← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

(تصلى عليها يا نبي الله وقد زنت؟) فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أَهل المدينة لوسعتهم، وهل وُجدت توبةٌ أَفضل من أَن جاءَت بنفسها لله تعالى": اهـ من حديث أَخرجه مسلم بسنده في كتاب الحدود (باب حد الزنى) ج ٤ شرح النووى ص ٢٨ رقم ٢٢. كما استند الإِجماع إِلى ما قضى به ﷺ في قصة العسيف وزوجة الأعرابي، فقد روى مسلم بسنده عن أَبي هريرة وزيد بن خالد الجهنى أَنهما قالا: إن رجلًا من الأَعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أَنْشدُك الله إلَّا قضيت لى بكتاب الله، فقال الخصم الآَخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لى، فقال - رسول الله ﷺ : "قل" قال: إن ابنى كان عسيفًا على هذا (١) فزنى بامرأته، وإنى أخْبرْتُ أَن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة (٢) فسألت أَهل العلم فأَخبرونى أَن ما على ابنى جَلْدُ مائة وتغريب عام، وأَن على امرأَة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "والذى نفسى بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رَدٌّ (٣)، وعلى ابنك جدد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأَة هذا فإِن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها فأعترفت، فأَمر بها رسول الله ﷺ فرجمت (٤). والمراد من قضاء الرسول بينهما بكتاب الله أَنه يقضى بينهما بحكمه تعالى المكتوب عنده على الزناة المحصنين وعلَّمه رسولَه، وليس المراد منه القرآن. وكما استند الإِجماع إلى أَفعال الرسول استند أَيضًا إلى أَقواله التي روتها كتب الصحاح.

стр. 3117

اعتراض الخوارج على عمر بن عبد العزيز في الرجم وإفحامه إياهم كان عمر بن عبد العزيز يقول بالرجم وينفذه كسائر أمراء المؤمنين، فعاب عليه الخوارج ذلك، قائلين: إِنه ليس في كتاب الله، فألزمهم بأعْدَادِ الركعات ومقادير الزكوات ونحو ذلك مما فصلته السنة ولا يوجد في كتاب الله، فقالوا: ذلك من فعله ﷺ والمسلمين، فقال لهم: وهذا أَيضًا كذلك. وقد تنبأ بذلك عمر بن الخطاب، فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: قال عمر: "لقد خشيت أَن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أَنزلها الله ، أَلا وإِن الرجم حق على من زنى وقد أَحْصَنَ - أَي: تزوج - إذا قامت البينة أو كان الحَمْل أَو الاعتراف) (١). لماذا لم يذكر الرجم في القرآن قد يقول قائل: قد ذكر الله من أَحكام الزناة الحبس والإيذاء والجلد في القرآن، فلماذا لم يذكر فيه الرجم، ولعله أَولى منها بالذكر لشدته؟ فالجواب: أَنه تعالى قد أنزل في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ولم يعين في الآية السبيل الذي سوف يجعله لهن عوضًا عن الحبس في البيوت، أَيكون نصًّا قرآنيًّا، أَم يكون حكمًا ينزل به جبريل على رسول الله ليبين به الرسول السبيل الذي ينسخ الحبس في البيوت حتى الموت، ثم أَنزل الله السبيل الناسخ لحبس الزانية في البيوت، فجعله في القرآن مائة جلدة لكل من الزانية والزانى، وجعله في السُّنة الرجم للمحصن مِنْ كُل منهما.

стр. 3118

وقد اعتبر بعض الفقهاء ما جاءَ في السنة مخصصًا لعموم الجلد وقاصرًا له على غير المحصن، واعتبره بعض آخر منهم عقوبة للمحصن زائدة على جلده، فيجلد مائة ثم يرجم، والرأْى الأول أَرجح، لأَن النبي لم يجمعهما على محصن في عهده، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أَن الله تعالى أَعطى نبيه حق بيان القرآن بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهذا البيان ملزم للمسلمين أَن يعملوا به لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فالنبي حين بيَّن أَن حكم الزانى المحصن من الإناث والذكور الرجم يكون قد بين السبيل الثاني الذي جعله الله بدلًا من حبس الزناة. وإِيذائهم الواردين في سورة النساء، تنفيذًا لوعد الله إذ يقول: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كما بين عمليًّا أَن السبيل الأَول الوارد بآية الجلد خاص بمن لم يتزوج، وكلاهما حق منحه الله لنبيه، ومعظم ما جاءَ في القرآن قواعد عامة، فلم يتعرض القرآن لتفصيل الأَحكام إِلَّا قليلا، والحكمة في ذلك أَن يتيسر حفظه ويتضح إِعجازه، ولهذا أُحيل تفصيل معظم الأَحكام ولو كانت خطيرة على الرسول بوحى من الله تعالى، كتفصيل أَحكام الصلاة والزكاة، فإِنهما لم يرد عنهما في القرآن سوى الأَمر بهما دون تفصيل لأَركانهما وشروطهما وأوقاتهما، وَغَيْرهما كثير على هذا النمط. ولعل الحكمة في إسناد بيان حكم الرجم إلى الرسول أَن يَعْلَم المؤمنون أَن السنة يجب الأَخذ بها حتى في أَخطر الأَحكام. والله الموفق. الحكمة في تشديد الحد على الزناة قد يقول قائل: لماذا شدد الإِسلام في حد الزناة، فجعله في غير المحصن من الذكور والإِناث إِلى مائة جلدة، وفي المحصن منهما إلى الرجم؟ والجواب: أن العقاب ينبغي أَن يكون بقدر حجم الجريمة، ولما كان الزنى تترتب عليه آثار سيئة في المجتمع الإِسلامى، حيث تفضح به الأعراض، وتختلط به الأَنساب،

стр. 3119

ويُخْتَانُ به الأزواج والأهلون المخدوعون في شرف ذويهم، وتقتل بعده الأجنة أو الأطفال الناجمون عنه، تخلصًا من عارهم، وتنتشر به الفتن والمفاسد والتحلل الخلقي - لمّا كانت تترتب عليه تلك الآثار - جعل الله الحد فيه شديدا دَرْءًا لمفاسده، ووقاية للمجتمع من شروره وويلاته، فإِذا علمه من تميل نفسه الخسيسة إلى الزنى، تجنبه خوفًا من عقوبته في الدنيا والآخرة. ولا شك أن تنفيذ الحد على الزناة، بالصورة التي أرادتها الشريعة، يحدث أَثرًا طيبًا في المجتمع الإِسلامى، حيث يكف الفجرة عن الزنى خوفًا من عقوبته، فتسلم الأَعراض وتصان الحرمات وتصحح الأنساب، وينتهى وأْد الأجنة، وتمتنع الفتن، بل يتلاشى تنفيذ هذا الحد، لعدم وقوع الزنى، أَو يندر تنفيذه لندرة وقوع الزنى أو تعذر إِثباته. شروط إقامة الحد وما ينبغي للقاضى لا يقام حد الزانى على من اقترفه، إلَّا إِذا ثبت الزنى عليه باعترافه - ذكرا كان أَو أنثى - وإصراره على هذا الاعتراف - أَو بأَن يشهد عليه أربعة شهود عدول رأَوا الواقعة وحكوها على طبيعتها تمامًا، أَوْ بِحَمْلِ البكر أَو الثيب التي لا زوج لها، فأَما اعتراف الزانى بزناه فإنه إِذا كان قد حدث في العصر النبوى، طلبًا للبراءَة من إِثمه قبل لقاء الله تعالى، فإِنه يندر حدوثه في هذا العصر الذي كثرت فيه المآثم، بل ربما ينعدم، لأن الشرع لا يلزمه بالاعتراف سترًا لإِثمه وفتحًا لمجال التوبة له فيما بينه وبين ربه - كما سنبينه. وأَما اجتماع الشهود الأربع في وقت واحد، ورؤيتهم واقعة الزني بتفاصيلها، فما لم يكن عن طريق الصدفة، فإِنه يتعذر حصوله عن طريق الاستدعاء، وبما أَن الصدفة في ذلك أمر بعيد الاحتمال، وحضور الشهود بطريق الاستدعاء يتم بعد حصول الجريمة، فلهذا يكون إِثباته عن طريق شهود الرؤية أَمرًا متعذرًا.

стр. 3120

وأَما إثباته بحمل البكر أَو الثيب التي لا زوج لها، فهو نادر، بل ربما كان بعيد الاحتمال في عصر ابتكرت فيه وسائل منع الحمل. وقد بلغت سماحة الإسلام في تجنيب الزانى حد الزنى، وتركه لربه لعله يتوب فيما بينه وبينه، أَنه ينبغي للقاضى أَن لا يتعقب اعترافه، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ فجاءَ رجل فقال: إني أصبت حدا فأقمْ فيَّ كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك - أو قال - حدك". وإذا أصر الزاني على اعترافه بأَنه زنى، رغبة في إقامة الحد، ينبغي للقاضى أَن يصرفه عن اعترافه هذا بالتعريض له بتركه؛ فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس قال: (لما أتى ماعز النبي ﷺ قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أَو نظرت" قال لا يا رسول الله) أي: أنه ﷺ يريد أَن يقول له: لعلك اعتبرت واحدًا من هذه الثلاثة زنى، فقلت إِنك زنيت، وليس في مثل ذلك حد فانصَرِفْ، ولكنه أصر على أَنه زنى حقيقة، ولقد مضى أَن النبي كان يعرض بوجهه عنه لينصَرِفَ، فيعود فيواجه النبي باعترافه أَربِع مرات، فأمر برجمه. ويروى البخاري في هذا حديثا في صحيحه بسنده عن جابر (أن رجلا من أسلم جاءً النبي ﷺ فاعترف بالزنى فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي ﷺ : "أَبك جنون؟ " قال: لا، قال: آحْصنت (١)؟ قال: نعم، فرُجِمَ بالمصلى … ) الحديث، فمن هذا التفصيل نعلم أن إقامة الحد على الزانى محوطة بحصانة وضمانات تجعلها شبه متعذرة لحرص الشارع على الستر على الأعراض، وترك الباب مفتوحا للمذنب ليتوب إلى ربه فيما بينه وبينه. لا يشترط في الرجم أن يكون بالحجارة أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد (أَن رجلا من أسلم يقال له ماعز ابن مالك أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أَصبت فاحشة فأَقمه عليّ، فردّه

