← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (١) فأجابوه بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾. ولما نصحهم بعض المخلصين منهم بالهجوم عليهم متوكلين على الله فإِنهم سيغلبونهم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢) فشكاهم إِلى الله تعالى فحرمها عليهم ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣). ولما فَنىَ هذا الجيل الفاسد، وانتهت عقوبة الحرمان، فتحها بذرياتهم نبي الله يوشعُ ﵇ فهذه هي الأَرض التي استخلفهم الله عليها بعد أَن ظلوا عبيدا للمصريين بعد يوسف ﵇ حتى أنقذهم الله تعالى من العبودية على يد موسى وهرون ﵉. وقد أَشار الله تعالى إِلى ماضيهم المستضعف وإلى الأَرض التي استخلفوا عليها بقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٤). فالأَرض التي أُورثوا مشارقها ومغاربها، هي الأَرض المباركة وهي أرض فلسطين لقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٦). ولما أَفسد بنو إِسرائيل فيها عدة مرات أخرجوا منها، وحرموا ميراثها، ثم اغتصبوها عدوانًا من المسلمين الذين خلصوا أَهلها من ظلمهم، وكانوا أحق بها منهم، والعاقبة للمؤمنين الصابرين.

стр. 3222

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ أي: أَنه تعالى كما وعد المؤمنين الصالحين باستخلافهم في الأرض وعدهم أَيضًا بأن يمكن ويثبت لهم دينهم الإسلام الذي ارتضاه لهم، وأَن يمنحهم الأمن والطمأْنينة، بدلا من الخوف الذي كان يقض مضاجعهم من أَعدائهم (١). وعقب الله هذا الوعد ببيان مقتضيه فقال: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾: أَي أَنه تعالى إِنما يستخلفهم ويمكن لهم دينهم، لأنهم يعبدونه وحده لا يشركون به في العبادة سواه، وأتبع هذا بتحذيرهم من الكفر فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: والمراد من الكفر هنا إما الردة، وإما كفران نعمة الاستخلاف والتمكين، فإن أريد منه الردة فالمراد بالفسق بلوغ الغاية فيه، حيث ارتدوا بعد إِيمان، وإن أُريد منه كفران النعمة، فالمراد منه مطلق الخروج عن الطاعه مع بقاء الإيمان. والمعنى الإِجمالي للآية: وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله، وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه - مع قلتهم وكثرة أعدائهم - وعدهم -، أن يجعلهم خلفاءَ على أرضه في مشارقها ومغاربها، يَلُون أمرها وتدين لطاعتهم، وينشرون في أَرجائها دينه، ويبينون للناس آياته وبراهينه. وهذا الاستخلاف لهم قد سبقه مثله لبنى إسرائيل قبلهم في أرض فلسطين، بعد أن استقامت أمورهم، وعادوا إلى ربهم، وقبل أَن يفسدوا في الأرض. كما وعدهم أَن يثبت لهم دينهم الإسلام بين سائر الملل والنحل فيحميه من أَهلها، وأَن يعوضهم بدلا بن الخوف الذي يعيشون فيه أَمنًا من الأعداء، بما يمنحهم من القوة

стр. 3223

والكثرة والفتوحات، لأنهم يعبدونه تعالى لا يشركون به سواه، ومن ارتد بعد هذا الوعد أو تحقيقه أو كفر بنعمته التي أنعم بها عليه فأولئك هم الخارجون عن الإيمان، أو عن فضيلة الشكران (١). ٥٦ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: وأدوا الصلاة بأركانها وشروطها في مواقيتها، وأعطوا زكاة أموالكم وأبدانكم إلى من يستحقها، وأطيعوا الرسول في كل ما أمركم به أوْ نهاكم عنه، لعلكم ترحمون في الدنيا بتحقيق مواعيد الله لكم، وتحقيق آمالكم، وفي الآخرة بالنجاة من النار، والثواب الجزيل في جنات النعيم. ٥٧ - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: في هذه الآية تسلية للنبي ﷺ ووعد له بالنصر، أي: لا تظن يا محمد أن هؤلاء الذين كذبوك وكفروا بما جئتهم به من الله - لا تظنهم - معجزين الله في الأرض عن الانتقام منهم ونصرك عليهم، فإن الله قادر على ذلك، وسوف يعذبهم على كفرهم، ومآلهم النار يأوون إليها خالدين ولبئس مصير الظالمين.

стр. 3224

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ المفردات: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾: ليطلب الإذن منكم. ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: عبيدُكم وإماؤُكم، والتعبير عنهم بما ملكت الأيمان لأنهم يؤسرون في الحرب بالأيمان لا بالشمائل غالبًا فنسب الملك إليها لذلك. ﴿الْحُلُمَ﴾ بضم اللام: أَوان البلوغ. ﴿تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾: تخلعونها.

стр. 3225

﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾: العورة؛ الخلل، يقال: أَعورُ المكان، أَي: مخْتلُّه (١)، ورجل أَعور أي: مختل العين، أي: هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم. ﴿جُنَاحٌ﴾ أَي: حرج. ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾: أي؛ هم يطوفون عليكم في غير هذه الأوقات لقضاء مصالحكم، فَلا داعى لاستئذانهم منكم. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل أَو عن التصرف لكبر السن، ومفرده: قاعد، بدون هاءٍ، ليدل حذفها على أَنه قعود الكبر وهو من الصفات الخاصة بالنساء كالطالق والحائض. ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾: أي؛ يتخلين عن الثياب الظاهرة. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي؛ غير مظهرات زينتهن ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: يطلبن العفة بالستر ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾: من التجرد من الثياب الخارجية الظاهرة لأنه أبعد عن التهمة. التفسير ٥٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾: هذه الآية وما بعدها اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أَول السورة كان بيانًا لاستئذان الأجانب بعضهم على بعض، وقد أَمر الله المؤمنين والمؤمنات (٢) في هذه الآية، أَن يستأْذنهم خدمهم مِما ملكت أَيمانهُم من العبيد والإماءِ وأَطفالُهم الذين لم يبلغوا الحلم. وكانوا مميزين في ثلاثة أحوال: الأولى: من قبل صلاة الصبح، لأن الناس حينئذِ إِما نيام في فرشهم، وإِما قيام من مضاجعهم ليطرحوا ثياب النوم ويلبسوا ثياب اليقظة. والحالة الثانية: حين يخلعون ثيابهم وقت الظهيرة للنوم. والحالة الثالثة: بعد صلاة العشاء إلى الفجر، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة ولبس ثياب النوم، والتساهل في كشف بعض أَجزاءِ الجسد، وقد يكون الرجل مع أَهله

стр. 3226

في أية حالة من هذه الحالات، فيؤمر الخدم والأطفال أَلا يهجموا على أهل البيت فيها، بل يستأْذنوا تأدبًا وتصونًا، وحفاظًا على عورات الناس أَن تكشف، ولقد أَطلق الله على هذه الأوقات عورات لذلك روى ابن أَبي حاتم بسنده (عن ابن عباس ﵄ أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أَمر الله بها في القرآن، فقال ابن عباس: إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجَالٌ (١) في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ خادمه أَو ولده أو يتيمه في حجره أَي في كفالته وهو على أهله، فأمرهم أَن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال. فرأى الناس أَن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أُمروا به) قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح إِلى ابن عباس. وحكى المهدوى عن ابن عباس أن الاستئذان كان واجبًا إِذ كانوا لا غَلَق لهم ولا أبواب. ولو عاد الحال لعاد الوجوب - ذكره القرطبى في المسألة الثانية وعقبه برأى آخر يفيد أن الآية محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساءِ، وذكر أنه قول أَكثر أَهل العلم. اهـ وبه نقول، فإن الآية الكريمة أَطلقت الأمر بالاستئذان، سواءٌ وجدت الأَبواب والستور أو لم توجد، فلا يحل اقتحام الأَبواب والستور دون استئذان في تلك الأَوقات، لوجود مقتضى المنع وهو احتمال انكشاف العورات فيها، روى أن رسول الله ﷺ بعث غلاما من الأنصار يقال له مُدْلِج إِلى عمر بن الخطاب ظهيرةً ليدعوه، فوجده نائمًا قد أغلق عليه الباب، فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شئٌ، فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءَنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإِذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ فوجد الآية قد أنزلت، فخر ساجدًا شكرًا لله. فأَنت ترى أَن الغلام دق الباب ونادى عمر ودخل قبل أَن يستيقظ عمر ويأْذن له، فانكشف منه للغلام ما لا يحب أَن ينكشف لأَحد، فلهذا نرى أَن الحكم ثابت مع وجود

