وقد بين الله أَن هذا المصباح ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾: أي يوقد من زيتها، والمقصود بها: الجنس من شجرة الزيتون، وبركتها إِما كثرة منافعها، وإِما لأَنها تنبت في الأرض التي بورك فيها للعالمين، وعلى أَي حال فهي كثيرة المنافع، روى عن ابن عباس أنه قال: في الزيتونة منافع: يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ووقود - يوقد بحطبه وتُفْلِه - وليس فيه شئٌ إِلا وفيه منفعة، حتى الرماد يُغْسَل به الإِبريسم … إِلخ.
والإِبريسم: الحرير.
وقد جاءَ في زيتها حديث أَخرجه عبد بن حميد في مسنده، والترمذى وابن ماجه، عن عمر ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال: "ائتدموا بالزيت، وادهنوا به، فإِنه من شجرة مباركة".
وقد وصف الله تعالى الزيتونة بقوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: فأَما كونها غير شرقية وغير غربية، فالمقصود: أنها مكشوفة للشمس، لا يحجبها عنها جبل ولا شجر، من حين تطلع حتى تغرب، وذلك أَحسن لزيتها، فهي ليست خالصة للشرق حتى يقال فيها: شرقية، ولا خالصة للغرب حتى يقال فيها: غربية، بل هي شرقية غربية.
وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام، فإن شجر الشام لا شرقى ولا غربى، وشجر الشام هو أَفضل الشجر، وهو الأرض المباركة. وهذا رأى حسن.
وقد وصف الله زيتها بقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ تأْكيدا لصفائه وجودة النور المنبعث عنه، وبهذا الوصف اكتملت الأَنوار للمشكاة، فكان أَمرها كما قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾: فقد اجتمع فيها ضوءُ المصباح إِلى ضوء الزجاجة إلى ضوء الزيت، فكانت كأَنْوَر ما يكون، فكذلك براهين الله - تعالى - واضحة تستضئ بها القلوب وتهتدى، وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، بإرساله الرسل، وإِنزاله الكتب، الوعظ المتكرر، وآيات الله في الأَنفس والآفاق.
стр. 3187
ولما كان الناس مختلفين في معرفة الهدى والرشاد، متباينين في إِدراك الحق والضلال، عقب ذلك بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أَي يوفق الله لإصابة الحق ومعرفته والاستجابة إِليه - يوفق - من يشاءُ من عباده، ممن حسنت نيته، وطابت طويته، وذلك بإلهامه الاقتناع به، وشرح صدره إِليه، بعد أَن وفقه إلى حسن النظر في آياته التي نور الله بها السموات والأرض، وفيما أَنزل على رسوله من نور القرآن كما قال - تعالى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ حتى اطمأن بها فؤاده، واهتدى إلى الحق والرشاد. وفي ربط الهداية بمشيئة الله - تعالى - إيذان بأَن مناطها هو مشيئته، وليست الأَسباب وحدها، فهو أَعلم بمن يستحقها، قال الشاعر:
إذا لم يَكُ التوفيق عونا لطالب … طريقَ الهدى أعيت عليه مطالبه
أَخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أَصابه يومئذ من نوره اهتدى، ومن أخطأَه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ".
وقد ختم الله الآية بما يدل على أن إطلاق لفظ؛ (النور) على الآيات والبراهِين من قبيل ضرب الأمثال، فقال - سبحانه -: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أي يبين الله الأشباه والنظائر من الحسيات، تمثيلا للمعانى عند إرادته - تعالى - هداية الناس وإِرشادهم إلى الحق - كالذى جاءَ في الآية من تشبيه ما تحدثه الآيات من نور الهدى في القلوب، بنور المشكاة؛ لما لها من الأثر العظيم في إرشاد الحق إِلى الحق.
وختم الآية بقوله - سبحانه -: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَي: أنه - تعالى - يعلم الأشياء جميعها حقائقها ومجازاتها، وما ينبغي التعبير عنه بأسلوب المجاز، وما ينبغي التعبير عنه بأسلوب الحقيقة، كما يعلم من يستحق الهداية ممن يستحق الإِضلال.
أَخرج الإمام أَحمد بسنده، عن أَبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ : "القلوب أَربعة: قلب أجْرَد، فيه مثل السراج يزْهر، وقلب أغْلَف، مربوط
стр. 3188
غلافه، وقلب مَنْكوس، وقلب مصْفَح، فأما القلب الأجرد (١)، فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأَما القلب المنكوس، فقلب المنافق - عرف ثم أنكر - وأَما القلب المصْفَح (٢)، فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البَقْلة يمدها الماءُ الطيب، ومَثَل النفاق فيه كمثل القَرْحَةَ يمدها القيح والدم، فأي المدَّتَيْنِ غلبت على الأُخرى غلبت عليه" قال ابن كثير: إسناده جيد.
المعنى الإجمالى للآية:
الله هادى أهل السموات إلى معرفته ومعرفة ما تستقيم به مصالحهم، وما يحققون به ما وُكل إليهم، مَثَل هدايته خلقه إِلى ذلك، كمثل نور مشكاة فيها مصباح مضئ. وهذا المصباح داخلَ زجاجة تشبه في صفائها. وقوة شعاعها الكوكب الدرى، وهو يوقد من زيت شجرة مباركة كثيرة المنافع، هي شجرة الزيتون، تلك الزيتونة تتمتع بضوء الشمس وحرارتها في مشرقها ومغربها فيجود بذلك زيتها، وقد بلغ من شدة صفاء هذا الزيت أَنه يكاد يضئُ ولو لم تمسسه نار وقد أَصبح نور المشكاة بذلك مضاعفًا، فهو نور فوق نور، يهدى الله للانتفاع بهداه من يشاء ممن رق حِسُّه، وحسن استعداده، وطابت سريرته، دون من عداه ممن لم يكترث بهداه، ويضرب الله الأمثال الحِسِّية للناس حين يهديهم إلى الحق والخير، لعلهم يهتدون إِلى ما أَرشدهم إليه مما ينفعهم في أُخراهم ودنياهم، فتستنير قلوبهم وتصفو أرواحهم.
стр. 3189
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾
المفردات:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: المراد بها المساجد، والإذن برفعها: الأمر برفع شأنها وتعظيمها. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: الغُدوَةُ أَول النهار، والغُدُوُّ: الإقبال في الغُدْوة، والآصال: جمع الأصيل، وهو آخر النهار. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: تضطرب فيه من شدة الهول. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: أحسن جزاء ما عملوه.
التفسير
٣٦ - ﴿فِي بُيُوتٍ (١) أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾:
لما بين الله تعالى في الآية السابقة أَن هدايته لعباده إِلى معرفته تشبه مصباحًا في زجاجة جاء بهذه الآية ليبين أَثر هدايته لهم، وهو تسبيحهم إياه في بيوت أَذن برفعها، ونقاءِ سيرتهم وسريرتهم، فهي استئناف مبين لأثر الهداية فيهم.
стр. 3190
والمراد بالبيوت: المساجد مطلقًا، وقيل: هي المساجد الأربعة التي لم يَبْنِها إلا نبي (١)، وهي: الكعبة، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، وبيت أَريحا (٢)، حكاه القرطبى في آخر المسألة الأُولى عن ابن بريدة، وعقبه بقوله: الأظهر الأول؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: "من أَحب الله - عزوجل - فليحبنى، ومن أحبنى فليحب أصحابى، من أحب أَصحابى فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد؛ فإنها أَفْنِيَةُ الله، أَبنيته أذن الله في رفعها، وبارك الله فيها، ميمونةٌ ميمونٌ أَهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، والله في حوائجهم، هم في مساجدهم، والله من ورائهم".
والمراد من إذن الله برفعها: أَمره بتعظيمها، وذلك بتطهيرها من الأقذار والنجاسات، ومنع الجنب والحائض والنفساء من دخولها، ومنع البيع والشراء ورفع الصوت فيها، والامتناع عن أَكل ذى ريح كريه قبيل في دخولها، وفي المسألة كلام طويل يطلب من الموسوعات من كتب الفقه والتفسير.
وحمل بعض المفسرين رفعها على رفع بنيانها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وبه قال مجاهد وعكرمة، وفي بناء المسجد يقول النبي ﷺ : "من بنى مسجدا يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" أخرجه البخاري في صحيحه بسنده عن عثمان بن عفان.
