(أَحدها) أن هذا الوعيد محمول على من يقذفهن بعد نزول آيات البراءة لأزواجه ﷺ لأنه حينئذ يكون مكذّبًا لله، ومن كذب الله فهو كافر ملعون وله عذاب عظيم.
(ثانيها) أَنه مقصود به من ظل مستبيحا للطعن كابن أُبيٍّ وشركائه من المنافقين الذين تظاهروا بالتوبة، وقد روى عن ابن عباس تخصيص وعيد الآية بابن أُبي رأس النفاق ومبْتدع الإفك.
(ثالثها) أَن هذا الوعيد مشروط بعدم التوبة، ولم يذكر هذا الشرط، لأنه معلوم بالضرورة أَن من تاب، تاب الله عليه، وهو الراجح لما تقدم بيانه.
وقيل: إِن الآية نزلت في مشركى مكة، فقد كانت المرأَة المسلمة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها، وقالوا عنها: خرجَتْ لتفجر - حكاه صاحب البحر عن أَبي حمزة اليمانى وأُيِّد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فإن شهادة الأعضاء تكون على الكفار لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ … ﴾ (١) الآيات الثلاثة.
وإذا كان القاذفون من المسلمين، فالمقصود من لعنهم في الدنيا - كما قال القرطبى -: إبعادهم وضربهم الحد، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم وإنزالهم عن رتبة العدالة، والإِمساك عن حسن الثناء عليهم.
وأَما على قول من قال: إن الآية نزلت في مشركى مكة، فالمراد من لعنهم: طردهم عن رحمة الله ولهم في الآخرة عذاب عظيم، ما لم يُسْلِموا فإن الإِسلام يَجُبُّ ما قبله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
والمعنى الإجمالى للآية على الوجه الراجح، إِن الذين يرمون بالفاحشة أَزواج النبي المؤمنات العفيفات عما يفترى عليهن، الغافلات عما ينشره الآفكون حولهن منْ قَالة السوء، ولا علم لهن بما يفترون - إِن هؤُلاءِ القاذفين - يلعنون في الدنيا حيث يقاطعهم المجتمع ويبعدهم عن حظيرته، ويقيم القاضى عليهم حد القذف، وترد شهادتهم ويوصمون بوصمة الفسق،
стр. 3152
كما يطردون في الآخرة من رحمة الله، ولهم فيها عذاب عظيم لا يقادر قدره، إلا من تاب وعمل صالحًا فإنه يرد إليه اعتباره فتقبل شهادته بعد إقامة الحد عليه، ويغفر الله له عثرات لسانه، أما على أن الآية نزلت في مشركى مكة فمعناها واضح.
٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
المقصود من شهادة هذه الجوارح عليهم: أن الله تعالى ينْطِقُ كل جارحة بما صدر عنها، لكبح إنكارهم وقطع أَعذارهم، وهذه الآية مرتبطة بالآية التي قبلها.
والمعنى: والذين يرمون المحصنات لهم عذاب عظيم، في يوم تشهد عيهم ألسنتهم بما افترته من الأكاذيب، ورددته من الفحش، وتشهد عليهم أيديهم بما جنته من التشهير بالإشارات وتشهد عليهم أَرجلهم بما سعت إِليه من نقل المفتريات، فينطقها الله الذي أنطق كل شيء، وتغْلَق دونهم منافذ الإنكار، ومقتريات الأعذار في يوم تشخص فيه الأبصار: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١).
والآية وإِن نزلت بخصوص واقعة القذف، فالحكم فيها عام يتناول جميع ما يكتسب بهذه الجوارح من المعاصي.
٢٥ - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (٢):
أي: يومئِذ تشهد عليهم جوارحهم، يوفيهم الله جزاءهم الحق المناسب لما كسبوه من السيئات، ويعلمون مما يشاهدونه من عدالة الله وقدرته وعظمته التي تتجلى في أحوال القيامة وأَهوالها - يعلمون أن الله هو الإله الحق الذي لا ريب فيه، الظاهر الذي لا خفاء في أُلوهيته وعدالته وقدرته، أو المظهر لأهل الحق حقوقهم، ولأهل الباطل أَباطيلهم، المجازى لكليهما بما كسبه في دنياه.
стр. 3153
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾
المفردات:
﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: ضد الطيبات، ﴿الْخَبِيثُونَ﴾: ضد الطيبين. والْخبْثُ: الرداءة.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: وثواب سَخِىُّ، وهو الجنة. كما قاله أكثر المفسرين.
التفسير
٢٦ - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. . .﴾ الآية.
هذا كلام مستأنف مبنى على سنة الله الجارية بين الخلق، من أَن شبيه الشيء منجذب إِليه، وفي هذا المعنى يقول القائل: إن الطيور على أشباهها تقع. . . والآية مرتبطة بما قاله الآفكون في شأن عائشة ﵂.
والمعنى: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا لأنها طيبة فإِنه أطيب من كل طيب من البشر؛ فلا يليق به سوى الطيبات، ولوكانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرًا، ولا حسب سنة الله في خلقه، فإِنه جعل الطيبات للطيبين، والطيبين للطيبات، والخبيثات للخبيثين والخبيثين للخبيثات.
وقال ابن عباس في تفسيرها ما معناه: الخبيثات من الأَقاويل للخبيثين من الرجال، فلا توجه إلى غيرهم، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الأقاويل. فهم جديرون بها، والطيبات من الأحاديث للطيبيين من الرجال، فهى حق لهم، والطيبون من الرجال للطيبات
стр. 3154
من الأحاديث فلا يعدل بها عنهم - واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أَولى بالطيبين منهم، فما نسبه أَهل النفاق إلى عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءِة والنزاهة منهم، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (١) ولهذا ختم الله الآية بما هونتيجة لهذه المقدمة فقال:
﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي أَن أهل هذا البيت الكريم بعَدَاءُ عما يقوله أَهل الإفك والعدوان لهم، بسبب ما قيل فيهم من الإفك مغفرة عظيمة لما لا يخلوعنه البشر من الهفوات أَولما يعد بالنسبة إليهم هفوات، وإن كان بالنسبة لغيرهم مكرمات، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولهم بسبب ذلك رزق عظيم في جنة الرحمن الرحيم.
وبعد، فإن نزول هذه الآيات العظيمة في تبرئة أُم المؤمنين عائشة، فيه مزيد اعتناءٍ بشرف الرسول وكرامته على الله، وجبر لقب صاحبه أبي بكر الصديق ﵁ وكذا قلب زوجته أُم رومان، فقد اعتراها من حديث الإفك هَمٌّ جسيم، كما أن فيه تكريما لعائشة ﵂ لمزيد انقطاعها إلى الله ولجوئها إليه في محنتها.
стр. 3155
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: تطلبوا أُنس أَهل البيت باستئذانِكم إياهم في دخوله، حتى لا تحدث لهم وحشة ورعب بدخولكم عليهم دون استئذان.
﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: هوأطهر لكم - من الزكاة، بمعنى: الطهارة - أوأنفع لدينكم ودنياكم - من الزكاة بمعنى النمو - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: ليس عليكم حرج.
﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾: أَي فيها حق استمتاع بها لكم، وسيأْتى شرحه.
﴿تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تظهرون وما تخفون.
التفسير
٢٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
لا يزال الحديث ممتدًا في تأديب الله لعباده نحوحرمانهم، فقد أَنزل هذه الآية وما بعدها ليعلمهم أَن للبيوت حرمات لا يحل انتهاكها بدخولها دون استئذان، وسبب نزولها: ما رواه
стр. 3156
الطبرانى وغيره عن عدى بن ثابت: أَن امرأَة من الأَنصار قالت: يا رسول الله، إني أَكون في بيتى على حال لا أُحب أن يرانى عليها أَحد، لا والد ولا ولد، فيأْتى الأب فيدخل علىّ وإِنه لا يزال يدخل علىّ رجل من أَهلى وأَنا على تلك الحال، فكيف أَصنع؟ فنزلت الآية، فقال أَبو بكر: يا رسول الله، أَفرأيت الخاناتِ والمساكنَ في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ … ﴾ (١) الآية.
وقال مقاتل بن حَيَّان: كان الرجل في الجاهلية إذا لقى صاحبه لا يسلم عليه، ويقول: حيّيت صباحا، وحييت مساءً، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أَحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأْذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت، فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في سَتْرٍ وعفة، وجعله نقيا نَزهًا من الدنس والقذر والدرن، فأنزل الله هذه الآية (٢): اهـ.
فأَنت ترى أَنه تعالى نهىَ فيها عباده عن دخول بيوت غيرهم حتى يستأْنسوا ويسلموا على أَهلها، والمراد من الاستئناس هنا: الاستئذان، وبه قرأَ عبد الله بن عباس وسعيد ابن جبير، وقد فسره به الجمهور، وأَصل الاستئناس: طلب الأنس الذي هوضد الوحشة ولما كان المستأْذن يريد باستئذانه أَن يأْنس به أَهل البيت ولا يستوحشوا منه فيأْذنوا له، عبر عن استئذانه بالاستئناس على سبيل المجاز.
وفسره بعضهم بالاستعلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أَي: فإن علمتم، والواقع أَن التفسيرين متقاربان، فإن الاستئذان مع ما فيه من طلب الإِذن فيه طلب العلم بوجود أَهل البيت وبرضاهم عن دخوله.
وقد تضمنت الآية أَن يقرن المستأْذن السلام باستئذانه، وظاهر النص تقديم الاستئذان على السلام، ولكن الأَولى العكس حسبما ورد عن النبي ﷺ والواولمطلق الجمع، فلا تقتضى الترتيب، وصورتهما: أَن يقول المستأذن: السلام عليكم،
стр. 3157
أأدخل؟ فقد أخرج أَبو داود عن رِبْعِى قال: (حدثنا رجل من بنى عامر استأذَنَ على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: ألِج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: "أخرج فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأَدخل؟ " فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أَأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل).
