← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: استئناف لتقرير حكم ما قبله ببيان أَن الحرمات المقصودة بالتعظيم هنا هي أَعمال الحج المشار إليها في الآيات السابقة وأَماكنها كعرفة والكعبة ومنى ونحوها؛ قاله ابن زيد وغيره. وعن ابن عباس: هي جميع المناهى في الحج، وتعظيمها أَلَّا يحوم حولها؛ أَي: لا يقربها. وقيل: حرمات الله هي كل ما لا يحل انتهاكه، ولا يجوز الاستهانة به، وجميع التكاليف الشرعية تتصف بهذه الصفة فتشمل مناسك الحج وغيرها وعلى هذا يكون المراد من تعظيمها هو العلم بوجوب مراعاتها، والعمل بمقتضى هذا العلم، فلا خير في علم بغير عمل بمقتضاه، وبهذا التأْويل تكون هذه الآية عامة في الحج وغيره، وهو الظاهر. والمعنى الإِجمالى للآية: ذلك التشريع يجب تعظيمه، ومن يعظم تكاليف الله وشرائعه بعلمه بقداستها، وعمله بمقتضى هذا العلم، فهذا التعظيم خير له عند ربه، حيث يثيبه عليه ثوابًا عظيما في أُخراه ولا يحرمه من فضله في دنياه. ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أَي وأُحل لكم ذبح الأَنعام، والأَكل منها في الحج وغيره، إِلا ما تلى عليكم تحريمه من قبل، والأَنعام حلال بأَنواعها، وتشمل الإِبل والبقر والغنم إِلا ما حرمه الله لعارض، كالموت، وذكر اسم الأَوثان عند ذبحها، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … ﴾ (١) الآية، وقد نزلت آية المائدة قبل آية الحج، وإِنما عبر عنها بصيغة الحاضر والمستقبل ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بدلا من صيغة الماضى - إِلا ما تلى عليكم - للإِيذان بأَن تلاوة هذه الآيات تتردد على أَسماعكم منذ نزولها إِلى الآن وبعد الآن. ولما حث الله على تعظيم حرماته، أَتبعه الأَمر باجتناب الأَوثان وقول الزور فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: أَي فابتعدوا عن الرجس الذي هو الأَوثان، وكانت العرب تتخذها من الأَحجار أَو الأَخشاب أَو الذهب أَو الفضة أَو نحوها، ويعبدونها إشراكا وكفرا، وطلب اجتناب ذواتها للمبالغة في البعد عنها لأَنها نجس وقذر لا ينبغي القرب منه

стр. 2977

فضلا عن عبادتها التي لا يليق وقوعها من إِنسان عاقل. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾: تعميم بعد تخصيص؛ فإِن عبادة الأَوثان هي رأْس الزور لما فيها من ادعائهم أَنها مستحقة للعبادة. أَي: واجتنبوا في كل ما تنطقون به قول الزور في عبادة أَو غيرها، حيث كانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) والزور: هو الكذب لأَن فيه انحرافا وميلا عن الحق. وقد قرن النهي عن قول الزور بالنهي عن الشرك لما له من أَسوأ الأَثر في إِثارة العداوات، وغرس الأَحقاد وتفتيت الجماعات بل قد يتمادى الكاذب فيكذب على ربه وخالقه في غير استحياءٍ ورهبة، ومن قول الزور: الشهادة بغير الواقع، فهى زور ينكر حقًّا ويثبت باطلا. وفي الصحيحين عن أَبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أَلا أُنبئكم بأَكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: أَلا وقول الزور. أَلا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت). ٣١ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ … ﴾ الآية. أَي: فاجتنبوا في إِسلامكم ما نهيتم عنه من عبادة الأَوثان، وقول الزور في حال كونكم مائلين عن كل دين زائغ وغير مشركين به - سبحانه - شيئًا من الأَشياءِ، فكل ما سواه - سبحانه - فهو مخلوق له، فلا يصح أن يعبد معه. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ جملة مبتدأَة لإِظهار قبح الإِشراك وسوءِ عاقبته. والمعنى: ومن يشرك بالله فهو بمنزلة من سقط من السماء، وعرّض نفسه لأَبشع صورة من صور الهلاك حيث يتمزق قطعا، ويتناثر أَشلاءً ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: وتتناول أَجزاءَه، فلا تبقى له أَثرا ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: أَو تشبه حاله حالَ من عصفت به الريح في مكان بعيد، فكان فيه من الهالكين، وفي كلا التشبيهين تيئيس للكافر من النجاة؛ حيث لا يستطيع أَن يدفع عن نفسه الهلاك الذي ينزله الله به في الآخرة، حيث يصلى فيها ﴿نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.

стр. 2978

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ المفردات: ﴿شَعَائِرَ﴾: الشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، والبدن من شعائر الحج أَي: علاماته المميزة. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إِلى وقت ذبحها أَو إِلى وقت إِيجابها وتسميتها هَدْيًا. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أَي مكان وجوب ذبحها أَو زمانه إلى جوار البيت العتيق حيث تذبح بمنى أَو بأَى مكان بالحرم. التفسير ٣٢ - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: أَي: الأَمر الذي يجب الالتزام به ذلك المذكور من أَعمال الحج في الآيات السابقة، أَو اتبعوا ذلك ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ استئناف لتقرير ما قبله، أَي: ومن يعظم أَوامره وهي كل شيءٍ لله تعالى فيه أَمر أَشعر به وأَعلم. والمقصود بشعائر الله هنا: الهدايا التي تساق إلى فقراء الحرم فإنها من معالم الحج وشعائره، كما ينبئُ عنه قوله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ولدلالة الآية التالية على ذلك، وتعظيمها اعتقاد أَن التقرب بها من أجلِّ القربات وأَفضلها، ويراعى في اختيارها أَن تجمع بين السلامة من العيوب، والسِّمن كما روى عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ أَي: فإِن تعظيمها أَثر من آثار تقوى القلوب التي امتلأَت بتقوى الله وخشيته. وفي تقييد التقوى بالقلوب - كما قال الآلوسى في تفسيره: إشارة إِلى أَن التقوى قسمان: تقوى القلوب، والمراد بها

стр. 2979

التقوى الحقيقية الصادقة التي يتصف بها المؤمن الصادق. أَمَّا تقوى الأَعضاءِ، فالمراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي يتصف بها المنافق الذي كثيرًا ما تخضع أَعضاؤُه، وقلبه لاه. ٣٣ - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: أَي: لكم في الهدايا منافع دنيوية في أَلبانها، وأَصوافها، وأَوبارها، وأَشعارها، ونسلها وركوبها إلى وقت إِيجابها وبعثها هَدْيًا، وحينئذ ليس لكم شئٌ من منافعها، قاله ابن عباس. وقال عطاءٌ: منافع الهدايا بعد إِيجابها وتسميتها هديا أَن تُرْكب ويشرب لبنها عند الحاجة إِلى أَجل مسمى وهو وقت النحر. وقال مجاهد: فإِذا سُمَّيَتْ بدنةً أَو هدْيًا ذهب ذلك كله. وقال آخرون: بل له أَن ينتفع بها وإِن كانت هَديا إِذا احتاج إِلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين. (عن أَنس أَن رسول الله ﷺ رأَى رجلًا يسوق بدنة قال: اركبها. قال إِنها بدنة، قال: اركبها ويحك) ويؤْخذ من ذلك: أَن للمُهدين أَن ينتفعوا بهداياهم ما داموا في حاجة إِلى الانتفاع بها، وذلك بركوبها، وشرب لبنها - بعد ريِّ فصيلها - إِلى وقت ذبحها. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: ﴿مَحِلُّهَا﴾: أَي وجوبها، فهى مصدر ميمى مأْخوذ من حَلَّ الدين إذا وجب أَداؤُه، والمراد أَن وجوب نحرها ينتهى في الحرم إلى جوار البيت العتيق، إِكراما لزواره، وتعظيما لمكانه، وقد ورد في الحديث: "كل فجاج مكة منحر، وكل فجاج منى منحر" قال القفال: وهذا في الهدايا التي تبلغ منى، وأَما الْهَدْىُ الْمُتَطَوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة، فمنحره موضعه. وقيل: الشعائر: المناسك كلها. وتعظيمها: إتمامها. والمعنى لكم فيها منافع من الأَجر والثواب في قضاءِ المناسك إِلى انقضاءِ أَيام الحج، ثم تَحلُّلُ الناس من إِحرامهم إِلى البيت العتيق أَي: منتهٍ عنده بأَن يطوفوا طواف الإفاضة يوم النحر.

стр. 2980

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ الأُمة: هي الجماعة على مذهب واحد. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ المنسك: بفتح السين وكسرها. موضع الذبح أَو الذبح وإِراقة الدم، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك بضمتين والفعل من باب نصر. ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أَي استسلِمُوا وانقادوا. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: وهم الذين خضعوا لله وخشعت قلوبهم، يقال: أَخبت الرجل إِخباتا فهو مخبت أَي: هو خاضع خاشع. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت وخشيت. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾: هم الذين يحبسون الجزع إِذا نزلت بهم نازلة، وفعله من باب: ضرب. التفسير ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .. ﴾ الآية. أَي: ولكل أَهل دين من الأَديان السماوية السابقة، أَو ولكل جماعة مؤْمنة، جعلنا لهم مكانا للذبح وإِراقة الدماءِ، تيسيرًا لهم، وتمكينا لمن يريد التقرب إِليه تعالى بإِطعام عباده في مناسكهم، وفسر مجاهد المنسك: بالذبح على أَنه مصدر ميمى، يريد أَنه تعالى شرع لكل أَهل دين أَن يذبحوا تقربا إِلى الله تعالى، لا لبعضهم دون بعض، واختاره الزمخشرى.

