وعده، لقوله سبحانه: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ ووعد الله لا يتخلف، وليس لأحد عنده تعالى حق ذاتى على عمله، فالله تعالى هو الذي خلقه وأقدره على العمل، وإِنما ذلك بمحض فضل الله ووعده الكريم.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾
المفردات:
﴿ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: بعدوا عن الطريق الموصل إلى الله تعالى.
﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾: ما كان يصح لنا. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: آلهة يلون أَمرنا.
﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾: غفلوا عن ذكرك لغفلتهم عن آياتك.
﴿قَوْمًا بُورًا﴾: قومًا هالكين، وبورا مصدر وصف به القوم، ويستوى فيه
الواحد والجمع، وقيل: هو جمع بائر، كعائذ وعوذ، والعائذ: الحديثة النتاج من الظباء والإِبل والخيل.
﴿صَرْفًا﴾: دفعًا للعذاب، أَو: حيلة من قولهم: إِنه ليتصرف أي: يحتال.
стр. 3257
التفسير
١٧ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾:
هذه الآية وما بعدها. مسوقة لتذكير المشركين بمسئوليتهم يوم القيامة عن ضلالهم دون من عبدوهم، وأن معبوداتهم تتبرأُ من شركهم، والمراد مما يعبدون من دون الله: جميع معبوداتهم من الأصنام، والكواكب، والملائكة، وعزير، والمسيح، وغيرهم.
واستعمال لفظ (ما) في العقلاء تغليبًا لجانب غيرهم لأنهم أكثر معبوداتهم، أَو لأنها قد تستعمل مع أهل العلم -، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أَي: ومن بناها وهو الله تعالى، وسؤاله تعالى للمعبودات ليس على حقيقته، فإنه أَعلم بما كان منهم، بل لتوبيخ عابديهم وإِفحامهم.
والمعنى: واذكر أَيها الرسول للمشركين يوم يجمعهم الله ومن أَشركوهم في العبادة مع الله، فيقول سبحانه للمعبودين إفحامًا لعابديهم، وإلزامًا لهم بمسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم: أَأَنتم أَيها المعبودون أَضللتم عبادى هؤلاء عن الحق بدعوتهم إلى عبادتكم معى؟ أَم هم انحرفوا عن السبيل إلى مرضاتي بمحض إرادتهم؟ حيث كذبوا رسلى، وأهملوا النظر في آياتى.
وتوجيه السؤال إِلى الجمادات لا مانع منه عقلًا ولا شرعًا، فالله قادر على أَن يخلق فيها إدراكًا تعرف به السؤال، ويجعل لها صوتًا تجيب به على هذا السؤال، قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي: رجِّعى التسبيح مع داود والطير، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
١٨ - ﴿قَالُوا (١) سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٢):
стр. 3258
أي: يقول هؤلاء المعبودون يوم يحشرهم وعابديهم جوابًا لسؤال المولى لهم: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقولون: متعجبين مستنكرين: تنزيها لك يا الله عن الشريك والنظير؛ ما كان يصح لنا ولا يستقيم أَن نتخذ أَولياءَ نعبدهم متجاوزين إِياك.
فكيف يصح منا أن نحمل غيرنا على أن يَتخذ وليًا غيرك، فضلًا عن أن يتخذنا له أولياء.
ويصح أَن يكون المعنى: ما كان يصح لنا أَن نتخذ من دونك اتباعًا، فإن الولى كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع، ومنه أولياء الشيطان، أي: أَتباعه.
وبعد أَن برأوا أَنفسهم من تبعة إضلال عابديهم عن الهدى، استدركوا مبينين. مسئوليتهم وحدهم عن ضلال أنفسهم قائلين:
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾:
أي: ما أَضللناهم، ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم ليعرفوا حقها ويشكروها، فاستغرقوا في الشهوات وانغمسوا فيها، حتى غفلوا عن ذكرك، وشكرك، والإيمان بتفردك بالربوبية، وعبدوا غيرك، وكانوا في علم الله قومًا هالكين، بسبب سوء اختيارهم، وانشغالهم عن الحق بالباطل.
١٩ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾:
في هذه الآية صرف الله الخطاب عن المعبودات، ووجهه للعابدين، فالآية حكاية لاحتجاج الله عليهم يوم القيامة، مبالغة في تقريعهم وتوبيخهم.
أي: فقال الله تعالى للعابدين: قد كذبكم المعبودون فيما تقولونه من زعمكم أُلوهيتهم، وأنهم حملوكم على عبادتهم، فما تملكون صرفًا للعذاب عن أَنفسكم، ولا عونًا يخلصكم منه إِذا نزل بكم، ومن يظلم نفسه منكم أَيها المكلفون بعبادة غير الله، أَو بأي لون من أَلوان الكفر: نذقه في الآخرة بالنار والزمهرير عذابًا كبيرًا لا يقادر قدره.
стр. 3259
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾
المفردات:
﴿فِتْنَةً﴾: امتحانا وابتلاءً. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾: علة لجعلنا - أي: جعلنا بعضكم فتنةً لبعض لنعلم أيكم يصبر، ونظيره ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، ويجوز أَن يكون حثًّا على الصبر على الفتن.
التفسير
٢٠ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (١):
هذا جواب آخر عن قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقد سبق الجواب عنه بقوله سبحانه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وبقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.
ومن فوائد هذا الجواب تسلية النبي ﷺ روى عن ابن عباس أنه قال: لما عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ … ﴾ الآية، حزن النبي ﷺ لذلك، فنزلت هذه الآية تسلية له.
والمعنى: وما أَرسلنا قبلك يا محمد أحدا من المرسلين، إلا وحالهم أنهم مثلك يأكلون الطعام ليغذوا به أَجسامهم، ويمشون في الأَسواق للتجارة وكسب الرزق، وليس ذلك منافيًا
стр. 3260
لرسالتهم، بل هو من الصفات الفاضلة، والأَخلاق العالية، والآيات الواضحة على أَنهم صادقون فى رسالتهم عن الله، لا يبغون بها جاهًا، ولا يطلبون عليها أَجرا، ولا يكونون بها عالة على أتباعهم.
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١) وقوله سبحانه: " ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٢).
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾:
الخطاب هنا لجميع الخلائق وفيهم الأَنبياء، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة وابتلاءَ أَيها الناس فابتلينا الفقراءَ بالأَغنياءِ لننظر أَيصبرون أَم يضجرون والأَغنياءَ بالفقراءِ لنرى أيحسنون أَم يبخلون؟ وابتلينا الأَنبياءَ بأُممهم ليصبروا على مشاق تبليغهم ومعاداة المُصِرِّين على كفرهم، وهكذا جميع الطوائف المتقابلة، نبتلي بعضهم ببعض؛ لننظر ماذا يعملون؟ فنجزيهم على عَمَلهم لا على عِلمنا بهم، ولو شئنا أَن نجعل الناس أُمة واحدة لفعلنا. ولكن الحكمة جرت فى ابتلائهم بتخالفهم وتنوعهم.
أَخرج الإِمام مسلم بسنده عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله: إِنما بعثتك لأَبتليك وأبتلى بك" (٣) وفي مسند أحمد عن رسول الله ﷺ قال: "لو شئت لأَجرى الله معى جبال الذهب والفضة" وفى الصحيح أَنه ﷺ خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أَو عبدا رسولًا، فاختار أَن يكون عبدا رسولا" (٤).
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: أَى عالما بالصواب فيما يبتلي به عباده، فلا تضيقنَّ بما يقولون، ولا يستخفنك، ما يفعلون، وسوف يجازيهم بما يظهرون وما يضمرون.
هذه الآية أَصل في تناول الأَسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك من الأَسباب، وكان أَصحاب رسول الله ﷺ يتجرون ويحترفون، والإِسلام لا يقر الناس على البطالة واعتماد بعضهم عَلى بعض في العطاءِ.
стр. 3261
وأما أَصحاب الصُّفَّة الذين كانوا يقيمون في مسجد رسول الله ﷺ ولا يسعون في الأرض مسترزقين، فقد كانوا ضيفًا على الإسلام عند ضيق الحال، فكان ﷺ ، إذا أَتته صدقة خصهم بها، وإِذا أتته هدية أَكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماءَ إِلى بيوت الرسول ﷺ كما وصفهم البخاري وغيره - ثم لما افتتح الله على المسلمين البلاد، أَخذوا بالأسباب، فأصبحوا أمراء، وهناك ناس يميلون إِلى البطالة وترك الأسباب، استنادًا إِلى قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ وهذا من سوء التأْويل احتجاجًا لبطالتهم، فالمراد بالرزق هنا المطر (١) وقد تفضل الله سبحانه بضمانه للناس، لأنهم لا قدرة لهم عليه، وقد أجمع أهل التأويل على أن المراد منه ما ذكر بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُنَزِّلُ لَكُم من السَّماَء رِزْقًا﴾، ولم يشاهد أَحد أَن الله تعالى ينزل على الناس من السماءِ أَطباق الخبز، ولا جفان اللحم، بل الأسباب أَصل في كل ذلك، وقد أَمر الله بالأَخذ بها في قوله جل وعلا: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وقال ﷺ : "اطلبوا الرزق في خبايا الأرض" أَي: بالحرث والحفر والغرس، وقال أَيضًا: "لأن يأْخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أَن يسأَل أَحدا أعطاه أَو منعه".