وهل يجوز تَزيين المساجد ونقشها؟ قال القرطبى في المسألة الثالثة: اختلف، في ذلك، فكرهه قوم، وأَباحه آخرون، واستند من كرهه إِلى قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تتباهى الناس في المساجد" أَخرجه أَبو داود بسنده عن أنس. وفي البخاري: وقال أنس: "يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا".
واستند من قال بإباحتها إِلى أن فيها تعظيم المساجد، والله أَمر بتعظيمها بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ وروى عن عثمان بن عفان ﵁ (أَنه بنى مسجد رسول الله ﷺ بالساج وحسنه).
стр. 3191
والساج: شجر ينبت ببلاد الهند، وخشبه أسود رزين لا تكاد تبليه الأرض.
وقال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد ماء الذهب، وروى عن عمر بن عبد العزيز أَنه نقش مسجد النبي ﷺ وبالغ عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته المدينة قبل الخلافة، ولم ينكر عليه أَحد.
ومن تعظيم المساجد: الدعاءُ عند الدخول والخروج، أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دخل أَحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لى أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أَسألك من فضلك".
ومن تعظيمها: صلاة ركعتين لله تعالى قبل الجلوس، روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله - صل الله عليه وسلم - قال: "إِذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
والمراد بالتسبيح فيها بالغدوِّ والآصال: الصلوات فيها بالغُدوَات، أي: أوائل النهار، وبالعشيات: أَواخره، وقيل: المراد به: تنزيه الله ومراقبته والاشتغال بطاعته.
والغدوُّ في الأصل: مصدر، أُطلق مجازا على وقته، ولذا حسن اقترانه بالآصال، جمع: الأصيل، وهو: العشيُّ، وسيأْتى المعنى الإِجمالى لهذه الآية مع الآيتين بعدها، لشدة اتصالها بهما.
٣٧ - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ … ﴾ الآية.
رجالٌ: فاعل لقوله: (يُسَبِّحُ) في الآية السابقة، وخص الرجال بالذكر؛ لأن النساء لا حَظَّ لهن في المساجد؛ إذْ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وصلاتهن في بيوتهن أَفضل، أخرج الإمام أَحمد، والبيهقى: عن أم سلمة أَن رسول الله ﷺ قال: "خير مساجد النساء قَعْر بيوتهن" فإن صلين في المساجد ابتعدن عن أسباب الفتنة، فقد ثبت في صحيح مسلم عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله
стр. 3192
عليه وسلم -: "إذا شهدت إِحداكن المسجد فلا تمَس طيبًا" وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كانت نساءُ المؤمنين يشهدْن الفجر مع رسول الله ﷺ ثم يرجعن متلفعات بمررطهن" وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: "لو أَدرك رسول الله ﷺ ، ما أَحدث النساء لَمَنَعَهُن المساجد، كما منعت نساء بنى إسرائيل" انظر ابن كثير.
وذِكْر البيع بعد التجارة مع شمولها له؛ لأنه أَقوى نوعيها في الإلهاء عن الصلاة لحرص التاجر عليه طلبًا لربح عاجل، أَو دفعًا لخسارة منتظرة، أَو سدادًا لدين، أو جلْبا لرزق ناجز، بخلاف الشراء فإن الأناة فيه أكثر؛ إذ الربح فيه متوقع وليس بناجز، وقيل: المراد بالتجارة: الشراءُ، فإنه أَصلها ومبدؤها، وقيل: الجلب سفرا، ومنه يقال: تَجَر في كذا، إذا جلبه، ويؤيده ما أَخرجه ابن أَبي حاتم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في هؤلاء الموصوفين بما ذكر: "هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله".
والمقصود من أَنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: أنهم يُلَبُّون نداء الصلاة جماعة ويتركون البيع والشراء، روى عن ابن مسعود أَنه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودى بالصلاة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ رواه ابن جرير الطبرى.
وروى عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان في السوق فأُقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم، ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وقد جاء في مثل ذلك أخبار كثيرة (١).
стр. 3193
والمراد من تقلب القلوب والأبصار في يوم القيامة: اضطرابها من الهول، أَو تقلب أحوالها فتفقه ما لم تكن تفقه، فتؤمن بعد الكفر حيث لا ينفعها الإيمان، وفي هذا المعنى يقول المولى سبحانه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾.
٣٨ - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾: متعلق بفعل يتضمن طاعاتهم السابقة، أي: يفعلون كل ما تقدم من تسبيحهم لله في المساجد، وصلاتهم فيها كلما سمعوا النداءِ إِليها، وإيتائهم الزكاة لمستحقيها، وخوفهم من يوم الحساب، يفعلون كل ذلك. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا .... إلخ.
المعنى الإجمالى للآيات الثلاث: ٣٦، ٣٧، ٣٨ ما يلى:
يسبح لله تعالى في مساجد أمر الله أن تعظم بالصيانة والنظافة، ويذكر فيها اسمه - يسبح له فيها - رجال استنارت قلوبهم بمشكاة الهدى، فأصبحوا لا تلهيهم ولا تشغلهم دنياهم عن ذكر الله، وإقام الصلاة في أوقاتها جماعة كلما سمعوا النداء إليها، كما لا تشغلهم عن إِعطاء الزكاة لمستحقيها في مواقيتها، يخشون يومًا رهيبًا تضطرب فيه القلوب والأبصار كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ وذلك من هول ما رأوا من الشدائد والتغيرات الكونية حيث ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
يسبح لله هؤلاء الرجال في المساجد خائفين من يوم الوعيد، لكي يجزيهم الله في الجنة أحسن جزاء لما عملوه في دنياهم، حسبما وعدهم الله تعالى كل لسان رسوله، ويزيدهم من الثواب فوق ما وعدهم مما لم يخطر لهم ببال، والله يثيب من يشاء من عباده المتقين رزقًا واسعًا، دون أن يحاسبه أحد على ما أعطى؛ فهو الرزاق ذو القوة المتين.
стр. 3194
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: السراب - كما عرّفه المتقدمون -: ما يُرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة، فيُظَنُّ أنه ماءٌ يسرب، أَي: يجرى. والقيعة: هي القاع وهو الأرض المستوية الخالية من النبات (١)، وسيأْتى لذلك مزيد بيان.
﴿وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾: وجد الظمآن قضاءَ الله عند السراب.
﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾: أي عميق، كثير الماء، منسوب إلى الُّلجِّ واللُّجةِ، وكلاهما معناه:
الماءُ الكثير البعيد القاع. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾: يغطى البحر موج، مأخوذ من الغشاء، وهو الغطاءُ.
التفسير
٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا. . . . . .﴾ الآية.
стр. 3195
لما ضرب الله مثل المؤمنين فيما تقدم، عقبه بضرب مثل الكافرين هنا وفي الآية التالية وهذه الآية معطوفة على ما قبلها، من عطف المَثل على المَثَل، والقصة على القصة، كأنه قيل: مثل المؤمنين في حالهم ومآلهم كما وُصف، ومثل الذين كفروا أعمالهم كسراب … إلخ.
ويقول مقاتل: إِن هذه الآية نزلت في شيبة بن ربيعة، كان يترهب متلمسا الدين فلما خرج ﷺ كفر شيبة، ذكره القرطبى، وسواء أكان هذا هو السبب أَم غيره، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
والسراب - كما عرفه المتقدمون -: بخار رقيق يرتفع من قاع القيعان تحت تأثير الشمس، فإذا اتصل به ضوءُها أَشبَهَ عند من يراه من بعيد الماء السارب، أَي: الجارى، وقيل: هو ما ترقرق من الهواء في الهجير بفَيَافى الأرض المنبسطة، ويشبه في لمعانه الماء، وليس بماء.
وفي خداع السراب يقول الشاعر في تشبيه العهود الخادعة:
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم … كَلَمْعِ سراب في الفَلَا متألِّقٍ
ويفسره العلماءُ المعاصرون: بأنه ظاهرة ضوئية، سببها انعكاس الشعاع المنبعث من الأجسام المضيئة، وارتداده من سطح أَرض فسيحة جرداء، عندما ترتفع درجة حرارتها إِثناء النهار، فيتجه الشعاع المنعكس على التدريج بحذاءِ سطح الأرض، متباعدا عنها قليلا قليلا، حتى يصل إِلى عين الراصد، وعندها تُرَى صور الأجسام المضيئة مقلوبةً، كما لو كانت مرآة كبيرة ممتدة (١).
