآية.
أَي: واذكر - أَيها النبي - وقت جَعلنا مكان البيت مباءَة لإِبراهيم يرجع إِليه للعمارة والعبادة، وأَذنَّا له ببنائه بمعاونة ولده إِسماعيل. وقال الزجاج: المعنى: بَيَّنَّا له مكان البيت ليبنيه، ويكون مباءَة له ولعقبه، يرجعون إِليه ويحجونه.
ويقال: إِنه كان مبنيا قبل أَن يؤْمرا إِبراهيم ببنائه، ولكنه كان قد دَرَسَ وفنى من عوادى الزمن، فكشف الله لإِبراهيم عن أَساسه بما أَرسله يومئذ من ريح عاتية، أَزالت عنه ما كان يطمس معالمه، ويخفى حدوده، ويَسْتُر رسومه.
وتوجيه الأَمر للرسول ﷺ أَن يذكر الوقت الذي وقعت فيه تلك الحوادث ولم يُوَجَّه إِليه ليذكر الحوادث نفسها مع أَنها هي المقصودة لِذاتها - للمبالغة في إِيجاب
стр. 2970
ذكرها؛ لأَن الوقت مشتمل عليها، فإِذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها، كأَنها مشاهدة عيانا، والسياق يشير ظاهره إِلى أَن قواعد البيت كانت مبنية قبل إِبراهيم ﵇ وأَنه تعالى هداه إِليها. روى عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (١) أَنه قال: هي القواعد التي كان عليها البَيْت قبل ذلك. اهـ وبعد هذا بنته قريش في الجاهلية، وحضر بناءَه رسول الله ﷺ وكان شابًا، ثم بناه عبد الله بن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف الثقفى وهو البناءُ الموجود اليوم - كما قاله الآلوسى.
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أَي: قائلين له: لا تشرك بى في العبادة شيئًا بل اجعلها خالصة لى وحدى. والخطاب - لإِبراهيم ﵇ ونهيه عن الشرك نهى لأَبنائه، وأَتباعه وكل من تناسل منهم وإِشارة إِلى خطيئة كل من أَشرك بالله من قُطَّان البيت وسكانه.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أَي: وطهره من الشرك والأَرجاس والأَصنام، ليكون خالصًا للموحدين الطائفين حوله، والمصلين فيه أَو حوله، أَو متجهين إِليه إِذا صلوا بعيدا عنه. والتعبير عن الصلاة بالقيام والركوع والسجود؛ لأَنها من أَعظم أَركانها، وقد دلت الآية على أَن الطواف لا يشرع إلا حول البيت، وأَن الاتجاه في الصلاة لا يكون إِلا إليه، ما لم يمنع من ذلك مانع، وقد فصَّلَتْ كتب الفقه ذلك.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾
المفردات:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أَي: ناد فيهم وادعهم إلى الحج.
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مشاة. ومفرد ﴿رِجَالًا﴾: راجل - أَي ماش على رجليه -، والفعل: رَجِلَ، كفرح.
стр. 2971
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: أَي ركبانا على كل بعير مهزول من طول السفر وبعد المشقة، وفعله من بابى: قَعَد وقَرُب. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾: الفج الطريق الواسع بين جبلين.
ويرادَ به هنا: مطلق طريق، والعميق: هو البعيد. وفعله ككرم وسَمِع أَي: من كل طريق بعيد.
التفسير
٢٧ - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا .... ﴾ الآية.
لما فرغ إِبراهيم ﵇ من بناءِ البيت أُمِر بأَن ينادى في الناس داعيًا إِياهم أَن يحجوا هذا، البيت أَي: يقصدوه للنسك، فلبى أَمر ربه، قيل: إِنه صعد أَبا قُبيس من جبال مكة، فقال: يأَيها الناس حجوا بيت ربكم، فأَسمعه الله تعالى من في أَصلاب الرجال وأَرحام النساءِ فيما بين المشرق والمغرب ممن سبق في علمه تعالى أَن يحج، قائلا: لبيك. والذى نراه: أَن المقصود من الأَمر الكريم أَن يبلغ إبراهيم ﵇ أَن الله تعالى قد شرع لعباده حج بيته، وأَوجبه على القادرين منهم مشاة وركبانا، وقوله جل شأْنه ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾: جواب لأَمره ﵇ بالأَذان، ووعد منه - سبحانه - بأَن يستجيب الناس إِلى ندائه وتبليغه، فيأْتوه رجالا أَي: مشاة، جمع راجل بمعنى ماش، وركبانا على كل بعير مهزول، أَضناه السفر، وأَتعبه بعد الشُّقة، فلحقه الهزال أَو جعله يزيد فيه ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾: الجملة صفة لضامر محمولة على المعنى، فكأَنه قال: وركبانا على ضوامر يأْتين من كل طريق بعيد، وفي هذا إِشارة إِلى أن من رغب في أَداءِ فريضة الحج لا يقف في طريقه ضعف الراحلة ولا بعد الشُّقة ولا زيادة المشقة ولا ضيق العيش ما دام ذلك في دائرة احتماله، وإِنما قال يأْتوك، وإِن كانوا يأْتون الكعبة - لأَن المنادِى إِبراهيم ﵇ فمن أَتى الكعبة حاجا فكأَنما أَتى إِبراهيم لأَنه أَجاب نداءَه.