أَما حديث "لو أنكم كنتم تَوَكَّلون على الله حق التوكل لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانا" فلا يصح الاستدلال به على البطالة مع التوكل على الله، فإِن غدوها ورواحها سبب لحصولها على رزقها، فالتوكل على الله لا ينافى الأخذ بالأسباب.
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون نحن المتوكلون، فإِذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ولم ينقل عن النبي ﷺ وأَصحابه - رضوان الله عليهم - أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد وكانوا المتوكلين على الله حقًا، والتوكل: اعتماد القلب على الرب مع الأخذ بالأسباب في تحصيل الأرزاق، فإن السماءَ لا تمطر ذهبًا ولا فضة.
وفي ختام الحديث عن هذه الآية نقول: سأل رجل الإمام أَحمد بن حنبل، فقال: إني أريد أن أَحج على قدم التوكل، فقال: اخرج وحدك، فقال: لا، إلا مع الناس، فقال له: أَنت إذن متكل على أَجربتهم، والله تعالى أعلم.
стр. 3262
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾
المفردات:
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: أي لا يتوقعون لقاء حسابنا ولا يبالون بالإِنذار به.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أَي أَضمروا الاستكبار في قلوبهم عنادا للحق وكفرا به.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: هي كلمة استعاذة، وكانت معروفة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل إذا لَقِيَ من يخافه قال: حجرا محجورا، أي: حَرَامًا مُحَرَّمًا ومحجورا، وصف لحجرًا للتأْكيد كقولهم: موتٌ مائت، وهُو من الحَجْر، بمعنى: المنع، وسيأْتي تفصيل ما قيل في ذلك.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾: أَي وعمدنا إلى ما عمله الكفار من أعمال البر.
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: أي تافها لا سبيل إلى الانتفاع به، فهو شبيه بالهباء الذي يُرى في الكوة مع ضوء الشمس مُفرَّقا هنا وهناك.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: أَي وأَحسن منزلًا، ومأْوى؛ للاسترواح، والاستقرار.
стр. 3263
التفسير
٢١ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا … ﴾ الآية.
هذه الآيات تحكى بعضا آخر من أَقاويل الكفار الكاذبة، وتبين ردها وبطلانها - تحكيها - عَقِب حكايته أَباطيلهم في أَمرِ التوحيد والنبوة والقرآن التي ذكرتها الآيات السابقة، وأَتبعتها ما ينقضها، ويظهر فسادها.
ولما كان ما حكى عنهم قد بلغ الغاية في الشناعة والقبح؛ نبّه سبحانه على أَن ما قالوه لا يصدر إلاَّ عمن لا يتوقعون الرجوع إليه سبحانه بالبعث والحشر، فالمراد من عدم رجائِهم لقاءَ ربهم: أَنهم لا يتوقعونه أصلًا لإنكارهم البعث والجزاءَ بالكلية، لا أَنهم لا يتوقعون حسن اللقاء، ولا يخافون سوء العذاب، فإنهم ينكرون البعث والجزاءَ إنكارًا تامًّا.
أي: وقال الذين ينكرون لقاءَنا يوم الجزاءِ: هلاَّ أنزل علينا من السماء الملائكة، فتخبرنا بصدق محمَّد ﷺ أو تبلغنا أمر الله ونهيه بدل محمَّد ﵊ أو نرى ربنا أَمامنا، ليخبرنا بما يريده منا، بغير وسيط بيننا وبينه أَو يخبرنا بصدق محمَّد في رسالته. وفيما نطقوا به إمعان بالغ في التكذيب، والعناد، يعرب عنه قوله سبحانه:
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾:
أَي: اعتقدوا في أَنفسهم أَنها كبيرة القدر، رفيعة الدرجة زَهْوًا وغرورًا، وقد دفعهم ذلك إلى أَن يسأَلوا الشطط؛ لأن الملائكة لا تُرى إلاَّ عند الموت، أَو عند نزول العذاب.
والله سبحانه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
وتعقيب حكايته باطلهم بالجملة القسمية؛ مشعر مع التأْكيد بأَن ما هم عليه من استكبار وعتوّ؛ غاية في القبح والغرابة، بحيث يحتاج إلى توكيده.
والمعنى: والله لقد بالغوا في كبرياء أَنفسهم، وفي الظلم والطغيان مبالغة تجاوزوا فيها الحد تجاوزا كبيرًا بلغ أَقصى غاياته، حتى اجترأوا على التفوّه بمثل هذه العبارة الشنعاء
стр. 3264
حيث طلبوا إنزال الملائكة لتشهد بصدق محمَّد ﷺ أَو لتبليغ أَمر الله ونهيه بدلًا منه، أَو أَن يروا الله عيانًا - ليخبرهم بما يريده منهم أَو ليشهد بنبوة محمَّد ﷺ قالوا كل ذلك وطلبوه؛ مستكبرين أَن ينقادوا لبشر مثلهم أيده الله بما يوجب إيمانهم بما جاءَهم به من الحق المبين، ولو أنزل الله إليهم الملائكة لما آمنوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (١)﴾.
٢٢ - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾:
استئناف مسوق لبيان ما يَلْقَونَه عند موتهم بسبب كفرهم: أي: اذكر حال هؤلاء المجرمين يوم يرون الملائكة عند الموت؛ لا بشرى لهُم بخير يومئذ منهم، بل تبشرهم بالنار وغضب الجبار فتقول للكافر عند خروج روحه: أَيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث اخرجى إلى سموم، وحميم، وظل من يحموم؛ كما يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوأَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).
وهذا بخلاف حال المؤمنين وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصرل المسرّات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣).
وقيل: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: يعنى يوم القيامة قاله مجاهد والضحاك وغيرهما وما تقدم أَولى، وهذا لا يمنع من أَنهم لا يبشرون بخير يوم المعاد، فإن الملائكة في هذين اليومين: يوم الممات ويوم المعاد، تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان،
стр. 3265
وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، وكان يمكن أَن يقال: لا بشرى يومئذ لهم، بالإِضمار، ولكن إظهارهم بعنوان المجرمين، لتعليل سلب البشرى عنهم بإِجرامهم.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أَي: وتقول الملائكة للمجرمين إقناطا لهم: جعل الله تبشيركم بالغفران، والرحمة، أو بالجنة، حراما محرما، وقال بعضهم: إن المجرمين يطلبون البشرى من الملائكة فيقولون لهم ذلك.
وقيل: إن الضمير للكفار، أَي: ويقول أُولئك الكافرون للملائكة: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وهي: كلمة تقولها العرب عند لقاء عدوٍّ موتور، أَو هجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة، والمقصود من الآية على هذا: بيان أَن الملائكة الذين يطلبونهم لتبليغهم لن ينزلوا إلا لتعذيبهم، حتى إِذا رأَوهم عند الموت كرهوا لقاءَهم أَشد كراهة وفزعوا منهم فزعا شديدا، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول أَمر فظيع، وحلول بأْس شديد: حجرا محجورا، ومنعا ممنوعًا، مما نراه من العذاب.
وقوله: ﴿مَحْجُورًا﴾ صفة لِحجْرًا واردة للتأْكيد.
٢٣ - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾:
أي: وعمدنا إلى ما عمله الكفار من خير كانوا يعملونه في الدنيا كصلة رحم وإغاثة ملهوف، وقِرَى ضيف، وعفو عن أَسير، وغير ذلك من محاسنهم.
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: حيث أَبطلنا ثوابها بسبب كفرهم، فلا ينتفع به في الآخرة وصار في عدم الجدوى منه شبيها بالهباء المنثور، وهو: ما يرى في شعاع الشمس يخرج من الكوة منثورا، بحيث لا يمكن الانتفاع به، وقيل: هو ما ذرته الرياح من يابس أَوراق الشجر، قاله قتادة وابن عباس، وقال ابن عرفة: الهبوة والهباءُ: التراب الدقيق.
