بأنها لا تضر ولا تبصر ولا تسمع، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأبطله وأخرجه من أن يكون شبهةً، فضلا عن أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم، حتى تخلص منها إلى ذكر الله فعظَّم شأنه وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين وابتهل إليه ابتهال الأوابين - ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى الكرَّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذكر من نبأ إبراهيم ﵇ ومحاجته لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد (لآية) عظيمة ودلالة واضحة على خطأ عبادة الأصنام، وبخاصة أهل مكة الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فعليهم أن يجتنبوا كل الاجتناب ما هم عليه من عبادتها خوف أن يحيق بهم هذا العذاب بحكم الاشتراك فيما يوجبه.
ويجوز أن يكون المعنى: إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم ﵇ على حقيقته من غير أن تسمعه يا محمد من أحد لآية عظيمة دالة على أن ما تتلوه عليهم - وهو صادق - نازل من عند الله تعالى موجب للإيمان.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي: وما كان أكثر هؤلاء الذين تتلو عليهم نبأ إبراهيم مؤمنين، بل هم مصرون على ما هم عليه من الكفر والضلال، وقيل: ضمير ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لقوم إبراهيم، وليس بشيء.
١٠٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
أي: لهو القادر على تعجيل العقوبة لقومك ولكن يمهلهم رحمة بهم ليؤمن منهم أو من ذرياتهم من شاء الله إيمانه.
стр. 3362
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾:
قص الله فيما تقدم قصة موسى، وقصة إبراهيم ﵉ في هذه الآيات إخبار من الله عن قصة عبده ورسوله نوح ﵇ إلي أهل الأرض بعد أن عبدوا الأصنام، وتكذيبهم لرسالته وعقابهم بالطوفان على هذا التكذيب.
والحكمة في ذكر هذه القصص:
(١) تسلية النبي ﷺ الذي كانت شفقته على قومه سببا في جهده وألمه بسبب كفرهم.
(٢) تخويف قومه بما وقع على الأمم السابقة من عذاب بسبب كفرهم وعصيانهم لأنبيائهم.
التفسير
١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾:
قال صاحب المختار: القوم: الرجال دون النساء.
وقال زهير:
وما أدرى ولست إخال أدرى … أقَوْمٌ آل حصن أم نساء
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ﴾ (١) ثم قال ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ وربما دخل فيه النساء على سبيل التَّبَع كما هنا؛ لأن قوم كل نبى رجال ونساء، والقوم يذكر ويؤنث لأن أسماء المجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل الرهط والنفر والقوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٢) وقال هنا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ا. هـ: من مختار الصحاح.
стр. 3363
وتكذيب قوم نوح المرسلين باعتبار إجماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، فمن كذب رسولًا فقد كذب الرسل، ويجوز أن يراد بالمرسلين: نوح ﵇ بجعل اللام للجنس، كما يقال: فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبردة.
١٠٦ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾:
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: ظرف للتكذيب، والمراد بأخوته لقومه أنه ابن أبيهم، فهو شريكهم في أُخوة النسب، وقيل: من قول العرب: يا أخا تميم يريدون واحدا منهم.
﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي ألا تخافون الله حيث تعبدون غيره.
١٠٧ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾:
أي: إني رسول من الله إليكم، صادق فما أُبلغكم عن الله من شريعة، لا أزيد فيها ولا أنقص منها، وقيل: أمين فيما بينكم لأنهم عرفوا أمانته كما عرفت قريش أمانة محمَّد ﷺ قبل البعثة وكانت تلقبه بالصادق الأمين.
١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾:
أي: اجعلوا أنفسكم في وقاية من عذاب الله بطاعته، وأطيعوني فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله، وقدم الأمر بتقوى الله على الطاعة لأن التقوى سبب الطاعة.
١٠٩ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
وما أسألكم على ما أنا مُتصَدٍّ له من الدعاء والنصح أجرا من مال أو سواه، وما أجرى في دعوتي لكم إلى الحق ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهو سبحانه الذي يؤجرني على ذلك تفضلا منه، لا غيره.
١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾:
أي: وإذا كنت لا أسألكم على دعوتكم أجرا، فذلك برهان على صدقي، فاتقوا الله وخافوه وامتثلوا أوامره، وأطيعوني فيما بلغتكم عنه.
