وَلِيدًا﴾ أي: أن تلك الرعاية التي ظفرتُ بها في كنفك هي نعمة ظاهرة لديك وواضحة عندك ولكنها في الحقيقة ليست نعمة، فالسبيل إليها تعبيدك بني إسرائيل، وقصدك إياهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب في وقوعي عندك ووجودى في تربيتك.
وقيل: إنه مقدر بهمزة الإنكار، أي: أو تلك نعمة تمنها عليّ، وهي أن عبدت بني إسرائيل، وعلى كلا الوجهين فالمقصود: أن عناية الله - سبحانه - ألقت به إليه وأنه المتسبب في وصوله إلى منزله، وأنه ﵎ سخره للعناية به والقيام على شأنه ومنعه من قتله حتى قالت امرأته: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾. (١) فالمنة والفضل لله وحده.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
التفسير
٢٣ - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا (٢) رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
بعد أن دعا موسى ﵇ فرعون إلى الإيمان برب العالمين تحقيقًا لأمره تعالى بدعوته: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بعد أن دعاه مرسى
стр. 3327
قال فرعون مستنكرا ما قاله موسى ومستهزئا به: ما هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيرى؟ وقد كان فرعون يدعى أنه ليس هناك إله غيره.
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (١) ولكن نبي الله موسى رد عليه بما حكاه الله بقوله:
٢٤ - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾:
قال موسى لفرعون ردًّا على استفهامه: رب العالمين هو رب السموات وما فيهن من الكواكب الثوابت. والسيارات النيرات، ومن الأرض وما فيها من بحار وقفار وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بينهما من الهواء والطير وما سوى ذلك مما لا نشاهده ولا ندركه، كل ذلك مربوب لله خاضع لسطانه - سبحانه - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (٢).
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: أي إن كانت لكم قلوب صالحة لليقين، وبصائر نيرة تهدى إلى الصراط المستقيم، أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره ووضوح دليله؛ لأن الله - سبحانه - له في كل شيء آية تدل علية وترشد إليه:
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد
فما يدعيه فرعون من الألوهية محض كذب وافتراء؛ فليس في قدرته أن يخلق شيئًا.
٢٥ - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾:
قال فرعون لمن حوله من وجوه القوم وأشرافهم وأعيانهم وعليتهم الذين حضروا وشهدوا هذا الحِجَاجَ: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ لي قول موسى الذي يدعو إلى العجب ويبعث على السخرية والاستهزاه، وذلك بادعائه أن هناك إلها غيرى وربا سواى؟.
وإيراد فرعون كلامه على هذا النحو ليهوِّن من شأن موسى، وينال منه، وذلك منعا لقومه أن يميلوا إلى موسى وينعطفوا نحوه ويعاضدوه.
стр. 3328
٢٦ - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾:
قال موسى على سبيل التوضيح والتصريح لما اشتملت عليه إجابته السابقة، وليضع فرعون بكل جبروته وصلفه في موضعه الصحيح، وينزله من مرتبة الألوهية التي ادعاها لنفسه إلى مرتبته الحقيقية، مرتبة العبودية التي يتساوى فيها مع الناس جميعًا: الله ربكم يا فرعون ومن معك، ورب آبائكم الأقدمين، فلا سبيل لك إلى ادعاء الربوبية لأحد من خلق الله: فما أنتم إلا عباد له سبحانه كسائر عباده.
٢٧ - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾:
اتسم هذا الأُسلوب بالسخرية والاستهزاء إمعانًا في صد القوم عن موسى ﵇ فقد أضاف رسالة موسى إلى المخاطبين فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
وترفَّع أن يكون رسولًا إليه، كما ترفع وتكبر أن يذكر موسى ﵇ باسمه فقال: (الذي) ثم كان منه أن رماه بالجنون، ليكون أبلغ في صد الناس وصرفهم عن اتباعه، فكأنه يقول لهم: كيف يليق بكم - وأنتم العقلاء - أن تصدقوا معتوها، وتتبعوا مجنونا؛ إن فرعون يريد من وراء هذا إثارة غضبهم على موسى واحتقارهم له.
٢٨ - ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
لم يكترث موسى بما وجهه له فرعون من نقائص، بل جابهه بالحق إذ قال رب العالمين هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، فهو رب السماء بما حوت من الثوابت والسيارات الذي دبرها تدبيرا محكما، وقدرها تقديرا متقنا في نظام مستمر دائم على وجه عجيب دقيق، وهذا لا يكون إلا من مدبر حكيم قدير عليم، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر وليجعل المشرق مغربا والمغرب مشرقا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي إن كنتم تعقلون شيئًا، أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الأمر كما قلت وبينت لكم وأرشدتكم، فآمنتم بي رسولًا لله رب العالمين.
стр. 3329
وفي الكلام تلميح إلى أنهم لا عقل لهم فكأن موسى قال لهم: أنتم أولى بما وصفتموني به من جنون، وما رميتموني به من عَتَه.
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾
المفردات:
﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾: معجزة واضحة.
﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: أي ثعبان لا شك.
﴿الْمَلَإ﴾: أشراف القوم وساداتهم.
التفسير
٢٩ - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾:
أحس فرعون صلابة موسى وقرأ في عينيه أنه لا يحيد عن دعوته ولا يتخلى عن رسالته، وأفحمه موسى وأعجزه، فلم يستطع جوابا، فلجأ إلى التهديد بالتعذيب، وهذه
стр. 3330
آية العجز وأمارة الضعف عند مقابلة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فالمتسلط الجبار عندما يعوزه الدليل وتتأبى عليه الحجة يجنح إلى البطش والتنكيل حفاظًا على هيبته وإبقاءً على مكانته، فقال له: لئن جعلت لك إلهًا سواى، وتماديت في دعواك أنك رسول رب العالمين، لأجعلنك من المسجونين الذين تعرفهم، وتعرف ألوان العذاب التي أُنزِلها بهم.
ولكن موسى ﵇ لم ينقطع أمله في إيمان فرعون فتلطف به وقال ما حكاه الله بقوله:
٣٠ - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾:
أي: أتجعلني من المسجونين الذين تعذبهم وتعاملنى معاملتهم ولو جئتك بشيء هائل عظيم موضح لصدق دعوتى، مؤيد لرسالتي؟ فتحداه فرعون بما حكاه الله بقوله:
٣١ - ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
قال فرعون: فَأْت بهذا الشيء إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول رب العالمين، وما أظنك إلا كاذبًا فيما تدعيه.
طابت نفس موسى واطمأن إلى نصر الله الذي أعلمه أن عصاه ستصير ثعبانا عظيما.
٣٢ - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾:
فألقى موسى عصاه ورمى بها إلى الأرض، فإذا هي بقدرة الله ثعبان واضح الحيوانية الثعبانية، لا تمويه فيه ولا تخييل، فليس مما يفعله السحرة.
٣٣ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾:
أخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاءُ لها شعاع قوي يبهر الناظرين، فماذا قال فرعون وقد بهرته آية موسى؟ ماذا قال وقد فقد الأمل في الانتصار عليه بحجاجه ومناقشته؟.
стр. 3331
٣٤ - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾:
قال فرعون لزعماء قومه وكبرائهم حين وجودهم حوله مهونا من أمر موسى ومن الآيات البينات المصدقة له في دعواه الرسالة من رب العالمين - قال -: إن هذا المدعى لساحر بارع في علم السحر، فائق فيه، حاذق له، متقن لقواعده وأصوله، فما جاء به اليوم أمامكم ليس معجزة إلهية كما يدعى، وإنما هو أمر يأتي به الساحر العليم فليس هذا دليلًا على صحة ما يدعيه من رسالته، ومن وجود إله غيرى، ثم هيجهم وحرضهم على الخروج عليه ومخالفته والوقوف في وجهه والكفر به، فقال:
٣٥ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾:
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾:
أي: يريد موسى أن يستولي على قلوب الناس ويميلها معه بسحره هذا حتى يكثر أعوانه وأنصاره ويغلبكم على دولتكم فيأخذ البلاد منكم، ويستعبدكم فتذهب عزتكم ويزول سلطانكم وتكونوا أتباعًا وخدما بعد أن كنتم سادة أعزة.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (١):
بَهَرَ سلطان المعجزة فرعون وحيره حتى نزل به عن ذروة ادعاء الربوبية بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٢) فاستأمر الملأ من قومه وأظهر حاجته إلى رأيهم بعد أن كان مستقلا بالرأى مستبدا بالتدبير، وذلك لأنه استشعر الخوف من استيلاء موسى على ملكه، قال لهم: أشيروا علي في أمره: ماذا أصنع به حتى أُجنبكم شر إخراجكم من دياركم، وتفريق جمعكم، والقضاء على عزكم وجاهكم؟ فإن من أصعب الأشياء على النفوس أن يذل المرءُ بعد العز، فكان أن أشار عليه أصحاب الرأى في قومه بما يحكيه قوله تعالى:
٣٦، ٣٧ - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾:
أي: أجّل أمر موسى وأخيه، وأخِّر البت في شأنهما فليس الأمر هينا سهلا، إنه في حاجة إلى أن تجمع من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك، كل ضالع في السحر عليم بضروبه
стр. 3332
وأنواعه، بصير بفنونه، كي يقابلوا موسى ويأتوا بنظير ما جاء به، أو بأشد منه تأثيرًا فتغلب أنت، وتكون لك النصرة والتأييد.