стр. 3227

الأبواب والستور، كما أطلقتة الآية الكريمة، ويشير إلى ذلك ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقال السدى في سبب نزول الآية: كان أناس من الصحابة ﵃ يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أَلا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا - والله أَعلم - أَن رجلا من الانصار وامرأَته أسماء بنت مَرْثَد، صنعا للنبي ﷺ طعامًا، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماءُ: يا رسول الله، ما أَقبح هذا، إنه ليَدْخُل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن، فأُنْزِل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ … ﴾ الآية. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾: أَي ليس عليكم أَيها المؤمنون والمؤمنات حرج في أن يدخل عليكم عبيدكم وإماؤُكم وأَطفالكم الذين لم يبلغوا الحلم في غير هذه الأوقات؛ لأنكم تكونون حينئذ متسترين محتاطِين، مستعدين لدخولهم عليكم، لكي يقضوا حاجاتكم، ولذا علل نفى الجناح بقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أَي: هم طوافون عليكم بحوائج البيت، بعضكم طائف على بعض. ولا يخفى ما في هذا التعبير القرآنى الجليل من جبر خواطر المماليك، بجعلهم بعضًا من سادتهم المخاطبين، وبذلك يقوى أمر العِلِّية، ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر آيات الأحكام، والله عليم بمصالح عباده، حكيم في تشريعه. المعنى الإجمالي للآية: يا أيها المؤمنون والمؤمنات يجب عليكم أن تأمروا عبيدكم وإماءكم وأولادكم المميزين الذين لم يصلوا إلى سِنِّ البلوغ بالاحتلام، أن يستأذنوا في الدخول

стр. 3228

ثلاث مرات (١): (إحداها) من قبل صلاة الفجر، لأنه وقت القيام من النوم، والاستعداد للصلاة بالطهر من الجنابة، أَو خلع ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة. (وثانيها) حين تخلعون ثيابكم وقت الظهيرة، وتلبسون ثياب نومكم للقيلولة. (وثالثها) من بعد صلاة العشاء، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة، ولبس ثياب النوم، فهذه ثلاثة أَوقات يختلُّ فيها تستركم، وتبدو بعض عوراتكم، وقد يكون فيها الرجلَ مع أَهله، فعلِّموا عبيدكم وإماءكم ومن لم يبلغ الحلم من أَطفالكم أدب الاستئذان فيها صيانة لعوراتكم، وتأْديبًا لأتباعكم وأَطفالكم، ليس عليكم ولا عليهم حرج بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان، فهم طوافون عليكم لقضاء مصالحكم، وهم بعض منكم طائف على بعض، فكُلْفَةُ استئذانهم عليكم مرفوعة حينئذ، لأنكم في غير خلوة، ومحتاطون بالتستر في غير هذه الأوقات، ومستعدون للقائهم لقضاء حاجاتكم، مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر آياته التشريعية، والله عليم بمصالحكم، حكيم فيما يشرعه لكم. ٥٩ - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: لما بَين الله في الآية السابقة حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم: وهو أنهم لا يُلزَمون بالاستئذان إِلا في الأوقات الثلاثة المبينة فيها، عقبها الله هذه الآية لبيان حكم الأطفال الذين بلغوا، سواءٌ أكانوا أَقارب أَم أجانب - كما قاله أبو حيان في البحر (٢) وقد بين الله - تعالى - في الآية أَنهم يستأذنون كما استأذن الذين من قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا … ﴾ الآية، وذلك بأن يستأْذنوا في جميع الأوقات قبل الدخول، ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا.

стр. 3229

وأخرج ابن أَبي حاتم عن سعيد بن المسيب أنه قال: يستأذن الرجل على أمه، وأخرج البخاري في الأدب، وابن أَبي حاتم وغيرهما عن عطاء أَنه سأل ابن عباس ﵄ أأَستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجرى - أي: في كفالتى - وأَنا أنفق عليها، وإِنها معى في البيت، أَأَستاذن عليها؟ قال: نعم - ثم قال: فالإذن واجب على خلق الله أجمعين (١). وروى عنه أَنه قال: إِنى لآمر جارتي - يعنى زوجته - أن تستأذن عليّ، وحمل بعضهم الآية على أَطفال المؤمنين الأجانب إِذا بلغوا، وقال بعض الأجلَّة: المراد بهم: ما يعم البالغين من الأحرار والمماليك، فهؤلاء وأولئك هم الذين يستأذنون في جميع الأحوال (٢). والمعنى الإجمالي للآية: وإِذا بلغ الأطفال الحلُم منكم أَيها المؤمنون فليستأذنوا في جميع الأحوال كما استأذن الذين ذكروا من قبلهم في قوله - تعالى -: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ وعليكم أَن ترجعوا إذا قيل لكم: ارجعوا، مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم آيات أحكامه، والله عليم بمصالحكم، حكيم فيما يشرعه لكم. ٦٠ - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أَي: والنساءُ العجائز اللاتى قعدن عن الحيض والحمل، ولا يطمعن في الزواج لكبرهن فليس عليهن حرج في أَن يخلعن ثيابهن الظاهرة التي لا يفضى خَلْعها إلى كشف العورة، كالرداء والقناع الذي يكون فوق الخمار (٣)، وعليهن ألا يظهرن زينة أمر الله بإخفائها في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وأَن يستعففن بالستر أَفضل لهن؛ لأنه أَبعد عن التهمة، وأدعى إِلى الخير، والله سميع لمقالتهن للرجال، عليم بمقاصدهن فيحاسبهن عليها.

стр. 3230

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ المفردات: ﴿حَرَجٌ﴾: ضيق ومؤاخذة. ﴿إِخْوَانِكُمْ﴾: أَي إخوتكم الذكور. ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾: أي المكان الذي بأيديكم مفاتحه أمانة لإخوانكم، والمفاتح: جمع مِفتح، وهو المفتاح. ﴿أَشْتَاتًا﴾: متفرقين، جمع شَتٍّ، أَي متفرق. ﴿مُبَارَكَةً﴾: مرجوة الخير والثواب. ﴿طَيِّبَةً﴾: تطيب بها نفس من يستمع إليها. التفسير ٦١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ. . . .﴾ الآية. تحدثت الآيات الثلاث السابقة عن أدب الاستئذان من المماليك وصغار الأطفال والبالغين على ذويهم، وجواز ترك العجائز لبس الثياب الخارجية كالأردية، مع ستر

стр. 3231

ما يجب ستره من المرأة وعدم التزين، وأن لبس الثياب الخارجية خير لهن وأبعد عن التهمة من خَلْعِها. وجاءت هذه الآية الكريمة لتحدثنا عن أنواع أخرى من الآداب الإسلامية الرفيعة، فقد اشتملت على ثلاثة منها (أولها) يرتبط بأصحاب العاهات (وثانيها) يرتبط بالأصحاء (وثالثها) تحية الإسلام عند الدخول، فأما ما يرتبط بأصحاب العاهات ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. وفي هذا الجزء من الآية نقل الآلوسى من كتاب (الزهراوين) عن ابن عباس أن هؤلاء الطوائف كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء، حذرا من استقذارهم إياهم وخوفًا من تأذيهم بأفعالهم، فنزلت. ونقل القرطبى عن ابن العربى أنه قال: المختار أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به المشى، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك، ثم قال بعد ذلك مبينًا: وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم، فهذا معنى صحيح، وتفسير بيِّنٌ مفيد يعضده الضرع والعقل، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل. اهـ. قال القرطبى - تعقيبًا على كلام ابن العربى -: وإلى هذا أشار ابن عطية فقال: فظاهر الآية وأمْرُ الشريعة يدل على أن الحرج مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضى نيتُهم فيه الإتيان بالأكمل، ويقتضى العذر أَن يقع منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا. اهـ. ونرى أن كلام ابن عطية شامل لما قاله ابن العربى، ولما روى عن ابن عباس، وهو خير ما يقال في تفسير هذا الجزء من الآية، وبه نقول. (والنوع الثاني من الأدب) يشتمل عليه قوله - سبحانه -: ﴿لَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ

стр. 3232

أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾: وقد بَيَّن الله - سبحانه - في هذا الجزء من الآية أنه لا حرج على المؤمنين جميعًا، ومنهم أصحاب العاهات المذكورة، أن يأكلوا من بيوتهم، والمقصود منها: البيوت التي فيها أولادهم وزوجاتهم فهي كبيوتهم، فلا حرج عليهم في أن يأكلوا من طعام مملوك لهم؛ لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه، ولذا لم يذكر الله تعالى الأولاد في الآية، قال ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" ولأن الزوجين صارا كنفس واحدة، فصار بيت المرأة كبيت الزوج، فكأنه تعالى يقول: ولا على أنفسكم حرج في أن تأكلوا من مساكنكم التي فيها أهلوكم وأولادكم. كما بَيَّن - سبحانه - أنه لا حرج على المؤمنين في أن يأكلوا من بيوت آبائهم أو بيوت أمهاتم، أو بيوت إخوتهم الذكور، أو بيوت أخواتهم الإناث، أو أعمامهم أو عماتهم أو أخوالهم أو خالاتهم، سواءٌ أذنوا لهم في الأكل أو لم يأذنوا؛ لأن في القرابة التي بينهم إذنا عرفيا لهم بالأكل، ويقول ابن العربى: أباح الله الأكل من جهة النسب من غير استئذان، إِذا كان الطعام مبذولا، فإذا كان الطعام مُحْرزًا لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محرز إلا بإذن. وقال بعض العلماء: لا يباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقارب إِلا بإذن منهم؛ لأنه لا يعلم رضاهم إلا به، أما القرابة فليست من أَسباب الرضا دائِما، فمن الأقارب من لديه سماحة، ومنهم أشحة، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله، فلا يحل الأكل من بيوتهم بغير إذنهم ومعرفة رضاهم، وهذا الكلام قريب مما قاله ابن العربى، فإن الطعام إذا كان مبذولا لآكليه، فتلك أَمارة على رضا أَصحابه. والمقصود الأول من الآية: هو غرس غريزة الكرم والبر بالأقارب في نفوس المؤمنين، ما داموا قادرين على ذلك، وإعداد النفوس المسلمة إلى هذا اللون من التعاون والتقارب والأخوة في الإسلام، عملا بقوله - تعالي -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وبقوله

стр. 3233

ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، فإِن شحت نفوسهم عن الخير مع قدرتهم عليه، فهذا مخالف للخلق الذي اختاره الله لعباده المؤمنين. ولقد تأَدب المؤمنون بهذا الأَدب العالى في عهده ﷺ ولم يقصروه على الأَقارب، فقد كانوا يؤثرون إِخوانهم على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة واحتياج. ثم قال الله - سبحانه -: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ يعنى أَنه يباح لمن كانت لديه مفاتيح فكان مستأْمن عليه أَن يأْكل منه، والمقصود من ملكه لمفاتيحه أَن يَكون أَمانة تحت يده، قال ابن عباس ﵁: هو وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته. وروى عن عكرمة أَنه قال: إِذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأْس أَن يَطْعَمَ الشيء اليسير (١). وروى عن ابن عباس أَنه قال: نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو، خرج مع رسول الله ﷺ غازيًا، وخلف مالك بن زيد على أَهله (٢)، فلما رجع وجده مجهودا، فسأَله عن حاله، فقال: تَحرجْت أن آكل من طعامك بغير إِذنك، فأَنزل الله - تعالى - هذه الآية، وقد أَباح الله للصديق أَن يأْكل من صديقه بقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (٣) والصديق: من يصدق في مودتك، وتصدق في مودته. وكان النبي ﷺ يدخل بستان أَبي طلحة المسمى (بَيْرَحَاء) ويشرب من ماءٍ فيها طيب بغير إِذنه، والماءُ مُتَمَلَّك لأَهله. وإذا جاز الشرب من ماءِ الصديق بغير إِذنه جاز الأَكل من ثماره وطعامه، إِذا علم أَن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أَو لما بينهما من المودة، مادام محافظا على المحارم، أَما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يؤكل إلا بإذن. ويقول الله - تعالى -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾: وهذه الجملة مستأْنفة لبيان حكم جديد: هو إِباحة الاجتماع على الطعام المشترك، وأن يتفرقوا إن لم

стр. 3234

يرغبوا في الاجتماع عليه، واختلف فيمن نزلت، فقيل: نزلت في بنى ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أَن يأْكل الرجل وحده، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل، فإِن لم يجد من يؤاكله أَكل - ضرورة - وحده، ونَفْيُ الجناح عن أَكلهم دون ضيف لبيان أَن لا إِثم فيه، ولا يُذَمُّ صاحبه شرعا، كما ذمَّت به الجاهلية، فإنهم غير مقصرين إِذا لم يحضر الضيف. وقيل: نزلت في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام، لاختلاف في الأَكل، وزيادة بعضهم على بعض، فأُذن لهم فيما تحرجوا منه. (والأدب الثالث في الآية) تضمنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي: فإذا دخلتم بيوتًا من هذه البيوت التي أُذن لكم في الأكل منها، فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم قرابة ودينا، تحية من عند الله تعالى، ثابتة بأمره، مشروعة من عنده، مباركة طيبة؛ لأن السلام دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله السلامة وزيادة الخير وطيب الرزق، ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر آياته لكي تتعقلوها وتفهموها، وتحرصوا على العمل بها. المعنى الإجمالي للآية: ليس على الأعمى إثم ولا ضيق بتركه ما يقدر عليه البصير، ولا على الأعرج إثم ولا ضيق بتركه ما يقدر عليه الماشى، ولا على المريض إثم ولا ضيق بتركه ما يقدر عليه الصحيح، فلا يكلف أصحاب هذه الأعذار بما يكلف به سواهم ممن لا عذر لهم، فهؤلاء جميعًا لا يكلفون بالجهاد بالسيف ونحوه، والمرضى منهم لا يكلفون بالصيام ونحوه مما ليس في وسعهم، حتى يزول عذرهم، قال - تعالى -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١) كما أَنه ليس على هؤلاء ضيق في أن يأكلوا مع الأصحاء، وأن يأْكل الأصحاءُ معهم، حذرا من استقذارهم إياهم، وتأذيهم بوجودهم أو بتصرفهم أثناء تناول

стр. 3235

الطعام بسبب أَعذارهم (١)، ما لم يكن بالمرضى أمراض معدية، فعليهم أن يتركوا مخالطة الأصحاء في الطعام، لقوله ﷺ : "لا يوردَنِّ مُمْرِض على مُصِحٍّ". وينبغى لمن يؤاكلهم أن ييسر لهم تناول الطعام دون حرج ولا مشقة ولا شح، وينبغى لهم أن يلتزموا الحكمة في تناولهم الطعام مع سواهم. وليس عليكم - أيها المؤمنون - ضيق ولا إثم في أن تأكلوا من المساكن التي فيها أولادكم وأهلوكم؛ فأولادكم منكم، ونساؤكم سكن لكم، ومودة ورحمة بينكم، فلا عليكم أن تأكلوا من طعام مملوك لهؤلاء وأولئكم. وليس عليكم ضيق ولا إِثم في أَن تأْكلوا من بيوت آبائكم، أو بيوت أُمهاتكم، أو بيوت إخوتكم، أو أخواتكم، أو أَعمامكم، أَو عماتكم، أَو أخوالكم، أو خالاتكم - ولو بدون إذن - إن كان الطعام مبذولا، فإن كان داخل حرز، فلا يحل لكم الأكل منه إِلا بإذن منهم، أو قيام أمارة على رضاهم. وليس عليكم إثم ولا ضيق في أن تأكلوا مما وليتم مفاتحه ورعايته وكنتم وكلاء فيه، كالضياع ومرابض الماشية، فلكم أَن تأكلوا من ثمر الضياع، وتشربوا من لبن الماشية على أَلا تتوسعوا في ذلك، وليس لكم حق الادخار منه. وليس عليكم إثم ولا ضيق في أن تأكلوا في بيت صديقكم من طعامه المبذول، أو المحرز ولو بغير إذن، إِذا علمتم أن نفسه تطيب به لتفاهته ويسر مؤنته، ما دمتم محافظين على المحارم، والآن وقد غلب الشح على الناس فلا يؤكل من بيوتهم بغير إذن منهم. وقد أباح الله لكم الاجتماع على الأكل في سفر أو حضر، فليس عليكم إثم في أَن تجتمعوا على طعام اشتركتم في ثمنه، ولكم ألا تشتركوا وتأكلوا أشتاتًا متفرقين. وإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت التي أبيح لكم الأكل منها، فاستأذنوا على من فيها، وسلموا عليهم؛ فهم كأنفسكم لقرابتهم، ولأخوتهم لكم في الدين، وقد شرع الله هذا