стр. 2981

وقال الفراءُ: المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد في خَيْرٍ وَبِرٍّ، وفسره هنا: بالعيد، وقال ابن عرفة في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أَي: مذهبا من طاعة الله تعالى، يقال: نَسَك نُسْكَ قومه، إذا سلك مذهبهم. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: أَي ليذكروا اسم الله وحده دون غيره عند ذبحها تعظيمًا له وشكرًا على ما أَنعم عليهم من بهائم الأَنعام: الإِبل، والبقر، والغنم. وفي ذلك إِشارة إِلى أَن القرابين لا تكون إِلا منها ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أَي: فإِلهكم أَيها المخاطبون إِله واحد لأَن شريعتكم وشرائع الأَنبياءِ السابقين وإِن تنوعت ونسخ بعضها بعضًا، كلّها قائمة على التوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أَي فإِذا كان إِلهكم واحدًا منزها عن الشريك، فاستسلموا له وانقادوا لأَمره. وأَخلصوا له القول والعمل، واجعلوهما لوجهه ولا تشوبوهما بشرك ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: أَي وبشر أَيها النبي أُولئك المخلصين المتواضعين - بشرهم - بالجنة والثواب العظيم، قال عمرو بن أَوس: (المخبتون الذين لا يظْلمون، وَإِذَا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا) أَي، لم ينتقموا: من الانتصار بمعنى الانتقام أَي: عفوا عن ظالميهم. ٣٥ - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ … ﴾ الآية. تُعَدِّد الآية أَوصاف المخبتين المبشرين بالجنة فتذكر أَن من أَجل صفاتهم أَنهم إِذا ذكر الله اضطربت قلوبهم خشية منه ورهبة، وذلك لقوة إِيمانهم وعمق يقينهم. ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾: من كوارث الزمن بتحمل المتاعب وحبس الجزع بنفس راضية، وإِيمان بقضاءِ الله وقدره. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾: في أَوقاتها وعلى أَكمل صورها حسبما شرعها الله. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أَي ومن بعض ما آتيناهم من طيب الرزق ينفقون في أَوجه البر والخير التي تعود على دينهم ومجتمعهم بالنفع والصلاح.

стр. 2982

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ المفردات: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾: البدن جمع بَدَنة بالتحريك وأَصل الجمع: (بُدُن): بضمتين ثم خفف بتسكين وسطه وهي: الإِبل وكذا البقر كما قيل: وستأْتى مناقشته. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: جمع شعيرة، أي علامة، فالبدن من علامات دين الله في الحج ﴿عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: أَي قائمات قد صففن أَيديهن وأَرجلهن استعدادًا لنحرها. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أَي سقطت على الأَرض بعد ذبحها. يقال: وجب الحائط يجب وجبة إِذا سقط. ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: القانع الذي لا يسأَل الناس ويقنع بما عنده، وفعله من باب فرح يفرح، ومصدره القناعة، والمعتر: هو المتعرض للسؤَال، من اعتَّره إِذا تعرض له، وتفسيرهما بذلك مروى عن ابن عباس. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾: أَي ذللناها ومكناكم منها. التفسير ٣٦ - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ .... ﴾ الآية. هذه الآية امتنان من الله جل ثناؤُه على عباده حيث خلق لهم البدن، وجعل ذبحها من أَعلام الدين ومظاهره، ويسر لهم إِهداءَها إلى البيت الحرام تقربا إِليه سبحانه، وهي

стр. 2983

حين تهدى إِلى بيته تكون من أَفضل ما يهدى إليه. والمراد منها هنا: الإِبل والبقر وَفْق ما قاله جمهور العلماءِ من أَن البدنة تُجزئُ عن سبعة والبقرة تُجزئُ عن سبعة كما جاءَ في حديث مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أَمرنا رسول الله ﷺ أَن نشترك في الأَضاحى. البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة لذلك جعلا في الشريعة جنسًا واحدًا أُريد به نوعان لتساويهما في الإجزاء عن عَدَد متَّحد فضلا عن تساويهما تقريبًا في البدانة وضخامة الجسم. وقيل: إِن البدن خاص بالإبل بدليل الحديث الصحيح في يوم الجمعة: (من راح في الساعة الأُولى فكأَنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأَنما قرب بقرة … ) الحديث. فتفريقه ﵇ بين البدنة والبقرد يدل على أَن البقرة لا يقال عليها بدنة، وإِن كانت تكفى مثلها عن سبعة وأَيضًا قوله تعالى ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يدل على ذلك فإِن الوصف خاص بالإبل أَما البقر فتضجع وتذبح كالغنم اهـ بتصرف من تفسير القرطبى. ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: أي لكم في البدن المهداة إلى الحرم نفع في الدنيا بركوبها وشرب لبنها والانتفاع بصوفها ووبرها متى كنتم في حاجة إِلى ذلك، ولكم فيها أَجر عظيم في الآخرة لتقربكم بها إِلى رضا ربكم، والجملة مستأْنفة. مقررة لما قبلها. ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: أَي فابدأُوا بالتسمية عند نحرها قائلين: بسم الله والله أَكبر اللهم هذا منك وإليك. وقد أَخرج ذلك جماعة عن ابن عباس. ويكون النحر لها قائمات قد صففن أَيديهن وأَرجلهن، وقرئَ: صوافن، جمع صافنة أَي قائمات على ثلاث وتُعْقَل إحدى يديها. وعَقْل إحدى يديها سنة. فقد أَخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أَنه رأَى رجلا قد أَناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة رسول الله ﷺ ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: أَي فإِذا سقطت على الأَرض بعد نحرها قائمة، وذلك كناية عن سكون حركتها وموتها، وهذا يؤيد أَن البُدْن المهداة تكون من الإِبل دون البقر، لأَنه لم تجر العادة بينهم أَن تذبح البقرة قائمة. وإِنما تذبح مضطجعة، وقلَّما شوهد بينهم نحر البدنة وهي مضطجعة، وكون البقرة

стр. 2984

عن سبعة في الأُضحية، لا يقتضي إِطلاق اسم البدنة عليها، ولا كفايتها عنها في الهدى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: الأَمر بالأَكل للإِباحة مخالفة للمشركين؛ لأَنهم كانوا لا يأْكلون من هديهم ويقولون بحرمته، والأَمر الثاني للندب، أَي: فيباح للمُهْدِى أَن يأْكل من هديه ولو لم يأْكل منه جاز، وأَوجب بعض الفقهاءِ أَكله منه، ويندب له أَن يُطعم منه القانع والمعتر، ولو صرفه جميعه لنفسه جاز ولم يضمن شيئًا، ولكن الأَولى أَن يقسم أَثلاثا ثلثا لصاحبه، وثلثا للقانع، وثلثا للمعتر. وروى ذلك عن ابن مسعود والآية تشير إليه، وقال بعضهم: لا تحديد فيما يؤكل أَو يطعم لإِطلاق الآية. وهو الظاهر. ويراد بالقانع: من رضى بما عنده ولم يتعرض للسؤال، وفعله قَنِعَ من باب فرحَ يقنَع قناعة. ويراد بالمعتر: الذي يطيف بد ويُلمُّ راغبا في عطائك ساكتا أَو سائلا، من اعترَّه إِذا تعرض له للسؤال كما تقدم بيانه في المفردات، وتخصيص الإِطعام في الآية بالقانع والمعتر، لا ينفى جواز إِطعام الموسرين قياسًا على جواز أَكل المُهْدين وإِن كانوا أَغنياء. وما ذكر من إِباحة الأَكل، وندب الِإطعام إِنما هو في هدى التطوع أَما ذبائح الكفارات فعلى صاحبها التصدق بجميعها، فما أَكله منها أَو أَهداه لغنى ضمنه، وفي هذا الموضوع خلافات مذهبية فارجع إِليها في موسوعات التفسير أَو كتب الفقه. ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾: أَي مثل هذا التسخير البديع المفهوم من قوله تعالى: "صوافَّ" سخرناها لكم فلا تستعصى عليكم مع قوتها وعظم أَجرامها حتى أَنكم تأْخذونها وتحبسونها صواف ثم تطعنونها في لبَّاتها، ولولا تسخير الله لم تخضع، ولم تكن بأْعجز من بعض الوحوش التي هي أَقل منها حجما وأَضعف قوة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أَي لكي تشكروا آلاءَ الله المتتابعة عليكم، بالتقرب إليه بما يجب عليكم من امتثال لأمره وإِخلاص في عبادته. ٣٧ - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ … ﴾ الآية. قال ابن عباس: "كان أَهل الجاهلية يُضَرِّجُونَ البيت بدماء البُدْن فأَراد المسلمون أَن يفعلوا ذلك فنزلت الآية" ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا .. ﴾: أَي أَنه تعالى ليس له حاجة إِلى لحومها ودمائها، حتى تضرجوا بها بيته، ولكن يناله التقوى منكم ف

стр. 2985

أعمالكم، ومنها إطعام المساكين من لحومها، وقد حث النبي ﷺ على الإِخلاص في الأَعمال والقربات، كما جاءَ في حديث مسلم "إِن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إِلى أَموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأَعمالكم". ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾: أَي مثل هذا التسخير العجيب سخرها لكم، وجعلها منقادة خاضعة. فلا تستعصى عليكم مع ضخامتها. وكرر - سبحانه - الامتنان على عباده بتذليلها لهم وتمكينهم منها تذكيرا لهم بتلك النعمة العظيمة التي تفضل بها عليهم. ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: أَي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه أَحد من هدايتكم إِلى طريقة تسخيرها، وإِرشادكم إِلى الانتفاع والتقرب بها فتفردوه بالعبادة؛ شكرا له على هدايتكم لذلك. وقيل: لتكبروا الله عند الذبح، وقد أُمروا بالتسمية في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وكان ابن عمر يجمع بينهما إِذا نحر هديه فيقول: باسم الله والله أكبر وهذا من فقهه ﵁. ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: أَي وبشر - أيها النبي - المحسنين في أَعمالهم، بالإِخلاص فيها، والقيام بها كما شرعه الله تعالى من غير مَنٍّ ولا أَذى، وعن ابن عباس: هم الموحدون.