وكان هذا من تسخير الله - تعالى - لهم أن نطقوا بما نطقوا، وأتوا بمشورتهم هذه ليجتمع السحرة مع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله ومعجزاته قاهرة لجميع السحرة أمام الناس في وضح النهار.
٣٨ - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾:
جمع رجال فرعون وأعوانه السحرة من جميع مدائن مملكته لوقت معين هو الضحى، من يوم معلوم هو يوم الزينة، وهو الوقت الذي حدده موسى ﵇ ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (١) ولعله كان يوم عيد لهم يتزينون فيه، ويجتمعون له، وقد اقترحه موسى ﵇ لإظهار كمال قوته، وكونه على ثقة من أمره، وعدم مبالاته بهم، ليكون ظهور الحق وزهوق الباطل في يوم مشهود.
تكامل عقد السحرة، واجتمع شملهم، فيما حدد من زمان ومكان.
٣٩ - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾:
قيل للناس استبطاءٌ لهم، وحثا ودفعا على المبادرة والإسراع إلى الاجتماع الذي جمع له السخرة البارعون الممتازون - قيل لهم -: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ هذا الاستفهام مجاز عن الحث والدفع، فكأنه قيل لهم: أسرعوا بمشاهدة هذا اللقاء بين سحرتنا وموسى (٢) وهذا الحث يشعر بأن فرعون مطمئن إلى نجاح سحرته الذين جلبهم وجمعهم من مدائنه.
٤٠ - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾:
لعلنا بعد أن نشهد هذا التحدِّي الكبير نتبع السحرة إن غلبوا موسى، وكان قد قوى أملهم واشتد رجاؤهم أن لا يتحولوا عن دينهم خوفًا مما زعمه فرعون من قضاء موسى على سلطانهم بإخراجهم من ديارهم، فليس مرادهم بذلك أن يتبعوا دينهم حقيقة؛ فهم متبعوه، وإنما مرادهم أن لا يتبعوا موسى ﵇ لكنهم ساقوا كلامهم مساق الكناية، حملا لهم على الاهتمام والجد في مغالبة موسى والانتصار عليه.
стр. 3333
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾
التفسير
٤١، ٤٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا (١) لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾:
لما عرض موسى معجزتي العصا واليد أمام فرعون ارتاع فرعون ونسى ربوبيته، وقال لأتباعه على الفور مستغيثًا بهم، وهابطا عن كبريائه: ﴿مَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يعنى أيّ أمر تأمرونني فأُنفذه، حتى لا يضيع ملكي. (٢)
فأشاروا عليه أن يجمع السحرة من أطراف ملكه - هذا ما حكته الآيات السابقة - وجاءت هاتان الآيتان لتحدثنا عن حضور السحرة وما تلاه.
стр. 3334
ولعل رسله إلى السحرة وعدوهم بحصولهم على أجر جزيل من فرعون إن هم غلبوا موسى ﵇ فأرادوا أن يستوثقوا من ذلك بما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
والمعنى الإجمالي لهاتين الآيتين: فلما جاء السحرة من أطراف المملكة، تلبية لدعوة فرعون لينصروه على موسى وأخيه بسحرهم - لما جاءوا لذلك - قالوا لفرعون سائلين مستيقنين: أحق مؤكد أنك جعلت لنا مكافأة وأجرا، إن كنا نحن الغالبين لموسى لظهور سحرتنا وغلبتهم لعصاه في يوم الزينة على رؤوس الاشهاد؟ فأجابهم قائلا: نعم لكم أجر جزيل على ذلك، وإنكم مع حصولكم كل الأجر لمن المقربين عندي، لأنكم نصرتموني على عدوى الذي أخشاه على ملكي.
٤٣ - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾:
جاء في سورة الأعراف أن السحرة قالوا لموسى: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١) ومن هذا النص نفهم أن موسى ﵇ لم يقل لهم: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ إلا بعد أن خيره السحرة بين أن يبدأ بإلقاء عصاه، وبين أن يبدأوا بإلقاء سحرهم، وقد خلت سورة الشعراء من هذا التخيير، كما أن صورة الإذن بالإلقاء في سورة الأعراف ﴿ألقوا﴾ وفي سورة الشعراء. ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وقد عرفنا من سورة الأعراف أن السحرة لما ألقوا ما معهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في يوم الزينة الذي احتشد له الناس ليشاهدوا المعركة بين الحق والباطل وآثارها، ولم يأت ذلك هنا، وبالجملة فقد اشتملت سورة الأعراف على مفارقات عديدة في قصة موسى مع فرعون، وكلما وجدت قصة موسى وفرعون في سورة، وجدت فيها مفارقات بالنسبة لسورة أخرى، ومثل ذلك يحدث في قصص غيره من المرسلين مع أممهم.
стр. 3335
وبالجملة فإن القصص القرآنى جاء في بعض السور مختصرا، وفي بعضها مبسوطا، وأن العبارات في الموقف الواحد قد تختلف في سورة عنها في سورة أخرى.
ويرجع ذلك إلى أن لغة الرسل وأقوامهم لم تكن عربية، وأن ما جاء في القرآن عن قصصهم إنما هو ترجمة عربية لما جرى بين الأنبياء وأُممهم بلغتهم، وأن هذه الترجمة تعود إلى أصل المعنى الذي دار عليه الحوار، أما الحوار نفسه فقد يكون واسع الأطراف كثير الجدل، متعدد اللقاءات، متطاول السنين، فلا غرابة في أن تجد القرآن الكريم في سورة يقتصر في حكايته الحوار وما حوله على المبدأ الأساسي الذي دار عليه الحوار، وترتبط به العظة المقصودة من سَوْقِ القصة، وأن نراه في سورة أُخرى يحكى الحوار بصورة أُخرى فيها بعض البسط، ليجد القارئ في إعادة القصة جديدًا لم يره في سورة أُخرى، فيضيفه إلى معلوماته السابقة في القصة.
وبالجملة فالقرآن الكريم يكمل بعضه بعضا، وهذا أُسلوب بديع تفرد به القرآن بين الكتب السماوية، لما فيه من إعادة التذكير والوعظ، مع التشويق إلى تتبع القصة في مظانها من القرآن، للاستزادة من المعرفة، حتى لا يمل من إعادة القصة إذا كانت بأسلوب واحد.
وليعلم القاريء أن القصص القرآني ليس الغرض منه بيان تاريخ الأمم، بل العظة بما حدث لهم عندما أعرضوا عن رسله، ولذا احتاج الأمر إلى تكرار قصصه مع التلوين في حكايتها وسردها.
ومعنى الآية: قال موسى للسحرة لما اجتمعوا في يوم الزينة: ألقوا ما أنتم ملقونه من أنواع سحركم فلست أبالى بكمه ولا بكيفه.
٤٤ - ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾:
أي: فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، وسلطوا عليها سحرهم ورُقاهم، فانقلبت أفاعي مخيفة؛ وثعابين مزعجة وجاءوا بسحر عظيم سحروا به أعين الناس واسترهبوهم وما هو إلا حبال وعصى في الحقيقة، فلو لم تسحر عيون الناس لرأوها كذلك، وقال
стр. 3336
السحرة حين رأوا ضخامة سحرهم وأثره في عيون ووجوه مشاهديهم - قالوا حينئذ -: نقسم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون لموسى، ولا سبيل لغلبته إيانا.