стр. 3121

النبي ﷺ مرارًا، قال: ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسا، إلا أَنه أصاب شيئًا يرى أَنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغَرْقَد - قال - فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم والمدر والخزف، قال: فاشتد واشتَددْنا خَلْفَه حتى أتى عُرْض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة … " الحديث (١). فأنت ترى أن أصحاب النبي ﷺ رجموا الزانى المحصن في عهده ﷺ بالعظم وبالمدر؟ وهو قطع الطين اليابس - كما في القاموس، جمع مدرة بفتحات - ورجموه بالخزف - وهو قطع الفخار المكسور - كما رموه بجلاميد الحجارة حتى مات، فهذا يدل على أن المقصود برجمه قتله بشيءٍ جامد يفضي إِلى موته، فهل لنا أن نرجمه في عصرنا هذا بالرصاص، قياسا على ما فعله أصحاب النبي ﷺ في عهده، حيث لم يقتصروا في قتلهم ماعزا على جلاميد الحجارة، بل استعملوا العظم وسواه من كل جامد يفضى إلى القتل، والرصاص كذلك؟ وإِذا كان الرجم بالحجارة والعظم والخزف ونحوها أمرًا اقتضته الضرورة في عهده ﷺ قبل أن يخترع الرصاص، فهو اليوم ليس ضروريا بعد اختراعه، وقد يسئ إِلينا استعماله في العصر الذي نعيش فيه، حيث يحمل أَعداء الإسلام على التشهير بنا بسببه، هذه مسألة جديرة بالنظر ومحتاجة إِلى رأى المجتهدين للبت فيها والله الموفق. فإن قيل: إن الرمى بالحجارة يعطى المرجوم فرصة للهرب، لأنه يرمى واقفا من غير توثيق كما فعل بماعز،، والهرب من الحد مرغوب فيه، أَما الرمى بالرصاص فإِنه يستلزم توثيقه وربطه ليصيبه، فالجواب أَن ماعزا لم يكن بحاجة إلى توثيقه وإمساكه فهو الذي أصر على إِقامة الحد عليه (٢)، على أن تركه بلا إِمساك ليس بواجب، فقد جاءَ في حديث الغامدية الذي مرت روايته عن مسلم، أن النبي لما أَمر برجمها بعد فطمها صبيها، حفروا لها حفرة إلى صدرها فرجمت، مع أنها جاءته معترفة طالبة إقامة الحد عليها، وأَمهلها النبي حتى

стр. 3122

ومعنى الآية على هذا: الزانى لا يليق به أَن يتزوج إلا زانية أو مشركة لقبحه مثلهما، والزانية لا يليق أَن يتزوج بها إلاّ زان أَو مشرك كذلك، فالخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، فالآية تُزهِّد في نكاح البغايا والزناة، وليس الغرض منها إباحة زواجهن أَو زواج المشركات للزناة من المؤمنين، كما أنها تحث المؤمنين والمؤمنات على التصوّن من نكاح هذا النمط من الفساق، وأَن يكون الطيبات منهم للطيبين، والطيبون للطيبات: وعلى هذا التأْويل يفسر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بمعنى: حُرِّم نكاح البغايا والزناة على المؤمنين (١)، لما فيه من التسبب في سوء القالة، والتعرض للإقدم على مثل فعلهم، فإن مجالسة الفساق والخطائين تحمل على مثل فعلهم، فكيف بمزاوجة الزوانى والزناة، وبخاصة إذا كان بقصد التكسب بالفاحشة، وفي الآية آراءٌ مختلفة، وما ذكرنا أفضلُها، ولو تزوج المؤمن بزانية فمع حرمة الزواج بها للأسباب المذكورة يصح العقد عليها فقد سُئل رسول الله ﷺ عن رجل زنى بامرأَة وأَراد أَن يتزوجها فقال: "الحرام لا يحرم الحلال" أخرجه الطبرانى وغيره عن عائشة وبه أَخذ أَبو بكر وابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ المفردات: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: يقذفون العفيفات بتهمة الزنى. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الخارجون عن طاعة الله.

стр. 3123

٣ - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: بيَّن الله في الآية السابقة أَن مرتكب جريمة الزنى إذا كان حُرًّا يجلد مائة جلدة، سواءٌ أَكان من الرجال أَم من النساءِ، وأنه لا يحل للمسلمين أَن يتساهلوا في تنفيذ هذا الحد رأْفة بالزناة، وأَن يشَهَّر بهم عند تنفيذه بأَن يشهد إِقامة الحد عليهم طائفة من المؤمنين. وجاءَ بهذه الآية عقبها، لبيان حقارة الزانى والزانية، وأَن كليهما لا يرضى بالاستجابة إِلى فاحشته إلا مثله أَو أَخس منه، والنكاح في هذه الآية بمعنى الجماع كما صح عن ابن عباس (١). والمعنى على هذا: الزانى لخِسَّتِهِ وقبحه، لا يطأُ سفاحًا إلا زانية تماثله في فحشه وخبثه، أَو امرأَة مشركة لا ترى فيه ما يشينها، فكلتاهما تطاوعه لفقد الوازع الدينى والخلقى لديهما، أما العفيفة المؤمنة فلا سبيل له إلى الفسق بها، لحصانتها بعفتها ودينها المتين، والزانية لخستها وفحشها لا يطؤها سفاحًا إلا زانٍ يماثلها في فحشها أو مشرك يحاكيها في خبثها، وحرم ذلك على المؤمنين، لأنه لا يليق بإيمانهم التلوث بمثله، ولو كان لدى الزناة إِيمان لبعدوا عنه، قال ﷺ : "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن" وأَجاز بعض الأَئمة تفسير النكاح هنا بالتزوج، على ما هو معروف في نصوص القرآن الكريم، ويؤيده ما أَخرجه ابن أبي حاتم في سبب نزول الآية عن مقاتل أنه قال: (لما قدم المهاجرون المدينة قدموها وهم بِجَهْدٍ إلَّا قليلًا منهم، والمدينة غالية السعر، شديدة الجَهْد (٢)، وفي السوق زوانٍ متَعَالِنَاتٌ من أَهل الكتاب، وإماءٌ لبعض الأنصار، قد رفعت كلُّ امرأَة منهن على بابها علامةً لتُعرفَ آنها زانية، وكنّ مِنْ أَخصب أَهل المدينة وأكثرهم خيرًا، فرغب أُناس من مهاجرى المسلمين فيما يكتسبن للذي فيهم من الجهْد، فأشار بعضهم على بعض: لو تزوجنا بعض هؤلاء الزوانى، فنصيب من فضول ما يكتسبن، فإِذا وجدنا عنهن غِنًى تركناهن، فأَنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 3124

ناطقًا غير مكره، عالمًا بالحرمة ولو حكمًا، بأن نشأَ في دار الإسلام، ويشترط في الاتهام المقذوف به، أَن يكون بوطءٍ يلزمه فيه الحد، وهو الزنى أَو اللواط أَو بنفى ولد عن أَبيه، فلا يكفى أَن يقول للمقذوف: يا فاسق أَو يا فاجر فإن في ذلك التعزير لا الحد إذا ثبت بإقرار أَو بشهادة رجلين، ويشترط في المقذوف: الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمى بها. قال القرطبى في المسأَلة الرابعة: وإِنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف وإِن لم يكونا من معانى الإِحصان، لأَجل أَن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرة على من عدم العقل والبلوغ - كذا قال. فإذا قذف المسلم رجلًا أَو امرأَة من أهل الكتاب فلا حد على المسلم القاذف ولكنه يعزر ما لم تكن المقذوفة كتابية متزوجة بمسلم، فقد قيل بجلد من يقذفها، كما نقله القرطبى في المسألة السادسة، ومن رمى صبية بالزنى قبل البلوغ، وكان يمكن وطؤها، فإن ذلك يعتبر قذفًا يستوجب الحد عند الإمام مالك. وقال الإمام أحمد في الجارية بنت تسع: يجلد قاذفها، وكذا الصبى إذا بلغ عشرًا، وقال الإمام مالك: إِذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفا يُحَدُّ عليه، وقال أَبو حنيفة والشافعى وأَبو ثور: ليس بقذفٍ يُحَدُّ عليه، لأنها لو فعلته هي فلا يعتبر زنى في حقها، لأنها لم تبلغ حتى تدخل دائرة التكليف، ولهذا لا يقام عليها الحد، ولكن يعزر من سبها، ويقول ابن العربى تعقيبًا على هذا الخلاف: المسألة محتملة مشكلة، لكن مالكًا راعى حماية عرض المقذوف (١) وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أَولى، لأن القاذف كشف ستره، فلزمه الحد (٢). وقد بينت الآية أَن الحد إنما يقام على القاذف إِذا لم يأْت بأَربعة شهداءَ على واقعة الزنى، فإن جاءَ بهم فلا يقام عليه حد، ومثله ما إِذا اعترف المقذوف بالزنى أَو اللواط، فإنه يسقط الحد عن القاذف، ولابد في شهادتهم أن تكون رواية مفصلة لواقعة عاينوها بحقائقها، فإن امتنع أَحدهم عن الشهادة، وشهد غيره، جلد هؤلاء الثلاثة كما يجلد القاذف تمامًا،

