← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ المفردات: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أَجراهما وخَلاَّهما، من؛ مرجت الدابة، إذا خلَّيتها ترعى. ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾: الماءَين: العذب والمِلْح، من غير تخصيص ببحرين معينين. ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: شديد الملوحة والحرافة، من أَجيج النار، كما قال الراغب. ﴿بَرْزَخًا﴾: حاجزا يمنع أَن يغلب أَحدهما على الآخر كما في قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: أَي تنافرا مفرطا، كأَن كل واحد منهما ينفر من الآخر، ويتعوذ منه بتلك المقالة على عادة العربى الذي كان إِذا رأَى شيئًا يكرهه يقول: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ والمراد: لزوم كل منهما لصفته من العذوبة والملوحة. ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: المراد بالماء؛ نطفة الرجل ونطفة المرأَة. ﴿وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: أَي فقسم الماء قسمين ذوى نسب - أَي: ذكورا - وذوات صهر أَي: إِناثا، فبالذكور يكون النسب، وبالإِناث تكون المصاهرة. التفسير ٥٣، ٥٤ - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: هاتَان الآيتان من جملة الآيات التي بدأَت بقوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى

стр. 3292

رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ" والتي تتحدث عن بعض آيات الله الكونية التي تتعاظم فيها آلاؤه، وتتراءى آثار نعمه على خلقه، ودلائل قدرته في تسخير هذه المخلوقات لتذليل السبل في حياة الإِنسان، وتيسير حاجاته مصداقا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله جل شأْنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢). ومعنى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: أَجرى الماءَين العذب والملح، مع استقلال كل واحد منهما بخصائصه وأَوصافه، هذا عذب فرات مستساغ الطعم وقامع للعطش، ومنبت للزرع، وهذا ملح أُجاج شديد الملوحة كريه الطعم تجرى فيه السفن ويأْكل منه الناس لحما طريا ويستخرجون حلية يلبسونها وجعل بين الماءين ﴿بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أَي: وجعل الله تعالى بقدرته بين الملح والعذب حاجزا ومانعا لا سبيل إلى رفعه ودفعه، حتى لا يطغى أَحدهما على الآخر أَو يغلب عليه، فلا يعذب الملح بالعذب لقلة ما يتسرب منه إلى الماءِ الملح، ولا يملح الماء العذب بمجاورته للماء الملح في مصبه، لأَن الله تعالى بقدرته العظيمة، جعل البحار الملحة في أَغوار منخفضة عن سطح الأَرض وعن مجارى المياه العذبة، بحيث لا يمتد في مجارى الأَنهار إِلا جزء قليل مجاور لها في مستواها، وهو مصبها، فبانخفاض البحار وعلو مستوى الأَنهار، حفظ الله طبيعة كليهما، حتى ينتفع بالملح والعذب فيما خلقهما الله لأَجله. ويجوز أَن يراد من الحجر المحجور: اليابس الذي جعله الله بين الماءَين، حال به بينهما، لينتفع بكليهما في موضعه من الأرض. ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: أَي: ومن جملة قدرته - تعالى - أَن خلق من نطفة الرجل والمرأَة إنسانا بعد أَن طوره في مراحله المختلفة، وأَداره في أَدوار التكوين فجعله قسمين: ذكرًا يُنْتَسَبُ إِليه فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وأَنثى يُصَاهَرُ أَهلها بزواجها فيتحقق بذلك الترابط، وتتم الصلات الطاهرة بين بني الإِنسان حتى يصيروا شعوبا وقبائل.

стр. 3293

وشأْن من يقدر على هذه الآيات، ويبدع هذه المخلوقات المتعددة الأَنواع والصفات أَن يكون عظيم القدرة لا يعجزه إِبداع شيء من حيوان أَو نبات أَو جماد، فهو الذي يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ المفردات: ﴿ظَهِيرًا﴾: مظاهرا ومعاونا للشيطان على عصيان الله، والكفر به، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، والمراد بالكافر؛ الجنس: أَي كل كافر. التفسير ٥٥ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾: لما عددت الآيات السابقة آلاءَ الله ونعمه، وأَبرزت آثارها على الإِنسان في تيسير حياته، جاءَت هذه الآية تنعى على الكفار بعامة، وعلى مشركى مكة بخاصة خفة أَحلامهم وسفه عقولهم في إِعراضهم عن توحيد الله، وإِنكار أُلوهيته عظيم آياته، وروائع آثاره، وتندد باتخاذهم آلهة من دون الله يصنعونها بأَيديهم، ويشترونها من أَسواقهم كما تشترى البهائم والسلع، ويشاهدون حدوثها واختلاف أَحوالها، ثم يعظمونها بعد ذلك، ويقدمون لها القرابين من نعم الله وما أَفاءَه عليهم، وهي من الضعف والهوان بحيث لا تستطيع أَن تجلب لهم نفعًا، ولا أَن تدفع عنهم ضرا، بل هي من المهانة بحيث لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها شرًّا، وكان الكافر بعبادته لهذه الآلهة الواهنة ظهيرا للشيطان ومعينا له على ربه، ولن يغلب الله غالبٌ.

стр. 3294

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾. المفردات: ﴿مُبَشِّرًا﴾: تبشر الذين اتبعوك بالخير في الدنيا والآخرة. ﴿وَنَذِيرًا﴾: تنذر المكذبين المعارضين لدعوتك وتخوفهم بعذاب بالغ في الشدة. ﴿سَبِيلًا﴾: طريقًا يسلكه إِلى توحيد الله وإِفراده بالعبادة. التفسير ٥٦ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: هذه الآية جاءَت بعد الآية السابقة عليها، ليتسلى بها رسول الله ﷺ فلا تذهب نفسه حسرات على عناد قومه وإشراكهم. والمعنى: ما عدنا إليك بهذه الرسالة التي بعثناك بها إلى قومك ومَنْ وراءَهم لتحملهم عليها قسرا، وإِنما أَرسلناك مبشرًا بالسعادة والنعيم المقيم في الجنة لمن أَطاعوك، وصدقوك واتبعوا سبيلك، ونذيرًا بعذاب شديد متناهى الإِيلام لمن خالفوك وعارضوك، وكذَّبوا دعوتك، فلا يحزنك هؤلاء الذين يسارعون في الكفر بغير روية، ويستمرون عليه بعد ما قمت به من أَمر التبليغ على خير وجه، وأَوضح بيان. ٥٧ - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أَي: قل أَيها الرسوك واعظًا لهؤلاء المشركين، ودافعًا عن نفسك مظنة الانتفاع: ما أَسأَلكم على ما أَدعوكم إِليه من توحيده وعبادته أَجرًا، ولا أَطلب منكم في سبيل القيام بتبليغه جزاءً، إلا اهتداءَ من شاءَ أَن يتخذ إلى ربه سبيلا، فهذا أَعظم أَجر يناله الداعية إلى الحق وإِلى طريق مستقيم.

стр. 3295

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ المفردات: ﴿تَوَكَّلْ﴾: اعتمد بقلبك على ربك في الأُمور. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: نزه ربك عن صفات النقصان حامدا له على نعمائه، مثنيا على كمالاته. ﴿خَبِيرًا﴾: عالمًا بدقائق الأُمور وخوافيها فضلا عن ظواهرها. ﴿الْعَرْشِ﴾: عرش الله تعالى وهو لا يحدُّ، ويطلق لغة على سرير الملك، وعلى العز وقوام الأَمر. ﴿اسْتَوَى﴾: الاستواء؛ الاستيلاء. التفسير ٥٨ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: أَمر الله رسوله ﷺ في الآية السابقة أَن يقول المشركين: إِنه لا يطلب بدعوته إِياهم أَجرا ولا يطمع منهم في نفع، وعقبها هذه الآية ليدعوه بها أَن يجعل اعتماده على الله وحده لا يبالى بأَحد غيره ولا يأْبه بعناد المشركين، ولا يطمع منهم في عون. والمعنى: اعتمد - يا رسول الله - على ربك بقلبك في اتقاء شرورهم: والاستغناء عن أُجورهم

