٧٧ - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾:
لفظ: ﴿حَتَّى﴾ يدل على أن الكلام بعدها غاية لما قبلها، والمراد بالعذاب الشديد الذي يفتح عليهم بابه: إِمَّا ما يكون بفتح مكة، وإِمَّا ما يحدث يوم القيامة.
والمعنى: أَنهم مستمرون في عنادهم وكفرهم لا تفيدهم الآيات والنذر، حتى إذا فتحنا عليهم بابًا موصلًا إلى عذاب شديد لا طاقة لهم به، كما حدث لهم يوم فتح مكة، أَو كما سوف يحدث لهم يوم القيامة، إذا هم فيه مُتَحيِّرون آيسون من كل خير.
أما عذابهم يوم فتح مكة، فهو عذاب اليأس والقنوط من الانتصار على محمد والقضاء على دينه، واستسلامهم له أَذلة صاغرين، وأَما عذابهم يوم القيامة فيكون لمن مات منهم على كفره قبل الفتح، أَو كتم كفره ونافق بالإيمان بعد الفتح.
وفي المعنى الثاني يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ (١) ويقول: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ (٢).
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾
المفردات:
﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾: القلوب، مفردها فؤاد. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقكم وبثكم فيها (٣).
﴿تُحْشَرُونَ﴾: تجمعون. ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: ولأَمر الله وتدبيره يرجع تعاقب
стр. 3082
الليل والنهار، من قولهم: فلان يختلف إلى فلان أَي: يتردد عليه، أَو المراد باختلافهما تفاوتهما زيادة ونقصانًا، وظلامًا وضياءً.
التفسير
٧٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾:
بعد أَن بين الله إِصرار أَهل مكة على الكفر بعد ما تعاقبت عليهم الضراء والسراءُ، وأنذرهم بسوءِ العاقبة حينما يفتح عليهم بابًا ذا عذاب شديد - بعد أن بين الله ذلك - جاءَت هذه الآية وما بعدها، لتذكرهم بآيات الله ونعمه فيهم، لعلهم يثوبون إِلى رشدهم، ويتجنبون بالإِيمان سوءَ مصيرهم.
والمعنى: والله هو الذي خلق لكم حينما أَنشأكم - خلق لكم - حاسة السمع لتدركوا بها المسموعات من خير أو شر، ضر أَو نفع، كما تدركون بها مختلف العلوم والمعارف في أُمور دنياكم وأُخراكم، وخلق لكم الأَبصار، لتسلكوا السبل في كون الله، وتنظروا بها الصديق والعدو والحسن والقبيح، وتدركوا آيات الجمال والكمال في كون الله، وتتعرفوا ما يصلح من الأَرزاق وما لا يصلح، وتميزوا بها شتى الأَلوان والأَحجام وغير ذلك من سائر المدركات عن طريقها، مما لا يحيط به العادّون، ولا يستقصيه الحاسبون، وخلق لكم العقول، لتحكموا بها على ما يصل إليكم عن طريق الأَسماع والأَبصار وسائر الحواس، وتوازنوا بها بين المدركات وتسوسوا بها نفوسكم ناحية الخير، وتبعدوها عن موارد الهلكة، وتبسطوا بها سلطانكم على الأَرض التي جعلكم الله خلفاءَ عليها وعلى ما فيها وما فوقها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
والله تعالى يخرج الناس من بطون أمهاتهم بحواسهم خالية من الإِدراك، ولكنها صالحة له، حتى إذا ما تواردت عليها المدركات انتبهت إِليها وتدرجت في النمو شيئا فشيئا حتى تصل كل نفس إلى مستواها من الإِدراك الذي شاءه الله لها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ
стр. 3083
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، لما كان السمع يسبق الأبصار في الإدراك، والأفئدة تتأَخر فيه عنهما، فلذلك جاءت مرتبة هكذا في آيات القرآن العظيم (٢).
ولقد ختم الله الآية هنا بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ والخطاب هنا للكافرين. والقلة إِما بمعنى العدم، أَي: لا تشكرون الله أَصلًا، أَو بمعناها الحقيقى، فهم إن شكروا الله فشكْرهم له قليل بالنسبة لشكرهم لآلهتهم، فهم في معظم أَحوالهم ينسبون إليها النصر والمطر والرزق والشفاء من الأَمراض، ولا يذكرون الله إِلا قليلا، والمقصود من الشكر هنا: صرف تلك الحواس لما خلقت له، وأهم ما خلقت له: العبادة الخالصة لله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.
وقيل: إِن الخطاب في الآية من أَولها لآخرها موجه إِلى الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، والحكم بقلة شكرهم، لأَن الذين يشكرونه تعالى هم المؤمنون، وهم في الناس قليلون، وما قلناه أَولًا أَظهر وأَوفق بالسياق.
٧٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾:
والله هو الذي خلقكم من نفس واحدة خلق منها زوجها، وكثركم ونشركم في الأرض بتناسلها وذرياتهما لتعمروها وتكونوا في عمارتها خلفاءَ عنه تعالى، ولستم بمخلدين فيها، بل تموتون حين تحين آجالكم، وإِليه لا إلى غيره تحشرون وتجمعون بعد أَن يبعثكم أَحياءَ من قبوركم، ليحاسبكم ويجزيكم على أَعمالكم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
٨٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾:
والله هو الذي يهب الحياة لكل كائن حى، بعد أَن لم يكن شيئًا مذكورًا، ويسلبها منه حين يميته، وتراه في سلطانه على خلائقه ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾
стр. 3084
وهذا شاهد على أنه تعالى كما بدأَ الخلق يعيده، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١).
وكما أَنه يختص بالإِحياء والإِماتة، فأنه تعالى يرجع إليه وحده التدبير في اختلاف الليل والنهار.
والمراد باختلافهما: أن يجئ كلاهما خلف الآخر، أو أَن يتفاوتا طولًا وقصرًا، نورًا وظلامًا، وفي ضوء النهار تتحرك الكائنات الحية إلى معايشها وأرزاقها، وفي الظلام تسكن وتستريح من سعيها ومتاعبها: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ وختم الله الآية بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أَي: أَترون هذه الآيات فلا تعقلون دلالتها على الخالق سبحانه ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وتصديق رسله والاهتداء بهديه، والعمل ليوم البعث والنشور؟: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ (٢).
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾
المفردات:
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أباطيلهم التي سطروها للتلهى بها، جمع: أسطورة، كأُحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب، وقيل: جمع أسطار جمع سَطْر، فهى جمع جمع، واختيار الزمخشرى الأَول، لأَن جمع المفرد أَولى من جمع الجمع وأَقيس، ولأن وزن أفعولة يأتى لما فيه التلهى، فيكون القرآن - في نظرهم الفاسد - مكتوبات لا طائل تحتها، وإِلى هذا الرأى ذهب المبرد وجماعةٌ من أهل اللغة.
стр. 3085
التفسير
٨١، ٨٢ - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾:
بين الله في الآيات السابقة أَنه تعالى هو الذي أَنشأ للكافرين الحواس والأفئدة، وهو الذي خلقهم وأنهم إليه راجعون للحساب والجزاء، وأَن الإحياءَ والإماتة من شأْنه جل وعلا، كما له اختلاف الليل والنهار، وطلب إليهم عقب هذه الآيات أن يتدبروا ويتعقلوا بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وجاءَت هاتان الآيتان وما بعدهما لتفيد أَنهم لم يعقلوا ولم يتدبروا بل كفروا بالبعث مع وجود هذه البراهين.
والمعنى: لم يعقل هؤلاء المشركون تلك الآيات على إِمكان البعث وقدرة الله عليه، بل قالوا منكرين له مثل ما قاله الكفرة السابقون لرسلهم. قالوا: أئذا متنا وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام بالية نبعث إِلى الحياة مرة أُخرى، ثم أَعادوا الاستبعاد والاستنكار مرة أخرى فقالوا: أَئنا لمبعوثون بعد هذا الفناء، ثم أَكدوا استبعادهم بما حكاه الله عنهم بقوله:
٨٣ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
لقد وعدنا منك يا محمد بالبعث بعد الموت، ووعد آباؤنا من رسلهم بمثله قبلك، وما هذا البعث الموعود إلا أسطورة من أَكاذيب الأولين نقلتها إِلينا عنهم يا محمد، ونحن نستبعد حصوله ونستنكره بعد أَن يتحول الموتى إِلى عظام نخرة، وقد كانت عقيدتهم في الحياة تتمثل في قولهم: إِن هي إلا أَرحام تدفع وقبور تبلع وما يهلكنا إِلا الدهر، والواقع أَنهم في عقائدهم مضطربون، فبينما هم يقولون ذلك يحكى الله عنهم إيمانهم بعظيم قدرة الله بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١). فإذا كانت عقيدتهم كذلك في قدرة الله، فكيف يستبعدون البعث وهو مشاهد لهم كل يوم في إِحياءِ النبات بعد يبسه، وفي اليقظه بعد النوم.
стр. 3086
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾
المفردات:
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أصله تتذكرون فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، والتذكر:
الاعتبار. ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: صيغة الملكوت للمبالغة في الملك، فالمراد به الملك العظيم الشامل. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: وهو يمنع ويحفظ من يشاءُ ممن يشاءُ.
