شروع في بيان ما جناه الناس على أَنفسهم من ترك التبصر والاعتبار والادِّكار بنِعَم الله عليهم، أو بعقاب الله لهم على كفرهم برسله الذين يذكرونهم ويوجهونهم إلى معرفة ربهم بآياته ونعمه.
وقدم الله قصة نوح مع قومه، لأَنه الأَب الثاني للبشرية بعد آدم، ولأنه مكث فيهم أَلف سنة إلَّا خمسين - عامًا يدعوهم، فلما لم يؤمنوا قطع الله دابرهم بالطوفان، فلهذا كانت قصته جديرة بتقديمها، وإيرادها عقب قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ للصلة القوية بين نوح والسفن فهو أَول من صنعها من البشر.
والمعنى: ولقد بعثا نوحًا رسولًا منا إلى قومه، ومعه آيات ومعجزات تؤَيد رسالته فقال مستميلًا لهم إلى الحق: يا قومي اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به أحدًا. فإنه ليس لكم إله سواه، أَتشاهدون ذلك في آياته ولا تتقون عقابه وأَنتم به كافرون.
٢٤ - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾:
يطلق لفظ الملإِ على السادة لأَنهم يملئون العين، كما يطلق على الجماعة مطلقًا (١)، والمراد هنا المعنى الأَول، ووصْفُهم بالذين كفروا من قومه ليس لتمييزهم عن فريق آخر منهم بل لذمِّهم بالكفر مع أَنهم من قومه، إِذ لم يؤمن أحد من أَشرافهم، حسبما يُفْصح عنه قولهم له: "مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا".
والمعنى: فقال سادتهم الكافرون لِعوامِّهم تنفيرًا لهم من اتباعه: ما هذا الذي يدَّعى الرسالة عن الله إِلا بشر مماثل لكم في البشرية والأوصاف المختلفة، يريد بدعواه الرسالة أَن يسودكم ويتقدم عليكم، ولو شاء الله أن يرسل إِلينا رسولا لأرسله وأنزله من الملائكة ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إِليه من عبادة إله واحد - ما سمعنا بهذا - في آبائنا الذين مضوا قبلنا حتى نصدقه.
стр. 3047
وهم بهذا الذي قالوه، يرفضون رسالة البشر، ويرضون بربوببة الحجر، فلا عجب أن يمضوا في التنقير منه قائلين:
٢٥ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾:
أِى: ما نوح إِلاَّ رجلٌ به جنون، أو يغشاه جن يلبسون الأمر عليه، ويخيلون له فيقول ما يقول، فانتظروا به واصبروا لعله يفيق مما أصابه فلا يعود لما يقوله، وهم بهذا ينقضون ما وصفوه به أَولًا من أنه رجل يريد الرياسة والفضل عليهم بدعواه الرسالة فيهم، وهذا يقتضي اعترافهم ضمنًا بأنه رجل عاقل وسياسي ماهر، فاتهامهم له بالجنون بعد ذلك يعتبر تخبطًا منهم في المقال عنه، وإِيغالًا في التنفير منه بدون وجه حق.
٢٦ - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾:
قال نوح لربه بعد أَن يئس من إِيمانهم، حينما أخبره بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قال نوح بعد يأسه: رب انصرنى على قومى وأهلكهم بسبب تكذيبهم لي، انتقامًا منهم على تماديهم في الضلال، وإصرارهم على الكفر بعد تلك الدهور الطوال.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾
стр. 3048
المفردات:
﴿الْفُلْكَ﴾: السفينه. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: المراد من أعينه تعالى؛ مزيد حفظه ورعايته فإنه منزه عن مشابهة الحوادث. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: التنور الكانون يخبز فيه، ويطلق عليه الْفُرْنُ أَيضًا، والمراد من فورانه: نبع الماء منه، ويطلق التنور أيضًا على كل مَفْجَرِ ماءِ (١).
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾: فأدخل فيها. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: أي من كل صنف فردين متزاوجين ليكونا بذلك التزاوج اثنين. ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾: صَعِدت.
﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: مكانًا كثير الخير.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (٢): وإن كنا لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم.
التفسير
٢٧ - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا … ﴾ الآية.
أي: أجبنا دعاء نوح على قومه، فأوحينا إليه على لسان جبريل، قائلين له: اصنع السفينة التي سوف نُنجِّيك مع المؤمنين بركوبها، اصنعها تحت رعايتنا وحفظنا وإِرشادنا لك بالوحى عن طريقة صنعها حتى تسلم من الخطإ ومن عدوان قومك عليك وأنت تصنعها.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾:
فإذا جاء موعد أمرنا بشأنهم، وحان وقت عقابهم على كفرهم، بعد تمام صنع السفينة، وفار الماءُ من الفرن، أمارة لك على مجئ أمرنا وعقابنا لقومك، فأدخل في السفينة من كل نوع يتوالد زوجين اثنيين ذكرا وأنثى، وأدخل فيها نساءك وأولادك فهم أهلك، إلّا من سبق عليه قولنا وقضاؤنا أزلًا بإهلاكه منهم، وهم ابنك وزوجتك الكافران، ولا تسألنى نجاة أحد من أولئك الكافرين، ولا تشفع في هؤلاء الظالمين، فإنهم مُغرقون بالطوفان جميعًا جزاء كفرهم وظلمهم.
ويصح أن يكون المراد من أهله: المؤمنون من أمته، واستثناء ما سبق عليه القول منهم يُعَبَّرُ عنه فنِّيًّا بالاستثاء المنقطع، لأَن من سبق عليه القول بالإهلاك ليس من المؤمنيين.
стр. 3049
والأول هو الظاهر، وأما حمله من آمن معه في السفينة من غير أهله فإنه وإن لم يذكر في هذه الآية، فقد صُرِّح به في سورة هود في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ (١) والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فما ترك ذكره في آية يعرف أَنه مراد فيها من آية أخرى ذكر فيها.
وتأخير الأمر بحمل أهله في السفينة عن الأَمر بحمل الأزواج وإدخالهم السفينة، لأن إدخال هذه الأَزواج يحتاج إلى معاونة أَهله قبل أَن يصعدوا إلى السفينة، ولأن موضوع إدخال الأهل يتصل به استثناءُ من استثنى منهم وغيره، فتقديم الأَمر بإدخالهم على إدخال الأزواج يخل بتجاوب النظم الكريم.
٢٨ - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾:
فإذا ركبت السفينة وعلوتها أنت ومن معك من المؤمنين ونجوتهم بذلك من ظلم قومكم الظالمين، ومن عقابهم بالطوفان على ظلمهم وكفرهم - إذا حدث ذلك - فقل: الحمد لله الذي نجانا بفضله - من ظلم الظالمين وعاقبته.
وتوجيه الأمر إلى نوح بالحمد على النجاة من الظالمين، دون إشراك من نجا معه من المؤمنين في ذلك، لأَنه إمامهم، فأَمره بحمد الله أمر لهم بمثله، ولأنه هو الذي دعا ربه أن ينصرة على قومه بسبب تكذيبهم إياه، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن معه من المؤمنين، وأغرق مكذبيه بالطوفان، فلهذا طلب منه ربه أن يحمده على إِجابة دعائه في قومه المكذبين، وتكريمه والمؤمنين بالنجاة من ظلمهم.
٢٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾:
أي: وقل يارب أَنزلنى من السفينة مكانا ومنزلًا كثير الخيرات ولمن معى من المؤمنين بعد انتهاء الطوفان، وخراب الدنيا، لكي نستطيع العيش فيه نحن وذرياتنا، أنت يا رب خير من ينزل الضيفان، ويكرم المحتاجين واللاجئين.
стр. 3050
٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾:
إن في ما فعله الله بنوح وقومه لعلامات واضحات على نجاة المتقين، وسوءِ مصير الظالمين، ولو بعد حين، يهتدي بها أصحاب البصائر المستنيرة ويعتبر بها أولو العقول الوضيئة، وإن الحال والشأن في قصتهم، هو أننا كنا مبتلين قوم نوح ببلاءٍ عظيم وعقاب شنيع.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: أَي ذوِي قرن آخرين، وهم عاد، وقيل: هم ثمود، والأول أَصح.
﴿الْمَلَأُ﴾: الأشراف. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُم﴾: أي نعمناهم ووسعنا عليهم.
التفسير
٣١ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾:
بعد أن حكى الله قصة قوم نوح وعاقبتهم لما كفروا بربهم وعصوا رسوله، جاءت هذه الآية وما بعدها لحكاية قصة قوم آخرين جاءوا بعدهم، ففعلوا فعلهم، فأهلكوا جميعًا عقابا لهم.