وكل هذه المعانى للهباء المنثور تشير إلى أَن الله تعالى أَحْبَطَ أَعمالهم الطيبة إحباطًا تامًّا، وجعلها لا وزن لها ولا تقدير، كالهباءِ المنثور، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (١).
ولو صدرت عنهم فواضل الأَعمال وهم مؤمنون، لأُثيبوا عليها أَجزل الثواب.
стр. 3266
٢٤ - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾:
أَي: أَن أَهل الجنة وهم المؤمنون الصادقون؛ يكونون يوم الجزاء أَفضل من هؤلاء المكذبين مستقرًّا ومقيلًا، والمستقر: هو المكان الذي يستقرون فيه أَكثر الأَوقات للتجالس، والتحادث والمقيل: هو مكان الاسترواح، والتمتع ينعمون في هذين المكانين بما أُتيح لهم من خير ونعيم وسُمِّي المكان الثاني مقيلًا؛ لمَا أَن التمتع به يكون وقت القيولة غالبًا، وهو ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار، قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار وتفضيل أصحاب الجنة على أصحاب النار في المستقر والمقيل، إِما بالإِضافة إلى ما للكفرة المنعَّمين في الدنيا؛ على معنى: أَن نعيم المؤمنين في الآخرة خير من نعيم الكفرة في الدنيا، وإما بالإِضافة إلى حالهم في الآخر على سبيل التهكم والتقريع، ويجوز أَن يكون أَفعل التفضيل على غير بابه، فيكون المراد: أَن أَصحاب الجنة سعداءُ في كل حال، على عكس ما عليه أَهل النار من الكفار، فهم في أَسوأ حال.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾
المفردات:
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: البائع في قوله: ﴿بِالْغَمَامِ﴾ بمعنى عن، فهما يتعاقبان، كما تقول: رميت بالسهم، وعن السهم أَي: واذكر يوم تتفتح السماءُ عن الغمام، وهو سحاب أبيض رقيق مثل الضباب.
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: من السماء إلى الأَرض بصحائف الثقلين.
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: أَي أَن يوم القيامة صعب شديد على الكافرين.
стр. 3267
وفعله من بابى قَرُب وفَرح. تقول: عسُر الأَمر - بضم السين - عُسْرا وعَسَارة فهو عسير وعسِر - بكسر السين - عَسَرًا فهو عسِرٌ.
التفسير
٢٥ - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾:
يوجه الله النظر إلى هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأُمور العظيمة، أَي: واذكر أَيها النبي يوم تتشقق السماءُ المظلة للخلق؛ حيث تتفتح عن الغمام، وهو سحاب أَبيض رقيق مثل الضباب، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (١) والمراد بالسماء في الآية: ما يعم السموات كلها، قال مقاتل: إن المراد بالسماءِ ما يعم السموات كلها، وتنشق سماءً سماءً وروى ذلك عن ابن عباس.
فإذا انشقت السماءُ وانْتَقَض تركيبها، وطويت، ونُزِّلت الملائكة تنزيلًا عجيبًا، بصحائف الأَعمال - نزلت من خلال ذلك الغمام إلى حيث يجتمعون في صعيد واحد حول الإنس والجن، وجميع الخلائق، فيحيطون بهم في مقام الحشر، ثم يجيءُ الرب ﵎ لفصل القضاء.
٢٦ - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾:
أي: أن الملك الحقيقي الثابت دائما صورةً ومعنًى، ظاهرا وباطنا يكون للرحمن وحده، يومئذ تتشقق السماءُ بالغمام وتتنزل الملائكة؛ لأَنه سبحانه له السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلي التام في الآخرة، وأَما الملْك في الدنيا للمالكين من الناس فليس ملكا حقًّا، فإن الله هو الملك الحق في الدنيا والآخرة، ولكنه تعالى ملَّكهم ظاهرا؛ ملك تصرف وإدارة، يبقى ببقائِهم، ويزول بزوالهم.
ووصْفه تعالى بالرحمة للإيذان بأَن اتصافه تعالى بالرحمة الشاملة لعباده جميعا في دنياهم؛ لا ينبغي أن يُطيقهم فيها في أُخراهم، لعدم استحقاقهم لها بما اقترفوه من أَسوأ الأَعمال، ولذا عقبها بقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: أَي: وكان ذلك اليوم صعبا شديدا على الكافرين لطوله، ولِما ينالهم فيه من الأَهوال، ويلحقهم من الخزى والهوان، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (٢). وفي ذلك
стр. 3268
إشارة إلى أَنه يكون على المؤمنين سهلًا يسيرا، يقبلون عليه بنفوس مطمئنة، ووجوه مستبشرة، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١).
كما أَنه لتيسيره عليهم يخفف الله عنهم مشقة طوله، يدل على ذلك ما نقله الإِمام أَحمد عن أَبي سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ لما قيل له: ما أَطول هذا اليوم، فقال: "والذي نفسى بيده، لَيُخفف على المؤْمن حتى يكون أَخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا".
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.
المفردات:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾: عض اليدين والأنامل كناية عن شدة الغيظ؛ لأن عض اليدين يحدث غالبا عندها. (٢)
﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: أَي سببا وصلة تصلني به، أَو طريقا إلى الجنة.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾: كلمة جزع وتحسُّر، تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة والخطب الجسيمِ.
﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾: فلانا وفلانة بغير (ال) كناية عن الإِنسان، والفلان والفلانة بالأَلف واللام كناية عن الحيوانات كما قال الراغب. وخليلا: صديقًا، والجمع: أَخلاءُ.
стр. 3269
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١): أَي أَن الشيطان مبالغ في ترك نصرة الإِنسان وإعانته.
التفسير
٢٧ - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾:
قيل: إن (ال) في الظالم للعهد، ويراد به هنا: عقبة بن أَبي معيط، ويراد بفلان المذكور في الآية التالية: أُبى بن خَلف.
قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: كان عقبة بن أَبي معيط قد هم بالدخول في الإِسلام فمنعه منه أبيّ بن خلف وكانا صديقين، وقد قتلهما النبي ﷺ قتل عقبة يوم بدر صبرا، وطعن أَبيّ بن خَلف في المبارزة يوم أُحد فرجع إلى مكة ومات وقد ذكر ذلك القشيرى والثعلبى سببا في نزول الآيتين.
والظاهر: أَن ال الظالم للجنس، فيعم كل ظالم، ويدخل فيه عقبة بن أَبي معيط دخولا أَوليا، وأَن فلانا: كناية عن كل خليل ظالم من شياطين الإِنس والجن، وعموم اللفظ لا ينافيه خصوص السبب (٢).
والمعنى: أَن كل ظالم فارق الصراط المستقيم، وأَعرض عما جاءَ به الرسول من الحق البيِّن الذي لا مرية فيه فإنه يندم يوم القيامة حيث لا ينفعه الندم، ويعض على يديه، ويطبق أَسنانه على أَنامله حزنًا وألمًا شأْن المَغِيظ المُحْنَقِ.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: في الدنيا باتباع أَوامره، واجتناب نواهيه، وبذل كل جهد في نصرة الدين دفاعًا عنه، وحفاظًا على أَهله، حتى يكون ذلك العمل طريقًا إلى الجنة، وجملة ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي .. ﴾ إلخ في مَوضع الحال من الظالم، أو مستأْنفة بيانا لما قبلها.
стр. 3270
و (ال) في الرسول للجنس فيعم كل رسول، أَو المعهود: فيكون المراد به رسول هذه الأُمة محمدا - صلوات الله عليه وسلامه -.
٢٨ - ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾:
ينادى الظالم في موقفه اليائس الحزين: ويْلَتهُ - أي -: هلاكه، تعبيرا عن حزنه وحسرته، وهي كلمة تقال عند وقوع الداهية العظيمة، والخطب الجسيم، فكأَنه يقول: احضرى يا هلكتى فهذا أَوانك، ثم يقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾: ليُبْرز بهذا التمنى ندمه، مع نوع من التعلل والاعتذار بإلصاق جنايته على نفسه بغيره، الذي عَبّر عنه بفلان مريدًا به الشيطان، أَو كل من أَضله في الدنيا، أي: ليتنى لم أَتَّخذ في الدنيا كائنا من كان صديقًا أَتَّبعه وأَثق به، وأَسلك سبيله، سبيل الكفر والطغيان التي قادتنى إلى مهاوى الهلاك والخسران.
٢٩ - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾:
تعليل لتمنيه السابق، وتوضيح لتعلله، وتصديره بلام القسم، للمبالغة في بيان خطئه، وإظهار حسرته وندمه، لأَنه استمع إِليه في إضلاله عن الحق الذي جاءَه به رسوله.
أَي: والله لقد أَضلنى من اتخذته في الدنيا خليلا؛ عن القرآن والإيمان به، بعد إذ جاءني به الرسول ﷺ .