والقيعة: هي الأرض المستوية المنبسطة، وهي مفرد، كالقاع، وقيل: هي جمع قاع، كجِيرَة: جمع جار.
стр. 3196
والمعنى الإجمالى للآية: والذين كفروا أعمالهم التي يحسبونها صالحة مرضية لله تعالى كصلة الأرحام، والعطف على الأيتام، وسقاية الحاج، وعمارة البيت الحرام، وقِرَى الأضياف، وغير ذلك من المبَرات - أعمالهم هذه - شبيهة في ضياعها في الآخرة بسراب لامع تحت ضوء الشمس في أرض فسيحة جرداء، يحسبه الظمآن حين يراه من بعيد يترقرق ويلمع - يحسبه - ماءً يروى ظمآه، ويطفئُ لهيب عطشه، حتى إِذا جاءه حيث كان يبدو له، لم يجده شيئًا مطلقًا؛ لزوال الصورة التي خدعه بها السراب، فكذلك جنس الكافر، يحسب أنه قد عمل في دنياه عملا نافعًا، واعتقد اعتقادًا سديدًا، فإذا بعث يوم القيامة، ورأى أهوال القيامة، اشتدت حاجته إلى عمله لينفعه وينجيه، فلم يجد له أثرا، وخاب ظنه فيه، بل وجد حساب الله وافيًا في مواجهته، ونقاشه إياه مستوعيًا لعقائده الزائفة، وأعماله الفاسدة، وأنه تعالى لم يتقبل منه ما قدمه من أعمال البر؛ لأنها قامت على أساس الكفر، إلى جانب ما داخلها من الرياء والفخر والعُجب، فكان أمر الله معه في تلك المبَرات كما قال - سبحانه -: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١).
وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: للإيذان بأَنه لا يشغله حساب عن حساب، فلهذا كان سريع الحساب لجميع عباده.
ويلاحظ أن تشبيه عمل الكافر بالسراب انتهى عند قوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ أما قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فهو لبيان بقية أحواله بطريق التكملة، حتى لا يتصور أن نهاية أمره هو الخيبة والقنوط فقط - كما هو شأن الظمآن بعد أَن عرف حال السراب - بل يعتريهم من سوء الحال والمآل، ما يفوق خيبة الظمآن حين يئس من الماء (٢).
ومن المفسرين من جعل هذا السراب في الآخرة، قال جار الله الزمخشرى: شبه الله سبحانه ما يعمله غير المؤمن بسراب سوف يراه بالساهرة - يوم القيامة - وقد غلبه العطش، فيحسبه ماءً، فيأتيه فلا يجده، ويجد زبانية الله عنده، يأخذونه فيسقونه الحميم
стр. 3197
والغسَّاق. قال الآلوسى - تعليقًا على هذا الرأْى -: وكأَنه مأْخوذ مما أَخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أَبي حاتم، من طريق السدى في غرائبه عن الصحابة، أَن رسول الله ﷺ قال: "إن الكفار يبعثون يوم القيامة وِرْدا (١) عطاشا، فيقولون: أين الماءُ؟ فيمثل لهم السراب فيحسبونه ماءً، فينطلقون إِليه، فيجدون الله تعالى عنده فيوفيهم حسابهم، والله سريع الحساب" واستحسن ذلك الطيبى … إلى آخر ما كتبه الآلوسى في هذا المقام.
وقد نقل ابن كثير في هذا المعنى عن الصحيحين: "أَنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعملون في الدنيا؟ فيقولون: كنا نعبد عزيرا ابن الله، فيقال: كذبتم؛ ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: أي ربنا، عطشنا فاسقنا، فيقال: ألَا تَرَونَ؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها" (٢).
٤٠ - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾:
﴿كَظُلُمَاتٍ﴾ معظوفة بأو على ﴿كَسَرَابٍ﴾ وحرف (أو) هنا: إما للتخيير، فإن أعمالهم لكونها لاغية لا ثواب عليها، تشبه السراب، ولكونها خالية عن نور الحق، وضوء الإيمان، تشبه الظلمات المتراكمة من عمق البحر، والأمواج المتتابعة فوقه، وظلمة السحاب فأنت مخير في تشبيهها بأيهما، قال الزجاج: إن شئت مَثِّلْ بالسراب، وإن شئت مَثِّلْ بالظلمات (٣).
ويصح أَن تكون (أو) للتنويع، فإن أَعمالهم إن كانت حسنة فهي كالسراب في عدم جدواها، وإن كانت قبيحة في كالظلمات، وفيها غير ما ذكرنا من الوجوه (٤)، وحَسْب القارئِ ما تقدم.
стр. 3198
ومعنى الآية موصولة بما قبلها ما يلى:
والذين كفروا أَعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات في بحر عميق بعيد القاع، يغطى هذا البحر موجٌ من فوقه موج، وهكذا تتتابع أمواجه، ويتراكم بعضها فوق بعض، من فوق هذا الموج المتتابع سحاب كثيف يحجب أَضواء النجوم، فهي ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، إذا أخرج من ابتلى بهذه الظلمات يده، وجعلها قريبة من عينيه لينظر إِليها، لم يقرب من رؤيتها، فضلا عن أَن يراها، مع أنها أقرب شيء إليه.
وكذلك كل كافر يعيش في أعماق ظلمات كثيفة داكنة من عقيدته، وسيئات أعماله، لا يرى في أثنائها بصيصا (١) من نور الهدى، يهديه إلى سواء السبيل، بسبب تقليده، وخضوعه لسيطرة أئمة الكفر، وجنوحه عمن يدعوه إلى الهدى، قائلا له: إئتنا لتستنير بنورنا.
ويختم الله الآية بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾: أي ومن لم يُقَدِّر الله له نورا قلبيًا يهديه إلى الحق بسبب إعراضه عنه، فليس له نور من سواه، فيبقى في ظلام دامس من الضلال، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾.
أَما من يقبل الهدى فإن الله تعالى يهديه بنور على نور، حتى يثبت الحق في بصيرته، ويستعصى على من يضله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ نسأل الله الرءُوف الرحيم أَن يملأ قلوبنا نورا، ويجعل النور عن أيماننا وشمائلنا، وأن يعظم لنا النور بفضله ورحمته.
стр. 3199
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾
المفردات:
﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾: الطير جمع طائر، كصَحْب: جمع صاحب، وجمع الجمع: طيور وأطيار، كفرخ وفروخ وأفراخ، وقد يقع لفظ الطير على الواحد، كقوله تعالى:
﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ومعنى: ﴿صَافَّاتٍ﴾: باسطات أجنحتهن.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: أي كل من في السموات والأرض والطير قد علم دعاءه وتنزيهه لله تعالى. (المَصِيرُ): المرجع.
التفسير
٤١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ … ﴾ الآية.
بيَّن الله في الآيات السابقة أنه هدى عباده ومخلوقاته بنور هداه إلى ما خلقوا لأجله، وأن من لم يجعل الله له نورا يهتدى به فما له من نور.
وجاء بهذه الآية عقبها ليبين أن آثار هداه في السموات والأرض والطير واضحة لمن يراها ويتأملها.
стр. 3200
والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير بالرؤية، والمراد بالرؤية هنا: العلم والمعرفة، والخطاب إما أن يكون للنبي ﷺ وإِما أَن يكون لكل عاقل، فإن كان للنبي ﷺ فهو يشير إلى أنه تعالى قد أفاض عليه من مراتب النور أعلاها وأجلاها، حتى عرف من أسرار الملك والملكوت أدقها وأخفاها.
وإن كان لكل عاقل: فهو يشير إلى وضوح هدى الله في السموات والأرض ومن فيهن لكل من يتأمل فيها، فلولا هداه وقوانينه الكونية الدقيقة في كل ذرة من هذا الكون لاختل نظامه، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولولا إِبداعه المحكم لهذا الكون، وما أَودعه فيه من أَسباب الهدى إلى ما خلق لأجله، لما رأَينا هذا الكمال الناطق بنزاهته تعالى عن الشريك والنظير، وسوء التدبير ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.