стр. 3364
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾
المفردات:
﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع الأرذل: وهو الدُّون الخسيس، وقد يطلق على الرديء من كل شيء.
﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: لو تحسون. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: منذر مبين للحق.
التفسير.
١١١ - ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾:
قال قوم نوح يردون دعوته: لا نؤمن لأجلك ولا نصدق بك وقد اتبعك هؤلاء السفلة الأخساء من الناس، يقصدون أن الذين اتبعوه أدنى منهم جاهًا ونسبًا ومالًا، كأهل الحرف الدنيئة والصناعات الوضيعة ومن لا شأن له من الناس، فلا يكونون أهلا لاجتماعهم بهم في شأن سبقوهم إليه، ولا أسود يقتدون بهم.
وهنا العذر الذي انتحلوه لكفرهم، برهان على جهلهم وقلة عقلهم، فإنه ليس بعار على الحق ضآلة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواءٌ اتبعه الأشراف أم الأراذل، على أن سبق الأسافل إليه برهان على أنهم هم الشرفاء العاقلون، والذين يأبونه هم الأراذل الجاهلون، فمن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبُه.
وواقع الحياة والتاريخ شاهد على أن الضعفاء يسبقون إلى الحق لفقدان ما يشغلهم عنه، وأن يتقاعس عنه الأغنياءُ وذوو الجاه لكبريائهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
стр. 3365
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) والحق أن الفقر ليس من الرذالة في شيء؛ قال الشاعر:
قد يدرك المجدَ الفتى ورداؤه … خَلَقٌ وجَيْبُ قميصه مرقوعُ
وخسة الصناعة مع تقوى الله، لا تلحق بصاحبها نقصًا، قال أبو العتاهية:
وليس على عبد تقيٍّ نقيصة … إذا صحح التقوى وإن حال أو حجم (٢)
ومثلها ضَعَةُ النسب فقد قيل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولمَّا سأل هرقل أبا سفيان بن حرب قائلا: أأشراف الناس اتبعوا محمدًا أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هؤلاء هم اتباع الرسل، ولما كان وصفهم لمن اتبعوا نوحًا بأنهم أرذلون، فيه تعريض بأنهم لم يتَّبعوه إخلاصًا له أو لدينه، بل ليرفعوا خسَّتهم، أو ليصيبوا بإيمانهم بعض المنافع، فلهذا رد عليهم نوح بما حكاه الله بقوله:
١١٢ - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: ليس لي علم بما كانوا يعملون بإيمانهم، وهل عملوه إخلاصًا أو طمعًا في غرض دنيوى، وأي شيء يُلزمني بالبحث عن نية هؤلاء بإيمانهم، فليست وظيفتي إلاَّ اعتبار الظواهر، وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم، والشق عن قلوبهم، أما معرفة القلوب والحساب على ما انطوت عليه فهي لله تعالى، كما قال سبحانه:
١١٣ - ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾:
ما محاسبتهم على إيمانهم وأعمالهم، وجزاؤهم عليها إلا على ربي، فهو سبحانه المطلع على البواطن، العليم بما تخفى الصدور، المحاسب والمؤاخذ عليها، لو كنتم من أهل الشعور والإدراك لعلمتم ذلك، لكنكم لستم كذلك فقلتم ما قلتم.
стр. 3366
١١٤ - ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
ولست بطارد المؤمنين عنِّي لضعفهم تطييبًا لنفوسكم، وطمعا في إيمانكم، وهو جواب عما أشعر به كلامهم من رغبتهم في طردهم، كشرط لإيمانهم به. وقيل: إنهم طلبوا منه طردهم فأجابهم بذلك، ويشير إلى هذا ما جاء في سورة هود على لسان نوح: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُورَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٩ - ٣٠). وقد فعل مثل ذلك رؤساء قريش مع النبي ﷺ فأنزل الله له: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ (١).
فهذا وذاك يدلان على أن شريعة السماء تحرص على المؤمنين، ولو ضعف شأنهم بين قومهم.