стр. 2986

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ المفردات: ﴿خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾: الخَوَّانُ؛ الكثير الخيانة، والكَفُور: الشديد الكفر. ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: بسبب كونهم مظلومين. ﴿صَوَامِعُ﴾: جمع صومعة، وهي متعبَّد خاص برهبان النصارى. ﴿وَبِيَعٌ﴾: جمع بِيْعَة بوزن حرفة، وهي متعبَّد النصارى عامة. ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: جمع صلاة وهي كنيسة اليهود، وأُطلق عليها صلاة لأَنهم يصلون فيها، وذلك من إِطلاق اسم الحالِّ على المحل، أَو المظروف على الظرف. ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: أَي له تعالى مرجعها تدبيرًا وحُكْمًا. التفسير ٣٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾: هذه من الآيات التي نزلت بعد الهجرة إِلى المدينة، قد تقدمتها آيات تتعلق بالحج

стр. 2987

وأَحكامه ومناسكه ومنافعه، وكل ذلك يؤَدَّى بمكة، وَحَرمِهاَ، وأَنَّى للمهاجرين المضطهدين أَن يصلوا إِليها حاجِّين أَو معتمرين، تلبية لنداءِ جَدِّهم إِبراهيم الذي حكاه الله من قبل بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ الآيات (٣٧ - ٣٩) أَنى لهم أَن يحجوا ويعتمروا وقريش لهم بالمرصاد؟ تصدهم عن حماه، وتحرمهم من أَداءِ فريضة الله، وتمنع معهم مَن انْضَمَّ إِليهم وأَسلم من أَنصار المدينة، وهم بعدُ لم يؤْذن لهم بحرب ولا قتال. فلهذا كله أَنزل الله تلك الآية لبعث الأَمل في نفوس المؤْمنين وطمأَنة قلوبهم ببيان أَنه - تعالى - ناصرهم على أَعدائهم، وممكنهم من الوصول إِلى بيته، تحقيقًا لقوله من قبل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). والمعنى الإِجمالى للآية: إِن الله يَدْفَعُ عن الذين آمنوا به وبرسوله غائلة أَعدائهم المشركين إِن أَرادوهم بسوءٍ أَوصدوهم عن المسجد الحرام - يدفع عنهم شرورهم دفعًا بليغًا - لأَنه تعالى لا يحب كل خوان لأَمانة الله، كفور بنعمة الله، وهؤُلاءِ المشركون خانوا الله ورسوله وأَولياءَه، وخانوا أَماناتهم، وكفروا بربهم، وعَصَوْا رسوله وكفروا به وآذوه ومن آمن معه من المؤمنين، وأَخرجوهم من ديارهم وبالغوا في كفرهم وخيانتهم، فلهذا استحقوا أَن ينتقم الله منهم، ويدفع أَذاهم عن عباده المؤمنين الذين يحبهم ويرضى عنهم. ٣٩ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وَعَدَ الله في الآية السابقة بالدفاع عن الْمُؤْمنين ومساندتهم تمهيدًا لهذه الآية التي أَذن لهم فيها بقتال المعتدين عليهم المخرجين لهم من ديارهم، وأَكد فيها وعده السابق.

стр. 2988

روى الواحدى وغيره: أَن المشركين كانوا يؤْذون أَصحاب النبي ﷺ وهم بمكة، وكانوا يأْتونه ما بين مضروب ومشجوج، يتظلمون له، فيقول لهم: اصبروا فإِنى لم أُومر بالقتال، حتى هاجر فَأُنْزِلِت هذه الآية. وهي أول آية أُنزلت في القتال بعد ما نُهيَ النبي ﷺ عنه في نَيِّف وسبعين آية، على ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ﵄. ومن نص الآية نعلم أَنه تعالى إِنما أَذن لهم بالقتال بسبب أَنهم ظلموا من المشركين، حيث آذوهم وأَخرجوهم من ديارهم وذويهم وأَموالهم، فهو قتال يراد به الانتقام ممن آذوهم، وإِثبات أَنهم أصبحوا قوة يحسب حسابها عندما يريدون العدوان عليهم، وكل ذلك تقره الأَعراف الدولية، فمن لم يَتَذَأبْ أَكلته الذئاب، وتعتبر هذه الآية قاعدة عامة لمشروعية القتال الدفاعى، وإن نزلت بسبب خاص. ومعنى الآية: أَذن الله للمؤْمنين الذين يقاتلهم غيرهم، بأَن يعتدوا عليهم أَو على دورهم أَو وطنهم أَو أَموالهم أَو يؤَلبوا عليهم سواهم. أَذن الله لهم في قتالهم، بسبب ظلمهم إِياهم، وإِن الله على دفع هؤُلاءِ الظالمين عن المؤْمنين ونصرهم عليهم لعظيم القدرة، فليثقوا بوعده وليطمئنوا إِلى تأْييده، وليأْخذوا بالأَسباب. ٤٠ - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: هذا وصف مؤَيد للإِذن بقتال المهاجرين للمشركين حقق الله به وقوع الظلم منهم عليهم، وأَن من حقهم أَن يدفعوا الظلم عن أَنفسهم. وقد أُجْرِيَ هذا الوصف مجْرَى المدح لهم، على أَنه خبر لمبتدأ محذوف، وكأَنه قيل: هم الذين أُخرجُوا من ديارهم بغير ذنب يستحقون به هذا الإِخراج إِلا أَنهم يخالفون من أَخرجوهم في شركهم، فيقولون: ربنا الله لا نعبد سواه، فهل يعتبر قول الحق وعقيدة الصدق ذنبا يستحقون التهجير والإِخراج من الوطن الغالى بسببه؟ إِنه لظلم مبين، وعدوان أَثيم.

стр. 2989

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: في هذا الجزءِ من الآية يحث الله المؤْمنين على القتال لأَعدائهم بعد أَن أَذن لهم فيه، فقد بين لهم أَنه تعالى أَجرى العادة في الأُمم السابقة أَنه لا يُدْفَع الشر إِلا بمثله والبادئ أظلم، وذلك لكي ينتظمَ أَمر الناس ويسودَ الأَمن بينهم، وتقوم الشرائع وتصان المعابد. فكأَنه قيل: قد أَذنَّا للمؤْمنين بقتال من ظلموهم وأَخرجوهم من ديارهم بغير حق، فليقاتلوهم ليدفعوا شرهم، ويصونوا مساجدهم، فلولا القتال وتسليط المؤْمنين على المشركين في كل عصر وزمان، لهدِّمت معابدهم، واسْتبيحت حرماتهم. والصوامع: جمع صومعة. وكانت قبل الإِسلام مختصة برهبان النصارى وعُبَّادِ الصابئة، والمراد بها: هنا مُتَعَبَّدُ الرهبان، والبيعُ: جمع بيْعَةٍ بوزن كِسْرَة، وهي مُصَلَّى النصارى جميعًا ولا تختص برهبانهم كالصومعة، والصلوات: جمع صلاة، وهي كنيسة اليهود، وأُطلق عليها ذلك على سبيل المجاز المرسل، علاقته الحالِّيةُ والمحلية. أَو المظروفية والظرفية. وقيل: صلوات: معرَّبُ "صُلُوثا" بالثاءِ المثلثة والقصر، وهي كلمة عبرانية معناها: المصلَّى، وروى عن أَبي رجاءِ والجُحْدُريّ وأبى العالية ومجاهد أَنهم قرأُوا بذلك. والمساجد: جمع مسجد، وأَكثر ما يطلق على مصلى المسلمين، ويقول ابن عطية: الأَسماءُ المذكورة تشترك الأُمم في مسمياتها إِلا البيعة، فإِنها مختصة بالنصارى في كل لغة، ومعظم المفسرين على ما مرَّ بيانه، من أَن الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين، أما قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فهو في موضع الصفة لمساجد، وقال بعض المفسرين: إِنه صفة للمواضع الأَربعة المذكورة، فإِن كلا منها يُذْكَر فيه اسم الله في عصره الذي كانت شريعته فيه قائمة لم تنسخ، واستظهر هذا الرأْى أَبو حيان.