فالمراد من التسبيح في الآية: التنزيه عن كل ما لا يليق بالله تعالى من نقص أو خلل تنزيها معنويًا تفهمه العقول السليمة، فإن كل موجود في السموات والأرض، من أَجزائهما وما استقر فيهما، أَو كان سابحا وطائرا بينهما، يدل على صانع مبدع واجب الوجود، متصف بكل صفات الكمال، منزه عن كل ما لا يليق بشأْنه وعظمته، وإطلاق لفظ: (مَنْ) على العقلاء وغيرهم، على سبيل التغليب، كما هو معهود في عرف اللغة.
وقد نبه الله - سبحانه - على قوة الدلالة وغاية وضوحها بالتعبير عنها بالتسبيح الذي يختص به العقلاء، وهو أَقوى مراتب التنزيه وأَظهرها، تنزيلا للسان الحال منزلة لسان المقال.
وتخصيص التسبيح - أَي: التنزيه - بالذكر مع دلالة ما في السمواتِ والأَرض على اتصافه - تعالى - بنعوت الكمال كلها، لأَن هذه الآية مسوقة لتقبيح حال الكفرة. في إِخلالهم بالتنزيه، بجعلهم الجمادات شريكة له - تعالى - في الأُلوهية، ونسبتهم الولد إليه - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - ولهذا جعل الله أَعمالهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، أَو ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاه﴾.
стр. 3201
وإِنما ذُكِر لفظ: ﴿الطَّيْر﴾ مع أَنه مندرج في جملة من في السموات والأَرض؛ لعدم استقرار الطير فوق الأَرض، ولاستقلالها بآية واضحة على تنزيه الله - تعالى - عن الشريك وكل صفات النقص، وعلى كمال قدرته ولطف تدبيره، حيث أَعطاها أَجنحة وذيولا تصفُّها وتطير بها، وحماها بذلك من وقوعها على الأَرض استجابة لجاذبيتها، ومكنها بذلك من الحركة في الجو والرحلة كما تشاء.
وأَما قوله - تعالى -: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فهو جملة مستأْنفة، اشتملت على صورة بلاغية رفيعة؛ فقد شُبِّه فيها حال كل من في السموات والأَرض والطير في أَداءِ وظائفها التي خلقت لها، استجابة لتسخير الله - تعالى - شُبِّهت حالها بحال إنسان عرف خالقه وكيفية عبادته وتسبيحه، فصلى له وسبحه.
وعلى هذا الوجه فالضمير في (عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) راجع إلى كل واحد مما ذكر، وإِليه ذهب الزجاج.
وأجاز بعضهم أَن يكون ضمير (عَلِمَ) راجعًا إلى الله - تعالى - وضميرا (صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) عائديْن إِلى كل واحد مما في السموات والأَرض والطير، والمعنى على هذا: كل واحد مما ذكر قد علم الله صلاته وتسبيحه لربه، والأَول أَولى؛ لما في الثاني من تشتيت الضمائر.
وقال غير واحد: يجوز أَلا يكون في الكلام استعارة، والعلم على حقيقته، ويراد به: مطلق الإِدراك، والمراد من قوله: ﴿كُلٌّ﴾ جميع أَنواع الطير وأَفرادها، ويراد بالصلاة والتسبيح: ما أَلهمه الله إِياه من الدعاء والتسبيح المخصوصين به، قال الآلوسى: ولا بُعْدَ في هذا الإلهام؛ فقد أَلهم الله كل نوع من أَنواع الحيوانات علومًا دقيقة، لا يكاد يهتدى إِليها جهابذة العقلاء (١) .... إِلى آخر ما قال.
стр. 3202
وقد ختم الله الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ لتقرير ما تقدم في الآية.
والمعنى الإِجمالى للآية: أَلم تعلم - أَيها العاقل - علمًا يشبه الرؤية في اليقين، أَن الله تعالى ينزهه عن الشريك والنظير، وعن كل ما لا يليق بجنابه في ذاته وصفاته وأَفعاله - ينزهه - كل شيءٍ في السموات والأَرض، وبخاصة الطير وهي باسطة أَجنحتها وأَذيالها في السماءِ؛ لتستطيع أَن تتجه بها إِلى المشارق والمغارب، وهي محلقة في جو السماء ما يمسكهن إلا الله تعالى فإنها جميعًا بما أُنشئت وأُبدعت عليه من دقة الصنع، وأَدائها لوظائفها التي خلقت لها، في نظام رتيب بلا فتور ولا قصور، تنطق بلسان الحال، أن من أَبدعها منزه عن الشريك والنظير، وعن كل نقص في ذاته وفي صفاته وفي أَفعاله، وكل منها في مجموعه وفي أَجزائه قد استجاب لتسخير الله إِياه استجابة تشبه استجابة العقلاء لما كلفهم الله به من الصلاة والتسببح، والله عليم بأَدائها لوظائفها وفق تدبيره الحكيم لها، لا يغفل عنها طرفة عين، فهي لذلك لا يعتريها نقص ولا اختلال، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
وأَجاز بعض المفسرين حمل التسبيح والصلاة على حقيقته، كما تقدم بيانه، قال سفيان: للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، وعمم بعضهم التسبيح بمعناه الحقيقى في جميع الكائنات من جماد ونبات وحيوان، أَخذا من ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١) وليس هذا ببعيد على بديع السموات والأَرض، ولقد سجل بعض علماء الغرب بآلة شديدة الحساسية - سجل - أَنين الشجرة إِذا قطع منها غصن، أَو نقلت شجرة مجاورة لها، وهذا يدل على أَن في الكون أَسرارا عجيبة لم يصل العقل البشرى إِلى كشفها بعد.
٤٢ - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾:
أَي ولله ملك السموات والأَرض خلقًا وملكا وتصرفًا، فلا يصح أَن يعبد سواه، وإِليه وحده المرجع يوم القيامة فيحكم فيه بما يشاءُ، ولا معقب لحكمه ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٢).
стр. 3203
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾
المفردات:
﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾: يسوقه ويدفعه، يقال: زَجَاه، وزَجَّاه، وأَزْجَاه، أَي: دفعه وساقه.
﴿رُكَامًا﴾: الركام؛ السحاب المتراكم بعضه فوق بعض، ويطلق أَيضًا في غير هذه الآية على كل ما جمع بعضه فوق بعض، كركام الرمل، مأْخوذ من: رَكَمَ الأَشياء، أَي: جمع بعضها فوق بعض. ﴿الْوَدْقَ﴾: يطلق على المطر وعلى البرق، وسيأْتى شرح ذلك.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: المراد من السماء هنا: السحاب أَو الجوّ أَو الفضاء، والجبال في السماء: هي السحب المتراكمة بعضها فوق بعض على هيئة الجبال.
﴿مِنْ بَرَد﴾: البَرَد؛ حب ينزل من السحب، فيه بياض كبياض الثلج، وبرودة كبرودته.
﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾: السَّنا؛ الضوءُ أَما السَّناءُ - بالمد - فهو بمعنى العلوّ والرفعة.
والبرق: التلأْلؤ واللمعان، يقال: برق السيف وغيره، أَي: لمع. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أَي، يصرفهما. وسيأْتى بيانه في التفسير.
стр. 3204
التفسير
٤٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ … ﴾ الآية.
بيّن الله في الآية السابقة أَنه تعالى له ملك السموات والأرض، وعقبها بهذه الآية ليبين نوعًا من سلطانه وملكه وتصرفه فيهما، تأْكيدا لملكه لهما.
والمقصود من الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ التنبيه إِلى آيات الله التالية للاستفهام المذكور، والحث على رؤيتها، أَو التقرير بها.
والخطاب فيه: إِما لرسول الله ﷺ وخطابه خطاب لأُمته؛ لأَنه إمامها، وإِما لكل مَنْ هو أَهل للخطاب من المكلفين، والرؤية هنا إِما بصرية، لأَن تحريك السحب وما يتلوه من آثار أَمْرٌ مرئيٌّ لكل ذى عينين،، وإِما علمية لذوى البصيرة والتأَمل ولو على سبيل الإِجمال.