ومن العلماء من قال بتقديم الاستئذان، فإذا أُذن له فدخل سلم، وهذا الرأى، يوافق ظاهر الآية ويخالف ما رواه أَبو داود عن النبي ﷺ ، وقد تقدم قبل هذا، وهوأحق بالاتباع.
ويسن الاستئذان إلى ثلاث مرات إن لم يؤذن له بعد الأولى والثاني، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، فقد جاءَ في الصحيح أن أَبا موسى الأشعرى حين استأْذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ - يعنى أبا موسى - ائذنوا له، فطلبوه، فوجدوه قد ذهب، فلما جاءَ بعد ذلك قال: ما رَجَعَكَ؟ قال: إِنى استأْذنت ثلاثًا فلم يؤذن لى، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف … " الحديث.
وقد كانت البيوت من غير أبواب ولم يتخذ لها الستور، فكانت السنة أن يقف المستأذن بجانب المدخل يمينًا أويسارًا ولا يستقبله، روى أَبو داود عن عبد الله بن بسْر قال: (كان رسول الله ﷺ إِذا أَتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاءِ وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أَو الأَيسر فيقول: "السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور) (١).
فإن قيل: ما الحكم بعد أَن استحدث الناس الأبواب، وسكنوا في الطوابق، واستحدثوا أَجراسًا على أبوابهم؟ فالجواب: أَن الاستئذان يكون في هذه الحالة إما بدق الباب أوبقرع الأجراس، فقد صح عن أَبي موسى الأشعرى (أن رسول الله ﷺ كان في حائط بالمدينة على قفِّ بئر، فمد رجليه في البئر فدق البابَ أَبو بكر، فقال له رسول الله ﷺ : "ائذن له وبشره بالجنة") والحائط: البستان، وقفُّ البئر: الدكة المرتفعة التي تجعل حولها.
стр. 3158
وينبغى أن يكون الدق خفيفًا غير مزعج، فقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت أبواب النبي ﷺ تقْرَع بالأظافر) رواه الخطيب في جامعه (١).
وكما يشرع الاستئذان للرجال يشرع للنساءِ، فقد يكون أَهل البيت على حال لا يحسن أَن يطلع هؤلاءِ النساءُ عليها، فالخطاب في الآية للذكور على وجه التغليب لا التخصيص، فإِن النساء شقائق الرجال في الأحكام إِلا ما خص كلا منهم كأحكام الحيض والنفاس للنساء، ومضاعفة الميراث للرجال، ويؤيد العموم ما أخرجه الطبرانى عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من كان يشهد أنى رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأْذن ويسلم، فإِذا نظر في قعر البيت فقد دخل" (٢) أَي: فإذا نظر في داخل البيت قبل أَن يؤذن له، فكأنما دخل قبل الاستئذان، وذلك لا يحل له، فأنت ترى أن الحديث جاءَ بصيغة العموم التي تعم الرجال والنساء.
فإذا استأذنت فقيل لك: من الطارق مثلا؟ فيكره أن تجيبه بقولك: أنا، فقد روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (استأْذنت على النبي ﷺ فقال: "من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: "أنا، أنا" كأنه كره ذلك) وربما ترجع كراهة النبي لذلك، إلى أَن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب، فإن لفظ (أَنا) لا تحصل به المعرفة، وربما أوهم غرورَ المجيب بنفسه، فكأنه يرى أَنه الشخص الذي لا يجهله أَحد، فيكفى أن يقول عن نفسه: (أَنا) ليعرف.
وثبت أَن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ وهو في مشربة له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم أَيدخل عمر؟، وفي صحيح مسلم، أَن أَبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: (السلام عليكم، هذا أَبوموسى، السلام عليكم هذا الأشعرى. . .) الحديث.
وهذه الأحكام إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك فلا تستأْذن فيه على أهلك، ولكن تسلم عليها إذا دخلت فإن كان معها أُمك أَوأُختك فاستأذن؟ فقد تكونان - على حالة
стр. 3159
لا تحب أَن تراهما فيها، روى عطاءُ بن يسار أن رجلا قال للنبي ﷺ : أَستاذن على أمى؟ قال: "نعم" قال: إني أخدمها، قال: "استأْذن عليها" فعاوَدَها ثلاثًا، فقال: "أتحب أن تراها عريانة؟ " قال: لا. قال: "فاستأْذن عليها" ذكره الطبرى (١).
والمعنى الإجمالى للآية: يا أَيها الذين آمنوا ذكورًا وإناثا - لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم، حتى تستأْذنوا منْ له حق الإذن من أهلها في الدخول عليهم وتسلموا عليهم تحية لهم، ذلكم الاستئذان والسلام خير لكم من الدخول بغتة، لما فيه من الاطلاع على عورات إخوانكم وإزعاجهم، وخير لكم من تحية الجاهلية إذ كانوا يقولون: حييتم صباحا وحييتم مساء، وقد أُرشِدتم إِلى ذلك لعلكم تتذكرون وتتعظون فتعملوا بما شرع لكم.
٢٨ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾:
أثبتت الآية السابقة حكم البيوت المسكونة، فنهت عن دخولها من غير إذن أهلها، وجاءت هذه الآية لتبَيِّنَ حكم دخول البيوت الخالية التي يملكها سواكم.
والمعنى: فإن لم تجدوا في البيوت التي يملكها سواكم أحدًا من أهلها فلا تدخلوها، سواءٌ أكان الباب مغلقًا أم مفتوحًا، لأن الله أغلقه بالتحريم (٢)، حتى يأتى من أهلها من له حق الإذن، فتستأْذنوه فيأْذن لكم، ولا عبرة بإذن خادم ولا صبى كما يقول به بعض الأئمة، لأن مثلهما لا إِذن له (٣)، وإن قيل لكم من جهة أهل البيت: ارجعوا ولوبعد الإذن لكم بالدخول (٤)، فارجعوا ولا تدخلوا ولا تلحوا سواءٌ أكان الآمر بالرجوع يملك الإذن بالدخول أَم لا (٥) ومثله في حكم وجوب الرجوع الإمساك عن الإجابة، أوالاعتذار بعدم
стр. 3160
وجود من يلقاه أويجالسه من الرجال أَونحوذلك، والرجوع عن الدخول في هذه الأحوال وأمثالها واجب، سواءٌ أكان في البيت أَهله أَم لا، كما أدعى إلى الطهر والنزاهة ولهذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: أَي أطهر لكم لما فيه من السلامة من القيل والقال والتصرف في ملك غيركم إن دخلتموه دون رضاه، والدناءة والخسة إن بقيتم بالباب تَلِجُّون وتلحون، وإنما يتوقف الدخول على الإِذن ما لم يكن هناك داع شرعى كِإزالة منكر توقفت إزالته على الدخول بغير إذن، وإطفاء حريق فيجوز رعاية لشريعة الله (١)، ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: لِوعْدِ من امتثل أمره ووعيد من عصاه، أي: أَنه تعالى يعلم ما تفعلون وما تتركون مما كلفكم به، ويعلم ما انطوت عليه قلوبكم من الأَغراض الشريفة أَو الخسيسة حين استئذانكم، فيحاسبكم ويجزيكم على أَعمالكم ونِياتِكم، إِن خيرًا فخيرٌ وإن شرًا فشر.
٢٩ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾:
يبيح الله في هذه الآية دخول بيوتٍ غير مسكونة بغير استئذان، إذا كانت لها صفة العموم، وتعتبر هذه الآية مخصصة لعموم ما قبلها.
والمراد من هذه البيوت: ما لم يجعل لسكنى طائفة خاصة، بل جعل ليتمتع بها من كان بحاجة إليه كالحانات والحمامات العامة، ومنازل المسافرين العامة، وحوانيت التجار ونحوها، والمراد بالمتاع: المنفعة. فَعَنْ محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة، قال مجاهد: لا يسكنها أحد، بل هي موقوفة ليأوى إليها كل ابن سبيل وفيها متاع لهم، أي: استمتاع بمنفعتها، وقال ابن زيد والشعبى: هي حوانيت القيساريات، قال الشعبى: لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس: هَلموا، وقال جابر بن زيد: ليس يعنى بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، أَما منزل ينزله قوم من ليل أونهار، أوخَرِبَة يدخلها لقضاء الحاجة، فهذا متاع وكل منافع الدنيا ضاع، واستحسنه أبوجعفر
стр. 3161
النحاس، وقال: المتاع في كلام العرب: المنفعة، ومنه: أمتع الله بك، ومنه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (١).
ويدل على صحة هذه الآراء ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل أَنه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا … ﴾ الآية.
قال أبو بكر ﵁ يا رسول الله، فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان؟ فرخص سبحانه في ذلك، فأنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية (٢).
فالمراد بتلك البيوت غير المسكونة: ما فيها انتفاع عام، ويدخل فيها دور العلم المباحة، أَما إذا كانت لها قيود أَوبأجر، فلابد من الاستئذان عليها والتزام شروطها، وكذلك الفنادق التي يسكنها المسافرون بأَجر فلا يدخلها أَحد بغير استئذان والتزام بحدودها، ومثلها الحمامات الخاصة ونحوها.