стр. 3125

التفسير ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: هذه الآية مبينة حكم من نسب الزنى إِلى غيره، بعد بيان حكم من فعله، والآية كما في صحيح البخاري نزلت في عويمر بن أمية بعد ما قذف زوجته خولة بنت عاصم بشريك ابن سمحاء، وقيل: نزلت بسبب قصة الإفك. والرمى في أَصل اللغة: يستعمل في قذف الشيء باليد ونحوها، تقول: رمى الحجر أَو السَّهم، أي: قذفه، ثم استعمل مجازًا في السب والشتم، والمراد منه هنا السب بالزنى بقرينة اشتراط شهود أَربعة، وذلك خاص بالزنى، والمراد بالمحصنات هنا النساءُ العفيفات، وقد قرئت بفتح الصاد وبكسرها، فقراءَة الفتح على معنى اللاتى أحصنهن أَهلهن، وقراءَة الكسر على معنى اللاتي نشأْن في حصانة وعفة، يقال: أحصنت المرأة أَي: عفت، وأحصنها أهلها أَي: ربَّوها على العفة، فالفعل لازم ومتعد، واقتصار الآية على النساء العفيفات لا يمنع من إيجاب حد القذف على من يقذف الرجال الأعفاءَ باللواط فيما بينهم أَو بالزنى وهذا أمر داخل في الآية بالمعنى، وحكم مجمع عليه، فإنه لا وجه لتخصيص النساء بهذا الحكم دون الرجال، فالإِسلام حريص على كرامة الإنسان بنوعيه، والحكمة في التصريح بالنساء في الآية أَن رميهن بالفاحشة أَكثر وأشنع (١)، وأَن النفوس تسرع إلى تصديق القذف فيهن أَكثر، فلهذا خصمهن بالذكر في الآية مبالغة في حماية أعراضهن، ومثل ذلك أَن الله تعالى نص على حرمة لحم الخنزير، وقد دخل في حكمه الشحم والغضاريف، لأَنه لا وجه لتخصيص لحمه بالحرمة دون شحمه وغضاريفه. ويقول ابن كثير: إِذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه، وليس في هذا نزاع بين العلماء. ويثبت الإحصان، أَي: العفة في المقذوت، بإقرار القاذف بها، أو بشهادة رجلين أَو رجل وامرأتين، ويشترط فيمن قذفه لكي يقام عليه حد القذف أن يكون بالغًا عاقلًا

стр. 3126

بأَنه زَنَى أَو فُعِلَ به اللواط، حماية للمسلمين من سوءِ القالة، وكفا لأَلسنة الناس عن الخوض في الباطل. ٥ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: اختلف العلماءُ في هذا الاستثناء، فقال بعضهم: إنه يعود إِلى الجملة الأخيرة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دون ما قبلها، فإذا تاب القاذف وأَصلح ارتفع عنه وصف الفسق ويبقى مردود الشهادة طول حياته بعد جلده، فردُّ الشهادة عند هؤلاء العلماء من الحد فلا يسقط بالتوبة، وممن قال بذلك: القاضى شريح وسعيد بن جبير ومكحول وأَبو حنيفة، ومنهم من قال: يرجع إِلى الجملتين الثانية والثالثة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهذا يقتضي أَن من تاب وأَصلح تقبل شهادته ويزول فسقه، فالحد عندهم قاصر على الجلد، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب سيد التابعين، والأَئمة مالك والشافعى وأحمد وجماعة من السلف. وقال الشعبى والضحاك: لا تقبل شهادته وإِن تاب إلاَّ أَن يعترف على نفسه بأَنه كان مُفْتَريًا، فحينئذ تقبل شهادته (١). ولما بين الله حكم قذف الأَجنبيات عقبه بحكم قذف الزوجات فقال سبحانه:

стр. 3127

وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب بثلاثة شهدوا بالزني على المغيرة بن شعبة، وتوقف الرابع عن الشهادة عليه (١) فإِن تمت الشهادة. ولم تثبت عدالة الشهود، فلا حد على الشهود ولا على المشهود عند بعضهم، وعلى الشهود الحد عند آخرين. (٢) وحدُّ القذف كما بينته الآية ثمانون جلدة، على نحو ما تقدم بيانه في جلد الزانية والزانى في كيفية الجلد، فإن كان القاذف عبدًا والقذف للحر، جلد العبد أَربعين، لأَنه في الحدود على النصف من الحر، وهذا هو رأْى الجمهور، وروى ابن مسعود وعمر ابن عبد العزيز وغيرهما: أَنه يجلد ثمانين جلدة، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولا يقتصر عقاب القاذفين على إِقامة الحد عليهم، بل ترد شهادتهم دائمًا في أَي أمر شهدوا عليه، ويحكم بأنهم فاسقون عند الله وعند الناس، وإِنما شدد الله العقاب على القاذفين لغيرهم بالزنى، وأَوجب عليهم أَن يأْتوا بأَربعة شهود عدول إن أَرادوا الإِفلات من عقابهم حماية لأَعراض العباد، وستْرًا على الخَطَّائين لعلهم يتوبون. وترد شهادة القاذف عند الشافعية إِذا ثبت عليه القذف - وإِن لم يقم عليه الحد بعد وأَما عند الحنفية فلا ترد شهادته إِلاَّ بعد تمام جلده، أَو بعد البدء فيه ولو بسوط واحد - كما قال بعض آخر منهم، أو بعد إقامة أَكثره عند فريق ثالث منهم، أَمَّا قبل ذلك فتقبل شهادته. والمعنى الإِجمالي للآية: والذين يقذفون النساء العفائف من المسلمات الحرائر، ثم لم يأْتوا بأَربعة من الرجال العدول، يشهدون تفصيلًا على واقعة الزنى وقد رأَوها بأَعينهم، فعاقبوا هؤلاء القاذفين ثلاث عقوبات، أَولاها: أن تجلدوهم ثمانين جلدة، وثانيتها: أَن تَردُّوا شهادتهم ما دامو أَحياء، وثالثتها: أَن تصفوهم بالفسق والخروج عن طاعة الله، وذلك حماية لأَعراض المسلمات والمسلمين من أَلسنة الكاذبين، وستْرًا للخاطئين منهم لعلهم يتوبون ويرجون إِلى ربهم فيما بينهم وبينه، ومثل ذلك في العقوبة من يقذف مسلمًا حرًّا عفيفًا

стр. 3128

التفسير ٦، ٧ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾: كان المسلمون قبل نزول هذه الآية وما بعدها، يفهمون من عموم الآيات السابقة، أَن مَنْ يرى المحصنة - أَي: العفيفة - بالزني وإِن كانت زوجته، ولم يستطع الإتيان بأَربعة شهود، يعاقب بالجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أَبدًا، ويكون من الفاسقين، لأَن ظاهر أَمرها على الإحصان، أَي: العفة، فنزلت هذه الآية لتخصيص عمومها بغير الأَزواج، إِذْ بينت أَن للأَزواج مخرجًا من الحد عند فقد الشهود الأَربعة. روى الإِمام البخاري في سبب نزول آيات اللعان بسنده عن سهل بن سعد أَخى بنى ساعدة أَن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله أَرأيت رجلًا وجد مع امرأَته رجلًا أَيقتله أَم كيف يفعل؟ فأَنزل الله في شأنه مما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي ﷺ : "قد قضى الله فيك وفي امرأَتك" قال: فتلاعنا في المسجد وأَنا شاهد، فلما فرغا قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أَمسكتها (١)، فطلقها ثلاثًا قبل أَن يأْمره رسول الله ﷺ حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي ﷺ فقال: ذاك تفريق بين كل متلاعنين، قال ابن جُرَيْج: قال ابن شهاب: فكانت السُّنَّة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدْعى لأمِّه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله له، قال ابن جُرَيْج عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدى في هذا الحديث: إن النبي ﷺ قال: "إِن جاءَت به أَحمر قصيرًا كأَنه وَحَرَة (٢) فلا أراها إِلاَّ قد صدقت وكذب عليها، وإِن جاءَت به أَسود العينين ذا أَلْيَتَييْن فلا أراه إلاَّ قد صدق" فجاءَت به على المكروه من ذلك.

стр. 3129

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ المفردات: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾: أَي يقذفوق زوجاتهم بالزنى. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾: ولم يكن لهم شهود على الزنى سوى أَنفسهم. ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ (١) شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: أَي فشهادة أَي واحد منهم على زنى زوجته أَربع شهادات بالله. ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: جواب القسم المفهوم من الشهادة، فهى بمعناه كما قال الراغب. ﴿الْخَامِسَةُ﴾: أَي والشهادة الخامسة للشهادات الأَربع، أَي: الجاعلة لها خمسًا بانضمامها إليهن. ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: اللعنة واللعن، الطرد من الرحمة والإبعاد من الخير. ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفعَ عنها عقاب الزنى، وسيأتى بيانه في شرح الآيات. ﴿وَالْخَامِسَةَ (٢) أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾: الغضب؛ أَشد من اللعن، ولذا خص بلعان المرأة تغليظًا عليها، بعد أَن لاعنها زوجها وشهد عليها.