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾: أَي أَنه مبالغ خذلان الإِنسان، حيث يُواليه حتى يؤَدي به إلى الهلاك، بما يزيِّن له من سوءٍ وقبح، ثم يترك نصرته ومعاونته ودفع الضرر عنه وقت الحاجة إليه.، وقد كان هذا الإِنسان يظن فيه الظهير والنصير.
وجملة ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ مقررة لمضمون ما قبلها، إِما من جهته تعالى، وتمام الكلام على هذا عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ وإما من تمام كلام الظالم، على أنه
стр. 3271
سمى خليله شيطانا بعد وصفه بالإِضلال الذي هو أَخص أَوصاف الشيطانية، فيشمل كل مضل صد عن سبيل الله وكان مُطاعا في المعصية أَو أَراد به إبليس بخاصة، ووصفه بالخذلان يشعر بأَنه كان يَعِده في الدنيا، ويُمنِّيه بأَن ينصره في الآخرة، ويؤَازره، ثم تبرأَ منه، وتخلى عند نزول العذاب، وحلول البلاء، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١).
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾
المفردات:
﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: أَي متروكا فلم يؤْمنوا به، من الهَجْرِ - بفتح الهاءِ - أَو: مهجورا فيه، من الهُجر - بضم الهاء - وهو: الهذيان، وفحْش القول، كقولهم: إِنه أَساطير الأَولين اكتتبها، أَو: بالسخرية واللغو حين يقرأُ حتى لا يسمع، والفعل من باب قتل. ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: أَي عدوا واحدا أَو متعددا. فهو يقع على الواحد والجمع مذكرا ومؤَنثا.
стр. 3272
التفسير
٣٠ - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾:
هذا القول معطوف على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه، وبيان ما يحيق بهم في الآخرة من أَهوال شداد، ويجوز أَن يكون استئنافًا يحكى شكوى النبي لربه من قرمه، أَي: وقال الرسول ﷺ : يبث شكواه من قومه لربه إثر ما شاهده منهم من الترك، والإِهمال، حيث اتخذوا هذا القرآن متروكا، ومن جملته الآيات الناطقة بتحذيرهم، مما يصْلَونه على صنيعهم من فنون العقاب، والنكال في الآخرة.
أَو اتخذوه مهجورًا فيه؛ بمعنى: أَنهم قالوا عنه غير الحق، فوصفوه بأَنه سحر، أَو شعر أَو أَساطير الأَولين اكتتبها، أو مضوا في الهذيان واللغو فيه إذا قريء حتى لا يسمع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (١).
وقد تسبب هذا في أَنهم لم يؤمنوا به، ولم يرفعوا له رأْسا، ولم يتأَثروا بوعيده.
وفي الآية تلويح بأَن من واجب المؤمن أَن يكون كثير الرعاية للقرآن الكريم والاهتمام بتعهده، والذود عنه، كما أَن من التحذير والوعيد ما لا يخفى، فإِن الأَنبياءَ - عليهم الصلاة والسلام - إذا شكوا إلى ربهم ظلم قومهم عاقبهم على ظلمهم.
٣١ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾:
تسلية للنبي ﷺ بما وقع للأَنبياء والمرسلين قبله حتى يهون عليه ما يلقاه منهم من عداوة وإِجرام.
أَي: وكما جعلنا لك أَعداءً من المشركين يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون كأَبى جهل وأَحزابه، جعلنا لكل نبي من الأَنبياء أَصحاب الشرائع الداعين إِليها أَعداءً من مرتكبي الآثام، ومقترفي الجرائم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
стр. 3273
﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١) فاصبر أَيها النبي على أَباطيلهم، كما صبر الأَنبياء قبلك على ضلال المجرمين من أَقوامهم.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾: وعد كريم لرسوله ﷺ بهدايته إِلى بلوغ كافة مطالبه التي تُيسِّر له النصر على أَعدائه، أَي: وحسبك أَن تلقى تأْييد ربك الذي هو مالك أَمرك، وأَن تظفر بهدايته إِياك إلى ما يصلح شأْنك، ويحقق نصرك على أَعدائك، لتبلغ غاية الكمال، وتصل إلى أَسمى الغايات التي من جملتها تبليغ ما أُنزل إليك، وإِجراءُ أَحكامه في ربوع الدنيا، وبين جنباتها إلى أَن يبلغ الكتاب أَجله.
وقيل: المعنى وحسبك أَن يكون ربك هاديًا لمن آمن بك، واتبع الكتاب الذي أُنزل عليك، ونصيرًا لك على غير هؤلاءِ المؤمنين.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾
المفردات:
﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: أَي لنجعل له الثبات والاستقرار بسببه.
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: أي فرقناه آية بعد آية، يقال: رتله القارئ: تمهل في قراءَته ولم يَعْجل به.
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: أَي بيانًا، تقول: فَسَرْتُ الشيء - بفتح السين مُخَفَّفَةً - فَسْرًا من باب ضرب، بمعنى بينته وأَوضحته، كفَسَّرته - بشد السِّين -.
стр. 3274
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: أَي ذوو سُوءٍ وظلم وفساد أَكثر من غيرهم، وأَصله: أَشَرُّ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وفعله: من باب تَعِب، وفي لغة من باب قَرُب.
التفسير
٣٢ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ … ﴾ الآية.
يخبر الله بذلك عن تعنت الكافرين، وتمسكهم بما لا يعنيهم، سواءٌ أَكان ذلك المعترض كفار قريش، كما قال ابن عباس، أَم طائفة من اليهود قالوا حين نزل القرآن مفرقًا: هَلاَّ أُنْزِل عليه جملة واحدة؛ كما أُنْزلت التوراة على موسى، والإِنجيل على عيسى، والزبور على داود؟ فأَجاب الله تعالى أُولئك القائلين بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾؛ فهو استئناف لردّ مقالتهم الباطلة، وبيان الحكمة في تنزيله التدريجى، أَي: مثل ذلك التنزيل المفرّق الذي قدحوا فيه؛ واقترحوا خلافه؛ نزلناه عليك، لا تنزيلًا كما أَرادوه، ليقرى بذلك التنزيل المفرق فؤادك، فتعيه ويتيسر لك حفظ لفظه، وفهم معانيه، وضبط أَحكامه، والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه، مما يحتاج إِلى توضيح وبيان، كالتشريعات والمصالح، أَو إِلى دحض مطاعن الكافرين وإِبطالها بعد حكايتها وعرضها، في حين أَنك رجل أُمي، وتفريقه هو المناسب لحالك.
فكلما جَدَّ جديد نزل منه ما يناسبه، وبُيِّن فيه من الحُكم ما يوافقه، مطابقًا لمقتضى الحال.
لكل هذا، أَنزل الله القرآن منجما على النبي الأُمى ﷺ رعايةً له وعناية به، وإِشفاقًا عليه حتى لا يلحقه مشقة في حفظه وتدبره وتبليغه، وليستمر الإِيناس له برسول ربه جبريل ﵇ ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. أَي فرّقناه آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة، وقيل: بيّناه بيانًا تامًّا، فيه تَرَسُّل وتَثَبُّت. كما قال ابن عباس: يعني بيناه شيئًا بعد شيءٍ، وقيل: قرأناه عليك بلسان جبريل ﵇ شيئًا فشيئًا على تُؤَدة كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (١).
стр. 3275
٣٣ - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾:
المراد بالمثَل: أَقوالهم التي يلتمسون بها معارضة القرآن والقدح في نبوته ﷺ ومن جملة هذه الأَقوال ما حكى عنهم من اقتراحات خارجة عن حد المعقول، جارية لغرابتها مجرى الأَمثال كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ (١) … ﴾.
والمعنى: ولا يأتونك بكلام عجيب هو مثل في البطلان ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أَي بالجواب الثابت الذي لا محيد عنه في مقابلة ما يصدر عنهم، محوًا لأَباطيلهم، وقضاءً على أَكاذيبهم التي أَرادوا بها الطعن في رسالتك وحسْما لمادة القيل والقال التي دارت على أَلسنتهم، قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة لأَنهم لا يسأَلون عن شئٍ إِلا أُجيبوا عنه. اهـ
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: أَي جئناك بالحق، وبما هو أَحسن بيانا، وتفصيلا لما بعثناك به من الهدى، حتى لا يكون للباطل الذي جاءُوا به حقيقة ولا ظل، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. (٢)
٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾:
إِخبار من الله تعالى عن حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم إلى جهنم في أَسوإِ حال.