стр. 3296

فإِنه - سبحانه - جدير بالتوكل عليه، والاستغناء به، فهو الحي الباقي الذي لا يدركه فناء، ولا ينقطع منه رجاء. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: أَي: نزهه عن صفات النقصان، مثنيًا عليه بصفات الكفال التي تليق بذاته طلبًا لرحمته، وطمعًا في استزادة نعمه بمزيد الاعتراف بها والشكر عليها، وكفى بالله، وبعلمه التام خبيرا بذنوب عباده مطَّلِعًا على ما خفى منها وما ظهر لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إِلا أَحصاها، ليجازى عليها جزاءً وفاقا. ٥٩ - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا … ﴾ الآية. تضمنت هذه الآية وصفه - تعالى - بصفته الفعلية، بعد وصفه بصفاته الذاتية، إبرازًا لكمال قدرته على استجابة من توكل عليه ولجأَ إليه، فإِن من يقدر على إِنشاء هذه الأَجرام العظام على هذا النمط الرائق، والنسق الفائق في تدبير متين، وترتيب رصين أَحق أَنْ يتوكل عليه، ويفوض الأَمر إليه. والمراد بالعرش في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: الملك والسلطان، وبالاستواء عليه: تدبيره لما خلقه دون شريك. والمعنى: ثم أَحكم سلطانه وتدبيره لما خلقه من السموات والأَرض وما بينهما، دون شريك ولا معين وبهذا أَول الخَلَفُ الآية الكريمة، لأَنه تعالى لا يحل بمكان ولأَنه موجود قبل أَن يخلق العرش، وعن الصادق والحسن وأَبي حنيفة ومالك ﵃: أَن الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإِيمان به واجب، والجحود له كفر، والسؤال عنه بدعة (١). والمراد بالأَيام في قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ غير الأَيام المعروفة لنا، فإِن الليل والنهار لم يكونا قبل خلق السموات والأَرض، فهي من أَيام الله، يعلم الله قدرها، ولا مجال للحديث عنها، فقد يكون اليوم أَكثر من خمسين ألف سنة مما يعدون.

стр. 3297

ومهما يكن فإن قدرة الله لا يعجزها خلق السموات والأَرض في أَي زمان كان طويلا أَو قصيرا، وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون، وإِنما جاءَ هذا التحديد لحكم جليلة، وغايات جميلة، ولتكون الرَّوية والأَناة منهج القادرين، وأُسلوب العاملين، وسبحان من لا تحيط العقول بحكمته، ولا تدرك أَسرار صنعته. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ جملة مستأْنفة، تقديرها: هو الرحمن، سيقَت مساق المدح لتقرير رحمته التي وسعت كل شيء بعد ما ثبت له من الصفات السابقة تأْكيدا لوجوب التوكل عليه. ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الأَمر موجه إِلى كل مكلف أَي: فاسأل بالرحمن خبيرا - والمراد بالسؤال به تعالى: السؤال عن تفصيل رحمته وشئونه في خلقه، والخبير: هو رسول الله ﷺ . والمعنى الإِجمالى للآية: الذي خلق السموات والأرض بأَجزائهما وما استقر فيهما، وخلق الكواكب التي زيَّن بها سماواته، وخلق ما بين السماء والأَرض من الهواء والأَشعة الكونية وما يعلمه الناس وما لا يعلمونه فاسأل عن الرحمن الذي أَبدع هذا الكون العظيم، وشمل من فيه برحمته - اسأل عنه أَيها المكلف رسوله محمدا ﷺ فهو وحده الخبير الذي يعلم شئون ربه في خلقه، وهو وحده الذي يجيبك بحق، وصدق، فإِنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ فما يقوله عنه فهو حق، وما يخالفه فهو مردود على قائله. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: المفردات: ﴿نُفُورًا﴾: تباعدا عن الإِيمان، وإِصرارا على الكفر.

стр. 3298

التفسير ٦٠ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: ذكرت الآية السابقة إِطلاق وصف الرحمن على الله تعالى، وجاءَت هذه الآية بعدها تنعى على المشركين جحودهم لهذا الاسم، وإصرارهم على الكفر به، ونفورهم من أَمرهم بالسجود له. والمعنى: وإذا قال لهم الرسول ﷺ : اسجدوا للرحمن تبليغا عن ربه قالوا على سبيل التعجب، أَو السخرية والتجاهل أَو الإِنكار: وما الرحمن؟ قالوا ذلك لما أَنهم كانوا لا يطلقون هذا الاسم على الله تعالى. ومعنى قولهم وما الرحمن؟: وما هذا الاسم الذي تسمى به الله ولا نعرفه؟. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾: أَي لا نسجد للذى تأْمرنا بالسجود له وتسميه الرحمن فنحن لا نعرفه، ولا نُقِرُّ به، ولا نطيع لك فيه أَمرا، وزادهم الأَمر بالسجود نفورا عن الإِيمان وإِصرارا على الكفر. وكان سفيان الثورى يقول في هذه الآية: "إِلهى: زادني لك خضوعًا، ما زاد أَعداءَكَ نفورًا".

стр. 3299

﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ المفردات: ﴿بُرُوجًا﴾: منازل للشمس والقمر، وهي المنازل الاثنا عشر (١)، مفردها برج، والبرج: كل مرتفع، سميت بذلك تشبيهًا لها بالقصور العالية. ﴿سِرَاجًا﴾: المراد به الشمس لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ وقريء سرُجًا بصيغة الجمع، فيكون المراد بالشمس: الجنس الشامل لكل ما ماثل شمسنا في المجرة التي تتبعها. ﴿مُنِيرًا﴾: مضيئا ليلًا، ووصفه بمنيرا. دون مضئ يشعر بأَن نوره مستمد من الشمس ﴿خِلْفَةً﴾: أَي يخلف كل منهما الآخر ﴿يَذَّكَّرَ﴾: يتعظ، وأَصله: يتذكر، أدغمت تاءُ الافتعال في الذال بعد قلبها ذالا. ﴿شُكُورًا﴾: شكرا كثيرا لله تعالى على نعمه. التفسير ٦١ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾: هذه الآية والتي بعدها تُؤَكِّدَان تنزيه الله، وتعظيمه، وَتُعَدِّدَانِ آيات قدرته وبدائع صنعه واستحقاقه السجود له.

стр. 3300

والمعنى: تنزه الله وتعالى واستحق كل تعظيم وتمجيد، وكل إِذعان وطاعة لما أَحكم من صنعه إِذ جعل في السماء منازل اثنى عشر لنزول الشمس والكواكب، وجعلها على أَربعة أَقسام: ثلاثة ربيعية، وثلاثة صيفية، وثلاثة خريفية، وثلاثة شتوية، وبهذا يختلف الزمان حرارة وبرودة، ويختلف الليل والنهار طولا وقصرا ولا يخفى أَثر ذلك في إِنبات النبات، وإِنضاج الثمار والزروع وملاءَمة أَحوال الناس في أَعمالهم ومهنهم، كما جعل في السماء شمسًا تضيء الأَرض كما يضيء السراج المكان الذي يسرج فيه، وجعل فيها قمرًا ينسخ ظلام الليل، ويخفف من عتمته، فيهتدى بذلك السارى، وتقل به الوحشة؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. والضمير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ يعود على البروج لقربها، ويجوز أن يكون عائدا على السماء؛ لأَنها الأَصل. ٦٢ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أَي: وهو الله الذي توافرت نعمه، وتعاظم فضله، فجعل تعاقب الليل والنهار وفاءً بمتطلبات الحياة واحتياجات خلقه في إِنبات النبات، وإِنضاج الثمار والزروع وتقلبهم في أَعمالم وأَسفارهم وإِخلادهم إلى الراحة، وفي هذا غاية العبرة لمن أَراد أَن يعتبر بتأمُّله في محكم آياته، وجلائل تدبيره، فيعلم أَن لا بد لهذا الكون من إله قادر وصانع حكيم، كما أَن فيه أَوسع مجال لمن أَراد أَن يتعاظم حمده لربه، ويتزايد شكره لخالقه على توافر نعمه، وتزايد آلائه، وقال ابن كثير: جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادته، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، وقد جاءَ في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل".