стр. 3051
وهؤلاء القوم هم عاد قوم هود، فإنهم هم الذين خلفوا قوم نوح وجاءُوا بعدهم، كما عرف من الترتيب القرآني لقصص الأمم وأنبيائهم، فقد جاءت قصتهم بعد قوم نوح في سورة الأعراف وهودٍ وغيرهما، ولهذا قال لهم رسولهم هود: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ واختار هذا الرأى ابن عباس، وإليه ذهب أكثر المفسرين.
وقيل: هم ثمود قوم صالح، لأنهم هم الذين جاءَ ذكرهم في القران بأنهم أهلكوا بالصيحة، وهؤلاء الذين جاءُوا هنا بعد نوح أُهلكوا بالصيحة، كما سيجئُ بآخر قصتهم في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ (١).
وقد يكونون أُمة أخرى غيرهما، ولهذا لم يصرح باسمها ولا باسم رسولها.
والمعنى: ثم أَنشأْنا من بعد إهلاك قوم نوح بالطوفان لكفرهم - أنشأنا - قوما آخرين في زمان غير زمانهم.
٣٢ - ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ (٢) اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾:
فأرسلنا في أهل هذا القرن رسولًا من بينهم، قائلين لهم على لسانه: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به أحدا في العبادة، فإنه ليس لكم من إِله سواه حتى تشركوه معه في العبادة، أتعبدون معه غيره، فلا تتقون عقابه، ولا تخشون عذابه.
٣٣ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣) وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾:
وقال أَشراف قومه الذين بالغوا في كفرهم وتكذيبهم بلقاه الآخرة ونعمناهم ووسعنا عليهم في الحياة الدنيا - قالوا لمن دونهم من قومهم مُنَفِّرين من اتباعه -: ما هذا الذي يدعى الرسالة فيكم إِلَّا بشر مماثل لكم، فهو يأْكل مما تأْكلون منه، ويشرب مما تشربون فليست له ميزة فيكم، حتى يدعى أنه رسول الله إليكم، ثم بالغوا في التنفير من اتباعه فقالوا:
стр. 3052
٣٤ - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (١):
ونقسم لئن أطعتم بشرًا مماثلًا لكم في بشريتكم، واتبعتموه فما يدعوكم إليه، إنكم حينئذ لخاسرون باتباعه، ثم استأنفوا مقرِّرين ما زعموه فقالوا مستنكرين مستبعدين:
٣٥ - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ (٢) مُخْرَجُونَ﴾:
أيعدكم هذا الذي يدعى الرسالة وهو من البشر - أيعدكم - أَنكم إذا هلكتم، وتحولت أجسادكم إلى تراب وعظام نخرة، أنكم مخرجون من قبوركم أحياءً كما كنتم في دنياكم.
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾
المفردات:
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾: هيهات؛ اسم فعل ماض بمعنى بَعُدَ، واقع موقعه، والتكرار للتأكيد، ولا تقع غالبًا إلا مكررة، وفاعلها ضمير، أَي: بَعُدَ التصديق، أو الوقوع.
﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾: اللام لبيان ما استبعدوه وهو البعث الذي وعدهم به رسولهم.
﴿إِنْ هِيَ﴾: أَي ما هي، فـ (إنْ) هنا للنفى.
﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: أي يموت بعضنا، ويولد بعض آخر.
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: اختلق على الله كذبًا بادعائه النبوة.
стр. 3053
التفسير
٣٦ - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾:
هذه الآية وما بعدها تكملة لحكاية ما تحدث به كبراءُ الكافرين من القوم الآخرين (١) مع عامتهم، من إنكارهم البعث؛ لِصدِّهم عن تصديق رسولهم فيما وعدهم به، مستبعدين أَن تكون لهم حياة بعد أن يموتوا، وتتحلل أَجسادهم، فيصبح المتقدم منهم موتًا ترابًا اختلط بتراب الأرض، وامتزج بثراها، وصار جزءًا من أَجزائِها، لا يتميز عنها،، ويصبح المتأخر منهم في الموت عظامًا نَخِرَةً مجردة من اللحوم والأعصاب، كما يشير إِلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ (٢).
وقوله سبحانه: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ بيان للمستبعد، كأَنه قيل: لأى شيء هذا الاستبعاد الذي يستبعدونه؟ فقيل: إنه لما يوعَدون من وقوع البعث.
والمقصود من الآية أَن هؤلاء القوم يستبعدون البعث بعد الموت استبعادًا مؤكدًا لا يترددون فيه، ولهذا أَتبعوه بما حكاه الله بقوله:
٣٧ - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾:
أي: لا حياة لنا إِلا حياتنا الدنيا التي نحياها، وليس بعدها حياة أخرى بالبعث بعد الموت، كما يعدنا من يدعى أَنه رسولنا - فنحن في حياتنا هذه (نَمُوتُ ونَحْيَا) فيموت بعضنا، ويولد بعض آخر، وينقرض قرن فيأْتى قرنٌ .. إلى آخر الزمان، فالحياة التي عَنَوْها بعد الموت هي حياة جيل جديد بعد موت الذي قبله، ولذا عقبوه بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: أَي وما نحن بمبعوثين من قبورنا أحياء بعد الموت، فكيف نصدقه في دعواه؟ ثم أَوغلوا في تكذيبه والتشنيع عليه، فقالوا:
٣٨ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
أي: ما هو إلا رجل اختلق على الله كذبًا فيما جاءكم به عنه سبحانه، من الرسالة والإخبار بالمعاد والبعث بعد الموت ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أَي لا يقع قوله منا موقع القبول والتصديق بما يدَّعيه ويعِدُ به.
стр. 3054
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
المفردات:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: الصيحة؛ العقوبة الهائلة، أَو الصوت المفزع الذي أَهلكهم الله به.
﴿بِالْحَقِّ﴾: بالعدل. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾: أَي هَلْكَى هامدين يشبهون غثاءَ السَّيْل، وهو الرميم الذي يحمله من كل يابس بَالٍ مخالطًا لزَبَدِه.
﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي هلاكًا لهم، وفعله: كقَرُبَ، وَفَرِح.
التفسير
٣٩ - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾:
أي: قال رسول أَهل هذا القرن الآخرين - عند يأْسه من إيمانهم بعد أَن أَفرغ الجَهد في تبليغهم رسالة ربه، وسلك معهم إلى ذلك كل مسلك، قال متضرعًا إلى الله متوجهًا إِليه: يا ربي انصرنى على قومى، فأنزل سخطك بهم، وانتقامك منهم بسبب تكذيبهم إياى، وإصرارهم عليه في عتو وكبرياء، فاستجاب الله دعاءَه، كما حكاه الله بقوله سبحانه:
٤٠ - ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾:
أَي: قال الله تعالى لرسولهم: بعد زمان قليل تالله ليصيرن نادمين حين ننزل بهم العذاب الذي يأْخذهم ويستأْصلهم عن آخرهم.
٤١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
أي: صاح بهم جبريل ﵇ صيحة مقترنة بالعدل الإِلهى، تنفيذًا لوعده الصادق الذي وعده الله رسرلهم ﵇ مَطْويًّا في قوله سبحانه: ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
стр. 3055
وقد عرفت مما تقدم أن أصحاب القرن الآخرين إمَّا عاد قوم هود، فهؤلاء أهلكوا بصيحة الريح العقيم، وإما ثمود قوم صالح فهؤلاء أهلكوا بصيحة جبريل أَو الصاعقة وإمَّا قوم آخرون لهؤلاء أهْلِكُوا بصيحة أخرى يعلمها الله تعالى.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾: أي هلكى هامدين لا نفع فيهم ولا غناء، يشبهون غثاء السيل، وهو ما يحمله مما بَلِىَ واسودَّ من ورق الشجر وغيره مخالطًا زبده. ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: لفظ: ﴿بُعْدًا﴾ قد يراد به الدعاء، أي: فهلاكًا لهم، بمعنى: أَهلِكْهم يا الله إهلاكا، وقد يراد به: الإخبار، بمعنى: فبعُد بُعْدًا من رحمة الله القريبة من المحسنين - بعدوا بهلاكهم - من كل خير، أو من النجاة. واللام في قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ لبيان من قيل له: بُعْدًا، والتعبير بقوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بدلًا من أَن يقال: فبعْدًا لهم إيذان بأن إِبعادهم علته وسببه ظلمهم لأنفسهم؛ بتكذيب رسولهم وعدم الاستجابة لدعوته.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾: أَي أمَمًا خلفت الأمم السابقة. ﴿رُسُلَنَا تَتْرَى﴾: أي متواترين وترا بعد وتر، والوتْرُ: الفرد. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: أي أخبارًا يتحدث بها الناس تلهيًا وتعجبًا، وهو جمع أُحدوثة.