ولما قال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا … ﴾ الآية. عقَّبه ببيان فوائد الاستجابة. فقال تعالى:
стр. 2972
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: ليحضروا منافع لهم، وفعله: شهد، كسمع.
﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: المراد من بهيمة الأَنعام، الإِبل والبقر والغنم، والبهيمة في الأَصل: كل ذات أَربع قوائم ولو في الماءِ، أَو كل حى لا يميز، والجمع بهائم، والأَنعام مفرده نعم بالتحريك. وقد تسكن عينه. ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ البائس: من نزل به الضر وفِعْلهُ: بئس، كعلم، والفقير: من قَلَّ ماله، وفِعْلهُ كتَعبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: ثم ليزيلوا بعد التحلل من الإِحرام أَوساخهم، وفعله: تفث، كفرح، فهو تفِث إِذا ترك الاستحمام فعلاه الوسخ.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: أَي وليؤَدوا ما أَوجبوه على أَنفسهم، وفعله من بابى: ضرب وقعد.
﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أَي القديم؛ لأَنه أَول بيت وضع للناس في الأَرض.
التفسير
٢٨ - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .... ﴾ الآية.
والمعنى: أَن حجاج بيت الله الحرام يأْتونك يا إِبراهيم من مختلف البقاع تلبية لندائك ليحضروا منافع لهم كثيرة العدد والخطر: دينية ودنيوية، أَما الدينية ففيما ينالونه
стр. 2973
من مثوبة ومغفرة لأَدائهم المناسك على وجهها المشروع، وتعظيمهم الحرمات وتقديرها حق قدرها. وأَما الدنيوية ففيما يصيبونه من ربح في التجارة، وبما يحصلون عليه من لحوم الهدايا وما يذبحه الحجاج جزاءَ مخالفتهم لما وجب عليهم من المناسك، إِلى غير ذلك من التعارف والتآلف، وإِحكام الصِّلاتِ بين الأَفراد والجماعات والأُمم الإِسلامية، وحل مشكلاتهم السياسية والمالية والاجتماعية ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾: عند الذبح والنحر للهدايا والضحايا ودماءِ الحج، مثل قولهم: باسم الله والله أَكبر اللهم هذا منك وإِليك. وبذلك أَوجب الله ذكر اسمه عند الذبح ليحل أَكل المذبوح كما قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وكان الكفار يذبحون على أَسماءِ آلهتهم. فبين جل ثناؤُه أَن الواجب أَن يكون الذبح على اسم الله.
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾: هي أَيام النحر، وهي ثلاثة أَيام: يوم العيد ويومان بعده. وبذلك قال جماعة من العلماءِ منهم الثورى، وسعيد بن جبير، وقيل أَربعة: أَيام: يوم العيد وثلاثة بعده. وبذلك قال الحسن وعطاءُ والشافعى وقيل غير ذلك (٢) ويُنبئُ عن أَنها أَيام النحر قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: فإِنه يشير إِلى أَن المراد بالذكر هنا: ما يقع من ذكر الله عند الذبح في تلك الأَيام، وفي التعبير عن الذبائح بأَنها من رزق الله، إيذان بأَنها من نعمه تعالى عليهم، فلا يليق بهم أَن يبخلوا بها، فهى منه وإِليه.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: الأَمر فيها لإِباحة الأَكل منها لصاحب الهدى والأُضحية ولأَهله عند قوم، وللاستحباب والندب عند آخرين، مواساة للفقراءِ ومساواة لهم ويتصدق بالأَكثر وذهب أَكثر العلماءِ إلى أَنها تقسم أثلاثا فيتصدقون بالثلث ويهدى الثلث ويأْكل هو وأَهله الثلث، وممن ذهب إلى أَن الأَكل مباح وليس مندوبا أَبو حنيفة وسفيان الثورى، فقد قال: كان المشركون لا يأْكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاءَ أَكل ومن شاءَ لم يأْكل.