وخلاصة معنى الآية: ليس عليكم - أَيها المؤمنون - حرج ولا إثم، في أَن تدخلوا بغير استئذان بيوتًا غير مسكونة فيها متاع - أَي منفعة - لكم بدخولكم فيها، كالدور الموقوفة على أبناء السبيل، ومنازل المسافرين العامة المقامة على الطريق ليستريح فيها المسافرون، ودور العلم العامة التي لم يجعل لها شروط تمنع أحدًا من حضورها، والبيت المعد لنزول أي ضيف، وحوانيت التجار، والمراحيض العامة والْخَربات لقضاء الحاجة - ليس عليكم جناح - أن تدخلوا هذه وأَمثالها دون استئذان، لأن لكم حق التمتع - أي الانتفاع - بها، والله يعلم ما تظهرون وما تخفون من أعمال ونيات، فيحاسب كل من دخل هذه البيوت المأذون بدخولها بلا استئذان - يحاسبه ويجازيه - على عمله ونيته، فإذا كان دخوله إياها لراحة نفسه أوقضاءِ مصلحة شرعية له أولغيره فله ثوابه وإن كان للفساد والإفساد، فعليه عقابه.
стр. 3162
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
المفردات:
﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: يخْفضوها كَفًّا لها عن النظر إِلى منْ يحرم النظر إِليهن، وكل شيءٍ غضضته فقد كففته، وفعله من باب رد يردُّ. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾: يمنعوها عن الزنى واللواط. ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾: أطهر لهم.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: ولا يظهر من الزينة إلا ما ظهر منها عادة كالخاتم، وللكلام بقية في التفسير.
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: الخُمُرُ؛ جمع خمار وهو ما تلقيه المرأَة على رأسها من الثياب لسترها، وهو من الخمر، بمعنى الستر، والجيوب، جمع الجيب، وهوفتحة في أعلى القميص يبدومنها بعض الجسم، وأَصله: من الجيب أوالجوب، بمعنى القطع، وفي الصحاح تقول:
стр. 3163
جبت القميص أَجيبه وأَجوبه إذا قَوَّرت جيبه، وضربهن بالخمر على الجيوب إلقاؤهن إياها على الصدور لسترها مع الأعناق. ﴿بُعُولَتِهِنَّ﴾: أزواجهن.
﴿نِسَائِهِنَّ﴾: أي النساءِ الحرائر المؤمنات المختصات بهن كصاحبة وخادمة.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: من الإماء دون العبيد. ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾: أَي الذين يتبعون البيوت ليصيبوا من فضل الطعام، ممن ليس لهم حاجة إلى النساء من الشيوخ الطاعنين في السن. ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾: أَو الأطفال الذين لم يميزوا بين عورات النساء وغيرها، ولا يدرون ما هي العورة، وللكلام بقية في التفسير.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾: ولا يضرب المؤمنات الأرض بأَرجلهن لإعلام الرجال ما يخفين من زينتهن حين يسمعون صوت الخلاخيل بسبب ضربهن الأرض.
التفسير
٣٠ - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا (١) مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾:
شرع الله في الآيات السابقة وجوب الاستئذان على البيوت توفيرًا لحرمات أهلها، وسترًا لعوراتهم عمن يدخلونها فجأة، وجاء بهذه الآية والتى بعدها تتميما لما قبلها من الآداب التي تحمى الأعراض، وتحفظ في المؤمنين والمؤمنات مكارم الأخلاق، فقد أَمر الله فيهما بغض البصر عن المحرمات، وعدم إِبداء الزينة لغير من يحل إبداؤها له، إلى غير ذلك من الآداب والأحكام التي سنبينها.
والبصر: هوالباب الموصل إلى القلب، وأشد الحواس تنبيها له، وعن طريقه غالبًا يكثر السقوط والانغماس في أَوحال الفتنة، فهوبريد الزنى ورائد الفجور، قال الشاعر:
كل الحوادث مَبداهَا من النظر … ومعظَم النار من مستصغر الشرر
كم نظرةٍ فعلت في قلب صاحبها … فِعلَ السهام بلا قوس ولا وَتَر
стр. 3164
فلهذا عُنِىَ الشرع بإيجاب غض البصر وكفِّه عن المحرمات، والتحذير من الفتنة عن طريقه، كما جاء في هاتين الآيتين، وكما في قوله ﷺ : "إِياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بدٌّ إِنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إِلا المجالس فأَعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غضُّ البصر وكفُّ الأَذى وردُّ السلام، وأَمرٌ بالمعروف ونهىٌ عن المنكر" أَخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدرى، واللفظ للبخارى (١).
والأمر فيها موجه إلى النبي ﷺ لإِيذانه بمتابعته لهم في هذا الشأن وهيمنته عليهم فيه حتى يكفوا عما اعتادوه في الجاهلية من نظر الرجال إلى النساءِ والنساءِ إِلى الرجال.
هذا، وقد قيل: إن سبب نزول الآية: ما أَخرجه ابن مردويه بسنده عن على بن أبي طالب قال: مر رجل على عهد رسول الله ﷺ في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأَة، ونظرت إِليه، فوسوس لهما الشيطان أَنه لم ينظر أَحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشى إلى جنب حائط وهوينظر إِليها، إذ استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: والله لا أَغسل الدمَ حتى آتى رسول الله ﷺ فَأخبرَه أَمرى، فأَتاه فقص عليه قصته، فقال النبي ﷺ : "هذا عقوبة ذنبك" وأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ انظر الآلوسى.
وغض البصر: خفضه كَفًّا له عن النظر، ولفظ (مِنْ) في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إِما لابتداءِ الغاية - كما قال ابن عطية - وإما أن تكون للتبعيض، فلمراد: غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل (٢) كالنظر إلى الزوجة والمحرم، ويجب أن يتجرد نظره إِلى المحرم عن الشهوة، بل لقد كره الشعبى أَن يديم الرجل النظر إِلى ابنته أَوأمه أوأخته،
стр. 3165
وزمانه خير من زماننا (١)، فإذا نظر إليها بشهوة فإثمه شديد وعقابه عنيف، نسأل الله العصمة لعباده المؤمنين.
ونقل كثير عن السلف أَنهم كانوا ينهون أَن يحد الرجل النظر إِلى الأمرد، وشدد كثير من أَئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أَهل العلم، لما فيه من الافتتان.
أما نظرة الفجاءَة إِلى الأجنبية فلا إِثم فيها، فقد أخرج أَبو داود وغيره عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأُولى وليست لك الآخرة".
والمراد بحفظ الفروج أَمران، أَحدهما: حمايتها من الزنى واللواط، وثانيهما: سترها عمن لا يحل له النظر إليها من الأجانب والأقارب، إِلا في حالات جراحتها أَوعلاجها أَو الكشف عن مرضها، فأنه يجوز كشفها للطبيب الأمين (٢) عند الضرورة.
أَما الزوجة والأمة فلا يدخلان في الأمر بحفظ فرج الرجل عنهما، روى بَهْز بن حكيم ابن معاوية القشيرى عن أَبيه عن جده قال: (قلت يا رسول الله: عوراتنا؛ ما نأْتى منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك" ثم سأله عن الرجل يكون خاليًا، فقال ﷺ : "الله أحق أَن يستحيا منه من الناس") نقله القرطبى ثم قال في المسألة الخامسة ما خلاصته: أَن العلماءَ حرموا دخول الحمام على الرجال بغير مئزر، أَخْذًا من نص الآية، فإن دخلوها بمئزر جاز، وقد دخل ابن عباس الحمام بإزاره وهومُحْرِمٌ بالجحفة، أَما دخول النساءِ فأجازه بعض العلماءِ لضرورة العلاج ونحوه، مع الاستتار بنحومئزر، أما لغير ذلك فلا، فقد أَخرج ابن منيع بسنده عن سهل بن معاذ عن أَبيه عن أم الدرداء أَنه سمعها تقول: (لقينى رسول الله ﷺ وقد خرجت من الحمام، فقال: "من أين يا أُم الدرداء؟ " فقالت: من الحمام، فقال: "والذى نفسى بيده ما من امرأَة تضع ثيابها في غير بيت أَحد من أمهاتها، إلا وهي هاتكة كل
стр. 3166
ستر بينها وبين الرحمن " وأخرج البزار عن طاووس عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا بيتًا يقال له الحمام" قالوا يا رسول الله يَنْفِى الوسخ، قال: "فاستتروا" وهذا أصح حديث في الباب، فإن دخله مستترا فعليه أَن يحقق عشرة شروط، منها: أن يكون بنية التداوى أوالنظافة، وأَن يستتر بإِزار صَفِيق، وأن يغير ما يراه من منكر برفق - إِلى آخر ما ذكره القرطبى فارجع إليه إِن شئت.
والمعنى الإِجمالى للآية: قل - أيها الرسول - للمؤمنين: يخفضوا من أبصارهم كفا لها عن رؤْية ما لا تحل رؤيته من النساءِ والرجال، ويحفظوا فروجهم بمنعها عن الزنى، وسترها عن غير زوجاتهم وإمائهم، ذلك الغض للبصر وحفظ الفرج أطهر لهم في الدين، وأَبعد عن دنس الإِثم، إن الله عليم بما يصنعون من امتثال أمره أَوعصيانه، فيجازى كلا على ما كسب، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
٣١ - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا … .... ﴾ الآية.
أَمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أَن يبلغ النساء المؤمنات، أَنهن مكلفات بغَضِّ أَبصارهن وحفظ فروجهن، مع أَنهن داخلات في حكم الآية السابقة للتأْكيد، فإن قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعم حكمه الذكور والإِناث حسب كل خطاب في القرآن، فإِن النساء شقائق الرجال في الأَحكام إلا ما خص كلا منهم بدليل أَوقرينة.