стр. 3056
التفسير
٤٢ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾:
أي: أوجدنا بعد هلاك أمة القرن السابق أمَمًا وخلائق أخرى، ويراد بها عند أكثر المفسرين: أقوام صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
٤٣ - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾:
أي: ما تسبق أمة من الأُمم الكافرة التي أهلكها الله - ما تسبق - الوقت المقدر لهلاكها أزلًا، وما تتأخر عنه، فهلاكها مرهون بوقته لا يسبقه ولا يتأَخر عنه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ (١). وضمير الجمع في قوله سبحانه: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عائد على (أمة) باعتبار المعنى، إذ المراد بها: الأَفراد المجتمعون.
٤٤ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ … ﴾ الآية.
أي: ثم أرسلنا رسلنا متتابعين، يتبع بعضهم بعضًا إلى الأمم التي جاءَت بعد هلاك من سبقوهم، فقد أَرسلنا إلى كل أمة رسولا منهم خاصًا بهم.
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ استئناف مبين لما قابلت به كل أمة منهم رسولها من تكذيبهم إياه حين لقائه، مع أنه واحد منهم، عرفوه بالصدق، وصدقه الله بالمعجزة التي أظهرها الله على يديه.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾: أي جعلنا الأمم في الهلاك يتبع بعضهم بعضًا، بمباشرتهم الأسباب الداعية إليه من الكفر والتكذيب، واقتراف المعاصي.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: بعد أَن أهلكوا حيث لم يبق بعدهم إلا أخبار وأَحاديث، يتحدث بها الناس، تَلَهِّيًا بها، وتعجبًا مما نزل بهم من تدمير وإبادة، وهذه الجملة إِنما تقال في الشر، ولا تقال في الخير، كما يقال: صار فلان حديثًا، أَي: عبرة، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ (٢).
стр. 3057
﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: فهلاكًا لهم لإعراضهم عن الإِيمان برسلهم، وظلمهم أَنفسهم بكفرهم.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾
المفردات:
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: وبرهان واضح له سلطان على القلوب. ﴿قَوْمًا عَالِينَ﴾: متجبرين متكبرين، يقال: عَلَا، يعلو، عُلُوّا: تَجَبَّر وَتَكَبَّر. ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾: يطلق على الواحد مثل: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وعلى الجمع مثل ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾.
﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾: منقادون خاضعون، وكل من دان لملك فهو عند العرب عابد له أَي: خاضع ذليل. ﴿فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ أَي: المغرقين، من أَهلكته فهو مهلك.
﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة.
التفسير
٤٥ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)﴾:
يخبر الله تعالى أنه بعث رسوله موسى وأَخاهُ هرون - عليهماالسلام - بآياته وهي تسع: اليد، والعصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، نقل ذلك ابن كثير، وقال: وهذا القول ظاهر جَلِيٌّ، حسن قوى. اهـ
стр. 3058
وقيل: هي العصا، واليد، والسنون، والطمس (١)، والطوفان، والجراد، والقُمَّلُ والضفادع، والدم، أما فاق البحر الذي عدَّه بعضهم منها، فلا مساغ لعدِّه؛ لأنه ﵇ لم يبعث به إِلى فرعون وقومه، وإنما كان بعثه بالآيات التي كذبوها، واستكبروا عنها، وهم لم يستطيعوا تكذيبه، حيث أهلكوا فيه.
وعن الحسن: المراد من الآيات التكاليف الدينية التي أُمروا بها، ومن السلطان: كل معجز أَتَيَا به. اهـ، ويمكن أَن يراد بالسلطان: تسلط موسى في المحاورة، ووضوح الدلالة على الصانع - جل وعلا - والقوة والإِقدام.
٤٦ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾:
أَي: أَرسلناهما إلى فرعون وأَشراف قومه لغايتين: إحداهما: دعوتهم إِلى الإِيمان، والثانية: إطلاق سراح بني إسرائيل من الأَسر، فلم يكن إِطلاقهم من الأسر هو المقصود وحده من إرسالهما بدليل ما صُرِّح به في سورة النازعات، في قوله سبحانه: " ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾.
وخُصَّ الملأُ - أَي الأَشراف - بالذكر، لأَن إِطلاق سراح بنى إِسرائيل: وكف الأَذى عنهم، مما أُرْسِلا لأَجله، وذلك منوط بآراء الأَشراف من قوم فرعون، وبموافقتهم، فضلا عن أَنهم قدوة لغيرهم يقتدون بهم في الامتثال والاستجابة لما دعوا إليه.
ويجوز أن يراد بالملإِ: قومه جميعا، فقد ورد استعماله لغة بمعنى: الجماعة مطلقا.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ أَي: فتمردوا مستكبرين، وأَعرضوا عما دعوا إِليه، وكان فرعون وشيعته قوما متكبرين قاهرين لغيرهم بالظلم والطغيان، والمراد: أّن تلك عادتهم، وما فُطروا عليه.
٤٧ - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.
الهمزة لإنكار، أَي: أَن فرعون وقومه أَنكروا على موسى وهرون دعوتهما إلى الإِيمان لكونهما بشرين، شأْنهم في ذلك شأْن الأُمم السابقة التي أنكرت بعثة الرسل من البشر،
стр. 3059
وقد دعاهم إلى هذا الإنكار، قياس حال الأنبياء ﵈ على أَحوالهم، بناء على جهلهم بتفاضل شئون الحقيقة البشرية، وتباين طبقات أفرادها بحيث يكون بعضهم في أَعلى علِّيِّين، وبعضهم في أسفل سافلين، ومن العجيب أنهم لم يرضوا بالنبوة للبشر، وقد رضى أَكثرهم بالأُلوهية للحجر، فقاتلهم الله، ما أجهلهم!
﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ (١) أي: خاضعون منقادون، يعملون في خدمتنا، ويطيعون أَوامرنا كالعبيد، أَرادوا بذلك الحطَّ من قدرهما، والاستهانة بهما، وقصور رتبتهما عن الأهلية للرسالة من وجه آخر غير البشرية، بناء على زعمهم الفاسد في قياس الرياسة الدينية على الرياسات الدنيوية المؤسسة على حظوظ الحياة الفانية من المال والجاه، وجهلهم بأَن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العَلِيَّة، والملكات السنية، جبِلَّةً، لا اكتسابا.
٤٨ - ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾:
أي: فاستمروا على تكذيبهما، وأَصروا عليه، فأهلكهم الله بإغراقهم جميعا في بحر القلزم (البحر الأحمر) أهلكهم جزاءَ تكذيبهم.
٤٩ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون﴾.
يخبر سبحانه إِخبارا مؤكدا بأَنه آتى موسى ﵇ التوراة فيها آحكامه وأوامره ونواهيه، وقد كان ذلك بعد إهلاك فرعون وقومه، وإنجاء بنى إسرائيل.
والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة، لعل من أرسل إليهم من قوم فرعون وبنى إِسرائيل - لعلهم - يهدون بها إلى الحق المبين، وخص موسى بالذكر هنا دون هرون؛ لأَن التوراة أنزلت على موسى في الطور، أما هرون فهو وزيره ومُعينه في دعوته، أو روعى الاقتصار على موسى لأنه الأصل في الأنباء، وذلك لا يمنع من إِرادة هرون معه، فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ (٢).
стр. 3060
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿آيَةً﴾: دلالة بينة على كمال قدرته تعالى. ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ أَي: أنزلناهما إلى مكان مرتفع منبسط، يقال: آويته إلي منزلي: أَنزلته فيه، وأَويت إلى منزلى: نزلت فيه، والربوة - بضم الراء، والفتح -: لغة بنى تميم، والجمع: رُبًى.
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ أَي: يستقر فيها المقيم. ﴿وَمَعِينٍ﴾ أي: ماء جارٍ ظاهر للعيون، من عَانَهُ، إذا أَدركه بعينه، وأَصله: مَعْيُون، فدخله الإعلال، أَو من مَعَنَ الماءُ: إذا جرى. فوزنه. فَعِيلٌ.
التفسير
٥٠ - ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ..... ﴾ الآية.
أي: جعلنا عيسى بن مريم وأمه دلالة قاطعة على كمال قدرتنا البالغة، حيث حملت به من غير أَن يمسَّها بشر.
والتعبير عن عيسى ﵇ بأنه ابن مريم، وعنها بأنها أمه، للإيذان من أَول الأمر بحيثية كونهما آية، فإن نسبته ﵇ إِليها، مع أن النسب إِلى الآباء، تؤذن بأنه لا أَبَ له، وذلك هو آية القدرة العظيمة في إيجاد عيسى ﵇ وتقديمه عليها في الذكر؛ لأصالته فيما ذكر من كونهما آية.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ أَي: وأنزلناهما في ربوة، وهي المكان المرتفع المنبسط، قيل: هي إيلياءُ من أرض بيت المقدس، وقيل: هي الرملة من فلسطين، وقيل: دمشق، وقيل: مصر.
стр. 3061
﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾: أي يستقر المقيم فيها لطيب هوائها، ونقاء تربتها، وقيل: لأَنها ذات زروع وثمار، تُيسِّر الاستقرار لساكنها، وترغبهم فيه.