والسحاب: واحده سحابة، ويتكون من بخار الماء الصاعد إِلى طبقات الجو العليا، وينشأْ هذا البخار من تسلط حرارة الشمس على المياه في نواحى الأَرض المختلفة، فإِن بقى هذا البخار بيننا ولم يرتفع إلى الطبقات العليا، فهو الضباب، فكلاهما ناشيءٌ من بخار الماءِ (١).
والله - تعالى - يزجى السحاب المتفرق، أَي: يسوقه من مواطنه المختلفة شيئًا فشيئًا، ثم يؤلف بين جزئياته ويضمها، ثم يجعله متراكما بعضه فوق بعض.
ولِلْوَدْقِ في اللغة معنيان: أَحدهما المطر، وبه قال الجمهور في تفسيرهم إِياه في الآية، وشاهِدُه قول الشاعر:
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا … ولا أَرْضَ أبْقَلَ إِبقالَها
وقال امرؤ القيس: فَدَمْعهُمَا وَدْقٌ وَسحٌّ ودِيمَةٌ (٢).
стр. 3205
والمعنى الثاني: أَنه البرق، حكى القرطبى عن أَبي الأَشهب قوله في هذا المعنى:
أثَرْنَ عَجَاجَةً وخرجْن منها … خروج الوَدْقِ من خَلَلِ السحاب
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ (١) فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾:
السماءُ في اللغة: ما عَلَا وارتفع، ومنه يقال للسحاب: سماءٌ، وللفضاءِ والسقف: سماء، وللرفعة المعنوية: سماء، ومنه قول الشاعر في الفخر:
إذا بلغ السماءُ لنا وليدٌ … تَخِرُّ له أَعادينا سجودا
ولفظ السماء يُذَكّر ويؤنث، والمراد به في الآية: إِما السحاب، وإِمَّا الفضاءُ فكلاهما يشتمل على جبال الركام التي ينزل منها البَرَد، كما هو صريح النص الشريف.
وإِطلاق لفظ الجبال على الركام من باب التشبيه البليغ؛ فإن السحب الركامية تشبه الجبال في ضخامتها وارتفاعها.
قال الإِمام الرازى في تفسير الآية: أَراد بقوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ السحاب العظام؛ لأَنها إذا عظمت أَشبهت الجبال، كما يقال: فلان يملك جبالا من مال: انتهى كلام الفخر الرازى.
ويقول علماءُ الطبيعة الجوية في عصرنا: إِن السحب الركامية ترتفع أَميالا على شكل هرمي، قاعدتها إلى أَسفل وقمتها إِلى أَعلى، وهم بذلك يؤكدون ما نقلناه عن الإمام الرازى.
وفي الآية إِعجاز علمى فوق إِعجازها البلاغى؛ فقد تحدثت عن تكاثف السحب، ووصولها في هذا التكاثف إلى درجة عالية تشبه في ضخامتها وشكلها الجبال، كما تحدثت عن إنزال البَرَد من تلك السحب الركامية المعبَّر عنها بالجبال، وعن البروق الخاطفة المتلأْلئة
стр. 3206
القوية الضوءِ إلى درجة تكاد تخطف الأبصار، وكل ذلك وغيره تنبئ عنه هذه الآية العظيمة، ويجرى على لسان أمِّيٍّ لا علم له ولا لغيره من أهل الأرض جميعًا في زمنه بمثل تلك العلوم الكونية، حيث كانت الجهالة والبدائية تنتشر بين الناس في المشارق والمغارب، الوثنيين منهم وأهل الكتاب، ولا شك أن هذا لا يمكن أن ينطق به إلا رسول آتاه الله العلم بوحى أيده به، وآذن بصدقه في نبوته ورسالته، فتبارك الله رب العالمين (١).
والبَرَدُ الذي ينزل من تلك السحب الركامية: حبات في بياض الثلج وبرودته، ويقول الله في شأن هذا البَرَد: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي فيصيب الله بهذا البَرَد من يشاءُ من عباده فيتضرر به في نفسه، أو ماله، أَو زراعته، أو ماشيته، ويصرفه ويمنعه عمن يشاء، فيسلم من غائلته، حسبما جرت به حكمة الله وقدره.
ويعقب الله ذلك بقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾: أَي يقرب ضوءُ برق السحاب المتراكم المعبَّر عنه بالسماء، ثم بالجبال، يقوب ضوءُه أن يخطف الأبصار، من فرط الإضاءة والسرعة، وفي ذلك دليل عظيم على قدرة الله تعالى، حيث ولد النور من الظلمة الركامية، وخلق الشيء من ضده، بالإضافة إلى ما تضمنته الآية من عجائب إبداعه وقدرته، ويعقِّب الله ذلك بقوله:
стр. 3207
٤٤٠ - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أَي يُصَرِّفهما بالمعاقبة بينهما، أَو بنقص أحدهما، وزيادة الآخر، أَو بتغيير أَحوالهما بالحر والبرد، والمظلمة والنور، أو بما يعم ذلك كله.
ويختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: والمراد بالأبصار هنا: البصائر والعقول، فهي التي تعتبر وتتعظ، أَي إن فيما تقدم من إزجاء السحاب، وإِنزال الوَدْقِ والبَرَدِ، وتقليب الليل والنهار، لَعِظَةً بليغة لذوى العقول المستنيرة، وذكرى لمن كان له قلب منيب، وإدراك وضاءٌ، حيث يدرك من هذا الإبداع في الخلق، والإحكام في التدبير، أَن ذلك كله من صنع إِله قدير، حكيم خبير.
المعنى الإجمالى للآية:
أَلم تشاهد - أيها الإنسان - من دلائل الألوهية والربوبية، أن الله تعالى يكوِّن سحابا في الجو ويسوقه من جهات مختلفة، ثم يؤلف بين وحداته فيضم بعضها إلى بعض، ثم يجعله متراكما طبقة فوق أخرى، فترى المطر أو البرق يخرج من بين هذا السحاب المتألف المتراكم، وينزل من السماء من سحابها المتراكم الشبيه بالجبال في عظمتها وارتفاعها - ينزل منها حبا يشبه الثلج في بَرْده ولونه، يسمى: البَرَد، فيصيب به من يشاء من عباده من ضرر في نفسه، أَو ماشيته، أو زراعته، أو ماله، ويصرفه عمن يشاء فينجو من أضراره، ويخرج منها برقًا مضيئًا سريع التتابع، يقرب هذا الضوءُ من أن يخطف أبصار الناظرين إِليه من فرط إِضاءته وسرعته.
يُصَرِّف الله الليل والنهار بأن يجعلهما يتعاقبان، أَو يزيد في أحدهما وينقص من الآخر، أو يغير أحوالهما برودة وحرارة، أَو يجمع ذلك كله، إن فيما تقدم من عظائم القدرة، ودقة التدبير وإحكامه لعظةً لأصحاب البصائر النيرة؛ لِدِلَالَتِهِ على وجود صانع حكيم قدير عليم، لا شريك له في ملكه، ولا معارض له في حكمه.
стр. 3208
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾
المفردات:
﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾: الدابة اسم لكل ما يدب ويتحرك من الحيوان، من: دَبَّ، يَدِبُّ دبًّا ودبيبًا - أي تحرك -، فهو دابٌّ، والتاءُ للمبالغة، ويقال: أكذب من دب ودرج، أي: أَكْذَب الأحياء والأموات، قاله صاحب المختار.
﴿آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: آيات موضحات للحقائق.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إلى طريق لا اعوجاج فيه.
التفسير
٤٥ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ. . . . .﴾ الآية.
بيّن الله - تعالى - فيما تقدم أنه - سبحانه - نور السموات والأرض، فلا تخفى ربوبيته على من له عينان، وأن السموات والأرض والطير تسبح بحمده، وتشهد بتنزيهه عن جميع النقائص، وباستحقاقه جميع الكمالات، وأن السماء والمطر والبَرَد، والبرق الخاطف وضياءه الباهر من إبداعه، وتحت إرادته وحكمه، وأنه يقلب الليل والنهار بحكمة وتدبير رتيب، وجاء بهذه الآية ليشير بها إلى برهان من براهين ربوبيته، وهو خلقه كل دابة من ماء.
