← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

والمعنى: الأَمر ذلك الذي تقدم بيانه من حسن جزاءِ المهاجرين الذين قتلوا في سبيل الله أَو ماتوا، ثم استأْنف الله فبين حق المسلمين في الأَخذ بثأْر الذين قتلوا في سبيل الله فقال ما معناه: ومَن انتَقَم من المعتدين عليه بمثل ما فعلوا به، ثم بُغِى عليه بالاعتداءِ مرة ثانية، لينصرنه الله على من بغى عليه. وسبب نزول هذه الآية كما قال مقاتل: أَن قوما من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إِن أَصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أَن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر، فأَبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فوقع في أَنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام ما وقع، فأَنزل الله هذه الآية. وقد عرفنا منها أَن من حق الإِنسان أَن يقابل المعتدى بمثل عدوانه؛ فالدفاع عن النفس أَمر مقرر في شريعة الله تعالى، كما أَنه أَمر معترف به في جميع الشرائع الوضعية، وسمى الدفاع عقابا على سبيل المشاكلة والمزاوجة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١). ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢) وقد أَمرنا الله تعالى أَن يكون عقابنا للمعتدى مماثلا لعدوانه، فلا يحل لأَحد أَن يتجاوز المماثلة في رد العدوان، فإِذا شَتَم إِنسانٌ آخر فلا يكون رد المشتوم قتل الشاتم، فإِن عاد الخصم إِلى العدوان، فبالغ في بغيه وعدوانه فإِن الله سينصر المظلوم على من بغى عليه لا محالة إِذا انتقم منه لنفسه، وعلَّل الله نصرته بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: لمن أَخذ بحقه، ولم يأْخذ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أَي: أَنه تعالى مع حبه للعفو والغفران واتصافه بهما، ينصر المظلوم الذي ينتقم من ظالمه، إِن فعل خلاف الأَولى، وهو الانتقام بدل العفو، لأَنه أَخذ بحقه وليس معتديا أَولا وآخرا، وإِن كان العفو أَقرب إِلى التقوى.

стр. 3012

قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ومن رحمته تعالى أنه يمهل العاصى والظالم لعله يثوب إِلى رشده ويتوب إِلى الله ويصلح ما أَفسده فإِنه سبحانه - كما وصف نفسه - كثير العفو واسع الغُفْران. ٦١ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أَي: ذلك النصر الذي وعده الله لمن بُغِى عليه واقع بسبب أَن الله يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل فيزيد أَحدهما بنقص الآخر، طبقا للنظام الذي وضعه الله لدوران الأَرض حول الشمس مائلة على محورها بزاوية معينة مما ينشأُ عنه تعاقب الفصول، ومع كونه سبحانه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل فهو عظيم السمع لأَنه يسمع كل صوت وإِن كان خفيا، عظيم البصر لأَنه يبصر كل مشهد وإِن كان نائيا. فإِذا وقع ظلم على واحد من عباده فإِنه ينصر المظلوم ويردع الظالم ويحق الحق ويبطل الباطل و ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (٢). ٦٢ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أَي: ذلك الاتصاف بما ذكر من كمال القدرة والعلم، ثابت لله تعالى بسبب أَنه - سبحانه - هو الإِله الحق الذي لا شك فيه، وهو وحده الجدير بالعبادة والتقديس. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾: وأَن ما يعبدون من آلهة أُخرى هو الباطل لأَنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (٣). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: وأَن الله سبحانه هو العلي على جميع الموجودات، الكبير عن أَن يكون له شريك أَو مثيل لأَنه الخالق المهيمن المدبَّرُ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).

стр. 3013

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ المفردات: ﴿مُخْضَرَّةً﴾: مكسوة بالنبات الأَخضر. ﴿لَطِيفٌ﴾: بر بعباده محسن إِليهم رفيق بهم يشملهم برحمته وفضله. ﴿خَبِيرٌ﴾: عليم مطلع على ما يحتاجون إِليه وما يصلحون له وما يصلح لهم. ﴿الْغَنِيُّ﴾: المستغنى بقدرته عن غيره فلا يحتاج إِلى أَحد ويحتاج إِليه جميع الخلائق ﴿الْحَمِيدُ﴾: المستحق للحمد والثناء على فضله العظيم. التفسير ٦٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾: بعد أَن بين الله لعباده قدرته على إِيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وأَنه الحق وما يعبدون من دونه هو الباطل، جاءَت هذه الآية شاهدة على تمام قدرته تعالى وبليغ رحمته بعباده. والمعنى: أَلم تر أَيها الإِنسان أَن الله أَنزل من السحاب ماءً بقدر وحساب دقيق، أَنزله فوق أَديم الأَرض فتتحول من أَرض يابسة جرداءَ، إِلى أَرض مكسوة بالنبات الأَخضر الذي تتوقف حياتك عليه، فبه ترزق، وعليه يَعيش الحيوان الذي تنتفع به. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: إن الله رحيم بعباده عالم بما يحتاجون إِليه وبما يقيم حياتهم ويكفل معيشتهم في أَمن وسلام.

стр. 3014

٦٤ - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أَي: لله - سبحانه - ما في السموات وما في الأَرض ومَنْ فيهما خلقا وملكا وتصرفا، لا يخرج شئٌ عن سلطانه ولا يعجزه شئٌ من الأَشياءِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: وإِن الله لهو المستغنى عن مخلوقاته جميعا لا يحتاج إِلى أَحد منهم، وهم جميعا يحتاجون إِليه. وهو وحده المستحق للحمد والثناءِ من خلقه، لأَنه هو الذي خلقهم ورزقهم وشملهم بلطفه ورحمته. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ المفردات: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: يَسَّر لكم الانتفاع بما في الأَرض من حيوان أَو نبات أَو معادن. ﴿الْفُلْكَ﴾: السفن. ﴿رَءُوفٌ﴾: مشفق. ﴿لَكَفُورٌ﴾: لجاحد للنعمة منكر لها. التفسير ٦٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾: من نعمه العديدة حيث يَسَّر لكم الانتفاع بما فيها من حيوان ونبات ومعادن.

стр. 3015

﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: وسخر لكم السفن بعد أَن علمكم كيف تصنعونها وكيف تستخدمونها في حملكم وحمل السلع التجارية من بلد إِلى بلد، ومن إِقليم إِلى إِقليم، طبقا لسنته في الأَجسام الطافية حيث أَجراها بالرياح الجارية، أَو بالمحركات الدائرة التي أَلهمكم صنعها. ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: ومن رحمته سبحانه بخلقه أَنه خلق الأَجرام والكواكب، ودفع كلا منها في مداره المرسوم وربطها برباط الجاذبيَّة طبقا لسنته الكونية. وهذه الجاذبية من شأْنها أَن تجعل الأَرض تجذب إِليها بعض كواكب السماءِ القريبة منها لتسقط عليها ولكنه - سبحانه - جعل في مقابل الجاذبية ما يسميه علماءُ الفلك بقوة الطرْدِ المركزية، وهي مساوية لقوة الجاذبية، فيقع الجرم الفلكى بين قوتين متعادلتين مما يتيح له البقاءَ متوازيا في فلكه المرسوم، ولكن حينما يأْذن الله بنهاية الخلق تضعف إِحدى القوتين عن نظيرتها فيصطدم بعض الكواكب ببعضها الآخر، وذلك ما يشير إِليه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: إِن الله تعالى رحيم بعباده، مشفق عليهم، إِذ هيَّأَ لهم العيش المناسب فوق سطح الأَرض وتحت كواكب السماءِ، وهم آمنون مطمئنون. ٦٦ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: أَي: أَنه - تعالى - هو الذي وهب عباده الحياة، وهو الذي يسلبهم إِياها عند الموت، ثم يبعثهم بعد الحساب والجزاءِ، فمن حقه عليهم أَن يعبدوه ولا يكفروه، ولكنهم أَشركوا به وكفروه، ولذا ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: أَي؛ شديد الجحود للنعم العديدة التي يراها في نفسه وفيما يحيط به في البر والبحر والأَرض والسماءِ، إِلا من عصم الله من عباده الصالحين.