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: ولا يستطيع أَحد أَن يمنع سواه عن بطش الله.
﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾: فكيف تصرفون عن الهدى.
التفسير
٨٤ - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
قل - أَيها الرسول - لهؤلاء المنكرين للبعث: من هو خالق الأرض ومالكها والمتصرف فيها وفيمن عليها؟ إِن كان لديكم شيء من العلم والعقل، فأجيبونى عن هذا السؤال.
وأسلوب الآية ينم عن فرط الاستهانة بعقول هؤلاء المشركين، حيث شكك الله في وجودها لديهم، بسبب أَنهم لم يحسنوا استخدامها، فجعلها في حكم المشكوك في وجودها بقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
стр. 3087
٨٥ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
أي: أنهم مع فرط جهالتهم، وفقدان القدرة على القياس لديهم، فإنهم سيجيبونك أيها الرسول بأن الأرض ومن فيها لله، لأنهم لا يجحدون ذلك، قل لهم حين يجيبونك بذلك: أتقولون هذا، فلا تعتبرون بأن من فطرها وفطر من عليها ابتداء فهو قادر على إعادتها ثانيا؟ فإن الإعادة أسهل من الابتداء في قياس العقول.
٨٦، ٨٧ - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
قل - أيها الرسول - لهؤلاء الجاهلين: من هو مالك السموات السبع بجزئياتها وبمن عليها من كائنات لا يعلمها غيره، ومن هو مالك العرش العظيم؟ سيقولون في إجابتهم: هي لله، قل لهم: أَتقولون ذلك فلا تتقون الله وأنتم تشركون وتنكرون البعث والنشور، وهما أهون عليه من خلق السموات السبع وخلق العرش العظيم (١)؟
٨٨ - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
اليد هنا كناية عن القدرة والمعنى: قل لهم أيضا مبالغا في التقرير والإنكار: مَن بقدرته ملك كل شيء وتدبيره، وهو يمنع من يلوذ به ويحميه من المكاره، ولا يستطيع أحد أن يجير ويحمى من أراده بسوءٍ؟ إن كنتم تعلمون الجواب عن هذا السؤال فأجيبونى، ثم تولى الله الجواب عنهم، لأنهم مقرون به ولا معدل لهم عنه فقال سبحانه:
٨٩ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾:
سيقول هؤلاء المشركون: الملك والملكوت لله، والإجارة والحماية للمستجير لا تكون إلا لله دون سواه، وإذا كان هذا ما سيقولونه جوابا عن سؤالك، فكييف يُصْرفُون عن الرشد والهدى كالذين سُحِروا ففقدوا عقولهم؟
стр. 3088
ويلاحظ أَن السؤال الثاني: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ … ﴾ والثالث: من بيده ملكوت كل شيء جوابهما ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بلام الجر، وكان الظاهر أَن يكون الجواب ﴿سيقولون الله﴾ بغير لام مراعاة للسؤال (١). فما وجه العدول عنه؟
والجواب: أن كلا الأَمرين جائز لغة، فلو قيل: من صاحب هذه الدار فلك أَن تجيب بقولك: (خالد) مثلا، مراعاة للفظ السؤال المجرد عن اللام، ولك أن تقول: (لخالد) باللام مراعاة للمعنى، ومنه قول الشاعر:
إذا قيل من رب المزالف (٢) والقُرى … وربُّ الجياد الجُرد (٣) قيل لخالد
٩٠ - ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
في هذه الآية إضراب إبطالي لإنكارهم البعث والتوحيد.
والمعنى: بل جئنا قريشا بالحق في وحدانية المعبود والبعث من القبور، وإنهم لكاذبون في شركهم وإنكارهم لهما ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤).
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾
المفردات:
﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لغلب بعضهم بعضا.
стр. 3089
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: تنزيها له تعالى عما يلحقونه به من الولد والشريك.
﴿الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: المراد بهما: ما غاب عن خلقه وما أبصروه. ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: فتنزه عن إشراكهم.
التفسير
٩١ - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾.
والمعنى: ما اتخذ الله لنفسه من ولد، لتنزهه عن الاحتياج إليه ليعينه أَو يرثه من بعده كما هو الشأْن في الولد، فهو القادر الذي يقول للشئ: كن، فيكون، وهو الباقى الذي لا يفنى ولا يبيد ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١).
وكما أنه تعالى لم يتخذ ولدا فإنه لم يكن معه من إله حين أَبدع ملكوته، ولا يصح عقلا أن يكون له فيه شريك كما زعم الزاعمون، فلو اشترك معه في الخلق غيره، لاستقل كل إله بما خلقه، إِن فرض استقلاله بخلقه، ولغالب بعضهم بعضا حتى يغلب قويهم ضعيفهم ويستقل بالكون وحده، إن فرض اشتراكهم في الكون تعاونيا، أَو كان لكل منهم ناحية خلقها، وبما أَننا نرى الكون وحدة متكاملة محكمة الصنع، فلا بد أَن يكون مبدعه إِلها عظيمًا واحدًا في ذاته وصفاته وأفعاله، فإِن التعدد في الإله يؤدى إلى التنافس والتغالب وينتهى إلى الفساد، كما قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢) ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾ أَي: تنزيها كاملا لله عما يزعمونه له من الولد والشريك.
٩٢ - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
أَي: أَنه تعالى كما تنزه عن الولد وعن الشريك في خلق هذا الكون وتدبيره، فهو عالم بكل ما خفى وغاب عن العيون والعقول، وعالم بكل ما هو مشاهد ومرئى لأولى الأَبصار ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣) وإذا كان
стр. 3090
أمر الإله عظيمًا هكذا فتعالى الله وتنزه عما يشركون معه من آلهة لا حول لها ولا قوة، ولا تمك لنفسها نفعًا ولا ضرا، ولا تعلم عن نفسها أو غيرها حاضرًا ولا غائبا.
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾
المفردات:
﴿إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾: إن كان لا بد من أَن ترينى ما يوعدونه من العذاب، والأصل إِن تُرينى، فزيدت ما وأدغمت في (إن) فصارت: إمَّا، وأكد الفعل (تُرِيَنىِّ) بنون التوكيد بعد إِمَّا، فاصبح الفعل مؤكدًا بلفظ (ما) المدغمة في (إن) وبنون التوكيد، وبهذا يعلم أَن (ما) في لفظ (إمَّا) ليست للنفى بل للتوكيد. ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ أَي: ادفع أثر السيئة بالخصلة التي هي أحسن، وسيأتى شرح ذلك.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: نحن أَعلم بالذى يصفونك به، أَو بوصفهم إياك بما ليس فيك (١). ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾: ألوذ وأَعتصم بك.
﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: جمع همزة، والهمز: النخس والدفع بيد أَو غيرها، ومنه المهاز في رِجْل مَنْ يركب الدابة، ينخسها به لتسرع، والمراد بهمزات الشياطين وساوسهم، فإنها تدفع إِلى المعاصي.
стр. 3091
التفسير
٩٣، ٩٤ - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
ظاهر الآيتين يدل على أن الله تعالى كان قد أخبر نبيه ﷺ بعذاب يصيب قومه إن أصروا على كفرهم، ولم يخبره بوقت نزوله، فلهذا طلب نجاته منه إن حصل لهم في حياته، وهكذا فهم الحسن، فقد روى أنه قال: أخبر الله نبيه ﷺ بأن له في أمته نِقْمَةً، ولم يطلعه على وقتها، أهو في حياته أم بعدها، فأمره بهذا الدعاء:
والمعنى: وقل - أيها النبي -: يا رب إن كان لابد أن ترينى ما أوعدت قومى به من العذاب المستأْصل إن بقوا على كفرهم، يا رب فلا تجعلنى بين هؤلاء الظالمين حين ينزل عقابك.
ونداءُ النبي لله بوصف الربوبية، للإيذان بأنه تعالى هو المالك النظر في مصالح العباد، الموعود، وكونه بحيث يستعيذ منه من لا يكاد يمكن أن ينزل به، وهو متضمن تأكيد وقوع العذاب الموعود الذي أنكروه وسخروا منه واستعجلوه، وهذا الوعد مشروط ببقائهم على كفرهم.
وقيل: أنه ﷺ أمر بذلك هضمًا لنفسه وإظهارًا لكمال العبودية؟ أو لأن شؤم الكفرة قد يحيق بغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ والتعبير بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بدلًا من أن يقول: فلا تجعلنى فيهم، للإيذان بأن ظلمهم هو السبب في وعيدهم بالعذاب، وتكرار لفظ (رب) لمزيد الضراعة والاستنجاد بمن بيدة الأمر كله.
٩٥ - ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾:
أي: وإنا على تمكينك من رؤية عذابهم الموعود لقادرون، كما قدرنا على مثله فيمن سبقهم من المعاندين لرسلهم.
وهذة الآية تشير إلى أن التعجيل بالعذاب ليس من الحكمة التي تقترن بها أفعال الله تعالى فلقد علم سبحانه أزلًا أن معظمهم سوف يؤمن، فلهذا تأنى بهم ولم يتعجل بعقوبتهم.
стр. 3092
والظهر أن الآية واللتين قبلها نزلتا قبل أن يخير الله تعالى نبيه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (١).