стр. 2974
وروى عن مجاهد وعطاءٍ مثل ذلك بناءً على أَن الأَكل كان منهيا عنه شَرعًا لقوله ﷺ : "كنت نهيتكم عن أَكل لحوم الأَضاحى فكلوا منْها وادَّخروا". والأَمر بعد المنع يفيد الإِباحة لا الندب.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الأَمر للوجوب - كما نقله الأَلوسى عن بعض الشافعية، أَي وَأَطْعِمُوا منها البائس الذي نزل به الضر، فأَصابته الشدة، وبدت عليه الحاجة، وعن مجاهد وعكرمة: تفسيره بالذى يمد يده إِلى الناس يَسأل، والفقير بمعنى المحتاج صفة للبائس مؤَكدة لمعناه (١).
وتخصيص البائس الفقير بالإِطعام لا ينافى جواز إِطعام الغَنىّ على سبيل الهدية كما تقدم بيانه.
٢٩ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾:
أَي: ثم ليزيلوا بعد التحلل من الإِحرام أَوساخهم، وذلك بالاستحمام وتقليم الأَظافر، وترجيل الشعر، وقص الشارب، وغير ذلك من أُمور تستلزمها النظافة ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: بتأْدية ما أُمروا به من مناسك حجهم، والعرب تقول لكل من خرج عما وجب عليه وأَدَّاهُ: وفَّى نذْرَهُ.
والمعنى. وليوفوا بما ينْذرونه من أَعمال البر في حجهم، والوفاءِ بالنذر واجب مطلقا، وليس مختصا بالحج، ما دام النذر في غير معصية، ولكن الوفاءَ به في الحج أَحق وآكد.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: هو طواف الإِفاضة، وهو الركن الأَهم بعد الوقوف بعرفة.
وقيل: هو طواف الوداع. ووصف البيت بالعتيق للإِشارة إلى أَنه قديم لكونه أَول بيت وضع للناس كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ (٢) أَو للإِشارة إِلى أَن الله أَعتقه من أَن يتسلط عليه جبّار إِلى انقضاءِ الزمان، وكم من جبار سار إِليه ليهدمه فقصمه الله ورده عنه مخذولا.
стр. 2975
وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما سمّى البيت بالعتيق لأَنه لم يظهر عليه جبار)
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾
المفردات:
﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: هي كل ما لا يحل انتهاكه والتهاون في تعظيمه.
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: الرجس كل شيءٍ يستقذر ويراد به الأَوثان كما هنا وهي من حجر أَو خشب أَو غيرها. ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾: أَي تسقط به إِلى أَسفل. وفعله من باب: ضرب، يقال: هَوَى يهْوِى هَويَّا، وهُوِيَّا. ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: أَي بعيد، فعله. مثل بَعُد وزنًا ومعنى.
التفسير
٣٠ - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ .... ﴾ الآية.
أَي: ذلك التشريع الذي سبق بيانه يجب اتباعه والالتزام به لكل حاج، أَو امتثلوا ذلك التشريع الذي تقدم بيانه. (١)
стр. 2976
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: استئناف لتقرير حكم ما قبله ببيان أَن الحرمات المقصودة بالتعظيم هنا هي أَعمال الحج المشار إليها في الآيات السابقة وأَماكنها كعرفة والكعبة ومنى ونحوها؛ قاله ابن زيد وغيره. وعن ابن عباس: هي جميع المناهى في الحج، وتعظيمها أَلَّا يحوم حولها؛ أَي: لا يقربها.
وقيل: حرمات الله هي كل ما لا يحل انتهاكه، ولا يجوز الاستهانة به، وجميع التكاليف الشرعية تتصف بهذه الصفة فتشمل مناسك الحج وغيرها وعلى هذا يكون المراد من تعظيمها هو العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بمقتضى هذا العلم، فلا خير في علم بغير عمل بمقتضاه، وبهذا التأْويل تكون هذه الآية عامة في الحج وغيره، وهو الظاهر.