стр. 3016

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾ المفردات: ﴿مَنْسَكًا﴾ أَي: شريعة. ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ أَي: فلا يخاصمُنَّك ولا يجادلنك في أَمر الإِسلام وتكليفهم به. ﴿جَادَلُوكَ﴾: ناقشوك وخاصموك. التفسير ٦٧ - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾: لكل قوم جعلنا شريعة يلتزمون بها ويؤَدونها في الوقت الذي أَراده الله لها. وشريعة الإِسلام هي شريعة هذه الأُمة التي بعث بها محمد، في مشارق الأَرض ومغاربها إِلى يوم القيامة، فهى ناسخة لما قبلها فلا ينازعَنَّك أَهلُ الكتاب في شأْنها، فهم مكلفون بها. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾: وادع أَهل الكتاب وغيرهم إِلى عبادة ربك على الشريعة التي جئتهم بها، فإِنك من دين ربك على طريق مستقيم، ولا عليك إِن استجابوا لك أَو أَعرضوا عنك. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).

стр. 3017

٦٨ - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إِذا بلغت رسالتك - أَيها النبي - فلا يضيرنك جدال المجادلين ولا نزاع المخاصمين، فإِن جادلوك فقل لهم: الأَمر بينى وبينكم مفوض إِلى العليم الحكيم؛ فإِنه يعلم سركم وجهركم، ويعرف ما تبدون وما تكتمون. وقد توعدهم الله على جدالهم بقوله: ٦٩ - ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: أَي: أَمركم جميعا إِلى الله يقضى بينكم بحكمه وحكمته يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). وفي هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ، والخطاب فيها عام للمؤْمنين والكافرين، وليس محكيا بالقول كالذى قبله. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾

стр. 3018

المفردات: ﴿يَسِيرٌ﴾: سهل. ﴿سُلْطَانًا﴾: دليلا له سلطان. ﴿يَسْطُونَ﴾: يبطشون. التفسير ٧٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أَلم تعرف أَن الله يعلم جميع ما في السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقرَّ فيهما، وما يُجْهَرُ فيهما أَو يُسَرُّ من القول أَو العمل؟ وما تكنه القلوب وما تضمره النفوس وكل هذا مسجل عنده في كتاب قديم كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١). والمراد به: علم الله - تعالى - فهو يحكم بين الناس عن علم ويقين روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي ﷺ : "إن الله قدر مقادِير الْخلائق قَبل خَلْق السَّموَاتِ والأَرْض … " الحديث. وقد دَوَّنَ سبحانه هذه الأَحداث في اللوح المحفوظ طبقا لعلمه، وأَنزلها بحسب مشيئته في الوقت الذي قدَّره سبحانه. وإِن هذه المعرفة يسيرة على خالق الكائنات ومالكها والمدبر لها بما يملكه من قوة وسلطان وتدبير وإِحكام. ٧١ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أَي: أَن هؤُلاءِ المشركين يتجهون بالعبادة والتقديس إِلى غير الله الذي خلق السماءَ والأَرض، وعلم كل شيءٍ فيهما، يفعلون ذلك دون اعتماد على برهان عقلى أَو كتاب سماوى.

стр. 3019

﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: وما لهؤُلاءِ الذين ظلموا أَنفسهم من معين يؤَيدهم في هذا الانحراف ويعاونهم فيما لجُّوا فيهِ من ضلال وكفر، أَو ينقذهم مما ينتظرهم من عقاب. ٧٢ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾: وإِذا تلا عليهم قارئٌ آياتِ الله البينات الواضحات ضاقوا بها ذَرْعًا وظهر الضيق والضجر على وجوههم؛ لأَنهم بطبيعتهم المنحرفة، وتفكيرهم السقيم، يؤْثرون الضلال على الهدى ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: يهمون أَن يبطشوا بمن يقرأُ عليهم آيات الله البينات ضيقا به وغيظا منه. ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: قل لهم: أَأَعظكم وأُخبركم بما هو أَسوأُ من ضيقكم بالدعوة إِلى الله وتفكيركم في البطش بالداعين إِليه، أَسوأُ من ذلكم نار جهنم التي أَعدها الله وتوعد بها من انصرفوا عن الهدى إِلى الضلال وعن الإِيمان إِلى الكفران، وساءَ المرجع والمصير الذي اخترتموه لأَنفسكم بما فطرتم عليه من جهلٍ وعناد. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ المفردات: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾: بُيِّنَتْ لكم حالٌ مستغربة. ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبدونهم غير الله. ﴿اجْتَمَعُوا لَهُ﴾: احتشدوا وتعاونوا. ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾: الطالب؛ الآلهة، والمطلوب؛ الذباب، وقيل العكس، وقيل الطالب العابد والمطلوب المعبود.

стр. 3020

التفسير ٧٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: يا أَيها الناس إِن الله - سبحانه - يبصركم بحقائق الأُمور عن طريق ضرب الأَمثلة الحسية الواقعية فَأَصْغُوا إِليها واستمعوا لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾: إِن الذين تعبدونهم من دون الله عاجزون عن خلق الذباب، وهو حشرة ضعيفة مهينة، فكيف تعبدونهم دون من خلق الأَرض والسماوات ومن فيهن وتكفل برزقهم وتدبير أُمورهم؟ وهذه الآلهة المدعاة لا تستطيع خلق الذباب ولا عضوا واحدا من أَعضاءِ الذباب، ولو تساندوا جميعا وتعاونوا وحشدوا كل طاقاتهم. ووصل أَمرها من الضعف إِلى ما صوره الله بقوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾: أَي؛ وهذا الذباب إِن يأْخذ من هذه الأَوثان شيئا من نحو الطعام الذي يوضع أَمامها قربانا لا تستطيع استرداده منه، وقد ختم الله الآية بما يفيد سوءَ حال الأَصنام وعابديها فقال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾: أَي؛ ضعف الإله والذباب، أَو الذباب والآلِهَة، فكيف استساغت عقولهم أَن يعبدوا تلك الأَوثان، ويقدسوها، ويسندوا إِليها النصر والرزق والمطر والصحة والمرض، وهي بهذا الضعف الذي صوره الله بما يقتضي الرثاءَ لعابديها؟ ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾

стр. 3021

المفردات: ﴿قَدَرُوا اللَّهَ﴾: تبينوا عظمته وقدرته وسلطانه. ﴿قَوِيٌّ﴾: قاهر لا يغلب. ﴿عَزِيزٌ﴾: منيع لا يضام. ﴿يَصْطَفِي﴾: يختار. ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما يستقبلونه. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وما يستدبرونه. التفسير ٧٤ - ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: أَي: ما عرفوا عظمة الله وجلاله وقدرته وسلطانه حَقَّ المعرفة، فانصرفوا عن عبادته وتقديسه إِلى عبادة الآلهة الضعيفة المهينة العاجزة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾: إِن الله سبحانه قوى عظيم القوة والسلطان، وكل ما سواه ضعيف عاجز، والله سبحانه عزيز لا يُنال وغالب على أَمره، وسواه مهين ضعيف ذليل مغلوب. ٧٥ - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾: أَي: أَن الله سبحانه يحيط علمه بكل شَىْءٍ، فلهذا يعلم مَنْ هو أَهلٌ للرسالة من الملائكة ومن البشر، فينزل شرائعه عن طريق الروح الأَمين، على مَنْ يختاره مِنَ البشر لتبليغ شرائعه إِلى الناس. وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١) ويقول أَيضا: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٢) يقال: إِن الوليد بن المغيرة استكثر الرسالة على محمد ﷺ فقال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) فنزل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾: ردًّا عليه وتحقيقا للحق ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: إِن الله سبحانه عظيم السمع يسمع كل صوت وإِن كان خفيًّا، شامل البصر يرى كل مشهد وإِن كان دقيقًا أَو قَصِيًّا؛ فهو سبحانه محيط بكل شيءٍ علما.

стр. 3022

٧٦ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: أَي: أَنه - تعالى - يعلم ما يستقبلونه من أَحداث ويعلم ما يخلفونه من آثار، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١). وإِليه وحده المرجع والمآب؛ فالكل منه وإِليه وجميع الكائنات مردها إِلى الله، وهو بها جميعا بصير عليم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ المفردات: ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾: اختاركم واصطفاكم. ﴿حَرَجٍ﴾: ضيق أَو شدة. ﴿مِلَّةَ﴾: شريعة. ﴿مَوْلَاكُمْ﴾: ربكم ومالك أَمركم ومدبر شئونكم. ﴿النَّصِيرُ﴾: المعين.