стр. 2990

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: في هذا الجزءِ من الآية وعد الله تعالى من يقاتل في سبيله بالنصر والتأْييد، أَما من يقاتل عدوانا وظلما فهو بمعزل عن تأْييد الله، ولئن فاز في بعض جولاته على أَهل الحق فالعاقبة للمتقين الثابتين المترابطين. ومع أَنه - تعالى - أَذن في هذه الآية للمسلمين بقتال أَعدائهم دفاعا عن أنفسهم أَلزمهم في حربهم بآداب وردت في كتاب الله وعلى لسان رسوله، ففي كتاب الله يقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وللعدوان صور، منها: قتل من لا شأْن له في القتال، كالنساءِ والصبيان والرهبان، والشيوخ المسنين والمرضى، فالمسلمون ممنوعون من كل ذلك، جاءَ في السنن أَنه ﷺ "مر على امرأَة مقتولة في بعض مغازيه قد وقف عليها الناس، فقال: ما كانت هذه لتقاتل" وقال لبعض أَصحابه: أَدْركْ خالدًا فقل له: "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا" والعسيف: الأَجير، ومن وصاياه ﷺ " لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلا صغيرا ولا امرأَة" وفي صحيح مسلم: عن بريدة أَن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغْزُوا في سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغْلُوا ولا تَغْدِروا ولا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا الوليد ولا أَصحاب الصوامع" أَما الحرب عند غيرنا فلا تعرف للرحمة سبيلا. ٤١ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: ما جاءَ في هذه الآية إِما وصف للمهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق وأُذن لهم في القتال دفاعًا وردًّا للعدوان. وهو الظاهر (١) - وإما لصدر الأُمة المحمدية الشاملة للمهاجرين والأَنصار وتابعيهم كما روى عن ابن عباس، وإِما للأُمة المحمدية في مختلف عصورها - كما قاله الحسن وأَبو العالية - وعلى أَي حال فالآية مرتبطة بما قبلها.

стр. 2991

والمعنى: ولينصرن الله من ينصره، وهم أُولئك الذين إِن مكناهم في الأَرض وجعلنا لهم سلطانا عليها أَقاموا الصلاة في مواقيتها، وأَعطوا زكاة أَموالهم لمستحقيها، وأَمَروا بما عرف حسنه في شرع الله وأَعراف الناس، ونهوا عن المنكر في دين الله ومنهاج الحق ولله تعالى دون غيره عاقبة الأُمور ومآلها، وفقا لتدبيره وحكمته - جل وعلا -. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ المفردات: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾: أَي أَهلها وهم قوم شعيب. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾: فأَمهلتهم. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: فكيف كان إِنكارى عليهم (١) وعقابى لهم، والاستفهام بكيف للتعجيب مما عاقبهم به الله. ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: فكثير من القرى أَهلكنا أَهلها، وإِيقاع الإِهلاك على القرى على سبيل المجاز. ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: أَي ساقطة على سقوفها؛ من خوى النجم: إِذا سقط، أَو خالية مع بقاء عروشها وسلامة بنيانها بعد ما هلكوا، من خَوَت الدار، تخْوى، خَوَاءً، إذا خلت من أَهلها، وخَوَى البطنُ من الطعام يخوى، خَوًى، وخَواءً. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾: أَي لا يُستَقَى منها لهلاك أَهلها. ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: أَي مرفوع البنيان، أَو مبني بالشِّيد، وهو الجص.

стр. 2992

التفسير ٤٢، ٤٣ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾: هاتان الآيتان وما بعدهما سيقت لتسلية الرسولِ ﷺ عمّا يلقاه من إِعراض أَهل مكة وتكذيبهم إِياه، وحزنه وتأَلم قلبه لجفائهم وهم يعلمون أنه الصادق الأَمين، والتعبير عن تكذيبهم بصيغة المضارع الصالحة للحال والاستقبال حيث قيل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ مع أَنهم كذبوه من قبل، للإِيذان بأَن تكذيبهم سيتجدد، فَلْيَتَسَلَّ عنه ولا ينزعج، فمثل ذلك قد حدث للمرسلين قبله من أَقوامهم. والمعنى: وإن يكذبْكَ قومُك - يا محمد - فلا تحزن، فإِنك لست بأَوحدى في ذلك فقد كَذَّبت قبلهم قومُ نوح وعاد وثمود وقوم إِبراهيم وقوم لوط - كذبوا رسلَهم -. وإِلحاق التاءِ بكذَّب في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ مع أَن القوم مذكر، لأَنه اسم جمع يصح تأْنيث الفعل المسند إِليه وتذكيره، أو لتأْويل القوم بالأُمة أَو الجماعة. ٤٤ - ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أَي، وكذب أَهل مدين رسولهم شعيبا، وكذب فرعون وقومه موسى، فأَمهلت كل فريق من هؤُلاءِ المكذبين لعلهم يرعَوُون ويثوبون إِلى رشدهم، ثم أَخذته وأَهلكته بعد انتهاءِ مدة إِملائه وإِمهاله، عقابا لهم وإنكارًا عليهم، فكيف كان إِنكارى عليهم؟ لقد حولت عمارهم خرابًا، وأَهلكتهم عن آخرهم ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١). ٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾:

стр. 2993

﴿كَأَيِّنْ﴾: اسم يراد به التكثير مثل (كَمْ) الخبرية و ﴿خَاوِيَةٌ﴾ بمعنى: ساقطة أَو خالية، وهذه الآية مفرَّعةٌ على الآية التي قبلها مبينة لما جاءَ فيها من عقاب الله العنيف للمصرِّين على الكفر، وآثاره التي ترتبت عليه. ومعنى الآية: فكثير من القرى دمَّرناها وأَهلكناها وأَهلها ظالمون، فهي بسبب ذلك ساقطة حيطانها على سقوفها، وكم من بئر عامرة مليئة بالماءِ معطلة لا تجد من يستقى منها لهلاك أَهلها، وكم قصرٍ مرفوع البنيان، أَو مبنيٍّ بالشّيد، وهو الجص، أَهلكنا أَهله فخلا من ساكنيه. وإِذا كانت (خاوية) بمعنى خالية، يكون معنى الآية: فكثير من القرى أَهلكنا أَهلها وهم ظالمون، فهى خالية منهم بعد إِهلاكهم مع بقاءِ عروشها وسلامتها، وكم من بئر معطلة لا تجد من يستقى منها، وقصر مشيد لا يجد من يَعْمُره. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ المفردات: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: وكثير من القرى. ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾: أَمهلت أَهلها ولم أُعجل عقوبتهم على كفرهم.

стр. 2994

٤٦ - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾: حكت الآيات السابقة: أَنه تعالى انتقم ممن كذب المرسلين قبل محمد ﷺ فأَهلكهم وخرَّب ديارهم، وجاءَت هذه الآية لحث مشركى قريش على السير في أَرض المهلَكين لكي يعتبروا بما حدث لهم، فيتوبوا من شركهم وكفرهم. وهؤُلاءِ لا يخلو حالهم من أنه يكونوا قد مروا على القرى التي أُهْلك أَهلها حولهم كقرى قوم لوط وأَصحاب الأَيكة، ولكنهم لم يعتبروا بما حدث لهم، فالآية حينئذ تَنْعَى عليهم عدم اتعاظهم بالمرور عليها، وتطالبهم بالاتعاظ بها، والهمزة على هذا للاستفهام الإِنكارى المشوب بتوبيخهم على عدم اعتبارهم بما يرونه من آثار المهلكين قبلهم، أَو أَن يكونوا لم يمروا بها، فالآية تطالبهم بالمرور بها والاعتبار بما حدث لأَهلها وعلى هذا فالاستفهام: إِما للإِنكار والتوبيخ على عدم مرورهم واعتبارهم، أَو لتقريرهم بارتكاب هذه الخطيئة، وخلاصة معنى الآية على الوجه الأَخير كما يلى: أقَعَدَتْ قريش في عقر دارها وقد علموا بالقرى المهلكة حولهم، فلم يسيروا في الأَرض متجهين نحوها ليتعرفوا ما حدث لها ولأَهلها، فتكون لهم عندما يرون آثارها - تكون لهم - قلوب يعقلون بها أَن الكفر بالله وخيم العاقبة، وأَن الرسل صادقون فيما يبلغون أُممهم عن الله رب العالمين، أَو تكون لهم عندما يسمعون ممن حولها أَخبارها - تكون لهم - آذان يسمعون بها، فلا يغلقونها عند الاستماع إِليها، فإِنه لا يُعْتَدُّ بعمى الأَبصار، فإِن من عمى بها قد يدرك الحق بقلبه أَو بسمعه، فكأَنه ليس بأَعمى، ولكن العمى في الحقيقة هو عمى القلوب التي في الصدور، فإن عماها يحجب الحق عنها، فتبقى في ظلام الكفر وغيبوبة الضلال المبين، فسيروا - يا أَهل مكة - في الأَرض، لتنظروا ما حدث للمكذبين قبلكم، وأَزيلوا الغِشاوة عن قلوبكم وعن أَسماعكم، واعتبروا بما حدث لمن قبلكم. وهذه الآية قررت أَن القلوب التي في الصدور مركز للتعقل والإِدراك، وأَن بها يعرف الخير من الشر، وقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن، ففي سورة الأَعر