٩٦ - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾:
أي: قابل السيئة التي تأتيك من قومك وامنع أثرها عن نفسك بالخصلة التي هي أحسن من مقابلة السيئة بمثلها، والدفع بالتي هي أحسن على ثلاث درجات، أدناها أن تصفح عن سيئته، وما فوقها أن تحسن إليه إحسانًا ما، وأعلاها أن تجزل الإحسان إليه.
وأمر الله نبيه ﷺ بذلك توكيدٌ لما هو ملتزم به من هذا الخلق الكريم مع المؤمنين فقد كان يقابل السيئة بالحسنة، وكان يقول: الله أغفر لقومى فإنهم لا يعلمون.
والخطاب في الآية وإن كان موجهًا إلى الرسول حسبما يؤذن به السياق، فإن الحكم فيه يعم كل مسلم، فينبغى أَن لا يقابل السيئه بمثلها، حتى لا يتمادى المسئ في إساءته، فيعظم البلاءُ وتحدث الفتن، فإن معظم النار من أعظم السرور، وفي عموم معناها أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أنس أنه قال: (يقول الرجل لأَخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذبًا فأنا أسأَل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقًا فأنا أسأل الله أن يغفر لى) والدفع المذكور مطلوب ما لم يؤد إلى ثلم الدين أو خدش المروءة.
وفي ختام الآية يقول سبحانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: نحن أكثر علما منك بما يصفونك به في السر والعلانية، من الأوصاف التي يُكَذِّبُهَا ما أنت عليه من الكمال الخلقى والصدق في تبليغهم أحكام ربهم، وفي هذه الجملة وعيد لهؤلاء المتقولين على الرسول بالعقوبة، وتسلية له ﷺ وإرشاد له إلى تفويض الأمر له ، والآية من قبيل الموادعة والمهادنة، حتى يشتد جانب النبي ﷺ ، فيقاتلهم حتى يهتدوا إلى سواء السبيل.
стр. 3093
٩٧، ٩٨ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾:
بعد أن أمر الله نبيه بدفع السيئة بالحسنة، أَمره أن يعوذ به من وساوس الشياطين، ليكون ذلك معينًا له على دفع السيئة بالحسنة، ونحن في كلا الأَمرين مكلفون بالعمل بما أمر الله به رسوله فيهما.
والاستعاذة بالله والاعتصام به من الشياطين أَمر ينبغي الحرص عليه عند الشروع في كل عمل صالح للفرد أَو للمجتمع، فإن الشياطين من الجن والأنس أَعداءٌ للخير، فهم لذلك يحرصرن على الصد عنه بوساوسهم وإِغراءَاتهم المضللة للنفس البشرية، فهم يزينون لها الباطل، وينفرونها من الحق بأَساليب مزوقة وملفقة قد تخفى على التقى الورع، ولا عاصم من خداعهم إلاَّ الله رب العالمين، فلهذا أَمرنا سبحانه بالاستعاذة به من وساوسهم.
والمعنى: وقل - أيها المسلم - عند الشروع في أَمر نافع لك أَو لمجتمعك: يا رب أَعوذ بك وأَعتصم بربوبيتك من وساوس الشياطين الصارفة عن البر والخير، وأعوذ بك وأَعتصم بحمايتك من حضورهم حولى في أَي حال من أَحوالى الدنيوية أَو الأخروية، لأَسلم من شرورها ومغرياتهم الكاذبة: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١).
ومِنْ أَجدر الأَحوال بالاستعاذة بالله من الشياطين حالُ الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل، وعند النوم، لأَنهم ينشطون فيها أكثر من سواها.
وفي الاستعاذة عند النوم: أخرج الإأمام أحمد بسنده عن جَدِّ عَمْرو بن شعيب قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم - من الفزع -: بسم الله أَعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأَن يحضرون" ورواه كذلك أَبو داود والنسائى والترمذى وحسنه.
وفي الأَمر بالتعوذ من حضور الشياطين بعد الأَمر بالتعوذ من همزاتهم مبالغة في التحذير من ملابستهم.
стр. 3094
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.
المفردات:
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في دنياى التي تركتها أو في مالى أَو في إِيمانى. ﴿كَلَّا﴾: كلمة تستعمل للردع والزجر. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أَي: أمامهم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أَي: أَمامهم، وقد يستعمل بمعنى الخلف، فهو كما قال صاحب المختار: من الأَضداد، ويبنى على الضم إذا لم تضفه، كقولك: جئتك من وراءُ، كقولك: من قبلُ ومن بعد (١)، ﴿بَرْزَخٌ﴾: حاجز.
التفسير
٩٩، ١٠٠ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾:
﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وما بعدها غاية لما قبلها، ولهذا يقول النحاة عنها: إنها لابتداء الغاية، وقد مضى أن المشركين أَنكروا البعث وتوحيد الله حتى قالوا فيهما: أَساطير الأَولين، ثم احتج الله عليهم وذكرهم قدرته على كل شيء، وأنه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وأمر نبيه أن يستعيذ به من عذابهم الموعود على كفرهم، وطلب إِليه أَن يدفع سيئتهم بالحسنة، وجاءَت هذه الآية لتبين أَن من أَصَرَّ منهم على الكفر حتى يحضره الموت، طلب الرجوع إلى الحياة ليصلح ما أفسده.
стр. 3095
والمعنى: أن المشركين لا يزدادون بالوعظ التذكير إلاَّ إصرارًا على الكفر حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقن ضلاله حين يرى الملائكة تقبض روحه بعنف وشدة وأدرك حينئذ سوءَ عاقبته، فيقول فيما بينه وبين الله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ثانية إلى الحياة الدنيا لكي أعمل صالحًا في دنياى التي تركتها وليس لى فيها عمل صالح ينفعنى في أُخراي، فيقال له: كلًا لا سبيل إلى الرجوع إليها بعد أن حانت منيتك، ثم يقول الله مؤكدًا تمنيه الرجوع إلى الدنيا، واستحالة رجوعه بقوله: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي: إن قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كلمة هو قائلها لا محالة حين يعاين الموت وسوءَ المنقلب، لاستيلاء الحسرة والندم عليه، وأمامهم حاجز بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا حيث يبقون في قبورهم إلى يوم القيامة، حين يبعثونمنها للحساب والجزاء، والمقصود من حضور الموت حضور أماراته، ومنها حضور الملائكة لقبض روحه بشدة كما قال تعالى في وصف هذة الحالة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (١). وكلامهم مع الله تعالى بصيغة الجمع في قولهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ للتعظيم، وهو أسلوب المسترحمين كما قال الشاعر:
فقلت ارحمونى يا إله محمد … فإن لم أكن أَهلًا فأَنت له أهل
ولفظ (لعل) يستعمل للتعليل وللرجاء، وكلاهما تصح إرادته في قول الكافر المحتضر ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: لكي أعمل صالحًا، أو رجاء أن أعمل صالحًا، والمراد من البرزخ هنا: الحاجز، وهو إرادة الله أن لا عودة للحياة إلاَّ يوم القيامة، ثم بين الله أحوال القيامة فقال:
стр. 3096
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾
المفردات:
﴿الصُّورِ﴾: يطلق على البوق فيكون مفردًا، ويطلق على الصُّور - بفتح الواو- فيكون جمعًا لصورة، مثل بُسْر وبُسْرَة، وسيأْتى مزيد بيان لذلك في التفسير.
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾: أي فلا تنفعهم الأنساب وهي القرابات.
﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: ولا يسأل بعضهم بعضًا عن حاله.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أَي فمن رجحت موزوناته من الأَعمال الصالحة
﴿تَلْفَحُ﴾: تحرق. ﴿كَالِحُونَ﴾: شفاهُهُم متقلصة عن أسنانهم.
التفسير
١٠١ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:
المراد من النفخ في الصور هنا النفخة الثانية التي يبعث عندها الخلائق للحساب والجزاء، والصور: إما البوق، والنافخ فيه إسرافيل ﵇، وإما الأجساد جمع صورة كبُسْر جمع بسرة، والنفخ فيها كناية عن إِطلاق الأَرواح لتلحق بأجسادها، ويؤيد المعنى الثاني قراءَة ابن عباس وغيره ﴿فِى الصوَرْ﴾ بواو مفتوحة، وهي بلا شك جمع صُورَة، والتوفيق
стр. 3097
بين القراءتين بهذا المعنى أَولى من حمله على البوق، قال الآلوسى: ولا تنافى بين النفخ في الصور بمعنى القَرْنِ الذي جاءَ به الخبر ودلت عليه آيات أُخَر، وبين النفخ في الصُّوَر جمع صورة، فقد جاءَ أن هذا النفخ عند ذاك: اهـ.
ومعنى الآية: فإِذا نفخ في صُوَر الخلائق، بأن ألحقت كل روح بجسدها عند قيام الساعة، فبعث الخلائق وحشروا من قبورهم إلى ساحة القضاء الإِلهى، ليقضى لهم أَو عليهم تبعًا لعقائدهم وأَعمالهم، فلا تنفعهم قراباتهم حينئذ كما كانت تنفعهم في دنياهم، ففي ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١).