١١٥ - ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
في هذه الآية الكريمة تحديد لوظيفة الرسول، وهي كالتعليل لما قبلها، أي: وما أنا إلاَّ رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي، سواءٌ أكانوا من الأعزاء أم من الأذلاء، فكيف يتسنى لي طرد الفقراء لإرضاء الأغنياء؟
стр. 3367
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾
المفردات:
﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: من المقتولين رجما بالحجارة. ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: أي فاحكم بيني وبينهم حكمًا. ﴿الْفُلْكِ﴾: بوزن القُفل، ويطلق على السفينة الواحدة، وعلى السفن المتعددة بلفظ واحد، ويعرف المقصود بالقرائن، قال تعالى في الجمع: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ أما هنا فهو للواحد، ولذا وُصفَ بالمشحون، أي: المملوء، من شَحَن السفينة - كمنع -: ملأها، كأشحنها. ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب الذي يَقهر وَلا يُقهَر.
التفسير
١١٦ - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾:
طال مقام نوح ﵇ بين قومه، يدعوهم إلى الله - تعالى - ليلًا ونهارا وسرًّا وجهارًا، وكلما كرر الدعوة لم يزدادوا إلاَّ عنادًا وإصرارًا، ثم لجئوا إلى التهديد، وذلك ما حكاه الله في هذه الآية.
ومعناها: قال قوم نوح: لئن لم ترجع يا نوح عن دعوتك إيانا إلى دينك لنرجمنك، يقصدون تهديده بالقتل رجمًا بالحجارة، ولما استحكم اليأس عند نوح من إيمانهم، بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلاَّ خمسين عامًا يدعوهم، دعا عليهم دعوة استجاب الله لها، وذلك ما حكاه الله بقوله:
стр. 3368
١١٨، ١١٧ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
لم يقصد نوح ﵇ إخبار ربه - تعالى - بتكذيب قومه له؛ لأنه يعلم أن ربه بهم عليم، ولكنه يقصد الاعتذار عن دعائه على قومه ببيان سببه.
والمعنى: قال نوح بعد أن صبر على قومه دهورًا وهم يجادلون ولا يؤمنون - قال -: يا رب إن قوى استمروا على تكذيبي في دعوتي إياهم إلى الحق وأصروا على ذلك في دهورًا، فاحكم بيني وبينهم حكمًا يهلك به من جحد توحيدك وكذب رسولك، ونجني ومن آمن معى من العذاب الذي تنزله بهم، وهذه حكايته إجمالية لدعائه المفصل في سورة نوح.
١١٩، ١٢٠ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾:
أي: فَأَنجينا نوحًا ومن آمن معه في السفينة المملوءة بهم، وبما لا بد منه من الطعام والشراب والحيوان، وقد حمل فيها من كل زوجين اثنين، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين على الكفر، أو الباقين خارج السفينة لكفرهم.
١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
إن فيما ذكره القرآن من نبأ نوح وقومه لبرهانًا وحجة على قدرة الله وغضبه لمحارمه، وعلى صدق الرسول في نبوته، حيث حكى عن نوح ما لا سبيل له إلى علمه سوى الوحى، وما كان أكثر أمة نوح مؤمنين، فلذلك أهلكهم وأنجى المؤمنين، فلماذا لا يعتبر مشركو مكة بقصتهم، ويرجعوا عن غيهم، حذرًا من أن يبطش الرب الجبار بهم، كما بطش بهؤلاء المشركين قبلهم.
١٢٢ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب على ما يريده، القادر على استئصال أعداء دينه، فكل شيءٍ دونه مقهور مغلوب لقدرته، وهو الرحيم المنعم بدقائق النعم، الكثير الرحمة، فلذا أخر العقوبة عنهم أحقابًا ودهورًا، ولم يقطع الرزق عنهم مع قبح فعلهم.
- بفتح العين، وقد تسكن -: الإبل والبقر والغنم، ويكثر استعمالها في الإبل خاصة، ﴿أَوَعَظْتَ﴾: الوعظ؛ التذكير بما يلين القلوب. ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سجيتهم وطبيعتهم.
التفسير
١٢٣ - ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾:
لما قصَّ الله - سبحانه - على سيدنا محمَّد ﷺ خبر نوح ﵇ تسلية له عما يلقاه من قومه، قصَّ عليه أيضًا نبأ هود ﵇ مع قوله، وزمانُهم بعد قوم نوح ﵇ كما جاء في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ (١). وقد كانوا أقوياء الأجساد شديدي البطش، في سعة من الأولاد والأموال والبساتين والأنهار والزروع والثمار والخيرات التي لا تحصى، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله - تعالى - وكان أمرهم مع هود ﵇ ما قص الله في هذه الآية، ما بعدها.