стр. 3130

وطريقة التقاضى في هذه المُلِمَّة: أَن يتهم الزوج زوجته بالزنى، فيقول له القاضى بعد أَن تبرئ المرأَة نفسها: البينة أَو حَدٌّ في ظهرك، فقول الزوج: لا بينة عندى وقد رأَيتهما بعينى مثلًا، فيدعوه القاضى إلى اللعان، وهو كما فهم من الآية أَن يقول: أشهد بالله إننى لمن الصادقين فيما رميت به زوجتى فلانة من الزانى ويرفع نسبها بما يميزها إن كانت غائبة ويشير إِليها إن كانت حاضرة، وينفى الولد إِن كانت حاملًا به أَو ولدته فيقول: وإن هذا الحمل أَو الولد من الزنى وليس منى، ويكرر هذه الشهادة أَربع مرات، وكل ذلك بتلقين القاضي كما هو شأْن اليمين (١) في سائر الخصومات، ثم يقول في المرة الخامسة بعد أَن يعظه القاضى ويلقنه: وعليَّ لعانة الله إن كنت من الكاذبين، وتشترط الموالاة بين الكلمات الخمس، ويترتب على لعانه عدة أَحكام: منها سقوط الحد عنه، ووجوب الحد عليها ولو كانت ذمية تحت مسلم، أو تحت ذمي احتكم إِلينا، وزوال الفراش - أَي النكاح - إِلى الأبد، وانتفاءُ الولد إِن نفاه في لعانه، لخبر الصحيحين أَن النبي ﷺ : "فرق بينهما وأَلحق الولد بالمرأة" وقوله ﷺ : "المتلاعنان لا يجتمعان أَبدًا" أَخرجه الدارقطنى والبيهقى وغيرهما من حديث ابن عمر، كما يترتب عليه سقوط حد القذف بالنسبة للزانى إِن سماه الزوج في قذفه لزوجته، وتشطير الصداق قبل الدخول كالطلاق قبله، واستباحة نكاح أختها وأَربع سواها وإن لم تنقض عدتها، كما في الطلاق البائن، وعدم نَفَقَتِها وإن كانت حاملًا بمن نفاه - وهذه الأحكام منقولة عن الشافعية ومن يرى رأيهم، وللموضوع صور وتفصيلات ومذاهب للفقهاء، تطلب من مطولات كتب الفقه والتفسير. وقد شرع الله للمرأَة حق الدفاع عن نفسها لتَدْرأَ عنها الحد وسوءَ القالة، فربما كان الزوج كاذبًا يبغى تشويه سمعتها لخلاف بينهما، حيث قال سبحانه منصفًا لها: ٨، ٩ - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:

стр. 3131

والزوج المذكور في هذا الحديث هو عويمر العجلانى، ففي رواية أخرى للبخارى عن ابن شهاب أَن سهل بن سعد الساعدى - الذي روى الحديث السابق - أخبره أن عويمر العَجْلَانى جاءَ إلى عاصم بن عدى الأَنصارى فقال له: يا عاصم أَرأَيت رجلًا وجد على امرأَته رجلًا أَيقتله فتقتلونه، أَم كيف يفعل؟ سَلْ لى يا عاصم عن ذلك، فسأَل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك، فكره رسول الله المَسَائِلَ وعابها حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ . فقال عاصم لعويمر: لمْ تأْتنى بخير، قد كره رسول الله ﷺ المسأَلة التي سأَلتُهُ عنها، فأَقبل عويمر حتى جاءَ رسول الله ﷺ وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأَيت رجلًا وجد مع امرأَته رجلًا أَيقتله فتقتلونه أَم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد أَنزل الله فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها" قال سهل: فتلاعنا وأَنا مع الناس عند رسول الله ﷺ فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبْتُ عليها يا رسول الله إِن أَمسكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا قبل أَن يأْمره رسول الله ﷺ قال ابن شهاب: فكانت سُنَّة المتلاعنين. وقد حدثت هذه النازلة مع امرأَة هلال بن أمية - روى أَبو داود وغيره عن ابن عباس ما يفيد أَن هلالًا قذفها ولم يكن له شهود على زناها. فكان ذلك سببًا في نزول آيات اللعان، وجمعا بين الروايات نقول: لعلهما حدثا متقاربين فنزلت الآيات بشأْنهما، وليس مهما أَن يعرف السابق منهما. ويستوى في حكم اللعان الزوجات المدخول بهن وغيرهن، وكذلك المعتدات عن طلاق رجعي، وقد عرفوا اللِّعان شرعًا: بأَنه كلمات معلومة، جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لَطَّخت فراشهُ وألحقت به العار، أَو إلى نفى الولد عن نفسه، وسُمِّي لعانًا لاشتماله على كلمة اللعن ولأن كُلاًّ من الزوجين يبعد به عن الآخر بعدًا أَبديًّا فلا يتناكحان أَبدًا. وقد شرع اللعان لتخليص الزوج من حد القذف إذا قذف زوجته بالزنى ولم يجد له شهودًا أَربعة عدولًا على قذفها، وهى مصرة على تبرئة نفسها مما اتهمها

стр. 3132

وضعت حملها وفطمت صبيها، لهذا نرى أَن المسأَلة جديرة بالنظر من رجال الفقه المعاصرين والله - تعالى - يهدى إلى سواه السبيل. حاشية: الرقيق والأَمة اللذان سبق لهما الزواج، لا يرجمان إذا زنيا، بل يجلد كلاهما خمسين جلدة، لأنهما على النصف من الحُرِّ في الحدَّ، والرجمُ لا يقبل التجزئة، فعدل به إلى الجلد فيهما. المعنى الإجمالي للآية وأحكامها أما وقد فرغنا من البحوث الهامة في الآية، فإلى القارئ فيما يلى معناها الإجمالى: الزانية التي وطئها باختيارها رجل لا يحل له وطؤها ولم يسبق له الزواج، والزانى الذي وطئَ امرأة باختياره يحرم عليه وطؤها ولم يسبق له الزواج، يجلد كل منهما مائة جلدة إذا كان حرًّا بالغًا عاقلا، أَما من فيه رق فإنه يجلد خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والعبيد كالإماء في ذلك، ولا يقام هذا الحد إلا على من ثبت زناه بإقراره، أو بشهادة أربعة شهود عدول رأوه بأَعينهم، أَو بحَمْل المرأَة وهي غير متزوجة، ولفظاعة الزنى وقبح آثاره أَوجب الله أَن لا تأْخذنا بالزانيين رأَفة قى تنفيذ دينه وشريعته، فلا يحل جلدهما أَقل مما أوجبه فيهما، ولا ضربها من غير إيلام، ولا العفو عنهما بشفاعة أو رأَفة وشفقة بعد ثبوت الزنى عليهما، رَدْعًا لهما ولغيرهما، وحماية لأَعراض المسلمين وأنسابهم من مثل جرمهما. وقد أَثار الله ما فينا من إيمان بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلهابًا لِحَميَّتنا الدينية في تنفيذ حكمه عليهما، أي: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فلا تأْخذكم بالزانيين رأفة في تنفيذ دينه وشرعه فيهما وقد أمر الله أَن يحضر عذابهما حين إقامة الحد عليهما طائفة - أي جماعة - من المؤمنين، زيادة في التنكيل والتشهير، وللعبرة والاتعاظ والأمر بحضورهم للندب وليس للوجوب على ما قاله الفقهاء، والمراد بهم: جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وأَقلهم ثلاثة، وقيل: أربعة بعدد شهود الزنى. أَما الزاني المحصن أَي الذي سبق له الدخول في نكاح صحيح فحده الرجم حتى يموت، كما سبق بيانه في البحوث التي سبقت هذا المعنى الإجمالي للآية، فارجع إِليها لتكون على علم

стр. 3133

ففي هاتين الآيتين يبين الله سبحانه، أن للزوجة أَن تدفع عن نفسها العذاب المترتب على لعان الزوج وشهاداته ضدها، فتكذبه فيما قذفها به. وطريقة تكذيبها إياه كما يفهم من نص هاتين الآيتين: أن تقول أَربع مرات بتلقين القاضى وأمْرِه: أَشهد بالله إِن فلانًا لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى، وتميزه بالاسم والنسب إن كان غائبًا، وتشير إِليه إن كان حاضرًا، وتقول في الخامسة بأَمر القاضى وتلقينه: وعليَّ غضب الله إن كان من الصادقين، فإذا قالت ذلك فلا حَدَّ عليها، ولكنها لا تعود إلى زوجها أَبدًا كما تَبْقَى الآثار الأُخرى التي ترتبت على لعانه - كما قال الشافعية (١). والغضب أَعظم من اللعنة، لأَنه يتضمنها وزيادة، ولذلك خصت به المرأَة، لأَن جريمة الزنى منها أَقبح من جريمة القذف منه، ولهذا تفاوت الحدان. وقبل أَن يلاعن الزوج يذكره القاضى بأَن عذاب الآخرة أَشد من عذاب الدنيا إِذا لاعن كاذَبًا فإِنى أصر على اتهامه وملاعنته لزوجته، قال له القاضى قبل الخامسة: اتق الله، فإِن عذاب الدنيا أَهون من عذاب الآخرة، وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب فإِن أَبي شهد الشهادة الخامسة، وكذلك يفعل مع المرأَة، ويقرأ عليهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ … ﴾ الآية (٢). ١٠ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾: في هذه الآية انتقال إلى أسلوب الخطاب للرامين والمرميات، بعد الحديث عن أحكامهما بأُسلوب الغيبة، وذلك منه تعالى لتوفية مقام الامتنان عليهم، وجواب لولا مقدر، ولم يذكر

стр. 3134

تهويلًا لأَمره، فإنه يشير إِلى أَن مثله تضيق العبارة عن بيانه، فكأنه قيل: لولا تفضل الله ورحمته عليكم، وأَنه تعالى من شأْنه قبول توبة التائبين، ولولا الحكمة في أَقواله وأَفعاله وأَحكامه - لولا ذلك كله - لكان ما يقصر عنه البيان، ومن ذلك أَنه لو لم يشرع اللعان للقاذف والمقذوف من الزوجين، لوجب على الزوج حد القذف مع أَن الظاهر صدقه، لأنه أَعرف بحال زوجته، وأَنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الافتضاح ولوجب عليها حد الزنى بلعانه لو لم يُشْرع لها اللعان كما يقوله الشافعية ومن يرى رأيهم، فجعل لعان كل منهما سببًا لدرء العذاب عنه - مع الجزم بأَن أحدهما كاذب، ولأَن في قذف الزوج لزوجته الزانية وشهادته عليها في فجتمع التقاضى شفاءٌ لما في نفسه من جرح عميق بسبب جريمة زوجته وخيانتها، ولأن لعان الزوجة ضده فيه ستر في الدنيا، ولولاه لكان لأَهلها وأَولادها سمعة شنيعة بين الناس، فهو يشبه ردَّ الشرف الذي سلبه لعانه منها، وأَمر كليهما مفوض لخالقه، فهو أَعلم بالصادق والكاذب منهما ومُجَازٍ له على صدقه. أو كذبه، ولقد شرع الله ما هو أَستر للزوجين وذريتهما وأهليهما، وهو أَن يطلق الزوج زوجته إِذا عرف زناها، دون أَن يعلم الناس بما حصل منها، ففي ذلك درءٌ للشناعة والفضيحة التي تحدث من تلاعنهما في المسجد على المنبر أَمام الناس، كما يقول به الفقهاءُ - تغليظًا عليهما - والله تعالى أَعلم.