стр. 3023

التفسير ٧٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾: بعد أَن فرغت الآيات الكريمة من مجادلة المشركين وتسفيه آرائهم، اتجهت إِلى مخاطبة المؤمنين بندائهم بما امتازوا به من تكريم، وتنبيههم إِلى أَن العمل الصالح هو ثمرة الإِيمان ونتيجته، وفي مقدمة الأَعمال الصالحة الصلاة لأَنها علامة الإِيمان وعماد الدين وقد عبر عنها بالركوع والسجود لأَنهما سمة الخشوع والخضوع اللذين هما قِوام الصلاة، فالمقصود بالأَمر بهما: الأَمرُ بإِقامة الصلاة بكل ما تشتمل عليه منهما ومن غيرهما ثم أَمرهم باستكمال موجبات الإِيمان فقال: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أَي؛ اعبدوا خالقكم ومالككم ومربيكم باتباع أَوامره واجتناب نواهيه والاتجاه إِليه وحده بالعبادة والتقديس، فهو الرب المنعم المتفضل، وافعلوا ما قدرتم عليه من الخير، لتنالوا الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. وبما أَن الإِسلام له أَعداءٌ يتربصون به، فلذا أَمرهم الله بالجهاد في سبيله فقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾: والجهاد في الإِسلام؛ يشمل مقاومة أَعدائه الواقفين في سبيل نشره المعادين ليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). كما يشمل مقاومة نزغات النفس وشهواتها وأَهوائها، روى البيهقى والخطيب عن جابر: أَن النبي ﷺ قفل من إِحدى الغزوات فقال لأَصحابه: "قَدِمتُم خير مقدم، وقدِمْتُم من الجهاد الأَصغر إلى الجهاد الأَكبر". وفسر الجهاد: الأَكبر بأَنه مجاهدة العبد هواه؛ وأَفضل الجهاد: مقاومة الظلم، قال ﷺ : (أَفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) أَخرجه ابن ماجه، والخطيب، وأَحمد والطبرانى، والبيهقى.

стр. 3024

﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: هو اصطفاكم لحمل خاتم الأَديان ونشر رسالته، فأَرسل إِليكم أَفضل الأَنبياءِ، وأَنزل إِليكم أَكرم الكتب السماوية؛ وأَتم عليكم نعمته بالتأْييد والنصر. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: ولم يكلفكم ما يشق عليكم ويسبب لكم الضيق والحرج، فإِنه سبحانه لا يكلف نفسا إِلا وسعها، وهو ﵎ ييسر الأُمور: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). ومن لطفه وتيسيره: أَنه أَباح لنا قصر الصلاة والإِفطار في السفر الطويل، وأَباح لنا التيمم عند فقد الماءِ أَو تعذر استعماله، والقعود في الصلاة عند تعذر القيام فيها. ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: فالزموا الإِسلام الذي هو ملة أَبيكم إِبراهيم، فهو الذي بنى لكم البيت ودعاكم إِلى حجه والصلاة إِليه. بتكليف من الله ودعا الله أَن يمكنه وذريته من إِقامة الصلاة بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (٢). ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾: هو الله - سبحانه - الذي سماكم بهذا الاسم وارتضى لكم الإِسلام دينا من قديم، وأَمركم به في هذا القرآن الكريم حيث قال فيه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣) ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: ولما كان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، وقد أَبلغه الرسول ﷺ عن الله إِلى أُمته بما يحويه من أَوامر ونواه، وبما فيه من قصص الرسل والأَنبياءِ السابقين فلهذا يشهد الرسول بأَنه بلغ رسالة الإِسلام إِلى أُمته، ويشهد المسلمون منهم على الأُمم السابقة بما قصه عليهم القرآن من تبليغ رسلهم شرائع الله إِلى أُممهم. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أَي؛ وإِذا كان الله تعالى منحكم هذا الشرف العظيم، حيث جعلكم شهداءَ على الناس، فتقربوا إِليه - سبحانه - بأَنواع الطاعات، وأَخصها إِقامة الصلاة وإِيتاءُ الزكاة.

стр. 3025

﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: والتجئوا إلى الله، وتحصنوا به لحمايتكم من الأعداء ومن نزغات الأهواء، فإنه ربكم وخالقكم والمدبر لأموركم، والمهيمن عليكم الحافظ لكم ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) فما أَعظم وأكرم الرب المنعم المتفضل الحفيظ. وما أَعظم النصير المعين الذي يحفظ من يلوذ به ومن يحتمى بحماه وينصره على مَنْ عاداه. ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢). تصحيح ورد في الصفحة (رقم ١١٥٧) من الحزب الثالث والثلاثين، أن جيش مصر هزم التتار في معركة (مرج دابق) والصواب أنه هزمهم في معركة (عين جالوت) فنرجو من القارئ أن يصحح نسخته، ونعتذر له عن هذا السهو وشكرا.

стр. 3026

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة مقاصدها: بدأَت هذه السورة ببشارة المؤمنين بالفلاح والخلود في الفردوس، إِذا خشعوا في صلاتهم وحافظوا عليها، وأَعرضوا عن اللغو وأَدوا الزكاة، وحفظوا فروجهم من الفاحشة، وراعوا الأَمانة والعهد. وعقبت هذه البشرى ببيان منشأ الإِنسان ومآله، وأَنه سبحانه خلق من فوقنا سبع سموات طباقا، وأَنه لا يغفل عن خلقه طرفة عين، ولهذا أَنزل من السحاب ماءً أجراه في مجارى فوق سطح الأَرض، وأَسكن بعضه في جوفها، ليستخرجه الناس وقت الحاجة إليه، وأنه أنشأَ لنا بهذا الماء الزروع والثمار لنأْكل ونتعيش منها، وخلق لنا الأَنعام وجعلها عبرة لنا، فمن بطونها نشرب اللبن، ومن لحومها نأكل، وبمنافعها الكثيرة ننتفع، وعلى الإِبل منها نحمل ثقال الأَحمال، كما نحمل على السفن. وبينت قصص الأَنبياءِ مع أممهم، وقد جاءَ فيها أن هذه الأمم لم تشكر نعم ربها بتوحيده وعبادتها، بل أَشركت معه غيره من مخلوقاته، فبعث إليها رسله ليهدوهم سواء السبيل، فكذبوهم فعاقبهم الله بعذاب الاستئصال، ونجَّى منه عباده المؤمنين. وذكرت من أنباء المهلكين: قوم نوح أغرقهم الله بالطوفان، وقوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، وفرعون وجنوده، كفروا بموسى وهرون فأَغرقهم في اليم. وعقبت قصة فرعون معهما ببيان أن الله تعالى جعل ابن مريم وأمه آية، لأَنه ولد منها دون أَب، وأنه تعالى آواهما إِلى ربوة ذات قرار ومعين، وسيأْتى بيان ذلك في الشرح، وأنه شرع للرسل وأممهم أَن يأْكلوا من الطيبات، ويتركوا ما حرمه الله عليهم، وأَن جميع الأُمم أمة وديانة واحدة هي توحيد الله، وأصول الشرائع والأحكام - وإِن اختلفت في الفروع -

стр. 3027

وأَنه يجب على الناس جميعا أَن يتقوه دون سواه، ولكن الناس تقطعوا دينهم وابتدعوا في دين الله ما ليس منه، وقد توعدهم الله بالعقاب على هذا التفرق في الدين الحق. ثم مدحت المؤمنين الذين يخشون ربهم ولا يشركون به، ويسبقون إلى الخيرات، وذكرت أنه تعالى لا يكلف نفسا إِلا وسعها، وإن هؤلاء المترفين الكافرين سيؤخذون بالعذاب فيجأَرون مستغيثين ولا مغيث لهم ولا ناصر، لأن آياته تعالى كانت تتلى عليهم فكانوا يستكبرون ولا يؤمنون. وبينت أَنه لو اتبع الحق أهواءَ الناس لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وأنه تعالى بعث محمدا بالقرآن إلى قريش، ومع أنه شرف لهم أعرضوا عنه، في حين أَن النبي ﷺ لا يسألهم على تبليغ الرساله أجرًا، أن يريد إلا الإصلاح، وبينت أَنه تعالى عاقبهم عقابا غير شديد في الدنيا على كفرهم، ولكنهم لم يستكينوا لربهم وما يتضرعرن، وأنه إذا فتح عليهم بابا ذا عذاب شديد فسيُبلسون ويتحيرون. وقد ذكرتهم بنعم السمع والبصر والفؤاد، وأنهم سوف يحشرون إليه بعد الموت، وبدلًا من الإيمان كفروا بالبعث وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ثم ذكرت أَن الله أَمر النبي ﷺ أَن يُجرى معهم حوارا: لمن الأَرض ومن فيها؟ مَنْ رب السموات السبع ورب العرش العظم؟ مَنْ بيده ملكوت السموات والأرض وهو يُجِيرُ ولا يُجَار عليه؟ وبينت أَنهم سيقولون في كل ذلك: لله، ولكنهم لا يتذكرون ولا يتعظون، بل يُصِّرُون على الإشراك، وذكرت أن الموت إِذا جاءَهم فسيندمون على تقصيرهم، فيطلبون الرجوع إِلى الحياة الدنيا ليعملوا صالحا، وأنه لا سبيل إِلى إجابة ملتمسهم، ثم بينت أحوال الناس يوم القيامة، فمن ثقلت موازينه بالعمل الصالح فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه بسبب العمل السيء والكفر، فهم ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ وبينت أَنهم يعترفون ويقولون:

стр. 3028

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ وأَنه تعالى يجيبهم بقوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ثم خُتمت السورة ببيان أنه تعالى لم يخلق عباده عبثا، وأَنهم سيرجعون إِليه للحساب والجزاء، وبينت أَن مَن يدعو مع الله إلها آخر فحسابه عنيف عند ربه، وأَنه تعالى هو الذي يُطْلَب منه الغفران والرحمة لمن هم أَهل لهما ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.

стр. 3029

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ المفردوات: ﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: الفلاح، الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، والإفلاح الدخول في الفلاح، كالإِبشار الدخول في البشارة. (خَاشِعُونَ): خاضعون متذللون. (الَّلغْوِ): ما لا يعتد به من الأقوال والأفعال (وَرَآة ذَلِكَ): سوى ذلك. (الْعَادُونَ): المبالغون في العدوان (رَاعُونَ): حافظون، وأصل الرعي: حفظ الحيوان بتغذيته ودفع العدو عنه، ثم استعمل في الحفظ مطلقًا. (الْفِرْدَوْسَ): المراد به هنا، أَعلى درجات الجنان في الآخرة. التفسير ١، ٢ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: جاءَ في خواتيم سورة الحج قبلها تكليف المؤمنين بالصلاة وعبادة ربهم لكي يفلحوا ويفوزوا بفضله ورحمته، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا

стр. 3030

وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فكان من المناسب أن تبدأَ هذه السورة بما يؤكد فلاح المؤمنين المصلحين العابدين، الخاشعين المتقين، ولفظ (قدْ) يفيد تحقيق المتوقع وتثبيته، وكان المؤمنون يتوقعون البشارة بفلاحهم، لإِيمانهم وتوحيد ربهم فأخبروا بتحقق ما توقعوه وثباته، إذا قرنوا إِيمانهم بالعمل الصالح، والمؤمنون في اللغة: المصدقون مطلقًا، وفي الشرع: المصدقون بما علم ضرورة أَنه من دين نبينا محمد ﷺ من وحدانية الله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبجزاء المحسنين والمسيئين فيه، وأن يخلو تصديقهم هذا عن الرياءِ والنفاق والشك. والخشوع في الصلاة: سكون الجوارح والتذلل وحضور القلب، وجمع الهمة لها والإعراض عما سواها، وأن لا يجاوز البَصَرُ المُصَلَّى، فلا يلتفت المصلى يمْنةً ولا يسرة، ولا يعبث بلحيته ولا بثيابه ونحو ذلك. وقال أبو الدراء يصف الخشوع: هو إخلاص المقال، وإِعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام. والخشوع محله القلب، وله السلطان على الجوارح، فإِذا خشع القلب خشعت الجوارح لخشوعه، قال القرطبى: كان الرجل من العلماء إِذا أَقام الصلاة وقام إليها، يهاب الرحمن أَن يحدَّ بصرَه إِلى شئ، وأَن يحدث نفسه بشئ من الدنيا - وأَخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول بسنده إِلى أَبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في صلاته فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" كما أخرج بسنده عن أم رومان والدة عائشة ﵂ قالت: (رآنى أَبو بكر ﵁ أتمَيَّل في صلاتي، فزجرنى زجرة كدت أَنصرف عن صلاتى) ثم قال: واختلف الناس في الخشوع: أَهو من فرائض الصلاة أم من فضائلها، ورجح بعضهم الأول، وأضيفت الصلاة إِلى المصلين في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ولم تضف إِلى الله الذي يصلون له؛ لأَنهم المنتفعون بثوابها، فهي عُدَّتهم وذخيرتهم، وأَما المولى - سبحانه - فهو غنى عنهم وعن عبادتهم.

стр. 3031

ولْيَعْلم المؤمن أن العمل الصالح ثمرة الإيمان الصادق، فمن لا عمل له فإيمانه واهن ضعيف بل هو ميت لا أثر للحياة فيه، فهو كالشجرة الجافة، لا ورق لها ولا ثمر، ولهذا مثل الله تعالى كلمة الإيمان الصادق بقوله: " ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١). وقد جاءَ في فضل هذه الآيات التي صدرت بها سورة (المؤمنون) وثواب من يعمل بها - جاء في ذلك حديث أَخرجه الإمام أَحمد بسنده عن عمر بن الخطاب قال: "كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحى، يُسْمَعُ عند وجهه دويٌّ كدوى النحل، فمكثنا ساعة فسرِّى عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأَكرمنا ولا تهنا، وأَعطنا ولا تحرمنا، وآثِرنا ولا توثر علينا، وارض عنا وأرضِنا" ثم قال: "لقد أُنزِلَتْ على عشر آيات من أَقامهن دخل الجنة "ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ " حتى ختم العشر، وسئلت عائشة ﵂: كيف كان خلق رسول الله ﷺ فقرأَت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى انتهت إلى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يُحَافِظونَ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ " أخرجه النسائى في تفسيره (٢) وقد وعد الله المؤمنين في هذه الآيات ميراث الفردوس والخلود فيه إذا اتصفوا بصفات سِتٍّ (أَولاها) الخشوع في الصلاة، وقد سبق الحديث عنه، وفيما يلى: الحديث عن باقى الصفات: ٣، ٤ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: تضمنت هاتان الآيتان صفتين أُخريين للمؤمنين المفلحين بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة، الصفة الأولى منهما: إعراضهم عن اللغو وبعدهم عنه، وفسره ابن عباس بالباطل، وقال الآلوسى: وقد يُسَمى كل كلام قبيح: لغوًا، وعمَّم بعضهم اللغو فجعله يشمل كل ما لا يعتد به من الأَقوال والأَفعال، وشاع في كل كلام يقوله صاحبه لا عن روية وفكر، فهو

стр. 3032

يجرى مجزى اللَّغاء، وهو صوت العصافير ونحوها من الطير، والصفة الثانية منهما أداؤهم الزكاة، والمراد من الزكاة هنا: زكاة أَموالهم، ولا ينافى هذا كون السورة مكية، والزكاة إِنما فرضت بالمدينة، لأن التي فرضت بالمدينة هي ذات النُّصُب والمقادير الخاصة، وهذه غير التي فرضها الله بمكة، فقد كانت غير مشروطة بمقدار، ويشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) ومن العلماء من فسر الزكاة هنا بزكاة النفس مراعاة لمكية الآية، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾. والمعنى: والذين هم لأجل زكاة نفوسهم يفعلون ما يفعلون من الطاعات. ٥،٦ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان صفة رابعة للمؤمنين الذين يفوزون بجنة الفردوس، وهي حفظهم لفروجهم من الزنى، والفَرْج يشمل سوءَة الرجل والمرأة، فالمراد به عضو التناسل من كل منهما، ولفظ (عَلَى) في قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ بمعنى: (مِن) كما قاله الفراء وغيره، أي: حافظون لفروجهم إِلا من أزواجهم أَو ما ملكت أيمانهم، والأزواج جمع زوج، وهو يطلق على كل من الرجل والمراد المتزوجين، فكلاهما زَاوَجَ الآخر أي ثاناه، بأن جعله مع نفسه اثنين، والمراد مما ملكت أيمانهم السُّرِّيات (٢) وهُنَّ (الإماءُ) المأخوذات في غنائم الحرب، دون المختطفات من آهلهن، فلا يحل بيعهن ولا شراؤهن، ولا الاستمتاع بهن عن طريق ملك اليمين، فهن حرائر مغتصبات فلا سبيل إلى تملكهن، ومن اشتراهن وهو يعلم بحالهن فشراؤه غير صحيح، والاستمتاع بهن زِنى. وقد أَفادت الآية الكريمة أنه لا لوم ولا إثم على المؤمنين في غشيان زوجاتهم وإمائِهم، ولا على المؤمنات في مباشرة أَزواجهن لهن، أما عبيدهن فلا حَقَّ لهم في الاستمتاع بهن بالإِجماع (٣)، لأَنه مملوك لها وليس مالكًا فهى قوَّامة عليه، بخلاف استمتاع السيد بأمته فإِنه مالك لها وقَوَّام عليها.