والمعنى: أَن هؤلاء المكذبين تسحبهم الملائكة وتجرهم على وجوههم إلى جهنم، وقيل: الحشر على الوجوه مجاز عن الذلة والمهانة والخزى، وعقب ذلك بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أُولئك الذين يزعمون أَنك كاذب فيما دعوتهم إِليه، واقترحوا في تحديك ما اقترحوا، أُولئك أَسوأ مكانا في الكذب وسوء الحال، وأَضل سبيلا، من كل ضال وهذا الأُسلوب على سبيل مجاراتهم فيما زعموا فإنه ﷺ منزه عن كل شر وضلال.
стр. 3276
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.
المفردات:
﴿هَارُونَ وَزِيرًا﴾: أَي معاونا ومساعدا له في حمل أَعباء الدعوة.
﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: أَي أهلكناهم إِهلاكا مدمرا.
﴿لِلنَّاسِ آيَةً﴾: علامة ظاهرة على قدرتنا يعتبر بها.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾: أَي أَعددنا وهيأْنا لهم.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾: الرسُّ؛ بئر غير مبنيّة كانت لبقية من ثمود.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: القرن؛ الجيل من الناس، قيل: ثمانون سنة، وقيل: غير ذلك.
стр. 3277
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾: هي سدوم أَعظم قرى قوم لوط.
﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾: فقد أُمطرت القرية بالحجارة من السماء فهلكت، والسَّوء - بالفتح - مصدر (ساءَه) وبالضم: اسم منه.
التفسير
٣٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾:
شروع في بيان قصص بعض الأَنبياء مع أُممهم، وانتقام الله ممن كذبهم، تهديدًا لِمَنْ كذب رسوله ﷺ من مشركي قريش وكل من خالفه وأَعرض عن دعوته؛ وتحذيرًا لهم مما أَحله بالأُمم السابقة التي كذبت رُسُلها، وتأْكيدًا لما مرَّ من التسلية له ﷺ والوعد بالهداية والنصر، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ .. وقد بدأَ سبحانه بحكاية ما جرى لموسى ﵇ فبَين أَنه ابْتَعَثَه مؤيدًا بالتوراة التي أَنزلها عليه، وجعل معه ﴿أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾: أي بعثه معه يؤيده ويشد أَزره، وهو تابع له، كما يتبع الوزير سلطانه.
وبدأَ الحديث معه باللام وقد؛ لإِفادة التأْكيد، أَي: ولقد أَنزلنا التوراة على موسى ﵇ وأَيدناه بأَخيه هارون.
٣٦ - ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾:
المراد بالقوم هنا: قوم فرعون، أَي: فقلنا لهما: اذهبا إلى قوم فرعون؛ الذين كذبوا بدلائل التوحيد المودعة في الأَنفس والآفاق، أَو كذبوا بالآيات التي جاءَهم بها يوسف ﵇، أَما حَمْلُ التكذيب على أَنه بالآيات التسع؛ التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (١) فإِنه لا يناسب المقام؛ لأَنها لم تظهر إلاَّ بعد
стр. 3278
ذهابهما إليهم، وفي الكلام طَيٌّ لكلام يقتضيه المقام، تقديرُه: فقلنا اذهبا إلى القوم فذهبا إليهم، ودعَوَاهم إلى الإِيمان فكذبوهما.
واستمروا على تكذيبهما به أَن أَيدهما الله بآياته ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: عجيبًا هائلًا إِثر ذلك التكذيب المستمر - دمرناهم - بعذاب ماحق، لا يدع ولا يذر شيئًا إلاَّ أَتى عليه وجعله أَثرًا بعد عَيْن.
٣٧ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً … ﴾ الآية.
أَي: أَن قوم نوح كذبوا جميع الرسل بتكذيبهم رسولهم إِذ لا فرق بين رسول ورسول؛ لاتفاقهم جميعًا على التوحيد وأُصول الشرائع، إذ لم يرسل إليهم إلاَّ نوح ﵇ وقدْ لبث فيهم أَلف سنة إلاَّ خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله، ويحذرهم عذابه، فما آمن معه إلاَّ قليل، وقد عاقبهم الله عقوبة لم يسبق لها مثيل، حكاها الله بقوله: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ أَي: أَغرقناهم بالطوفان؛ الذي تفجرت مياهه، وتلاحقت أَمواجه عالية شامخة كالجبال العظيمة، وجعلنا إِغراقهم أَو قصتهم علامة ناطقة ببالغ قدرتنا؛ لتكون عبرة لكل من شاهد آثارها، أو سمعها ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: المراد بالظالمين الذين أَعدّ الله لهم العذاب هم أُولئك القوم الموصوفون بالتكذيب من قومه، أَو جميع الظالمين من الكافرين الذين لم يعتبروا بما نزل بهؤلاء من العذاب فيدخل فيهم قريش دخولًا أَوليًّا أَي: وأَعددنا للظالمين وهيأْنا لهم في الآخرة عذابًا بلغ أَقصى غاية في هوله وتأْثيره.
٣٨ - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾:
أَي: ودمرنا عادًا قوم هود ﵇ وثمود قوم صالح ﵇ وأَصحاب الرَّس؛ وهم قوم شعيب ﵇ ويقال لهم أَيضًا: أَصحاب الأَيكة، وكانوا يعبدون الأَصنام، فكذبوا شعيبًا وآذوه، فبينما هم حول الرّس خُسِف بهم وبديارهم فهلكوا جميعًا، وكانت بإِنطاكية الشام كما نقله القرطبي.
وقال وهْب والكلبى وقتادة: أَصحابُ الرّس، وأَصحاب الأَيكة (١): قومان أُرسل إليهما
стр. 3279
شعيب ﵇ وكان أَصحاب الرِّس قومًا من عبدة الأَصنام، وأَصحاب آبار ومواش، فدعاهم إِلى التوحيد، فتمادوا في طغيانهم، وفي إِيذائه، فبينما هم حول الرِّس - كما روى عن أَبي عبيدة - انهارت بهم وبديارهم، فهلكوا، وقيل: هم قوم قتلوا نبيهم ورسُّوه في بئرهم أَي: دسّوه فيها، وقيل غير ذلك.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾: أَي ودمرنا كذلك أَهل قرون جاءُوا بين قوم نوح وعاد، وثمود، وأَصحاب الرِّس، وكان عددهم كثيرًا لا يعلم مقداره إِلاَّ العليم الخبير، أُرسل إِليهم رسُل فكذبوهم فأُهلكوا.
والقرون: جمع قرن ومقداره سبعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة، ويطلق مجازا على القوم المتعاصرين، وقال الزجاج: الذي عندي - والله أعلم - أن القرن أَهل كل مدة كان فيها نبيّ، أَو طبقة من أَهل العلم قلَّت السنون أَو كثُرت.
٢٩ - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾:
أَي وكلَّ قوم من المكذبين ذكَّرنا وحذرنا، حيث بيَّنَّا لهم القصص العجيبة الزاجرة لما هم عليه من الكفر والمعاصي، ووضحنا لهم الأَدلة الصحيحة الهادية، ولكنهم كذبوا وأَعرضوا فاستحقوا الدمار، والهلاك، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾: أَي وكل قوم منهم أَهلكناه هلاكًا ماحقًا؛ لتماديه فيما هو عليه من إِفك وطغيان.
٤٠ - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ الآية.
استئناف مسوق لبيان مشاهدة المشركين من أَهل مكة لآثار الأُمم المُهْلكه وعدم اتعاظهم بها وصُدِّر بالقسم لتأْكيده وتقرير مضمونه، والمراد بالقرية الجنس الشامل لجميع قرى قوم لوط، يعني أَن قريشًا مروا بها كثيرًا في أَسفارهم بمتاجرهم إلى الشام، وكانت هذه القرى قد أَمطرها الله بالحجارة من السماءِ، فأُهلكت كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١). وكانت قراهم خمسًا، وروى عن ابن عباس أَن واحدة منها نجت لكون أَهلها لا يعملون العمل الخبيث. والله أَعلم بصحة هذا الخبر.
стр. 3280
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾: توبيخ لهم على ترك التذكر، والتأَمل عند رؤية ما يوجبهما، ويدعو إليهما.
أَي: أَعموا عنها فلم يكونوا يرونها في مرورهم المتكرر عليها، ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، ودلائل النكال؛ الذي حلَّ بأَهلها فأَهلكهم، ودمرها تدميرًا؟ فالمنكر عدم الرؤية الداعية إِلى التفكر والعبرة، مع وقوع النظر الموجب لذلك (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا): إضراب انتقالى من التوبيخ على ما هو أَعظَم وأَقبح، وهو إِنكارهم البعث المستتبع للجزاء الأُخروى، إنكارًا مبالغًا فيه بحيث لا يتوقعونه أَصلًا، فمعنى "لا يرجون" على ذلك: لا يتوقعون.