стр. 3135

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾. المفردات: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾: الإفك أَشد الكذب، وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك - وقد يستعمل في الكذب مطلقًا. ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾: جماعة من بينكم، وتطلق العُصْبة لغة على الجماعة من عشرة إِلى أربعين - كما قال صاحب المختار - وقد تطلق على أقل منهم. ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: أَي تولى معظمه وقام به، قرئ بكسر الكاف وضمها، ومعناهما واحد. ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾: لولا مِثلُ هَلَّا للتحضيض على فعل أَمر وترك ضده، وسيأْتى شرحه. ﴿شُهَدَاءَ﴾: الشهداءُ جمع شهيد، أَي: شاهد. التفسير ١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ … ﴾. الآية. المراد بالإِفك هنا: ما افتراه المنافقون على أم المؤمنين عائشة ﵂ وقد نزلت في شأْنه عشر آيات هذه أولاها، وقد برأَ الله فيها عرضها وعرض أَهلها، وصان كرامة ﷺ وقد قام بمعظم الإِفك رأْس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول - عليه

стр. 3136

لعنة الله -، فهو الذي اختلقه ونشره، حتى دخل في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقى الأَمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن مبرئا لها على أَكمل وجه، وروته الأحاديث الصحيحة مبرئة ساحتها، ونشأت هذه الفرية النكراءُ عن أمر برئٍ حدث في غزوة بنى المصطلق (١)، فاستغله المنافقون أَعداء الإسلام أَسوأَ استغلال. وخلاصة القصة مستنبطة من صحاح الأحاديث أن النبي ﷺ كان كلما خرج في غزوة أقرع بين نسائه، وحينما خرج في غزوة بنى المصطلق سنة ستٍّ أَقرع بينهن فخرج سهم عائشة ﵂ فخرجت معه، وكان ذلك بعد ما فُرِض الحجاب، ولهذا كانت تُحْملُ في هودج وتنزل فيه، ولما انتهت الغزوة وعاد الرسول، نزلوا قريبًا من المدينة، وأَثناءَ الليل، أَمر الرسول بالرحيل فنزلت لتقضى حاجتها بعيدًا عن مكان نزول الجيش، ثم عادت إِلى رَحْلِها وفوجئت بأَن عقدها قد انقطع - وكان من جَزْع ظَفَار (٢) فعادت لتبحث عنه فتأخرت بعض الوقت، وجاءَ الذين يحملون هودجها فرفعوه على بعيرها ظانين أَنها فيه، لأَن النساء كُنَّ خفاف الجسم لقلة الغذاءِ في صدر الإسلام، كما أَنها كانت حديثة السن، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، ولما عادت بعقدها وجدت الجيش قد رحل فبقيت حيث كانت تنزل ونامت، لعلهم يتفقدونها فلا يجدونها فيرجعون إِليها لترحيلها، وكان صفوان بن المعطل السلمى وراء الجيش، ليجمع ما نسيه المجاهدون، فرأَى سواد إِنسان نائم فلما رآها عرفها لأَنه كان يراها قبل الحجاب، فاسترجع (٣) فغطت وجههما عنه، وقالت: والله ما سمعت منه كلمة غير استرجاعه، فأَناخ راحلته، وداس على يدى الناقة حتى رَكِبَتْهَا، وانطلق يقود الراحلة حتى أَدرك الجيش، فكان ذلك مثارًا لإفْك عنهما افتراه وتولى إِذاعته عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين.

стр. 3137

وقد أَدرك المرض السيدة عائشة، فلزمت الفراش شهرا، وهي لا تدرى بما يتردد بين الناس من أَصداء ما افتراه عبد الله بن أبي بن سلول، وكان الرسول ﷺ يسأَل عن حالها سؤالا مجملا بقوله: (كيف تيكم؟) وينصرف دون أَن ترى منه اللطف الذي كانت تعتاده في مرضها، وحين خرجت من مرضها إِلى طور النقاهة منه. عادتها أُم مسطح بنت خالة أَبي بكر، ثم قالت: تَعِسَ مِسْطح، فقالت لها السيدة عائشة: بئس ما قُلتِ، أَتسبين رجلا شهد بدرًا؟ قالت: أَو لم تسمعى ما قال: فقالت عائشة: وما قال؟ فأَخبرتها بما أَذاعه أهل الإِفك عنها، فازدادت مرضا، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ استأْذنته في أَن تذهب إلى بيت أَبيها - وكانت تريد أَن تعرف القصة من والديها - فأَذن لها الرسول، فلما ذهبت إليه سألت أَمها عما حدثتها به أُم مسطح، فقالت: يا بنَيَّةُ هوّنى عليك، فوالله لَقلَّما كانت امرأَة قطُّ وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلاَّ أَكثرن عليها، قالت عائشة: سبحان الله؛ أَوَقَدْ تحدث الناس بهذا، فبكت ليلتها وفارقها النوم حتى أَصبحت وهي لا يَرْقأَ لها دمْعٌ، وقد استدعى رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وعليا ﵄ ليستشيرهما، وبريرة جاريتها ليسمع شهادتها بشأنها، وخرج من حديثهم معه بما أَراح نفسه وطمأَنه على أَهله، فقام رسول الله ﷺ في المسجد على المنبر وقال: يا معشر المسلمين من يَعْذِرنى (١) من رجل قد بلغنى أَذاه في أَهل بيتى؟ فوالله ما علمت على أَهلى إِلا خيرًا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إِلا خيرًا، وما كان يدخل على أَهلى إِلا معى فقام سعد بن معاذ الأَنصارى سيد الأَوس فقال: أَنا أَعذك منه يا رسول الله، إِن كان من الأَوس ضربنا عنقه، وإِن كان من الخزرج أَمَرْتنا ففعلنا أَمرك، فثار نقاش بين الخزرج والأَوس، بسبب تدخل سعد بن معاذ في أَمرهم، وحسمه رسول الله ﷺ وكانت السيدة عائشة قد عادت إلى بيتها بأَمر أَبيها، فظلت يومها هذا تبكى وكان معها أَبواها، وكانا يظنان أَن البكاءَ سيغلق كبدها - كما روت عنهما - ثم دخل عليهم رسول الله ﷺ وجلس معهم، ولم يسبق له أَن جلس عندها منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأْنها بشيءٍ، فسأَلها عما يذيعه المفترون عليها، ثم أَجابت

стр. 3138

بعد أَن بَحَثَتْ عن آية من القرآن تجيبه بها، وكانت يومئذ لا تحفظ منه كثيرًا - أَجابت بقولها: والله ما أَجد لى ولكم مثلا إِلا كما قال أَبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، ثم اضطجعت على فراشها، وهي تعلم أَنها بريئة وأَن الله سيظهر براءَتها ولكنها - كما قالت - ما كانت تظن أَن يُنْزِل في شأْنها وحيًا يتلى وأَن يصل أَمر تبرئتها عند الله إلى مثل ذلك، وكل ما كانت تأْمله أَن يُرِىَ اللهُ رسوله في منامه رؤيا يبرئها الله فيها، وبينما كانوا جميعا في مجلسهم هذا إِذ أَوحى الله إلى نبيه، فأَخذه ما كان يأْخذه من الشدة عند نزول الوحى حتى كان ينزل العرق منه مثل الجُمان - أَي - اللؤلؤ - في اليوم الشاتى من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سرِّى عن رسول الله وهو يضحك، قال لعائشة: أَبشرى يا عائشة، أَما اللهُ فقد برأَك، فقالت لى أَمى: قومى إِليه، فقلت: والله لا أَقوم إِليه ولا أَحمد إِلا الله هو الذي أَنزل براءَتي، وأَنزل سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ..... ﴾ عشر آيات في براءَتها. وهذا الافتراءُ الذي حدث في حق عائشة - رضوان الله عليها - حدث مثله للسيدة مريم، وكان من أَقرب الناس إِليها وهم أَهلها، وكما برأَ الله مريم على لسان عيسى، برأَ السيدة عائشة بوحى يقرؤه الناس نزل به الروح الأَمين على خاتم المرسلين، والحمد لله رب العالمين. والعُصبة: الجماعة من الناس من العشرة إلى الأَربعين، وقد تطلق على ما دون ذلك كما تقدم في المفردات، وقد ذكرت السيدة عائشة منهم: عبد الله بن أَبي بن سلول، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن إِثاثة، وحسان بن ثابت، وكان عبد الله بن أُبيٍّ رأْس الحية ومثير الفتنة ومخترعها - عليه لعنة الله - وقد اعتذر حسان عما نسب إِليه في شأْنها بقصيدة جاءَ فيها: حَصَانٌ رَزَان ما تُزَنُّ بريبة … وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل (١) حليلة خبر الناس دينًا ومنصبًا … نبيَّ الهدى ذى المكرمات الفواضل عقيلةُ حيٍّ من لؤى بن غالب … كرامِ المساعى مَجْدُهم غيرُ زائل مهذبة قد طَيَّب الله خَيْمَها … وطهرها من كل سوءٍ وباطل