وقد فهم من الآيتين أَنه كما يحرم نظر الرجال إلى النساءِ غير المحارم، يحرم نظرهن إليهم كذلك، أخرج أَبو داود والترمذى بسندهما عن أم سلمة (أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة؛ قالت: فبينما نحن عنده أَقبل ابن أَم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه" فقلت: يا رسول الله، أَليس هوأعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أوَ عمياوان أنتما؟ أَلستما تبصرانه؟ " ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (١) ومنه عرف
стр. 3167
أن نظر المرأة ولولرجل أعمى حرام، وكما يحرم على الرجل أن ينظر من المرأَة الأجنبية سوى وجهها وكفيها (١)، يحرم على المرأة أن ترى منه سوى وجهه وكفيه، وكما يجب على الولى منع الفتى المراهق من نظر المراة الأجنبية سوى وجهها وكفيها، يجب على ولى الفتاة المراهقة أن يمنعها من نظر ما عداهما من الرجل الأجنبى ولومراهقًا (٢).
وفهم من الآية أَيضًا أَنه يجب على المرأَة حفظ فرجها من الزنى والسحاق، وستره عن غير زوجها وسيدها إن كانت أَمة، ما لم تكن محرمة عليه لنحوزواج، فلا يحل لها أَن تبديه لسيدها، وكما يحرم عليها إظهاره للعين مباشرة يحرم إِظفاره بالثوب الشفاف أوالضيق، أَوبالحديث عنه، فكل ذلك حرام، لما يترتب عليه من إثارة الشهوة والفتنة.
وفهم من الآية أَيضًا أنه يحرم على المرأَة أَن تبدى من زينتها إلا ما ظهر منها (٣)، والمراد منه: الوجه والكفان، ودليل ذلك ما أخرجه أبو داود عن عائشة ﵂ (أَن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأَعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: "يا أَسماءُ إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أَن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه) وبهذا النص أخذ محققوالشافعية (٤) قال القرطبى: وهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس، فلا تبدى المرأَة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها، ونقل عن ابن خوَيْزِ مَنْدَاد من علماءِ المالكية: أن المرأَة إِذا كانت جميلة وخيف من رؤية وجهها وكفيها الفتنة، فعليها سترهما، وإن كانت عجوزًا أومقبحة جاز أَن تكشف وجهها وكفيها.
وقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هوالثياب، وقال سعيد بن جبير وعطاء والأوزاعى: الوجه والكفان والثياب (٥).
стр. 3168
وروى عن ابن عباس وقتادة والمِسْور بن مخرمة: ظاهر الزينة: هوالكحل والسوار والخضاب إِلى نصف الذراع والقِرَطَة والفَتَخ (١) فمباح أَن تبديه المرأَة على الناس. هكذا نقل القرطبى عنهم، ولكنه على هذا التفصيل - لوصح - يوقع في الفتنة. ولهذا فنحن نرجح الرأْى القائل بقصره على الوجه والكفين، لحديث عائشة السابق (٢). مضموما إِليهما ما ظهر من الثياب على أن يكون فضفاضا غير شفاف، فإِنه لابد من رؤيته عند إظهار الوجه والكفين بحكم الضرورة.
وقال ابن عطية: ويظهر بحكم أَلفاظ الآية، أن المرأَة مأْمورة أَن لا تبدى، وأن تجتهد في الإخفاءِ لكل ما هوزينة، ووقع الاستثناءُ لما يظهر بحكم الضرورة في إصلاح شأْن ونحوه فعفوعنه (٣).
واعلم أن ما ظهر من الزينة على ماسبق بيانه مباح إظهاره للأجانب والمحارم. وأَن ما بطن منها لا يحل إبداؤه إلا لمن ذكرهم الله في هذه الآية، على ما سيأْتي بيانه، واعلم أَن السوار من الزينة الباطنة - كما قال مجاهد، لأنها في الذراع لا في الكفين. وهوبذلك يخالف ما نقل سابقا عن ابن عباس من كونها من ظاهر الزينة، ومن الزينة الباطنة: الخلخال والدملج والقلادة والقرْط (٤).
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾:
الخمر: جمع الخمار، وهو ما تغطى به المرأَة رأسها، والجيوب: جمع الجيب، وهوكما قال الآلوسى: فتح في أَعلى القميص يبدومنه بعض الجسد (٥).
والمراد من الآية - كما روى عن أَبي حاتم عن ابن جبير -: أمرهن بستر نحورهن وصدورهن بخمرهن، لئلا يرى منها شئٌ.
стр. 3169
وكان النساءُ يغطين رءُوسهن بالخُمر، ويَسْدلنها (١) كعادة الجاهلية من وراء الظهر فتبدونحورهن وبعض صدورهن.
وصح أنه لما نزلت هذه الآية، سارع نساءُ المهاجرين إلى امتثال ما فيها، فشققن مروطهن (٢) فاختمرن بها تصديقا وإيمانا بما أنزل الله - تعالى - من كتابه.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾:
بعد أن أجاز الله للمرأة في صدر الآية أن تبدى للأجانب من زينتها ما يظهر منها عادة، عقبه بإجازة أَكثر منه لأنواع عيَّنَهَا فيها.
وأَول هذه الأنواع: (البعولة). جمع بعل، ويطلق على الزوج، وكذا على السيد، كما قاله ابن العربى، ومنه ما جاء في حديث جبريل عن أشراط الساعة في إحدى الروايات: "إِذا ولدت الأمة بعلها" يعنى سيدها؛ لأنها إذا استولدها سيدها، فولَدها يكون سببا في عتقها بعد موت أبيه، فكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق (٣)، فكل من الزوج والسيد يرى زينة المرأة كلها، وله الحق في أَكثر من رؤْية زينتها وهوتمام الاستمتاع بها نظرا أَوفراشا في مكان الحلِّ منها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. (٤)
أما النظر إلى الفرج فقد أجازه قوم بالقياس الأولوى على الجماع، فللرجل أَن ينظر إلى فرج زوجته وأَمته، ولهما أن ينظرا إلى فرجه، ومنعه بعضهم لحديث عائشة: "ما رأَيت منه ولا رأَى منى" وحمله أصحاب القول الأول على الأدب لا على التحريم، ومن الفقهاء من أَجازه مع الكراهة، وبه قال أَكثر الشافعية (٥)، ومن الفقهاء من قال إنه خلاف الأولى، وهومذهب الحنفية كما حكاه الخفاجى.
стр. 3170
ولما بدأ الله بذكر البعولة؛ ثنى بذوى المحارم، وهم آباءُ المرأة وإن علوا وآباءُ الأزواج كذلك، وأَبناءُ المرأة وإِن سفلوا، وأبناءُ للزوج كذلك، وإِخوان المرأَة وبنوإِخوانها، وبنوأخواتها والمراد بإخوانها: إخوتها الذكور أشقاء أَولأب أولأم، ومثل ذلك بنوإِخوانها وبنوأَخَوَاتها وإِن سفلوا، فهؤلاء جميعا يجوز للمرأة أَن تبدى من زينتها لهم أَكثر مما تبديه للأجانب لكثرة المخالطة الضرورية، وقلة توقع الفتنة، فلهم أَن ينظروا من المرأَة ما يظهر منها عند المهنة - أَي الخدمة - كما ذكره الآلوسى.
وقال القرطبى في المسألة الحادية عشرة: سوى الله بينهم في إبداءِ الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدى لهم، فيُبدى للأب ما لا يجوز إِبداؤه لِوَلَدِ الزوج.
ونحن نرى؛ أن الاحتياط والتصون في هذا الزمان أمر ضرورى، لفساد المعايير والأخلاق، فلا تبدى المرأَة من جسدها لغير زوجها وسيدها إِلا ما يظهر عند خدمتها منزلها في ثياب مرسلة، وحشمة واتزان، وبخاصة مع أبناء زوجها، فينبغى أَن يكون تحفظها معهم أكثر (١).
ولم يرد في الآية العم، ولا الخال - مع أَنهما من المحارم - والجمهور على أنهما كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يبدومن المرأَة عند المهنة على نحوما قلناه، ولم يُذْكَرَا في الآية اكتفاءً بذكر الآباء، فإِنهما عند الناس بمنزلتهم، ولا سيما الأعمام، وقيل: لم يذكرا لأَن الأَحوط أن تستتر المرأة عنهما، حذرا من أَن يصفاها لأولادهم، فيبعثهم ذلك على رؤيتها والاختلاط بها، وليس في الآية ذكر الرضاع؛ وهو مثل النسب فيما تقدم (٢).
أَما قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فالمراد منه: المسلمات المختصات بهن بالصحبة والخدمة من حرائرهن، أما الكوافر فلا يظهرن لهن إلا ما يظهرنه للرجال الأجانب، وقال عبادة
стр. 3171
ابن نُسَيٍّ: كتب عمر ﵁ إلى أَبي عبيدة بن الجراح: أَنه بلغنى أَن نساءَ أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساءِ المؤمنين، فامنع من ذلك وحُلْ دونه فإنه لا يحل أَن ترى الذمية عِرْيَةَ (١) المسلمة، فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال: أَيُّمَا امرأَة تدخل الحمام من غير عذر، لا تريد إِلا أن تبيض وجهها، فَسَودَ الله وجهها يوم تبيض الوجوه.
ونقل الآلوسى عن ابن حجر الشافعى: أن الأصح تحريم نظر الذمية إِلى غير ما يبدومن المسلمة في المهنة - أَي. الخدمة - غير سيدتها ومحرمها، ودخول الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها منها ما يبدوعند المهنة.