стр. 3033

روى معمر عن قتادة قال: تسرَّرَت امرأَة غلامها (١)، فذُكِرَ ذلك لعُمَر فسألها: ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أَراه يحل لي بملك يمينى، كما يحل للرجل المرأَة بملك اليمين، فاستشار عمر في رَجْمِهَا أَصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: تَأَوَّلَتْ كتاب الله على غير تأويله فلا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم. والله لا أُحِلّكِ لحُرٍّ بعده أَبدًا، عاقبها بذلك ودرأَ الحد عنها، وأَمر العبد أَن لا يقربها. وعن أَبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرتُ عمر بن عبد العزيز، حين جاءته امرأَة بغلام لها وضيء، فقالت: إِنى استسْرَرتُه فمنعنى بنو عمى من ذلك، وإِنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عنى بنى عمى، فقال عمر: أَتزوجت قبله؟ قالت: نعم، فقال: أَما والله لولَا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يَخرج به إِلى غير بلدها. (٢) ٧ - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾: أَي: فمن طلب سوى الزوجات والإماء لقضاء شهوته، فَأولئِكَ هم الجاوزون الحد في الإِثم والعدوان. وبهذه الآية حرم إتيان الذكور والبهائم، كما حرم نكاح المتعة، وهو نكاح المرأَة إِلى أَجل بمقابل، وكان مباحًا في الجاهلية، فلما نزلت هذه الآية حرمته، وهذا يقتضي أَن تحريمها كان قبل الهجرة لأنَّ السورة مكية، لكن ورد تحريمها بعد الهجرة ثلات مرات، (إحداها) يوم خيبر (٣). (وثانيتها) يوم فتح مكة وهو يوم أَوطاس لاتصالهما، وكان قد أحلها يومئذ ثلاثة أيام ثم حرمها (٤). (وثالثتها) كانت في حجة الوداع وكان التحريم فيها أَبديًّا أَخرجه أَبو داود (٥).

стр. 3034

ويرجع تحليلها في بعض الغزوات، إِلى الترخيص لهم بما أَلفوه قبل الإِسلام في سفرهم وحروبهم، تأْليفًا لهم وتدرجًا مهم في التشريع، فلما تشبعت نفوسهم بدينهم، حرمه الله إلى الأَبد. وقد علق الإِمام النووى على الحديث الأَول من أَحاديث المتعة عند مسلم - علَّق عليه - بكلام نفيس، ثم قال: قال القاضى (١): واتفق العلماءُ على أَن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أَجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاءِ الأجل من غير طلاق، ووقع الإِجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إِلَّا الروافض، وكان ابن عباس ﵁ يقول بإباحتها، وروى عنه: أَنه رجع عنه. قال (٢): وأَجمعوا على أَنه متى وقع نكاح المتعة الآن، حكم ببطلانه، سواءٌ كان قبل الدخول أَو بعده إِلى آخر ما قال. فارجع إِن شئت إِلى باب نكاح المتعة في كتاب أَحكام النكاح تعليق الإِمام النووى على الإِمام مسلم، وقد أَسهب الآلوسى في الكتابة على هذه الآية، فمن شاءَ المزيد فليرجع إِليه. ومما ذكره فيها: أَن الأَئمة اختلفوا في استمناء - الرجل بيده، وأَن جمهور الأَئمة على تحريمه، لدخوله تحت عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ وذكر أَن الإِمام أَحمد يجيزه، لأَن المنى فضلة في البدن فجاز إِخراجها عند الحاجة، كالفصد والحجامة. وعزز بعض العلماء رأْى الجمهور بحديث عن رسول الله ﷺ قال: "ناكح اليد ملعون"، كما عززه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، وهذا الاستمناءُ يقرب صاحبه من الزنى، فلهذا يكون منهيًّا عنه ومحرمًا. ٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾: هذه هي الصفة الخامسة للمؤمنين الموعودين بالفوز وميراث الفردس، وهي رعايتهم لأَماناتهم وعهدهم، والمراد بأَماناتهم: ما ائتُمِنُوا عليه من جهة الله هي التكاليف الشرعية التي كلف الله عباده بها، كالصلاة والصوم والزكاة وترك الخمر والميسر، أو من جهة الناس وهي ودائعهم من الأَموال والأَسرار.

стр. 3035

والمراد بعهدهم: ما عاهدوا الله عليه بالأيمان والنذور، وما عاهدوا الناس عليه بالعقود والوعود، وجمعت الأمانة في الآية دون العهد، لكثرة الأمانات من جهة الله ومن جهة الناس، وقد أَثنى الله عليهم، بأنهم مراعون للأمانات والعهود بأنواعها، حافظون لها قائمون بحقوقها. ٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾: هذه هي الصفة السادسة للمؤمنين المفلحين، والمراد من الصلوات: الصلوات المفروضة، كما أَخرجه ابن المنذر وغيره عن عكرمة، والمراد من المحافظة عليها: أَداؤها في أوقاتها بأركانها وشروطها، والتعبير بقوله ﴿يُحَافِظُونَ﴾ بدل (محافظون) لما في الصلاة من التجدد والتكرار الذي توافقه صيغة الفعل المضارع. وقد ذكرت الصلاة في أوصاف المؤمنين مرتين ولا تكرار فيها، فإن ذكرها أولًا للحث على الخشوع فيها لأهميته، وذكرها أَخيرًا للمحافظة عليها في جميع مطالبها. وكلاهما يدل على فضل الصلاة وعظيم منزلتها عند الله تعالى، ولهذا فرضها الله في السماء ليلة الإسراء والمعراج، وفرض سواها وَحْيًا على محمد ﷺ في الأرض. ١٠ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾: أَي: أولئِكَ الموصوفون بتلك الصفات الجديدة هم الجديرون بأن يسموا وُرَّاثًا دون من عداهم ممن يرثون نفائس الأَموال والحلى وغيرها من متاع الدنيا، فإنه عرض زائل، وما عند الله خيرٌ وأبقى، ثم شرح ميراثهم فقال: ١١ - ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: والفردوس في اللغة - كما قاد صاحب القاموس -: هو البستان يَجْمَعُ كل ما يكون في البساتين وقد يؤنث. وهو في الآخرة أَعلى درجات الجنان، ففي الحديث: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 3036

وعبر عن استحقاقهم الفردوس بالميراث لما روى عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "ما منكم من أَحد إِلَّا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أَهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة، وابن جرير عن أَبي معاوية بإِسناده إليه. وقيل: الإِرث مستعار للاستحاق، لأَنه أَقوى أسباب الملك. المعنى الإجمالى للآيات السابقة: ١ - قد فاز المؤمنون بما أَمَّلوه في مولاهم، فقد قضى بنيلهم ما طلبون، ونجاتهم مما يرهبون ويخافون، جزاءَ إيمانهم واتصافهم بالصفات الكريمة التالية: ٢ - الذين هم في صلاتهم متذللون خاضعون، جوارحهم ساكنة، وقلوبهم حاضرة، وعقولهم مجتمعة غير مشتتة، يخلصون المقال، ويعظمون المقام، فهم ماثلون أمام مالك الملكوت، ورب العزة والجبروت. ٣ - والذين هم في سلوكهم مع الناس، بعيدون عن ساقط الكلام وباطله، وردى الفعل وعابثه، فإذا نطقوا فبخير، وإِذا فعلوا فبرويَّة وفكر. ٤ - والذين هم لزكاة أموالهم مؤدون، ومن أَجل طهارة نفوسهم يفعلون من الطاعات ما يفعلون. ٥، ٦ - والذين هم لسوءاتهم ومواضع العفة منهم حافظون إِلاّ من زوجاتهم أَو جواريهم فإنهم غير ملومين على مباشرتهن، فهن حلال لهم. ٧ - فمن طلب غير الزوجات والسرارى لقضاء شهوته سفاحًا، فأولئِكَ هُمُ المعتدون ولحدود الله مجاوزرن، ولعقابه في الدنيا والآخرة مستحقون. ٨ - والذين هم لما ائتمنوا عليه من التكاليف الشرعية وودائع الناس وأسرارهم حافظون لها، مؤدون حقوقها، قائمون بواجباتها. ٩ - والذين هم على صلواتهم يحافظون، ففي أوقاتها يؤدون، وبأركانها وشروطها يلتزمون.