стр. 3301

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾. المفردات: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: أَي مشيًا لينا بسكينة ووقار وتواضع. ﴿الْجَاهِلُونَ﴾: المراد بهم السفهاء. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: أَي قالوا للسفهاءِ تسليمًا منكم، ومتاركة لكم وبُعْدًا عنكم. ﴿غَرَامًا﴾: هلاكا لازما، وشرًّا دائمًا، من قولهم: هو مُغْرم بكذا، أَي: يلازمه ملازمة الغرِيم. ﴿مُسْتَقَرًّا﴾: مكان استقرار وسكن. ﴿وَمُقَامًا﴾: دار إِقامة، من أَقام بالمكان، إِذا سكنه ولزمه. التفسير ٦٣ - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: هذا كلام مستأْنف مسوق لبيان أَوصاف المؤمنين الصادقين بعد بيان أَحوال المشركين الجاحدين لوحدانية الله، النافرين من عبادته والسجود له، وبضدها تتميز الأَشياءُ. وعباد الرحمن: من العبودية التي هي إِظهار التذلل والخضوع، مع القيام بمقتضياتها من حسن الطاعة وجميل الانقياد والامتثال، والتعبير عن المؤمنين الصادقين بلفظ:

стр. 3302

(عباد) وإِضافتهم إلى الرحمن فيه تقدير لإِيمانهم، وحسن أَعمالهم وتشريف لهم، وتبكيت للمشركين الذين أَنكروا اسم الرحمن، وأَعرضوا عن السجود له، وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: معناه يسيرون في تقلبهم لتحصيل معايشهم، والسعى في حاجاتهم سيرا هيِّنا لينا لا بَغْى فيه ولا استعلاء، فكلمة: (هونا) مصدر وقع وصفا لموصوف محذوف، وقيل: المشى الهون يقابل السريع وهو مذموم؛ لقوله ﷺ فيما أَخرجه أَبو نعيم، وابن النجار عن ابن عباس: "سرعة المشى تذهب بهاءَ الرجل". ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾: معناه إِذا تكلم معهم السفهاءُ بالسوءِ أَو بكلام يؤذيهم ويكرهون سماعه أَعرضوا عنهم تحلما وسماحة، وقالوا ردًّا عليهم: تسلُّما منكم ومتاركة لكم، فليس معنى: ﴿سَلَامًا﴾ السلام المعروف لأَن الآية في مشركى مكة فلا سلام عليهم، والذي يظهر من الأُسلوب أَن المفهوم من قولهم سلاما هو سداد الردِّ مع البعد عن التفحش ومجاراة السفهاء. وقيل معناه: إِذا سفه عليهم الجاهلون بالسوء، لم يقابلوهم بمثله بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إِلا خيرا، كما كان ﷺ لا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلما، وقوله تعالى: ٦٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾: معطوف على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا .... ﴾ الآية داخل معه في حيز الخبر لقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وفيه بيان لحالتهم مع ربهم، بعد بيان سلوكهم مع السفهاء خفاف الأَحلام من مداراتهم وعدم مجاراتهم، وكان الحسن يقول: إذا قرأَ الآية الأُولى: هذا وصف نهارهم، وإِذا قرأَ هذه الآية قال: "هذا وصف ليلهم" ويبيتون من البيتوتة - وهي الدخول في الليل وإِدراكه بنوم أو بدون نوم. والمعنى: وعباد الرحمن الذين يحيون ليلهم بالصلاة قائمين ساجدين لربهم، وتقديم السجود على القيام مع تأَخره عنه في الأَداء إيماءٌ إِلى شرف السجود لما فيه من غاية الخضوع وفضل التذلل، وقد ورد: "أَقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وقد حرم منه إِبليس، وأَباه المشركون، ونفروا من أَدائه. هذا فضلا عن مراعاة رءُوس الآي.

стр. 3303

٦٥ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾: معناه: والذين يتجهون إلى الله في أَعقاب صلاتهم، وفي أَوقات تهجدهم وفي جميع أَحوالهم - يتجهون إِلى الله بالدعاء - قائلين: يا ربنا وإِلهنا الذي نلجأُ إِليه في سرائنا وضرائنا أَبعد عنَّا عذاب جهنم وقنا إِياه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: هذه الجملة مقولة على لسان الداعين فيما يظهر، لتعليل دعائهم السابق بأَن يقيهم الله عذاب جهنم، أَي: اصرف عنا عذابها؛ لأَنه هلاك لازم وشر دائم. ٦٦ - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: تعليل ثان لدعائهم بأَن يقيهم الله عذاب جهنم، أَي: إن جهنم قَبُحتْ وبئست دار استقرار وإِقامة لمن هو فيها، يكتوى بلظاها، ويحترق بسعيرها، قال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إِلا غريم جهنم. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾: المفردات: ﴿يُسْرِفُوا﴾: يُفْرِطوا في الإِنفاق حتى يضروا باحتياجات معيشتهم، ومصدره: الإِسراف، وهو التبذير في النفقة، والاسم منه: السَّرفُ - بفتحتين - وهو ضد القَصْد. ﴿يَقْتُرُوا﴾: يُضَيِّقُوا في النفقة على أَنفسهم وعيالهم تضييق الشحيح، وماضيه: قَتَر، من باب: ضرب ودخل، ويقال: قَتَّر وأَقْتَر. ﴿قَوَامًا﴾: وسطًا وعدلًا.

стр. 3304

التفسير ٦٧ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا … ﴾ الآية. تناولت الآيات السابقة في وصف عباد الرحمن أَنهم مع السفهاء والجاهلين يُتَاركونهم ولا يجاهلونهم، ومع الله تعالى يتواضعون ويشتغلون بعبادته ويشفقون من عذاب جهنم ويتعوذون منها، ثم جاءَت هذه الآية تمدحهم بالاعتدال والقصد في شئون معاملاتهم وإِنفاقهم واختلف المفسرون في تحديد معنى الإِسراف والتقتير، فذهب جماعة إِلى أَن الإِسراف هو الإِفراط ومجاوزة الحد في الإِنفاق دُنْيا ودِينًا، فصفة عباد الرحمن: القصد والتوسط فإِذا أَنفقوا من أَموالهم على أَنفسهم وعيالهم، أَو تصدقوا منها على الفقراء والمساكين، أَو بذلوا في وجوه الخير، والمصالح العامة التي تعود بالنفع على المسلمين، التزموا الاعتدال والوسط، فلم يجاوزوا الحد، ولم يُفْرِطوا في الإِنفاق إِلى حد الإِسراف لكيلا يفتقروا ويضيعوا أَنفسهم وعيالهم، ولم يبالغوا في التقتير والتضييق، ولم يبلغوا درجة البخل والشح بين تبذير وبخل رتبة … وكلا الحالين إِن عام قتل وذلك هو القوام، وهو ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ والرسول ﷺ يقول فيما رواه حذيفة: "ما أَحسن القصد في الغنى، وما أَحسن القصد في الفقر، وما أَحسن القصد في العبادة" وقد قيل: "إِن المنْبَتَّ لا أَرضا قطع، ولا ظهرا أَبقى". وذهب جماعة إِلى أَن الإِنفاق في طاعة الله ليس سرفًا مهما بلغ، ولهذا ترك رسول الله ﷺ سيدنا أَبا بكر يتصدق بماله كله، وأَقره عليه، وقال ابن عباس ﵄: "من أَنفق مائة أَلف دينار في حقٍّ فليس بسرف، ومن أَنفق درهمًا في غير حقه فهو سرف" ومن منع في حق عليه فقد قتَر، قال النحاس: ومن أَحسن ما قيل في معناه: "أَن من أَنفق في غير طاعة الله فهو الإِسراف، ومن أَمسك عن طاعة الله فهو الإِقتار، ومن أَنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام" وسمع رجل رجلًا يقول: لا خير في الإِسراف فرد عليه بقوله: "ولا إِسراف في الخير".

стр. 3305

والرأْي الفقهى في هذا أَن يترك المؤمن لذويه ما يقيهم العوز، لقوله ﷺ : "إنك إِن تذر ورثتك أَغنياء خير من أَن تذرهم عالة يتكففون الناس" وهو الظاهر من معنى الآية. (وقَوَامًا): - بالفتح - وسطًا وعدلًا، وسمى قوامًا، لاستقامة الطرفين وتعادلهما، وقرئ: قواما - بكسر القاف - فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقيل: القِوام - بالكسر -: ما يقام به الشيء، ومعناه هنا ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ المفردات: ﴿أَثَامًا﴾: عقابا شديدا لا يقادر قدره على إثمه، والكلام على حذف مضاف، أَي: يلق جزاءَ أَثامٍ. ﴿يَخْلُدْ﴾: يقيم فيه أَبدا، وأَصل الخلود في اللغة: المكث الطويل. ﴿مُهَانًا﴾: حقيرا ذليل النفس. ﴿مَتَابًا﴾: رجوعا عظيم الشأْن مرضيا عنه.