стр. 2995

قال الله ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ - ١٧٩ - . وفي سورة محمد قال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ - ٢٤ - إِلى غير ذلك من الآيات. ومن الأُمور المعروفة طبيًّا: أَن الأَجهزة العقلية كلها في الدماغ، ولا تعارض بين ذلك وبين ما جاءَ في القرآن، فإِن العقول لا غذاءَ لها إِلا من القلوب، ولا تعمل إِلا بمدد منها؛ فإِذا انقطع عنها هذا المدد شلَّتْ وفسدت، وتعرض صاحبها للموت، بل إِن القلوب هي مصدر الحياة للأَجساد، فلا غرابة في أَن يُسْندَ إِليها ما يسند إِلى رعيتها من مختلف الأَجهزة الجسمية، أَلا ترى أَنهم يقولون: فتح الملك المدينة، مع أَنه لم يفتحها سوى جنوده وقواده، وإِنما صَحَّ إسنادُ الفتح إِليه لأَنه السبب الأَول فيه، على أَن قلوبنا تحس تماما بضياءِ الحق فتستريح إِليه وتنشرح صدورنا به، ولا شك أَن هذا الانشراح والراحة القلبية يدلان على أَن في القلوب هدى وبصيرة، وأَن الأَمر ليس قاصرًا على مراكز العقول في الدماغ. ٤٧ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: كان النبي ﷺ يحذر قريشا من نزول العذاب بهم، كما نزل بمن قبلهم، إِن استمروا على كفرهم، فكانوا لا يحذرون، وعمدوا إِلى التحدى فطالبوه بإِنزال العذاب الذي يحذرهم منه - طالبوه استهزاءً وتعجيزًا - فأَنزل الله هذه الآية ينكر عليهم استعجالهم فإِن الأَمر ليس لهم، والزمن الطويل عندهم قصير عند ربهم، والآية في ظاهرها خبر، ولكنها تتضمن الاستفهام الإِنكارى لاستعجالهم، فكأَنه قيل: ويستعجلونك - أَيها الرسول - بالعذاب الذي أَوعدتُهم به على لسانك. فأَنكروه وكفروا به، فكيف ينكرون مجيئه؟ ولن يخلف الله وعده، والأَمر في مجيئه ليس إِليهم حتى يسارع به تلبية لرغبتهم، فلا يستبطئوا نزوله، فإِن الأَمر فيهِ لله تعالى والله لا يعجل، فإِن مقدار أَلف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده، فهو قادر على الانتقام منهم في الوقت الذي شاءَه لعذابهم، فلا يفوته ذلك وإِن أَجَّله وأَملى لهم فيه، ولكون المعنى على ذلك، عقَّب الله هذه الآية بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وسيأْتى شر

стр. 2996

ولقد حقق الله وعيده فسلط عليهم القحط والجوع حتى أَكلوا الكلاب والْعِلْهز (١)، كما أَنزل بهم في غزوة بدر هزيمة نكراءَ هزت كيانهم، فقتل فيها سبعون من صناديدهم، وأُسر سبعون، ومن المفسرين من حمل اليوم المذكور على يوم الآخرة، والعذاب على عذابها ولكن المقام لا يساعد على ما ذهبوا إِليه، والله الموفق. ٤٨ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: هذه الآية الكريمة مؤكدة لما جاءَ في الآية التي قبلها من أَنه تعالى لا يخلف وعيده لمن أَصر على كفره، وأَنه إِن أَمهلهم ليتوبوا فلن يهملهم إِن أَصروا، والمراد بالقرية فيها: أَهلها، ونسبة الظلم لها مع أَنه لأَهلها على سبيل المجاز. والمعنى: وكثير من أَهل القرى أَمهلتهم وهم ظالمون لأَنفسهم بالشرك والمعاصي، لعلهم يستجيبون لرسلهم، ويرجعون عن غيهم، فغرهم هذا الإِمهال ولم يفكروا في عاقبته، ثم أَخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإِملاءِ والإِمهال، وإِلى حكمى مرجعُهم ومصيرُهم لا إِلى غيرى، فأَفعل بهم ما يستحقونه من النكال على جرائمهم، فلا يفوتنى من أَمرهم شئٌ، لا في الدنيا ولا في الآخرة، أَخرج الإِمام البخاري في كتاب التفسير (٢)، بسنده عن أَبي موسى الأَشعرى أَن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليُمْلِى للظالم حتى إِذا أَخذه لم يُفْلِتْهُ، ثم قرأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

стр. 2997

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ المفردات: ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منذر واضح، من أَبَان بمعنى وضح واستبان، أو منذر مُوَضحٌ لكم ما أَنذرتكم به، من أَبان الأَمْرَ، أَي: أَوضحه. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: ورزق حسن في الجنة لوقوعه بعد المغفرة. ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾: أَي بذلوا جهدهم في إِبطال آياتنا محاولين تعويق المؤْمنين في تأْييدها. وتعجيزهم عن إبلاغها مداها، فالمعاجزة: مسابقة في التعجيز، يراد بها أَن يغلب أَحد المتسابقين الآخر، فيعجز عن المضى، وكذلك فعل المشركون فخسروا السباق وهُزمُوا. التفسير ٤٩ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: تضمنت الآيات السابقة: أَن الله تعالى طلب من أَهل مكة أَن يسيروا في الأَرض حولهم، فينظروا كيف كانت عاقبة المكذبين قبلهم، حيث أُهلكوا عَنْ آخرهم، فخربت ديارهم وعطلت آبارهم، لعلهم يعتبرون بما أصابهم، ويرجعون عن غيهم. ولكنهم استعجلوه بالعذاب، فبين لهم أَنه - تعالى - لن يخلف وعده إِن أَصروا على كفرهم، وأَنهم إِن أُمهلوا ليتوبوا فلن يهملوا إِن أَصروا.

стр. 2998

وجاءَت هذه الآية آمرة للنبي ﷺ أَن يواصل إِنذارهم، وأَن لا يبالى بتكذيبهم واستعجالهم العذاب. ومعنى الآية: قل أَيها النبي لأَهل مكة: يأَيها الناس ما أَنا إِلا منذر لكم واضح الإِنذار، فيما أَخبرتكم به من أَنباءِ الأُمم التي أَهلكها الله بتكذيبها رسلها، لكي تحذروا أَن يصيبكم مثل ما أَصابهم، فكيف تستعجلوننى بالعذاب ولن يخلف الله وِعده؟ فالأَمر بيده، إن شاءَ عَجَّلَ وإِن شاءَ أَجَّلَ. ٥٠ - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أَي: أَنذر - يا محمد - هؤلاءِ الكفرة المستعجلين للعذاب وبالِغْ في إِنذارهم، فالذين آمنوا بعد كفرهم، وعملوا الصالحات بعد إِيمانهم، لهم مغفرة لما كان منهم من الكفر والمعاصي، ولهم رزق حسن فائق في الجنة، فإِن الإِيمان يَجُبُّ ما قبله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). ٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: والذين سعوا في آياتنا وبذلوا الجهد في إِبطالها، فسمَّوْها تارة سحرا، وتارة شعرًا، وتارة أُخرى أَساطير الأَولين، مسابقين المؤمنين، كلٌّ يريد تعجيز الآخر، فالمؤمنون يريدون إِبطال كيد الكافرين، والوصول بآيات الله إلى قلوب الناس أَجمعين، والمشركون يريدون تعويقهم وتعجيزهم عن تحقيق غايتهم، فهؤلاءِ الساعون المعوِّقون المعاجزون هم أَصحاب الجحيم، الملازمون للنار الشديدة التأَجج والإِحراق ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). هذا، وبعض المفسرين حمل (الناس) في قوله تعالي: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ على عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، وفسر الآيات الثلاث على النحو الآتي: قل يا أَيها الناس - مؤمنكم وكافركم - إِنى لكم منذر واضح الإِنذار، بأَنكم ستأْتيكم الساعة ثم تبعثون وتحاسبون، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في دنياهم، لهم مغفرة ورزق كريم

стр. 2999

في أُخراهم، والذين كفروا وسعوا في إبطال آياتنا وتعجيز دعاتنا، أُولئك أَصحاب النار الملازمون لها. هذه خلاصة ما قيل في هذا المقام، ولكن فيه خروجا عن السياق، في حين أَن المؤمنين لا يُنْذَرُونَ، وإنما ينذر أَهل الكفر - فما قلناه أَولا هو اللائق بالسياق. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ المفردات: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الرسول: من بعثه الله بشرع جديد أَنزله عليه، وأَيده بمعجزة تحقق رسالته. والنبى: صاحب معجزة تؤيد نبوته، وقد أَمره الله أَن يدعوَ الناس إِلى شريعة من قبله، ولم ينزل الله عليه كتابا بشرع جديد، فالرسول: صاحب شرع، والنبى: حافظ شرع - وسيأْتى لذلك مزيد بيان. ﴿تَمَنَّى﴾: لها عدة معان، منها: أَراد، وقرأَ، وكلاهما تصح إِرادته هنا في تفسير الآية كما سيأْتى بيانه.

стр. 3000

﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: يزيل من النفوس وساوسه التي يوسوس بها. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: يحفظها من التأْثر بوساوس الشيطان. ﴿فِتْنَةً﴾: اختبارًا وامتحانا. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قلق أَو شكٌّ ونفاق. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ المراد بهم: المشركون المجاهرون. ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفى خلاف بعيد عن الحق. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾: فتطمئن. التفسير ٥٢ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: بَيَّن الله في الآيات السابقة أَن أَهل مكة كذبوا الرسول ﷺ وأَنه تعالى توعدهم بأَن يصيبهم من العقاب ما أَصاب المكذبين للرسل قبلهم، ودعاهم إِلى أَن ينظروا ما أَصاب ديارهم حولهم من الخراب والدمار، فاستعجلوا الرسول بالعذاب الموعود، بدلا من الاتعاظ والاعتبار بهم، فبيَّن الله أَن أَمر تعذيبهم بيده، وأَنه لا يخلف وعده، وأَنهم إِن أُمهلوا فلن يُهْمَلوا، فازدادوا ضراوة في العدوان على كتاب الله، فسعوا في آياته معاجزين معوِّقين المؤْمنين عن الوصول بها إلى قلوب الناس، فزعموا أَنها شعر وسحر وأَساطير الأَولين، واشتدوا في إيذاءِ النبي ﷺ وإِيذاءِ أَصحابه تعويقا وتعجيزا لدعوة الحق، فأَنزل الله تعالى هذه الآية وما بعدها تسلية للنبي ﷺ وأَصحابه، فقد بَيَّن فيها أَن كل الأَنبياءِ والمرسلين قبله أَصابهم من تعويق دعوتهم ومحاولة تعجيزهم في رسالتهم مثل ما أَصابه، ثم انتصر حقهم على باطل خصومهم وزالت فتنة هؤُلاءِ الشياطين الذين حاولوا إِبطال دعوتهم، وأَحكم الله آياته في نفوس أَهل الحق، فازدادوا إِيمانًا فوق إيمانهم، وإليك فيما يلى تفصيل ما أَجملناه: يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ وهذا النص يقتضي أَن النبي غير الرسول، وأَن الله أَرسلهما لهداية البشر، وأَن لكل م