ولما كان الماء أَصل الحياة وسبيل بقائها، شاءَ الله أَن يكرمهما بالإيواء إلى ربوة ذات ماءٍ ظاهر جار تراه العيون وتتبينه واضحًا، حتى يكون جامعا لفنون المنافع: من الشرب منه، وسقْى ما يُسقى من الحيوان والنبات من غير مشقة، مع ما في ذلك من الاستمتاع بمنظره المونق، والاستقرار في الربوة التي هو فيها.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾
المفردات:
﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: وهي ما لذَّ وطاب من الطعام، وما حَلَّ منه، يقال: طاب الشيءُ، يَطيب طيبا وطيبة، فهو طيِّب.
التفسير
٥١ - ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا … ﴾ الآية.
المراد بندائهم وخطابهم جميعا: الإِعلام بأَن كل رسول نودى بذلك في زمنه، وَوُصِّيَ به، ليعلم السامعون أَن أمرا أعْلِمَ به جميع الرسل، وطُلب منهم، وهو الأَكل من الطيبات لِيعلموا أَن أَمرا كذلك - حقيق أَن يتلقوه بالقبول والامتثال.
والمراد بالطيبات، إمَّا ما تستلذه النفس وتطيب به من مباحات المأْكل، حسبما ينبئُ عنه سياق النظم الكريم، وحينئذ يكون الأَمر للإباحة، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات، وإما أن يراد بها ما حلَّ منها، فيكون الأَمر للوجوب.
стр. 3062
وفي الآية إشارة إِلى أَن الله تعالى سوى بين النبيين وأَتباعهم في تناول الطيبات بمعنييها، ثم عقب ذللك بقوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ مبالغة في وجوب امتثال ما أُمِرُوا به من أَكل الحلال الذي دُعيَ إِليه الرسل والأَنبياءُ، وحُذِّروا من تركه، وكذلك جميع أممهم تبعا لهم.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: موافقا لما شرع لكم. وقيل: حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إِيوائهما إِلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رُزقا من كل طيب، فكأَنه قيل: وآويناهما، وقلنا لهما: هذا - أَي: أَعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكُلَا مما رزقناكما، واعملا صالحًا اقتداءً بالرسل، وعلى هذا فالمراد من الجمع في قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ما فوق الواحد.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: لا تخفى عليَّ خافية مما تعملون من الأَعمال الظاهرة والأعمال الباطنة فأجازيكم عليه.
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾
المفردات:
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: الأُمة هنا هي: الدين. ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾: أَي فقطعوا أَمر دينهم بينهم قطعًا، فاتخذوا أَديانًا مختلفة، زُبُر: جمع زبور، مثل رُسُل: جمع رسول، وجمع زُبْرة أَيضًا - بضم فسكون - والأَول بمعنى كتاب، من زبر بمعنى كتب، أَما الزَّبْرة فبمعنى القطعة.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: الحِزْبُ: جند للرجل وأَصحابه الذين على رأيه، والطائفة وجماعة الناس.
стр. 3063
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: الغمرة الانهماك في الباطل، والجمع: غَمَرات، مثل: سجدة وسجَدات:
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى الوقت المعين لعذابهم.
التفسير
٥٢ - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾:
الإشارة في قوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ إلى ما تقدم في السورة من العقائد والأحكام، ومنها الأكل من الطيبات وعمل الصالحات، والأمة بمعنى المِلَّة، أَي: وإن هذه العقائد وأصول الأحكام ملتكم أَيها الرسل ملة واحدة، لا تتغير ولا تتبدل، بتبدل الأزمنة والأعصار، أما الفروع فإنها تختلف، لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١).
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾: بدون شريك لى في الربوبية. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ أي: فخافوا عذاب على مخالفة أَمرى، وإخلالكم بواجب طاعتي، مع علمكم باختصاص الربوبية بي للرسل وللأمم جميعًا. والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ لترتيب وجوب تقوى الله على ما قبله من الاتحاد في الدين، واختصاص الربوبية به تعالى؛ فإن كِلَا الأمرين موجب لاتقائه حتمًا.
٥٣ - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾:
حكاية لما وقع من أمم الرسل، أَي: أنهم قطعوا أمر دينهم فجعلوه زُبُرًا، أي: قطعًا متعددة، وفرقوه فرقا مختلفة، كل جماعة تنتحل نحلة مخالفة للحق، بعد ما أُمروا بالاجتماع والاتحاد على ملة واحدة تجمع العقائد وأصول الأحكام.
وزُبُرًا - على هذا - جمع زُبْرة، وهي: القطعة، ويؤيد هذا قراءَة (زُبَرًا) بفتح الباء جمع زُبْرة، كغُرفة، وهي القطعة، فتلخص من هذا أَن زُبرَة تجمع على زبر بضم الباء وفتحها.
ويجوز أن يكون المعنى: أن أَتباع الأنبياء فرقوا دينهم بعد أنبيائهم، فآمنوا ببعض ما أُنزل عليهم، وكفروا بما سواه، اتباعا لأهوائهم، أَو أَنهم وضعوا كتبًا وألفوها ونسبوا تلك الضلالات إِلى الله - كما قاله ابن زيد - وعلى هذا يكون زُبُرًا جمع زبور بمعنى كتاب.
стр. 3064
وقيل: أنهم فرقوا بين الكتب المنزلة، فأخذ كل منهم كتابًا آمنَ به، وكفر بما سواه.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: والمعنى كل فريق من هؤلاه المتحزبين الذين قطعوا دينهم فرحون بما عندهم من الدين الذي اختاروه وركنوا إليه؛ لاعتقادهم أنهم على الحق.
وبعد أن عرض القران الكريم على أسماع قريش أن جميع الديانات السماوية مجمعة على عقيدة واحدة هي التوحيد، وأن الله تعالى هو رب الجميع وأن أصول الشرائع واحدة - بعد هذا - أَمر سبحانه رسوله أن يتجاوز إلى أمدٍ عن غفلتهم وإهمالهم لهذه الحقائق، فقال تعالى:
٥٤ - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾:
والمعنى: فاترك - أيها النبي - هؤلاء على حالهم من الغفلة والضلال الذي لا ضلال بعده، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فقد بلَّغت الرسالة التي أمرت بتبليغها حق الأداء ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١).
والفاءُ في قوله سبحانه: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ لترتيب الأمر بالترك عل ما قبله من كونهم فرحين بما لديهم من الدين الذي اختاروه، أي: اتركهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ وهو حين قتلهم في يوم بدر، على ما روى عن مقاتل، أَو حين موتهم عل الكفر، وعذابهم في الآخرة، فالآية وعيد بعقابهم في الدارين، وتسلية للرسول ﷺ وإرشاد له بترك الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ (٢).
ويجوز أن تكون بشارة النبي ﷺ بما تم له من فتح مكة، وهم في غفلتهم عن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
стр. 3065
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾
المفردات:
﴿أَيَحْسَبُونَ﴾: أَيظنون، وفعله من باب فرِحَ عند جميع العرب إلَّا بني كنانة فإنهم يكسرون عين المضارع مع الماضى أَيضًا على غير قياس، والمصدر: حِسْبَانًا، بكسر الحاء.
﴿نُمِدُّهُمْ﴾: نزيدهم ونعطيهم، وفعله: أَمَدَّ، ويكون في الخير غالبًا.
﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أَي بل لا يعلمون، والفعل من بَابَيْ (قَعَدَ، وَكَرُمَ).
التفسير
٥٥ - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾:
أي: أَيظن هؤلاء العصاة المغرورون آننا إِذْ تركناهم يتمتعون وينعمون بما أَعطيناهم إياه، وأمددناهم به من مال وبنين، أَيظنون أَننا بهذا الإِمداد:
٥٦ - ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
أي: ليس الأمر كما زعموا أنه مسارعة لهم في الخيرات، ومعاجلة في الثواب لإِكرامهم وخيرهم، وإِنما هو إِملاءٌ واستدراج إِلى المعاصي لزيادة ذنوبهم بسبب إِصرارهم عليها، كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١).
والهمزة في ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾ لإنكار ما ظنوه وحسبوه، واستقباح له، وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ تجهيل لهم وتخطئة، أَي: بل هم لا يعلمون شيئًا أَصلًا، ولا فِطنَةَ بهم حتى يتأَملوا ويعرفوا أن ما حسبوه خيرًا لهم، إِنما هو شر يؤدى بهم حتمًا إلى أَسوإ العواقب.
стр. 3066
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾
المفردات:
﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾: أي من هيبته وحذر عقابه خائفون.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: أَي يعطون ما أَعطوا من الزكاة والصدقات.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: خائفة، وفعله من باب: (فَرِحَ).