قال ابن عطية - بعد أن ذكر أن ما قاله السحرة قَسَمٌ بفرعون - قال ابن عطية: والأحرى أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذ كانوا يعبدونه .. الخ.
ومما يؤسف له أن هذه العدوى تسربت إلى المسلمين، فتركوا الحلف بالله إلى الحلف بآبائهم وأوليائهم وبغير ذلك مما لا يجرز الحلف به، فلا حلف إلا بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته.
٤٥ - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾:
فألقى موسى عصاه الخشبية الوحيدة، عقب ثقتهم بسحرهم، وقسمهم بعزة فرعون إنهم لَهُمُ الغالبون، ففوجئوا بالأمر الخطير الذي لم يتوقعوه، وهو أنها انقلبت ثعبانا كبيرا سريع الحركة كأنها جان، وجعلت تبتلع حبالهم وعصيهم التي أفكوها، وزعموا أنها أفاعي وثعابين حقيقية، وما هي إلا حبال وعصى سحروا بها العيون، فتخيلتها كما يزعمون.
٤٦، ٤٧، ٤٨ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
أي: فَخَرَّ السحرة ساجدين لعظمة الله، كأنهم من فرط تأثرهم بالحق واستجابتهم له، لم يتمالكوا أنفسهم، فكأن حالهم كحال من أخذوا فطرحوا على وجوههم، أو أنه تعالى ألقاهم بما وفقهم إليه من التأثر ببرهان الحق، فقد عرفوا أن مثله لا يأتي بطريق السحر، وعلى هذا فالإلقاء مجاز عن التوفيق لسبب السجود وهو معرفة الحق.
قال الآلوسي: وذكر بعض الأجلة أنهم إنما عرفوا حقيقة ذلك، بعد أن أخذ موسى ﵇ العصا فعادت كما كانت ولم يروا لحبالهم وعصيهم أثرا، وقالوا: لو كان سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، ولعلها على هذا صارت أجزاء هبائية، وتفرفت أو عدمت لانقطاع تعلق الإرادة بوجودها. انتهي.
стр. 3337
والمعنى الإجمالي: فخر السحرة على وجوههم ساجدين لرب العالمين، إذ عرفوا أن العصا آية لموسى من ديان يوم الدين، وليست من قبيل سحر الساحرين، قالوا حين سجودهم: آمنا برب العالمين رب موسى وهرون، وبذلك الإيمان سقطت ربوبية فرعون من نفوسهم، واهتزت بين المشاهدين لهم.
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
المفردات:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: وذلك بقطعه اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو العكس ﴿لَا ضَيْرَ﴾: لا ضرر. ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون.
﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لكوننا أول من آمن من أتباع فرعون.
التفسير
٤٩ - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ (١) تَعْلَمُونَ … ﴾ الآية.
أي: قال الجبار فرعون للسحرة بعد هزيمتهم، وقد رآهم يستجيبون لموسى ويخرون لله سجدًا - قال لهم حينئذ -: صدقتم بدين موسى لأجله، دون أن يصدر لكم بذلك إذن
стр. 3338
مني، إن موسى لكبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم معه على أن تُغلبوا أمامه، فهو مكر مكرتموه معا في المدينة لتخرجوا منها أهلها، فلسوف تعلمون ما يحل بكم من النكال والوبال.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
في هذه الجملة بيان للعقاب الذي توعدهم به فرعون إجمالا في قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لأُقطعن اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو العكس، ولا أقتصر على ذلك، لأصلبنكم على جذوع النخل وأربطكم بالحبال عليها، كما قال تعالى في سورة (طه) حكايته عنه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ (١).
٥٠ - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾:
قال السحرة بعد سماع وعيد فرعون الخطير غير مبالين بهِ: لا ضرر علينا في قطع أيدينا وأرجلنا وتصليبنا، فالموت في سبيل الله أسمى أمانينا، لأننا إلى ربنا الذي آمنا به راجعون حين تقتلنا، فنرى لديه من الكرامة والعز، لصبرنا على تعذيبك إيانا، واستشهادنا في سبيله، فلا يزعجنا وعيدك وتهديدك فما أحلى الموت في سبيل الحق.
ويرحم الله خبيب بن عدي حين قال لآسريه الذين أرادوا قتله وصلبه؛ لثأر لهم عند المسلمين:
ولست أُبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا … على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع
وإنما أصر فرعون على صلب السحرة بعد تقطيع أطرافهم، زيادة في التنكيل بهم. وأن يكونوا عبرة لغيرهم.
٥١ - ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
هذا تعليل آخر لانتفاء الضرر على السحرة بقتل فرعون وصلبه إياهم، أي: لا ضرر علينا حين تنفذ وعيدك فينا، فإننا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا التي حدثت منا أيام الكفر، لكوننا أول المؤمنين من أتباع فرعون.
وهكذا تهون الأرواح ويُسْتَلَذُّ العذاب في سبيل مرضاة الله رب العالمين.
стр. 3339
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾
المفردات:
﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ الشرذمة: الجماعة القليلة من الناس، والجمع: شراذم.
﴿لَغَائِظُونَ﴾: لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا. ﴿حَاذِرُونَ﴾: متأهبون متيقظون.
التفسير
٥٢ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾:
لما ظهر أمر موسى وانتصر على السحرة وأسرعوا إلى الإيمان به نكل بهم فرعون وأعد العدة للقضاء على موسى ومن معه قبل أن يستفحل أمرهم ويتفاقم خطرهم، ولكن موسى ظل يكافح طغيانه، ويمده الله من آن لآخر بآياته، كالطوفان والجراد والقُمَّل وغيرها، فلا يزداد فرعون إلا كفرا وإمعانا في البغي والأذى، فلهذا أمر الله نبيه موسى أن يخرج بعباده بني إسرائيل من مصر إنقاذًا لهم من الاستعباد والأذى، وأرشده إلى الخروج بهم ليلًا حتى يسلموا من بطش جنوده ومتابعتهم إياهم.
والمعنى: وأمرنا موسى بوحي منا إليه أن يخرج بعبادى بني إسرائيل ليلًا لأنهم مُتَّبَعُون من فرعون وجنوده، فليسبقوهم إلى النجاة قبل أن يدركوهم، وليجعلوا الليل ساترا لهم حتى لا ينكشف أمرهم.
٥٣ - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾:
أي: فأسرى موسى بالمؤمنين، أي: خرج بهم ليلًا امتثالًا لأمر ربه، ولما أصبحوا وليس في الديار أحد منهم، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل فأرسل سريعًا في
стр. 3340
مدائن مملكته وقراها من يحشر الجند ويجمعهم كالنقباء والحجاب ليتبعوهم، وبذلك يحول بين موسى وقومه وبين ما يقصدون من الهجرة والخروج من البلاد.
٥٤ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾:
لفظ (هؤلاء) إشارة تحقير لبني إسرائيل، أي: قال فرعون لمن حضر مجلسه: إن بني إسرائيل الذين فروا مع موسى لطائفة قليلة من الناس تشتمل على أسباطهم، وهم بالنسبة لأعداد قومنا وجنودنا قليلون، وليس هناك ما يمنعنا من اقتفاء أثرهم والانقضاض عليهم والحيلولة دون هجرتهم، وعقابهم على فرارهم.
٥٥ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾:
وإن موسى ومن معه - مع قلتهم وذلتهم - لصانعون بنا ما يغيظنا ويثير الحقد والغضب في نفوسنا، لأنهم خالفوا أمرنا وخرجوا دون إذننا، وحملوا معهم في مكر وحيلة ودهاء حُلينا وأموالنا وحُللنا.
٥٦ - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾:
وإنا لجمع طبيعته أن يحذر ويحترس ويتيقظ لكل ما يتوقع من جانب العدو، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى تأديبه وإلزامه الطاعة لأمرنا، فلنا القوة، وفينا الكثرة.
﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾
المفردات:
﴿وَكُنُوزٍ﴾: وأموال حفظوها. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: ومساكن حسان يقيمون بها.