стр. 3037

١٠، ١١ - أولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة، هم الجديرون بأن يوصفوا بالوارثين، فإِنهم يرثون في الآخرة جنة الفردوس أَعلى الجنان، ومن فوقها عرش الرحمن هم فيها خالدون، لَا يَخْرُجون ولا يُخْرَجون، أَما الوارثون في الدنيا للأموال والنفائس، والرباع والقصور، فهم وما ورثوه زائلون وعنه مسئولون. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ المفردات: (مِن سُلَالَةٍ من طِين) السلالة: ما سُلَّ من الشيء واستخرج منه، أَي: مِنْ مسُتَخْرج ومستخلص من الطين. (جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً): صيرناه نطفة، أَي: منيًّا، وهي مأْخوذة من النطف: وهو التقاطر، وقال الراغب: النطفة: الماءُ الصافى، ويعبر به عن ماءِ الرجل. اهـ. وكان عليه أَن يقول: عن ماء الرجل والمرأَة، لأَن الجنين يتخلق من ماءيهما. (مَكِينٍ): متمكن ثابت (عَلَقَةً): هي ما يعلق بغيره، وسيأْتى بيان المراد منها في الشرح. (مُضْغَةً) أي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ. التفسير ١٢ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾: بين الله في الآيات السابقة صفات السعداء التي استحقوا بها الجنة، وجاءت هذه الآية والآيات التالية لها لبيان ما خلقوا منه هم وغيرهم، وما ينتهون إِليه، حثًّا لهم على استدامة

стр. 3038

ما هم فيه من الصفات الكريمة، وتذكيرًا لغيرهم بمبدئهم ومنتهاهم، ليعملوا لآخرتهم، ويتقوا سوء المصير. والمراد من الإِنسان في الآية: الجنس، فكل أَفراد هذا الجنس - خلقهم الله من خلاصة مستخرجة من الطين، كما جاءَ في النص الكريم، وذلك باعتبار أَصلهم الأَول آدم ﵇ فهم مخلوقون من الطين تبعًا لخلقه منه، أَو باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها خلاصة مستلة ومأخوذة من أَغذية ناشئة ونابتة من الطين. ١٣ - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: ثم حولنا الإنسان وصيرناه نطفة ومنيًّا في قرار مكين بعد استلاله من طين، ولفظ (ثمَّ) هنا إِما: للترتيب في الخلق والتراخِي في الزمن، أَو للترتيب والبعد في المنزلة والرتبة، فإِن تحويله من خلاصة من طين، إِلى منى مشتمل على حيوانات منوية لا حصر لها في ماءِ الرجل وعلى بويضة وحيدة في ماءِ المرأة، فيه انتقال من مرتبة أَدنى إلى مرتبة أعلى ومنزلة أَبعد وأَسمى، وهذا المعنى هو المناسب لما ختمت به الآيات، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين﴾ ومثل ذلك يقال في الآية التالية. والمراد من القرار المكين: الرحم، فهو مقر متمكن في موضعه، وحرز حريز للنطفة وما يطرأ عليها من التطورات، فلا يخاف عليها فيه من حركة الأم وتنقلاتها وعملها حتى تضع حملها بسلام. ١٤ - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين﴾: تقدم الكلام مستوفى على مثل ما جاء في هذه الآية في صدر سورة الحج: حيث بيَّنا هناك كيف تتحول النطفة إِلى علقة ثم إِلى مضغة، وأَطوار تكوين الجنين في أَشهر الحمل وأَوزانه، وأَن الحياة موجودة فيه منذ تكوين الخلية الأولى بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوى، وأَن المقصود من نفخ الروح فيه في نهاية طور المضغة هو إِعطاءُ الجنين دفعة قوية من الحياة تمكنه من الحركة في بطن أمِّه بعد أَن تم تصويرة المبدئي، ولهذا لا نرى داعيًا

стр. 3039

لإِعادة الكلام هنا تفصيلًا فيها، فمن شاء فليرجع إلى ما قلناه في تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ … ﴾ (١). والمعنى: ثم صيرنا النطفة البيضاء خلايا عالقة بجدار الرحم أجرينا عليها التحويل من حال إِلى حال فصيرناها بهذا التحويل والتصوير مضغة - أَي: قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ، فيها معالم الانسان الأولية، فصيرنا بعض هذه المضغة عظاما متطورة ممتدة في ثناياها أَثناءَ تخليقها وتصويرها، فكسونا تلك العظام لحمًا وأَحطناها به، ليتم للجنين تلك الصورة البديعة، ثم حولناه بعد تمام التكوين والتصوير وأَنشأناه مخلوقًا آخر مباينًا لخلقه الأَول، فقد أَصبح إنسانًا سويًّا جميلًا وسيمًا، بعد أن كان منيًّا ثم علقة ثم مضغة. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: أَي: فتعالى الله أحسن الخالقين خلقًا، وتقدس أعظم المقدرين المبدعين تقديرًا وإبداعًا حيث أنشأ هذا الجمال الإنسانى من تراب ثم من نطفة ثم من علقة فمضغة، وعُدِل عن أسلوب التكلم في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ فأسند الفعل هنا إِلى لفظ الجلالة لتربية المهابة وإدخال الروعة، وللإشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبه، إِنما هو من أَحكام الأُلوهية وأثارها، وللإيذان بأن حق من سمع ما فصِّل من آثار قدرته تعالى أَو تَدَبَّره أَن يقول: "تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" إجلالًا وإعظامًا لشئونه تعالى. وَالْخَلْق معناه في اللغة: التقدير، وهو لهذا يصح أَن يطلق على غيره تعالى، كما في قوله سبحانه: "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ" أَي: تقدر من الطين تمثالا وتصوره كهيئة الطير، ولهذا عبر هنا بصيغة أفعل التفضيل (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). ١٥، ١٦ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: ثم إنكم يا بنى الإِنسان بعد ذلك الخلق العجيب لمنتهون إلى الموت لا محالة ثم إنكم يوم القيامة تقومون من قبوركم وتبعثون منها إلى ساحة الحساب على أَعمالكم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾: ومن كان مصيره إلى الحساب والجزاء ولابد، فعليه أنا يَتَّقيَ سوء الحساب.

стр. 3040

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠﴾ المفردات: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سبع سماوات طباقًا بعضها فوق بعض، وهي جمع طريقة، والعرب تسمى كل شيء فوق شيء طريقة - انظر القرطبى. ﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بتقدير لائق يجلب المصالح ويدفع المضار. ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين. ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْن﴾: تنبت ملتبسة بالدهن ومصاحبة له في تكوينها. ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: وما يصبغ بِه الخبز للآكلين أي: يغمس فيه. التفسير ١٧ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِين﴾: بين الله في الآيات السابقة خلق الإنسان ومصيره الذي ينتهى إليه، وبين في هذه الآية وما بعدها خلق ما هو بحاجة إليه في حياته الأولى، استكمالًا لنعمته عليه. وفي تقديم بيان خلق الإنسان على خلق هذه الكونيات العظيمة، إيذان بعظم خلقه مع صغر حجمه، ففيه انطوى العالم الأكبر، كما قال الشاعر: أَتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْم صَغِير … وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالمُ الأْكْبَرُ وفي تلك الآيات دلالة على إمكان بعثهم الموعود به قبلها في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ فإن من قدر على خلق السموات، وإخراج الشجر والنبات من التراب،