стр. 3306

التفسير ٦٨ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ … ﴾ الآية. هذه الآية تتمة لمدح عباد الرحمن، وقد امتدحهم الله في الآيات السابقة بما تحلوا به من أُصول الطاعات، والاجتهاد في تحصيل الفضائل وامتدحهم في هذه الآية بالبعد عن فعل الكبائر، ومجافاتها، والتنصيص على تركهم هذه الكبائر بخصوصها لتهويل أَمرها، وتفظيع جرمها، وللتعريض بمشركي مكة الذين دأَبوا على ارتكابها وأَمعنوا في اقترافها. والمعنى: أَن هؤلاء المؤمنين الذين شرفهم القرآن فأَضافهم إِلى الرحمن بالعبودية مخلصون في عبادته، فلا يشركون معه إِلها آخر على عادة المشركين الذين كانوا يشركون آلهتهم في العبادة مع الله، كما أَنهم لا يقدمون على قتل النفس الإِنسانية؛ التي حرم الله قتلها لأَي سبب من الأَسباب إِلاَّ بحق يقتضيه كحد أَو قصاص يقيمه السلطان عليها، وكذلك من فضائل صفاتهم أَنهم لا يقربون الزنى فإِنه يهتك الأَعراض، ويخلط الأَنساب، ويشيع الفاحشة الفساد، وقد صح عن ابن مسعود ﵁ قال: سأَلت رسول الله ﷺ أَي الذنب أَكبر؟ قال: "أَن تجعل لله ندًا وهو خلقك". قلت: ثم أَي؟ قال: "أَن تقتل ولدك خشية أَن يطعم معك". قلت: ثم أَي؟ قال: "أن تزانى حليلة جارك"، فأَنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ … ﴾ الآية. وقوله تعالى: - "وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ" أَي: ومن يفعل ذلك المذكور من الإِشراك، وقتل النفس، والزنى - كما هو دأب الكفرة - يلق في الآخرة عذابا شديدا لا يقادر قدره على إثمه، فالكلام على تقدير مضاف محذوف، أَي: يلق جزاء أَثامه. ٦٩ - ﴿يُضَاعَفْ (١) لَهُ الْعَذَابُ … ﴾ الآية. أَي: أَنه تعالى يعذبه على ارتكاب أَي ذنب من هذه الذنوب عذابا مضاعفا إِذا كان معه الكفر، أَمَّا إِذا فعله غير الكافر فلا يضاعف عذابه، لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ومعنى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: يقيم في هذا العذاب مهينا ذليلًا، يجمع إلى

стр. 3307

عذاب البدن عذاب الروح، وتلوم إِقامته في هذا العذاب أَبدا إِن ضم إِلى فعل هذه المعاصي الكفر كما يشعر به قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ … ﴾ الآية. ٧٠ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا … ﴾ الآية. أَي: أَن من رجع عن كفره وأَقلع عن إِشراكه وآمن إِيمانا صادقا لا غش فيه ولا نفاق - من تاب وآمن - من هؤلاءِ وأُولئك وأَتبغ إِيمانه بالعمل الصالح، وداوم كل فعل المأْمورات، وترك المنهيات، والاستزادة من عمل الخيرات، واستباق المحامد والفضائل، فأُولئك يتجلى الله عليهم بفيض رحمته، فيبدل سيئاتهم حسنات، بأَن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أَو يبدّل سبحانه ملكة السيئات ودواعيها في النفس بملكة الحسنات. ﴿فَأُولَئِكَ (١) يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي: فأُولئك الموصوفون بالتوبة والإِيمان والعمل الصالح يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله عظيم المغفرة كريم العفو، واسع الرحمة بعباده يتفضل بإِثابة الطائعين وقبول توبة التائبين. ٧١ - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: ترتبط هذه الآية بالآية التي قبلها ارتباط العموم والخصوص، فالآية الأُولى في خصوص التوبة عن الكفر والكبائر والمعاصي المذكورة فيها، وهذ الآية في عموم التوبة الشاملة لتوبة عصاة المؤمنين. والمعنى: كل من تاب إلى الله، وأَخلص في الرجوع إِليه وأَقلع عن فعل المعاصي كلها وندم على ما فرط في جنب الله، وعلى تقصيره في تحصيل طاعة الله، ثم شمر عن ساعد الجد في إِخلاص العبادة والإِخلاص في الطاعة، فإِنه بذلك يكون قد رجع إلى الله تعالى رجوعًا عظيم الشأْن مرضيًا عند الله (٢)، ماحيًا للعقاب محصلًا للثواب.

стр. 3308

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ المفردات: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: أَي؛ لا يؤدون الشهادة الكاذبة الباطلة، و (الزُّورَ): الباطل. التفسير ٧٢ - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾: أَي: ومن صفات عباد الرحمن التي امتدحوا بها أَنهم لا يؤدون شهادة الزور، ولا يساعدون أَهل الباطل على باطلهم، ليحصلوا على ما ليس لهم، أَو يضيعوه على من يستحقه وقيل: لا يشهدون مجالس الزور، ولا يقفون عليها، وإِذا اتفق لهم أَن مروا على مجالس الأَقوال الماجنة التي لا تليق بكرام الناس مروا مرورًا عابرًا مكرمين أَنفسهم عن سماعها، والوقوف عندها والخوض فيها - عن ابن عساكر عن إِبراهيم بن ميسرة قال: "بلغنى أَن ابن مسعود ﵁ مرَّ بلهو معرضًا، ولم يقف، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أَصبح ابن مسعود وأَمسى كريمًا" ثم تلا إِبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ المفردات: ﴿يَخِرُّوا﴾: من الخرور، وهو السقوط على غير نظام.

стр. 3309

التفسير ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: أَي: والذين إِذا ذكرهم أَحد بآيات ربهم المنطوية على المواعظ، الموجهة إِلى الاهتداءِ، لما فيه سعادة الدنيا والآخرة أَكبوا عليها سامعين لها بآذان واعية مجتلين لها بعيون راعية ولم يسقطوا عليها صُمًّا لا يسمعون، وعميانًا لا يبصرون. والتعبير عن إِقبالهم على آيات الله والانتفاع بها بقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ تعريض بما يفعله الكفار إِزاء سماعهم إِياها، من الإِعراض عن الاستفادة بها، كأَنهم صم وعميان. وقيل: الضمير في (عليها) للمعاصى، المنوه عنها باللغو، على معنى: أَنهم إِذا وعظوا بآيات ربهم المتضمنة للنهى عن المعاصي، والتخويف من ممارستها، لم يستجيبوا لتلك المعاصي، وكانوا كالصم الذين لا يسمعون لها داعيا، والعمى الذين لا يبصرون لها مرتكبا. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ المفردات: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: من القرّ - بالضم - وهو: البرد، كناية عن السرور؛ لأنهم يقولون: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن ساخنة، وقيل: من القرار، لأن السرور تقر به العين وتسكن، والحزن يضطرب له النظر ويزيغ، ولفظ: (الأَعين) استعمل في القرآن كله في العين الباصرة، ولفظ: (عيون) استعمل في العين الجارية. (إمَامًا): قدوة يقتدون بنا في إِقامة مراسم الدين، ولفظ: (إِمام) يستعمل في المفرد والجمع، وهو في هذا المقام يراد به الجمع، وروى عن مجاهد أَن: (إمَامًا): جمع آم، بمعنى قاصد، كصيام جمع صائم، وكذلك ذكر القاموس.

стр. 3310

التفسير ٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ … ﴾ الآية. هذه الآية انتقال من أَوصاف عباد الرحمن في أَنفسهم إِلى أَمانيهم فيمن يحبونهم، ويرتبطون بهم. والمعنى: أَن من صفات عباد الرحمن أَلاَّ ينسوا وهم في شغلهم من عبادة الله، والانهماك في طاعته، لا ينسون أَهلهم، وأَولادهم، يتوجهون إِلى الله بالدعاءِ لهم، وطلب هدايتهم - وهذا شأْن الصالحين من الآباء، بل إِن من الآباءِ من يقدم ولده على نفسه، ويؤثره بالخير له، وخير الآخرة عند الصالحين أَفضل ما يرجى للأَهل، والأَولاد، لأَنه الأَبقى، وإِن المؤمن إِذا ساعده أَهله وولده في طاعة الله؛ اشتد سرور قلبه، وقرت عينه، لما يشاهده منهم من مشاركتهم في مناهج الدين، وتوقع لحوقهم به في نعيم الآخرة، طمعا في عِدَةِ الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وقد ذكروا أَنه كان في أَول الإِسلام يهتدى الأَب والابن كافر، ويهتدى الزوج والزوجة كافرة، فلا يطيب عيش ذلك المهتدى، فكانوا يدعون هذا الدعاء. ولهذا كان من الصفات التي امتدح الله بها عباده أَنهم يتجهون إِليه بالدعاءِ لصلاح أَزواجهم وذرياتهم، يقولون: ربنا ارزقنا وهب لنا من أَزواجنا وذرياتنا ما يسرنا وتقر به أَعيننا من توفيقهم للطاعات، واحتيازهم للفضائل التي هي غاية ما نرجوه لصلاح ديننا ودنيانا، أَما زهرة الدنيا وزينتها فلا تغلبنا على أُخرانا. ثم يعودون إلى أَنفسهم بالدعاءِ لها بقولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أَي اجعلنا بحيث يقتدى بنا المتقون، في إِقامة مراسم الدين بتعلم العلم، والتوفيق في العمل. وعن مجاهد: اجعلنا قاصدين للمتقين، مقتدين بهم، وهذا المعنى: مبنى على أَن (إِمَامًا): جمع آمٍّ، بمعنى: قاصد، والمعنى الأَول أَوفق، وفيه - على المعنى الأَول - أَن الرياسة في الدين؛ ينبغي أَن تطلب لمن يأَنس في نفسه حسن القيام بها، وتحقيق مقتضاها بعدل وأَمانة.