стр. 3341
﴿كَذَلِكَ﴾ (١): الإشارة إلى مصدر الفعل، أي: أخرجناهم إخراجًا مثل هذا الإخراج العجيب، أو إلى مقام كريم مثل ذلك المقام الكريم.
﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلين في وقت شروق الشمس.
﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: تقاربا بحيث يرى كل واحد منهما الآخر.
﴿لَمُدْرَكُونَ﴾: لملحقون. ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع لهم.
التفسير
٥٧ - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾:
أي: فأخرجنا فرعون ومن معه من بساتين غناء ورياض فيحاء فيها عيون الماء الجارية.
٥٨ - ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾:
أي: وأخرجناهم أيضا من كنوز خزنوها وادخروها، ومن مساكن طيبة وأماكن شريفة كانوا يقيمون بها منعمين بجمالها وحسن رونقها وبهائها وجميل مرافقها - أخرجناهم من هذه النعم - لأنهم لم يشكروها بالإيمان واتباع الرسول بل كفروا وحاربوا الحق، وناصبوا الرسل ومن معهم من المؤمنين العداء، وحاولوا إهلاكهم والقضاء على دعوتهم فحرمهم الله من نعمه وسلبها منهم؛ لأن المعاصي تزيل النعم.
٥٩ - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي أخرجناهم مثل هذا الإخراج العجيب الذي وصفناه ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال صاحب المنار عند تفسيره لقوله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٢).
تعدد في القرآن التعبير عن استخلاف الله قوما في أرض قوم بالإيراث على سبيل المجاز.
стр. 3342
أي: وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون في مصر - أعطيناهم - مشارق ومغارب الأرض التي باركنا فيها بالخصب والخير الكثير، وهي: فلسطين تحقيقا لوعدنا ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (١) روى عن الحسن البصري وقتادة أنهما قالا في تفسير مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها هي: أرض الشام، وعن زيد بن أسلم قال: هي قرى الشام، وعن عبد الله بن شوذب: فلسطين، ويؤيد هذه الروايات قوله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٣) وربما يتراءى أن إرادة أرض مصر هي الظاهر المتبادر من قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤).
وقوله في سورة الدخان: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (٥) ولكن الأمر ليس كذلك، بل المراد أنهم أُورثوا بعض أملاك فرعون، فلقد كانت بلاد فلسطين والشام تابعة لمصر وفراعنة مصر، ولقد أعطى الله بني إسرائيل بدلا عن مصر التي أمرهم بتركها فلسطين التي في الشام. أ. هـ عن تفسير المنار ص ٩٧، ٩٨، ٩٩، ١٠٠ الجزء التاسع، بتصرف.
ويؤيده: أنه لم يثبت تاريخيا وأثريا أن بني إسرائيل ملكوا مصر واستولوا على أرضها، بل الثابت الذي يحدثنا به التاريخ أنهم بعد أن كانوا مستضعفين في مصر وخرجوا منها مع موسى لم يرجعوا إليها ولن يرجعوا - بإذن الله - ومكثوا يتيهون في الأرض أربعين سنة لمخالفتهم لله ورسوله وتقاعسهم عن قتال الجبارين كما يخبرنا بذلك القرآن الكريم
стр. 3343
٦٠ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾: تبع وأتبع بمعنى واحد.
أي: فتبع فرعون وقومه بني إسرائيل قاصدين إهلاكهم حين أشرقت الشمس.
٦١ - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: أي فلما تقابل الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: أي ملحقون فهالكون على أيدى هؤلاء الذين جَدُّوا في السير وراءنا يريدون إعادتنا للاستعباد أو إهلاكنا، وقد أكدوا مخاوفهم هذه بالجملة الإسمية المؤكدة بإنَّ واللام.
٦٢ - ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾:
أي: لن يدركوكم ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بالنصرة على العدو والحفظ والعون.
﴿سَيَهْدِينِ﴾ قريبًا إلى ما فيه نجاتكم منهم ونصركم عليهم؛ لأن الله دبر الأمر وسيحقق النصر فهو الذي أوحى إليَّ بالإسراء ووجهكم للخروج وسيقضى عليهم، وعبَّر بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ دون أن يقول: ﴿إنَّ مَعنا رَبِّنا سَيَهْدِينِا﴾ للإيذان بأن بني إسرائيل مكرمون بالهداية إلى النجاة من الغرق تبعًا لرسولهم موسى وكرامته على ربه، أما هم فليسوا جديرين بالحفظ من الغرق والنصر على العدو، فإنهم عقب نجاتهم طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كآلهة الشعوب حولهم، وعبدوا العجل الذي قدمه السامري لهم، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ هم الذين أفسدوا في الأرض وعلوا علوًّا كبيرا، ولأجل هذا المقصد حكى الله عن نبيه محمَّد ﷺ أنه قال لأبي بكر وهما في الغار، والمشركون على بابه، والخطر محدق بهما والحزن يملأ قلب أبي بكر خوفًا على الرسول: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فإنه تعالى كان مع رسوله وصديقه لوفائه لربه ونبيه.
стр. 3344
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾
المفردات:
﴿فَانْفَلَقَ﴾: فانشق. ﴿فِرْقٍ﴾: في المختار الفرْقُ؛ الفَلْق من الشيء إذا انفلق، ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ وفي القاموس (الفِرق): القسم من كل شيء. ﴿الطَّوْدِ﴾: الجبل العظيم. ﴿أَزْلَفْنَا﴾: قربنا. ﴿ثَمَّ﴾: - بفتح الثاء - هناك، ويشار به إلى المكان البعيد. ﴿الْآخَرِينَ﴾: المراد بهم فرعون؛ وجنوده.
التفسير
٦٣ - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: لما عظم البلاء علي بني إسرائيل ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك أنه أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله تثبيتًا لإيمان من آمن من قومه، وقضاءً على الشك عند من شك منهم، وإلا فضرب العصا ليس بفالق للبحر ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله ولما انفلق عقب الضرب مباشرة صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينهما كالجبل العظيم، فلما خرج أصحاب موسى،
стр. 3345
وتكامل آخر أصحاب فرعون داخله انصب عليهم الماء وغرق فرعون، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون، فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه، والمراد بالبحر: القلزم على الصحيح، والظاهر أن هذا الإيماء بضرب البحر بعصاه كان بعد القول المذكور ولم يكن مأمورا بالضرب يوم الأمر بالإسراء بقومه، وجاء إنجازا لتدبير الله وتحقيقًا لوعده بنصر المؤمنين وإغراق الطغاة.
٦٤ - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾:
أي: وقربنا فرعون وجنوده من قوم موسى ﵇ حتى دخلوا البحر على أثرهم ويجوز أن يراد: قربنا بعض قوم فرعون من بعض، وجمعناهم لئلا ينجو منهم أحد، وفي التعبير عنهم بالآخرين ترفع عن ذكر اسم فرعون الذي ظن نفسه شيئا، وليس بشئ أمام قدرة الله.
٦٥ - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾:
أي: وأنجيناهم من الهلاك والوقوع في أيدي أعدائهم، ومن الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا إلى البر.
وقوله: سبحانه ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ إشارة إلى أن إنجاءهم كان ببركة هذه المعية ومصاحبة موسى ﵇ لهم، وقيل: ليشمل من آمن به ﵇ من القبط إذ لو قيل: وقومه لتبادر إلى الذهن بنو إسرائيل دون سواهم.
٦٦ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾:
أي: ثم أغرقنا فرعون وجنوده المحقرين بإطباق البحر عليهم بعد خروج موسى ﵇ ومن معه، وثم للتراخى الزمنى في أصل وضعها، ولكن الظاهر أنهم أُغرقوا فور خروج بني إسرائيل، فلهذا تحمل هنا على التراخي المعنوى لما بين المعطوفين من المباعدة المعنوية، فما أبعد الفرق بين الإنجاء والإغراق.
٦٧ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾:
أي: إن فيما ذكر من معجزة البحر وما كان قبله من معجزات العصا واليد وغيرهما
стр. 3346
وسجود السحرة لرب العالمين - إن في ذلك كله - لآية عظيمة على قدرة الله ونصره لرسله، وخذلانه لأعدائهم، وتحذيرا من عاقبة الكفر بالله ورسوله.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي: وما كان أكثر قوم فرعون الذين أمر موسى ﵇ أن يأتيهم وهم القبط على ما استظهره أبو حيان حيث لم يؤمن منهم إلا القليل، ومنهم آسية امرأة فرعون، فلهذا استحق جنودهم الإغراق مع فرعون.