التفسير
٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾:
استئناف مسوق لبيان من هم المؤمنون المسارعون في الخيرات وما وعدوا به من جزيل الثواب، أَتى بذلك عقب ذكر الكفار وتوعدهم بما يُقنطهم من رحمته، ويبطل حسبانهم الكاذب، وأَملهم الخادع، ذكرهم سبحانه بأَخص صفاتهم وآكملها، فبيَّن أَنهم من أجل خوفهم من ربهم خائفون من التقصير فيما كلفهم به، مع صدق إيمانهم وصالح عملهم، كما قال الحسن البصرى: (إن المؤمن جمع إِحسانًا وإِشفاقًا، وإِن المنافق جمع إِساءَة وأَمنًا).
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
أَي: من أَجلِّ أَوصافهم الإِيمانُ بآيات ربهم المنزلة على رسله، فهم يؤمنون بها جميعًا، لا يفرقون بينها، وليسوا كأَهل الكتاب الذين تقطعوا أَمرهم بينهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، وكذلك يؤمنون بآياته الكونية التي نصبها سبحانه للدلالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه.
стр. 3067
٥٩ - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾:
أَي: لا يشركون بربهم غيره، شركًا جليًّا، ولا شركًا خفيًّا، بل يعبدونه وحده موقنين بأنه لَا إِله إِلَّا هُوَ، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا.
والتعبير بكلمة (بِرَبِّهمْ) هنا وفيما سبق للدلالة على أَن اعترافهم بربوبية الله لهم جعلهم يشفقون ويؤمنون به تعالى، ويفردونه بالعبادة، فلا يشركون معه أحدًا، مع ما فيها من إِشارة إِلى ما لربوبيته تعالى لعباده من دخل كبير في وجوب توحيده وعبادته.
٦٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾:
أَي: يعطون العطاءَ: زكاة أَو صدقة، وهم خائفون أَلَّا يقبل منهم، أَو لا يقع على الوجه اللائق، لتقصير في الوفاء بحق الإِعطاء قد يكون بدر منهم.
وقرئ بالقصر، بمعنى أَنهم يفعلون ما فعلوا من العبادات، وقلوبهم خائفة من الله جل شأْنه ألَّا تكون على وجهها الكامل لشائبة من التهاون قد يُبعدها عن أن تقبل منهم.
وروى عن رسول الله ﷺ ما يشير إلى هذا المعنى، فقد أخرج أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وصححه، وابن المنذر وابن جرير وجماعة: عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الرجل يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلى، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى أَلَّا يَتَقَبَّل منه".
والتعبير بالمضارع في ﴿يُؤْتُونَ﴾ للدلالة على الاستمرار في العطاء، وبالماضى في: ﴿مَا آتَوْا﴾ للدلالة على تحققه. ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أَي: وجلت قلوبهم خوفًا من أَن تُرَدَّ عليهم أَعمالهم لعدم الإحسان فيها لأنهم إِلى ربهم عائدون ومبعوثون يوم القيامة، فتنكشف لهم الحقائق، وتظهر حاجة العبد إلى عمل تام مقبول ينجيه يوم لا ينفع المرءَ إلاَّ ما قدمت يداه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).
стр. 3068
٦١ - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾:
أَي: أُولئك الموصوفون بما سبق تفصيله من الأوصاف الجليلة يبادرون بنيل الخيرات الدنيوية والآخروية، الموعودة على الأعمال الصالحة، كما في قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ (١). وهم لأجلها سابقون إِذ الطاعات.
عن ابن عباس قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾) سبقتْ لهم من الله السعادة، فسارعوا في الخيرات اهـ.
وقيل: يسارعون في الخيرات ولم يَقُلْ: يُسَارَعُ لهم في الخيرات، إِشارة إِلى أَن ثقتهم بوعد الله بنيلهم الخيرات بمحاسن أَعمالهم، جعلتهم يسارعون إِليها، وإِيثار كلمة (في) في قوله تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ على كلمة (إلَى) للإيذان بأنهم ملازمون لها، مقبلون في فنونها، لا أَنهم خارجون عنها متوجهون إليها على سبيل المسارعة.
ويجوز أَن يكون المعنى: يسارعون إِلى الطاعات ويبادرون إِليها، وهم لأجلها فاعلون السبق إليها، أَو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب، أَو إلى الجنات، أَو أَنهم يسبقون إلى أَول أَوقاتها طلبًا لفضل أَدائها.
ويجوز أَن يكون المعنى: وهم أَهل للسبق إِليها بما منحهم الله من التوفيق، كقولك لمن تطلب منه حاجة لا ترجى من غيره: أنت لها، وهو من أَبلغ الكلام وأَدقِّه.
стр. 3069
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾
المفردات:
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: الوسع - مثلثة الواو-: الطاقة والقدرة، أَي: لا يحمِّلها الله ما يشق عليها. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾: المراد به صحائف أعمالهم، أَو اللوح المحفوظ.
﴿إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾: المترف؛ هو الجبار الذي أطعته النعمة، وفعله، أُتْرفَ.
﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾: يضجون ويرفعون أصواتهم دعاءً واستغاثة، يقال: جَأَرَ، يَجْأَر، جَأْرا، وجُؤارا، أَي: صاح أو تضرع.
التفسير
٦٢ - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
استئناف قصد به التحريض على ما وصف به السابقون الصالحون من فعل الطاعات المؤدى إلى نيل الخيرات، ببيان سهولته وأَنه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، بمعنى أَن الله سبحانه اقتضت حكمته ألَّا يكلف نفسا من النفوس بأَمر من الأمور الشاقة التي تُعْييه وتجهده، وإِنما يكون التكليف بما يتسنَّى أداؤه لكل مكلف في سهولة ويسر وفق طاقته، فإن لم يبلغ المكلفون بعملهم مراتب السابقين فلا حرج عليهم بعد أَن يبذلوا طاقتهم، ويستفرغوا وسعهم. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: تتمة لما قبله ببيان أنهم محاسبون على كل ما يصدر منهم ثوابا أَو عقابا، حيث إِن هذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة وقعت
стр. 3070
منهم إلا أَحصاها، والمراد بالكتاب: صحائف أعمالهم التي ترفعها الملائكة، وَيُكَلَّفُ أَصحابها بقراءَتها عند الحساب والجزاء. وقيل: المراد بالكتاب صحائف يقرأونها، فيها ما ثبت في اللوح المحفوظ، وهو يُظهر الحق المطابق للواقع على ما هو عليه ذاتا ووصفا وجزاءً ويبينه للناظر واضحا كما يبينه النطق به. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ذكرت هذه الجملة لبيان أَن عدله سبحانه يكون على أتم وجه وأَكمله في الجزاء، وذلك إثر بيان رحمته، ولطفه في التكليف، وأَن كتب أَعمالهم تعرض عليه سبحانه وفق واقعهم.
والمعنى: أنهم يوم القيامة لا يقرأون في كتبهم إلا ما هو صدق وعدل، فلا زيادة فيها ولا نقصان، ولا يُظلم منهم أَحد بزيادة عقاب، أو نقص ثواب.
٦٣ - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾:
في هذه الآية انتقال من بيان حال المؤمنين إِلى بيان حال الكفار.
والمعنى: بل قلوبهم في غفلة غامرة أَعْمتهم عن الذي بُيِّن في القرآن منْ أَن لديه تعالى كتابا ينطق بأعمالهم السيئة على رءُوس الأشهاد، فيجزون بها، ويعاقبون عليها، أَو أَعْمتهُم عما عليه المؤمنون الموصوفون بما سبق من الصفات الكريمة.
وقيل: الإِشارة إِلى القرآن وإِلى ما بُيِّن فيه مطلقا، روى ذلك عن مجاهد.
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾: أَي ولهم أَعمال سيئة كثيرة سوى غفلة قلوبهم عن أَن عند الله كتابا ينطق بالحق.
﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: وعليها مقيمون، وبها مستمسكون، لا ينفكون عنها بغيا وطغيانا.
٦٤ - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾:
أَي: لا يزالون يعملون أعمالهم الفاسدة إلى حين أَخْذ مترفيهم بالعذاب، فيضجون ويرفعون أصواتهم فزعين، قال ابن عباس وغيره،: كان ذلك في يوم بدر؛ فقد قتل منهم في ذلك اليوم عدد كثير من صناديد قريش ورؤسائهم الذين أَفاء الله عليهم بكثرة المال والبنين.
وقال الضحاك: يراد بالعذاب: الجوع الذي نزل بهم حين دعا عليهم النبي ﷺ فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها علبهم سنين كسِنِي يوسف" فابتلاهم الله بالقحط والجوع حتى أَكلوا الميتة والجيَفَ، وهلكت الأموال والأو
стр. 3071
والحق أنه العذاب الأُخروى؛ إذ هو الذي يفاجئون عِنده بالجؤار، فيجابون بالرد والإقناط من النصر والنجدة، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ (١) فإن المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يوم بدر.