وأَما قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فالمراد منه: الإماءُ ولوكافرات، وأما العبيد فهم كالأَجانب لا يرون من زينة سيدتهن ألا ما ظهر منها، وهذا مذهب أَبي حنيفة، وأَحد قولين في مذهب الشافعى، قال ابن عباس: لا بأْس أَن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وقال سعيد ابن المسيب: لا تَغُرنكُمْ هذه الآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِنما عنى بها الإِماءُ ولم يعن بها العبيد، وعلل ذلك بأنهم فحول ليسوا أزواجا ولا محارم، والشهوة متحققة فيهم - انظر الآلوسى.
وأَما قوله تعالى: " ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ (٢) مِنَ الرِّجَالِ" فالمراد بهم: الذين يتبعون البيوت ليصيبوا من طعام أهلها، وليست لهم حاجة إِلى النساءِ، لكونهم شيوخا طاعنين في السن، وقد فنيت شهواتهم، والممسوحون الذين قطعت ذكورهم وخصاهم، فهؤلاء ينظرون من المرأَة ما يبدومنها عند المهنة، أما المجبوب: وهو من قطع ذكره، والخصى وهو من قطعت خصيتاه، ففيهما خلاف، فبعضهم أباح له أَن ينظر من المرأَة ما يبدوعند المهنة كابن الزوج ومن في حكمه، ومنهم من جعله في حكم الأجانب، فلا يرى منها غير الوجه والكفين، وظاهر الثياب - وهذا هوالراجح - انظر الآلوسى.
стр. 3172
وفسره بعضهم: بالأبْلَه، وفسره آخرون: بالصبى الذي لم يدرك، قال القرطبى: وهذا الاختلاف كله متقارب، ويجتمع فيمن لا فهم له، ولا همة ينتبه بها إلى أَمر النساء.
وأَما قوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ (١) الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ﴾ فالمراد به: الأطفال الذين لم يعرفوا ما هي عورات النساء، وما شأنها بالنسبة إِلى الرجال، وفسره الآلوسى بقوله: أي: الأطفال الذين لم يعرفوا ما هي العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها.
وهذا القول قريب مما قلناه، وعلى هذا وذاك يكون قوله: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ مأخوذًا من الظهور، بمعنى الاطلاع، وقد جعل كناية عما ذكر.
وفسره ابن كثير بأَنهم لصغرهم لا يفهمون أَحوال النساء وعوراتهن، من كلامهن الرحيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساءِ، فأما إن كان مراهقا أَوقريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكَّن من الدخول، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: ("إِياكم والدخول على النساء" قالوا: يا رسول الله أَفرأَيت الحَمو (٢)؟ قال: "الحَمو: الموت").
ومنهم من فسر ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ﴾ بالذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع، وَإِن كان قادرا على التمييز بين العورات، من قولهم: ظهر على فلان إِذا قوى عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ فيشمل الطفل المذكور على هذا الرأى المراهق، الذي لم يظهر منه تشوق للنساء، والأَصح عند بعض الشافعية: أَنه يلزم الاحتجاب منه كالمراهق الذي ظهر منه ذلك، وذكروا في الطفل غير المراهق أَنه إِن كان قادرا على حكاية العورات وتمييزها فله حكم المحرم في النظر، وإلا فهوكالعدم، فيباح في حضوره ما يباح في الخلوة (٣).
стр. 3173
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فمعناه أَنه لا يحل للنساء أَن يضربن الأَرض بأَرجلهن لتُسمع غيرها صوت خلخالها وتعلمه ما تخفيه من زينتها، فإسماع صوت الزينة كإبدائِها في الحرمة بل أَشد، لأَنه يغرى الرجال بهن، لما فيه من إيهام أن لهن ميلا إليهم، واستدعاء لهم، أخرج ابن جرير الطبرى بسنده عن حضرمي (أَن امرأَة اتخذت خَلخَالا من فضة، واتخذت جَزْعًا في ساقها، فمرت بقوم فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع فصوَّت، فأنزل الله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ … ﴾ الآية، والجزع: خرز فيه بياض وسواد تُشَبَّه به العيون، ويفهم من سبب النزول أَن الجزع كان منظوما في خيط حول الساق، وأَن الخلخال كان في أَعلاه فلما ضربت الأَرض برجلها وقع الخلخال عليه فصوَّت.
قال الآلوسى في تعليقه على هذا الأثر: والنساءُ اليوم على جَعْل الجزع ونحوه في جوف الخلخال، فإذا مشين ولوهونا صوَّت … الخ.
وكان النساءُ في عصرنا هذا يتخذن خلاخيل من ذهب أَوفضة لها جلاجل مرتبطة بها، تجلجل وتصوت عند مشيهن، ثم تلاشت هذه الحلية أَوكادت.
وكما يحرم على المرأَة تنبيه الرجال إليها بضرب الأَرض برجلها، يحرم عليها تنبيههم بنحوالتطيب عند خروجها، قال ﷺ : "كل عين زانية، والمرأَة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعنى زانية (١) والحديث حسن صحيح.
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أَي وقل أَيها النبي للمؤمنين في ضمن ما كلفوا به في هذه الآية - قل لهم -: توبوا إلى الله تعالى مما عسى أَن تكونوا قد ارتكبتموه مما نهيتم عنه فيها، ولا تتخلوا عن المتاب من آن لآخر، فإنكم لا تخلون من التقصير في حقوق الله - تعالى - لعلكم بالتوبة تفلحون، وتفوزون بما تأملونه من السعادة في الدارين.
стр. 3174
والمعنى الإجمالى للآية: وقل أَيها الزسول للمؤْمنات: اخفضن أَبصاركن وامنعنها من النظر إِلى الرجال إِلا ما يبدومنهم عادة، من غير إِمعان ولا اشتهاء، وقل لهن أَيضا: يحفظن فروجهن بمنعها عن الزنى، وسترها عن العيون بثياب لا تحكيها، ولا يظهرن زينتهن للرجال الأَجانب إِلا ما ظهر منها، وهو الوجه والكفان والثياب الخارجية الفضفاضة، وعليهن أن يسترن أَعناقهن وما تظهره فتحات صدورهن من أجسادهن، بسترها بخُمُرِهِنَّ أَي: بأَغطية رءُوسهن، ولا يظهرن زينتهن الداخلية إِلا لأَزواجهن أوآباءِ أَزواجهن، أَوأَبنائِهن، أَوأَبناء أَزواجهن، أَوإخوتهن، أَوأبناءِ إِخوتهن، أَوأَبناء أَخواتهن، وهؤلاءِ غير متساوين في النظر، فالأَزواج ينظرون ما شاءُوا من أَجسادهن وما عليها، أَما غيرهم؛ فلَا ينظرون منهن إلا ما يبدوعند المهنة.
ويباح لهن إِبداءُ مثل ذلك للنساء المؤْمنات، أَما الكوافر فهن مثل الرجال الأجانب في نظر الوجه والكفين وظاهر الثياب دون سواها، وقيل: مثل المحارم في نظر ما يبدوعند المهنة، كما يباح للنساء المؤمنات إِبداءُ ما يظهر عند المهنة للرجال الذين يتبعون البيوت، ليصيبوا من طعام أهلها وبرِّهم، ولا يشتهون النساء، كالرجال الواغلين في الشيخوخة، الذين فقدوا الحاجة إِلى فراش النساء، وكالممسوح والأَبله، أَما التابعون من ذوى الإِربة والحاجة إِلى النساءِ، فلا ينظرون من المرأَة أَكثر من وجهها وكفيها، وظاهر ثيابها الفضفاض كسائر الأَجانب.
ويباح للنساء المؤْمنات أَيضا إِبداءُ زينتهن للأَطفال الذين لا يفهمون عورات النساء ووظيفتها ولا يدركون الفوارق بين العورات، ولا يفهمون الغرض مما تبديه المرأَة من مظاهر أُنوثتها.
ويحرم عليهن أن يضربن الأرض بأَرجلهن، ليسمع الناس جلجلة خلاخيلهن، ويعرفوا ما تخفينه من زينتهن فإِن ذلك يوهم رغبة المرأَة في الصلة بهم، ويطمعهم في غشيان بيتها.
وتوبوا إلى الله أَيها المؤمنون جميعا، من مختلف الذنوب والمعاصي، لعلكم بالتوبة تظفرون برضوان رب العالمين.
стр. 3175
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾
المفردات:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾: الأيامى جمع أَيِّم، وهو من لا زوج له ذكرًا كان أَوأُنثى، سبق له الزواج أَو لم يسبق، وإنكاحهم تزويجهم.
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾: المراد بهم من يصلحون للقيام بحقوق النكاح من عبيدكم وجواريكم.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: كثير الرزق والإنعام.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾: وَليجتهد في العفة من لا يجدون أَسباب النكاح.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾: وَالمماليك الذين يريدون مكاتبتكم على العتق في مقابل عوض يؤدونه لكم، فكاتبوهم وتعاقدوا معهم.
стр. 3176
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ﴾: ولا تكرهوا إِماءَكم على الزنى.
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: أَي إن أَرَدن تَعفُّفا.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي فإن الله من بعد إِكراهكم لهن غفور لهن رحيم بهن، حيث يعفوعنهن لأَنهن مكرهات على البغاء.
التفسير
٣٢ - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
لما نهى الله عما يفضى إلى السفاح المخل بالنسب، عقبه بالحث على النكاح منعا من الانحراف إِلى الإثم، وحفظا لطهارة النسب، والخطاب في الآية موجه إِلى الأَولياءِ والسادة، فالأَولياءُ مطالبون بتزويج الحرائر والأَحرار بعد استئذانهم أَو التماسهم، ولابد في إذن الثيب الحرة أَن يكون صريحا، أَما البكر فيكفى صمتها مع الرضا، ويباشر الحر البالغ عقده بنفسه، ويباشر الولى العقد عن موليته عند الأكثرين، لقوله ﷺ : "لا نكاح إِلا بولى".