والمعنى: كذبت قبيلة عاد جميع المرسلين، فإن تكذيبهم لرسولهم هود ﵇ يعتبر تكذيبًا لجميع الرسل، لاتحاد دعوتهم في أصولها وغاياتها، وتأنيث الفعل هنا باعتبار أن المراد بعاد (القبيلة) وهو في الأصل اسم لأبيهم الأقصى، فأطلق عليهم.
١٢٤ - ١٢٧ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
يرى القاريء في قصص نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، وقوع لوط، وقوم شعيب - يرى القاريء - في هذه القصص الخمس أنها قد بدئت جميعًا بالأمر بالتقوى والطاعة، وقول الرسول لقومه: إنه لا يسألهم أجرًا على تبليغه الرسالة إليهم، وتصديرُها بذلك للتنبيه على أن الرسالات السماوية قائمة على الدعاء إلى تقوى الله ومعرفة الحق، وطاعة الرسل فيما أمروا به أو نهوا عنه جلبًا للثواب ودفعًا للعقاب، والتنبيه إلى أن الرسل لا يبتغون من وراء تبليغ رسالاتهم أجرا وجاهًا، وليعلم القاريء أن الرسل وإن اتفقوا على العقائد وأصول الشرائع،
стр. 3371
فهذا لا يمنع من حدوث الاختلاف في بعض فروعها كمًّا أو كيْفًا تبعًا لاختلاف العصور وأهلها.
١٢٨ - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾:
أتشيدون بكل مكان عال من أرضكيم بناء شامخًا تتفاخرون به وتعبثون بإقامته دون أن تكونوا في حاجة إليه، أفلا فكرتم في أخراكم فآمنتم بربكم وعملتم لمرضاته؛ لأنكم إليه صائرون، وعلى عقائدكم محاسبون.
١٢٩ - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾:
المصانع: جمع مصنعة - بفتح النون وضمها - وهي كالحوض يجتمع فيها ماءُ المطر، وهذا يؤذن بأنها فوق الأرض، ولعلهم كانوا يتخذون السدود لحبس مياه المطر، كما فعلت سبأ بإنشائها سد مأرب، وتطلق المصانع أيضًا على مآجل الماء تحت الأرض (١)، ولعله يشير إلى المعنى الأول للمصانع قول لبيد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع … وتبقى الجبال بَعْدَنا والمصانع
وفسرها بعض اللغويين بالقصور الشاهقة والحصون المنيعة، ومنه قول الشاعر:
تركنا دورهم منهم قفارًا … وهدمنا المصانع والبروجا
والمعنى على الوجهين: وتتخذون سدودًا لحبس المياه أو حصونًا منيعة وقصورًا مشيدة مؤملين الخلود في الدنيا، كأنكم لا تعرفون الموت ولا تحسُّون بسكان القبور، والمقصود من ذمهم وتوبيخهم على الوجهين: اهتمامهم بدنياهم، دون العمل لأخراهم، فلو عملوا لهما جميعًا لما عيب عليهم ما صنعوه لدنياهم في غير صرف ولا مخيلة.
١٣٠ - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾:
وإذا عاقبتم سواكم: أسرفتم في البغي عليهم جبارين غاشمين، تقتلون وتخربون بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العواقب، وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب لا تتثبَّتون متفكرين في العواقب، وقال ابن كثير: يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت.
стр. 3372
١٣١ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾:
فخافوا الله واتركوا هذه الأفعال، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه؛ فإنه أنفع لكم.
١٣٢ - ١٣٤ - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾:
أي: واحذروا غضب الله الذي بسط لكم يد إنعامه، بالذى تعلمونه من أنواع النعماء وأصناف الآلاء، أمدكم بالإبل والبقر والغنم، وأمدكم بالبنين لتكثروا بهم، وليعاونوكم في حفظ أنعامكم وتنميتها، وليحملوا عنكم بعض أعبائكم، وأمدكم ببساتين مثمرات، وعيون بالماء جاريات.
قال الزمخشرى: بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، وبذلك أيقظهم من سِنَة غفلتهم عنها، ونبههم إلى أنه تعالى كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم، فهو قادر على الثواب والعقاب، فعليهم أن يتقوه. انتهى بتصرف.