стр. 3236

السلام تحية من عنده، ثابتة بأمره، مباركة طيبة؛ لأنها دعوة طيبة من المؤمن لأخيه المؤمن، مباركة كثيرة الخير، لما فيها من المودة والألفة وربط القلوب بعضها ببعض. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾: على أمر من شأنه أَن يجتمع له المسلمون، كالإعداد للحرب ونحوه، ووصف الأمر بأنه جامع على سبيل المجاز. التفسير ٦٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. . . .﴾ الآية. هذه الآية مستأنفة لبيان نوع من أَرقى أنواع الأدب في الإسلام، وهو أَلا ينصرف المؤمن من مجلس الرسول المعقود لأمر جامع، إلا باستئذانه ﷺ إِذا كانت لديه حاجة ملحة إلى الانصراف من هذا الأمر الجامع. وقد نزلت الآية في شوال سنة خمس من الهجرة، حين كان الرسول ﷺ مع أصحابه يحفرون خندقًا حول المدينة لوقايتها من هجوم قريش، وقائدها أبو سفيان

стр. 3237

وغطفان، وقائدها عيينة بن حصن، وبنى مرة، وقائدهم الحارث بن عوف المُرِّى، وبنى أَشجع وبنى سليم، وبنى أَسد، وعدد هؤلاء جميعًا عشرة آلاف مقاتل، وكان سلمان الفارسى هو الذي أَشار على رسول الله ﷺ بحفره، ولم تكن العرب تعرفه من قبل. وقد حفر في شمال المدينة؛ لأن هذه الجهة كانت مظنة هجوم الأعدام، أَما باقى الجهات فمشغولة بالبيوت والنخيل فلا يتمكن العدو من الحركة فيها. وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفره، لأنهم كانوا في غير سعة من العيش وقد عمل معهم النبي ﷺ فكان يحمل التراب معهم، وكان المنافقون يتسللون لواذا (١) من العمل، أو يعتذرون بأعذار كاذبة، فنزلت هذه الآية تنعى عليهم تسللهم، وتشير إِلى أَن الإيمان لم يتمكن من قلوبهم، لتسللهم عن الجماعة دون استئذان من الرسول ﷺ . وهذا الحكم ثابت لحكام المسلمين في الأمور الجماعية الخطيرة، فإذا كان إِمام المسلمين معهم أو مع أَهل شوراه أَو مع غيرهم لأمر يهم المسلمين، فلا يحل لأحد أَن يتسلل من الاجتماع دون إِذن منه. والمعنى الإجمالي للآية: إِنما المؤمنون الصادقون هم الذين اجتمع فيهم أَمران، أحدهما: أن يؤْمنوا بالله ورسوله، وثانيهما: أَنهم إذا كانوا معه على أَمر يقتضي اجتماعهم: لم يذهبوا من مكان الاجتماع حتى يطلبوا الإذن من رسول الله ﷺ بذهابهم، فمن خرج دون إِذن منه، فهو ناقص الإيمان، إن الذين يستأذنونك لبعض شأنهم صادقين، أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله حقًّا، دون المنافقين المتسللين دون استئذان، أَو المستأذنين منهم بعذر كاذب، كقولهم: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ (٢) فإذا استأذنك المؤمنون الذين تعلم صدقهم في إِيمانهم - إِذا استأْذنوك - لبعض شأنهم فائذن لمن شئت الإذن له منهم، فإنك أعلم بمن تكون المصلحة في بقائه معك منهم، ومن لا ضرر في التيسير له بالذهاب، واستغفر لهم الله في استئذانهم، فإنه وإن كان لمصلحة، لا يخلو

стр. 3238

عن شائبة تقديم أَمر الدنيا على الآخرة، إِن الله عظيم الغفران لفرطات عباده، واسع الرحمة في قبول أَعذارهم. ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾ المفردات: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾: أَي لا تجعلوا نداءه. ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ التسلل: الخروج على سبيل التدرج والاستخفاء، واللواذ: التبعية واللجوءُ، وقد يطلق على الفرار، ومنه قول حسان بن ثابت: وقريش تجول منا لواذا … لم تحافظ وخفَّ منها الحلوم ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: أَي يعرضون عن أمره. ﴿فِتْنَةٌ﴾: محنة في الدنيا. التفسير ٦٣ - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا … ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة مستأْنفة لبيان عظيم شأنه ﷺ وكريم قدره، مقررة لما قبلها من وجوب استئذانه قبل الانصراف من مكان الاجتماع: أَي لا تجعلوا نداءه ﷺ كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفع الصوت به، وندائه من

стр. 3239

وراء الحجرات، ولكن نادوه بلقبه العظيم، مثل: يا نبى الله، أَو يا رسول الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. أو: لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فلا تبالوا بسخطه، فإن دعاءه مستجاب. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾: لفظ (قد) مع الفعل المضارع يفيد التقليل غالبًا، وقد يفيد التحقيق بمعونة المقام - كما هنا - وهو مع الماضى يفيد التحقيق دائما. والمعنى: قد يعلم الله بالتحقيق من يخرجون منكم - أَيها المنافقون - من مكان يجتمع فيه رسول الله بالمؤمنين دون استئذان منه ﷺ يخرجون - متدرجين متلاوذين بأن يستتر بعضكم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يؤذَن له، فينطلق معه كأنه تابعه، أو يهرب في خفية. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي فليحذر الذين يخالفون معرضين عما أمر به الله من الاستئذان من الرسول ﷺ حين الخروج من مجلسه - فيلحذروا أن تصيبهم محنة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب شديد الإيلام في الآخرة. ٦٤ - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: أَلَا: أَداة تنبيه إِلى الاهتمام بما يجئُ بعدها، والمعنى: أَلا إِن لله وحده جميع ما في السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما، خلقًا وملكا وتدبيرا وعلما، فكيف تخفى عليه أَحوال المنافقين وإِن اجتهدوا في إِخفائها وسترها، إِنه يعلم ما أَنتم عليه - أَيها المكلفون جميعًا - من الأَحوال التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإِخلاص والنفاق، ويوم يرجع هؤلاء المنافقون إِليه - سبحانه - للحساب والجزاء في دار الجزءِ، فينبئهم بما عملوه، فيرتب عليه ما يستحقه من الجزاء، والله محيط علمه بكل شيءٍ، فلا تخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء.

стр. 3240

" سورة الفرقان" مكية وآياتها سبع وسبعون مقاصد السورة: بدأت هذه السورة بتنزيه الله الذي أنزل القرآن على عبده محمد ﷺ وخَلَق السموات والأرض وكل شيء فيهما، ثم نَعتْ على المشركين أنهم أَشركوا به من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كما نعت عليهم وصفهم للقرآن بأنه أساطير الأولين، مع أن الله الذي يعلم السر في السموات والأرض هو الذي أنزله، كما نعَتْ عليهم إنكارهم لنبوة محمد ﷺ لأنه بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، وليس معه ملك يشاركه الإنذار، ولأنه فقير وليس له جنة يأْكل منها، مع أن ذلك ليس قادحًا في نبوته. كما نعت عليهم تكذيبهم بالساعة، وحكت أهوال النار التي سوف يصلونها، وقارنت بينها وبين الجنة التي وعد بها المتقون، ثم بينت أَن المرسلين قبله كانوا يأْكلون الطعام ويمشون في الأسواق، فلا وجه لاعتراضهم على نبوة محمد ﷺ بأكله الطعام ومشيه في الأسواق. ثم تحدثت عن أهوال يوم القيامة، وأن الحكم يومئذ لله وحده، وأَن الظالم حينئذ يعض على يديه لعدم اتباعه الرسول، وإيثاره أهل الضلال عليه. ثم ذكرت أن المشركين قالوا: لماذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، وأجابت بأنه أنزل على فترات لكي يثبته الله في فؤاده ﷺ لأنه كان أُميًّا لا يقرأ ولا يكتب. ثم تحدثت عن إرسال موسى وهارون إلى فرعون وقومه، فلما كذبوهما دمرهم الله تدميرًا، وتحدثت عن تكذيب قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم لأنبيائهم، وأَن الله أهلكهم بسبب تماديهم في تكذيب رسلهم.