والسادة مكلفون بتزويج عبيدهم وإمائِهم الصالحين إن طلبوا ذلك ووجد السادة فيهم خيرا، وأَمر السادة بإِنكاح أَرقائِهم الصالحين على التجويز والإباحة عند الأَكثرين كما ذكره القرطبى في المسأَلة الرابعة.
والنكاح مباح عند الشافعية، فإنه قضاءُ لذة كالأَكل والشرب، ما لم توجبه الضرورة كخوف العنت، أَي: الزنى، ومستحب عند الحنفية والمالكية، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "فمن رغب عن سنتى فليس منى" ما لم توجبه الضرورة كما تقدم، وفي المسأَلة تفصيلات مفيدة عند الفقهاء فليرجع إليها من شاء.
والمراد من صلاح العبيد والإِماءِ معناه اللغوى، وهو: صلاحهم للقيام بحقوق النكاح، وقيل: المراد صلاحهم الدينى، ليكونوا جديرين بعناية مواليهم وإشفاقهم عليهم.
стр. 3177
ثم بين سبحانه أن الفقر في الخاطب أَو المخطوبة لا يمنع من المناكحة، فإن المال غاد ورائح، ولا حرج على فضل الله في أَن يغنى الفقير، ولهذا زوج النبي ﷺ امرأَة برجل فقير لا يملك ولا خاتما من حديد، على أَن يعلمها ما يحفظ من القرآن.
وجنح بعض المفسرين إِلى أَن الآية وعد من الله بالإِغناء، لكن ذلك مشروط بمشيئة الله تعالى كقوله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: للإِيذان بأَنه لا ينبغي عدم اليأس من فضل الله فإنه سبحانه ذوسعة في الغنى والقدرة فلا حرج على فضل الله - عليم بأَحوال عباده، يمنحهم من رِغدِه ما علمَ أَنه يصلح من أَمرهم.
والمعنى الإِجمالى للآية: وزوِّجُوأَيها الأولياءُ من تتولون أَمرهم من الحرائر والأَحرار غير المتزوجين إن طلبوا ذلك، ولا تمنعوهم حقهم في سنة الله وفي إِعفافهم، وزوجوا الصالحين للنكاح من عبيدكم وإمائكم، والفقر ليس بمانع من زواج الأحرار، إِن يكونوا فقراء فالله قادر على أَن يغنيهم من فضله إن شاء، والله واسع الغنى والقدرة، عليم بأَحوال عباده فلا يخفى عليه محتاج، ولا تضيق موارد رزقه على الفقراء، فهوكافل الأَرزاق لجميع مخلوقاته.
٣٣ - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .. ﴾ الآية.
تتضمن هذه الآية ثلاثة آداب للمؤمنين، أَولها: فيمن لا يجد أهبة النكاح، وثانيها في حث السادة على مكاتبة أَرقائِهم ومساعدتهم إِن علموا فيهم خيرا، وثالثها في منعهم من إكراه إمائِهم على البغاء، وفيما يلى الكلام على الجزءِ الأَول من الآية.
المراد من كونهم لا يجدون نكاحا: أَنهم لا يجدون أَسبابه من مهر ونفقة (٢)، وقد
стр. 3178
طلبت الآية ممن لا يجدون أسباب النكاح مع توقانهم إِليه، أَن يجتهدوا في العفة والبعد عن الزنى، وذلك بالاستعانة بالصيام كما قال ﷺ : "ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (١).
أَو بالاستعانة بالصبر حتى يغنيهم الله من فضله فيتزوجوا، وذلك خير لهم من الإقدام على الزواج مع الفقر، انتظارا لفضل الله حسب وعد الله في الآية السابقة، فإِنه وعد مشروط بمشيئة الله تعالى، فإن شاءَ حققه وإِن لم يشأْ لم يحققه، حسبما تقتضيه حكمته تعالى، وقد أَمر الله بالسعي في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِه﴾ (٢).
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾:
هذا هو الجزءُ الثاني من الآية، وهو تأْديب وإِرشاد منه تعالى للسادة في حق أَرقائهم أن يكاتبوهم ذكورا كانوا أَو إِناثا على العتق في مقابل جُعْل يؤُدونه لسادتهم مُنجَّمًا، أَومرة واحدة في آخر مدة الكتابة أَو نحو ذلك.
وصورة المكاتبة أَن يقول السيد لمملوكه: كاتبتك على أَن تؤَدى مائة دينار مثلا، فإِذا أَديتها عتقت، فيقبل العبد، وهذا القول يسمى مكاتبة وإِن لم يكتب في سجل لأنها بمعنى المعاقدة والعهد، كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أَي: عقد على نفسه عهدا بذلك، وقيل: سمى بذلك لأَنه مما يكتب.
والمكاتبة إسلامية الأصل، فلم تكن في الجاهلية كما نقله الخفاجى عن الدميرى وكذا قال ابن حجر، وأَول من كاتبه المسلمون؛ عَبْدٌ لعُمر يسمى أَبا أُمية (٣)، وقيل: نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: صبَيح، طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى،
стр. 3179
فأَنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا فأَداها، وقتل بحنين في الحرب، ذكره القشيرى، وقال مكى: هو صبيح القبطى غلام حاطب بن أبي بلتعة (١).
وسواءٌ أكان للآية سبب نزول أم لم يكن، فإِن الله تعالى أَمر فيها المؤْمنين أَن يكاتبوا أَرقاءَهم إن طلبوا منهم ذلك، وعلم سيد كل عبد منه خيرا، فإن طلبها الرقيق وأَباها سيده، فله ذلك؛ لأَن إِجابته ليست بواجبة بل مَنْدوبة عند أَكثر العلماء - كما حكَاه البيضاوى - وعَللَه؛ بأَن الكتابة معاوضة تتضمن الإِرفاق فلا تجب كغيرها من المعاوضات إِلا عن تراض (٢)، وقال جماعة: بوجوبها عملا بظاهر النص، ومنهم عكرمة وعطاء وعمرو بن دينار، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبرى، واحتج داود أَيضا بأَن سيرين والد محمد بن سيرين، سأَل أَنس بن مالك المكاتبة وهو مولاه فأَبى أَنس، فرفع عمر عليه الدِّرة فكاتبه أَنس، قال داود: وما كان عمر ليرفع عليه الدرة فيما لا يباح له أَن يفعله.
والمراد بعلم السادة الخير في أَرقائِهم: أَن يعرفوا فيهم الدين والقدرة على الاكتساب والوفاء بما تعاقدوا عليه مع سادتهم، وكان ابن عمر يكره أَن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: أَتأمرني أَن آكل أَوساخ الناس - يعني صدقاتهم - وبعث عمر بن الخطاب إِلى عامله عُمَيْر بن سعد أَن ينهى المسلمين أن يكاتبوا أَرقاءَهم على مسأَلة الناس، وكرهه الأَوزاعى، وأحمد، وإسحاق، ورخص فيه مالك، والشافعي، وأَحمد، وعلي ﵁ وفي رواية أُخرى عن مالك: أَنه كره مكاتبة الأَمة التي لا حرفة لها لما تؤَدى إِليه من فسادها.
وقد رد من قال بجواز مكاتبة من لا حرفة له على المانعين بحديث روته الصحاح عن عائشة ﵂ قالت: (دخلَتْ عليَّ بريرة فقالت: إِن أَهلى كاتبوني على تسع أَوَاقٍ في
стр. 3180
تسع سنين، كل سنة أَوقية، فأعينيني … ) الحديث، ففيه دليل على مكاتبة الأَمة وهي لا حرفة لها، ولم يسأَل النبي ﷺ هل لها حرفة أَم لا؟ ولو كان هذا واجبا لسأَل عنه، لأَنه بعث مبينا معلما (١).
وظاهر الآية صحة المكاتبة على تنجيم المال - أَي: تقسيطه - وعلى دفعه كله حالًّا أَو مؤجلا، وبهذا أَخذ الحنفية، أَما الشافعية فقد أَوجبوا تنجيمه بنجمين فأَكثر، فلا تجوز عندهم بدون أَجل، أَما الكتابة على مال حال فلا تجوز عندهم، لأَن الرقيق لا مال له، فكيف يكاتب على ما يتعذر عليه دفعه، فيكون ذلك سببا لعودته إلى الرق.
وقد طلب الله إلى الموالى أَن يبذلوا لأَرقائِهم الذين كاتبوهم شيئا من أَموالهم، وفي معناه حَطُّ شيءٍ من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأَكثرين، ويكفى فيه أَقل متمول، وعن علي ﵁: يحط الربع، وقيل: يحط الثلث، وقيل: هذا أَمر لكافة المسلمين بإعانة المكاتبين، وإِعطائهم سهمهم من الزكاة، ويَحلُّ للمولى وإِن كان غنيا، لأَنه لا يأخذُه صدقة - كالدائن والمشترى (٢).
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
المراد من الفتيات هنا: الإِماءِ، وسبب نزول هذا النهي؛ ما أَخرجه مسلم وأَبو داود عن جابر ﵁ أَن جارية لعبد الله بن أُبي بن سلول يقال لها: مُسَيْكَة، وأُخرى يقال لها: أُمَيْمَة كان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت.