وحكى عن الجُبَّائي: أن المراد من الآية أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا، وإنما يفتخر هناك بالأَعمال والنجاة من الأهوال (٢)، وكما أنهم لا تنفعهم أنسابهم ولا يفتخرون بها، فكذلك هم لا يتساءَلون عن أَحوالهم، فلا ترى أَحدًا منهم يهتم بغيره فيسأَله عن حاله، لأَن حال كل منهم واضح لغيره، ولأَن الخطب جسيم يشغل كل امرئ عن سواه، وقد صور الله هول ذلك اليوم أَوضح تصوير بقوله في صدر سورة الحج: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾.
فإِن قيل: إنه جاءَ في القرآن أن الكفار يتساءَلون يوم القيامة، كما جاءَ عنهم في سورة الصافات في قوله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ. مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) والجواب: أَنهم لا يتساءَلون في بعض المواطن، ويتساءَلون في بعض آخر ولعله عند جهنم، وقد يقال: إِن المنفى هنا هو سؤال التعارف ونحوه، مما عليه دفع مضرة أَو جلب منفعة، أَما المثبت فهو تساؤلهم
стр. 3098
مع خصمائهم الذين دفعوهم إِلى الكفر، وقد بينه الله تعالى بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ الآيات (١).
ثم بين الله دستوره في القضاء بين عباده يوم القيامة فقال:
١٠٢ - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٢) فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أَي: فمن رجحت أعماله القلبية والظاهرة، وكان لها وزن وقدر عند الله تعالى، بأن كانت عقيدته صالحة، وأَعماله مستقيمة، فأُولئك هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب.
١٠٣ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾:
ومن لم يكن لعقائده وأَعماله وزن من الكفار، فهؤلاء هم الذين خسروا أنفسهم وضيعوها بكفرهم، فهم بسبب ذلك خالدون في جهنم لا يبرحونها أَبدًا، وفي مثل معنى الآية يقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ (٣).
١٠٤ - ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾:
تحرق النار وجوههم، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأَسنان، من أَثر احتراق الوجوه، وتخصيص الوجوه بالذكر مع أَن العذاب بالنار عام لأَجسادهم، لأنها أَشرف الأَعضاء، فبيان سوء حالها أدل على بيان سوء سواها، وأَزجر عن المعاصي المؤدية إِلى النار.
١٠٥ - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾:
يقال لهم حينما يعذبون بالنار - يقال لهم - على سبيل التوبيخ والتحسير: أَلم تكن آياتى يتلوها عليكم رسولى في دنياكم، فكنتم بها تكذبون فور تبليغها إِليكم، من غير تدبر في عاقبة تكذيبم؟.
стр. 3099
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾
المفردات:
﴿شِقْوَتُنَا﴾: الشقوة والشقاوة، ضد السعادة، والمراد أَسبابها من الأهواء وسوء الاختيار.
﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾: أي انزجروا واسكتوا عن هذا المطلب سكوت ذلة وهوان وقنوط.
﴿سِخْرِيًّا﴾: السِّخْريّ والسُّخرية؛ الاستهزاءُ.
التفسير
١٠٦ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾:
في الآية السابقة يوبخ الله أَهل النار على تكذيبهم بآياته، ويلومهم على تسببهم بذلك فيما هم فيه تحسيرًا لهم، وفي هذه الآية يحكي الله جوابهم الذي سوف يجيبون به ربهم، وعُبِّر عنه بصيغة الماضى لتحقق وقوعه.
والمعنى: قال الكفار مجيبين الله تعالى: يا ربنا غلبت علينا أَهواؤنا ونزعاتنا وسوءُ اختيارنا، وسوءُ الظن برسلنا فكذبنا بآياتك في دنيانا، فشقينا بذلك في أُخرانا، وكنا بما فعلناه قومًا ضالين عن سبيل السعادة التي حصل عليها المؤمنون، ثم تمنوا العودة إلى الدنيا لإصلاح ما أفسدوا فقالوا:
стр. 3100
١٠٧ - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾:
ربنا أَخرجنا من النار وارجعنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى تكذيب آياتك والكفر برسلك وارتكاب المعاصي فإنا متجاوزون الحد في الظلم.
١٠٨ - ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾:
قال الله إِقناطًا لهم وإِذلالًا: انزجروا في النار مطرودين من رحمتنا طرد الكلاب، ولا تكلمون بعد في شأن خروجكم منها، فأنتم فيها خالدون.
وقد جاء في الأثر أنهم بعد أَن يقول الله لهم ذلك لا ينبسون بكلمة، وما هو إلّا الزفير والشهيق في نار جهنم، ثم عقب الله زجرهم عن الكلام ببيان سببه بقوله:
١٠٩ - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين﴾:
هذه الآية مستأنفة لتعليل نهيهم عن التماسهم الرجعة إلى الدنيا.
والمعنى: اسكتوا عن دعائى ملتمسين الرجعة إلى الدنيا، لأنه كان جماعة من عبادى المؤمنين يقولون: ربنا آمنا بما أنزلته على رسلك، فاغفر لنا سيئاتنا، وارحمنا بغفرانك وحسن ثوابك، فأنت أَرحم الراحمين وخيرهم أجمعين، فلم يرضكم ذلك منهم.
١١٠ - ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾:
أي: أنكم لم تكتفوا بكفركم، فاتخذتم هؤلاء المؤمنين المستغفرين المسترحمين هدفًا لسخريتكم، تشفيًا منهم واستهزاء بهم، وواظبتم على ذلك حتى أنسوكم تذكرى والخوف من عقابى، فاشتغلتم بإهانتهم عن النظر في عاقبتها وسوء جزائها عندى، وكنتم منهم تضحكون مبالغة في السخرية بهم.
١١١ - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:
في هذه الآية يبين الله أَجر المؤمنين الصابرين، وانتقامهم بإيذاء الكافرين لهم.
стр. 3101
والمعنى: إني جزيت المؤمنين اليوم في الآخرة، بسبب صبرهم على إيذاء الكافرين وسخريتهم - جزيتُهم - بأَنهم هم الفائزون بنعيم الجنة دون المستهزئين، الذين أذللتهم في نار الجحيم، ولنعم عقبى الصابرين.
وقد بين الله في سورة المطففين، أن المؤمنين يثأرون لأنفسهم في الجنة، فقال سبحانه:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١):
أي: هل جوزى الكفار على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا، بِضحِك المؤمنين استهزاءً بهم وهم على الأرائك في الجنة ينظرونهم يتقلبون في نار جهنم.
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾
المفردات:
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ما لبثتم في الأَرض إلا زمنًا قليلًا.
﴿عَبَثًا﴾ العبث: ما لا فائدة فيه أصلًا، أَوْ له فائدة لا يعتد بها.
التفسير
١١٢ - ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾:
هذه الآية تحكى أَنَّ الله تعالى يسأل أَهلَ النار عما لبثوه في الدنيا، بعد أَن طلبوا منه العودة إِليها ليصلحوا ما أَفسدوه، وأَنه زجرهم عن هذا الطلب ونهاهم عن الكلام فيه، فقد فات أَوان العمل وحان وقت الجزاء، والسؤال موجه من الله إلى أَهل النار، إما مباشرة، وإمَّا على لسان ملك كلفه الله به.
стр. 3102
والمقصود منه: توبيخهم على طول أَملهم في الدنيا، واغترارهم بنعيمها وهم فيها، مع أَنها إِلى زوال، واللبث فيها قليل، وتحسيرُهم وتنديمُهمْ على كفرهم بالآخرة، مع أنها - دار الخلود.
والمعنى: قال الله للكافرين: كم عدد السنين التي لبثتموها في الأرض، واغتررتم بنعيمها وتوهمتم البقاءَ فيها وعدم العودة إلينا لحسابكم وجزائكم على ما كان منكم؟ ولما كانت مواعيد الرسل لهم بالآخرة وبقائها قد تحققت لهم معاينة بعد البعث، فقد عرفوا أَن لبثهم في الدنيا كان قليلًا بالنسبة إليه في الآخرة، فلهذا أَجابوا ربهم قائلين:
١١٣ - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾:
أي: لبثنا زمنًا قليلًا نَتَخَيَّلُه يومًا واحدًا أو بعض يوم، فاسأل القادرين على العدِّ من الملائكة الحاسبين لأعمال العباد وأَعمارهم، فهم أعلم منا بذلك، وأَقدر منا على الإِجابة، فلقد دهتنا الدواهى التي نراها في الآخرة، فأنستنا الزمن الذي مكثناه في نعيم الدنيا، وأَصبحثا لا نراه أَكثر من يوم أو بعض يوم، بالنسبة لما نحن مقبلون عليه من خلود في شقاءٍ وعذاب، ولقد صدقهم الله فيما أجابوا به عن قلة مكثهم في الدنيا فيما حكاه بقوله:
١١٤ - ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١):
قال الله ردًّا على أَهل النار: ما لبثتم في الدنيا ونعيمها إِلَّا زمنًا قليلًا كما قلتم اليوم، لو أَنكم في دنياكم كنتم من أَهل العلم والتَّدبُّر، لأدركتم فيها ما أدركتموه اليوم، من أَن زمن الدنيا قصير ونهايته قريبة، وزمن الآخرة طويل بغير نهاية، ولعملتم بمقتضى هذا العلم، ولم يصدر منكم ما أَوجب خلودكم في النار.