стр. 3241

ونعت على قريش أنهم أتوا على قرية قوم لوط، وعلموا بإهلاكهم، لتكذيبهم رسولهم ورفضهم نصائحه، حيث أهلكهم الله بحجارة من سجيل أنزلها عليهم من السماء، وذكرت أن قريشًا استمروا في تكذيبهم واستهزائهم برسولهم قائلين: ﴿هَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ وبينت أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، لأنهم لم يعتبروا بما حصل لمن قبلهم. وتحدثت عن الآيات الكونية الدالة على قدرة الله واستحقاقه العبادة وحده، فذكرت أَن ظل الأجسام في النهار لا يبقى علي حالة واحدة، فإنه تعالى يمده ثم يقبضه شيئا فشيئا، بإحلال ضوء الشمس محله، ولو شاء الله لجعله ساكنا لا ينقبض، بجعل الشمس ثابتة على وضع مائل دائمًا، وأنه جعل الليل كاللباس في ستره الأجسام وجعل النوم راحة للأبدان تشبه الموت، وجعل النهار نشاطًا لها يشبه البعث والنشور بعد الموت، وأرسل الرياح ناشرات للسحاب بين يدى رحمته سبحانه، حيث جعلها مبشرات بالمطر الذي هو من آثار رحمة الله، إذ به يحيا الإنسان والنبات والحيوان، وبينت السور أن الله صرف الحديث عن آياته في كتبه السماوية ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾. ثم بينت أنه تعالى أرسل البحرين، هذا عذب فرات، وهذا ملح أُجاج، وجعل بينهما حاجزا، بحيث يؤدي كلاهما وظيفته في مصالح الإنسان والحيوان والنبات. وذكرت أنه تعالى خلق من ماء الزوجين بشرًا، فجعل هذا البشر إما نسيبًا وقريبًا، وإما صهرًا، وكل ذلك دليل على قدرة الله ووحدانيته، ومع هذه الآيات يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرًا. ثم بينت أنه تعالى ما أرسل محمدًا ﷺ إلا مبشرًا ونذيرًا، وليس عليه إلا البلاغ وقد فعل، وأنه ﷺ ما يسألهم على التبليغ من أجر إلا أن يسلكوا سبيل العبادة لله وحده، وذلك شاهد على صدقه ونزاهته في دعوته. وحثت النبي ﷺ على أن يتوكل على الحى لا يموت، ويترك حساب الناس لربهم، فإنه خبير بذنوبهم، وأنه لا يضيق صدره بكفرهم وعنادهم.

стр. 3242

وبينت أن قريشًا تنكر وصف الله بالرحمن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. ثم بينت أن عباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض متواضعين، وأنهم يسالمون من يجهل عليهم ويشاركونه ولا يجارونه في سفهه، ووصفتهم بأنهم يتعوذون بالله من جهنم، وأنهم في إنفاقهم يتوسطون بين التبذير والتقتير وأنهم لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون نفسًا بغير حق ولا يزنون، وأَن من تاب منهم من ذنبه توبة نصوحًا فإن الله تعالى يقبل توبته وأنهم إذا ذُكروا بآيات ربهم تأثروا بها ولم يخروا عليها صمًّا وعميانا، وأنهم يطلبون من الله أن يجعل لهم من أفواجهم وذرياتهم قرة أَعين، ويجعلهم للمتقين إماما، وأنهم يجزون الغرف العالية في الجنة بصبرهم على طاعة الله، ويُحَيَّوْن فيها بالسلام والأمان ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ وأنه تعالى لا يعبأ بعباده لولا عبادتهم ودعاؤهم إياه فإن كذبوا رسله فسوف يكون عذابه ملازما لهم. وسيأتي بيان ما أَجملناه في تفسير آياتها تباعا، والله تعالى هو الموفق.

стр. 3243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ المفردات: ﴿تَبَارَكَ﴾: أي تعالى وتعاظم، ولا يستعمل مع غير الله تعالى غالبًا ولا يُتَصَرَّف فيه. ﴿الْفُرْقَانَ﴾: المراد به القرآن، وهو في الأَصل مصدر فرق بين الشيئين، إِذا فصل بينهما، سمى به القرآن لفصله بين الحق والباطل. ﴿نَذِيرًا﴾: أَي منذرا أو إِنذارا كالنكير بمعنى الإنكار. ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: أي فَهَيأهَ لما أَراده له من الخصائص والأفعال تهيئة دقيقة. ﴿نُشُورًا﴾: بعثا. التفسير ١ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾: افتتح الله هذه السورة بكلمة ﴿تَبَارَكَ﴾ وهي مأْخُوذة في الأصل من البركة بمعنى كثرة الخير، وقد فسرها الحسن وغيره بقوله: تزايد خيره وعطاؤه وتكاثر، وفسرها آخرون بقولهم: تزايد وتعالى شأنه على كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأَفعاله، فإن البركة تستلزم الزيادة والعلو، وفسرها الخليل بمعنى تمجد، وهو قريب من سابقه.

стр. 3244

وترتيب وصفه تعالى بقوله (تبارك) على إنزاله القرآن، لما فيه من الخير الكثير لعباده في الدنيا والآخرة، ولأنه ناطق بعلو شأنه في ذاته وصفاته وأفعاله، وتسمية القرآن بالفرقان، لأنه فرق بين الحق الذي جاء به نبينا محمد ﷺ ، وبين ما عليه الناس قبله من العقائد الزائفة، والشرائع الفاسدة، وشرع لهم من الأحكام ما يناسب مصلحة البشر في دنياهم وأخراهم، وقد جاء في وصف عظمة القرآن قوله ﷺ : "إِن هذا القرآن مَأدبَة الله (١)، فتعلموا من مَأدَبَته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حيل الله والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يَعوَجّ فيُقَوَّم ولا يَزيغ فيسْتَعْتب (٢)، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد (٣)، فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أمَا إني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف ولام وميم، ولا ألفَيَن أَحدَكم واضعًا إِحدى رجليه يَدَعُ أن يقرأَ سورة البقرة، فإن الشيطان يفِرُّ من البيت الذي تُقْرَأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت (٤) لَجَوفٌ صَفِر (٥) من كتاب الله" أخرجه الحاكم وصححه بسنده عن ابن مسعود، وكذا محمد بن نصر وابن الأنبارى والطبراني وغيرهم. والمراد بعبده: نبينا محمد ﷺ ، والتعبير عنه بذلك للإيذان بأن رسالته إِلى الناس كافة لا تخرجه عن العبودية لله الذي أرسله، وأن من يَدعى الولدية لله في رسول أرسله الله إِليه، فهو كافر، فإنه سبحانه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. والمراد بالعالمين: الإنس والجن، منذ عصره ﷺ إلى أن تقوم الساعة، ومن أنكر إرساله ﷺ إلى الجن فقد كفر، فإنه معلوم من الدين بالضرورة، لشمول العالمين لهم، ولما تدل عليه سورة الجن من أنه تعالى أرسله إلى الجن، فآمن به بعضهم وكفر آخرون، قال تعالى حكاية عن الجن الذين استمعوه: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ

стр. 3245

أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (١) إلى غير ذلك مما جاءَ في سورة الجن وفي السنة الصحيحة. والمعنى الإِجمالى للآية: تعالى الله الذي أَنزل عل عبده ورسوله محمد القرآن، فارقًا بين الحق والباطل، ليكون به منذرا للعالمين من الإِنس والجن، ومخوفا لهم من العقاب إِن كفروا بآياته، وعبدوا غيره. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: المراد بخلقه كل شيءٍ إِيجاده، وبتقديره تهيئته لما خلق له من الخصائص. ومعنى الآية: هو الله الذي له السلطان القاهر، والاستيلاءُ التام على السموات والأَرض وما فيهما خلقًا وملكًا وتصرفًا، إِيجادًا وإِعدامًا، وإِحياءً وإِماتة، وأَمرا ونهيًا، حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح، وليس لغيره في ذلك شريك أَو معين، وأَوجد كل شيءٍ فيهما إِما من العدم أَو من مواد لائقة بخلقه، فقدره، وهيأَه وهداه لما أراده منه من الخصائص والأعمال، كتهيئته الإنسان وهدايته للإدراك والفهم والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوعة، واختراع الفنون العجيبة، ومزاولة الأعمال المختلفة، وتسخير الحيوانات واستزراع المزروعات، والانتفاع بالجمادات وغير ذلك من عجائب الله في تقدير الإنسان. وكهيئته النحل لاتخاذ مأوى لها في الجبال والشجر والعرائش، والتعرف بحواس داخلية على أماكن الزهور والثمار، فتطير إليها، وتمتص رحيقها وتأكل من ثمراتها فيتحول غذاؤها إلى عسل شهى مختلف أَلوانُه فيه شفاء للناس، فتلقيه في بيوت هندسية مسدسة الأضلاع، صنعتها من شمع تفرزه لبنائها ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ٣ - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾: تحكى هذه الآية أباطيل المشركين في عقائدهم وتبين وجه بطلانها، بعد بيان عقيدة أهل الحق فيما قبلها.