وأَما عذاب الجوع، فإن أَبا سفيان وإن تضرع فيه إلى رسول الله ﷺ لكن لم يرد عليه بالإقناط، حيث روى: "أنه ﵊ قد دعا بكشفه، فكشف عنهم ذلك" اهـ.
﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾: أي يصرخون ويضجون مستغيثين بربهم من مفاجأة العذاب لهم، وتخصيص مترفيهم بالأخذ بالعذاب مع عموم عذاب الآخرة لهم ولغيرهم، للإشارة إلى أَن ما كانوا فيه من المنعة بحماية الأتباع والحشم لهم في الدنيا، لم ينفعهم يوم القيامة حيث لقوا ما لقوا من الأهوال والشدائد، فلَأن يلقاها سواهم من تابعيهم وحشمهم أحق وأَولى.
٦٥ - ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾:
أي: يقال لهم ذلك لتبكيتهم وإقناطهم من أن يستجاب لصراخهم وضجيجهم من جهته تعالى، وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله، والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار.
﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: تعليل للنهى عن الجؤار ببيان أنه لا ينفع ولا يفيد، فلا نصر لهم ولا معونة منه تعالى تنجيهم مما حلَّ بهم من هول وعذاب. وقال الحسن: لا تنصرون بقبول التوبة.
стр. 3072
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾
المفردات:
﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: يقال نكص على عقبه نكوصًا، من باب (قَعَدَ) أَي: رجع، والعقِبُ: مؤخر القدم، وهي مؤنثة، وقال ابن فارس: النكوص عن الشيء: الإِعراض عنه.
﴿سَامِرًا﴾ أَي: سُمَّارًا؛ لأَن (سَامِرًا) اسم جمع كالحاج، أَو مصدر فيقع على القليل والكثير بلفظ واحد، والمراد منه هنا: الجماعة من الكفار يسمرون بالليل حول الكعبة؛ لسَبِّ النبي ﷺ وذم القرآن، وأصل السمر: سواد الليل، ثم أُطلق على الحديث فيه، كما قال الراغب.
﴿تَهْجُرُونَ﴾ أَي: تنطقون بالهجر وهو الفحش، أَو تهذون بما لا يفيد كما يهذى المريض يقال: هجر يِهجُر هَجْرًا وهُجْرًا - بفتح الهاء وضمها مع سكون الجيم - فهو هاجر.
التفسير
٦٦ - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾:
أي: قد كانت آيات القرآن تقرأ عليكم في الدنيا، فم تُقبلوا على سماعها للانتفاع بهداها الذي يدعوكم إلى طريق الخير والنجاة، بل أَعرضتم عما دعيتم إليه، شأْنكم شأْن من يترك الطريق الواضح أَمامه، ويرجع القهقرى ناكصًا ناحية عقبه، والنكوص أقبح المشي؛ لأَن الناكص لا يرى ما وراءَه.
стр. 3073
٦٧ - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾:
الضمير في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ يعود على البيت الحرام الذي كانوا يسمرُون حوله (١)، أَي: مستكبرين على المسلمين في البيت الحرام، حيث منعتموهم من أَداءِ شعائرهم حوله، وكنتم مع ذلك تجتمعون للسمر والتآمر ضدهم، والطعن في القرآن الكريم، وذم النبي ﷺ مع أَن الله جعل البيت حرمًا آمنًا لجميع خلقه، يُذكر فيه اسمه، ويُعَظَّم كتابه، ويُوقر رسوله، ولا يؤذَى فيه المؤمنون من عباده. وقيل: الضمير عائد على (آيَاتي) في قوله تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ لأنها في معنى كتابي الذي هو القران الكريم، واستكبارهم به: تكذيبهم بآياته، بتضمين ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ معنى مكذبين، فعُدِّيَ تعدِيَتَهُ.
وحاصل المعنى: أَنهم كانوا يجتمعون بالليل حول البيت، ويتحدثون في غالب سمرهم عن القرآن بتسميته سحرًا أو شعرًا أَو أَساطير الأولين، مع تصافهم بأَنهم مع هذا يهجرون، أي: ينطقون بالفحش من كل قول، أو يهذون بالسفه البذيء، والجهل الممقوت في سب القرآن أو النبي أو الحق مطلقًا.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾
المفردات:
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ أَي: القرآن. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أَي: غير عارفين للنبي حقه بعدم تدبرهم القول الذي جاءَ به، مِن أَنكرته إِنكارًا، ضد: عرفته.
﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ الجنة: الجنون، كما تطلق على الجن، وسيأْتي بيان ذلك.
стр. 3074
التفسير
٦٨ - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾:
أَي: أفعلوا ما فعلوا من الإِعراض والاستكبار والهجر، فلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه معجز وأَنه دليل علي صدق الرسالة، فيؤمنوا به؟ والهمزة لإِنكار الواقع واستقباحه.
﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: إِضراب وانْتقال من التوبيخ بما سبق إِلى توبيخ آخر، أَي: بل أَجاءَهم من الكتاب ما لم يأْت أَسلافهم حتى استبعدوه، وخاضوا فيه بما خاضوا من الكفر والعناد والإمعان في الضلال؟ فالهمزة هنا لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع، بمعنى أن مجيءَ الرسل بالكتب من جهته تعالى لينذروا بها الناس سنَّةٌ قديمة له سبحانه لا مساغ لجحودها، ومجئَ القرآن وفق هذة السنة، فلأى سبب ينكرونه ويتركون تدبره؟ إنه لا سبب لذلك إلا التمادى في الظلم والعدوان.
وقيل: المعنى: أغفلوا فلم يتدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته وقصصه أن ينزل بهم مثل ما نزل ممن قبلهم من المكذبين؟ أم جاءَهم من أسباب الأمن ما لم يأت آباءهم الأولين الذين خافوا الله وآمنوا بكتبه ورسله، فأطاعوه حق طاعته، والهمزة على هذا للإنكار أو للتقرير تهكمًا.
٦٩ - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾:
إضراب انتقالي لتوبيخ الكافرين من قريش بوجه آخر، أي: بل ألم يعرفوا محمدًا ﷺ متصفًا بالأمانة والصدق، وحسن الأخلاق، ورجاجة العقل، وصحة النسب، وبكل الكمالات اللائقة بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؟ بل لقد جاءهم من عرفوه بكل ذلك، فقد كانت كلمتهم قبل مبعثه متفقة على تسميته بالصادق الأَمين، وغير ذلك من كرام السجايا، ولذلك قال أَبو سفيان بن حرب لملك الروم (هرقل) حين سأَله وأصحابه عن صفات النبي ﷺ صدقه وأمانته، - قال أَبو سفيان ما جربنا عليه كذبا، وكانوا حينئذ كفارًا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلاَّ الصدق، فاعترفوا بذلك، وقال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشى ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأَما
стр. 3075
فإِذا كان محمد كذلك فكيف ينكرون نبوته، ويجحدون صفاته بعد أَن اعترفوا بها؟
إن ما وقع منهم كان حسدًا وبغيًا، قال سفيان الثورى: بل قد عرفوه ولكنهم حسدوه.
٧٠ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾:
انتقال إِلى توبيخ آخر، أَي: بل أَيحتجون في ترك الإِيمان به بأَنه مجنون؟ وهذا باطل ينكره الوقع الذي يعرفونه حق المعرفة، حيث إِنه ﵊ أَرجح الناس عقلًا، وأَضوؤهم ذهنًا، وأَصحهم رأْيًا، وأَوفرهم رزانة. ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾:
أَي: بل جاءَهم محمد ﷺ بالحق البيِّن، وهو القرآن والتوحيد والدين القيم الذي لا محيد عنه، فلا صحة لما يقولون.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: المراد بالحق الذي كرهه أَكثرهم، إِما كل حق، ويدخل فيه دين الإِسلام، وإِما دين الإِسلام خاصة، فقد كرهه أَكثرهم حسدًا وبغيًا، وكان فيهم من لا يكرهه، ولكنه يتابع قومه في الإِعراض عنه والكفر به أَنفةً واستكبارًا، وحذرًا من تعيير قومه، أَو من وقوع أَذى به أَو نحو ذلك من عدم فطنته وقلة تفكره، لا كراهةً للحق من حيث هو حق.
وإيثار الإِظهار في مقام الإِضمار حيث لم يُقَلْ: (وأكثرهم له) لوضوح الإِظهار في ذمهم والتشنيع عليهم، ولدفع ما قد يتوهم من عود الضمير على الرسول ﷺ بخاصة.
стр. 3076
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾
المفردات:
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُم﴾: المراد بالحق، الله ، وقد يراد به الحق المطابق للواقع، أَو النبي، والمراد بأَهوائِهم: ما يهواه الناس ويشتهونه.