أَخرج ابن أَبي حاتم بسنده إِلى رسول الله ﷺ أَنه قال: "إن الله إذا أَدخل أَهل الجنة الجنة وأَهل النار النار قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأَرض عدد سنين قالوا: لبثنا يومًا أَو بعض يوم، قال: لَنعْمَ ما أَنجزتم في يوم أَو بعض يوم،
стр. 3103
رحمتى ورضوانى وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أَهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أَو بعض يوم، فيقول: بئس ما أَنجزتم في يوم أو بعض يوم، نارى وسخطى، امكثوا فيها خالدين مخلدين".
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾
المفردات:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: تَرَفَّع الله بذاته وتنزه. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: المالك الثابت الملك دون سواه. (الْعَرْشِ) العرش في اللغة: سرير الملك، ويكنى به عن العز والسلطان، وعلى الأول فهو كائن عظيم يحيط بالكون، وتصدر من جهته أَوامر الله تعالى إِلى ملائكته، دون أَن يكون الله فيه لاستحالة أَن يكون لله مكان، انظر تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سورة الأعراف. ﴿الْكَرِيمِ﴾: الشريف.
التفسير
١١٥ - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾:
هذه الآية من تمام ردّ الله على أهل النار، والمعنى: أَجهلتم فظننتم أنما خلقناكم عبثا دون حكمة في خلقكم، فلم تفكروا في خالقكم، ولا في حكمة خلقكم، ولا فيما يكون بعد موتكم، فلهذا أَشركتم بنا وكذبتم برسلنا، واعتقدتم أَنكم لا تبعثون بعد الموت لترجعوا إلى حسابنا وجزائنا، كلا ليس الأمر كما زعمتم، فإن خلقكم عبثا لا يليق بربوبيتنا.
стр. 3104
١١٦ - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾:
أي: فتنزه الله بذاته عن خُلُوِّ أفعاله عن الحكم والمصالح الحميدة، فهو الملك الحق الثابت له الملك عن جدارة واستحقاق، الواحد الذي لا معبود بحق إلا هو مالك العرش العظيم في مكانته وشرفه، ومن كان كذلك فلا يصح عقلا أَن يخلقكم عبثا، ولا أَنكم إِليه لا ترجعون للحساب والجزاء كما زعمتم.
والمراد من وصف العرش بالكريم أَنه عظيم الشرف، وكل ما شرف وعظم في بابه يوصف بالكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ (١) وقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٢).
١١٧ - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾:
بين لله تعالى في الآية السابقة أَنه سبحانه هو الملك الحق دون سواه فكل الملوك عبيده المسخَّرون منه لخدمة شعوبهم، ولا مُلْكَ لهم في الحقيقة فيما مكَّنهم الله منه، كما بين أَنه لا معبود بحق سواه، وأَنه رب العرش العظيم، ومن هذا شأْنه فلا يصح أَن يعبد سواه وجاءَت هذه الآية لتؤكد ما أَفادته التي قبلها ضِمْنا من فساد عبادة سواه، ولتبين سوءَ عاقبة من يعبد غيره تعالى.
والمعنى: من يعبد مخلوقا من مخلوقات الله يزعمه إِلَها آخر، لا يمكن أَن يكون له أَي دليل على ربوبيته وصحة عبادته - من يعبده مع الله أَو يفرده بالعبادة - فما حسابه وعقابه الشديد إِلا عند الله ربه وخالقه ومالكه، إِنه لا يفوز ولا ينجو من عقابه الكافرون العابدون لسواه، أَو المشركون له مع الله.
نقل الإِمام ابن كثير عن قتادة قال: ذُكِرَ لنا أَن نبى الله ﷺ قال لرجل: ما تعبد؟ قال: أَعبد الله وكذا وكذا - حتى عَدَّ أَصناما، فقال رسول الله ﷺ
стр. 3105
فأَيُّهم إذا أصابك ضُرُّ فدعوته كشفه عنك، قال: اللهُ ، قال: فأَيّهم إِذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ قال: الله ، قال: فما يحملك على أَن تعبد هؤلاء معه؟ قال: أَردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله ﷺ : (تعلمون ولا يعلمون) قال الرجل بعد ما أسلم: (لقيت رجُلا خَصَمَني) (١) أَي: غلبنى في الخصومة والمقصود من قوله ﷺ (تعلمون ولا يعلمون) أَن هذه المعبودات لا عقل لها ولا علم وأَنتم أيها العابدون أَفضل منها بالعقل والعلم، فكيف تعبدون مَنْ دونكم.
١١٨ - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾:
الأَمر هنا موجه إِلى النبي ﷺ وإِلى أمته تبعًا له، فهو إمامهم، وطَلَبُ النبي ﷺ الغفران من ربه لنفسه، إِنما هو من باب هضم النفس، واتهامها بالتقصير في الطاعة مع الله، وليس المقصود أن يسغفر له ذنبًا حدث منه، فإنه ﷺ معصوم من الذنوب.
والمعنى: وقل - أيها النبي أَنت وأُمتك -: يارب اغفر لنا تقصيرنا. في طاعتك، واشملنا برحمتك الدنيوية والأُخروية، وأَنت خير الراحمين، لأن رحمتك وسعت كل شئٍ.
وقد علَّم النبي ﷺ أَبا بكر الصديق ﵁ أن يقول نحوه في صلاته، فقد أَخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أَبي بكر ﵁ أَنه قال: يا رسول الله علمنى دعاءً أدعو به في صلاتي؟ قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسى ظلمًا كثيرًا، وإِنه لا يغفر الذنوب إلَّا أَنت، فاغفر لى مغفرة من عندك، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم".
стр. 3106
سورة النور
هذه السورة مدنية، وحكى أبو حيان الإِجماع على ذلك، وآياتها أَربع وستون، وجاءَت تالية لسورة (المؤمنون) لتشرح ما ينبغى أَن يكونوا عليه من الآَداب الإسلامية الفاضلة، ولأنه لما ذكر في سورة (المؤمنون) أَن حفظ الفروج من مميزاتهم وصفاتهم الأساسية، وأَنها من أسباب فلاحهم في الدارين، ناسب أن تكون السورة التي تليها متضمنة أَحكام من لم يحفظ فرجه من الزانية والزانى، وما يتصل بذلك من أَحكام القذف للأَعراض البريئة، ووجوب غضِّ البصر الذي هو داعية الزانى، ووجوب الاستئذان صيانة لكرامة البيوت وأعراض أَهلها، والأمر بالنكاح حفظا للفروج، والنهي عن إِكراه الفتيات على الزنى، إلى غير ذلك من الآداب، وبما أَن سورة النور تضمنتْها، فكانت لذلك جديرة بأَن تكون تالية لها.
ما جاء في فضلها:
رُوِى عن مجاهد أَنه قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءَكم سورة النور" وعن حارثة بن مَضْرِب قال: (كتب إِلينا عمر ابن الخطاب ﵁ أَن تعلموا سورة النساءِ والأحزاب والنور).
مقاصدها:
تضمنت هذه السورة وجوب جلد الزانية والزانى وأن لا تأْخذنا بهما رأْفة؛ حماية لأعراض المسلمين، وأن رمى المحصنات بالزنى يقتضي الجلد ثمانين جلدة، وأَن لا تقبل لمن يرميهن شهادة أبدا وأَن يظلوا متصفين بالفسق، ما لم يأْتوا على دعواهم بأَربعة شهداءَ عدول على واقعة الزنى التي ادعوها، كما تضمنت أَن الذي يرمى زوجته بالزنى، ولا يجد شهودًا أَربعة، يتخلص باللعان من حد قذفها، فإذا لاعن عُوقبت (١) زوجتُهُ على زناها، ويَدْرَأ عنها العقاب أن تلاعن بعد لعانه.
стр. 3107
وتحدثت عن قصة الإِفك التي زعمها المنافقون في حق أُم المؤمنين عائشة ﵂ وبينت أَنها بريئة مما زعمه الآَفكون في حقها، وأَنهم عند الله هم الكاذبون، وأَن الذين يحبون أَن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أَليم في الدنيا والآخرة، وأَن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، وجاء فيها: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ ونهت عن دخول الإِنسان بيتًا غير بيته حتى يستأْذن ويسلم على أَهله، فإِن لم يجد فيه أَحدًا يستأْذنه فلا يدخله، وأَن عليه أَن يرجع إِن لم يؤذن له بالدخول.
وأَمرت المؤمنين والمؤمنات أَن يغضوا أَبصارهم ويحفظوا فروجهم، وحثت المؤمنات على إِخفاء زينتهن إِلَّا ما ظهر منها، وأَجازت إظهارها للأَزواج ولَأصَناف تُؤمَنُ مَغبتُهم كالآباء والإِخوة وآباء الأَزواج، والأَطفال غير المميزَين، ونهت عن ضربهن الأَرض بأَرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن كالخلخال، وحثت على إِنكاح الأَيامى والصالحين من العبيد والإِماء، حماية لأَخلاقهم، وأَمرت من لا يستطيع نفقات الزواج بالاستعفاف حتى يغنيه الله من فضله، وحثت على مكاتبة الأَرقاء، ومساعدتهم بالمال ليتحرروا من الرق، كما نهت عن إِكراه الفتيات على البغاء، وبينت أَنه تعالى نور السموات والأَرض، فهو الذي خلقها وخلق النور فيهما، ومثلت نور آياته وبراهين هدايته في قلوب المؤمنين بمشكاة وُضعَ فيها مصباح، أَي: سراج منير، وهذا السراج في قنديل من الزجاج الصافى الأَزهر، كأَنه كوكب مضئ متلألئٌ، ثم قال الله سبحانه: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده، فيوفقه إِلى إِصابة الحق: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لأَفهامهم: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وبينت أَن لِله تعالى بيوتًا ومعابد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وأَنه سيجزيهم أَحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، وأَن أَعمال البر من الكفار لا تنجيهم من النار بسبب كفرهم، فهي ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ
стр. 3108
﴿سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾.