стр. 3246

ومعنى الآية: واتخذ المشركون آلهة غير الله تعالى، عبدوهم وهم لا يستحقون العبادة، فهم لا يخلقون شيئا صغيرا كان أو كبيرًا، ولكنهم مخلوقون لله رب العالمين، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، والذى يضرهم وينفعهم هو الله القدير العليم، ولا يملكون لأحد موتًا حتى يميتوه، ولا حياة في الدنيا حتى يحيوه، ولا يملكون له نشورًا وبعثًا في الآخرة حتى يبعثوه وينشروه، وإنما الذي يملك ذلك كله هو الله تعالى، فكيف استساغوا عبادتها؛ وهي مجردة عن صفات الألوهية واستحقاق الربوبية. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ المفردات: ﴿إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾: كذب اخترعه. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أباطيلهم التي سطروها، وهي جمع أسطورة - كأحاديث جمع، أُحدوثة أو جمع أسطار، كأقاويل جمع أَقوال. ﴿اكْتَتَبَهَا﴾: طلب كتابتها. ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾: تلقى إليه ممن كتبها ليحفظها. ﴿بُكْرَةً﴾ أي: أول النهار قبل انتشار الناس. ﴿وَأَصِيلًا﴾: آخر النهار بعد أن يأووا إلى مساكنهم، والبكرة: أول النهار، والأصيل: ضدها، يعنون أنها تملى عليه خفية، وقد كذبوا في ذلك كله - قاتلهم الله -. ﴿السِّرَّ﴾: الأمر الخفى المكتوم عن الناس.

стр. 3247

التفسير ٤ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾: بين الله في الآية السابقة سوء رأى المشركين باتخاذهم آلهة لا تضر ولا تنفع، وجاءت هذه الآية لتبين سوء مقالهم فيما جاءهم به نبيهم من الهدى. والقائلون هم مشركو العرب، كما أَخرجه جماعة عن قتادة، وقد سمى منهم - في بعض الروايات - النضر بن الحرث، وعبد الله بن أمية، ونوفل بن خويلد، وإسناد القول إلى جميع المشركين، لرضاهم بما قاله هؤلاء الغلاة المفترون. وقد ضموا إلى هذه الفرية فرية أُخرى، إذ قالوا إِن محمدا قد أَعانه على ما جاء به من القصص القرآني قوم آخرون، يعنون بهم اليهود، حيث زعموا أنهم أَخبروه بهذا القصص، فعبر عنه بعبارة من عنده، ومنهم من زعم أَن الذين أَعانوه هم: عداس، وعائش مولى حُوَيطِب بن عبد العزى، ويسار: مولى العلاء بن الحضرمى، وجبر مولى عامر، وكانوا كتابيين يقرءون التوراة، أَسلموا وكان الرسول ﷺ يتعهدهم بالبر والنصح والهدى، فافترت قريش هذه الفرية النكراء، وقد كذبهم الله فيما زعموا. ومعنى الآية: وقال المشركون الكافرون بالهدى: ما هذا القرآن الذي يدعونا محمد إلى الإيمان به؛ إلا كذب اختلقه محمد من عند نفسه ولم يأْته من عند ربه، وأعانه على افترائه على الله قوم آخرون يعرفون قصص الأنبياء مع أُممهم، حيث سردوا عليه تلك القصص، فصاغها بعبارة من عنده، وأسند الإعلام بها إلى ربه، وقد جاء هؤلاء الكافرون بما قالوه ظلمًا للحق وكذبًا شنيعًا على محمد ﷺ فإن هذا القرآن لا يستطيع أن يأتى بمثله الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ولا يقدر على الإتيان بمثله سوى من أنزله على رسوله، بما اشتمل عليه من الإعجاز البيانى، والأحكام التشريعية، والأخلاق السنية، والحكم الربانية، والأخبار الغيبية، والآيات الكونية، وامتلاكه نواصى القلوب بأسلوبه، فأنى لمحمد ﷺ أن يأتى بمثله، وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب،

стр. 3248

وقد عرفوه بالصدق والأمانة، وعدم اشتغاله بالأدب المنثور، والشعر الموزرن، ولم يعرفوا عنه حب الرياسة والجاه، ولا عن أَهل الكتاب أَنهم يعينون غيرهم على هدم دينهم، ولا عن أولئك العبيد والموالى أنهم يحسنون فهم الكتب السماوية أو نقل ما فيها إن صح أنهم يحفظونها ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقد لبث الرسول فيهم عمرا طويلًا من قبله يعمل بالتجارة، دون أَن يتجه إِلى تلك الدعوة التي فوجئ بتكليفه بها، وهو لا يسألهم عليها أَجرا، ولا يطلب بها جاهًا، ولا ثراءً فما بالهم لا يعقلون. ٥ - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: بعد ما جعلوا القرآن الحق إِفكا من محمد بإعانة البشر له، بينوا كيفية الإعانة التي زعموها؛ أَي وقال الكافرون: هذا القرآن أَباطيل الأولين طلب محمد كتابتها من أَهل الكتاب، فكتبوها له، فهي بعد تحريرها تملى عليه بكرة أول النهار، وأصيلًا آخر النهار، حتى لا يراه أحد وهي تملى عليه حيث يكون الناس في بيوتهم، لكي يحفظها ممن يمليها عليه. وقيل: المراد من قولهم: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: أَي دائمًا، وقد كذبوا في كل ذلك، ولهذا رد الله عليهم بقوله: ٦ - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي قل لهم أيها النبي ردا عليهم: أنزل هذا القرآن الله الذي يعلم الخفى من الأمور في السموات والأرض مثلما يعلم الظاهر منها، وقد أودعه من فنون الأسرار والمصالح الخفية ما لا علم لأحد به، في أسلوب بديع ونظم فريد أَعجزكم وأَعجز جميع الفصحاء والبلغاء عن الإتيان بمثله، وأخبركم بمغيبات مستقبلة مكنونة، لا سبيل لأحد أَن يعلمها إِلا بوحى من ربه، إِن الله الذي أَنزل هذا القرآن، كان ولا يزال موصوفًا بعظيم الغفران والرحمة، ولهذا أمهلكم ولم يعاجلكم بالعقوبة على هذه الفرية النكراء، لعلكم تتوبون فيغفر لكم ويرحمكم، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾

стр. 3249

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ المفردات: ﴿جَنَّةٌ﴾: أَي بستان. ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: أَي رجلا سُحِر فغلب السحر على عقله. ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾: ذكروا في حقك تلك الأقاويل الغريبة، التي لا تمت إِلى الحق بصلة. ﴿فَضَلُّوا﴾: فبعدوا عن طريق الحق. التفسير ٧ - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ … ﴾ الآية. أَخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أَن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأَبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحرث، وأبا البحترى والأسود ابن عبد المطلب، وزمعة بن الأَسود، والوليد بن المغيرة، وأَبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابنى الحجاج؛ اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إِلى محمد ﷺ وكلموه وخاصموه (١) حتى تعذروا منه،

стр. 3250

فبعثوا إليه؛ أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم ﵊ فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالًا جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نُسوِّدُك، وإن كنت تريد الملك ملكناك، فقال رسول الله ﷺ : "ما بي مما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله تعالى بعثنى إليكم رسولًا، وأَنزل عليّ كتابًا، وأَمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أَصبر لأمر الله تعالى، حتى يحكم الله بينى وبينكم، قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل شَيئًا مما عرضنا عليك فَسَلْ لنفسك، سل ربك أَن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانًا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما أنا بفاعل، ما أَنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ .... ﴾ الآيات (١). والمعنى: أَنهم بعد ما افتروا على القرآن ما افتروه قالوا: أي سبب لهذا الذي يزعم أَنه رسول جعله يأكل الطعام كما نأكل، ويمشى في الأسواق ساعيًا على رزقه كما نسعى، فلو كان رسولًا من عند ربه لخالفنا في أسلوب معاشنا، فَهَلاَّ مَيزه الله علينا فأنْزَلَ معه ملكًا يكون معه نذيرا لنا، ليجعلنا مطمئنين إلى إرساله إلينا. ٨ - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾: أي: فإن لم ينزل الله عليه ملكًا يظاهره في الرسالة، فهلا يلقى إليه ربه من السماء مالًا يكتنزه، ليستظهر به ويرتفع احتياجه إلى اكتساب قوته من السعى في الأسواق مثلنا، فإن لم يوجد هذا ولا ذاك فلا أقل من أن يكون له بستان يتعيش بريعه كمياسير الناس،