١٣٥ - ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
إني أخاف عليكم إن لم تقوموا بشكر هذه النعم عذاب يوم عظيم في الدنيا والآخرة، فإن كفران النعم موجب للعقاب بإزالتها أو تقليلها، كما أن شكرها سبب في زيادتها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١).
وهكذا دعاهم نبيهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وبين لهم أنه كما قدر على أن يعطيهم هذه النعم متفضلا، فهو قادر على سلبها عادلا، وأنه بذلك تعرف قدرته على ثوابهم إن أحسنوا وعقابهم إن أساءوا، ولم ينفعهم وعظه وتذكيره كما حكاه بقوله:
١٣٦ - ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾:
قالوا استخفافًا وعدم مبالاة بما يقول: سواءٌ لدينا أبالغت في وعظنا وتذكيرنا أم لم تكن من الواعظين، فإنا لن نرعوى عما نحن عليه.
стр. 3373
ولم يقولوا: أوعظت أم لم تعظ - مع أنه أخْصَرُ - للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه؛ لأن المراد: سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن من أهله ومباشريه أصلًا.
١٣٧، ١٣٨ - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾:
أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا خلق الأولين وعادتهم، إذ كانوا يلفقون مثله ويسطرونه كما قال مشركو مكة للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
أو ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الأولين - أي: دينهم وعادتهم - ونحن بهم مقتدون، كما قال مثله غيرهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) فنحن تابعون لهم سالكون سبيلهم، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا، وما نحن بمعذبين فلا بعث ولا جزاء.
١٣٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي: فاستمروا على تكذيبهم وعنادهم، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية شديدة البرد، فكان سبب إهلاكهم من جنس جبروتهم، إن في ذلك الذي أنزله الله بعاد جزاء تكذيبهم لبرهانًا على قدرة الله، وما كان أكثر الذين تتلو عليهم، يا محمد - نبأ عاد مؤمنين برسالتك مع قيام الحجة عليهم.
١٤٠ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
وإن ربك - أيها الرسول - لهو القاهر للجبارين، الرحيم بالمؤمنين.
سأل نافع بن الأزرق ابن عباس ﵄ عن معنى (هضيم) فقال: هو المنضم بعضه إلى بعض، فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول امرئ القيس:
دارٌ لبيضاء العوارض طَفْلَةٌ … مهضومةُ الكَشَّحْين ريَّا المعْصَم
وقيل: المراد من الطلع الهضيم: الطَّيَّب اللين النضيج من الرطب. (تَنْحِتُونَ): النحت؛ البَرْىُ،: أي يبرون الأَحجار، والنُّحاتَةُ: البُراية. (فَارِهيَن): ماهرين حاذقين وفعله: فَرُهَ ككرُم، فراهَة وفراهية، أما فَرِهَ برزن فرح، فمعناه: أشر وبطر. (الْمُسحَّرِينَ): السَّحْر - بسكون الحاء ويحرك -: الرئة، والسِّحر - بكسر السين -: كل ما لطف مأْخذه وقَّ، وفعله كمنع. (شِرْبٌ): الشرب - بالكسر -: الماء، والنصيب منه، والمورد، ووقت الشرب. (قَعَقَرَوهَا): فذبحوها، والعقر: الذبح والجرح، وعَقَر النخلة: قطع رأْسها.
التفسير
١٤١ - ١٤٥ - ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
هذا إخبار من الله عن ثمود قوم صالح ﵇ بأَنهم كذبوا المرسلين بتكذيب نبيهم وأَخيهم صالح حين دعاهم إلى تقوى الله فإن المرسلين جميعًا جاءُوا برسالة موحدة، هي الدعوة إلى التوحيد والإيمان بيوم النشر، وتقوى الله، فمن كذب أحدهم فقد كذب سواه ضمنًا.
ومساكن ثمود بالِحجْر، بين وادى القرى وبلاد الشام، وقد مر النبي ﷺ بها في طريقه إلى غزوة تبوك.