وأخرج ابن أَبي حاتم عن السدى قال: كان لعبد الله بن أُبَيٍّ جاريةٌ تدعى مُعَاذة، فكان إذا نزل ضيف أَرسلها له ليواقعها إِرادة الثواب منه والكرامة له، فأَقبلت الجارية إِلى أَبي بكر ﵁ فشكت ذلك إِليه، فذكره أَبو بكر للنبي ﷺ فأَمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أُبَيٍّ من يعذرنى من محمد يغلبنا على مماليكنا؟ فنزلت،
стр. 3181
وروى: كانت له ست جوار: معاذة، ومسيكة، وأُميمة، وعَمْرَة، وأَرْوَى، وقُتَيْلَة، يكرههن على البغاءِ، وضرب عليهن ضرائب، وروى عن علي وابن عباس أَنهم كانوا في الجاهلية يُكرهون إِماءَهم على الزنى، ويأخذون أُجورهن فنهوا عن ذلك في الإِسلام، إلى غير ذلك من الروايات والآية عامة الحكم وإن نزلت بسبب خاص.
وليس قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ شرطا لتحريم الإِكراه في الحقيقة، فإِن الإكراه على الزنى حرام في كل حال، بل المراد منه تهويل جريمة سادتهن، حيث أَكرهوهن على الزنى مع رغبتهن في العفة - كما جاء في سبب النزول (١).
والمعنى الإِجمالى للآية: وليجتهد في العفة وكبح النفس عن شهواتها، من لا يجدون أَسباب النكاح من صداق أَو نفقة أَو زوجة مناسبة لحالهم، أَو مسكن يؤويهم وذلك بالاشتغال بتقوى الله، وليصبروا حتى يغنيهم الله من فضله، وعليهم أَن يأْخذوا في أَسباب الغنى ليغنِيَهم الله تعالى فيتزوجوا عن غنى، والأَرقاءُ الذين يرغبون في أَن يكاتبهم سادتهم على العتق في مقابل جُعْلٍ يبذلونه لسادتهم، فعلى هؤلاءِ السادة أَن يكاتبوهم إِن عرفوا فيهم خيرا في الدين وقدرة على السداد، ووفاءً بالعقد، وأَن يعطوهم من مال الله الذي آتاهم، ولو بالنزول عن بعض العوض الذي كاتبوهم عليه، وليساعدهم المؤمنون ببعض زكاة أَموالهم أَو بالتصدق عليهم.
ولا تكرهوا - أَيها المسلمون - جواريكم على الزنى إِن أَردن تعففًا - كما فعله بعضكم - يبتغون بذلك متاعا فاسدًا من متاع الحياة الدنيا، ومن يكرههن على الزنى، فإِن الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، لأَنهن مُكْرَهَاتٌ عليه، أَو غفور رحيم للتائبين من السادة الذين أكرهوهن.
٣٤ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾:
هذا كلام مستأْنف جئَ به لبيان وضوح الآيات السابقة وجلالة قدرها، وصدر بلام القسم وقد، لإِبراز كمال العناية بشأْنه، أَي: وبالله لقد أَنزلنا إِليكم في هذه السورة
стр. 3182
الكريمة آيات موضحات لما تحتاجون إلى إِيضاحه من الحدود وسائر الأَحكام والآداب، وأَنزلنا إليكم مثلا من قبيل أَمثال الذين مضوا قبلكم، كقصة عائشة التي تماثل قصة مريم، وقصة يوسف ﵉ حيث أُسند إِليهما ما أُسند إلى عائشة - رضئ الله عنها -، وأَنزلنا إِليكم فيها ما يتعظ به المتقون، ويبتعدون عن المحرمات والمكروهات، فهم المنتفعون بأَنوارها وعظاتها.
وقيل: المراد بالآيات المبينات، والمثل، والموعظة: جميع ما في القرآن منها، والله الموفق للصواب وإِليه المرجع والمآب.
* ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الله هادى أَهل السموات والأَرض، وللكلام بقية في الشرح. (كَمِشْكَاةٍ): المشكاة؛ موضع الفتيلة من القنديل، وهذا هو المعنى المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: وهو الفتيلة التي تضئُ، وسيأتي في الشرح مزيد بيان. ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: كوكب مضئٌ متلأْلئٌ كالزُّهَرة (١) في صفائه ولمعانه …
стр. 3183
﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: من شجرة كثيرة الخير. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: أَي أَنها مكشوفة للشمس شرقًا وغربًا، فليست شرقية فحسْبُ، ولا غربية كذلك فتحرم من ضوء الشمس في أَيهما - وسيأْتي بسط الحديث فيها.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾: ويبين الله الأَشباه والنظائر لهم.
التفسير
٣٥ - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..... ﴾ الآية.
منذ بدأَت هذه السورة، ونحن نرى فيها نور الهدى والرشاد، فقد رأَينا فيها آيات بينات تحمى الأَعراض، وتصون الأَنساب، وتزجر المعتدين عليها بما فرضته من عقوبات، كما رأَينا آيات كريمة تحث على صيانة الأَلسنة عن قالة السوء في المؤمنين والمؤمنات، وعقوبة القاذفين لهم، وقرأنا فيها آيات الاستئذان على البيوت، وتحريم دخولها دون استئذان، ووجوب غض الأبصار عما يحرم النظر إليه من النساء والرجال، إلى غير ذلك من الأَحكام والآداب ومكارم الأَخلاق.
وقد جاءَت هذه الآية لتقرر أَن هذه الأَحكام وأَمثالها: هي من نور الله وهدايته لعباده المؤمنين، فإِنها كمشكاة فيها مصباح عظيم الضياء، فهى تضئُ قلوب المتقين، وتكشف الظلام عنها، كما يكشف الكوكب الدرى الظلام بنوره.
كما جاءَت لتبين أَنه - تعالى - يهدى لنوره من يشاءُ، ويضرب الله الأمثال للناس تقريرا لأَحكامه وتنويرًا لهم، لعلهم يتذكرون.
والنور في الأَصل: كيفية يدركها البصر، ويدرك بسببها الْمبْصَرَاتِ، مثل الكيفية التي تنبعث من الشمس والقمر على الأَجرام الكثيفة المقابلة لهما، أَو من المصباح على ما حوله، والنور بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى؛ لأَن النور مدرك بالأَبصار، والله تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وبالجملة فالله تعالى منزه عن الجسمية والكيفية ولوازمهما، ولعدم صحة إطلاق النور بمعناه اللغوي المذكور على الله تعالى، اختلف العلماءُ
стр. 3184
في تفسيره في الآية، فمنهم من فسره بالهداية، مراعاة لسياق الآية مع ما قبلها، وقد ذهب إِلى ذلك ابن عباس ﵄ فقد أَخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أَبي حاتم، والبيهقى في الأَسماءِ والصفات: عن ابن عباس أَنه قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَي: هادى أَهلهما. قال الآلوسى: وهذا وجه حسن: انتهى.
ونرى أَن هذا الرأْى مناسب لما سبق وما لحق من الآيات، ويكون إِطلاق النور على الله - تعالى - في هذا الرأْى على سبيل المجاز.
وقال آخرون: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه: منَوِّرهُمَا، فإِطلاق النور على الله تعالى بهذا المعنى على سبيل التجوز أَيضًا، كما تقول: زيد عَدْلٌ، بمعنى: عادل، على سبيل المجاز، ويرشح هذا المعنى أَنه قرأَ بعض القراءِ: ﴿اللَّهُ مُنَوِّر السمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقد نورهما الله - تعالى - بالكواكب والنجوم، حيث جعلها تلقى أَشعتها على الأَجرام المقابلة لها، كما نوّر الأَرض بالمصابيح التي هدى عباده إِلى اختراعها على اختلافها قوة وضعفًا، وكِبَرا وصِغَرا، وطولا وقِصَرا.
ويتناول النور على الوجه الأَول وحيه - تعالى - إلى ملائكته وأَنبيائه، وهداية كل شيءٍ لما خلق له، كما قال - تعالى - حكاية لما قاله موسى لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١) وفي هذا الجزء من الآية آراءٌ أُخرى، وحسب القارئ ما تقدم.
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾:
المقصود من النور هنا: الهدى القلبي الناشيءُ عن النظر في آيات الله في الأَنفس والآفاق، وعن التأَثر بمواعظ القرآن العظيم، وسنة النبي الكريم، فإن الهدى الناجم عن ذلك يذهب بظلمات الحيرة والشك والوسوسة التي تغشى القلوب، ويحِلُّ محلها الإِيمان الذي لا تهزه العواصف، ولا تقصفه الرياح القواصف، ومَثَله في ذلك مثل النور الحقيقي الذي تنجاب
стр. 3185
به الظلمات، وتَبينُ به المرئيات على حقائقها، والضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد إِلى الله - تعالى - (١) فإن الهدى هداه ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾.
والنور بهذا المعنى هو المشبه بالمشكاة، وهو الذي جنح إِليه ابن عباس ﵄؛ فقد أَخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أَبي حاتم والبيهقى عن ابن عباس أَنه قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: مَثَل هداه في قلب المؤمن" وبه قال أَنس، أَخرج ابن جرير عنه أَنه قال: (إلهي يقول: نُوري هُدَاي) ونقل الآلوسى أَن تفسيره بالهدى هو اختيار الأَكثرين، والمشكاة: هي موضع الفتيلة من القنديل، وقد نقله ابن كثير عن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وغيرهما، وقال: إِنه هو المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذُّبَالَةُ (٢) التي تضئُ، وقيل: هي الكُوة في الحائط غير نافذة، وعزاه القرطبى إِلى الجمهور، وقال: إنها بهذا المعنى أَجمع للضوءِ، ونقل القرطبى عن مجاهد أَنها هي القنديل، وقد اشتهرت بهذا المعنى في عصرنا، وتفسير المتقدمين للمصباح بالزبالة، أَي: فتيلة القنديل، ملاحظ فيه أَن المصابيح في هذا الزمان كانت كذلك، ولهذا جاءَ في النص الكريم أَن هذا المصباح ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾.