وقيل: ضمير ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ للموجودين بعد الإغراق والإنجاء من قوم فرعون الذين لم يخرجوا ومن بني إسرائيل، والمراد بالإيمان المنفى عنهم: التصديق اليقينى الجازم الذي لا يقبل الزوال أصلا، أي: وما كان أكثر الموجودين بعد تحقيق هذه الآية العظيمة وظهورها مصدِّقًا، فإن الباقين بمصر من القبط لم يؤمن أحد منهم، وأكثر بني إسرائيل كانوا غير متيقنين ولهذا عبدوا العجل وسألوا موسى بقرة يعبدونها وطلبوا رؤية الله جهرة ..... الخ.
وقيل: المراد بالضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قوم نبينا ﷺ أي: وما كان أكثر من دعاهم النبي محمد ﷺ إلى الإيمان - ما كان أكثرهم مؤمنين برسالته، بعد أن ساق لهم تلك القصص العجيبة التي لا سبيل له إلى العلم بها إلا عن طريق الوحى، وكان عليهم أن يعتبروا بها ويؤمنوا برسولهم الذي أخبرهم بها، وقد عرفوه بالصدق والأمانة، وأنه أُمِّي لا يقرأ ولا يكتب، واختار هذا الرأى الآلوسى لأن أول السورة وآخرها في الحديث عنه وتسليته ﷺ عما قالوه في القرآن العظيم، ونهيه صريحًا وإشارة عن أن يذهب بنفسه الشريفة عليهم حسرات، كل ذلك يقتضي رجوع الضمير إلى قومه ﵇ دون الرجوع إلى الأقرب لفظًا، ليكون الارتباط على هذا بين الآيات أقوى.
٦٨ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
أي: وإن خالقك ومربيك وحده دون غيره هو الغالب على كل ما يريده من الأمور التي من جملتها الانتقام من الكفرة: ﴿الرَّحِيمُ﴾ المبالغ في الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يعجل
стр. 3347
بعقوبتهم مع عدم إيمانهم، أو العزيز في انتقامه ممن كفر، الرحيم لمن تاب وآمن، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ لتشريفه ﵇ وتقديم العزيز؛ لأنه أظهر في بيان القدرة، وهكذا شاءت إرادة الله ولا راد لمشيئته أن ينصر الحق وأهله وأن يذل الباطل وحزبه، وأن يخلص بني إسرائيل من براثن فرعون.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾
المفردات:
﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به علم أو غلبة ظن كما قال الراغب.
﴿عَاكِفِينَ﴾: مقبلين عليه مع المواظبة.
﴿الْأَقْدَمُونَ﴾: السابقون الواغلون في القدم.
التفسير
٦٩ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾:
أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ أن يتلو على أُمته نبأ إبراهيم الذي يدينون له بالولاء والنبوة، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له والتبرؤ
стр. 3348
من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره فإنه منذ شب أنكر على قومه عبادة الأصنام، وقد حكى الله قصص الأنبياء في هذه السورة بطريقة الإخبار، أما قصة إبراهيم فقد تغير الأسلوب فيها من الإخبار إلى أمر الرسول بتلاوتها على قومه، لزعمهم أنهم على شريعة إبراهيم الذي ينتسبون إليه ويفتخرون به، مع أنهم بعيدون عن منهجه في العقيدة كل البعد، فهو إمام الموحدين، وهم أئمة الوثنيين.
٧٠ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾:
تضمنت هذه الآية أن إبراهيم ﵇، سأل قومه عما يعبدون، لا لجهله بمعبوداتهم، بل ليبنى على جوابهم أنها بمعزل عن استحقاق العبادة.
والمعنى: واتل - يا محمد - على قومك من قريش خبر إبراهيم العظيم - خبره - حين قال لقومه سائلا عن معبوداتهم: أي شيء تعبدونه؟
٧١ - ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾:
قالوا بطريق المباهاة: نعبد أصناما فنقيم على عبادتها تعظيما لها وتمجيدًا، ولم يقتصروا في جوابهم على بيان أنهم يعبدون أصناما فحسب، بل أطنبوا في وصفها حيث بينوا تمسكهم بها، ودوام عكوفهم على عبادتها مع أنه لم يسألهم عن هذه التفصيلات، فعلوا ذلك قصدا إلى إظهار ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بذلك.
والمراد بالظلول: الدوام، كما في قولهم: لو ظل الظلم هلك الناس، وقيل: فعل الشيء نهارا، فقد كانوا يعبدونها بالنهار والكواكب بالليل، واختار بعضهم الأول لتبادره وكونه أكثر مناسبة للمقام، واختار الزمخشرى الثاني، لأنه أصل المعنى وهو مناسب للمقام أيضا؛ لأنه يدل على إعلانهم عبادتها، وجاء النظم الحكيم على هذا النسق فقال: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا﴾ دون (فنظل عليها) لإفادة معنى زائد، كأنهم قالوا: فنظل لأجلها مقبلين على عبادتها.
٧٢ - ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾:
أي: قال إبراهيم معقبا على إيمانهم مبكتا لهم: هل تسمعكم هذه الآلهة المزعومة حين تدعونهم في قضاء حاجاتكم، أو حين تعبدونهم؟
стр. 3349
وهذا الأسلوب أبلغ في التبكيت، والقصد منه: التنبيه على فساد عقلهم وسوء حالهم وأمرهم، وأن عبادتهم الأصنام وافتخارهم بذلك سفه وسوءُ رأى.
٧٣ - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾:
أي: هل ينفعونكم بسبب عبادتكم لهم أو يضرونكم بترككم لعبادتهم؟ إذ لا بد للعبادة من مقصد من هذه المقاصد، حيث كانت على ما وصفتم - من المبالغة فيها والحفاوة بها والإقامة عليها، فهل لأصنامكم التي آثرتموها بالعبادة صفة النفع أو الضر؟.
وتقرع كلمات إبراهيم آذانهم ملجمة لهم، وتظهر حجته على فساد مسلكهم، مفحمة إياهم حيث لا تجيب الأصنام دعاءً ولا تسمع نداءً ولا تأتى بخير ولا تدفع بلاءً، فيجيبون بما حكاه الله بقوله:
٧٤ - ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾:
أي: ليس لآلهتنا شيء من ذلك، وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم وقلدناهم فيما يفعلون.
٧٥، ٧٦ - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾:
قال إبراهيم مبكتا لهم: أي: أتأملتم فعلمتم حق العلم أي شيء كنتم تقيمون على عبادته أنتم ومن سبقكم من آبائكم القدامى، فهل تقليد الآباء يصلح الاحتجاج به على صحة العبادة وألوهية المعبود؟.
٧٧ - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ (١) الْعَالَمِينَ﴾:
في هذه الآية بيان لحال ما يعبدونه من دون الله، من الضرر العائد من جهتهم على عابديهم بعد بيان غفلة العابدين عن ذلك، فهو يريد بعداوتها له عداوتها لعابديها، فإنهم يتضررون بعبادتها، أي: فاعلموا أيها العابدون أنهم أعداءٌ لعابديهم الذين يحبونهم كحب الله تعالى، لتضررهم من جهتهم فوق ما يتضرر المرء من جهة عدوه، وصور إبراهيم - عليه
стр. 3350
السلام - الأمر في نفسه تعريضا بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١) ليكون أبلغ في النصح وأدعى للقبول، وأبعث على الاستماع لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلاَّ بما نصح به نفسه، ولوقال: فإنهم عدو لكم لم يكن بهذه المثابة، وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح، لأنه يتأمل فيه، فربما قاده التأمل إلى التقبل.
وكلمة (عدو) تستعمل في الواحد والجمع، ولذا أخبر بها عن ضمير الجمع.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: استثناءٌ منقطع من ضمير ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ واختاره الزمخشرى، أي: لكن رب العالمين ليس عدوًّا لي فإنه - سبحانه - ولى من عبده في الدنيا والآخرة.
والمعنى: فإن الذين تعبدونهم من دون الله عدو لي ولكم، فلا أعبدهم لكن أعبد خالق العالمين ومُرَبِّيهم.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
المفردات:
﴿أَطْمَعُ﴾: أرغب.
﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: يوم الجزاء، مأخوذ من دانه: بمعنى جازاه.
التفسير
٧٨ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾: صفة لرب العالمين، ووصفه تعالى بذلك وبما عطف عليه مع اندراج الكل تحت ربوبيته تعالى - زيادة في الإيضاح في مقام الإرشاد، وتصريحا بالنعم،
стр. 3351
وتفصيلا لها لكونها أدخل في اقتضاء تخصيص العبادة به تعالى، وقصر الالتجاء في جلب المنافع، ودفع المضار العاجلة والآجلة على الله سبحانه.
﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: عطف على الصلة، أي: فهو يهدينى وحده - جل شأنه - إلى كل ما يهمنى ويصلحنى من أمور الحياة الدنيا وشئون المعاد هداية متجددة مع الاستمرار من مبدأ الحياة كما ينبئ عنه الفاء وصيغة المضارع، فإنه تعالى يهدى كل ما خلقه لما خلق له هداية يتمكن بها من جلب منافعه ودفع مضاره، إما طبعا وإما اختيارا، مبدؤها بالنسبة للإنسان هداية الجنين لامتصاص دم الطمث، ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بنعيمها المقيم.
٧٩ - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾:
الموصول عطف على الموصول الأول، وإنما كرر الموصول في المواضع الثلاثة مع كفاية عطف ما في حيز الصلة من الجُمَل على صلة الموصول الأول، للإيذان بأن كل واحدة من هذه الصلات نعت جليل له تعالى مستقل في استيجاب الحكم، حقيق بأن يتصف بها - سبحانه - ويشكر عليها، ويعبد من أجلها.
أي: فهو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن وأنزل الماء عذبا زلالا وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد.
وجئ بلفظ (هو) في صدر الصلة دون ذكره مع الخلق لشيوع إسناد الإطعام والسقى إلى غيره فلهذا أعاد الحق في الإطعام والسقي إلى مصدره والمنعم به سبحانه، بخلاف الخلق فإنه لا يستعمل في غيره، فلهذا لم يحتج إلى ضمير، فالله سبحانه هو الذي ينبت لعباده طعامهم وغذاءَهم وينزل لهم من السماء ماء ليسقيهم، ولا دخل لهذه الآلهة في شيء من ذلك، فكيف أعبد سواه؟.
٨٠ - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾:
عطف على ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ نظم معهما في سلك الصلة لموصول واحد؛ لأن الصحة والمرض ينجمان عن الأكل والشرب غالبا، ونسب المرض الذي هو نقمة إلى نفس العبد، والشفاء الذي هو نعمة إلى الله لمراعاة حسن الأدب، كما حكاه
стр. 3352
القرآن الكريم عن الخضر ﵇ بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (١) وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ (٢) ولا يرد إسناد الإماتة - وهي أشد من المرض إليه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لإمكان الفرق بأن الموت قد علم واشتهر أنه قضاءٌ محتوم من الله على سائر البشر، وحكم عام فالتأسي بعموم الموت يسقط أثر كونه نقمة، فيسوغ الأدب نسبته إليه تعالى، وليس المرض كذلك فقد يتفق وقد لا يتفق.
والمعنى: وإذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر عليه من الأسباب الموصلة إليه.
٨١ - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾:
المعنى: والذي يميتنى إذا جاء أجلى، والذي يحيينى مرة أخرى للحساب والجزاء، وقيل: إن الموت لأهل الكمال وسيلة إلى نيل ما أعده الله لهم من نعيم دائم تحتقر معه الحياة الدنيوية وفيه تخليص للعاصي من اكتساب السيئات، فلهذا يعتبر نعمة فلذا أسند إليه سبحانه.
٨٢ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾:
لم يكن لإبراهيم ﵇ خطايا؛ لأنه أبو الأنبياء وخليل الرحمن، وإنما أضاف الخطيئة إلى نفسه بالنسبة إلى ربه أمام قومه، هضما لنفسه وتنبيها لأبيه وقومه أن يتأملوا في أمرهم ليعلموا أنهم من سوء الحال في درجة شديدة، وهم مع ذلك بعيدون عن الرجوع إلى الله بالتوبة من الشرك والمعاصي، وليعلم المسلم أن الأنبياء دائما يطلبون المثل الأعلى في عبادة الله وطاعته، وكلما ارتقوا إلى درجة أعلى استصغروا ما كانوا فيه وعدوه قليلًا واعتبروه من الخطايا مع أنهم لم تحدث منهم معصية على الإطلاق.
ومغفرة الخطايا سابقة في علم الله، وإنما علق إبراهيم ﵇ المغفرة بيوم الدين؛ لأن أثرها يظهر ويحدث يومئذ، ولأن في ذلك تهويلا وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر.
стр. 3353
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾
المفردات:
﴿حُكْمًا﴾: حكمة وكمالا في العلم والعمل. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾: المراد بالصالحين، الأنبياء، والمراد من إلحاقه بهم: أن يجمع بينه وبينهم في الجنة.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾: ذكرا حسنًا وثناء جميلا.
﴿الْآخِرِينَ﴾: القرون التي تأتى بعدي.
﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: لا تهنى على رؤرس الأشهاد يوم القيامة، من الخزى بمعنى الهوان.
﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: خالص من الشرك والشك.
التفسير
٨٣ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾:
لما ذكر لهم من صفاته ما يدل على كمال لطفه تعالى به، حمله ذلك على مناجاته سبحانه ودعائه.
ومعنى الحكم: الحكمة التي هي كمال القوة العلمية بأن يكون عالمًا بالخير لأجل العمل به، وقيل: يجوز أن يكون المراد بها كمال العلم المتعلق بذات الله وصفاته وسائر شئونه وأحكامه التي يتعبد بها، والمراد بإلحاقه بالصالحين: أن يوفقه لأعمال تجعله ينتظم
стр. 3354
في سلك الكاملين الراسخين في الصلاح، المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها، حتى يكون أهلا لخلافة الحق ورياسة الخلق.
وقدم الدعاءَ الأول على الدعاءِ الثاني لأن القوة العلمية مقدمة على القوة العملية، ولأن العلم صفة للروح، والعمل صفة البدن، ولقد دعا إبراهيم ﵇ بدعائه هذا وهو نبي هضمًا لنفسه، وطلبا للمزيد من الكمالات، وكان من دعاء رسولنا ﷺ : "اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين".
٨٤ - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾:
أي: اجعل لي ذكرًا صادقا في جميع الأمم إلى يوم القيامة.
أي: خلّد ذكرى الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للأعمال الصالحة وهدايته إلى السنن المرضية التي يقتدى بها الآخرون ويذكرونه بالخير بسببها وهم صادقون - قال عكرمة: كل أُمّة تحبه وتتولاه، ولا بأس بأن يطلب تخليد ذكره ومدحه لأن الثناء الحسن مما يدل على محبة الله تعالى للعبد ورضاه عنه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ (١) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢) أي: حبًّا في قلوب عباده وثناءً حسنا.
ويجوز أن يراد بالآخرين: أُمة يبعث فيها نبى، وأنه ﵇ طلب الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم بأن يبعث منهم نبي يجدد أصل دينه، ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد، معلنا أن ذلك ملة إبراهيم ﵇ فكأنه طلب بعثة نبي في آخر الزمان لا تنسخ شريعته إلى يوم القيامة، وليس ذلك إلا بعثة نبينا محمَّد ﷺ وقد طلب بعثته ﵇ بما هو أصرح من ذلك وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ (٣) ولذا قال ﷺ : "أنا دعوة إبراهيم ﵇".
ويكون المعنى حينئذ: واجعل لي صاحب لسان صادق في الآخرين، أواجعل لي داعيًا إلى الحق -
صادقًا في الآخرين، واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن
يثنى عليه، والأمور بمقاصدها.
стр. 3355
٨٥ - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (١):
قال ابن كثير: بعد أن طلب أن ينعم الله عليه في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعده طلب أن ينعم عليه في الآخرة بأن يجعله من ورثة جنة النعيم، وذلك لأن المؤمنين يرثون منازل الكفار في الجنة، لأنهم قاموا بما وجب عليهم لله من عبادته وحسن طاعته وعدم الإشراك به دونهم، فأحرزوا نصيبهم في الجنة، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قول الله : ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ويجوز أن يسمى الحصول على الجنة وراثة لحصولهم عليها دون غيرهم، ولأنهم يتصرفون فيها كما يتصرف الوارث في ميراثه.