стр. 3311

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ المفردات: ﴿أُولَئِكَ﴾: إِشارة إلى الموصوفين بجميع الصفات السابقة، وهو مبتدأ خبره الجملة التي بعده وما عطف عليها، وجملة أُولئك يجزون … إلخ خبر عن (عباد الرحمن). ﴿الْغُرْفَةَ﴾: الدرجة العالية من المنازل، وكل بناءٍ مرتفع، وقيل: أَعلى منازل الجنة، و"ال" فيها للجنس، والمراد بالغرفة الجمع، فألْ فيه للاستغراق ليوافق قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. ﴿تَحِيَّةً﴾: دعاء بإِطالة الحياة. ﴿وَسَلَامًا﴾: دعاء بالسلامة من كل ما ينغص عليهم طيب إِقامتهم. التفسير ٧٥ - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا … ﴾ الآية. أَي: أُولئك الموصوفون بما سبق من الصفات الجميلة يجزون الغرف العالية في الجنة ينعمون فيها بما لا عين رأَت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر - أُولئك يجزونها - بسبب صبرهم على مداومة الطاعات، واجتهادهم في أَعمال الصالحات، ومجاهدتهم في مقاومة الشهوات، وتتلقاهم الملائكة، أَو يتلق بعضيهم بعضا بالتحية المتضمنة دوام إِقامتهم، والسلام المتضمن معافاتهم؛ من كل ما يكدر صفو نعيمهم أَو ينغص نعيم إِقامتهم تكريمًا لهم وابتهاجا بحلولهم، وزيادة في أَنسهم، وإِدخال السرور عليهم.

стр. 3312

٧٦ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: هذه الآية تأْكيد لما تقرر في الآية السابقة، وزيادة في طَمأَنتِهِمْ، ومعنى: "خَالِدِينَ فِيهَا" مقيمين في الجنة أَو في الغرفة إِقامة دائمة لا تنقطع فلا يموتون ولا يخرجون، وقوله تعالى في شأْن الجنة مقر المؤمنين: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ في مقابلة قوله تعالى في شأْن جهنم مقر المشركين: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، ومعنى ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾: طابت دار سكن واستقرار، ومقام راحة ونعيم؛ لمن اكتملت لهم الصفات الكريمة، التي اشتملت عليها الآيات السابقة، وهي كما يلي: ١ - معاملتهم الخلق بالتواضع ولين الجانب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. ٢ - التسامح، والصفح؛ في معاملة السفهاء، والجاهلين، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. ٣ - التهجد ليلًا والاجتهاد في العبادة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. ٤ - الخوف من الله، والإنفاق من عذاب جهنم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية. ٥ - الاعتدال، والقصد في الإنفاق، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا … ﴾ الآية. ٦ - الإِيمان الجازم بوحدانية الله، واحترام حرمة النفس البشرية والعفة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ … ﴾ الآية. ٧ - اتباع الحق، وتجنب شهادة الزور، ومجامع اللهو في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ … ﴾ الآية.

стр. 3313

٨ - الاتعاظ بآيات الله تعالى وحسن تلقيها، والانتفاع بها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ الآية. ٩ - التماس صلاح الأَهل والذرية بالدعاءِ لهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا … ﴾ الآية. ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ المفردات: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾: ما استفهامية، والعبنى: أَيُّ عبءٍ يعبأُ بكم ربي، وأَى اعتداد يعتد بكم؟ تقول: ما عبأْت به، أَي: ما اكترثت. ﴿لِزَامًا﴾: لازمًا ثابتًا لا ينفك. التفسير ٧٧ - ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ … ﴾ الآية. في هذه الآية أَمر لرسول الله ﷺ بأَن يبين للناس أَن الفائزين بتلك النعماءِ الجليلة التي يتنافس فيها إِنما نالوها بما عدد من محاسنهم ولولاها لم يعتد بهم أَصلًا. والمعنى: قل يا رسول الله لعامة الخلق - مشركين ومؤمنين - مشافهًا لهم: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ أَي عَبْءِ، ولا يكترث بكم أَي اكتراث، وأَنتم العبيد الضعفاء، والمخلوقون الفقراءُ، لولَا دعاؤكم وعبادتكم ربكم، فإِنكم ما خلقتم إلاَّ لعبادته مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوالْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.

стр. 3314

وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ معناه: فقد كذب الكافرون منكم، وإِذا كان التكذيب حالهم مع قيام الحجة عليهم فسوف يكون العذاب لازمًا ثابتًا لهم. واختار غير واحد أَن الآية كلها خطاب لكفار قريش، والمعنى على هذا قل لهؤُلاء المشركين: ما يعبأُ بكم ربي لولا دعاؤه إِياكم إلى التوحيد تقويمًا لوجودكم، وتنظيمًا لسلوككم، وارتفاعًا بأَعمالكم عن العبث، حتى لا تكونوا هملًا كالبهائم تسيرون لغير غاية، وتعملون لغير هدف، وتنتهون إلى النار، فقد كذبتم مع قيام الحجة عليكم فكان العذاب لزامًا لكم ما بقيتم على كفركم. وهكذا: تنتهى سورة الفرقان، وقد تضمنت آياتها تصنيف الخلق إلى صنفين: صنف كذب وأغرق في الكفر، والعناد، ومعارضة الرسول ﷺ وقال: القرآن أَساطير الأَوليين، وعاب أَن يكون الرسول ﷺ بشرا يأْكل الطعام ويمشى في الأَسواق، واقترح نزول الملائكة أَو رؤية الله تعالى وعارض نزول القرآن مُنجَّما، وعَمِىَ بصره وطمست بصيرته عن تدبر آيات الله في كونه؛ فاستحق عذاب جهنم خالدا فيها ساءت مستقرًا ومقاما. وختمت بصنف آخر استجاب للدعوة، وصدق الرسالة والرسول ﷺ وأَخلص في العبادة والتوحيد، وجد في الطاعة فروضها ونوافلها، وجانب المحرمات، وخالف الشهوات، وتحلَّى بكريم الصفات، فاستحق الجزاء الكريم، في نعيم الجنة خالدا فيها حسنت مستقرًّا ومقاما.

стр. 3315

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الشعراء هذه السورة مكية، وآياتها سبع وعشرون ومائتان، وسميت بهذا الاسم لأَن الله ذكر فيها طرفًا من أَحوال الشعراء في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ … ﴾ إلخ. وهذه السورة لها اتصال وثيق بالسورة التي قبلها: (سورة الفرقان) فكلتاهما بدأَهما الله بالإِشادة بالقرآن العظيم، وفيهما أَيضًا تسلية لرسول الله ﷺ حيث يبدر من قومه من أَلوان الإِيذاء والإِعراض، فضلا عن أَن في هذه السورة بسطًا وتفصيلًا لبعض ما مر في سورة الفرقان من أخبار الرسل ﵈ مع من أرسلوا إِليهم. محتويات هذه السورة ١ - أَنها نوهت بفضل القرآن ووصفته بالكتاب المبين، وأَشارت إِلى إِعراض قريش عن الإِيمان به، وتأَلمه ﷺ لذلك: (لَعَلك بَاخِعٌ نَّفسَكَ أَلاَّ يكُونُوا مُؤْمِنِينَ). ٢ - أَنها عُنِيَت بأَخبار وقصص بعض رسل الله ﵈ مع أَقوامهم، وبسطت بعضها كقصة سيدنا موسى مع فرعون وقومه، وقصة سيدنا إِبراهيم مع أَبيه وقومه، وما جرى بينه وبينهم من مجادلات ومحاورات أيد الله فيها خليله بالبراهين الساطعة فبهت الذي كفر، ثم جاء فيها ذكر لقصص بعض الأَنبياه: كنوح، وهود، وصالح، وغيرهم وأَن الله أَيدهم وكتب لهم الغلبة والفوز على أَقوامهم الذين تمادوا في غيهم وكيدهم، وكيف كانت الدائرة عليهم، حيث أَيد الله رسله ﵈ ونصرهم على أَعدائِهم ومكَّنَ لهم. ٣ - أَنها أَشادت في آخرها بالقرآن الكريم.