стр. 3209
والمراد بالدابة هنا: ما يدب ويتحرك بنفسه على الأرض، أو في جوفها، أو في مائِها من الحيوانات والحشرات والأسماك، والله تعالى يقول: إنه خلقها كلها من ماءٍ، والمراد منه: النطفة، فالله - تعالى - جعل لكل ذكر من الحيوانات والحشرات والأَسماك نطفة تشتمل على خصائص نوعه، يودعها أَحشاء أنشاء فتحمل ثم تضع ذريتها لاستبقاءِ نوعها، ولا نعلم شيئًا من الكائنات الحية يخالف هذه القاعدة سوى آدم وعيسى، فآدم خلق من تراب، وعيسى خلق بالنفخ، ولا يمنع هذا عموم خلق الكل من الماء، فالنادر لا حكم له، فإن وجدت كائنات حية خلقت بغير النطفة سواهما، فالتعبير حينئذ بلفظ: (كل) مراعاة للغالب (١).
وقد يراد من الماء: ما دخل في تكوين كل دابة من الماءِ، وخصّه بالذكر دون سائر عناصر تكوينها لأَهميته العظمى في بناءِ أَجسامها، ويفصل الله - تعالى - أنواع الدواب المخلوقة من الماء فيقول:
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾:
أَي: فمن الدواب التي خلقت من ماءٍ من يمشى على بطنه كثعابين البَرِّ وزواحفه المختلفة، وثعابين الماءِ وسائر أَسماكه، وسميت حركة هذه وتلك مَشْيًا مع أَن الأُولى زَحْفٌ، والثانية سباحة، للمبالغة في إظهار قدرتها على الحركة كالدواب التي تمشى، ويزيدها حسنًا ما فيها من المشاكلة لِمَشْىِ ما بعدها، والمشاكلة نوع من أَنواع البلاغة.
ومن هذه الدواب من يمشى على رجلين: كالإِنسان والطير، ومنها من يمشى على أَربع: كالأَنعام والوحوش وبعض حيوانات البحر.
стр. 3210
وترتيب الأصناف حسبما جاء في الآية، على سبيل التدرج، ولأن قدرة الزواحف على الحركة مع فقدانها الأَرجل أَدَلُّ على قدرة الله، وتمكينه إياها من الحركة بغير الأسباب المعهودة في سعى الحيوان على رزقه، ولم يذكر من يمشى على أَكثر من أَربع - كالعناكب ونحوها - إِما لأن المراد بكل دابة: ما تقع عليه العين غالبًا، أَو أَن ما ذكر من باب التمثيل وأنه أشير إِلى ما يمشى على أَكثر من أربع بقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أَي: مما ذكر وما لم يذكر.
والتعبير بضمير العقلاء في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ مع أن من يمشى على بطنه وعلى أَربع ليس منهم، لتغليب جانب العقلاءِ، وهم من يمشون على رجلين كالإنسان، واستعمال: (مَنْ) في غير العقلاءِ للمشاكلة، أو لأنها تستعمل في غير العقلاءَ بِقِلَّةٍ (١).
ويختم الله الآية بقوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي يخلق الله ما يريد خلقه مما ذكر وما لم يذكر، بسيطا كان أَو مُرَكَّبًا، على ما يشاءُ من الصُّوَر والحركات والطبائع والقُوَى، إن الله على كل شيءٍ أَراد خلقه عظيم القدرة، إذ يقول للشئ: كن، فيكون.
المعنى الإجمالى للآية:
والله خلق كل حيوان يدب ويسعى فوق سطح الأرض أو في جوفها أَو في مائها - خلقه - من ماء، هو سائل النطفة الذي هو أَصل الكائنات الحية المتوالدة، أَو هو الماءُ الذي خلق منه معظم جسمه، فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه، كالزواحف والأسماك، ومنهم من يمشى على رجلين: كالإِنسان والطير، ومنهم من يمشى على أَربع: كالأنعام والوحوش وبعض الحيوانات البحرية، يخلق الله ما يشاءُ خَلْقَه من هذه الدواب وغيرها، على ما يشاءُ من صورها وحركاتها وقواها ومنافعها وأضرارها، والله على كل شيءٍ أراد خلقه قدير؛ إذ يقول له: كن، فيكون.
стр. 3211
٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: هذه الآية جاءت مقدمة لما بعدها، ولهذا لم تُعطف على ما قبلها كما عطفت مثيلتها السابقة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. . .﴾ الآية.
والمعنى: لقد أنزلنا آيات قرآنية موضحات لكل عاقل ما ينبغي توضيحه من الأحكام الدينية، والأسرار التكوينية، والله يهدى من يشاءُ هدايته إلى طريق مستقيم يوصله إلى الحق والفوز في دار الثواب، وذلك بتوفيق من وعاها بسمعه وقلبه إلى التدبر في معانيها، والنظر الصحيح فيما ترشده إليه من دلائل الحق.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: يعرض جماعة منهم عن طاعة الله ورسوله.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: منصرفون. ﴿مُذْعِنِينَ﴾: منقادين.
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: المراد بالمرض هنا، النفاق. ﴿أَنْ يَحِيفَ﴾: أن يجور ويظلم.
стр. 3212
التفسير
٤٧ - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾:
بيّن الله - سبحانه - في الآية السابقة أنه تعالى يهدى إلى آياته البينات من يشاء، وهم أَولو البصائر النيرة، فيهتدون بهديه إلى الصراط المستقيم، وبين في هذه الآية وما بعدها من لم يشأ الله هدايتهم من ذوى البصائر المظلمة، والأفكار الضالة من المنافقين.
ويقول الطبرى وغيره في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: إن رجلا من المنافقين اسمه: (بشر) كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه اليهودى إلى التحاكم عند رسول الله ﷺ وكان اليهودى محقًّا والمنافق مبطلا، فأبى المنافق وقال. إن محمدا يحيف علينا، فلنُحَكِّم (كعب بن الأشرف) فنزلت فيه (١).
وقال الضحاك: نزلت في (المغيرة بن وائل) كان بينه وبين على - كرم الله وجهه - خصومة في أرض، فدعاه عليّ أن يتحاكما إلى رسول الله ﷺ فقال، أما محمد فلست آتيه؛ فإنه يبغضنى وأنا أخاف أن يحيف علي، فنزلت (٢).
وهذه الآية وإن نزلت في قصة واحد من المنافقين (٣)، لكنهم لما كانوا جميعًا على مذهب واحد من النفاق، حيث كانوا يظهرون الإيمان والطاعة، ويبطنون الكفر والمخالفة - لما كانوا جميعًا كذلك - حكى الله نفاقهم بصيغة الجمع بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ وختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمعنى الإجمالى للآية، ويقول المنافقون بألسنتهم: صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا، مظهرين بذلك ولاءَهم لله ولرسوله، ثم ينصرف فريق منهم من بعد قولهم هذا معرضين عما يقتضيه الإيمان من الالتزام بشريعة الله والتخلق بأخلاق المؤمنين، وما هؤلاء المنافقون بالمصدقين المخلصين، فقلوبهم مخالفة لألسنتهم، وما قالوه كان رياءً ونفاقًا لجرِّ المنافع ودفع المضار.
стр. 3213
٤٨ - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾:
وإذا دعا المنافقين خصومُهم إِلى شرع الله ورسوله، ليحكم به الرسول بينهم، فاجأ بعضهم بالإِعراض عن التحاكم إِلى رسول الله إذا كان الباطل في جانبهم والحق في جانب غيرهم، خشية أن يحكم عليهم بشريعة الله التي تنصف المظلوم ولو كان من الكافرين، وتدين الظالم ولو لبس ثياب المؤمنين.
٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾:
وإن يكن للمنافقين الحق جهة خصومهم يأْتوا إِلى الرسول ﷺ منقادين له، مسرعين إِليه؛ لعلمهم بأنه سيحكم لهم؛ لأنه يحكم بالحق حيثما كان.
ثم بين الله ما يدور عليه إِعراض المنافقين عن التحاكم إلى رسول الله وهم مبطلون، فقال - سبحانه -:
٥٠ - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
تفيد هذه الآية أن امتناع المنافقين عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ حينما يكون الحق ضدهم، لا يخرج عن أن يكون ناشئًا عن مرض في قلوبهم، يميل بهم إلى الظلم وكراهة الحق، أَو ناشئًا - في زعمهم - عن وجود ما يريبهم ويشككهم في نبوته ﷺ أَو عن خوف من أَن يجور الله عليهم ورسوله.