وتحدثت عن تسبيح كل من في السموات والأَرض لله، وأَنه تعالى يعلم صلاتهم وتسبيحهم، وعن قدرته على أَن ينشئَ السحاب ويزجيه ثم يجعله ركامًا بعضه فوق بعض، وأَن المطر يخرج من خلاله، وأَن السحاب على هيئة جبال، قاعدتها إلى أَسفل وقمتها إِلى أَعلى، وأَنه تعالى ينزل منه بَرَدًا - أَي ثلْجًا - كما يُنْزِل منه المطرَ وأَن ضوء برق السحاب يكاد يخطف الأبصار بسرعته، وأَنه تعالى خلق كل دابة تدب على الأَرض - خلقها - من ماءٍ خاص بتلك الدابة، وجعل هذه الدواب أَنواعًا تبعًا لاختلاف مائها وأَصلها: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ وأَنه تعالى يخلق ما يشاءُ وهو على كل شئ قدير، ثم ذكرت أَحوال المنافقين ورياءَهم، وميلهم إِلى تحكيم رؤساء اليهود في خلافهم مع بعض اليهود، بغير حق ليجاملوهم بالقضاءِ لصالح ضد مواطنيهم، لتركهم تحكيم رسولهم، وإذا كان لهم الحق جاءُوا إِلى الرسول مذعنين، فهم ليسوا طلاب حق، بل هم ظالمون.
ووصَفتْ سورة أُخرى من ريائهم، وهي أَنهم كانوا يُقسِمُون أَن الرسول لو دعاهم إِلى الجهاد معه لخرجوا، فكذبهم الله وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وأَمرهم أَن يطيعوا الله ورسوله بإِخلاص حتى يهتدوا، وبين لهم أَنه ما على الرسول إلَّا البلاغ، وقد فعل.
ثم تحدثت عن وعد كريم من الله للمؤمنين الصالحين، وهو أَنه سيستخلفهم في الأَرض، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ويبدلهم من بعد خوفهم أَمنًا، ما داموا قائمين بطاعته.
ثم ذكرت الأَوقات التي يتحتم فيها الاستئذان من العبيد والإِماءِ والمميزين الذين لم يبلغوا الحلمَ من الأَحرار، وأَول هذه الأَوقات: ما قبل الفجر، وثانيها: نصف النهار حيث القيلولة والراحة بعد صلاة الظهر، وثالثها: بعد صلاة العشاء، أمَّا ما عداها من الأَوقات فيباح لهم عدم الاستئذان فيها للحاجة إليهم في قضاءِ المصالح، وعدم وجود عورات يخشى منها في غير هذه الأَو
стр. 3109
فإِذا بلغ الأَطفال الأَحرار الحُلم فقد أَصبحوا رجالًا، فعليهم الاستئذان في كل الأَوقات كما استأذن الذين ذكروا قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
ثم ذكرت أَن القواعد من النساء المتقدمات في السن اللاتى لا يطمعن في نكاح، يباح لهنَّ وضع الملابس الظاهرة كالملحفة (١)، غير قاصدات إظهار الزينة التي تحتها، وبينت أَن الاستعفاف بعدم التخلى عن الثياب الظاهرة خير لهن، وبينت أَنه ليس على الأَعمى والأَعرج والمريض حرج في ترك الجهاد وما يطلب من الأصحاء، كما ذكرت البيوت التي يباح الأَكل فيها دون استئذان، وهي بيوت الأَقارب والأَصدقاء، وذلك بعد إلقاء السلام عليهم وتحيتهم، فكأَن السلام على هؤلاء الأَحباب بمنزلة الاستئذان منهم، ثم نَهَتْ عن ترك المسلم مجلس رسول الله المعقود لأَمر جامع، كالجهاد والتدبير للحرب والجمعة والعيدين، إلاَّ أَن يستأْذنوه لبعض شأْنهم فيأْذن لهم، وحذَّرت المتسللين المخالفين عن أَمره أَن تصيبهبم فتنة أَو عذاب أَليم، إلى غير ذلك من المقاصد التي سنفصلها في شرح الآيات بمشيئة الله تعالى.
стр. 3110
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
المفردات:
﴿سُورَةٌ﴾: من معانيها في اللغة؛: المنزلة الشريفة (١). وقد أُطلقت على سور القرآن، لعظيم شرفها. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: أَي أَوجبنا العمل بأَحكامها، وأَصل الفرض: القطع، أَي جعلناها مقطوعًا بها، لا سبيل إلى الفكاك من الالتزام بها، ومنه فرائض الميراث والنفقة.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لكي تعتبروا. ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾: وصفان من الزنى، وهو وطءُ الرجل امرأَة في فرجها من غير عقد أَو ملك يجيز له وطأَها. ﴿فَاجْلِدُوا﴾: الجلد، إِصابة الجِلْد بما يؤلمه، وسيأْتى بيانه في التفسير. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾: لا تمنعكم عن إِقامة حد الجلد عليهما شفقة في شرع الله وحكمه. ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جماعة تحف بهم ليعتبروا، ووصفهم بطائفة لا يقصد منه أَن يطوفوا ويحلقوا بالمجلود عند جلده،
стр. 3111
بل مجرد اجتماعهم حينئذ كاف، والوصف بالطائفة لبيان الشأْن فيهم.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أَي: شأْن الزانى أَنه لا يرضى بالإِثم معه إلاَّ خبيثة مثله من الزوانى والمشركات، دون العفائف المحصنات، وكذا الأَمر في الزانية لا يرضى بالإِثم معها إِلَّا خبيث مثلها من الزناة والمشركين، دون الأتقياء الصالحين، وسيأْتى للآية معنى آخر في موضعها.
التفسير
١ - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
أَي: سورة عظيمة أَنزلناها إليكم أَيها المسلمون، وفرضنا ما فيها من الأَحكام عليكم لتنفذوها وتعملوا بها، وأَنزلنا فيها آيات واضحات الدلالة على ما فيها من الأَحكام والآداب، فليس فيها مشكلات أَو مشتبهات تحتاج إِلى التأويل، لعلكم تتذكرون وتتعظون بما جاء فيها من الأَحكام الشرعية والأَخلاق الاجتماعية، لتكونوا جديرين بكونكم خير أمة أُخرجت للناس، وعبر بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ مع كونه غير محتاج إِليه في أَصل المعنى لشمول إِنزال السورة لكل آياتها - عبر به - لإِبراز كمال العناية بشأْن إِنزال تلك الآيات الدالة على المُثُل العليا من الأَحكام والآداب، فلهذا تكرر لفظ ﴿أَنْزَلْنَا﴾.
وللإمام الرازى رأْى لطيف في حكمة هذا التكرار، فقد قال: أن الله تعالى ذكر في أَول السورة أَنواعًا من الأَحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد، فقوله تعالى: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ إِشارة إِلى الأَحكام المبينة أولًا، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ إِشارة إلي ما بين من آيات التوحيد، ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فإِن الأَحكام لم تكن معلومة حتى يتذكروها: اهـ.
يقصد أَن التذكر هنا بمعنى: الاعتبار بآيات التوحيد، لا تذكُّر آيات الأَحكام لأَنها لم تكن معلومة حين نزول هذه الآية حتى يتذكروها.
٢ - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾:
كان الزنى معروفًا في الجاهلية بما عرف به في الإِسلام، فهو في لغة العرب وطءُ الرجل امرأَة لا يحل له وطؤها، والذي استحدث في الإِسلام هو بيان فحشه، وفرض الحد
стр. 3112
من يمارسه من الرجال والنساءِ وقد ذكرت أَحكامه في سورتى النساءِ والنور، وفي السُّنَّة النبوية الصحيحة، ولشيوع الزنى في الجاهلية في الحرائر والإماء، تدرج الإِسلام في عقوبة الزناة، فبدأَ بالحبس، وَثَنَّى بالإِيذاء بغير تحديد، ثم يجلد غير المحصن مائة جلدة، ورجم المحصن.
فأَما الحبس فكان للنساءِ خاصة متزوجات أَو أَبكارًا، وذلك بعد ثبوت الزنى عليهن بشهادة أَربعة شهود، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) وكان حبس المرأَة في البيوت قبل أَن تستحدث السجون، فلما استحدثت كُنَّ يُحْبَسْنَ فيها، روى ابن أَبي حاتم بسنده عن ابن جبير أَنه قال: (كانت المرأَة أَول الإِسلام إذا شهد عليها أَربعة من المسلمين عدول بالزنى حبست في السجن، فإِن كان لها زوج أَخذ المهر منها، ولكن ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها): اهـ.