وقد بين الله - تعالى - أَن هذا المصباح في زجاجة، وهي القنديل، وقد وصف الله زجاج القنديل بالصفاءِ والزُّهْرَة الفائقة، حيث قال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومن هذا القنديل الشفاف ينفذ ضوءُ المصباح إِلى ما حوله.
والمراد بالكوكب الدرى: أَحد الكواكب التي يطلق عليها العرب الدرارىّ، مثل: المشترى، والزهرة، وهي منسوبة إلى الدُّرّة، لبياضها وزُهْرَتِها وحسنها.
وتشبيه الزجاجة بالكوكب الدرى يحتمل معنيين: أَحدهما: أَنها بما فيها من المصباح تشبهه، وثانيهما: أَنها لصفائها وجودة جوهرها تشبهه، قال القرطبى: وهذا التأْويل أَبلغ في التعاون على النور.
стр. 3186
وقد بين الله أَن هذا المصباح ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾: أي يوقد من زيتها، والمقصود بها: الجنس من شجرة الزيتون، وبركتها إِما كثرة منافعها، وإِما لأَنها تنبت في الأرض التي بورك فيها للعالمين، وعلى أَي حال فهي كثيرة المنافع، روى عن ابن عباس أنه قال: في الزيتونة منافع: يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ووقود - يوقد بحطبه وتُفْلِه - وليس فيه شئٌ إِلا وفيه منفعة، حتى الرماد يُغْسَل به الإِبريسم … إِلخ.
والإِبريسم: الحرير.
وقد جاءَ في زيتها حديث أَخرجه عبد بن حميد في مسنده، والترمذى وابن ماجه، عن عمر ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإِنه من شجرة مباركة".
وقد وصف الله تعالى الزيتونة بقوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: فأَما كونها غير شرقية وغير غربية، فالمقصود: أنها مكشوفة للشمس، لا يحجبها عنها جبل ولا شجر، من حين تطلع حتى تغرب، وذلك أَحسن لزيتها، فهي ليست خالصة للشرق حتى يقال فيها: شرقية، ولا خالصة للغرب حتى يقال فيها: غربية، بل هي شرقية غربية.
وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام، فإن شجر الشام لا شرقى ولا غربى، وشجر الشام هو أَفضل الشجر، وهو الأرض المباركة. وهذا رأى حسن.
وقد وصف الله زيتها بقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ تأْكيدا لصفائه وجودة النور المنبعث عنه، وبهذا الوصف اكتملت الأَنوار للمشكاة، فكان أَمرها كما قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: فقد اجتمع فيها ضوءُ المصباح إِلى ضوء الزجاجة إلى ضوء الزيت، فكانت كأَنْوَر ما يكون، فكذلك براهين الله - تعالى - واضحة تستضئ بها القلوب وتهتدى، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، بإرساله الرسل، وإِنزاله الكتب، الوعظ المتكرر، وآيات الله في الأَنفس والآفاق.
стр. 3187
ولما كان الناس مختلفين في معرفة الهدى والرشاد، متباينين في إِدراك الحق والضلال، عقب ذلك بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أَي يوفق الله لإصابة الحق ومعرفته والاستجابة إِليه - يوفق - من يشاءُ من عباده، ممن حسنت نيته، وطابت طويته، وذلك بإلهامه الاقتناع به، وشرح صدره إِليه، بعد أَن وفقه إلى حسن النظر في آياته التي نور الله بها السموات والأرض، وفيما أَنزل على رسوله من نور القرآن كما قال - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ حتى اطمأن بها فؤاده، واهتدى إلى الحق والرشاد. وفي ربط الهداية بمشيئة الله - تعالى - إيذان بأَن مناطها هو مشيئته، وليست الأَسباب وحدها، فهو أَعلم بمن يستحقها، قال الشاعر:
إذا لم يَكُ التوفيق عونا لطالب … طريقَ الهدى أعيت عليه مطالبه
أَخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أَصابه يومئذ من نوره اهتدى، ومن أخطأَه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ".
وقد ختم الله الآية بما يدل على أن إطلاق لفظ؛ (النور) على الآيات والبراهِين من قبيل ضرب الأمثال، فقال - سبحانه -: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي يبين الله الأشباه والنظائر من الحسيات، تمثيلا للمعانى عند إرادته - تعالى - هداية الناس وإِرشادهم إلى الحق - كالذى جاءَ في الآية من تشبيه ما تحدثه الآيات من نور الهدى في القلوب، بنور المشكاة؛ لما لها من الأثر العظيم في إرشاد الحق إِلى الحق.
وختم الآية بقوله - سبحانه -: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَي: أنه - تعالى - يعلم الأشياء جميعها حقائقها ومجازاتها، وما ينبغي التعبير عنه بأسلوب المجاز، وما ينبغي التعبير عنه بأسلوب الحقيقة، كما يعلم من يستحق الهداية ممن يستحق الإِضلال.
أَخرج الإمام أَحمد بسنده، عن أَبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : "القلوب أَربعة: قلب أجْرَد، فيه مثل السراج يزْهر، وقلب أغْلَف، مربوط
стр. 3188
غلافه، وقلب مَنْكوس، وقلب مصْفَح، فأما القلب الأجرد (١)، فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأَما القلب المنكوس، فقلب المنافق - عرف ثم أنكر - وأَما القلب المصْفَح (٢)، فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البَقْلة يمدها الماءُ الطيب، ومَثَل النفاق فيه كمثل القَرْحَةَ يمدها القيح والدم، فأي المدَّتَيْنِ غلبت على الأُخرى غلبت عليه" قال ابن كثير: إسناده جيد.
المعنى الإجمالى للآية:
الله هادى أهل السموات إلى معرفته ومعرفة ما تستقيم به مصالحهم، وما يحققون به ما وُكل إليهم، مَثَل هدايته خلقه إِلى ذلك، كمثل نور مشكاة فيها مصباح مضئ. وهذا المصباح داخلَ زجاجة تشبه في صفائها. وقوة شعاعها الكوكب الدرى، وهو يوقد من زيت شجرة مباركة كثيرة المنافع، هي شجرة الزيتون، تلك الزيتونة تتمتع بضوء الشمس وحرارتها في مشرقها ومغربها فيجود بذلك زيتها، وقد بلغ من شدة صفاء هذا الزيت أَنه يكاد يضئُ ولو لم تمسسه نار وقد أَصبح نور المشكاة بذلك مضاعفًا، فهو نور فوق نور، يهدى الله للانتفاع بهداه من يشاء ممن رق حِسُّه، وحسن استعداده، وطابت سريرته، دون من عداه ممن لم يكترث بهداه، ويضرب الله الأمثال الحِسِّية للناس حين يهديهم إلى الحق والخير، لعلهم يهتدون إِلى ما أَرشدهم إليه مما ينفعهم في أُخراهم ودنياهم، فتستنير قلوبهم وتصفو أرواحهم.
стр. 3189
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾
المفردات:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: المراد بها المساجد، والإذن برفعها: الأمر برفع شأنها وتعظيمها. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: الغُدوَةُ أَول النهار، والغُدُوُّ: الإقبال في الغُدْوة، والآصال: جمع الأصيل، وهو آخر النهار. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: تضطرب فيه من شدة الهول. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: أحسن جزاء ما عملوه.
التفسير
٣٦ - ﴿فِي بُيُوتٍ (١) أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾:
لما بين الله تعالى في الآية السابقة أَن هدايته لعباده إِلى معرفته تشبه مصباحًا في زجاجة جاء بهذه الآية ليبين أَثر هدايته لهم، وهو تسبيحهم إياه في بيوت أَذن برفعها، ونقاءِ سيرتهم وسريرتهم، فهي استئناف مبين لأثر الهداية فيهم.
стр. 3190
والمراد بالبيوت: المساجد مطلقًا، وقيل: هي المساجد الأربعة التي لم يَبْنِها إلا نبي (١)، وهي: الكعبة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، وبيت أَريحا (٢)، حكاه القرطبى في آخر المسألة الأُولى عن ابن بريدة، وعقبه بقوله: الأظهر الأول؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "من أَحب الله - عزوجل - فليحبنى، ومن أحبنى فليحب أصحابى، من أحب أَصحابى فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد؛ فإنها أَفْنِيَةُ الله، أَبنيته أذن الله في رفعها، وبارك الله فيها، ميمونةٌ ميمونٌ أَهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، والله في حوائجهم، هم في مساجدهم، والله من ورائهم".
والمراد من إذن الله برفعها: أَمره بتعظيمها، وذلك بتطهيرها من الأقذار والنجاسات، ومنع الجنب والحائض والنفساء من دخولها، ومنع البيع والشراء ورفع الصوت فيها، والامتناع عن أَكل ذى ريح كريه قبيل في دخولها، وفي المسألة كلام طويل يطلب من الموسوعات من كتب الفقه والتفسير.
وحمل بعض المفسرين رفعها على رفع بنيانها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وبه قال مجاهد وعكرمة، وفي بناء المسجد يقول النبي ﷺ : "من بنى مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن عثمان بن عفان.
وهل يجوز تَزيين المساجد ونقشها؟ قال القرطبى في المسألة الثالثة: اختلف، في ذلك، فكرهه قوم، وأَباحه آخرون، واستند من كرهه إِلى قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تتباهى الناس في المساجد" أَخرجه أَبو داود بسنده عن أنس. وفي البخاري: وقال أنس: "يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا".
واستند من قال بإباحتها إِلى أن فيها تعظيم المساجد، والله أَمر بتعظيمها بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ وروى عن عثمان بن عفان ﵁ (أَنه بنى مسجد رسول الله ﷺ بالساج وحسنه).