стр. 3001

منهاجا في تبليغه رسالته للناس، وأَنهما بسبب ذلك يختلفان في تعريفهما، والمشهور أَن الرسول: من أُوحي إِليه بشرع وأُنزل عليه كتاب يبلغه للناس، والنبى: من لم ينزل عليه كتاب، وإِنما أُمر بتبليغ شريعة من قبله، فالرسول صاحب شرع جديد، والنبى حافظ لشرع قديم، وكلاهما أَيده الله بمعجزة تؤَيد أَنه مرسل من عند الله، ومن العلماءِ من قال: إِن النبي يعم الرسول صاحب الشرع الجديد، والنبي حافظ الشرع القديم، فكلاهما نبي، ولذلك خوطب الرسول محمد ﷺ بلفظ النبوة في القرآن في نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وهذا خير ما يقال في الفرق بينهما. وقد جاءَ في الآية لفظ (التَّمني) وله في اللغة عدة معان، منها: القراءَة، ومنها الإِرادة والرغبة، ويدل على استعمال التمني بمعنى القراءَة قول حسان في عثمان بن عفان بعد قتله: تَمَنَّى كتابَ الله أَوَّلَ لَيْلِهِ … تَمَنِّيَ داودَ الزَّبُورَ على رِسْلٍ (١) وكلا المعنيين تصح إِرادته في تفسير الآية الكريمة، فإِذا فسرنا التمنى بمعنى القراءَة كان معنى صدر الآية كما يلى: وما أَرسلنا قبلك - يا محمد - رسولا ولا نبيًّا إِلا وحاله أَنه إِذا قرأَ شيئًا من الآيات التي أَمرناه بتبليغها، أَلقى الشيطان فيما يقرؤُه الشُّبه والتخيلات على أَوليائه ليجادلوه بالباطل ويردوا ما جاءَ به، تعجيزًا لمسيرة دعوته، وفي هذا المعنى يقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)؛ ويقول أَيضًا: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٣)؛ وهذا كقولهم عند سماع قراءَة الرسول ﷺ : "حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَهُ" - ما بالهُ يُحِلُّ ما يذبحه لنفسه، ويحرم ما يذبحه الله؟ فقد كانوا يحلون الميتة زاعمين أَنها ذبيحة الله لهم، وحينما قرأَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: إِن عيسى عُبِدَ من

стр. 3002

دون الله، والملائكة كذلك، وهذه مغالطة مكشوفة، فإِن الآية لهم ولأَصنامهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: "ومن تعبدون" لأَن "ما" لما لا يعقل، أما "مَنْ" فهى لمن يعقل، وكيف يدخل عيسى في المعبودات المعذبة وقد قال الله فيه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (١) وحكى عنه أنه قال لقومه وهو رضيع: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ … ﴾ (٢). وقال عن الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٣). فالواقع أَنهم يزيفون الأَباطيل ويزعمونها حججا لهم وهي أَوْهَى من بيت العنكبوت. وإِذا فسرنا التمني بالرغبة والإِرادة، فيكون معنى الآية ما يلى: وما أَرسلنا قبلك - يا محمد - من رسول ولا نبى إِلا إِذا تمنى وأَراد هداية قومه إِلى الحق، أَلقى الشيطان فيما تمناه الشَّبَهَ في نفوس قومه ليصدهم عن سبيله، وقد بيَّن الله مآل سعْي الشيطان في آيات الله بقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَي: فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشُّبَه في نفوس الناس، بتوفيق الرسول أَو النبي لرده، أَو بإِنزال ما يرده، ثم يظهر الله حكمة آياته لمن أَشكل عليهم الأَمر بتلبيس الشياطين، أَو يمنعها ويحميها من أَباطيل الشياطين (٤)، بما ينزله من الآيات الماحقة لأَباطيلهم كما جاءَ بقوله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ وختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: أَي واسع العلم، فلا يخفى عليه ما يصدر من الشيطان وأَوليائه، بليغ الحكمة في رد شبهاتهم ونصر رسله وأَنبيائه. وخلاصة معنى الآية: أَن الصراع بين الحق والباطل أَمر قديم، عرفه الأَنبياءُ والمرسلون قبلك يا محمد، وأَن الأَمر ينتهى بنصر الحق على الباطل بتدبير الله وحكمته، فلا تجزع

стр. 3003

يا محمد مما يأْتى به شياطين قومك من السعى بالباطل في آيات الله معاجزين بتسويل الشيطان الرجيم، أُولئك أَصحاب الجحيم، وأَباطيلهم إِلى زوال. ٥٣ - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: هذه الآية مرتبطة بفحوى الآية التي قبلها، وكأَنه قيل: وما أَرسلنا قبلك يا محمد من نبى ولا رسول إِلا عاداه الشيطان وحاربه في أُمنيته ورسالته لقومه، فجعل يلقى الشُّبَهَ فيما يقرؤُه ويريده لقومه من الهدى فينسخه الله ويرده، ليجعل الله ما يلقيه الشيطان فتنة وامتحانا للذين أَظهروا الإِيمان برسولهم أَو نبيهم وفي قلوبهم مرض من شك ونفاق، وللقاسية قلوبهم من الكفار المجاهرين بكفرهم، فيَحْذَرَهُم الأَنبياءُ وَيَجِدُّوا في كفاحهم، وإِن الظالمين لفى شقاق بعيد، وعداءٍ للحق شديد، فلا تجزع لما يحدث من قومك يا محمد، فشأْنهم معك كشأْن سائر الأُمم مع الأَنبياءِ والمرسلين قبلك، والعاقبة للصابرين المجاهدين. ٥٤ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ في الآية السابقة، داخلة معها في حيز التعليل. والمعنى: أَن الشيطان كان يلقى الشُّبَهَ فيما يقرؤُه الأَنبياءُ والمرسلون قبلك على أُممهم، وما يريدونه من الهدى لهم، فينسخها الله ويبطلها، ليجعل ما يلقيه الشيطان امتحانا للمنافقين والكافرين القاسية قلوبهم، فيظهر أَمرهم لأَنبيائهم فيحذروهم ويجاهدوهم، وليعلم الذين أُوتوا العلم في كل النبوات والرسالات، بما أُوتوا من الهدى ونور القلوب، وبما أَنزله الله من رَدِّ شُبَهِ الشياطين ونسخها - أَي إِبطالها - فيثبتوا على إِيمانهم، ويزدادوا إِيمانا فوق إِيمانهم، وإِن الله لهادى الذين آمنوا في كل الرسالات إِلى طريق مستقيم من

стр. 3004

النظر الصحيح الموصل إِلى الحق المبين، وكذلك أَمر المؤْمنين من قومك، فلهم من هداية الله إِلى صراطه المستقيم أَوفر نصيب، ومن الثبات على الحق شأْن عجيب. وفي معنى تلك الآيات يقول الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١). (قصة الغرانيق وهذه الآيات) يذكر المفسرون أَثناءَ تفسيرهم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ .... ﴾ الآيات - يذكرون - قصة تسمى قصة الغرانيق، وقد أَتعبوا أَنفسهم في نقل رواياتها وتأْويلها أَو تفنيدها، أَثناءَ تفسيرهم تلك الآيات. ولكنا رأَينا أَن نفسرها على النحو الذي مر بيانه، بمعزل عن تلك القصة المفتراة، مراعين في تفسيرها نصوصها ومناسبة ما قبلها وما بعدها، وربطها بالجو الذي سيقت فيه، فإِن القرآن مترابط المبانى، ومتناسب المعانى، وما أَكثر الضعف في أَسباب النزول، وما أَفظع الوضع في بعضها، ومنه قصة الغرانيق التي قيل: إِنها سبب لنزول هذه الآيات. وقد رأَينا أَن نذكر خلاصتها بمعزل عن تلك الآيات وشرحها، وأَن نفندها ونبين زيفها وفسادها، وإِليك البيان فيما يلى: زعموا أَنه ﷺ كان يقرأُ سورة النجم بمحضر من قريش، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أَلقى الشيطان عندها كلمات فقال: (وإِنَّهُنَّ الغرانيق العلا، وإِن شفاعتهن لترتجى) وكان ذلك من سجْع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الجملتان موقع الرضا والاستحسان من المشركين، وتناقلتها أَلسنتهم، وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا راجع إِلى دين قومه، فلما وصل الرسول إِلى قوله تعالى في آخر سورة النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ سجد وسجد كل من حضر من مسلم أَو مشرك، وفشت هذه الدسيسة في الناس حتى بلغت مهاجرى الحبشة فعادوا، وأَظهرها الشيطان،