وأَما الإِيذاء فكان للزناة من الرجال جميعا، وأَشار إِلى محصنيهم وغير محصنيهم بالتثنية، فيكون الإيذاء لهم دون النساء، ويشهد لذلك قوله في الآية: "واللذان يأْتيانها منكم" أَي منكم أَيها الرجال وبه قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وقيل إِن الإِيذاءَ كان للزناة من الرجال والنساء محصنين أَو غير محصنين، قال قتادة: كانت المرأَة تحبس ويؤذيان جميعًا، وهذا لأن الرجل يحتاج إِلى السعى والاكتساب ليصرف على أَهله ولا يوجد نص يدل على أَن الحكم بإِيذائهما كان معاصرًا للحكم بحبس المرأَة، أو أَنه تأَخر عنه فكان مرحلة ثانية لعقاب الزناة - وهو الظاهر -، ولم يُحدّد الإِيذاء في الآية، إِذ يقول سبحانه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ولهذا قال بعض العلماء: إِنه كان بالتوبيخ والتعيير (٢)، ومنهم مَنْ قال: هو النيل باللسان والإِيذاءُ بنحو اليد والنعل.
والمرحلة الثالثة: هي الحد، وهو نوعان (أَحدهما) أَن يجلد كل من الزانى والزانية
стр. 3113
مائة جلدة، وهو ما جاءَ في سورة النور، وهو خاص بمن لم يسبق له زواج منهما. (وثانيهما) أَن يرجما إِن سبق لهما الزواج، ويطلق على النوع الأَول من الزناة (غير محصن) وعلى الثاني (محصن) وسنبين أدلة الرجم حين الكلام عليه إن شاءَ الله تعالى.
والجلد في اللغة: ضرب الجِلْدِ، وفيه إِشارة إلى أَن من يقوم بعقاب الزانى لا يبالغ فيتجاوز الجلد إِلى الإِضرار باللحم، ويقول الآلوسى ما خلاصته: إِن الزانية والزانى يجلدان بسوط لا عقدة فيه ولا فرع له كما دلت عليه الأَخبار، والجلد بالسوط كان في عهد عمر ﵁، وبإِجماع الصحابة، وأَما قبله فكان تارة باليد، وتارة بالنعل، وتارة بالجريدة الرطبة وتارة بالعصا .. هكذا قال الآلوسى، وسُمِّي نحو الضرب باليد أَو النعل جلدًا، لما فيه من إصابة الجِلْد بما يؤلمه.
ومن العلماءِ من قال بنزع ثياب المجلود سوى إزاره، وإليه ذهب الحنفية والمالكية، ومنهم من قال: يبقى عليه قميص أو اثنان كالشافعى وأَحمد، ومنهم من قال: تبقى عليه ثيابه إِلا الفرو والمحشو (١)، وعن ابن مسعود: لا يحل في هذه الأمَّة تجريد من الثياب ولا مَدّ: هكذا نقل الآلوسى عن أُولئك الأَئمة (٢).
ثم قال: وينبغي أَن لا يكون الضرب مبرحًا، لأَن الإِهلاك غير مطلوب، ولهذا قالوا: إذا كان من وجب عليه الحد ضعيفًا فخيف عليه الهلاك يجلد جلدًا ضعيفًا يحتمله، كما قالوا: يُفَرَّق الضرب على أَعضاءَ الْمَحُدُودِ، لأَن جمعه في عضو قد يفسده، وربما يفضى إِلى الهلاك، وينبغى أَن يُتَّقى الوجه والمذاكير والرأْس والبطن والصدر: انتهى ملخصًا مما نقله الآلوسى عن الأَئمة.
وقد أَوجب الله تعالى أن يجدد كل من الزانية والزانى مائة جلدة، وهذا الحكم خاص بالبالغ العاقل الحر غير المُحْصَن، وهو الذي لم يتزوج منهما، أما العبيد والإِماءُ البالغون الذين لم يسبق لهم زواج فحد الزانى أَو الزانية منهما خمسون جلدة فقط، لقوله تعالى في الإِماءِ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣) والعبيد مثلهن، إِذ لا فرق بينهم وبينهن في الفاحشة، فليكن العقاب لهم كذلك.
стр. 3114
وذكر الزانية مع الزانى ليكون أَصرح في توقيع الجلد عليها من أَن يقال: (والزانى فاجلدوه) وقدمت على الزانى لأَن الزانى في النساءِ كان فاشيًا حين نزول الآية، وكان لإِماءِ العرب وبغاياهم رايات، وكُنَّ مجاهرات بذلك، ولأن الزنى في النساءِ أَكبر مَعَرَّةً منه في الرجال، ولما يترتب عليه من الحمل، ولأَن الباعث غالبًا منهن، وظاهر الآية يقتضي عموم الجلد للزناة ولو كانوا محصنين - ولكن السنة الصحيحة والإجماع خَصَّاه بغير المحصن، كما سنبينه إِن شاءَ الله تعالى.
والخطاب في قوله تعالى: " ﴿فَاجْلِدُوا﴾ " موجه إِلى المسلمين، ولكن الإمام أَو نائبه ينوب عنهم، لأن اجتماعهم على إقامة الحد متعذر.
المحصن حده الرجم
المراد بالمحصن هنا: البالغ العاقل الحر الذي سبق له الوطءُ في نكاح صحيح، فإِن زنى فحده الرجم حتى يموت، وهذا الحكم أَجمع عليه الصحابة، وعلماءُ الأمة وأئمتها، ولم ينكره سوى الخوارج، وهم بإنكارهم هذا يخالفون إجماع الصحابة، وجميع علماء أَئمة المسلمين، والله تعالى يقول في وجوب العمل بالإِجماع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
ويستند إجماع الصحابة والأَئمة بعدهم إلى ما صح من أَمره ﷺ برجم المحصن، فقد تضافرت الطرق على أَنه ﷺ جاءَه ماعز معترفًا بزناه، فأَعرض عنه مرارًا، ثم عَرَّض له بالرجوع عن إقراره، فلما أَصر وكان متزوجًا أَمر برجمه، أَخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: "لمَّا أَتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: لعلك قَبّلْت أَو غمزت أَو نظرْت. قال: لا - وصرح بحقيقة زناه - قال: فعند ذلك أَمر برجمه، وقد شرح البخاري قصته في رواية له بسنده عن أَبي هريرة قال: "أَتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ من الناس وهو في المسجد، فناداه: إني يا رسول الله زنيت - يريد نفسه -
стр. 3115
فأَعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحى لشِقِّ وجهه (١) الذي أَعرض قِبَلَه (٢)، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأَعرض عنه، فجاءَ لِشِقِّ وجه النبي ﷺ الذي أَعرض عنه، فلما شهد على نفسه أَربع شهادات، دعاه النبي ﷺ فقال: أَبك جُنُونٌ؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أَحْصَنْتَ (٣)؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: "اذهبوا فارجموه … " الحديث، وقد رويت قصة ماعز هذا في جميع كتب السنة وفيها تفصيلات عديدة، وجاءَ في بعضها أَنه ﷺ قال في شأنه: "لقدْ تابَ توْبةً لوْ قُسِّمَتْ بَين أُمة لوَسعَتْهُمْ "، كما يستندُ إِجماع الصحابة على رجم المحصن إِلى قصة الغامدية، فقد جاءَ في صحيح مسلم، أَثناءَ حديث طويل عن عبد الله ابن بريدة عن أَبيه قال: "فجاءت الغامدية (٤) فقلت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرنى، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لمَ ترُدُّنى؟ لعلك أَن ترُدنى كما رَدَدْت ماعزًا، فوالله إني لحُبْلَى، قال: "إما لا (٥)، فاذهبى فأَرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتَته بالصبى في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبى الله قد فطَمْته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أَمر بها فحفر لها إلى صدرها وأَمر الناس برجمها" وقد جاءَ في الحديث أَن خالد بن الوليد كان ممن رجمها وأَنه سبها، فعلم النبي ﷺ بمقالة خالد فيها فقال: "فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحبُ مَكْس (٦) لغُفر له، ثم أَمر بها فصُلِّى عليها وَدُفنتْ" وقد روَى هذه القصة جميع كتب السنة أَيضًا.
وقد حدث مثل ذلك في امرأَة من جهينة جاءَت النبي ﷺ ، وهي حُبْلَى واعترفت بزناها، فتركها حتى وضعت، فأَمر برجمها ثم صلى عليها، فقال له عمر:
стр. 3116
(تصلى عليها يا نبي الله وقد زنت؟) فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أَهل المدينة لوسعتهم، وهل وُجدت توبةٌ أَفضل من أَن جاءَت بنفسها لله تعالى": اهـ من حديث أَخرجه مسلم بسنده في كتاب الحدود (باب حد الزنى) ج ٤ شرح النووى ص ٢٨ رقم ٢٢.
كما استند الإِجماع إِلى ما قضى به ﷺ في قصة العسيف وزوجة الأعرابي، فقد روى مسلم بسنده عن أَبي هريرة وزيد بن خالد الجهنى أَنهما قالا: إن رجلًا من الأَعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أَنْشدُك الله إلَّا قضيت لى بكتاب الله، فقال الخصم الآَخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لى، فقال - رسول الله ﷺ : "قل" قال: إن ابنى كان عسيفًا على هذا (١) فزنى بامرأته، وإنى أخْبرْتُ أَن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة (٢) فسألت أَهل العلم فأَخبرونى أَن ما على ابنى جَلْدُ مائة وتغريب عام، وأَن على امرأَة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذى نفسى بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ (٣)، وعلى ابنك جدد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأَة هذا فإِن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فأعترفت، فأَمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٤).