стр. 3139

والمعنى الإجمالى: إن الذين اختلقوا البهتان في حق عائشة أم المؤمنين وأذاعوه هم جماعة وشرذمة ينتسبون إِليكم بأُخوَّة الإِسلام فكيف رضوا بإذاعته؟ لا تظنوا هذا الافتراءَ شرًّا لكم بل هو خير عظيم لكم، لنيلكم الثواب الجزيل بالصبر عليه، وظهور كرامتكم وكرامة زوجكم المصون على ربكم، بإِنزال ما فيه تعظيم شأْنكم، وتشديد الوعيد لمن تكلم بما أَحْزَنكم، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أَي: لكل امرئِ من الذين جاءُوا بالإِفك جزاءَ ما اكتسب من الإِثم بقدر ما خاض فيه سواءٌ أَكان ذلك اختلاقًا ورضًا أَم تَرْديدًا وإِذاعة، والذى تحمل معظمه فقام بأَكبر حظ من إِعلانه، له عذاب عظيم في الدنيا والآخرة. وكان أَول من اختلقه وأَذاعه عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فكان يجمع الناس ويذكر لهم ما يذكر من الإِفك، لإِمعانه في عداوة رسول الله ﷺ وقد كافأَه الله في الدنيا بتكذيبه وإِعلان نفاقه وإِقامة حد القذف عليه كما أَخرجه الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر، وأَخرجه الطبرانى أَيضًا عن ابن عباس، كما أَقام حد القذف على مسطح وحسان وحمنة، أَخرجه البزار وابن مردويه بسند حسن عن أَبي هريرة. ولما بلغ صفوانَ اشتراكُ حسان في الإِفك عنه وعن أُم المؤمنين، جاءَ فضربه بالسيف ضربة على رأْسه وقال: تَلَقَّ ذبابَ السيف عنى فإِننى … غلامٌ إِذا هوجيت ليس بشاعر ولكننى أَحمى حماى وأَتَّقى … من الباهت الرأْى البرئِ الظواهر وقد حال دون قتل صفوان لحسان ثابت بن قيس بن شماس، فقيد وثب على صفوان ومنعه من الإِجهاز عليه، وكان صفوان بن المعطل المذكور، صاحب ناقة رسول الله ﷺ في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة، وروى عنه أَنه قال: والله ما كشفت كَنَفَ أَنثى قط، يريد: ما كشفها بزنى، وقُتِل شهيدًا ﵁ في غزوة

стр. 3140

أَرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر، وقيل: ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية (١) ١٢ - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾: والمعنى: هلَّا حين سمعتم أيها المؤْمنون والمؤْمنات هذا الإفك ممن أَذاعوه، ظننتم بأَهل ملتكم: عائشة وصفوان خيرًا وطهرا، وقلتم بلا تردد: هذا افتراءٌ واضح مكشوف لا نرضاه لمن هم كأَنفسنا، ولا نوافق على نسبته إليهم، وقلتم أيضًا في شأْن المفترين الخائضين على سبيل التوبيخ: ١٣ - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: أَي: هلَّا جاءَ أصحاب الإِفك بأَربعة شهداءَ عدول يشهدون على ما زعموه في شأْن عائشة، فحيث لم يأْتوا بالشهداءِ، فهم عند الله وفي حكمه كاذبون، فكيف تصدقونهم وهم مخالفون لشريعة الله ومنافقون. ويجوز أن تكون الآية ابتداءَ كلام من الله تقريرًا لكون ذلك إفكًا، وليس حكاية لما ينبغي أَن يقوله السامعون.

стр. 3141

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾ المفردات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: تفضله بالمصابرة والعفو عن التائبين. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾: لأَصابكم. ﴿فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: بسبب ما خضتم فيه. ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾: أَي تطلبون بأَلسنتكم مِمَّن يحكى هذا الإِفك أَن يلقيه إليكم ويعرفكم ما قيل فيه، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾: وتظنونه أَمرًا خفيفًا لا عقوبة عليه. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾: كبير الإثم. ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾: ما يصح وما يليق بنا ونحن مؤمنون أَن نتكلم بهذا. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: هذا تنزيه مشوب بالتعجب، وسيأتى بيانه. ﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: افتراءٌ عظيم يُحيِّر سامعه. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾: ينصحكم لئلا ترجعوا إِلى مثله مدة الحياة. التفسير ١٤ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:

стр. 3142

أَي: ولولا تفضل الله عليكم أَيها الخائضون، ورحمته بكم، لأَصابكم عذاب عظيم فيما خضتم فيه من الإِفك في شأْن عائشة، أَما رحمته في الدنيا فقد تمثلت في إمهالكم حتى تثوبوا إِلى رشدكم، وتتوبوا إِلى ربكم من ذنبكم، وتعرفوا حرمة بيت نبيكم، وأما رحمته في الآخرة فبالعفو عمن تاب منكم، وغفران ما اقترفته أَلسنتهم، وكل ذلك من فضل الله عليكم. ولا ينال هذا الفضل والرحمة من الخائضين سوى التائبين من المؤمنين كمسطح بن إِثاثة وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، أَما من بَقِىَ مغمورًا في نفاقه كعبد الله بن أبي ابن سلول وأَضرابه، فلا نصيب لهم منهما، ولا قيمة لتوبتهم الظاهرية إن تابوا. ١٥ - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾: أَي: ولولا فضل الله ورحمته لمسكم عذاب عظيم حين تتلقون هذا الإفك من ناقليه، بعد طلبم بأَلسنتكم سماعه وتروون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وإنما جاءَكم عن طريق السماع عن الآفكين، وتحسبون ترويج الكذب على عرض ابنة الصديق وزوج الرسول أَمرًا خفيفًا سهل العاقبة، والحال أَنه عند الله أمر عظيم في إثمه وسوء عاقبته، فالقدح في الأَعراض شين عظيم، وإثم كبير، فكيف به في عرض أم المؤمنين، وزوج خاتم المرسلين. جاءَ في الصحيحين أَنه ﷺ قال: "إِن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدرى ما تبلغ، يَهْوِى بها في النار أَبعد ما بين السماء والأرض" وفي رواية: "لَا يُلْقى لها بالًا". ويصح أَن يكون المعنى: إِذ يتلقاه بعضكم بأَلسنة بعض آخر منكم، وتروون بأَفواهكم عنهم ما ليس لكم بصحته علم، وكلا المعنيين جيد، وفسره مجاهد وابن جرير - كما نقله ابن كثير - بأَن يرويه بعضهم عن بعض، يقول هذا: سمعت كذا من فلان، ويقول آخر: قال فلان كذا، ويقول ثالث: ذكر بعضهم كذا - انتهى بتصرف، والمعانى متقاربة وإن كان ما قلناه أَولًا وثانيًا أَقرب إِلى النص الكريم مما نقله ابن كثير عن ابن جبير ومجاهد.

стр. 3143

١٦ - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾: بعد أَن أدب الله الخائضين قبل هذه الآية بأن يظنوا خيرًا بمن تجمعهم بهم أُخوة الإِيمان حين يسمعون عنهم قالة السوءِ، جاءَت هذه الآية بلون آخر من التأْديب. والمعنى: هلَّا حين سمعتم ما لا يليق في شأْن الخِيرَة قلتم - مع الظن بهم خيرًا -: لا ينبغي لنا ولا يصح أن نتكلم بهذا عن الأَطهار البررة، بدلًا من ترديدكم له بالرواية عن مخترعيه، هلَّا قلتم متعجبين ومستكبرين لما يقولون: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وكذب محُيِّرٌ خطيرٌ لا يصح أن يقال في عرض كرام المؤمنين. وقد كان على هذا الخلق العالى الذي دعا إليه القرآن - كان عليه - أَصحاب القلوب الصافية، والعقول الوضيئة، والحس المرهف، فعن سعيد بن جبير أَن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أَمر عائشة ﵂ قال: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وعن سعيد بن المسيب أَنه قال: كان رجلان من أَصحاب النبي ﷺ إذا سمعا شيئًا من ذلك قالا ما ذكر، وهما أُسامة بن زيد بن حارثة، وأبو أَيوب الأَنصارى ﵄، وأَخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: إن امرأَة أبي أَيوب الأَنصارى قالت له: يا أَبا أَيوب أَلا تسمع ما تَحَدَّثَ به الناس؟ فقال: ما يكون لنا أَن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، ومثل ذلك قال غيرهم وحق لهم أنْ يقولوا ذلك، فإِنه لا يجوز عقلًا أَن يختار الله لرسوله امرأَة فاجرة، فإن ذلك ينفر عن اتباعه، ويخل بحكمة البعثة - هكذا قال الإمام الرازى عليه رحمة الله. ١٧ - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يذكركم الله ويحذركم من أَن تعودوا طول حياتكم لمثل هذا الإِفك في عائشة، أَو سائر أَزواجه - صلى الله علي وسلم - لسوءِ عاقبته، وعظيم عقوبته، إن كنتم مؤمنين بالله فامتثلوا تحذيره واعملوا بنصيحته، لتأْمنوا عذابه وسوءَ حسابه، ويفهم من الآية الكريمة أن مَنْ سبَّ عائشة بعد هذا التحذير لا يكون من المؤمنين، وهذا ما ذهب إليه الإِمام مالك، فقد نقل القرطبى عنه أَنه يقول بكفره ووجوب قتله، ويعلل ابن العربى ذلك بأَنَّ الله برأَها فكل من سبها بما بَرَّاها لله منه فهو مكذب لله، ومن كذَّبَ اللهَ فهو كافر يُقْتَلُ لِرِدتَه، تلك هي خلاصة ما ذكره القرطبى في ذلك.