стр. 3041

فهو على بعثهم قدير، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ والطرائق: جمع طريقة، وتطبق على الطبقة فوق الأخرى، يقال: طارقت الشيء: جعلت بعضه فوق بعض، كما تطلق على الطريق المعروف، وعلى الأسلوب والهيئة. وأُطلقت الطرائق على السموات السبع إِما لكون بعضها فوق بعض، أَو لأَنها طرق الملائكة في هبوطهم وعروجهم، أو لأن لكل سماء طريقة وأسلوبا في خلقها ونظامها وهيئتها. ومعنى الآية: ولقد أنشأْنا فوقكم يا بنى الإنسان سبع سماوات طباقا، يسلكها الملائكة في أَعمالهم التي كلفهم الله بها، ولكل سماءٍ هيئة ونظام يتفق مع ما خلقت لأَجله، وما كنا عن جميع مخلوقاتنا ساهين مهملين، فكل شيءٍ خلقناه فيها بقدر، دبرناه بحكمة، وهو مشمول برعايتنا وحفظنا، ومحوط بعلمنا ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) لا تحجب سماءٌ عن علمه سماءً أخرى، ولا أَرض أرضًا غيرها، ولا جبل إلا هو يعلم سهوله ووديانه وهضابه وكثبانه، ولا ريف إلا وهو يعلم نباته وأَشجاره، وإنسانه وحيوانه ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) ولا بحر إلا وهو يعلم مياهه وركبانه، وأَسماكه وحيتانه، فهو ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٣). ١٨ - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾: كل ما علاك يطلق عليه في اللغة: سماءٌ، والمراد بالسماء هنا إمَّا السحاب، فمنه ينزل المطر، وإما السماءُ المعروفة، والمقصود من إنزال المطر منها إِنزاله بسببها، فإن المطر أصله أَبخرة صاعدة من البحار، بسبب تسلط حرارة الشمس عليها، والشمس من السماء.

стр. 3042

ومعنى الآية: وأَنزلنا من السحاب ماءً بمقدار ما يكفى مخلوقاتنا في مصالحهم وحاجاتهم، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يفى بالإنسان والحيوان والزروع والثمار، فأسكناه في الأرض وأَقررناه فيها، حيث أجريناه في الأنهار، وجعلنا الأرض تتشرب بعضه، ليستقر في جوفها، ويخزن تحت طبقاتها، لينتفع به الناس عند الحاجة إليه بحفر الآبار فيها ونبع العيون منها، وإنا على ذهاب بالماء الذي أنزلناه لقادرون، بأن نجعل الأرض تبتلعه فيغور فيها إِلى أماكن بعيدة لا تقدرون على استنباطه منها، كما قال سبحانه في آخر سورة الملك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. ويصح أن يكون المعنى: وإنا على عدم انتفاعكم بالماء لقادرون، بأن نحبس المطر عنكم أو نحول عذبه الفرات إلى ملح أجاج، أو نجفف أنهاركم وآباركم، ولكنا بلطفنا ورحمتنا نمدكم بالماء العذب من آن لآخر، ونحفظه لكم لتنتفعوا به عند حاجتكم. ١٩ - ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾: فأوجدنا لكم بسبب هذا الماء الذي أَسكناه في الأرض - أوجدنا لكم - بساتين ذات بهجة من نخيل وأَعناب، لكم في تلك البساتين فواكه كثيرة غير النخيل والأعناب، تتفكهون بها وتتنعمون بحلاوتها وجمالها ولذيذ مذاقها، ومن هذه البساتين تأْكلون وتتغذن بزروعها وثمارها التي تجمع بين التفكه والتغذى. ويصح أن يكون المراد من الأكل من تلك الجنات التعيش والارتزاق منها، ببيع ما زاد على طعامهم وفاكهتهم، ومنه قولهم: فلان يأكل من حرفته، أي: يتعيش منها. وأجاز بعض العلماء عود الضمير في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ على النخيل والأعناب، فثمراتها جامعة بين الفاكهة والغذاء. ٢٠ - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾: الطُّور في اللغة: اسم لكل جبل، وطور سيناء: هو الجبل الذي كلم الله موسى ﵇ عنده، هو واقع في إقليم سيناء التابع ل

стр. 3043

وجمهور العرب والقراء على فتح السين مع مد الهمزة، وقرئ بكسرها مع المد أيضًا - وهو لغة بنى كنانة، وفيه لغات وقراءات أخرى: كَطُورِ سينين، ونكتفى بما ذكرنا، والمراد بالشجرة التي تنبت منه الدهن: شجرة الزيتون، وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار التي تنبت هناك لما فيها من المنافع الجليلة، ولشهرة طور سيناء بإنباتها أكثر من اشتهاره بإنبات سواها عند العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وتخصيصها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سواه لتعظيمها، وقيل: لأنه هو المنشأُ الأصلى لها بعد الطوفان، والله أعلم بذلك القول. والمراد من نباتها بالدهن، نباتها ملتبسة به، حيث خلقها الله صالحة لإخراج ثمرها مشتملا على نسبة عالية من الزيت، والمراد من كونه صبغا للآكلين، أنه يغمس فيه الخبز ويصبغ به عند تناوله، كما كانوا يفعلون عندما نزل القرآن عليهم. ومعنى الآية: وأنشأنا لكم شجرة طيبة بما أنزلناه من السماء من ماء، وهذه الشجرة تخرج من أرض مباركة قريبة منكم يجلب لكم ثمارها، هي سفح طور سيناء الذي كلم الله تعالى موسى عنده، وتلك الشجرة تنبت وفيها خاصيةُ إخراج ثمرٍ يجمع بين نعمتين: (إحداهما) نعمة الدهن، وهو الزيت الذي تستعملونه في سراجكم وسائر أموركم التي تحتاج إليه. (وثانيتهما) أنه أدْمٌ تصبغون به الخبز عندما يتناوله الآكلون منكم. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾. المفردات: ﴿الْأَنْعَامِ﴾: تطلق على الإبل والبقر والغنم، أو كما قال صاحب المختار: هي المال الراعية، وأكثر ما يطلق: على الإبل. اهـ، وسيأتى في التفسير مزيد بيان عنها.

стр. 3044

﴿الْفُلْكِ﴾: الفلك السّفُن، وقد يطلق على الواحدة، وقد يُذَكر حينئذ، كما قال تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وقد يؤنث كما في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ قال صاحب المختار: كأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المَرْكب فتذكر، وإِلى السفينة فتؤنث. اهـ وهي تحتمل الإفراد والجمع، ومن إطلاقها على الجمع قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (١). ومن إطلاقها على المفرد قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون﴾ (٢). التفسير ٢١ - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ بين الله في الآيات السابقة نعمة وآياته في خلق الإنسان، وإنزال الماء من السحاب، وإنبات الحدائق والبساتين وأنواع النبات بما أنزله لهم من الماء، وخزنه لهم منه في جوف الأرض، وجاءت هذه الآية لتبين آياته ونعمه في الأنعام. والأنعام المذكورة هنا، إما أَن يراد بها أصنافها وهي الإبل والبقر والغنم، وإما أن يراد بها الإبل خاصة لقوله تعالى في الآية التالية: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وإرادة العموم هنا أولى، لأن العبرة والمنافع فيها ليست قاصرة على الإبل. والمعنى: وإِن لكم - أَيها الناس - لعظة عظيمة في أصناف الأنعام، نسقيكم مما في بطون إناثها من بين فرْثٍ ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ولكم فيها منافع كثيرة في أوبارها وأصوافها وأَشعارها وفي عظامها حيث تطحن وتكون ضمن طعام الداجنة، وفي غِرَائها الذي يلصق به، ومن لحومها تأكلون، ومنها تتعيشون وترتزقون، حيث تتجرون في أنواعها وأَجزائها وفضلاتها، وقد تقدم الكلام وافيًا على مثل تلك الآية في سورة النحل (٣). فارجع إليها إن شئت.

стр. 3045

٢٢ - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾: الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾ يرجع إِلى الأنعام، ونسبة الحمل فيها إلى جميعها - مع أن التي تحمل هي الإبل - بنسبة ما لبعضها إلى كلها مجازًا (١). وقرْن الإبل بالفلك في الحمل عليها لأَنها سفن البر كما أَن الفلك سفن البحر، وفي ذلك ما فيه من المبالغة في تحملها، وفي هذا المعنى يقول الشاعر ذو الرمة وصف ناقته: سفينة بَرٍّ تحْت خدِّي زمَامُها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾) المفردات: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: يريد أن يتعالى عليكم ويَفْضُلَكُمْ بادعاءِ الرسالة. ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾: به جنون، أو جنّ يخيلون له فيقول ما يقول. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا. التفسير ٢٣ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.