والمراد من قضاء الرسول بينهما بكتاب الله أَنه يقضى بينهما بحكمه تعالى المكتوب عنده على الزناة المحصنين وعلَّمه رسولَه، وليس المراد منه القرآن.
وكما استند الإِجماع إلى أَفعال الرسول استند أَيضًا إلى أَقواله التي روتها كتب الصحاح.
стр. 3117
اعتراض الخوارج على عمر بن عبد العزيز في الرجم وإفحامه إياهم
كان عمر بن عبد العزيز يقول بالرجم وينفذه كسائر أمراء المؤمنين، فعاب عليه الخوارج ذلك، قائلين: إِنه ليس في كتاب الله، فألزمهم بأعْدَادِ الركعات ومقادير الزكوات ونحو ذلك مما فصلته السنة ولا يوجد في كتاب الله، فقالوا: ذلك من فعله ﷺ والمسلمين، فقال لهم: وهذا أَيضًا كذلك.
وقد تنبأ بذلك عمر بن الخطاب، فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: قال عمر: "لقد خشيت أَن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أَنزلها الله ، أَلا وإِن الرجم حق على من زنى وقد أَحْصَنَ - أَي: تزوج - إذا قامت البينة أو كان الحَمْل أَو الاعتراف) (١).
لماذا لم يذكر الرجم في القرآن
قد يقول قائل: قد ذكر الله من أَحكام الزناة الحبس والإيذاء والجلد في القرآن، فلماذا لم يذكر فيه الرجم، ولعله أَولى منها بالذكر لشدته؟
فالجواب: أَنه تعالى قد أنزل في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ولم يعين في الآية السبيل الذي سوف يجعله لهن عوضًا عن الحبس في البيوت، أَيكون نصًّا قرآنيًّا، أَم يكون حكمًا ينزل به جبريل على رسول الله ليبين به الرسول السبيل الذي ينسخ الحبس في البيوت حتى الموت، ثم أَنزل الله السبيل الناسخ لحبس الزانية في البيوت، فجعله في القرآن مائة جلدة لكل من الزانية والزانى، وجعله في السُّنة الرجم للمحصن مِنْ كُل منهما.
стр. 3118
وقد اعتبر بعض الفقهاء ما جاءَ في السنة مخصصًا لعموم الجلد وقاصرًا له على غير المحصن، واعتبره بعض آخر منهم عقوبة للمحصن زائدة على جلده، فيجلد مائة ثم يرجم، والرأْى الأول أَرجح، لأَن النبي لم يجمعهما على محصن في عهده، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أَن الله تعالى أَعطى نبيه حق بيان القرآن بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا البيان ملزم للمسلمين أَن يعملوا به لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فالنبي حين بيَّن أَن حكم الزانى المحصن من الإناث والذكور الرجم يكون قد بين السبيل الثاني الذي جعله الله بدلًا من حبس الزناة. وإِيذائهم الواردين في سورة النساء، تنفيذًا لوعد الله إذ يقول: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كما بين عمليًّا أَن السبيل الأَول الوارد بآية الجلد خاص بمن لم يتزوج، وكلاهما حق منحه الله لنبيه، ومعظم ما جاءَ في القرآن قواعد عامة، فلم يتعرض القرآن لتفصيل الأَحكام إِلَّا قليلا، والحكمة في ذلك أَن يتيسر حفظه ويتضح إِعجازه، ولهذا أُحيل تفصيل معظم الأَحكام ولو كانت خطيرة على الرسول بوحى من الله تعالى، كتفصيل أَحكام الصلاة والزكاة، فإِنهما لم يرد عنهما في القرآن سوى الأَمر بهما دون تفصيل لأَركانهما وشروطهما وأوقاتهما، وَغَيْرهما كثير على هذا النمط.
ولعل الحكمة في إسناد بيان حكم الرجم إلى الرسول أَن يَعْلَم المؤمنون أَن السنة يجب الأَخذ بها حتى في أَخطر الأَحكام. والله الموفق.
الحكمة في تشديد الحد على الزناة
قد يقول قائل: لماذا شدد الإِسلام في حد الزناة، فجعله في غير المحصن من الذكور والإِناث إِلى مائة جلدة، وفي المحصن منهما إلى الرجم؟
والجواب: أن العقاب ينبغي أَن يكون بقدر حجم الجريمة، ولما كان الزنى تترتب عليه آثار سيئة في المجتمع الإِسلامى، حيث تفضح به الأعراض، وتختلط به الأَنساب،
стр. 3119
ويُخْتَانُ به الأزواج والأهلون المخدوعون في شرف ذويهم، وتقتل بعده الأجنة أو الأطفال الناجمون عنه، تخلصًا من عارهم، وتنتشر به الفتن والمفاسد والتحلل الخلقي - لمّا كانت تترتب عليه تلك الآثار - جعل الله الحد فيه شديدا دَرْءًا لمفاسده، ووقاية للمجتمع من شروره وويلاته، فإِذا علمه من تميل نفسه الخسيسة إلى الزنى، تجنبه خوفًا من عقوبته في الدنيا والآخرة.
ولا شك أن تنفيذ الحد على الزناة، بالصورة التي أرادتها الشريعة، يحدث أَثرًا طيبًا في المجتمع الإِسلامى، حيث يكف الفجرة عن الزنى خوفًا من عقوبته، فتسلم الأَعراض وتصان الحرمات وتصحح الأنساب، وينتهى وأْد الأجنة، وتمتنع الفتن، بل يتلاشى تنفيذ هذا الحد، لعدم وقوع الزنى، أَو يندر تنفيذه لندرة وقوع الزنى أو تعذر إِثباته.
شروط إقامة الحد وما ينبغي للقاضى
لا يقام حد الزانى على من اقترفه، إلَّا إِذا ثبت الزنى عليه باعترافه - ذكرا كان أَو أنثى - وإصراره على هذا الاعتراف - أَو بأَن يشهد عليه أربعة شهود عدول رأَوا الواقعة وحكوها على طبيعتها تمامًا، أَوْ بِحَمْلِ البكر أَو الثيب التي لا زوج لها، فأَما اعتراف الزانى بزناه فإنه إِذا كان قد حدث في العصر النبوى، طلبًا للبراءَة من إِثمه قبل لقاء الله تعالى، فإِنه يندر حدوثه في هذا العصر الذي كثرت فيه المآثم، بل ربما ينعدم، لأن الشرع لا يلزمه بالاعتراف سترًا لإِثمه وفتحًا لمجال التوبة له فيما بينه وبين ربه - كما سنبينه.
وأَما اجتماع الشهود الأربع في وقت واحد، ورؤيتهم واقعة الزني بتفاصيلها، فما لم يكن عن طريق الصدفة، فإِنه يتعذر حصوله عن طريق الاستدعاء، وبما أَن الصدفة في ذلك أمر بعيد الاحتمال، وحضور الشهود بطريق الاستدعاء يتم بعد حصول الجريمة، فلهذا يكون إِثباته عن طريق شهود الرؤية أَمرًا متعذرًا.
стр. 3120
وأَما إثباته بحمل البكر أَو الثيب التي لا زوج لها، فهو نادر، بل ربما كان بعيد الاحتمال في عصر ابتكرت فيه وسائل منع الحمل.
وقد بلغت سماحة الإسلام في تجنيب الزانى حد الزنى، وتركه لربه لعله يتوب فيما بينه وبينه، أَنه ينبغي للقاضى أَن لا يتعقب اعترافه، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ فجاءَ رجل فقال: إني أصبت حدا فأقمْ فيَّ كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال - حدك".
وإذا أصر الزاني على اعترافه بأَنه زنى، رغبة في إقامة الحد، ينبغي للقاضى أَن يصرفه عن اعترافه هذا بالتعريض له بتركه؛ فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: (لما أتى ماعز النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أَو نظرت" قال لا يا رسول الله) أي: أنه ﷺ يريد أَن يقول له: لعلك اعتبرت واحدًا من هذه الثلاثة زنى، فقلت إِنك زنيت، وليس في مثل ذلك حد فانصَرِفْ، ولكنه أصر على أَنه زنى حقيقة، ولقد مضى أَن النبي كان يعرض بوجهه عنه لينصَرِفَ، فيعود فيواجه النبي باعترافه أَربِع مرات، فأمر برجمه.
ويروى البخاري في هذا حديثا في صحيحه بسنده عن جابر (أن رجلا من أسلم جاءً النبي ﷺ فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي ﷺ : "أَبك جنون؟ " قال: لا، قال: آحْصنت (١)؟ قال: نعم، فرُجِمَ بالمصلى … ) الحديث، فمن هذا التفصيل نعلم أن إقامة الحد على الزانى محوطة بحصانة وضمانات تجعلها شبه متعذرة لحرص الشارع على الستر على الأعراض، وترك الباب مفتوحا للمذنب ليتوب إلى ربه فيما بينه وبينه.
لا يشترط في الرجم أن يكون بالحجارة
أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد (أَن رجلا من أسلم يقال له ماعز ابن مالك أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أَصبت فاحشة فأَقمه عليّ، فردّه