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: الذكر هنا بمعنى الشرف، أَي: أَتيناهم بالكتاب الذي فيه عزهم وشرفهم. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾: أَي أَجرًا عن التبليغ. ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: مائلون منحرفون عن طريق الجنة، وهو الصراط المستقيم، وفِعله من باب (قَعدَ) يقال: نكب عن الطريق، نكوبًا، ونكْبًا: إذا عدل عنه ومال إلى غيره (١).
التفسير
٧١ - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ … ﴾ الآية.
أَي: ولو اتبع الحق سبحانه أَهواءَهم الزائفة، فوافقها بتشريع ما يشتهون، لكانت الطامة الكبرى؛ حيث تفسد السموات والأَرض ومن فيهن، وتخرج عن الصلاح والانتظام بالكلية، لأن رغبات الناس قاصرة، وشهواتهم تختلف وتتضاد بما ينجم عنه أَشد الفساد، وأَقوى التنابذ والخلاف، ولكن الكون تام الصلاحية؛ لأنه جاءَ وفق مراد الحق ﵎ دون شريك؛ إذ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢).
стр. 3077
وخُصَّ العقلاءُ بالذكر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ لأن غيرهم تبع لهم في الصلاح والفساد. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: انتقال من التشنيع عليهم بما سبق إلى التشنيع عليهم لإعراضهم عما جبلت عليه النفس من الإقبال والرغبة فيما فيه خيرها ونفعها، أي: بل أتيناهم بالقرآن الذي فيه عزهم وشرفهم، حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (١) فكان يجب عليهم لهذا أن يسرعوا إليه، ويقبلوا ما فيه أكمل قبول، ولكنهم عكسوا الآية ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: فَهُمْ بما فعلوا من نكوص وإعراض معرضون عما فيه شرفهم وفخرهم، وبيان ثوابهم وعقابهم، مسرعون إلى نقيضه مما لا يطلب منهم الإقبال عليه والاهتمام به.
وفي وضع الظاهر موضع المضمر حيث لم يُقَل: ﴿فَهُمْ عَنْهُ﴾ إشارة إلى مزيد من التشنيع عليهم والتقبيح لهم.
وقيل: المراد بذكرهم: ما تمنوه بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ. لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢) والحق أنه قد جاءَهم ذكر خير من ذكر الأولين، أي: كتاب خير من كتبهم، فأَعرضوا عنه جهلًا وعنادًا.
٧٢ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾:
انتقال لتوبيخ آخر يوبخ به سبحانه الكافرين على عدم إيمانهم بما جاءَهم به الرسول من الحق دون أَن يسأَلهم عليه أجرًا، والمعنى: بل أتسألهم يا محمد أجرًا على الرسالة، فبسبب ذلك لا يؤمنون بك، ولأجله يعرضون عن رسالتك؟ ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾: الجملة تعليل لنفى السؤال الذي استفيد من الإنكار، أي: لم تسألهم ذلك، ولا يتأتى منك؛ فإن ما رزقك الله إياه في الدنيا، وما أعده لإثباتك في الآخرة خير من رزقهم؛ لدوام رزق الخالق واستمراره وعدم تحَمُّل المنة في رزقهم.
والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره ﵊ إيذان بأعظم التشريف وأكمل التعظيم له ﷺ والخَرْجُ أقل من الخَرَاجِ، فهو بمعنى:
стр. 3078
العطاء القليل، أما الخراج فهو العطاء الكثير، لأن كثرة المبنى تدل على كثرة المعنى؛ ولذا عُبِّر بالأول في جانب الخلق، وبالثانى في جانب الخالق، وقيل: إنهما سواءٌ في المعنى.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: تأكيد لخيرية عطاءه ورزقه، فإن مَنْ كان خير الرازقين يكون رزقه خيرًا وأوفى من رزق غيره، بمعنى أنه لا يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، ولن يستطيع أن يُنعم قدر إنعامه.
٧٣ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾:
أي: إلى دين الإسلام الذي تشهد الفِطَرُ السليمة باستقامته وتنزهه عن أَي شائبة تلحقه، أَو اعوجاج يعيب منهجه، والصراط: الطريق، وسمى الدين طيقًا لأنه يؤدى إلى الجنة، فهو طريق إليها.
٧٤ - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾:
هم كفار قريش المحدَّث عنهم فيما سبق، وقيل: المراد ما يعمهم ويعم غيرهم من الكفار المنكرين للبعث، وتدخل قريش في ذلك دخولًا أوليًّا، وقد وصفوا بعدم الإيمان بالآخرة، تشنيعًا عليهم بما يفعلونه من إقبال على الدنيا، واستمساك بها، زاعمين: أنه لا حياة لهم بعد هذة الحياة، ولو كانوا يؤمنون بها لخافوا سوء المصير فيها بكفرهم بالحق الذي جاءهم على لسان رسوله.
المعنى: وإن الذين لا يصدقون بالآخرة وأهوالها لمعرضون عن الصراط السوى، ومنحرفون عنه، ولو آمنوا بها لفكروا قبل أن يكفروا بما جئتهم به، ولهداهم التفكير إلى الصراط السوى الذي يوصلهم إلى رحمة الله.
стр. 3079
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾
المفردات:
﴿مِنْ ضُرٍّ﴾: من شدة وسوء حال. ﴿لَلَجُّوا﴾: لتمادوا. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطهم في الكفر بالحق. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون ويترددون بين أَساليب رد الحق، وهو مضارع (عَمِه) بوزن فرح ومنع، ومصدره: العَمَهُ والعُمُوه. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾. فما خضعوا.
﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾: وما يتذللون إلى الله ويدعونه مخلصين أَن يرحمهم.
﴿مُبْلِسُونَ﴾: متحيرون يائسون من كل خير.
التفسير
٧٥ - ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾:
أَي: ولو رحمنا أَهل مكة، وأَزلنا ما لحقهم من ضر وشدة، بسبب القحط الذي حل بهم عقابًا لهم، لتمادوا في الكفر بالحق يترددون بين أَساليب رده، ولم يرتدعوا عن طغيانهم بعد ما رفع الله الضر عنهم.
وكان النبي ﷺ قد دعا عليهم، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف - كما رواه ابن عباس، وقد حقق الله دعاءَه، فقد بعث النبي ﷺ محمد بن مسلمة في سَريَّة إلى بنى بكر بن كلاب، فجاءَ بثُمامة بن أثال الحنفى إِلى المدينة، فامتنع عن الإسلام ثلاثة أَيام، ثم أَسلم وخرج معتمرًا، فلما قدم بطن مكة لبَّى، وهو أول من دخلها ملبيًا من المسلمين، ومن هنا قال أَحد بنى حنيفة:
ومنَّا الذي لَبَّى بمكة مُعْلِنًا … برغم أَبي سفيان في الأَشهر الحرم
стр. 3080
فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا وصَبَوْتَ يا ثمامة، قال: أسلَمت واتبعت خير دين، دين محمد ﷺ والله لا يصل إليكم حبة من اليمامة - وكانت ريفًا لأهل مكة - حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ثم خرج ثمامة إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا لمكة شيئًا حتى أضرَّ بهم الجوع، وأكلت قريش العِلْهز (١)، فكتبت قريش إلى رسول الله ﷺ : ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناءَ بالجوع، إنك تأْمر بصلة الرحم، وأنت قد قطعت أرحامنا، فكتب رسول الله ﷺ إلى ثُمامة ﵁: "خَلِّ بين بنى قومى وبين مِيرَتهم" ففعل.
وفي رواية أَن أبا سفيان جاءَه ﷺ ، فقال: أَلست تزعم … إِلخ وكان هذا قبل الفتح بقليل (٢).
وقد نزلت الآية الكريمة لتبين أن كشف الضر عنهم بسعى رسول الله ﷺ وكتابته إلى ثُمامة لن يؤثر في قلوبهم المريضة، بل سيظلون في طغيانهم يترددون.
٧٦ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾:
هذه الآية تسجل على قريش عنادهم في كفرهم، وأن الآيات والنذر لا تنفعهم، فإذا كانوا لم ينزعوا إِلى الإِيمان بامتحانهم بآية العذاب والضُّر، فكيف يؤمنون برحمتهم وكشف الضر عنهم؟.
والمعنى: ولقد أخذنا قريشًا بعذاب الجوع والقحط، فما خضعوا به إلى الحق، وما يتذللون لربهم ويدعونه بإِيمان وصدق لكي يكشف الضر عنهم، فقلوبهم مع أوثانهم وليست مع خالقهم، ومن كان أمرهم ذلك، فلن يخضعوا برحمته تعالى وكشف ضره عنهم، ولو كانوا يعقلون لعرفوا أَن الأمر كما قاله العليم الخبير: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
стр. 3081
٧٧ - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾:
لفظ: ﴿حَتَّى﴾ يدل على أن الكلام بعدها غاية لما قبلها، والمراد بالعذاب الشديد الذي يفتح عليهم بابه: إِمَّا ما يكون بفتح مكة، وإِمَّا ما يحدث يوم القيامة.