стр. 3251

ويمتاز به على عامتهم وقال هؤلاء الظالمون للمؤمنين: ما تتبعون إلا رجلا مسحورا مغلوبا على عقله وليس بنبى، فرد الله عليهم مستعظما لإفكهم، داعيًا للتعجب منه بقوله: ٩ - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: أَي: انظر أيها الرسول كيف قالوا في حقك هذا الكلام المخالف للواقع، المنافي للصدق، حيث ضربوا لك الأمثال، واخترعوا لك تلك الصفات، فضلوا بها عن الحق والهدى، متحيرين فيما يصفونك به، فلا يستقرون في القدح في نبوتك على حال، ولا يستطيعون أن يجدوا طريقا للنيل منها بحال، فإن الحق يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ ويعلو ولا يُعلى. ١٠ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ (١) لَكَ قُصُورًا﴾: أَي: تعالى الله الذي إن شاء التوسعة عليك في الدنيا، جعل لك خيرًا من ذلك الذي اقترحوه بساتين تجرى من تحتها الأنهار لا بستانا واحدا، ويجعل لك قصورا عديدة تتمتع بها، ولكنه ادخر لك الخير كله بجميع صوره في الآخرة بعد قيام الساعة التي كذبوا بها وقد حكى الله تكذيبهم وتوعدهم عليه في الآيات التالية:

стр. 3252

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ المفردات: ﴿السَّاعَةِ﴾: المراد بها زمن قيام الناس لرب العالمين، وسبب التسمية؛ أنه تعالى يفجأُ بها الناس في ساعة لا يعلمها إلا هو. ﴿سَعِيرًا﴾: نارا شديدة الاستعار: أَي الاتقاد. ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: أَي سمعوا لغليانها صوتًا يشبه صوت المتغيظ والزافر والتغيظ: هو إظهار الغيظ. والغيظُ: أَشد الغضب، والزفير: إِخراج النَّفَس، وضده: الشهيق، واستعمال الزفير في صوت النار مجاز. ﴿أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾: أي ألقوا من النار في مكان ضيق لزيادة تعذيبهم. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أَي نادوا في ذلك المكان هلاكًا لينقذهم من عذابه. ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾: لاتنادوا في هذا اليوم هلاكًا واحدا ليخلصكم مما أنتم فيه. ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾: أَي ونادوا هلاكًا كثيرا، ليخلصكم كل منها من نوع من أنواع العذاب، فإن أَنواعه كثيرة، وسيأْتى بسط الكلام في معنى الآية عند تفسيرها. التفسير ١١ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾: في هذه الآية انتقال إلى حكاية نوع آخر من أَباطيلهم يتعلق بأمر المعاد، بعد حكاية إشراكهم وطعنهم في النبوة.

стр. 3253

والمعنى: ليس أمر قريش قاصرا على شركهم؛ وتكذيبك يا محمد فيما دعوتهم إليه من التوحيد وسائر أنواع الهدى، بل كذبوا بالساعة وهي: الموعد الذي ضربه الله لبعث الخلائق وحسابها، وقالوا ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (١) فاهتموا بدنياهم وأعرضوا عن أخراهم، فلا تعجب من تكذيبهم إياك فيما جئتهم به من الحق وقد أعددنا كل من كذب بالساعة والحساب والجزاء فيها - أَعددنا لهم - نارا شديدة الاتقاد، عظيمة الإِحراق ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). ١٢ - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: تحكى هذه الآية وصف السعير الذي توعدهم الله به في الآية السابقة، والتأنيث في "رأَتهم" لمراعاة المراد من السعير وهو النار، وقيل: لأَنه علم لها. وإسناد الرؤية والتغيظ والزفير إِليها على المجاز، وقيل: إِنه على الحقيقة، كما يؤذن به ظاهر اللفظ، لأَن الله قادر على أن يجعل لها بصرا وإدراكًا، بحيث ترى وتتغيظ وتزفر، على نحو ما قالوه في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ومعنى الآية: إِذا كان الكافرون بمكان بعيد مكشوف أمام النار، سمعوا لاتقادها صوتًا مزعجًا كالذى يحدث من المغتاظ، وسمعوا لها صوتًا يشبه الزفير الذي يحدث من الموتور الذي يتنفس الصُّعَدَاء (٣) حين يظفر بخصمه. ١٣ - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أي: وإذا أُلقى الكفار بالساعة في مكان ضيق من النار وهم مقرنون، بأَن جمعت أيديهم إِلى أَعناقهم بما يجمعها - إِذا أُلقوا فيها كذلك - دعوا في هذا المحبس الناريِّ هلاكًا يخلصهم من عذاب النار المحيطة بهم، كأن يقولوا: يا ثبوراه - على معنى. هلم إِلينا لتنقذنا مما نحن فيه، وجعل بعض الأجلة دعاء الثبور ونداءه، كناية عن تمنيهم الهلاك، ليسلموا مما هو أشد منه - كما قيل: أَشد من الموت ما يتمنى معه الموت.

стр. 3254

١٤ - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾: ما جاءَ في هذه الآية إما مقول لهم بلسان الملائكة، وإِما مقول بلسان الحال. والمعنى: يقال لهم: لا تنادوا الثبور اليوم نداءً واحدا، لكي ينقذكم من عذابكم ولكن ادعوه ونادوه نداءً كثيرا، فإن ما أنتم فيه لغاية شدته، واستمراره؛ يستوجب منكم تكرار الدعاء في كل آن، وعلى هذا الرأى يكون الثبور: أي الهلاك المطلوب واحدا ولكن الدعاءَ به كثير. وقيل معناه: وادعوا هلاكا كثيرا، لا هلاكًا واحدا، لتعدد العذاب بتعدد أنواعه أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها، فهم بحاجة في كل عذاب إلى هلاك وموت جديد يخلصهم منه، وأنى لهم الموت، وهيهات أن ينفعهم هذا الدعاء، فإنهم خالدون في النار أبدا، فالمقصود من الآية: إِقناطهم من النجاة، وأَن دعاءهم برفع العذاب لا ينتهي. ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ المفردات: ﴿الْخُلْدِ﴾: المكث الطويل. ﴿مَصِيرًا﴾. مُنتَهًى ومآلا. ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾: أي موعودا يسأل الناس ربهم أن يتفضل بإنجازه - وللكلام بقية في تفسير الآية.

стр. 3255

التفسير ١٥ - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾: قل أَيها الرسول لمن كذبوك في رسالتك، وكفروا بالساعة التي يبعث فيها الناس لرب العالمين - قل لهم -: أذلك الذي نقدم من السعير وأهوالها وخلود الكافرين فيها، وتمنيهم الهلاك والموت ليستريحوا منها - أَذلك خير - أَم جنة النعيم الخالد التي وعدها الله المتقين الذين صانوا أَنفسهم وجعلوها في وقاية من عذابها الأليم الدائم، بإيمانهم وصلاحهم، كانت لهم هذه الجنة في علم الله تعالى وفي وعده على ألسنة رسله - كانت لهم - جزاء على إِيمانهم، ومنتهى يصيرون إليه بصلاحهم. ١٦ - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾: هذه الآية مستأنفة لبيان منهج انتفاع المتقين بنعيم الجنة، وكأنها جواب سائل يقول: ما لهم إِذا صاروا إليها وسكنوها؟ والمعنى: لهؤلاء المتقين في هذه الجنة التي يصيرون إِليها، ما يشاءون من ألوان النعيم المناسبة لهم، على قدر أَعمالهم ودرجتها، حتى لا يتساوى المقصرون بالكاملين، فكل طبقة تقتصر مشيئتها على ما هو حق لها بمقتضى وعد الله الكريم، فلا تمتد رغباتهم إلى ما هو حق لغيرهم، يظلون في جنتهم خالدين لا يَخْرُجون منها ولا يُخرجُون، كان ذلك النعيم المقيم موعودا حقيقًا أن يُسْأل ويطلب، لكونه مما يتنافس فيه المتنافسون. ويجوز أَن يكون الموعود مسئولًا حقيقة على معنى أن الناس يسألونه في دعائهم بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ وقال سعيد بن هلال: سمعت أَبا حازم ﵁ يقول: إذا كان يوم القيامة يقول المؤمنون: عملنا لك بما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق أَبي سعيد هذا، عن محمد بن كعب القرظى أنه قال في الآية: إن الملائكة لتسأل ذلك في قولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ … ﴾. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ ، لتشريفه والإشارة إلى أَنه هو الفائز بهذا الوعد لأمته، والآية تدل على وجوب تحقق وعده الكريم بمقتضى