واستدل بدعائه ﵇ بهذا مع ما تقدم من الأدعية على أن العمل الصالح لا يوجب دخول الجنة، وكذلك كون العبد ذا منزلة عند الله وإلا لاستغنى ﵇ عن طلب الكمال في العلم والعمل والإلحاق بالصالحين ذوي الزلفى، وأنت تعلم أنه يحسن الإطالة في مقام الابتهال.
والمعنى: واجعلنى من عبادك الذين منحتهم نعيم الجنة ثوابا على إيمانهم بك وعبادتهم لك.
٨٦ - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾:
والمعنى: وفقه للإيمان؛ كما يلوح به تعليله بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾: أي المشركين أي: اجعل أبي أهلا للمغفرة، بتوفيقه للإسلام، قال ابن عباس في تفسيرها: امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك، وكان أبوه آزر قد وعده بالإيمان، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وكف عن الدعاء.
стр. 3356
٨٧ - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾:
أي: أجرني من الخزى والهوان يوم القيامة، حين يبعث الخلائق أولهم وآخرهم فلا تؤاخذنى على ما فرط مني من التقصير عن رتبة الكمال، ويجوز أن يكون ذلك تعليما لغيره.
٨٨ - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾:
بدل من يوم يبعثون، جيء به تأكيدا للتهويل وتمهيدا لما يعقبه من الاستثناء، أي: لا تخزنى يوم لا ينفع مال يفتدى به المرءُ نفسه من عذاب الله ولو كان ملءَ الأرض ذهبا، ولا ينفعه بنون مهما كان عددهم، فكل امرئٍ بما كسب رهين.
٨٩ - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾:
أي: أنه لا ينفع أحدا يوم القيامة ماله ولا بنوه إلا من جاء ربه حينئذ بقلب بريء من مرض الكفر والنفاق وغيرهما من سائر أمراض القلب، وفيه تأكيد لكون استغفار إبراهيم لأبيه، كان المراد منه أن يغفر له بعد توبته من كفره، لامتناع طلب المغفرة له وهو كافر مصر على كفره، والقلب السليم كما قال سعيد بن المسيب: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (١) وخص القلب بالذكر؛ لأنه إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت، وهذه أولى صفات يوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فالناس فيه جردوا من مالهم وحولهم وطولهم، ونجاتهم هناك وعزهم بقلب خلى من الزيغ وفساد الاعتقاد، نقي من الشرك والران.
стр. 3357
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾
المفردات:
﴿أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾: قُرِّبت وأُدنيت. ﴿بُرِّزَتِ﴾: أُظهرت. ﴿الْجَحِيمُ﴾: جهنم.
﴿لِلْغَاوِينَ﴾: للكافرين الذين ضلوا، والغواية - بفتح الغين -: الضلال.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: فرمي بعضهم على بعض في الجحيم منكبين على وجوههم.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: زيغ عن الحق واضح. ﴿كَرَّةً﴾: عودة ورجعة إلى الدنيا.
﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾: حبيب قريب يهتم بهم، من الاحتمام، بمعنى: الاهتمام.
التفسير
٩٠ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
أي: قُرِّبت الجنة من المتقين الذين اتقوا الكفر وسائر المعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف، ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم الذاهبون إليها، وأما المؤمنون العصاة
стр. 3358
الذين غلبت معاصيهم على طاعاتهم، فإنها لا تقرب منهم إلا بعد عقابهم على معاصيهم، ما لم يعف الله عنهم.
٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾:
أي: أُظهرت وكشف عنها للذين ضلوا عن طريق الحق والإيمان بحيث يرونها ويبصرون أهوالها ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، المحشورون فيها، ويوقنون بأنهم مواقعوها ولا يجدون عنها مصرفا.
والتعبير في جانب الجنة بالإزلاف الذي هو غاية التقريب للإيذان بقرب دخول المتقين إليها، أما في جانب النار فقد عبر بالإبراز للإيذان بأنها تبدو للغاوين ولو من بعيد، تعجيلا بمساءَتهم.
٩٢، ٩٣ - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾:
أي: يقال لهم على سبيل التوبيخ: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله وتزعمون أنهم شفعاؤكم في هذا الوقت؟.
﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾: بدفع ما تشاهدون من الجحيم وما فيها من العذاب الشديد وعظيم الأهوال ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: بدفع ذلك عن أنفسهم.
أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغنى عنكم اليوم شيئا ولا تدفع عن أنفسها فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون.
٩٤ - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾:
أي: أُلقي بالأصنام في الجحيم على وجوههم مرة بعد أخرى (فالكبكبة) تكرير لكب جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم يكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها، وضمير الجمع في قوله: ﴿كُبْكِبُوا﴾ لما يعبدون من دون الله وهم الأصنام، وأكد بالضمير المنفصل أعنى (هم)، وكلا الضميرين للعقلاء، واستعملا في الأصنام تهكما، والغاوون هم الذين عبدوها، والتعبير عنهم بهذا العنوان دون (العابدون) تسجيل لوصف الغواية عليهم، وفي تأخير ذكرهم عن ذكر آلهتهم رمز إلى أنهم يؤخرون
стр. 3359
في الكبكبة عنها ليشاهدوا سوء حالها وضعفها وهوانها وضعتها، فيقطع رجاؤهم في النجاة قبل دخول الجحيم، وقيل: ضمير ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ للمشركين مطلقا، والغاوون هم القادة المتبعون.
٩٥ - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾:
المراد من جنود إبليس: من يساعدونه على إغواء البشر من شياطين الجن والإنس أي: ألقى فيها الأصنام والغاوون الذين عبدوها، وجنود إبليس ألقى فيها هؤلاء أجمعون ليعذب كل منهم على جريرته، أما الأصنام، فإنها تشاركهم النار لا عقابا لها، بل لبيان أنهم لا قدرة لهم على نفعهم، كما لا قدرة لهم على إنقاذ أنفسهم.
٩٦ - ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾:
استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل: كبكب الآلهة والغاوون - عبدتها - والشياطين الداعون لها فما الذي حدث بعد ذلك؟
أي: قال الغاوون من العبدة يخاصمون آلهتهم، ويلومون أنفسهم على عبادتها، ويتحسرون كل تقديسها حيث يجعلها الله أهلا للخطاب يومئذ، وقال الزمخشرى: ويجوز أن يجرى ذلك التخاصم بين العصاة والشياطين.
٩٧، ٩٨ - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
(إن) في قوله: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن: والمعنى: والله إن شأننا أننا كنا في دنيانا في ضلال عن الحق واضح، حين سويناكم أيها الأصنام برب العالمين في استحقاق العبادة، مع أنكم أدنى مخلوقاته وأذلها، يقولون ذلك تحسرا على ما فاتهم من أسباب النجاة، وبيانا لخطئهم في رأيهم مع وضوح الحق، وقد أكدوا ذلك بالقسم، واستعملوا فيه حرف التاء المفيدة للتعجب كما قاله بعض النحاة.
٩٩ - ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾:
بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره عنهم.
стр. 3360
أي: وما أضلنا عن الحق إلا المجرمون من شياطين الجن والإنس الذين زينوا لنا عبادة الأصنام، فأنت تراهم في هذا الاعتراف ينفون عن الأصنام إضلالهم، ويحيلونه على المجرمين من الشياطين، وذلك بعد أن اتضح لهم الحال فإن الأصنام لا تباشر إضلال عابديها.
١٠٠، ١٠١ - ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾:
أي: فما لنا شفعاء يشفعون لنا كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين والمؤمنين، ولا صديق قريب مشفق يهتم لأمرنا كما نرى لهم أصدقاء لأنه لا يتصادق في الآخرة إلاَّ المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التعادى والتباغض والمراد: تأسُّفهم على فقد شفيع يشفع لهم مما هم فيه أو صديق شفيق يهمه ذلك، وقد تدرجوا في التأسف لمزيد انحطاط حالهم حيث نفوا أولًا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا ثانيًا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلِّصهم.