والمعنى الإِجمالى للآية: ذلك التشريع يجب تعظيمه، ومن يعظم تكاليف الله وشرائعه بعلمه بقداستها، وعمله بمقتضى هذا العلم، فهذا التعظيم خير له عند ربه، حيث يثيبه عليه ثوابًا عظيما في أُخراه ولا يحرمه من فضله في دنياه.
﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أَي وأُحل لكم ذبح الأَنعام، والأَكل منها في الحج وغيره، إِلا ما تلى عليكم تحريمه من قبل، والأَنعام حلال بأَنواعها، وتشمل الإِبل والبقر والغنم إِلا ما حرمه الله لعارض، كالموت، وذكر اسم الأَوثان عند ذبحها، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … ﴾ (١) الآية، وقد نزلت آية المائدة قبل آية الحج، وإِنما عبر عنها بصيغة الحاضر والمستقبل ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بدلا من صيغة الماضى - إِلا ما تلى عليكم - للإِيذان بأَن تلاوة هذه الآيات تتردد على أَسماعكم منذ نزولها إِلى الآن وبعد الآن.
ولما حث الله على تعظيم حرماته، أَتبعه الأَمر باجتناب الأَوثان وقول الزور فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: أَي فابتعدوا عن الرجس الذي هو الأَوثان، وكانت العرب تتخذها من الأَحجار أَو الأَخشاب أَو الذهب أَو الفضة أَو نحوها، ويعبدونها إشراكا وكفرا، وطلب اجتناب ذواتها للمبالغة في البعد عنها لأَنها نجس وقذر لا ينبغي القرب منه
стр. 2977
فضلا عن عبادتها التي لا يليق وقوعها من إِنسان عاقل. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾: تعميم بعد تخصيص؛ فإِن عبادة الأَوثان هي رأْس الزور لما فيها من ادعائهم أَنها مستحقة للعبادة.
أَي: واجتنبوا في كل ما تنطقون به قول الزور في عبادة أَو غيرها، حيث كانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) والزور: هو الكذب لأَن فيه انحرافا وميلا عن الحق. وقد قرن النهي عن قول الزور بالنهي عن الشرك لما له من أَسوأ الأَثر في إِثارة العداوات، وغرس الأَحقاد وتفتيت الجماعات بل قد يتمادى الكاذب فيكذب على ربه وخالقه في غير استحياءٍ ورهبة، ومن قول الزور: الشهادة بغير الواقع، فهى زور ينكر حقًّا ويثبت باطلا.
وفي الصحيحين عن أَبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلا أُنبئكم بأَكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: أَلا وقول الزور. أَلا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت).
٣١ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ … ﴾ الآية.
أَي: فاجتنبوا في إِسلامكم ما نهيتم عنه من عبادة الأَوثان، وقول الزور في حال كونكم مائلين عن كل دين زائغ وغير مشركين به - سبحانه - شيئًا من الأَشياءِ، فكل ما سواه - سبحانه - فهو مخلوق له، فلا يصح أن يعبد معه. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ جملة مبتدأَة لإِظهار قبح الإِشراك وسوءِ عاقبته.
والمعنى: ومن يشرك بالله فهو بمنزلة من سقط من السماء، وعرّض نفسه لأَبشع صورة من صور الهلاك حيث يتمزق قطعا، ويتناثر أَشلاءً ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: وتتناول أَجزاءَه، فلا تبقى له أَثرا ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: أَو تشبه حاله حالَ من عصفت به الريح في مكان بعيد، فكان فيه من الهالكين، وفي كلا التشبيهين تيئيس للكافر من النجاة؛ حيث لا يستطيع أَن يدفع عن نفسه الهلاك الذي ينزله الله به في الآخرة، حيث يصلى فيها ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
стр. 2978
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾
المفردات:
﴿شَعَائِرَ﴾: الشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، والبدن من شعائر الحج أَي: علاماته المميزة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إِلى وقت ذبحها أَو إِلى وقت إِيجابها وتسميتها هَدْيًا.
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أَي مكان وجوب ذبحها أَو زمانه إلى جوار البيت العتيق حيث تذبح بمنى أَو بأَى مكان بالحرم.
التفسير
٣٢ - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾:
أَي: الأَمر الذي يجب الالتزام به ذلك المذكور من أَعمال الحج في الآيات السابقة، أَو اتبعوا ذلك ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ استئناف لتقرير ما قبله، أَي: ومن يعظم أَوامره وهي كل شيءٍ لله تعالى فيه أَمر أَشعر به وأَعلم.