стр. 3144

١٨ - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: وينزل الله لكم آياته مبَيَّنةً واضحة الدلالة على الأحكام الشرعية، والأخلاق الكريمة والآداب الجديرة بخير أمة أخرجت للناس، والله مُحيطٌ علمه بأحوال مخلوقاته وما ينبغي لهم من شرائع، حكيم في جميع أفعاله وأحكامه، فالتزموا ما بينه لكم من شرائعه وآدابه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ المفردات: ﴿أَنْ تَشِيعَ (١) الْفَاحِشَةُ﴾: أن تنتشر المقالة المفرطة في القبح. ﴿رَءُوفٌ﴾ الرأْفة: شدة الرحمة. التفسير ١٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: في هذه الآية تأْديب من الله تعالى لمن يحبون القدح في أَعراض الأعفاءِ من المؤمنين والمؤمنات. ومعنى الآية: إن الذين يريدون ويختارون أن تنشر تهمة الزنى في عرض المحصنين والمحصنات (٢) من الذين آمنوا ويقومون بنشرها لهم عذاب أليم على إذاعتها في الدنيا والآخرة، لشدة قبح هذه الفرية في حق من افتريت عليه، أما عذابهم في الدنيا فبحد القذف، وأَما عذابهم في الآخرة فبنار جهنم - إن لم يقم الحد عليهم في الدنيا، أو أُقيم عليهم وكانوا

стр. 3145

منافقين أو كافرين - فإن الحدود لا تكون جوابر ولا تحمى من النار إلا عصاة المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾. وهذه الآية قاعدة عامة يراد بها صيانة الأَعراض عمومًا، وإن نزلت بشأْن قصة عائشة وصفوان التي افتراها رأْس المنافقين ابن سلول. وقد جاءَ في حُرْمة ذلك قوله ﷺ : "لا تؤذوا عباد الله ولا تُعَيِّروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإِنه من طلب عورة أَخيه المسلم، طلب الله عورته حتى يفضحه" أَخرجه الإِمام احمد بسنده عن ثوبان، وجاءَ في حديث لأَبى الدرداء أَنه ﷺ قال: "أَيما رجلٍ شد عضد امرئٍ من الناس في خصومة لا علم له بها، فهو في سخط الله حتى ينزع عنها، وأَيُّما رجلٍ قال بشَفَاعَته دونَ حَدٍّ من حدود الله أن يُقَام، فقد عاند الله حقًّا وأَقدم على سُخْطِه، وعليه لعنة الله إِلى يوم القيامة، وأَيُّما رجل أشاع على مسلم كلمة وهو منها برئ يَرَى أَن يَشِينَه في الدنيا كان حقًّا على الله تعالى أن يرميه بها في النار، ثم تلا مصداقًا لذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ الآية وقد عرفت من تفسيرنا للآية أَن المراد من حُبِّ إشاعة الفاحشة، أَن يكون هذا الحب مقرونًا بإِذاعتها فعلا، حتى يكون بذلك قاذفًا فيستوجب حد القذف الذي جعله الله عذابه في الدنيا، أَما إِن أَحب إذاعتها ولم يشترك في نشرها فلا حد عليه، ولكن الله يعاقبه في الدنيا بمقتضى وعيده، كأَن يصيبه بنوعٍ من البلاءِ، أَو يبتليه بما تمناه لغيره - انتقامًا منه لفساد قلبه ورغبته في الفتنة، وكما يحرم التشنيع على المؤمنين والمؤمنات، يحرم قذف غيرهم وإِشاعة الفاحشة عنهم فإن لهم ما لنا وعليهم ما علينا (١). ٢٠ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: أَي: ولولا تفضل الله ورحمته عليكم أَيها الآفكون وأَنه تعالى دائم الرأْفة والرحمة لعباده، لمسكم فيما أَذعتموه من الإِفك على زوج رسول الله المحصنة البريئة - لمسكم في ذلك عذاب عظيم لا يقادر قدره، ولكنه تعالى أمهلكم بموجب رأْفته ورحمته ليميز الخبيث من الطيب، ثم أنزل براءتها مما نسب إِليها، فتاب من استيقظ ضميره، وعرف حق الله ورسوله، فتاب الله عليه، وأقام الحد على من ثبت عليه التشهير بذلك فَطَهر منهم من كان من المؤمنين، وبَقِىَ في رجسه وسوءِ عاقبته من كان من المنافقين.

стр. 3146

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُوالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ المفردات: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: أَي وساوسه، وهي في الأصل جمع خُطْوه - بضم الخاءِ - وهي ما بين القدمين للماشى، واستعملت هنا في وساوس الشيطان على سبيل المجاز، والخَطْوة - بالفتح - اسم للمرة من الخَطْو، وجمعها خطَوات - فتح الخاء والطاء، تقول: خطا، يخطو، خَطْوة وَخَطوات. ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: الفحشاءُ؛ ما أفرط قبحه كالفاحشة، والمنكر: ما ينكره الشرع، والشيطان يأْمر بهما، أَي: يحث عليهما. (مَا زَكَا): ما طهر. ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: أَي ولا يحلف، من الألِيَّة، وهي: اليمين، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أي يحلفون. ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾: أَصحاب الزيادة في الدين والسعة في المال.

стр. 3147

التفسير ٢١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ … ﴾: يأيها الذين تجملوا بحلية الإيمان، لا تسلكوا مسالك الشيطان فيما يسعى إليه من الشرِّ فيما بينكم، ولا تعملوا بوساوسه، فإنه لا يسعى إلى خير، ولا يوسوس إلا بفتنة، ومن يتبع خطوات الشيطان، فيسلك سبيله ويعمل بوسوسته، ارتكب الفحشاء والمنكر، فإن الشيطان لا يأمر إِلا بهما، ولا يحض إلا عليهما، ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته في وسوسته، فكيف اتبعتموه في نشر الإفك، وما هو إِلا كاذب أثيم؟ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ولولا تفضل الله عليكم ورحمته بكم، إِذْ أمهلكم حتى تثوبوا في رشدكم وتتوبوا من ذنبكم بعد ما أنزله إليكم من الآيات البينات الناطقة بطهر ابنة الصديق الكريم زَوْجِ النبي الأمين، وأم المؤمنين - لولا هذا الفضل والرحمة - ما طهر أَحد منكم أَبدًا من ذنب هذا الإفك المبين، ولكن الله يزكى ويطهر من يشاءُ ممن حسنت توبته، وصفت سريرته، والله عظيم السمع لما يقال من الذنوب والتوبة منها، محيط العلم بالمذنبين والتائبين - مخلصين أو غير مخلصين - فيجازى كلا على حسب حاله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). وهذه الآية وإن نزلت بسبب خاص، فهى قاعدة عامة تقتضى وجوب الابتعاد عن المنكرات، فإنها ترضى الشيطان وتغضب الرحمن الذي يعلم السر وأخفى، وتقتضى العقاب لمن لم يتدارك ذنبه ويستغفر ربه.

стр. 3148

٢٢ - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قال الألوسى في سبب نزول الآية: صح عن عائشة وغيرها "أن أبا بكر ﵁ حلف - لما رأى براءَة ابنته - ألا ينفق على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا، وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدرا، وكان ابن خالته - وقيل: ابن أخته - فنزلت الآية. وقال القرطبى: رُوِىَ في الصحيح: (أن الله ﵎ لما أَنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات العشر، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره -: والله لا أُنفق علِيه شيئًا أَبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبوبكر: والله إنِّى لأُحبُّ أن يغفر الله لى، فأرجع إلى مِسطح النفقةَ التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدًا). ويروى عن ابن عباس والضحاك: أن جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر ﵁ قطعوا منافعهم عمن قال في الإفك، وقالوا: والله ما نَصِل مَن تكلم فيه، فنزلت الآية. ومعنى الآية: ولا يحلف أصحاب الفضل في الدين والسعة في المال، كراهة أن يعطوا أصحاب القرابة والمساكينَ والمهاجرينَ في سبيل الله الذين اشتركوا في نشر الإفك، وليعفوا وليصفحوا عما فرط منهم، أَلا تحبون أيها الحالفون الكرام أَن يغفر الله لكم بسبب عفوكم وإحسانكم إِلى من أساء إليكم (١)، والله واسع المغفرة والرحمة، مع كمال قدرته على المؤاخذة، وكثرة ذنوب العباد الداعية إِليها. وإذا كان سبب النزول حلف أَبي بكر بالنسبة لمسطح فالجمع في قوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُوالْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ وقوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لقصد تعميم الحكم في كل من يعفو عمن أساءَ إليه ويعطيه بعد أن حلف على حرمانه، أما إن كان سبب النزول عامًا كما سبق عن

стр. 3149

ابن عباس فالجمع ظاهر، والآية تدل على فضل الصديق سواءٌ نزلت فيه وحده أو مع غيره، كما تدل على أَن القذف وإِن كان من الكبائر، فإنه لا يحبط العمل، لأن الله وصف مسطحا بعد أن قال في عائشة ما قال - وصفه بأَنه من المهاجرين - أَي: من الذين حصلوا على شرف الهجرة وعظيم ثوابها، إِذ لا يحْبِط العملَ إِلا الكفرُ، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. كما يستنبط منها أَن من حلف على عدم فعل شيءٍ، ثم رأى أَن فعله أَولى فليفعل الذي هو خير، ولكن عليه أَن يكفر عن يمينه؛ لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ .. ﴾ الآية (٨٩). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ المفردات: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾: العفيفات الغافلات عما يقال في شأن أَعراضهن زورًا ولا علم لهن به. ﴿دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾: من معانى الدين في اللغة الجزاء: أي: جزاءهم الثابت الموافق لذنبهم. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾: هو الثابت الذي لا يعتريه شك: ﴿الْمُبِينُ﴾: البيِّن الظاهر بآياته - من أَبان: بمعنى ظهر واتضح - أَو المظهر للناس تمام قدرته على ثوابهم وعقابهم في هذا اليوم، من أَبان الشيء، أَي: أَظهره وأَوضحه.