стр. 3005

فحزن النبي ﷺ لذلك، فأَنزل الله تعالى لتسليته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ … ﴾ الآيات. ويُؤَولون إِلقاءَ الشيطان في أُمنيته، بأَنه حَاكَى صوت النبي ﷺ ونغمته في أَثناء سكوته بين الآيات حين تلاوتها، فدسَّ جملتى الغرانيق السابقتين، وقالوا: إِن الشيطان كان يظهر للناس في العهد النبوى في صورة أَحدهم، وكان يكلمهم، ومن ذلك أَنه نادى بعد هزيمة المسلمين في غزوة (أُحُد): أَلا إن محمدا قد قتل، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. ويفسر آخرون الشيطان بواحد من كفار قريش، حَاكَى صوت النبي، وحشدها بين قراءَته كأَنه يقرؤُها، وقال غيرهم: إِن الشيطان أَجراها على لسان النبي ﷺ أَثناءَ قراءَته. وقد عجبنا كيف أَتعب المفسرون أَنفسهم في نقل رواياتها المتناقضة المفتراة وأَطالوا في تأْويلها أَو تفنيدها، وهي ظاهرة البطلان. وأَول ما نلاحظه على فرية الغرانيق، أَنهم زعموها مدسوسة من الشيطان في سورة النجم، في حين أَن تسلية الرسول عما فعله الشيطان فيها جاءَت في سورة الحج، مع أَنه يفصل بينهما ثلاثون سورة، فلو كان لها ظل من الواقع لكانت التسلية عما فعله الشيطان في نفس السورة التي دُسَّتْ فيها أُكذوبة الغرانيق، لا في سورة سواها تبعد عنها هذا البعد السحيق، في حين أَن سورة النجم مكية، وسورة الحج مدنية على ما قاله الضحاك، فكيف يعقل أَن يسكت القرآن على هذه الفرية تذيع في مكة وتنتشر حتى تبلغ المهاجرين في الحبشة، فيحضروا بسببها كما زعم المفترون، ولا يَرُدَّها إِلا بعد الهجرة إِلى المدينة؟. وقد أَنكر المحققون هذه الفرية، فقال البيهقى: هذه القصة لم تثبت من جهة النقل وقال القاضى عياض في الشفاءِ: يكفيك في تَوْهِينِ حديث الغرانيق أَنه لم يُخَرِّجهُ أَحد من أَهل الصِّحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم، وإِنما أُولِعَ به وبمثله المفسرون والمؤَرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وس

стр. 3006

وفي البحر لأَبي حيان: أَن هذه القصة سئل عنها الإِمام محمد بن إِسحاق جامع السيرة النبوية فقال: إِنها من وضْع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا. أَما القول بأَن الشيطان أَجراها على لسان النبي ﷺ ، فهو أَفحش ما يقوله زنديق، وأَوهن من بيت العنكبوت، فلا يصح أَن يجبره الشيطان عليها، لأَنه ليس له سلطان على عباد الله الصالحين، فكيف يكون له سلطان على رسوله، ولا يصح أَن يكون أَجراها على لسانه سهوا وغفلة، لأَنه لا تجوز على الرسول الغفلة والسهو في تبليغ الوحى، ولو جاز عليه مثل ذلك لبطل الاعتماد على قوله، وكل ذلك مستحيل عقلا، كما أَنه مستحيل شرعًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وبعد أَن عرفت أَن قصة الغرانيق مفتراة، اخترعها الزنادقة لمحاربة الإِسلام، فعليك أَن تتمسك بتفسيرنا السابق للآيات الثلاث، والله تعالى ولى التوفيق. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾

стр. 3007

المفردات: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: في شك من القرآن، أَو من الصراط المستقيم. ﴿بَغْتَةً﴾: فجأَة. ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: عذاب يوم لا مثيل له، فلا راحة فيه ولا رحمة. ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾: المراد به؛ الجنة. التفسير ٥٥ - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: بينت الآيات السابقة أَن أَهل مكة سَعْوا في آيات الله معاجزين. وأَن الله تعالى سلَّى نبيه ﷺ ، عن عدائهم للقرآن بأَنه ليس أَوْحَدِيًّا في عداءِ الكفار لما جاءَ به، فما أَرسل الله قبله رسولا ولا نبيًّا، إِلا إِذا تمنى إِيمان قومه، سعى شياطينهم في إِفساد أُمنيته، بإلقاءِ الشُّبه فيما جاءَهَم به، وأَنه تعالى كان يبطل ما يلقيه أُولئك الشياطين من الشبه، بما ينزله محكما في رد شبهاتهم، وأَن وقوف الشياطين في سبيل الحق ابتلاءٌ من الله لأُمم الأَنبياءِ، فبه يظهر المنافقون وصرحاءُ الكافرين على حقيقتهم لأَنبيائهم ورسلهم فيحذرونهم ويكافحونهم، وبه يعرف المؤْمنون المطمئنون للحق - بينت الآيات السابقة ذلك - وجاءَت هذه الآية لتسجل على شياطين الكافرين من أَهل مكة عنادهم في كفرهم، وأَنهم لا يزالون في غمرة من الشك بسبب القرآن، لا يخرجهم منها إلا مجئُ الساعة فجأَة. أَو عذاب يوم لا مَثِيلَ له في شدته فَيَفِيقون من شكِّهم. والمعنى: ولا يزال شياطين قريش في شك من القرآن أَو من الرسول، يجعلهم يقفون في سبيله ويُحَرِّضون أَتباعهم على الكفر به، حتى تأْتيهم ساعة الفناءِ فجأة، أَو يأْتيهم عذاب يوم عقيم لا يستعقب خيرا، أَو لا مثيل له في شدته، فهو في ذلك يشبه المرأَة العقيم التي لا تلد ولا تترك عقبا خلفها، أَو كالريح العقيم: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (١) ولا تترك خلفها زرعا ولا ضرعا.

стр. 3008

والمراد باليوم العقيم: يوم بدر، فقد كان كارثة حلَّتْ بصناديد قريش وشياطينهم، في أَول لقاءٍ لهم مع من أَخرجوهم من ديارهم، فقد قتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، ونَاحَتْ نساءُ قريش على قتلاهم شهرا. وفسره بعض العلماءِ بيوم القيامة، حيث يُجْزَى الكافرون بما كانوا يقترفون، وفسره آخرون بيوم موت كل واحد منهم، ولعل أَنسب الآراءِ بالآية التالية هو يوم القيامة، ففيه يتفرد الله بالملك مَظْهرا، كما هو متفرد به حقيقة. ٥٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: الملك يوم تأْتيهم الساعة أَو عذابها، لله وحده بلا شريك فيه حقيقة أَو صورة، فليس لأَحد فيه تصرف في أَمر من الأُمور، لا حقيقة ولا مجازًا، ولا صورة ولا واقعا، فكل شيءٍ فيه إِلى الله، حتى الشفاعة لا تكون لأَحد: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (١) فالله تعالى هو الذي يحكم فيه بين عباده، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في دنياهم، مقرهم في جنات النعيم. ٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: والذين كفروا في دنياهم وكذبوا بآيات الله الكونية أَو التنزيلية، فأُولئك لهم عذاب دائم الإِهانة والإذلال ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ثم خص الله بعض الفريق الأَول بمزية، وهم المجاهدون في سبيل الله فقال: ٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أَي: والذين هجروا أَوطانهم في سبيل الله تعالى، ثم قتلوا أَثناءَ جهادهم، أَو ماتوا حتف أُنوفهم (٢) في هجرتهم بنحو مرض أَو سكتة قلبية، ليرزقنهم الله الذي هجروا أَوطانهم

стр. 3009

في سبيله - ليرزقنهم - في الجنة رزقًا فائق الحسن على ما يعطيه سواهم من المؤمنين غير المهاجرين في سبيله، وإِن الله الذي اتجهوا بهجرتهم إِليه لهو خير الرازقين، حيث يعطيهم ما يفوق الخيال، ولا يخطر لهم على بال، ويمنحهم بغير حساب، فهو الذي لا تفنى خزائنه، ولا تنصب موارد نعمه، ولا غاية لفضله وكرمه. وهذه الآية نزلت في عثمان بن مظعون وأَبي سلمة بن عبد الأَسد، ماتا بالمدينة مهاجِرَيْن، ولم يُقتلا في سبيل الله، فقال بعض المؤمنين: من قتل في سبيل الله أَفضل ممن مات حتف أَنفه، فنزلت هذه الآية مسوِّية بينهما، لأَن كليهما عاهد الله على الموت في سبيله بهجرته لنصرة دينه. وقد استدل بالآية فُضَالَةُ بن عُبَيْد - وكان أَميرًا بجزيرة رودس - استدل بها على المساواة بينهما في الأَجر، فقد أَخرج ابن أَبي حاتم بسنده، عن أَبي قبيل وربيعة ابن سيف المَعَافِرِيِّ قالا: (كنا بِرُودسَ ومعنا فضالة بن عبيد الأَنْصارى صاحب رسول الله ﷺ فمر بجنازتين إِحداهما قتيل والأُخرى متوفَّى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أَرى الناس مالُوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى، فقال: والله ما أُبالى من أَي حضرتيهما بُعِثْتُ، اسمعوا كتاب الله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا .. ﴾ الآية، وكان هذا القتيل قد أُصيب بقذيفة منجنيق كما جاءَ في رواية أُخرى له. والذى نراه أَن الآية وإِن سوت بينهما في عموم الرزق الحسن والأَجر الجزيل، لكن ذلك لا يمنع من التفاضل بينهما، ويؤَيد هذا التفاضل أنه ﷺ سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "مَنْ أُهْرِيقَ دمه وعُقِرَ جَوَادُهُ" ومنه يعلم أَن من كَان من المهاجرين ولم يجاهد، أو كان من المجاهدين ولكنه لم يكن بهذه الصفة فهو دون من اتصف بها، والله تعالى أَعلم، ثم بيَّن الله الرزق الحسن الذي أَعده لهم فقال: ٥٩ - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾: أَي: أَنه تعالى وعد هؤُلاءِ المهاجرين بصنفيهم وعدًا مؤَكدًا لا خلف فيه، أَنه يدخلهم في الجنة منزلا فخما ومقامًا كريما يدخلونه وهم يرضونه ويسعدون به، حيث ي