وبما أَنه لا سبيل إِلى الريب في نبوته؛ لأنه النبي الحق المؤيد من عند الله بالآيات البينات، ولا مجال للخوف من جوره في الحكم؛ لأَنه عرف بالعدل التام بين الناس جميعًا فلا يبقى إِلا السبب الأَول، وهو مرض قلوبهم الشامل لكفرهم ونفاقهم، فهو الذي صرفهم عن التحاكم إليه ﷺ ولهذا ختمت الآية بالحكم بظلمهم لنفوسهم وذلك بنفاقهم الذي أَصبح مرضًا في قلوبهم.
وقد اتبعت الآية معهم أسلوب المحاورة لكشف حالهم، والاستفهام فيه للتوبيخ والذم وتشديد النكير عليهم.
стр. 3214
والمعنى الإجمالي للآية: أَفي قلوب هؤلاه المنافقين مرض منعهم من التحاكم إلى رسول الله ﷺ أم ارتابوا في نبونه لوجود ما يريبهم فيها، أَم يخافون أن يجور الله عليهم ورسوله إِن تحاكموا إليه؟ والحق أَنه لا يوجد سبب من جهته ﷺ يمنعهم من التحاكم إِليه؛ فهو النبي العادل دون ريب، بل السبب هو ظلمهم لأنفسهم بمرض قلوبهم ونفاقهم، وظلمهم لخصومهم بمحاولة الاستيلاء على حقوقهم.
﴿إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾
المفردات:
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾: قرأَها حفص بإسكان القاف وكسر الهاء غير مشْبَعَة، حكى ابن الأَنبارى أَنها لغة لبعض العرب، إِذ يُسكِّنون ما قبل الحرف المعتل بعد حذفهم المعتل للجازم، ومنه قول الشاعر:
ومن يتَّقْ فإن الله معه … ورزق الله مؤْتَابٌ وغادى
وقرأَها الباقون بكسر القاف، اكتفاء بحذف حرف العلة للجازم، وخفِّفَ كسرة الهاء بعضهم، وأشبعها بعض آخر، وهذا عند القراءة، أما عند الوقف فقد أجمع القراء على تسكين الهاء.
стр. 3215
التفسير
٥١ - ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
تحكى هذه الآية الكريمة حال المؤمنين الصادقين إِذا دعوا إلى التحاكم عند رسول الله ﷺ إثر حكاية حال المنافقين، ليتبين الفرق بين الخبيث والطيب.
ومعنى الآية: ما كان قول المؤمنين الصادقين إِذا دعاهم أحد إلى شرع الله ورسوله ليحكم به الرسول بينهم - ما كان قولهم حينئذ - إِلا أن يقولوا لداعيهم: سمعنا قولك، وأطعنا أَمرك بالنزول على حكم الله ورسوله، وأولئك المؤمنون الصادقون هم الفائزون برضوان الله وجزيل ثوابه، دون من عداهم من المنافقين الذين يتحاكمون إِلى غيره؛ فرارا من عدل الله ورسوله.
قال قتادة - تعليقًا على هذه الآية -: ذُكِرَ لنا أن عبادة بن الصامت - وكان عَقبِيًّا (١)، بَدرِيًّا (٢)، أَحد نقباء الأنصار - أنه لما حضره الموت قال لابن أَخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى، قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومَنْشطِك ومَكْرَهِك (٣)، وأَثرَة عليك (٤)، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأَلا تنازع الأمر أهله، إِلا أَن يأمروك بمعصية الله بَوَاحًا (٥)، فما أمرت به من شيءٍ يخالف كتاب الله فاتبع كتاب الله.
وقال قتادة أيضًا، وذكر لنا أَن أَبا الدرداء قال: لا إسلام إِلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله، وللخليفة وللمؤمنين عامة.
стр. 3216
وقال أيضًا: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إِلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أَمر المسلمين. رواه ابن أبي حاتم، انظر ابن كثير.
٥٢ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾:
هذه الآية مستأنفة لتقرير ما قبلها من حسن حال المؤمنين، وترغيب سواهم في أن يكونوا منهم.
والمعنى، ومن يطع الله فيما فرضه على عباده، ويطع رسوله فيما بينه من الفرائض والسنن، ويخشى الله على ما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما يستقبل من عمره، فأولئك هم الفائزون بالنعيم المقيم في جنة الرحمن الرحيم، دون عن عداهم من المنافقين والكافرين.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾
المفردات:
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أَي طاقة أيمانهم (١)، والمراد: أنهم بلغوا أقصى المراتب في الإقسام بالله، و (جَهْدَ) مصدر في موضع الحال بتأْويله بجاهدين ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أَي: طاعتكم طاعة معروفة باللسان، فلا تقسموا، فالجملة علة للنهى عن القسم الكاذب
стр. 3217
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾: أَي ما على الرسول سوى تبليغ ما حمله الله من الرسالة وقد فعل.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾: من الطاعة القلبية والظاهرية.
التفسير
٥٣ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ. . .﴾ الآية.
بَيَّن الله في الآيات السابقة أَن المنافقين ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ عن قبول التحاكم إِلى الرسول ﷺ ووصفهم بقوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إِلى آخر ما جاء فيهم من ذم أحوالهم، وجاءت هذه الآية لتبين أنهم لما علموا بنزول هذه الآيات فيهم جاءوا إِلى رسول الله ﷺ ليبرئوا أنفسهم من النفاق والكذب في أَيمانهم ويعلنوا طاعتهم، وأقسموا على أنه ﷺ لو أمرهم أَن يخرجوا من أموالهم وديارهم لفعلوا. (١)
والمعنى: وأقسم المنافقون مبالغين في إِقسامهم جهد طاقتهم، ليبرئوا أنفسهم من النفاق وعدم الطاعة والانقياد لحكم الرسول ﷺ ، قائلين: والله لئن أمرتنا يا رسول الله بالخروج من ديارنا وأموالنا لنفذنا أمرك، وخرجنا منها طاعة لأمرك، فرد الله عليهم قائلا لرسوله:
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: قل لهم أيها الرسول: لا تقسموا على طاعة الله ورسوله، فطاعتكم طاعة معروفة للناس، فهي طاعة باللسان، وليست نابعة من قلوبكم، أن الله خبير بما يصدر عنكم من أعمال النفاق الضارة بالإسلام وبالمسلمين، فمجازيكم عليها أشد الجزاء.
٥٤ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾:
قل لهم أيها الرسول: أطيعوا الله ورسوله مخلصين غير منافقين، فإن تتولوا وتعرضوا عما كلفتم به من الطاعة فما على الرسول سوى تبليغ الرسالة التي حمله الله تعالى أمر تبليغها،
стр. 3218
وما عليكم إلا الطاعة الخالصة من النفاق، فهي التكليف الذي حملكم الله إياه لتنفذوه، وختم الله الآية بنصيحتهم بقوله:
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي وإن تطيعوا رسول الله ﷺ فما يأْمركم به وينهاكم عنه ويحكم به تهتدوا إلى الحق وإِلى صراط مستقيم، وليس على الرسول إِلا تبليغ أمته تبليغا مبينًا للحق والباطل وقد فعل، وليس عليه أن يقهركم على الطاعة، فهي مسئولة منكم وتكليف واجب عليكم.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾
المفردات:
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: ليجعلنهم خلفاءَ متصرفين في الأرض.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾: أَي وليجعلنه مكينا ثابتًا.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: ومآلهم ومسكنهم جهنم.
стр. 3219
التفسير
٥٥ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. . . . .﴾ الآية.
قال أبو العالية في سبب نزول هذه الآية الكريمة: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين (١) بعد ما أوحى الله إِليه خائفًا هو وأَصحابه يدعون إلى الله سرًّا وجهرا، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح، فقال رجل: يا رسول الله أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فقال ﷺ : "لا تلبثون إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليس عليه حديدة" ونزلت الآية، وأَظهر الله نبيه على جزيرة العرب فوضعوا السلاح وأمنُوا. اهـ
وقال الضحاك ما خلاصته: أَن هذه الآية تتضمن صحة خلافة أَبي بكر وعمر وعثمان وعلي فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقد استخلفهم الله على الأرض التي وَلاَّهم الله عليها، وإلى هذا الرأى ذهب ابن العربي، وحكى في أحكامه أن علماء المالكية يرون أن هذه الآية دليل على صحة خلافتهم، فهم الذين استخلفهم الله ورضى أَمانتهم، ولم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأَمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبُّوا عن حوزة الدين فنفذ الوعد فيهم.