стр. 3150

التفسير ٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: تضمنت هذه الآية وعيد القاذفين للمحصنات الغافلات المؤمنات باللعن في الدنيا والآخرة، وبالعذاب العظيم. واختلف في المراد: بهذا الوعيد، فقيل: هم القاذفون لعائشة ﵂، مراعاة للسياق وبهذا أخذ ابن عباس وابن جبير، والجمع في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ باعتبار أَن رميها رميٌّ لسائر أمهات المؤمنين، لاشتراكهن في الطهر والنقاء والقرب من رسول الله ﷺ ونظيره جمع المرسلين في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾. مع أنهم كذبوا هودًا وحده. وقال المحققون: هم الذين يقذفون أمهات المؤمنين، فلا يختص بهذا الحكم من رمى عائشة وحدها، بل يعمه ومن رمى غيرها من زوجات النبي ﷺ حفاظًا على كرامة البيت النبوى الشريف. وبهذا الرأى قال ابن عباس في رواية أُخرى، فقد أخرج ابن جرير والطبرانى بسندهما عنه أَنه قرأَ سورة النور ففسرها، فلما أتى على هذه الآية قال: هذه عائشة وأمهات المؤمنين، وهذا هو الراجح وبه نقول: ولم يَجْعَلْ ابن عباس لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى غيرهن من المحصنات التوبة، وقرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ إِلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية. والذى يظهر - والله أَعلم - أَن الله تعالى يقبل توبة من تاب منهم لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولأنه قد تاب مسطح وحمنة وحسان واعتذروا وقبل الرسول اعتذارهم ولم يعاملهم معاملة المرتدين، بل أَقام عليهم حد القذف، تطبيقًا لحكم الله في القاذفين، ودعا القرآن الصّديق أن يعيد النفقة لمسطح وأَطلق عليه لقب المهاجر، وهو تشريف لا يناله إلا مؤمن قبل الله توبته. فإن قيل: إِن وعيد القاذفين بأَنهم ملعونون في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يؤذن بكفر القاذفين، فإن مثل هذا الوعيد لا يكون إلا للكافرين: فالجواب عليه من وج

стр. 3151

(أَحدها) أن هذا الوعيد محمول على من يقذفهن بعد نزول آيات البراءة لأزواجه ﷺ لأنه حينئذ يكون مكذّبًا لله، ومن كذب الله فهو كافر ملعون وله عذاب عظيم. (ثانيها) أَنه مقصود به من ظل مستبيحا للطعن كابن أُبيٍّ وشركائه من المنافقين الذين تظاهروا بالتوبة، وقد روى عن ابن عباس تخصيص وعيد الآية بابن أُبي رأس النفاق ومبْتدع الإفك. (ثالثها) أَن هذا الوعيد مشروط بعدم التوبة، ولم يذكر هذا الشرط، لأنه معلوم بالضرورة أَن من تاب، تاب الله عليه، وهو الراجح لما تقدم بيانه. وقيل: إِن الآية نزلت في مشركى مكة، فقد كانت المرأَة المسلمة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها، وقالوا عنها: خرجَتْ لتفجر - حكاه صاحب البحر عن أَبي حمزة اليمانى وأُيِّد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن شهادة الأعضاء تكون على الكفار لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ … ﴾ (١) الآيات الثلاثة. وإذا كان القاذفون من المسلمين، فالمقصود من لعنهم في الدنيا - كما قال القرطبى -: إبعادهم وضربهم الحد، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم وإنزالهم عن رتبة العدالة، والإِمساك عن حسن الثناء عليهم. وأَما على قول من قال: إن الآية نزلت في مشركى مكة، فالمراد من لعنهم: طردهم عن رحمة الله ولهم في الآخرة عذاب عظيم، ما لم يُسْلِموا فإن الإِسلام يَجُبُّ ما قبله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. والمعنى الإجمالى للآية على الوجه الراجح، إِن الذين يرمون بالفاحشة أَزواج النبي المؤمنات العفيفات عما يفترى عليهن، الغافلات عما ينشره الآفكون حولهن منْ قَالة السوء، ولا علم لهن بما يفترون - إِن هؤُلاءِ القاذفين - يلعنون في الدنيا حيث يقاطعهم المجتمع ويبعدهم عن حظيرته، ويقيم القاضى عليهم حد القذف، وترد شهادتهم ويوصمون بوصمة الفسق،

стр. 3152

كما يطردون في الآخرة من رحمة الله، ولهم فيها عذاب عظيم لا يقادر قدره، إلا من تاب وعمل صالحًا فإنه يرد إليه اعتباره فتقبل شهادته بعد إقامة الحد عليه، ويغفر الله له عثرات لسانه، أما على أن الآية نزلت في مشركى مكة فمعناها واضح. ٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: المقصود من شهادة هذه الجوارح عليهم: أن الله تعالى ينْطِقُ كل جارحة بما صدر عنها، لكبح إنكارهم وقطع أَعذارهم، وهذه الآية مرتبطة بالآية التي قبلها. والمعنى: والذين يرمون المحصنات لهم عذاب عظيم، في يوم تشهد عيهم ألسنتهم بما افترته من الأكاذيب، ورددته من الفحش، وتشهد عليهم أيديهم بما جنته من التشهير بالإشارات وتشهد عليهم أَرجلهم بما سعت إِليه من نقل المفتريات، فينطقها الله الذي أنطق كل شيء، وتغْلَق دونهم منافذ الإنكار، ومقتريات الأعذار في يوم تشخص فيه الأبصار: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١). والآية وإِن نزلت بخصوص واقعة القذف، فالحكم فيها عام يتناول جميع ما يكتسب بهذه الجوارح من المعاصي. ٢٥ - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢): أي: يومئِذ تشهد عليهم جوارحهم، يوفيهم الله جزاءهم الحق المناسب لما كسبوه من السيئات، ويعلمون مما يشاهدونه من عدالة الله وقدرته وعظمته التي تتجلى في أحوال القيامة وأَهوالها - يعلمون أن الله هو الإله الحق الذي لا ريب فيه، الظاهر الذي لا خفاء في أُلوهيته وعدالته وقدرته، أو المظهر لأهل الحق حقوقهم، ولأهل الباطل أَباطيلهم، المجازى لكليهما بما كسبه في دنياه.

стр. 3153

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ المفردات: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: ضد الطيبات، ﴿الْخَبِيثُونَ﴾: ضد الطيبين. والْخبْثُ: الرداءة. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: وثواب سَخِىُّ، وهو الجنة. كما قاله أكثر المفسرين. التفسير ٢٦ - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. . .﴾ الآية. هذا كلام مستأنف مبنى على سنة الله الجارية بين الخلق، من أَن شبيه الشيء منجذب إِليه، وفي هذا المعنى يقول القائل: إن الطيور على أشباهها تقع. . . والآية مرتبطة بما قاله الآفكون في شأن عائشة ﵂. والمعنى: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا لأنها طيبة فإِنه أطيب من كل طيب من البشر؛ فلا يليق به سوى الطيبات، ولوكانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرًا، ولا حسب سنة الله في خلقه، فإِنه جعل الطيبات للطيبين، والطيبين للطيبات، والخبيثات للخبيثين والخبيثين للخبيثات. وقال ابن عباس في تفسيرها ما معناه: الخبيثات من الأَقاويل للخبيثين من الرجال، فلا توجه إلى غيرهم، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الأقاويل. فهم جديرون بها، والطيبات من الأحاديث للطيبيين من الرجال، فهى حق لهم، والطيبون من الرجال للطيبات

стр. 3154

من الأحاديث فلا يعدل بها عنهم - واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أَولى بالطيبين منهم، فما نسبه أَهل النفاق إلى عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءِة والنزاهة منهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (١) ولهذا ختم الله الآية بما هونتيجة لهذه المقدمة فقال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي أَن أهل هذا البيت الكريم بعَدَاءُ عما يقوله أَهل الإفك والعدوان لهم، بسبب ما قيل فيهم من الإفك مغفرة عظيمة لما لا يخلوعنه البشر من الهفوات أَولما يعد بالنسبة إليهم هفوات، وإن كان بالنسبة لغيرهم مكرمات، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولهم بسبب ذلك رزق عظيم في جنة الرحمن الرحيم. وبعد، فإن نزول هذه الآيات العظيمة في تبرئة أُم المؤمنين عائشة، فيه مزيد اعتناءٍ بشرف الرسول وكرامته على الله، وجبر لقب صاحبه أبي بكر الصديق ﵁ وكذا قلب زوجته أُم رومان، فقد اعتراها من حديث الإفك هَمٌّ جسيم، كما أن فيه تكريما لعائشة ﵂ لمزيد انقطاعها إلى الله ولجوئها إليه في محنتها.

стр. 3155

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ المفردات: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: تطلبوا أُنس أَهل البيت باستئذانِكم إياهم في دخوله، حتى لا تحدث لهم وحشة ورعب بدخولكم عليهم دون استئذان. ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: هوأطهر لكم - من الزكاة، بمعنى: الطهارة - أوأنفع لدينكم ودنياكم - من الزكاة بمعنى النمو - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: ليس عليكم حرج. ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾: أَي فيها حق استمتاع بها لكم، وسيأْتى شرحه. ﴿تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تظهرون وما تخفون. التفسير ٢٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لا يزال الحديث ممتدًا في تأديب الله لعباده نحوحرمانهم، فقد أَنزل هذه الآية وما بعدها ليعلمهم أَن للبيوت حرمات لا يحل انتهاكها بدخولها دون استئذان، وسبب نزولها: ما رواه
следующие страницы →