стр. 3010

فيه ما تشتهيه الأَنفس وتلذ الأَعين على أَعلى مستوى، وإن اللهَ سبحانه لعليم بأَحوال من قضى نحبه، وسال دمه في سبيله، ومن مات معاهدًا ربه على الاستشهاد في نصر دينه، ولكنه في هجرته وجهاده مات حتف أَنفه، دون أَن يحقق أُمنيته في الاستشهاد في سبيل ربه، وكما أَنه تعالى عليم بأَحوالهما، فهو حليم بإِمهال من قاتلهما حتى يأْخذه أَخْذَ عزيز مقتدر، ويذيقه في الآخرة عذاب السعير، أَو يتوب فيتوب الله عليه. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿بُغِيَ عَلَيْهِ﴾: اعتدى عليه. ﴿عَفُوٌّ﴾: كثير العفو والمسامحة. ﴿غَفُورٌ﴾: واسع المغفرة. ﴿يُولِجُ﴾: يدخل. التفسير ٦٠ - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ .... ﴾ الآية. بين الله تعالى في الآيتين السابقتين أَن من هاجر في سبيل الله ثم قتل أَو مات فإِن الله سيحسن جزاءَه بإِدخاله مدخلا يرضاه في الجنة، وأَن يرزقه فيها رزقا حسنا، وجاءَت هذه الآية لتقرير هذا الوعد، ولإِباحة رَدِّ الاعتداء على المعتدى.

стр. 3011

والمعنى: الأَمر ذلك الذي تقدم بيانه من حسن جزاءِ المهاجرين الذين قتلوا في سبيل الله أَو ماتوا، ثم استأْنف الله فبين حق المسلمين في الأَخذ بثأْر الذين قتلوا في سبيل الله فقال ما معناه: ومَن انتَقَم من المعتدين عليه بمثل ما فعلوا به، ثم بُغِى عليه بالاعتداءِ مرة ثانية، لينصرنه الله على من بغى عليه. وسبب نزول هذه الآية كما قال مقاتل: أَن قوما من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إِن أَصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أَن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأَبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فوقع في أَنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام ما وقع، فأَنزل الله هذه الآية. وقد عرفنا منها أَن من حق الإِنسان أَن يقابل المعتدى بمثل عدوانه؛ فالدفاع عن النفس أَمر مقرر في شريعة الله تعالى، كما أَنه أَمر معترف به في جميع الشرائع الوضعية، وسمى الدفاع عقابا على سبيل المشاكلة والمزاوجة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢) وقد أَمرنا الله تعالى أَن يكون عقابنا للمعتدى مماثلا لعدوانه، فلا يحل لأَحد أَن يتجاوز المماثلة في رد العدوان، فإِذا شَتَم إِنسانٌ آخر فلا يكون رد المشتوم قتل الشاتم، فإِن عاد الخصم إِلى العدوان، فبالغ في بغيه وعدوانه فإِن الله سينصر المظلوم على من بغى عليه لا محالة إِذا انتقم منه لنفسه، وعلَّل الله نصرته بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: لمن أَخذ بحقه، ولم يأْخذ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أَي: أَنه تعالى مع حبه للعفو والغفران واتصافه بهما، ينصر المظلوم الذي ينتقم من ظالمه، إِن فعل خلاف الأَولى، وهو الانتقام بدل العفو، لأَنه أَخذ بحقه وليس معتديا أَولا وآخرا، وإِن كان العفو أَقرب إِلى التقوى.

стр. 3012

قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ومن رحمته تعالى أنه يمهل العاصى والظالم لعله يثوب إِلى رشده ويتوب إِلى الله ويصلح ما أَفسده فإِنه سبحانه - كما وصف نفسه - كثير العفو واسع الغُفْران. ٦١ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَي: ذلك النصر الذي وعده الله لمن بُغِى عليه واقع بسبب أَن الله يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل فيزيد أَحدهما بنقص الآخر، طبقا للنظام الذي وضعه الله لدوران الأَرض حول الشمس مائلة على محورها بزاوية معينة مما ينشأُ عنه تعاقب الفصول، ومع كونه سبحانه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل فهو عظيم السمع لأَنه يسمع كل صوت وإِن كان خفيا، عظيم البصر لأَنه يبصر كل مشهد وإِن كان نائيا. فإِذا وقع ظلم على واحد من عباده فإِنه ينصر المظلوم ويردع الظالم ويحق الحق ويبطل الباطل و ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢). ٦٢ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَي: ذلك الاتصاف بما ذكر من كمال القدرة والعلم، ثابت لله تعالى بسبب أَنه - سبحانه - هو الإِله الحق الذي لا شك فيه، وهو وحده الجدير بالعبادة والتقديس. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾: وأَن ما يعبدون من آلهة أُخرى هو الباطل لأَنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٣). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: وأَن الله سبحانه هو العلي على جميع الموجودات، الكبير عن أَن يكون له شريك أَو مثيل لأَنه الخالق المهيمن المدبَّرُ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).

стр. 3013

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ المفردات: ﴿مُخْضَرَّةً﴾: مكسوة بالنبات الأَخضر. ﴿لَطِيفٌ﴾: بر بعباده محسن إِليهم رفيق بهم يشملهم برحمته وفضله. ﴿خَبِيرٌ﴾: عليم مطلع على ما يحتاجون إِليه وما يصلحون له وما يصلح لهم. ﴿الْغَنِيُّ﴾: المستغنى بقدرته عن غيره فلا يحتاج إِلى أَحد ويحتاج إِليه جميع الخلائق ﴿الْحَمِيدُ﴾: المستحق للحمد والثناء على فضله العظيم. التفسير ٦٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾: بعد أَن بين الله لعباده قدرته على إِيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وأَنه الحق وما يعبدون من دونه هو الباطل، جاءَت هذه الآية شاهدة على تمام قدرته تعالى وبليغ رحمته بعباده. والمعنى: أَلم تر أَيها الإِنسان أَن الله أَنزل من السحاب ماءً بقدر وحساب دقيق، أَنزله فوق أَديم الأَرض فتتحول من أَرض يابسة جرداءَ، إِلى أَرض مكسوة بالنبات الأَخضر الذي تتوقف حياتك عليه، فبه ترزق، وعليه يَعيش الحيوان الذي تنتفع به. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: إن الله رحيم بعباده عالم بما يحتاجون إِليه وبما يقيم حياتهم ويكفل معيشتهم في أَمن وسلام.

стр. 3014

٦٤ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أَي: لله - سبحانه - ما في السموات وما في الأَرض ومَنْ فيهما خلقا وملكا وتصرفا، لا يخرج شئٌ عن سلطانه ولا يعجزه شئٌ من الأَشياءِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: وإِن الله لهو المستغنى عن مخلوقاته جميعا لا يحتاج إِلى أَحد منهم، وهم جميعا يحتاجون إِليه. وهو وحده المستحق للحمد والثناءِ من خلقه، لأَنه هو الذي خلقهم ورزقهم وشملهم بلطفه ورحمته. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ المفردات: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: يَسَّر لكم الانتفاع بما في الأَرض من حيوان أَو نبات أَو معادن. ﴿الْفُلْكَ﴾: السفن. ﴿رَءُوفٌ﴾: مشفق. ﴿لَكَفُورٌ﴾: لجاحد للنعمة منكر لها. التفسير ٦٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: من نعمه العديدة حيث يَسَّر لكم الانتفاع بما فيها من حيوان ونبات ومعادن.

стр. 3015

﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: وسخر لكم السفن بعد أَن علمكم كيف تصنعونها وكيف تستخدمونها في حملكم وحمل السلع التجارية من بلد إِلى بلد، ومن إِقليم إِلى إِقليم، طبقا لسنته في الأَجسام الطافية حيث أَجراها بالرياح الجارية، أَو بالمحركات الدائرة التي أَلهمكم صنعها. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: ومن رحمته سبحانه بخلقه أَنه خلق الأَجرام والكواكب، ودفع كلا منها في مداره المرسوم وربطها برباط الجاذبيَّة طبقا لسنته الكونية. وهذه الجاذبية من شأْنها أَن تجعل الأَرض تجذب إِليها بعض كواكب السماءِ القريبة منها لتسقط عليها ولكنه - سبحانه - جعل في مقابل الجاذبية ما يسميه علماءُ الفلك بقوة الطرْدِ المركزية، وهي مساوية لقوة الجاذبية، فيقع الجرم الفلكى بين قوتين متعادلتين مما يتيح له البقاءَ متوازيا في فلكه المرسوم، ولكن حينما يأْذن الله بنهاية الخلق تضعف إِحدى القوتين عن نظيرتها فيصطدم بعض الكواكب ببعضها الآخر، وذلك ما يشير إِليه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: إِن الله تعالى رحيم بعباده، مشفق عليهم، إِذ هيَّأَ لهم العيش المناسب فوق سطح الأَرض وتحت كواكب السماءِ، وهم آمنون مطمئنون. ٦٦ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: أَي: أَنه - تعالى - هو الذي وهب عباده الحياة، وهو الذي يسلبهم إِياها عند الموت، ثم يبعثهم بعد الحساب والجزاءِ، فمن حقه عليهم أَن يعبدوه ولا يكفروه، ولكنهم أَشركوا به وكفروه، ولذا ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: أَي؛ شديد الجحود للنعم العديدة التي يراها في نفسه وفيما يحيط به في البر والبحر والأَرض والسماءِ، إِلا من عصم الله من عباده الصالحين.
следующие страницы →