стр. 3256

وعده، لقوله سبحانه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ ووعد الله لا يتخلف، وليس لأحد عنده تعالى حق ذاتى على عمله، فالله تعالى هو الذي خلقه وأقدره على العمل، وإِنما ذلك بمحض فضل الله ووعده الكريم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ المفردات: ﴿ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: بعدوا عن الطريق الموصل إلى الله تعالى. ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾: ما كان يصح لنا. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: آلهة يلون أَمرنا. ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾: غفلوا عن ذكرك لغفلتهم عن آياتك. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾: قومًا هالكين، وبورا مصدر وصف به القوم، ويستوى فيه الواحد والجمع، وقيل: هو جمع بائر، كعائذ وعوذ، والعائذ: الحديثة النتاج من الظباء والإِبل والخيل. ﴿صَرْفًا﴾: دفعًا للعذاب، أَو: حيلة من قولهم: إِنه ليتصرف أي: يحتال.

стр. 3257

التفسير ١٧ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: هذه الآية وما بعدها. مسوقة لتذكير المشركين بمسئوليتهم يوم القيامة عن ضلالهم دون من عبدوهم، وأن معبوداتهم تتبرأُ من شركهم، والمراد مما يعبدون من دون الله: جميع معبوداتهم من الأصنام، والكواكب، والملائكة، وعزير، والمسيح، وغيرهم. واستعمال لفظ (ما) في العقلاء تغليبًا لجانب غيرهم لأنهم أكثر معبوداتهم، أَو لأنها قد تستعمل مع أهل العلم -، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أَي: ومن بناها وهو الله تعالى، وسؤاله تعالى للمعبودات ليس على حقيقته، فإنه أَعلم بما كان منهم، بل لتوبيخ عابديهم وإِفحامهم. والمعنى: واذكر أَيها الرسول للمشركين يوم يجمعهم الله ومن أَشركوهم في العبادة مع الله، فيقول سبحانه للمعبودين إفحامًا لعابديهم، وإلزامًا لهم بمسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم: أَأَنتم أَيها المعبودون أَضللتم عبادى هؤلاء عن الحق بدعوتهم إلى عبادتكم معى؟ أَم هم انحرفوا عن السبيل إلى مرضاتي بمحض إرادتهم؟ حيث كذبوا رسلى، وأهملوا النظر في آياتى. وتوجيه السؤال إِلى الجمادات لا مانع منه عقلًا ولا شرعًا، فالله قادر على أَن يخلق فيها إدراكًا تعرف به السؤال، ويجعل لها صوتًا تجيب به على هذا السؤال، قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي: رجِّعى التسبيح مع داود والطير، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. ١٨ - ﴿قَالُوا (١) سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢):

стр. 3258

أي: يقول هؤلاء المعبودون يوم يحشرهم وعابديهم جوابًا لسؤال المولى لهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقولون: متعجبين مستنكرين: تنزيها لك يا الله عن الشريك والنظير؛ ما كان يصح لنا ولا يستقيم أَن نتخذ أَولياءَ نعبدهم متجاوزين إِياك. فكيف يصح منا أن نحمل غيرنا على أن يَتخذ وليًا غيرك، فضلًا عن أن يتخذنا له أولياء. ويصح أَن يكون المعنى: ما كان يصح لنا أَن نتخذ من دونك اتباعًا، فإن الولى كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع، ومنه أولياء الشيطان، أي: أَتباعه. وبعد أَن برأوا أَنفسهم من تبعة إضلال عابديهم عن الهدى، استدركوا مبينين. مسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم قائلين: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: أي: ما أَضللناهم، ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها، فاستغرقوا في الشهوات وانغمسوا فيها، حتى غفلوا عن ذكرك، وشكرك، والإيمان بتفردك بالربوبية، وعبدوا غيرك، وكانوا في علم الله قومًا هالكين، بسبب سوء اختيارهم، وانشغالهم عن الحق بالباطل. ١٩ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾: في هذه الآية صرف الله الخطاب عن المعبودات، ووجهه للعابدين، فالآية حكاية لاحتجاج الله عليهم يوم القيامة، مبالغة في تقريعهم وتوبيخهم. أي: فقال الله تعالى للعابدين: قد كذبكم المعبودون فيما تقولونه من زعمكم أُلوهيتهم، وأنهم حملوكم على عبادتهم، فما تملكون صرفًا للعذاب عن أَنفسكم، ولا عونًا يخلصكم منه إِذا نزل بكم، ومن يظلم نفسه منكم أَيها المكلفون بعبادة غير الله، أَو بأي لون من أَلوان الكفر: نذقه في الآخرة بالنار والزمهرير عذابًا كبيرًا لا يقادر قدره.

стр. 3259

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ المفردات: ﴿فِتْنَةً﴾: امتحانا وابتلاءً. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾: علة لجعلنا - أي: جعلنا بعضكم فتنةً لبعض لنعلم أيكم يصبر، ونظيره ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، ويجوز أَن يكون حثًّا على الصبر على الفتن. التفسير ٢٠ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (١): هذا جواب آخر عن قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقد سبق الجواب عنه بقوله سبحانه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وبقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾. ومن فوائد هذا الجواب تسلية النبي ﷺ روى عن ابن عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ … ﴾ الآية، حزن النبي ﷺ لذلك، فنزلت هذه الآية تسلية له. والمعنى: وما أَرسلنا قبلك يا محمد أحدا من المرسلين، إلا وحالهم أنهم مثلك يأكلون الطعام ليغذوا به أَجسامهم، ويمشون في الأَسواق للتجارة وكسب الرزق، وليس ذلك منافيًا

стр. 3260

لرسالتهم، بل هو من الصفات الفاضلة، والأَخلاق العالية، والآيات الواضحة على أَنهم صادقون فى رسالتهم عن الله، لا يبغون بها جاهًا، ولا يطلبون عليها أَجرا، ولا يكونون بها عالة على أتباعهم. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١) وقوله سبحانه: " ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٢). ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾: الخطاب هنا لجميع الخلائق وفيهم الأَنبياء، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة وابتلاءَ أَيها الناس فابتلينا الفقراءَ بالأَغنياءِ لننظر أَيصبرون أَم يضجرون والأَغنياءَ بالفقراءِ لنرى أيحسنون أَم يبخلون؟ وابتلينا الأَنبياءَ بأُممهم ليصبروا على مشاق تبليغهم ومعاداة المُصِرِّين على كفرهم، وهكذا جميع الطوائف المتقابلة، نبتلي بعضهم ببعض؛ لننظر ماذا يعملون؟ فنجزيهم على عَمَلهم لا على عِلمنا بهم، ولو شئنا أَن نجعل الناس أُمة واحدة لفعلنا. ولكن الحكمة جرت فى ابتلائهم بتخالفهم وتنوعهم. أَخرج الإِمام مسلم بسنده عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله: إِنما بعثتك لأَبتليك وأبتلى بك" (٣) وفي مسند أحمد عن رسول الله ﷺ قال: "لو شئت لأَجرى الله معى جبال الذهب والفضة" وفى الصحيح أَنه ﷺ خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أَو عبدا رسولًا، فاختار أَن يكون عبدا رسولا" (٤). ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: أَى عالما بالصواب فيما يبتلي به عباده، فلا تضيقنَّ بما يقولون، ولا يستخفنك، ما يفعلون، وسوف يجازيهم بما يظهرون وما يضمرون. هذه الآية أَصل في تناول الأَسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك من الأَسباب، وكان أَصحاب رسول الله ﷺ يتجرون ويحترفون، والإِسلام لا يقر الناس على البطالة واعتماد بعضهم عَلى بعض في العطاءِ.
следующие страницы →