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾
المفردات:
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾: أَي، ما يتخذونك إلاَّ موضع هزء وسخرية، يقال: هزأَ منه، وبه، كسمع - ومنع: هزءًا - بضم الهاء مع سكون الزاى أَو ضمها - سَخِر واستهزأَ.
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾: أَي إِنه قرب أَن يصرفنا عن عبادة آلهتنا.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا﴾: حبسنا أَنفسنا على عبادتها.
стр. 3281
﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: أَي صيَّر ميله المذموم كأَنه إِلهه الذي يتبعه، والهوى: ميل النفس إلى الشيء، ثم استعمل في الميل المذموم، وهو مصدر هَوى، كفرِح.
﴿وَكِيلًا﴾: أَي حفيطا، يقال: وكلْت الأَمر إليه وكْلًا؛ ووُكولًا: فوضته إِليه، وفعله من باب وعد يَعِد.
التفسير
٤١ - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾:
روى أَن الآية نزلت في أَبي جهل ومن معه من زعماءِ مشركى قريش: أَي أن هؤلاء إذا رأَوك ما يتخذونك إلاَّ مهزوءًا بك (١) أَو موضع سخرية واستهزاء، بمعنى: أَنهم يقصرون فعلهم معه ﵊ على ذلك، قائلين على سبيل التنقص، والازدراء: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾: أَي أَهذا الذي بعثه الله مرسلًا إلينا؟.
والتعبير باسم الإشارة بعد الاستفهام، يريدون به الاستخفاف بدعواه أَنه رسول بعثه الله إليهم؛ والتعجب منه، والآية في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ (٢).
٤٢ - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا … ﴾ الآية.
أَي: قال هؤلاء المشركون: إنه ﷺ قارب أَن يَثنيهم عن عبادة أَصنامهم ويبعدهم عنها، لا عن عبادتها فقط؛ لولا أَنهم تجلَّدوا، وحبسوا أَنفسهم على عبادتها، وهذا اعتراف منهم بأَنه ﵊ قد بلغ غاية الاجتهاد في الدعوة إلى التوحيد، وإقامة الحجج البينات التي تنير سبيل الهدى والرشاد، حتى شارفوا أَن يتركوا دينهم إِلى دين الإِسلام؛ لولا فرط إِصرارهم، وغاية عنادهم، ولهذا لجئوا إِلى سلاح الاستهزاء، حتى يحولوا دون تأَثر نفوسهم على رغم منهم بدعوته.
стр. 3282
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: جواب من جهته تعالى عن قولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ وردٌّ لما ينبئ عنه، ويشير إليه من نسْبته ﵊ إِلى الضلال في ضمن إِضلاله إِياهم.
أَي: وسوف يعلمون البتة؛ حين يرون العذاب يوم القيامه على كفرهم، وعنادهم، من هو الضال، ومن هو المهتدى، وأَنهم قد باعوا أُخراهم بدنياهم.
وفي الآية تنبيه؛ على أَنه تعالى إِن أَمهلهم فإنه لا يهملهم.
٤٣ - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾:
تعجيب لرسوله ﷺ من شناعة تمسك أُولئك المشركين بشركهم، وإِصرارهم عليه؛ بعد حكايته قبائحهم من الأَقوال والأَفعال، التي باءُوا بإِثمها، وبيان ما ينتظرهم من سوءِ المصير، وتنبيه على أَن ذلك من الغرابة؛ بحيث يجب أَن يرى ويتعجب منه (١).
أَي: أَرأَيت منْ جعل هواه إِلها لنفسه، بأَن أَطاعه فيما يأْتى ويذر، وبنى عليه أَمر دينه، مُعرضًا عن البرهان الساطع، والحجة القاطعة، فهو لا يرى معبودًا إلاَّ هواه؟ والمعنى: انظر إِليه وتعجب منه.
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: استبعاد لكونه ﷺ حفيظًا على من اتبع هواه، يحفظه من متابعة هواه، ويرده عن عبادة ما يهواه، أَي: ليست ضلالته وهداه موكولتين إلى مشيئتك لترده إلى الإِيمان: وتحفضه من الفساد، وإِنما الذي وُكل إِليك هو الإِنذار، والتبليغ وقد فعلت.
٤٤ - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ … ﴾ الآية.
انتقال من إِنكار الله عليهم أَنهم اتخذوا الهوى إلههم، إلى بيان أَنه لا سبيل إلى ظنه - صلى الله عليه رسلم - أَنهم يسمعون، أو يعقلون ما يقول.
стр. 3283
والمعنى: بل أَتظن - أَيها الرسول - أَن أَكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات؟ أَو يعقلون ما تشير إِليه تلك الآيات من الزجر عن القبائح، والدعوة إلى المحاسن، فتهتم بشأْنهم، وتطمع في إيمانهم؟
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾: جملة مستأنفة لتأْكيد انصرافهم عن الحق، وبعدهم عن الاستماع والتعقل فهم في عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وزواجرها، وانصرافهم إلى الأَكل والشرب - هم في ذلك - كالبهائم التي هي مثل في الغفلة والضلالة ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: أَي بل هم أَشد ضلالة من الأَنعام لما أَنها تطيع من يطعمها، وتعرف من يحسن إِليها ممن يقسو عليها وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدى لمأْكلها ومشربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءَة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أَعظم المنافع، ولا يتَّقون العقاب الذي هو شر المضار، ولا يهتدون للحق الذي هو المورد العذب، فهم لذلك كله معطِّون لقواهم العقلية، مضيعون للفطرة الأَصلية التي فطر الله الناس عليها، بالغون بما صنعوا درجةً جعلت الأَنعام خيرًا منهم حيث لا تقصير منها في طلب ما يصلحها، وإِنما ذكر الأَكثر لأَنَّ منهم من لم يصده عن الإِسلام إلاَّ حب الرياسة، ومنهم من أَسلم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾
المفردات:
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾: أَي كيف جعله ممتدًا مبسوطا.
﴿لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أَي لصيَّره ظلًّا ثابتًا دائمًا على حاله.
стр. 3284
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾: أَي أَزلنا ومحونا ما أَنشأْناه ممتدًا.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: سهلًا.
التفسير
٤٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾:
شروع في بيان الأَدلة الناطقة بوجود تعالى، وقدرته التامة على خلق الأَشياء المختلفة والمتضادة إِثر بيان جهالة المعرضين عنها وقبح ضلالتهم، والخطاب لكل متأَمل في عجائب الكون، والهمزة للتقرير، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإِضافة إلى ضميره ﷺ لتشريفه، وللإِيذان بأَن ما يعقبه من آثار ربوبيته تعالى ورحمته.
ويقول الزمخشرى في تفسير هذه الآية:
ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته؟ ومعنى ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: جعله يمتد وينبسط، فينتفع به الناس، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أَي لاصقًا بأَصل كل مُظِل من جبل وبناء وشجر غير منبسط، فلم ينتفع به أَحد، سمى انبساط الظل وامتداده تحركًا منه، وعدم ذلك سكونًا. اهـ.
والمقصود: تنبيه الناس إلى عظيم قدرته، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه من مَدِّ الظل وقبضه، وقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن ومجاهد وغيرهم: المراد بالظل: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قالوا: ويدل على ذلك كون هذا الوقت لا يوجد أطيب منه، فإِن فيه يجد المريض والمسافر وكل ذي حاجة راحته واستقرار، وأَن الظلمة الخالصة تنفر منها الطباع، وشعاع الشمس يجعل الجو ساخنًا، والبصر كليلًا، ولهذا كان ظلّ الجنة ممدودًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (١).
وجملة ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: اعتراضية للدلالة من أَول الأَمر على أَنه لا مدخل للأَسباب العادية فيه، أَي: ولو شاءَ - سبحانه - لجعله ظلًّا دائمًا لا يزول، بألاّ يدع للشمس
стр. 3285
سبيلًا إليه ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ (١): أَي جعلناها علامة يستدل بها وبأَحوالها في مسيرها على أَحوال الظل من كونه يحدث في مكان، ويزول من آخر، ويتسع ويتقلص كذلك، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءَهم عنه على حسب ذلك.
وقبضُه إِياه: أَنه ينسخه بضِحِّ الشمس (٢) انظر الزمخشرى.
وقال قتادة والسُّدى: المعنى؛ جعلنا الشمس دليلًا عليه، تتلوه وتتبعه حتى تأْتى عليه كله.
٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾:
أَي: ثم أَخذنا ذلك الظل الممدود إلى حيث أَردنا، ومحوناه بمحض قدرتنا عند إِيقاع شعاع الشمس على موقعه، لا يشاركنا أَحد في إِزالته، كما لم يشاركنا أَحد في إِنشائه، فهو منَّا وإِلينا، وكان قبضه إِلينا يسيرًا علينا غير عسير؛ حيث قبضناه جزءًا جزءًا وفق موضع الأَرض من الشمس التي تأْتى عليه، وقال الضحاك: قبضًا سريعًا.
ويحتمل أَن يكون قبضه عند قيام الساعة بقرينة إِلينا، وذلك بقبض أسبابه وهي الأَجرام التي تُلقِى الظل، كما أن إِنشاءَه كان بإِنشاء أَسبابه، والتعبير بالماضى لتحققه، والإِتيان بثم في هذه الآية والتى سبقتها للتراخى الزمنى بين المعطوف والمعطوف عليه.
стр. 3286
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾
المفردات:
﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: اللباس؛ ما يلبس، وفعله: من باب فرح.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾: السُّبات؛ الثقيل لتكمل به الراحة، من السبت: بمعنى القطع، وقد يطلق السُّبات على الموت، وفعله: من باب نَصَر ينصُر.
﴿النَّهَارَ نُشُورًا﴾: أَي حياة تزاولون فيها أَعمالكم، يقال: نَشَرت الأَرْضُ نشورًا بمعنى حَيَّتْ وأَنبتت، وفعله كقَعَد، وضرب.
﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أَي مبشرات، جمع بَشُور كرسول، وأَصله: بُشُر - بضم الشين - ثم خفف بالإِسكان.
﴿مَاءً طَهُورًا﴾: صالحًا للتطهر به، كطاهر مع المبالغة في طهارته، ويقول الفقهاء: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو الماءُ المطلق والذي لم يختلط بِنَحْو خَلٍّ وعِطْر، فإن خالطه مثل ذلك فليس بطهور وإنما هو طاهر. ولو كان معناهما واحدًا لقيل: ثوب طهور وخشب طهور وهو ممتنع.
﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾: جمع أُنسى، ككُرسِى، أَو جمع إِنسان، فقلبت النون في الجمع ياءً وأُدغمت الياءُ في الياء.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: أَي صرفنا المطر بين الناس في البلدان والأَوقات المختلفة ليعلموا آيات قدرتنا، أو بينا آيات القرآن ببيان ما فيه من عقائد وحلال وحرام.
стр. 3287
التفسير
٤٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾:
بيان لبعض ما أَسبغه الله على خلقه من آثار قدرته العظيمة، ورحمته الواسعة التي أَفاضها عليهم.
أَي: جعل الله لكم - أَيها المخاطبون - الليل ساترًا يستركم بظلامه، كما يستركم اللباس الذي تلبسونه، وجعل لكم النوم العميق الذي يقع في الليل غالبًا - جعله - قطْعا لأعمالكم التي تُثْقلكم وتُضْنيكم لتستريح من متاعبها أَبدانُكم وأَرواحكم، ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ أَي: تنتشرون فيه لمعايشكم ومكاسبكم ولأَداءِ سائر أَعمال الحياة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) فهو زمان بعث باليقظة من ذلك السُّبات كبعث الموتى بالنشور، وجُوّز أَن يراد بالسُّبات الموت؛ لما فيه من قطع الإِحساس بالحياة، وعُبِّر به عن النوم لما بينهما من المشابهة في انقطاع أحكام الحياة كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ كما عبر عن اليقظة بالنشور والبعث.
٤٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾:
وهذا أيضًا من آثار قدرته التامة وسلطانه العظيم، أَي: أَنه سبحانه يرسل الرياح مبشرات بمجئ السحاب المؤذن بإِنزال المطر، لأَنه ريح فسحاب فمطر، وَوَرد المطر بعنوان الرحمة لحاجة كل مخلوق إلى مائه، لأَن فيه رزقًا للعباد، وبه تحيا الكائنات الحية، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
والالتفات إلى نون العظمة في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، لإِبراز كمال العناية بإنزال الماء بمعني: أَنزلنا بعظمتنا ورحمتنا ماءً طاهرًا في نفسه مطهرًا لغيره، فالمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأَرض طاهرة مطهرة، ووصفه بطهور إعظامٌ للمنَّة وأَنه أَهنأُ وأَنفع مما خالطه ما يزيل هذا الوصف، كالخل والسُّكر والمِسْك.
стр. 3288
٤٩ - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾:
أَي لنحيى بالمطر بلدة أَماتها الجدْب والمَحْلُ حتى أَصبحت أَرضها هامدة لا نبات فيها ولا زرع، وهو روحها يحييها الله به كما قال كعب: المطر روح الأَرض يحييها الله به. اهـ.
وإحياؤها بإنبات النبات فيها، كما بشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (١).
ووصف البلدة - وهي مؤنثة، بـ (ميتًا) وهو مذكر - على إرادة البلد أَو المكان ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا (٢) أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾: أَي نسقى ذلك الماء الطهور الذي يجرى في الأَنهار وفي العيون والآبار، نسقيه أَنعامًا وأَناسيَّ كثيرًا ممن خلقنا.
وقُدّم إِحياء الأَرض على سقى الأَنعام والأَناسى لأَن حياتها سبب لحياتهم، وتخصيص الأَنعام من بين الحيوان الشارب لأَن عامة منافع الأُناس ومعايشهم منوطة بها.
وقال: ﴿كَثِيرًا﴾: ولم يقل كثيرين؛ لأَن ما كان على وزن (فعيل) قد يراد به الكثرة نحو قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣).
٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾:
أَي ولقد بينا وكررنا هذا القول للناس في هذا القرآن، وفي سائر الكتب المنزلة، وهو إرسال الرياح وإنشاء السحاب، وإنزال المطر، وهو مفهوم من السياق، وذلك ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا كمال قدرته تعالى، وواسع رحمته، فيشكروه ، ويعلموا أَنَّ مَنْ أَنْعم بهذه المنن والآلاء لا يجوز الإِشراك به.
وقيل: الضمير للمطر، وهذا القول مروى عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، بمعنى: ولقد صرفنا الماءَ المنزل من السماءِ بين الناس المتقدمين والمتأَخرين في البلدان المختلفة والأَوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطَلٍّ ورذاذ وغيرها
стр. 3289
ينزلُه بأَرض، ويمسكه عن أُخرى حسبما يريد ويشاء، وتلك من دلائل القدرة الباهرة التي تدعو إلى الإيمان بالله، ومجافاة الكفر به، ولكنهم لم يفقهوا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: أَي: أَبي أَكثرهم ممن سلف وخلف إلَّا كفر النعمة وجحدها وعدم الاكتراث بها، بأَن يقولوا: مطرنا بِنَوْءِ كذا؛ معرضين عن ذكر صنع الله، ورحمته، اعتقادًا منهم أَن النجوم لها الفاعلية والتأْثير، وهذا - والعياذ بالله - كفر، كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أَنه قال لأَصحابه يومًا على إِثْرِ سماء أَصابتهم من الليل: "أَتدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أَعلم، قال: "أَصبح من عبادى مؤمن وكافر، فأَما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأَما من قال: مطرنا بِنَوءِ كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب".
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ المفردات:
﴿نَذِيرًا﴾: أَي رسولًا ينذر أَهلها.
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾: في دعوتهم إياك إلى اتباع آلهتهم.
﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾: أَي دائمًا مستمرًا لا يخالطه فتور.
التفسير
٥١ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾:
أَي رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله لتخفَّ عليك أَعباءُ الرسالة، ولكنا لم نفعل، بل جعلناك نذيرا إِلى جميع أَهل الأَرض، وأَمرناك أَن تبلغهم هذا القرآن، كما
стр. 3290
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١) تكريما لك ورفعا لمنزلتك لتنال بجهدك المبذول أَو في الجزاء، وأَكرم المثوبة، فقابل هذه النعمة الجليلة بالشكر والصبر على جهاد المعاندين المتكبرين بكل ما أُوتيت من قوة، مع المبالغة في إِنكار ما يدعونك إليه كما قال تعالى:
٥٢ - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾:
أَي فلا تطعهم فيما يدعونك إِليه من اتباع آلهتهم وهو دَفْعٌ له ﷺ وللمؤمنين على التشدد معهم والمبالغة في الإِنكار عليهم ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾: أَي وجاهدهم بعون الله وتوفيقه، أَو بالقرآن، كما قال ابن عباس، وذلك بتلاوة ما فيه من الحجج والبراهين، والقوارع والزواجر، والمواعظ اللافتة إلى عاقبة الأُمم التي كذبت رُسُلَها لإِظهار عجزهم، وتبصيرهم بسوءِ مصيرهم، وكأَنه نُهى بهذه الآية عن الملاينة، وقد كان المشركون يدعون الرسول إلى مهادنتهم وملاينتهم والكف عن تسفيه أَحلامهم وآلهتهم، فجاءت هذه الآية لقطع أَطماعهم، وحثه ﷺ على مجاهدتهم وملاحقتهم بالإِنذار والوعيد دون فتور، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢).