стр. 3046

شروع في بيان ما جناه الناس على أَنفسهم من ترك التبصر والاعتبار والادِّكار بنِعَم الله عليهم، أو بعقاب الله لهم على كفرهم برسله الذين يذكرونهم ويوجهونهم إلى معرفة ربهم بآياته ونعمه. وقدم الله قصة نوح مع قومه، لأَنه الأَب الثاني للبشرية بعد آدم، ولأنه مكث فيهم أَلف سنة إلَّا خمسين - عامًا يدعوهم، فلما لم يؤمنوا قطع الله دابرهم بالطوفان، فلهذا كانت قصته جديرة بتقديمها، وإيرادها عقب قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ للصلة القوية بين نوح والسفن فهو أَول من صنعها من البشر. والمعنى: ولقد بعثا نوحًا رسولًا منا إلى قومه، ومعه آيات ومعجزات تؤَيد رسالته فقال مستميلًا لهم إلى الحق: يا قومي اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به أحدًا. فإنه ليس لكم إله سواه، أَتشاهدون ذلك في آياته ولا تتقون عقابه وأَنتم به كافرون. ٢٤ - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾: يطلق لفظ الملإِ على السادة لأَنهم يملئون العين، كما يطلق على الجماعة مطلقًا (١)، والمراد هنا المعنى الأَول، ووصْفُهم بالذين كفروا من قومه ليس لتمييزهم عن فريق آخر منهم بل لذمِّهم بالكفر مع أَنهم من قومه، إِذ لم يؤمن أحد من أَشرافهم، حسبما يُفْصح عنه قولهم له: "مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا". والمعنى: فقال سادتهم الكافرون لِعوامِّهم تنفيرًا لهم من اتباعه: ما هذا الذي يدَّعى الرسالة عن الله إِلا بشر مماثل لكم في البشرية والأوصاف المختلفة، يريد بدعواه الرسالة أَن يسودكم ويتقدم عليكم، ولو شاء الله أن يرسل إِلينا رسولا لأرسله وأنزله من الملائكة ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إِليه من عبادة إله واحد - ما سمعنا بهذا - في آبائنا الذين مضوا قبلنا حتى نصدقه.

стр. 3047

وهم بهذا الذي قالوه، يرفضون رسالة البشر، ويرضون بربوببة الحجر، فلا عجب أن يمضوا في التنقير منه قائلين: ٢٥ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾: أِى: ما نوح إِلاَّ رجلٌ به جنون، أو يغشاه جن يلبسون الأمر عليه، ويخيلون له فيقول ما يقول، فانتظروا به واصبروا لعله يفيق مما أصابه فلا يعود لما يقوله، وهم بهذا ينقضون ما وصفوه به أَولًا من أنه رجل يريد الرياسة والفضل عليهم بدعواه الرسالة فيهم، وهذا يقتضي اعترافهم ضمنًا بأنه رجل عاقل وسياسي ماهر، فاتهامهم له بالجنون بعد ذلك يعتبر تخبطًا منهم في المقال عنه، وإِيغالًا في التنفير منه بدون وجه حق. ٢٦ - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾: قال نوح لربه بعد أَن يئس من إِيمانهم، حينما أخبره بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قال نوح بعد يأسه: رب انصرنى على قومى وأهلكهم بسبب تكذيبهم لي، انتقامًا منهم على تماديهم في الضلال، وإصرارهم على الكفر بعد تلك الدهور الطوال. ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾

стр. 3048

المفردات: ﴿الْفُلْكَ﴾: السفينه. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: المراد من أعينه تعالى؛ مزيد حفظه ورعايته فإنه منزه عن مشابهة الحوادث. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: التنور الكانون يخبز فيه، ويطلق عليه الْفُرْنُ أَيضًا، والمراد من فورانه: نبع الماء منه، ويطلق التنور أيضًا على كل مَفْجَرِ ماءِ (١). ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾: فأدخل فيها. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي من كل صنف فردين متزاوجين ليكونا بذلك التزاوج اثنين. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾: صَعِدت. ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: مكانًا كثير الخير. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (٢): وإن كنا لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم. التفسير ٢٧ - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا … ﴾ الآية. أي: أجبنا دعاء نوح على قومه، فأوحينا إليه على لسان جبريل، قائلين له: اصنع السفينة التي سوف نُنجِّيك مع المؤمنين بركوبها، اصنعها تحت رعايتنا وحفظنا وإِرشادنا لك بالوحى عن طريقة صنعها حتى تسلم من الخطإ ومن عدوان قومك عليك وأنت تصنعها. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾: فإذا جاء موعد أمرنا بشأنهم، وحان وقت عقابهم على كفرهم، بعد تمام صنع السفينة، وفار الماءُ من الفرن، أمارة لك على مجئ أمرنا وعقابنا لقومك، فأدخل في السفينة من كل نوع يتوالد زوجين اثنيين ذكرا وأنثى، وأدخل فيها نساءك وأولادك فهم أهلك، إلّا من سبق عليه قولنا وقضاؤنا أزلًا بإهلاكه منهم، وهم ابنك وزوجتك الكافران، ولا تسألنى نجاة أحد من أولئك الكافرين، ولا تشفع في هؤلاء الظالمين، فإنهم مُغرقون بالطوفان جميعًا جزاء كفرهم وظلمهم. ويصح أن يكون المراد من أهله: المؤمنون من أمته، واستثناء ما سبق عليه القول منهم يُعَبَّرُ عنه فنِّيًّا بالاستثاء المنقطع، لأَن من سبق عليه القول بالإهلاك ليس من المؤمنيين.

стр. 3049

والأول هو الظاهر، وأما حمله من آمن معه في السفينة من غير أهله فإنه وإن لم يذكر في هذه الآية، فقد صُرِّح به في سورة هود في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ (١) والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فما ترك ذكره في آية يعرف أَنه مراد فيها من آية أخرى ذكر فيها. وتأخير الأمر بحمل أهله في السفينة عن الأَمر بحمل الأزواج وإدخالهم السفينة، لأن إدخال هذه الأَزواج يحتاج إلى معاونة أَهله قبل أَن يصعدوا إلى السفينة، ولأن موضوع إدخال الأهل يتصل به استثناءُ من استثنى منهم وغيره، فتقديم الأَمر بإدخالهم على إدخال الأزواج يخل بتجاوب النظم الكريم. ٢٨ - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾: فإذا ركبت السفينة وعلوتها أنت ومن معك من المؤمنين ونجوتهم بذلك من ظلم قومكم الظالمين، ومن عقابهم بالطوفان على ظلمهم وكفرهم - إذا حدث ذلك - فقل: الحمد لله الذي نجانا بفضله - من ظلم الظالمين وعاقبته. وتوجيه الأمر إلى نوح بالحمد على النجاة من الظالمين، دون إشراك من نجا معه من المؤمنين في ذلك، لأَنه إمامهم، فأَمره بحمد الله أمر لهم بمثله، ولأنه هو الذي دعا ربه أن ينصرة على قومه بسبب تكذيبهم إياه، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن معه من المؤمنين، وأغرق مكذبيه بالطوفان، فلهذا طلب منه ربه أن يحمده على إِجابة دعائه في قومه المكذبين، وتكريمه والمؤمنين بالنجاة من ظلمهم. ٢٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾: أي: وقل يارب أَنزلنى من السفينة مكانا ومنزلًا كثير الخيرات ولمن معى من المؤمنين بعد انتهاء الطوفان، وخراب الدنيا، لكي نستطيع العيش فيه نحن وذرياتنا، أنت يا رب خير من ينزل الضيفان، ويكرم المحتاجين واللاجئين.

стр. 3050

٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾: إن في ما فعله الله بنوح وقومه لعلامات واضحات على نجاة المتقين، وسوءِ مصير الظالمين، ولو بعد حين، يهتدي بها أصحاب البصائر المستنيرة ويعتبر بها أولو العقول الوضيئة، وإن الحال والشأن في قصتهم، هو أننا كنا مبتلين قوم نوح ببلاءٍ عظيم وعقاب شنيع. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: أَي ذوِي قرن آخرين، وهم عاد، وقيل: هم ثمود، والأول أَصح. ﴿الْمَلَأُ﴾: الأشراف. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُم﴾: أي نعمناهم ووسعنا عليهم. التفسير ٣١ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: بعد أن حكى الله قصة قوم نوح وعاقبتهم لما كفروا بربهم وعصوا رسوله، جاءت هذه الآية وما بعدها لحكاية قصة قوم آخرين جاءوا بعدهم، ففعلوا فعلهم، فأهلكوا جميعًا عقابا لهم.
следующие страницы →