والمعنى: أَنهم مستمرون في عنادهم وكفرهم لا تفيدهم الآيات والنذر، حتى إذا فتحنا عليهم بابًا موصلًا إلى عذاب شديد لا طاقة لهم به، كما حدث لهم يوم فتح مكة، أَو كما سوف يحدث لهم يوم القيامة، إذا هم فيه مُتَحيِّرون آيسون من كل خير.
أما عذابهم يوم فتح مكة، فهو عذاب اليأس والقنوط من الانتصار على محمد والقضاء على دينه، واستسلامهم له أَذلة صاغرين، وأَما عذابهم يوم القيامة فيكون لمن مات منهم على كفره قبل الفتح، أَو كتم كفره ونافق بالإيمان بعد الفتح.
وفي المعنى الثاني يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ (١) ويقول: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ (٢).
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾
المفردات:
﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾: القلوب، مفردها فؤاد. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقكم وبثكم فيها (٣).
﴿تُحْشَرُونَ﴾: تجمعون. ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: ولأَمر الله وتدبيره يرجع تعاقب
стр. 3082
الليل والنهار، من قولهم: فلان يختلف إلى فلان أَي: يتردد عليه، أَو المراد باختلافهما تفاوتهما زيادة ونقصانًا، وظلامًا وضياءً.
التفسير
٧٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾:
بعد أَن بين الله إِصرار أَهل مكة على الكفر بعد ما تعاقبت عليهم الضراء والسراءُ، وأنذرهم بسوءِ العاقبة حينما يفتح عليهم بابًا ذا عذاب شديد - بعد أن بين الله ذلك - جاءَت هذه الآية وما بعدها، لتذكرهم بآيات الله ونعمه فيهم، لعلهم يثوبون إِلى رشدهم، ويتجنبون بالإِيمان سوءَ مصيرهم.
والمعنى: والله هو الذي خلق لكم حينما أَنشأكم - خلق لكم - حاسة السمع لتدركوا بها المسموعات من خير أو شر، ضر أَو نفع، كما تدركون بها مختلف العلوم والمعارف في أُمور دنياكم وأُخراكم، وخلق لكم الأَبصار، لتسلكوا السبل في كون الله، وتنظروا بها الصديق والعدو والحسن والقبيح، وتدركوا آيات الجمال والكمال في كون الله، وتتعرفوا ما يصلح من الأَرزاق وما لا يصلح، وتميزوا بها شتى الأَلوان والأَحجام وغير ذلك من سائر المدركات عن طريقها، مما لا يحيط به العادّون، ولا يستقصيه الحاسبون، وخلق لكم العقول، لتحكموا بها على ما يصل إليكم عن طريق الأَسماع والأَبصار وسائر الحواس، وتوازنوا بها بين المدركات وتسوسوا بها نفوسكم ناحية الخير، وتبعدوها عن موارد الهلكة، وتبسطوا بها سلطانكم على الأَرض التي جعلكم الله خلفاءَ عليها وعلى ما فيها وما فوقها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
والله تعالى يخرج الناس من بطون أمهاتهم بحواسهم خالية من الإِدراك، ولكنها صالحة له، حتى إذا ما تواردت عليها المدركات انتبهت إِليها وتدرجت في النمو شيئا فشيئا حتى تصل كل نفس إلى مستواها من الإِدراك الذي شاءه الله لها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ
стр. 3083
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، لما كان السمع يسبق الأبصار في الإدراك، والأفئدة تتأَخر فيه عنهما، فلذلك جاءت مرتبة هكذا في آيات القرآن العظيم (٢).
ولقد ختم الله الآية هنا بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ والخطاب هنا للكافرين. والقلة إِما بمعنى العدم، أَي: لا تشكرون الله أَصلًا، أَو بمعناها الحقيقى، فهم إن شكروا الله فشكْرهم له قليل بالنسبة لشكرهم لآلهتهم، فهم في معظم أَحوالهم ينسبون إليها النصر والمطر والرزق والشفاء من الأَمراض، ولا يذكرون الله إِلا قليلا، والمقصود من الشكر هنا: صرف تلك الحواس لما خلقت له، وأهم ما خلقت له: العبادة الخالصة لله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.
وقيل: إِن الخطاب في الآية من أَولها لآخرها موجه إِلى الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، والحكم بقلة شكرهم، لأَن الذين يشكرونه تعالى هم المؤمنون، وهم في الناس قليلون، وما قلناه أَولًا أَظهر وأَوفق بالسياق.
٧٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾:
والله هو الذي خلقكم من نفس واحدة خلق منها زوجها، وكثركم ونشركم في الأرض بتناسلها وذرياتهما لتعمروها وتكونوا في عمارتها خلفاءَ عنه تعالى، ولستم بمخلدين فيها، بل تموتون حين تحين آجالكم، وإِليه لا إلى غيره تحشرون وتجمعون بعد أَن يبعثكم أَحياءَ من قبوركم، ليحاسبكم ويجزيكم على أَعمالكم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
٨٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾:
والله هو الذي يهب الحياة لكل كائن حى، بعد أَن لم يكن شيئًا مذكورًا، ويسلبها منه حين يميته، وتراه في سلطانه على خلائقه ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾
стр. 3084
وهذا شاهد على أنه تعالى كما بدأَ الخلق يعيده، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١).
وكما أَنه يختص بالإِحياء والإِماتة، فأنه تعالى يرجع إليه وحده التدبير في اختلاف الليل والنهار.
والمراد باختلافهما: أن يجئ كلاهما خلف الآخر، أو أَن يتفاوتا طولًا وقصرًا، نورًا وظلامًا، وفي ضوء النهار تتحرك الكائنات الحية إلى معايشها وأرزاقها، وفي الظلام تسكن وتستريح من سعيها ومتاعبها: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ وختم الله الآية بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أَي: أَترون هذه الآيات فلا تعقلون دلالتها على الخالق سبحانه ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وتصديق رسله والاهتداء بهديه، والعمل ليوم البعث والنشور؟: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ (٢).
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾
المفردات:
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أباطيلهم التي سطروها للتلهى بها، جمع: أسطورة، كأُحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب، وقيل: جمع أسطار جمع سَطْر، فهى جمع جمع، واختيار الزمخشرى الأَول، لأَن جمع المفرد أَولى من جمع الجمع وأَقيس، ولأن وزن أفعولة يأتى لما فيه التلهى، فيكون القرآن - في نظرهم الفاسد - مكتوبات لا طائل تحتها، وإِلى هذا الرأى ذهب المبرد وجماعةٌ من أهل اللغة.
стр. 3085
التفسير
٨١، ٨٢ - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾:
بين الله في الآيات السابقة أَنه تعالى هو الذي أَنشأ للكافرين الحواس والأفئدة، وهو الذي خلقهم وأنهم إليه راجعون للحساب والجزاء، وأَن الإحياءَ والإماتة من شأْنه جل وعلا، كما له اختلاف الليل والنهار، وطلب إليهم عقب هذه الآيات أن يتدبروا ويتعقلوا بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وجاءَت هاتان الآيتان وما بعدهما لتفيد أَنهم لم يعقلوا ولم يتدبروا بل كفروا بالبعث مع وجود هذه البراهين.
والمعنى: لم يعقل هؤلاء المشركون تلك الآيات على إِمكان البعث وقدرة الله عليه، بل قالوا منكرين له مثل ما قاله الكفرة السابقون لرسلهم. قالوا: أئذا متنا وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام بالية نبعث إِلى الحياة مرة أُخرى، ثم أَعادوا الاستبعاد والاستنكار مرة أخرى فقالوا: أَئنا لمبعوثون بعد هذا الفناء، ثم أَكدوا استبعادهم بما حكاه الله عنهم بقوله:
٨٣ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
لقد وعدنا منك يا محمد بالبعث بعد الموت، ووعد آباؤنا من رسلهم بمثله قبلك، وما هذا البعث الموعود إلا أسطورة من أَكاذيب الأولين نقلتها إِلينا عنهم يا محمد، ونحن نستبعد حصوله ونستنكره بعد أَن يتحول الموتى إِلى عظام نخرة، وقد كانت عقيدتهم في الحياة تتمثل في قولهم: إِن هي إلا أَرحام تدفع وقبور تبلع وما يهلكنا إِلا الدهر، والواقع أَنهم في عقائدهم مضطربون، فبينما هم يقولون ذلك يحكى الله عنهم إيمانهم بعظيم قدرة الله بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١). فإذا كانت عقيدتهم كذلك في قدرة الله، فكيف يستبعدون البعث وهو مشاهد لهم كل يوم في إِحياءِ النبات بعد يبسه، وفي اليقظه بعد النوم.