وحكى القشيرى هذا القول عن ابن عباس، واحتجوا بما رواه سَفينة مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 3220
"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا".
وقالت طائفة من العلماء: هذا وعد لجميع المسلمين بأن تكون الأرض كلها تحت لواءِ الإسلام، وهم مستخلفون عليها، كما قال ﷺ : "إِن الله زَوَى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" من حديث رواه الإمام أحمد بسنده عن شداد بن أَوس.
واختار ابن عطية هذا القول، وقال: الصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد ويجعلهم أهلها كالذى جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب (١).
ونحن نقول: سواءٌ أَكان المراد من الآية الخلفاء الأربعة، أَو جماعة الأمة الإسلامية فقد حقق الله وعده هذا وذاك، وقد ارتفع لواءُ الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها، ولا توجد اليوم أمة في الأرض إلا والإسلام إما غالب فيها، أوْ له كيان بين أرجائها، أَو مكان ممتاز بين أَديانها، بفضل سلامة مبادئه، ووضوح آياته، وجهاد قادته وثقافة دعاته. وما زلنا ننتظر المزيد من فضل الله رب العالمين.
وكما حقق الله بذلك وعده، حقق به وعد رسوله ﷺ إذ قال: "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه". أَخرجه الأمام مسلم في صحيحه، وكلاهما من أعلام نبوته ﷺ لأنه إِخبار عما سيكون فكان، مع أَنه فوق مستوى الظنون، ودون تحقيقه ما هو إلا المستحيل أَقرب، ولكن الله على كل شيءٍ قدير.
وقد وعدهم الله أَن يستخلفهم ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾:
والمراد من الذين قبلهم: بنو إسرئيل، فقد استخلفهم على أرض الجبارين في بلاد الشام، وهي الأرض المقدسة التي دعاهم موسى ﵇ إلى دخولها بقوله لهم:
стр. 3221
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (١) فأجابوه بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾.
ولما نصحهم بعض المخلصين منهم بالهجوم عليهم متوكلين على الله فإِنهم سيغلبونهم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢) فشكاهم إِلى الله تعالى فحرمها عليهم ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣).
ولما فَنىَ هذا الجيل الفاسد، وانتهت عقوبة الحرمان، فتحها بذرياتهم نبي الله يوشعُ ﵇ فهذه هي الأَرض التي استخلفهم الله عليها بعد أَن ظلوا عبيدا للمصريين بعد يوسف ﵇ حتى أنقذهم الله تعالى من العبودية على يد موسى وهرون ﵉.
وقد أَشار الله تعالى إِلى ماضيهم المستضعف وإلى الأَرض التي استخلفوا عليها بقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٤).
فالأَرض التي أُورثوا مشارقها ومغاربها، هي الأَرض المباركة وهي أرض فلسطين لقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥).
وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٦).
ولما أَفسد بنو إِسرائيل فيها عدة مرات أخرجوا منها، وحرموا ميراثها، ثم اغتصبوها عدوانًا من المسلمين الذين خلصوا أَهلها من ظلمهم، وكانوا أحق بها منهم، والعاقبة للمؤمنين الصابرين.
стр. 3222
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ أي: أَنه تعالى كما وعد المؤمنين الصالحين باستخلافهم في الأرض وعدهم أَيضًا بأن يمكن ويثبت لهم دينهم الإسلام الذي ارتضاه لهم، وأَن يمنحهم الأمن والطمأْنينة، بدلا من الخوف الذي كان يقض مضاجعهم من أَعدائهم (١).
وعقب الله هذا الوعد ببيان مقتضيه فقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾: أَي أَنه تعالى إِنما يستخلفهم ويمكن لهم دينهم، لأنهم يعبدونه وحده لا يشركون به في العبادة سواه، وأتبع هذا بتحذيرهم من الكفر فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
والمراد من الكفر هنا إما الردة، وإما كفران نعمة الاستخلاف والتمكين، فإن أريد منه الردة فالمراد بالفسق بلوغ الغاية فيه، حيث ارتدوا بعد إِيمان، وإن أُريد منه كفران النعمة، فالمراد منه مطلق الخروج عن الطاعه مع بقاء الإيمان.
والمعنى الإِجمالي للآية: وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله، وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه - مع قلتهم وكثرة أعدائهم - وعدهم -، أن يجعلهم خلفاءَ على أرضه في مشارقها ومغاربها، يَلُون أمرها وتدين لطاعتهم، وينشرون في أَرجائها دينه، ويبينون للناس آياته وبراهينه.
وهذا الاستخلاف لهم قد سبقه مثله لبنى إسرائيل قبلهم في أرض فلسطين، بعد أن استقامت أمورهم، وعادوا إلى ربهم، وقبل أَن يفسدوا في الأرض.
كما وعدهم أَن يثبت لهم دينهم الإسلام بين سائر الملل والنحل فيحميه من أَهلها، وأَن يعوضهم بدلا بن الخوف الذي يعيشون فيه أَمنًا من الأعداء، بما يمنحهم من القوة
стр. 3223
والكثرة والفتوحات، لأنهم يعبدونه تعالى لا يشركون به سواه، ومن ارتد بعد هذا الوعد أو تحقيقه أو كفر بنعمته التي أنعم بها عليه فأولئك هم الخارجون عن الإيمان، أو عن فضيلة الشكران (١).
٥٦ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: وأدوا الصلاة بأركانها وشروطها في مواقيتها، وأعطوا زكاة أموالكم وأبدانكم إلى من يستحقها، وأطيعوا الرسول في كل ما أمركم به أوْ نهاكم عنه، لعلكم ترحمون في الدنيا بتحقيق مواعيد الله لكم، وتحقيق آمالكم، وفي الآخرة بالنجاة من النار، والثواب الجزيل في جنات النعيم.
٥٧ - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ووعد له بالنصر، أي: لا تظن يا محمد أن هؤلاء الذين كذبوك وكفروا بما جئتهم به من الله - لا تظنهم - معجزين الله في الأرض عن الانتقام منهم ونصرك عليهم، فإن الله قادر على ذلك، وسوف يعذبهم على كفرهم، ومآلهم النار يأوون إليها خالدين ولبئس مصير الظالمين.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾: العورة؛ الخلل، يقال: أَعورُ المكان، أَي: مخْتلُّه (١)، ورجل أَعور أي: مختل العين، أي: هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم. ﴿جُنَاحٌ﴾ أَي: حرج.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾: أي؛ هم يطوفون عليكم في غير هذه الأوقات لقضاء مصالحكم، فَلا داعى لاستئذانهم منكم.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل أَو عن التصرف لكبر السن، ومفرده: قاعد، بدون هاءٍ، ليدل حذفها على أَنه قعود الكبر وهو من الصفات الخاصة بالنساء كالطالق والحائض. ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: أي؛ يتخلين عن الثياب الظاهرة.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي؛ غير مظهرات زينتهن ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: يطلبن العفة بالستر ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾: من التجرد من الثياب الخارجية الظاهرة لأنه أبعد عن التهمة.
التفسير
٥٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾:
هذه الآية وما بعدها اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أَول السورة كان بيانًا لاستئذان الأجانب بعضهم على بعض، وقد أَمر الله المؤمنين والمؤمنات (٢) في هذه الآية، أَن يستأْذنهم خدمهم مِما ملكت أَيمانهُم من العبيد والإماءِ وأَطفالُهم الذين لم يبلغوا الحلم. وكانوا مميزين في ثلاثة أحوال:
الأولى: من قبل صلاة الصبح، لأن الناس حينئذِ إِما نيام في فرشهم، وإِما قيام من مضاجعهم ليطرحوا ثياب النوم ويلبسوا ثياب اليقظة.
والحالة الثانية: حين يخلعون ثيابهم وقت الظهيرة للنوم.
والحالة الثالثة: بعد صلاة العشاء إلى الفجر، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة ولبس ثياب النوم، والتساهل في كشف بعض أَجزاءِ الجسد، وقد يكون الرجل مع أَهله