стр. 3316

قال تعالى: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" وأَفحمت المشركين وأَبطلت زعمهم من أن القرآن من وحي الشياطين، وكانت نهاية السورة متلاقية مع بدئها بيانًا لمنزلة القرآن العالية ومكانته السامية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾. المفردات: ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: القرآن الواضح الدلالة. ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: مهلكها. ﴿آيَةً﴾: معجزة. ﴿ذِكْرٍ﴾: موعظة تذكرهم. ﴿مُحْدَثٍ﴾: مجدِّد لم يسبق نزوله. ﴿زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: صنف طيب لذيذ.

стр. 3317

التفسير ١ - (طسم): يقول سلف هذه الأُمة الإِسلامية في هذه الكلمة وفي أَمثالها: إِنها من المتشابه الذي استأْثر الله بعلمه، وقيل: إِنها للإِيقاظ والتنبيه إلى سماع القرآن؛ فإنها لفظ لا تأْلف الآذان ابتداءَ الكلام به فيلفتها إِلى الإِصغاء، وقال قوم: إِن المقصود: هو التحدي للعرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فهو يشير إلى أَن القرآن مكون من هذه الحروف التي تتركب منها كلماتهم ومع ذلك لم يستطيعوا أَن يأْتوا بسورة من مثله، وقد سبق الكلام مستوفًى على مثله في أول سورة البقرة، وآل عمران وغيرهما، فارجع إليه إن شئت. ٢ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿تِلْكَ﴾: إشارة إلى أَن آيات القرآن الكريم قد سمت منزلتها، وعلا قدرها، وعظم شأْنها، وجلت عن أَن يدانيها كلام البشر، فهي آيات الكتاب المنزل من عند الله الذي أبان فيه الحق وأَظهر الأَحكام وتحدث عن أَخبار الأُمم السابقة، وعن آيات الله الكونية بأُسلوب أَعجز الجن والإِنس: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). ٣ - ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: كلمة (لَعَلَّ) تستعمل لغة في إِشفاق المتكلم، ولما استحال الذي حقه سبحانه، وجهوه إلى المخاطب، ولما كان غير واقع من النبي ﷺ أيضًا، قالوا: المراد الأَمْرُ به، لدلالة الإِنكار المستفاد من سوق الكلام عليه، فكأَنه قيل له: أَشفق على نفسك أَن تقتلها وتهلكها حسرة وكمدًا لاستمرار قومك على الكفر (٢)، وتمسكهم بما ورثُوه عن آبائِهم من الضلال والزيغ والبعد عن الحق، فأَمر هدايتهم ليس لك وإنما مرده إلى الله

стр. 3318

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ (٢). ٤ - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾: يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة السر في أمره لرسوله ﷺ أن يترفق بنفسه ويشفق عليها فلا يقتلها فيقول له: إن أردنا أن نأتي بآية ننزلها عليهم من لدنا تقهرهم وتلجئهم إلي الإيمان وتكرههم عليه فتذل له رقابهم وتخضع له نواصيهم وينقادون إليه دون إرادة منهم فلا يستطيعون فكاكا ولا هربا، وتَقْسِرُهُمْ على الطاعة فلا يلتفتون إلى معصية أبدا، لو أردنا ذلك لفعلنا، ولكن حكمتنا اقتضت أن نبين طريق الخير ونهدى إليه، ونوضح سبيل الشر ونحذر منه، ونختبر العباد بذلك لنعلم الذين صدقوا ونعلم الكاذبين ونحاسب كُلًا بما يتفق عمله إن خيرا فخير وإن شرًا فشر، فكل نفس بما كسبت رهينة، وحسبهم ما أنزله الله تعالى على رسوله من معجزة القرآن الكريم، فهي أقوى المعجزات في عصر العلم. ٥ - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾: هذا بيان لشدة عنادهم وتماديهم في باطلهم وإصرارهم على ما كانوا عليه من الكفر، والتكذيب، فقد لجوا في الطغيان وتجاوزوا الحد في الضلال، وعموا وصموا عمَّا يأتيهم من الآيات والمواعظ التي يجدد الرحمن إنزالها لهم من مكنون غيبه وقديم كلامه (٣) حسبما تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الواسعة، وذلك ليردهم إلى الحق ويهديهم سواء السبيل، ولكنهم لا يقابلون ذلك إلا بالتّولي والإعراض، وفي ذلك ما فيه من الحماقة ورداءة التفكير وسوء التقدير، فرحمة الله ينبغي أن تقابل بالشكر والطاعة لا بالعصيان والإعراض.

стр. 3319

٦ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: لم يقتصر أمر هؤلاء الذين لم يؤمنوا بك من قومك على الإعراض والانصراف عما يأتيهم من الذكر والموعظة، بل تجاوزوا ذلك إلى التكذيب الصريح فجعلوا القرآن الكريم تارة سحرًا، وأخرى أساطير الأولين، ومرة شعرا، وقد هددهم وأنذرهم عذابًا منكرًا ينزل بهم، وقارعة تحل بساحتهم ينتشر خبرها، ويذاع أمرها، فيجمع الله عليهم بين العذاب الأليم، وكشف أمرهم بين الناس حتى يتحدثوا بما نزل بهم من نكال وخزى جزاءً وفاقًا لاستهزائهم وسخريتهم، وقد رتب الله - سبحانه - نزول العذاب على استهزائهم في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ … ﴾ الآية، مما يؤذن ويدل على أن العذاب واقع لا محالة، فقد أصابتهم في بدر هزيمة منكرة قتل فيها وأسر صناديدهم، ويجوز أن يراد من الأنباء: أخبار انتشار الإِسلام وعلو شأن القرآن الذي كانوا به يستهزئون. ومن أغراض هذا الوعيد أن يترفق النبي ﷺ بنفسه فلا يشق عليها ويعرضها للهلاك أسفا وحزنًا على قوم قد أوغلوا في الكفر، وختم الله على قلوبهم فلا تنفذ إليها الهداية ولا يرجى منهم خير. ٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: ينكر الله - تعالى - عليهم ما هم فيه من إعراض وتكذيب واستهزاء بآيات الله الكونية بعد أن أعرضوا وسخروا من آيات الله التنزيلية، أي: أفعلوا ما فعلوا، وأصروا على الكفر والتكذيب ولم ينظروا إلى الأرض وما فيها من عجائب تدعوهم إلى الإقبال على الله إيمانا وتصديقا، وتمنعهم وتزجرهم عما اقترفوه من السخرية والإعراض عن آيات القرآن الكريم - أفلم ينظروا إليها - وهي تنبت ما يفيد الناس وينفعهم من نبات يختلف صورة ومنافع. فلو أن الأمر لطبيعة الأرض، لما أنبتت نباتا، فإنها لا عقل لها ولا تدبير ولا قدوة ولا إرادة وقوله: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ استئناف لبيان ما في الأرض من أمور تثير العجب وتدعو إلى الإيمان بالواحد الديان، أي: أنبتنا في الأرض من كل صنف جليل النفع عظيم الفائدة، يدرك ذلك كله من أنعم الله عليه بنعمة الفهم الدقيق والإدراك السليم، وأمده ببصيرة نافذة نيرة، ويغفل عنه الغافلون فلا يعقلون.