والمقصود بشعائر الله هنا: الهدايا التي تساق إلى فقراء الحرم فإنها من معالم الحج وشعائره، كما ينبئُ عنه قوله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ولدلالة الآية التالية على ذلك، وتعظيمها اعتقاد أَن التقرب بها من أجلِّ القربات وأَفضلها، ويراعى في اختيارها أَن تجمع بين السلامة من العيوب، والسِّمن كما روى عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ أَي: فإِن تعظيمها أَثر من آثار تقوى القلوب التي امتلأَت بتقوى الله وخشيته. وفي تقييد التقوى بالقلوب - كما قال الآلوسى في تفسيره: إشارة إِلى أَن التقوى قسمان: تقوى القلوب، والمراد بها
стр. 2979
التقوى الحقيقية الصادقة التي يتصف بها المؤمن الصادق. أَمَّا تقوى الأَعضاءِ، فالمراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي يتصف بها المنافق الذي كثيرًا ما تخضع أَعضاؤُه، وقلبه لاه.
٣٣ - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾:
أَي: لكم في الهدايا منافع دنيوية في أَلبانها، وأَصوافها، وأَوبارها، وأَشعارها، ونسلها وركوبها إلى وقت إِيجابها وبعثها هَدْيًا، وحينئذ ليس لكم شئٌ من منافعها، قاله ابن عباس. وقال عطاءٌ: منافع الهدايا بعد إِيجابها وتسميتها هديا أَن تُرْكب ويشرب لبنها عند الحاجة إِلى أَجل مسمى وهو وقت النحر. وقال مجاهد: فإِذا سُمَّيَتْ بدنةً أَو هدْيًا ذهب ذلك كله.
وقال آخرون: بل له أَن ينتفع بها وإِن كانت هَديا إِذا احتاج إِلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين. (عن أَنس أَن رسول الله ﷺ رأَى رجلًا يسوق بدنة قال: اركبها. قال إِنها بدنة، قال: اركبها ويحك) ويؤْخذ من ذلك: أَن للمُهدين أَن ينتفعوا بهداياهم ما داموا في حاجة إِلى الانتفاع بها، وذلك بركوبها، وشرب لبنها - بعد ريِّ فصيلها - إِلى وقت ذبحها.
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾:
﴿مَحِلُّهَا﴾: أَي وجوبها، فهى مصدر ميمى مأْخوذ من حَلَّ الدين إذا وجب أَداؤُه، والمراد أَن وجوب نحرها ينتهى في الحرم إلى جوار البيت العتيق، إِكراما لزواره، وتعظيما لمكانه، وقد ورد في الحديث: "كل فجاج مكة منحر، وكل فجاج منى منحر" قال القفال: وهذا في الهدايا التي تبلغ منى، وأَما الْهَدْىُ الْمُتَطَوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة، فمنحره موضعه.
وقيل: الشعائر: المناسك كلها. وتعظيمها: إتمامها. والمعنى لكم فيها منافع من الأَجر والثواب في قضاءِ المناسك إِلى انقضاءِ أَيام الحج، ثم تَحلُّلُ الناس من إِحرامهم إِلى البيت العتيق أَي: منتهٍ عنده بأَن يطوفوا طواف الإفاضة يوم النحر.
стр. 2980
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ الأُمة: هي الجماعة على مذهب واحد. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ المنسك: بفتح السين وكسرها. موضع الذبح أَو الذبح وإِراقة الدم، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك بضمتين والفعل من باب نصر. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أَي استسلِمُوا وانقادوا. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: وهم الذين خضعوا لله وخشعت قلوبهم، يقال: أَخبت الرجل إِخباتا فهو مخبت أَي: هو خاضع خاشع. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت وخشيت. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾: هم الذين يحبسون الجزع إِذا نزلت بهم نازلة، وفعله من باب: ضرب.
التفسير
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .. ﴾ الآية.
أَي: ولكل أَهل دين من الأَديان السماوية السابقة، أَو ولكل جماعة مؤْمنة، جعلنا لهم مكانا للذبح وإِراقة الدماءِ، تيسيرًا لهم، وتمكينا لمن يريد التقرب إِليه تعالى بإِطعام عباده في مناسكهم، وفسر مجاهد المنسك: بالذبح على أَنه مصدر ميمى، يريد أَنه تعالى شرع لكل أَهل دين أَن يذبحوا تقربا إِلى الله تعالى، لا لبعضهم دون بعض، واختاره الزمخشرى.