وكان جهاده ﷺ كبيرا؛ كما أمره الله فلم تلن له معهم قناة، مع ما بذلوه معه من الأَماني الفسيحة إِن أَطاعهم، ولا مع قسوتهم الشديدة عليه وعلى أَصحابه حينما رفض عروضهم السخية.
стр. 3291
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾
المفردات:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أَجراهما وخَلاَّهما، من؛ مرجت الدابة، إذا خلَّيتها ترعى.
﴿الْبَحْرَيْنِ﴾: الماءَين: العذب والمِلْح، من غير تخصيص ببحرين معينين.
﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: شديد الملوحة والحرافة، من أَجيج النار، كما قال الراغب.
﴿بَرْزَخًا﴾: حاجزا يمنع أَن يغلب أَحدهما على الآخر كما في قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: أَي تنافرا مفرطا، كأَن كل واحد منهما ينفر من الآخر، ويتعوذ
منه بتلك المقالة على عادة العربى الذي كان إِذا رأَى شيئًا يكرهه يقول: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ والمراد: لزوم كل منهما لصفته من العذوبة والملوحة.
﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: المراد بالماء؛ نطفة الرجل ونطفة المرأَة.
﴿وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: أَي فقسم الماء قسمين ذوى نسب - أَي: ذكورا - وذوات صهر أَي: إِناثا، فبالذكور يكون النسب، وبالإِناث تكون المصاهرة.
التفسير
٥٣، ٥٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾:
هاتَان الآيتان من جملة الآيات التي بدأَت بقوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى
стр. 3292
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ" والتي تتحدث عن بعض آيات الله الكونية التي تتعاظم فيها آلاؤه، وتتراءى آثار نعمه على خلقه، ودلائل قدرته في تسخير هذه المخلوقات لتذليل السبل في حياة الإِنسان، وتيسير حاجاته مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله جل شأْنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢). ومعنى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أَجرى الماءَين العذب والملح، مع استقلال كل واحد منهما بخصائصه وأَوصافه، هذا عذب فرات مستساغ الطعم وقامع للعطش، ومنبت للزرع، وهذا ملح أُجاج شديد الملوحة كريه الطعم تجرى فيه السفن ويأْكل منه الناس لحما طريا ويستخرجون حلية يلبسونها وجعل بين الماءين ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أَي: وجعل الله تعالى بقدرته بين الملح والعذب حاجزا ومانعا لا سبيل إلى رفعه ودفعه، حتى لا يطغى أَحدهما على الآخر أَو يغلب عليه، فلا يعذب الملح بالعذب لقلة ما يتسرب منه إلى الماءِ الملح، ولا يملح الماء العذب بمجاورته للماء الملح في مصبه، لأَن الله تعالى بقدرته العظيمة، جعل البحار الملحة في أَغوار منخفضة عن سطح الأَرض وعن مجارى المياه العذبة، بحيث لا يمتد في مجارى الأَنهار إِلا جزء قليل مجاور لها في مستواها، وهو مصبها، فبانخفاض البحار وعلو مستوى الأَنهار، حفظ الله طبيعة كليهما، حتى ينتفع بالملح والعذب فيما خلقهما الله لأَجله.
ويجوز أَن يراد من الحجر المحجور: اليابس الذي جعله الله بين الماءَين، حال به بينهما، لينتفع بكليهما في موضعه من الأرض.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾:
أَي: ومن جملة قدرته - تعالى - أَن خلق من نطفة الرجل والمرأَة إنسانا بعد أَن طوره في مراحله المختلفة، وأَداره في أَدوار التكوين فجعله قسمين: ذكرًا يُنْتَسَبُ إِليه فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وأَنثى يُصَاهَرُ أَهلها بزواجها فيتحقق بذلك الترابط، وتتم الصلات الطاهرة بين بني الإِنسان حتى يصيروا شعوبا وقبائل.
стр. 3293
وشأْن من يقدر على هذه الآيات، ويبدع هذه المخلوقات المتعددة الأَنواع والصفات أَن يكون عظيم القدرة لا يعجزه إِبداع شيء من حيوان أَو نبات أَو جماد، فهو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾
المفردات:
﴿ظَهِيرًا﴾: مظاهرا ومعاونا للشيطان على عصيان الله، والكفر به، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، والمراد بالكافر؛ الجنس: أَي كل كافر.
التفسير
٥٥ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾:
لما عددت الآيات السابقة آلاءَ الله ونعمه، وأَبرزت آثارها على الإِنسان في تيسير حياته، جاءَت هذه الآية تنعى على الكفار بعامة، وعلى مشركى مكة بخاصة خفة أَحلامهم وسفه عقولهم في إِعراضهم عن توحيد الله، وإِنكار أُلوهيته عظيم آياته، وروائع آثاره، وتندد باتخاذهم آلهة من دون الله يصنعونها بأَيديهم، ويشترونها من أَسواقهم كما تشترى البهائم والسلع، ويشاهدون حدوثها واختلاف أَحوالها، ثم يعظمونها بعد ذلك، ويقدمون لها القرابين من نعم الله وما أَفاءَه عليهم، وهي من الضعف والهوان بحيث لا تستطيع أَن تجلب لهم نفعًا، ولا أَن تدفع عنهم ضرا، بل هي من المهانة بحيث لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها شرًّا، وكان الكافر بعبادته لهذه الآلهة الواهنة ظهيرا للشيطان ومعينا له على ربه، ولن يغلب الله غالبٌ.
стр. 3294
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾.
المفردات:
﴿مُبَشِّرًا﴾: تبشر الذين اتبعوك بالخير في الدنيا والآخرة.
﴿وَنَذِيرًا﴾: تنذر المكذبين المعارضين لدعوتك وتخوفهم بعذاب بالغ في الشدة.
﴿سَبِيلًا﴾: طريقًا يسلكه إِلى توحيد الله وإِفراده بالعبادة.
التفسير
٥٦ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾:
هذه الآية جاءَت بعد الآية السابقة عليها، ليتسلى بها رسول الله ﷺ فلا تذهب نفسه حسرات على عناد قومه وإشراكهم.
والمعنى: ما عدنا إليك بهذه الرسالة التي بعثناك بها إلى قومك ومَنْ وراءَهم لتحملهم عليها قسرا، وإِنما أَرسلناك مبشرًا بالسعادة والنعيم المقيم في الجنة لمن أَطاعوك، وصدقوك واتبعوا سبيلك، ونذيرًا بعذاب شديد متناهى الإِيلام لمن خالفوك وعارضوك، وكذَّبوا دعوتك، فلا يحزنك هؤلاء الذين يسارعون في الكفر بغير روية، ويستمرون عليه بعد ما قمت به من أَمر التبليغ على خير وجه، وأَوضح بيان.
٥٧ - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾:
أَي: قل أَيها الرسوك واعظًا لهؤلاء المشركين، ودافعًا عن نفسك مظنة الانتفاع: ما أَسأَلكم على ما أَدعوكم إِليه من توحيده وعبادته أَجرًا، ولا أَطلب منكم في سبيل القيام بتبليغه جزاءً، إلا اهتداءَ من شاءَ أَن يتخذ إلى ربه سبيلا، فهذا أَعظم أَجر يناله الداعية إلى الحق وإِلى طريق مستقيم.
стр. 3295
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾
المفردات:
﴿تَوَكَّلْ﴾: اعتمد بقلبك على ربك في الأُمور.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: نزه ربك عن صفات النقصان حامدا له على نعمائه، مثنيا على كمالاته.
﴿خَبِيرًا﴾: عالمًا بدقائق الأُمور وخوافيها فضلا عن ظواهرها.
﴿الْعَرْشِ﴾: عرش الله تعالى وهو لا يحدُّ، ويطلق لغة على سرير الملك، وعلى العز وقوام الأَمر.
﴿اسْتَوَى﴾: الاستواء؛ الاستيلاء.
التفسير
٥٨ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾:
أَمر الله رسوله ﷺ في الآية السابقة أَن يقول المشركين:
إِنه لا يطلب بدعوته إِياهم أَجرا ولا يطمع منهم في نفع، وعقبها هذه الآية ليدعوه بها أَن يجعل اعتماده على الله وحده لا يبالى بأَحد غيره ولا يأْبه بعناد المشركين، ولا يطمع منهم في عون.
والمعنى: اعتمد - يا رسول الله - على ربك بقلبك في اتقاء شرورهم: والاستغناء عن أُجورهم