стр. 3320

وفي الأرض أصناف وأنواع لم يعرف نفعها البشر، وتتجلى لهم منافعها على الأيام عندما يحتاجون إليها في أُمور معاشهم وصلاح حالهم، كما أن هناك أشياء يظنها الناس ضارة لا نفع فيها ولكن الحاجة قد تلح في طلبها، وتدفع إليها، ولا يغنى عنها سواها في إصلاح أمر أو علاج علة أو إبراء مريض "ومن السموم الناقعات دواء". ٨ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: إن فيما سبق من إنبات الأرض لكل الأصناف والأنواع التي تعين الإنسان وتقيم حياته، وتكون متاعا له ولأنعامه مع عجزه عن تدبير ذلك، إن في ذلك لدلالة واضحة وبرهانا ساطعا، على قدرة الله، وأنه - سبحانه - هو الجدير وحده بأن يؤمن به الناس كافة: "ففي كل شيء له آية: تدل على أنه الواحد" ولكن أكثر هؤلاء استمر على الكفر والتكذيب مع عظم الآية وسطوع البرهان، وانبلاج الحجة التي توجب أن يكونوا مؤمنين منقادين مذعنين. ٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: أي: وإن الله الذي يرعاك ويكلؤك هو صاحب العز الغالب والسلطان القاهر، وصاحب الرحمة الشاملة والنعمة السابغة، ومن رحمته أنه قد أمهلهم فلم يأخذهم بسبب كفرهم وإعراضهم واستهزائهم بما جئت به مع قدرته الكاملة وعزه الذي لا يقهر ولا يغالب، وإنما أكرمهم الله برحمته، وفاء بوعده لرسوله ﷺ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١). والآيتان: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ كررهما سبحانه في هذه السورة ثماني مرات، أولاها هذه، والسبع الباقيات عقب قصص موسى، وإبراهيم، وقوم نوح، وعاد مع هود، وثمود مع صالح، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة مع شعيب. والحكمة في تكرارها: تنبيه كفار مكة وغيرهم إلى أن في كل قصة من هذه القصص عبرة وعظة توجب الإيمان، وتزجر عن التكذيب والعصيان.

стр. 3321

﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ التفسير ١٠ - ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: في هذه الآية وما يليها من الآيات يحكى الله قصة موسى ﵇ مع فرعون وقومه، تسلية لنبيه ﷺ ليشفق على نفسه فلا يهلكها غمًّا وحزنًا لعدم إيمان قومه، فهو يأمره أن يذكر لقومه وقت نداء المولى ﵎ موسى ﵇ ليبلغ فرعون وقومه رسالة ربه، وما ناله بعد ذلك من مكروه، وما حقق له ربه من انتصار لحقِّهِ على باطل أعدائه، وفي ذلك ما فيه من تسلية الرسول ﷺ ببيان أن تكذيب قريش له ليس بأول تكذيب لرسول، فلست يا محمَّد أنت وقومك بدعًا من الرسل والأمم قبلك. والمعنى: واذكر - يا محمَّد - لقومك أن الله أمر نبيه موسى أن يأتي القوم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظلما بني إسرائيل بالإذلال والاستعباد وقتل الأبناء، واستحياء النساء.

стр. 3322

١١ - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾: بين الله - سبحانه - القوم الظالمين الذين أمر نبيه موسى أن يأتيهم - بينهم - في هذه الآية أنهم فرعون وقومه؛ لأنهم تناهوا في الظلم وأوغلوا في الطغيان حتى صاروا علمًا عليه وعنوانًا له، وقد دعا الله إلى العجب من ظلمهم وعدم تقواهم فقال: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ الله فلا يصدر منهم معصية ولا استعلاء، وهذا يتحقق بهجرهم كل المعاصي والمظالم، وكأن سائلًا سأل: هذا ما نادى الله به موسى، فماذا قال موسى جوابًا لهذا النداء؟ فكان الجواب هو قوله تعالى حكاية عنه: ١٢، ١٣، ١٤ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾: أي: قال موسى ﵇ وهو في مقام الضراعة إلى بارئه رب العالمين: يا رب إني أخاف أن يكذبني هؤلاء حين آتيهم، ولا يؤمنوا برسالتى، ولا يصدقوا بنبوتي، إني يا رب يضيق صدرى ولا ينطلق لساني لما ينالنى من العى والحَصَر وحبس اللسان بسبب ما يلحقنى من الحزن. وهذا الذي صنعه موسى ﵇ ليس تشبثًا بالعلل، ولا للاستعفاء من امتثال أمر ربه وتلقيه بالسمع والطاعة، بل هو موقف ضراعة وابتهال، وتمهيد عذر بين يدي رجاوته أن يعينه على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه، ولهذا التمس من ربه أن يبعث جبريل أمين الوحى إلى هارون ويجعله نبيًا ووزيرا له من أهله يشركه في أمره ليشد أزره ويقوى عضده. ويجأر موسى إلى ربه فيبدى له أن هناك أمرًا آخر يخشاه ويخافه إذ يقول: إن هؤلاء القوم - فرعون وملأه - يرون أن لهم عليّ تبعة ذنب، وجريرة جرم، ذاك أنني قتلت واحدًا منهم، حين وكزته غير قاصد قتله لما استغاث بي أحد شيعتي، فهم يحملونني وزر ذنب لم أقصده، فأخاف إذا ذهبت إليهم وحدى ليس معى عضد ولا سند أن يفتكوا بي بسبب تحميلى دم القبطى، وأريد أن أؤدى الرسالة، فادفع عني يا رب أذاهم المرتقب وكيدهم المتوقع، باختيار أخي هارون نبيًّا لك ووزيرًا مساعدًا لي، وأعنا على تبليغ دعوتك.

стр. 3323

وقد استجاب الد لموسى فحقق رغبته، وأناله طلبته بما حكاه القرآن بقوله: ١٥ - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾: قال الله لموسى: كلا، لا تخف؛ لن يقتلوك ولن يصيبك مكروه، فالعناية معك والله يعصمك من الناس فلا يتردد في صدرك هذا الخاطر ولا يَجُلْ في نفسك هذا الظن، فاذهب أنت وأخوك بآياتي الباهرة ومعجزاتي الخارقة فإن فيها أمنا لك من خوفك وتثبيتا لقلبك وتأييدًا لدعوتك وأنا معكم جميعا بسمعى وعلمى أُحيطكما بالرعاية والتأييد والنصر، وأمدكما بالعون وأما فرعون فسأكون ضده بالتخذيل والتخويف فلا يصل إليكما ولا ينال منكما. ١٦ - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فاذهبا يا موسى أنت وأخوك هارون إلى فرعود ذلك الذي يدعى الألوهية ويقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (١) فقولا له قولًا لينا لك غلظة فيه ولا قسوة، لعله يتذكر ما قد أنساه سلطانه وجبروته عن أنه مربوب لله رب العالمين، ليقل كل منكما له: إنه رسول رب العالمين (٢)، وفي ذلك رد لدعوى فرعون أنه إله، وإشعار له بأن للعالمين ربا واحدا هو الذي بعثهما إليه، وفي هذا الأسلوب حمل لطيف لفرعون على أن يمتثل أمر ربه رب العالمين. ١٧ - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: أطلق سراح بني إسرائيل وفك أسارهم ودعهم يذهبوا معنا حيث نذهب، وهو يقصد بذلك توجههم إلى فلسطين.

стр. 3324

﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ المفردات: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾: تعدها نعمة وفضلًا. ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: اتخذتهم عبيدا. التفسير ١٨ - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: قال فرعون موجها كلامه إلى موسى بعد أن نفَّذ موسى وأخوه هارون أمر الله وأبلغا فرعون الرسالة، وطلبا إليه أن يرسل معهم بني إسرائيل - قال فرعون ردا عليه -: ألم نقم على رعايتك والعناية بك في منزلنا طفلا مولودا، ذلك بعد أن تم التقاطك على يد أهلنا وخدمنا، وبقيت يا موسى تقيم بيننا كواحد منا السنين من عمرك، وكان الأولى بك والأجدر - تقديرا لنعمتنا عليك - أن تكون معنا وأن تؤمن بنا، لا أن تكون داعيًا لنا وموجها، وكلام فرعون هذا يوحى بالتقريع والتوبيخ لموسى ﵇، ولذا عقبه بقوله: ١٩ - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: وصنعت يا موسى تلك الفعلة التي أنكرناها عليك، حيث قتلت القبطي انتصارا لشيعتك، واستهانة بنا، وأنت بذلك كافر بنعمتنا عليك متنكر لما أسديناه لك جاحد