قال صاحب الكشاف: جمع (الشافع) لكثرة الشفعاء، ووحد (الصديق) لقلته. أهـ
ويجوز أن يراد بالصديق الجمع فإنه يطلق عليه لأنه على زنة المصدر أو لأنه نكرة في سياق النفي فتعم.
١٠٢ - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
لو مستعملة في التمنى بدليل نصب قوله تعالى: ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في جوابها.
والمعنى: فليت لنا رجعة إلى الدنيا فنكون من المؤمنين فلا ينالنا إذا متنا فبعثنا مثل ما نحن فيه من العذاب الذي لا ينفع فيه أحد - ليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى فنصحح خطأنا ونحطم أصنامنا ونعبد ربنا ونكون من المؤمنين به وحده، فإذا كان البعث قربت لنا الجنة وشفع لنا الملائكة والأنبياء وكان إلى جوارنا الأصدقاءُ والأخلاء.
قال الزمخشرى: وما أحسن ما رتب إبراهيم ﵇ كلامه مع المشركين حيث سألهم أولًا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها
стр. 3361
بأنها لا تضر ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأبطله وأخرجه من أن يكون شبهةً، فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله فعظَّم شأنه وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين - ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى الكرَّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذكر من نبأ إبراهيم ﵇ ومحاجته لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد (لآية) عظيمة ودلالة واضحة على خطأ عبادة الأصنام، وبخاصة أهل مكة الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فعليهم أن يجتنبوا كل الاجتناب ما هم عليه من عبادتها خوف أن يحيق بهم هذا العذاب بحكم الاشتراك فيما يوجبه.
ويجوز أن يكون المعنى: إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم ﵇ على حقيقته من غير أن تسمعه يا محمد من أحد لآية عظيمة دالة على أن ما تتلوه عليهم - وهو صادق - نازل من عند الله تعالى موجب للإيمان.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي: وما كان أكثر هؤلاء الذين تتلو عليهم نبأ إبراهيم مؤمنين، بل هم مصرون على ما هم عليه من الكفر والضلال، وقيل: ضمير ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لقوم إبراهيم، وليس بشيء.
١٠٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
أي: لهو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ولكن يمهلهم رحمة بهم ليؤمن منهم أو من ذرياتهم من شاء الله إيمانه.
стр. 3362
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾:
قص الله فيما تقدم قصة موسى، وقصة إبراهيم ﵉ في هذه الآيات إخبار من الله عن قصة عبده ورسوله نوح ﵇ إلي أهل الأرض بعد أن عبدوا الأصنام، وتكذيبهم لرسالته وعقابهم بالطوفان على هذا التكذيب.
والحكمة في ذكر هذه القصص:
(١) تسلية النبي ﷺ الذي كانت شفقته على قومه سببا في جهده وألمه بسبب كفرهم.
(٢) تخويف قومه بما وقع على الأمم السابقة من عذاب بسبب كفرهم وعصيانهم لأنبيائهم.
التفسير
١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾:
قال صاحب المختار: القوم: الرجال دون النساء.
وقال زهير:
وما أدرى ولست إخال أدرى … أقَوْمٌ آل حصن أم نساء
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ (١) ثم قال ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ وربما دخل فيه النساء على سبيل التَّبَع كما هنا؛ لأن قوم كل نبى رجال ونساء، والقوم يذكر ويؤنث لأن أسماء المجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل الرهط والنفر والقوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٢) وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ا. هـ: من مختار الصحاح.
стр. 3363
وتكذيب قوم نوح المرسلين باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، فمن كذب رسولًا فقد كذب الرسل، ويجوز أن يراد بالمرسلين: نوح ﵇ بجعل اللام للجنس، كما يقال: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبردة.
١٠٦ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾:
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: ظرف للتكذيب، والمراد بأخوته لقومه أنه ابن أبيهم، فهو شريكهم في أُخوة النسب، وقيل: من قول العرب: يا أخا تميم يريدون واحدا منهم.
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي ألا تخافون الله حيث تعبدون غيره.
١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾:
أي: إني رسول من الله إليكم، صادق فما أُبلغكم عن الله من شريعة، لا أزيد فيها ولا أنقص منها، وقيل: أمين فيما بينكم لأنهم عرفوا أمانته كما عرفت قريش أمانة محمَّد ﷺ قبل البعثة وكانت تلقبه بالصادق الأمين.
١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾:
أي: اجعلوا أنفسكم في وقاية من عذاب الله بطاعته، وأطيعوني فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله، وقدم الأمر بتقوى الله على الطاعة لأن التقوى سبب الطاعة.
١٠٩ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
وما أسألكم على ما أنا مُتصَدٍّ له من الدعاء والنصح أجرا من مال أو سواه، وما أجرى في دعوتي لكم إلى الحق ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو سبحانه الذي يؤجرني على ذلك تفضلا منه، لا غيره.
١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾:
أي: وإذا كنت لا أسألكم على دعوتكم أجرا، فذلك برهان على صدقي، فاتقوا الله وخافوه وامتثلوا أوامره، وأطيعوني فيما بلغتكم عنه.
стр. 3364
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾
المفردات:
﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع الأرذل: وهو الدُّون الخسيس، وقد يطلق على الرديء من كل شيء.
﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: لو تحسون. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منذر مبين للحق.
التفسير.
١١١ - ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾:
قال قوم نوح يردون دعوته: لا نؤمن لأجلك ولا نصدق بك وقد اتبعك هؤلاء السفلة الأخساء من الناس، يقصدون أن الذين اتبعوه أدنى منهم جاهًا ونسبًا ومالًا، كأهل الحرف الدنيئة والصناعات الوضيعة ومن لا شأن له من الناس، فلا يكونون أهلا لاجتماعهم بهم في شأن سبقوهم إليه، ولا أسود يقتدون بهم.
وهنا العذر الذي انتحلوه لكفرهم، برهان على جهلهم وقلة عقلهم، فإنه ليس بعار على الحق ضآلة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواءٌ اتبعه الأشراف أم الأراذل، على أن سبق الأسافل إليه برهان على أنهم هم الشرفاء العاقلون، والذين يأبونه هم الأراذل الجاهلون، فمن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبُه.
وواقع الحياة والتاريخ شاهد على أن الضعفاء يسبقون إلى الحق لفقدان ما يشغلهم عنه، وأن يتقاعس عنه الأغنياءُ وذوو الجاه لكبريائهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
стр. 3365
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) والحق أن الفقر ليس من الرذالة في شيء؛ قال الشاعر:
قد يدرك المجدَ الفتى ورداؤه … خَلَقٌ وجَيْبُ قميصه مرقوعُ
وخسة الصناعة مع تقوى الله، لا تلحق بصاحبها نقصًا، قال أبو العتاهية:
وليس على عبد تقيٍّ نقيصة … إذا صحح التقوى وإن حال أو حجم (٢)
ومثلها ضَعَةُ النسب فقد قيل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولمَّا سأل هرقل أبا سفيان بن حرب قائلا: أأشراف الناس اتبعوا محمدًا أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هؤلاء هم اتباع الرسل، ولما كان وصفهم لمن اتبعوا نوحًا بأنهم أرذلون، فيه تعريض بأنهم لم يتَّبعوه إخلاصًا له أو لدينه، بل ليرفعوا خسَّتهم، أو ليصيبوا بإيمانهم بعض المنافع، فلهذا رد عليهم نوح بما حكاه الله بقوله:
١١٢ - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: ليس لي علم بما كانوا يعملون بإيمانهم، وهل عملوه إخلاصًا أو طمعًا في غرض دنيوى، وأي شيء يُلزمني بالبحث عن نية هؤلاء بإيمانهم، فليست وظيفتي إلاَّ اعتبار الظواهر، وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم، والشق عن قلوبهم، أما معرفة القلوب والحساب على ما انطوت عليه فهي لله تعالى، كما قال سبحانه:
١١٣ - ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾:
ما محاسبتهم على إيمانهم وأعمالهم، وجزاؤهم عليها إلا على ربي، فهو سبحانه المطلع على البواطن، العليم بما تخفى الصدور، المحاسب والمؤاخذ عليها، لو كنتم من أهل الشعور والإدراك لعلمتم ذلك، لكنكم لستم كذلك فقلتم ما قلتم.