стр. 3325

لما أسلفناه من تربية ورعاية، أو: وأنت من الذين كفروا بدينى، أو بألوهيتى بعد عودتك من الجهة التي فررت إليها، فعظم بذلك ذنبك عندنا. والواقع أن ﵇ لم يكن على دينهم قبل فراره، ولكن سكوته عنهم من باب التقية، فكفره بدين فرعون قديم قبل الهجرة، والمستحدث إنما هو الإعلان عنه بعد العودة، والرأى الأول هو الظاهر، وهو ما قاله ابن زيد. ٢٠ - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: قال موسى ﵇ في مقام الرد على ما أثاره فرعون -: فعلت تلك الفعلة ووكزت القبطى تلك الوكزة التي قضت عليه، والحال أنى من الجاهلين بما تفضي إليه تلك الضربة إذ ما كنت أعتقد أنها تقضى على القبطي وتقتله، وكان هدفي هو الانتصار لمظلوم وتأديب باغ ومعتد، ولو كان الأمر كما تظن وأنى قاتل مفسد - كما تدعى - لاستجبت لمن استصرخ بي وكررت تلك الفعلة وانتصرت له، ولكنى بعدت ونأيت عنه وقلت له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ٢١ - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ومع أن فعلتى - التي عددتها عظيمة وأثيمة - لا تقتضي المؤاخذة ولا تستدعي التقريع والتوبيخ والرمى بالكفر والجحود، فإنكم تآمرتم على قتلي ودبرتم اغتيالى وإزهاق روحى، ففررت منكم بعد أن أخبرنى ناصح أمين بما انتويتم وما دبرتموه بليل، هربت منكم إلى ربي. خرج موسى وهرب فرارًا بنفسه وخوفا من حيف يلم به، أو ظلم ينتظره، أو قتل يُعَدُّ له، وأسلم نفسه لربه فملأ قلبه حكمة وعقله رشدًا، وجعله من خاصة خلقه فاصطفاه الله له كليما، ولعباده رسولًا، وكان ﵇ من أولى العزم من الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه -. ٢٢ - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: تلك: إشارة إلى تربية موسى في منزل فرعون المستفادة من قوله لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا

стр. 3326

وَلِيدًا﴾ أي: أن تلك الرعاية التي ظفرتُ بها في كنفك هي نعمة ظاهرة لديك وواضحة عندك ولكنها في الحقيقة ليست نعمة، فالسبيل إليها تعبيدك بني إسرائيل، وقصدك إياهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك ووجودى في تربيتك. وقيل: إنه مقدر بهمزة الإنكار، أي: أو تلك نعمة تمنها عليّ، وهي أن عبدت بني إسرائيل، وعلى كلا الوجهين فالمقصود: أن عناية الله - سبحانه - ألقت به إليه وأنه المتسبب في وصوله إلى منزله، وأنه ﵎ سخره للعناية به والقيام على شأنه ومنعه من قتله حتى قالت امرأته: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. (١) فالمنة والفضل لله وحده. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ التفسير ٢٣ - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا (٢) رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: بعد أن دعا موسى ﵇ فرعون إلى الإيمان برب العالمين تحقيقًا لأمره تعالى بدعوته: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بعد أن دعاه مرسى

стр. 3327

قال فرعون مستنكرا ما قاله موسى ومستهزئا به: ما هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيرى؟ وقد كان فرعون يدعى أنه ليس هناك إله غيره. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) ولكن نبي الله موسى رد عليه بما حكاه الله بقوله: ٢٤ - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: قال موسى لفرعون ردًّا على استفهامه: رب العالمين هو رب السموات وما فيهن من الكواكب الثوابت. والسيارات النيرات، ومن الأرض وما فيها من بحار وقفار وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بينهما من الهواء والطير وما سوى ذلك مما لا نشاهده ولا ندركه، كل ذلك مربوب لله خاضع لسطانه - سبحانه - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٢). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي إن كانت لكم قلوب صالحة لليقين، وبصائر نيرة تهدى إلى الصراط المستقيم، أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره ووضوح دليله؛ لأن الله - سبحانه - له في كل شيء آية تدل علية وترشد إليه: وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد فما يدعيه فرعون من الألوهية محض كذب وافتراء؛ فليس في قدرته أن يخلق شيئًا. ٢٥ - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: قال فرعون لمن حوله من وجوه القوم وأشرافهم وأعيانهم وعليتهم الذين حضروا وشهدوا هذا الحِجَاجَ: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ لي قول موسى الذي يدعو إلى العجب ويبعث على السخرية والاستهزاه، وذلك بادعائه أن هناك إلها غيرى وربا سواى؟. وإيراد فرعون كلامه على هذا النحو ليهوِّن من شأن موسى، وينال منه، وذلك منعا لقومه أن يميلوا إلى موسى وينعطفوا نحوه ويعاضدوه.

стр. 3328

٢٦ - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: قال موسى على سبيل التوضيح والتصريح لما اشتملت عليه إجابته السابقة، وليضع فرعون بكل جبروته وصلفه في موضعه الصحيح، وينزله من مرتبة الألوهية التي ادعاها لنفسه إلى مرتبته الحقيقية، مرتبة العبودية التي يتساوى فيها مع الناس جميعًا: الله ربكم يا فرعون ومن معك، ورب آبائكم الأقدمين، فلا سبيل لك إلى ادعاء الربوبية لأحد من خلق الله: فما أنتم إلا عباد له سبحانه كسائر عباده. ٢٧ - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾: اتسم هذا الأُسلوب بالسخرية والاستهزاء إمعانًا في صد القوم عن موسى ﵇ فقد أضاف رسالة موسى إلى المخاطبين فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾. وترفَّع أن يكون رسولًا إليه، كما ترفع وتكبر أن يذكر موسى ﵇ باسمه فقال: (الذي) ثم كان منه أن رماه بالجنون، ليكون أبلغ في صد الناس وصرفهم عن اتباعه، فكأنه يقول لهم: كيف يليق بكم - وأنتم العقلاء - أن تصدقوا معتوها، وتتبعوا مجنونا؛ إن فرعون يريد من وراء هذا إثارة غضبهم على موسى واحتقارهم له. ٢٨ - ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لم يكترث موسى بما وجهه له فرعون من نقائص، بل جابهه بالحق إذ قال رب العالمين هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، فهو رب السماء بما حوت من الثوابت والسيارات الذي دبرها تدبيرا محكما، وقدرها تقديرا متقنا في نظام مستمر دائم على وجه عجيب دقيق، وهذا لا يكون إلا من مدبر حكيم قدير عليم، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي إن كنتم تعقلون شيئًا، أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلت وبينت لكم وأرشدتكم، فآمنتم بي رسولًا لله رب العالمين.

стр. 3329

وفي الكلام تلميح إلى أنهم لا عقل لهم فكأن موسى قال لهم: أنتم أولى بما وصفتموني به من جنون، وما رميتموني به من عَتَه. ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾: معجزة واضحة. ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: أي ثعبان لا شك. ﴿الْمَلَإ﴾: أشراف القوم وساداتهم. التفسير ٢٩ - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: أحس فرعون صلابة موسى وقرأ في عينيه أنه لا يحيد عن دعوته ولا يتخلى عن رسالته، وأفحمه موسى وأعجزه، فلم يستطع جوابا، فلجأ إلى التهديد بالتعذيب، وهذه

стр. 3330

آية العجز وأمارة الضعف عند مقابلة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فالمتسلط الجبار عندما يعوزه الدليل وتتأبى عليه الحجة يجنح إلى البطش والتنكيل حفاظًا على هيبته وإبقاءً على مكانته، فقال له: لئن جعلت لك إلهًا سواى، وتماديت في دعواك أنك رسول رب العالمين، لأجعلنك من المسجونين الذين تعرفهم، وتعرف ألوان العذاب التي أُنزِلها بهم. ولكن موسى ﵇ لم ينقطع أمله في إيمان فرعون فتلطف به وقال ما حكاه الله بقوله: ٣٠ - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾: أي: أتجعلني من المسجونين الذين تعذبهم وتعاملنى معاملتهم ولو جئتك بشيء هائل عظيم موضح لصدق دعوتى، مؤيد لرسالتي؟ فتحداه فرعون بما حكاه الله بقوله: ٣١ - ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: قال فرعون: فَأْت بهذا الشيء إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول رب العالمين، وما أظنك إلا كاذبًا فيما تدعيه. طابت نفس موسى واطمأن إلى نصر الله الذي أعلمه أن عصاه ستصير ثعبانا عظيما. ٣٢ - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: فألقى موسى عصاه ورمى بها إلى الأرض، فإذا هي بقدرة الله ثعبان واضح الحيوانية الثعبانية، لا تمويه فيه ولا تخييل، فليس مما يفعله السحرة. ٣٣ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: أخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاءُ لها شعاع قوي يبهر الناظرين، فماذا قال فرعون وقد بهرته آية موسى؟ ماذا قال وقد فقد الأمل في الانتصار عليه بحجاجه ومناقشته؟.
следующие страницы →