والمعنى: كذبت قبيلة ثمود المرسلين بتكذيبهم نبيهم صالحا، مع أنه أخوهم، ومن بينهم فهم يعرفون صدقه - كذبوه - حين قال - لهم: ألا تتقون عقاب الله فتؤمنوا به إلهًا واحدًا لا رب سواه، إني لكم رسول من الله أمين على رسالته، وأمين في أَمره كله،
стр. 3376
فاتقوا الله وأطيعوني في دعوتكم إلى الحق، وما أطلب منكم على ذلك أجرًا وثوابًا، فما أجري إلَّا على رب العالمين، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال:
١٤٦ - ١٤٩ - ﴿أَتُتْرَكُونَ في مَا هَا هُنَا آمِنِينَ (١٤٦) في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾:
إِنكار ونفى لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا يزالون عنه، أو تذكير بالنقمة إذا تخلى الله عنهم، فقضى على مما يتنعمون به من الجنات وما هم فيه من الأمن والدعة.
والمعنى: أتظنون أن تتركوا في دياركم هذه آمنين في حدائق مثمرات، وعيون جاريات بالماء الفرات، وزروع يانعات، ونخل ثمرها لين نضيج، وتتخذون من الجبال بيوتًا حاذقين في نحتها منها، متفاخرين بها، أتتركون في ذلك آمنين من نقم الله، وأنتم مقيمون على الكفر والمعاصي؟!
١٥٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾:
أي: فأقبلوا على تقوى الله وطاعتي فيما آمركم به عن الله؛ فإن ذلك هو الذي يعود نفعه عليكم في دنياكم وأُخراكم، فيه تبقى النعم، وتبعد النقم، وتحسن العاقبة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
١٥١، ١٥٢ - ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾:
ولا تطيعوا أمر زعمائكم الذين أسرفوا على أنفسهم بالترف وإتباع الشهوات والإغراق في الكفر والضلال، الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ولا يصلحون في شئون البلاد والعباد.
١٥٣ - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾:
قال قوم صالح ردًّا على وعظه ونصائحه: ما أنت إلا من الذين سُحروا كثيرًا حتى غلب السحر على عقولهم - وبه قال مجاهد وقتادة. أو من المخلوقين الذين لهم سَحْر، أي: رئة، يَعْنُون أنَّه من بني آدم مثلهم ولا فضل له عليهم، وبه قال ابن عباس، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر:
فإِن تسأَلينا ممَّ نحن؟ فإِننا … عصافير من هذا الأنام المُسَحَّر
стр. 3377
١٥٤ - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
ما أنت إلاَّ إنسان تماثلنا في البشرية، فكيف أوحى إليك دوننا، فَأْتِ بحجة على صدقك فيما تدعيه من الرسالة عن الله، إن كنت فيما تدعيه من جملة الصادقين فيما يقولون.
١٥٥ - ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾:
قال صالح لقومه حينما أعطاه الله الناقة معجزة له: هذه ناقة الله أخرجها لكم آية، لها ماءُ يوم معلوم، ولكم ماءُ يوم معلوم، فإذا كان يوم مائِها فلا تشركوها فيه، وإذا كان يوم مائكم فلا تشرككم فيه.
وقد كانت تشرب الماء كله في يومها أول النهار، وتسقيهم من لبنها آخر النهار، أَما في يومهم فكانت تترك الماء كله لأنفسم ومواشيهم.
١٥٦ - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
ولا تلحقوا بها أذى، فيهلككم عذاب يوم عظيم، ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه وهو أبلغ من وصف العذاب به.
وبعد هذا التحذير مكثت الناقة حينًا ترد الماء وتأكل من أوراق الشجر والعشب في يومها، وتمنحهم من لبنها ما يكفيهم شربًا وريًّا، دون أن تَعْدُوَ عليهم، ومكثوا هم مقتصرين على شربهم في يومهم، فلما طال عليهم الأَمد، ضاقوا بمنعهم عن الماء في يومها، فتمالئوا على عقرها.
١٥٧ - ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾:
فذبحوا الناقة مخالفين بذلك ما اتفقوا عليه مع صالح ﵇ فأَصبحوا على ما فعلوا نادمين خوفًا من حلول العذاب بهم، لا توبة من ذنبهم، أو توبة منه عند معاينتهم لمبادئ العذاب، حيث لا ينفع المتاب.
١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
فأهلكهم العذاب الذي كان نبيهم صالح قد توعدهم به إذا مسوها بسوءٍ، إن في قصتهم لدلالة على قدر الله على إهلاك الكافرين المعاندين لرسوله محمَّد ﷺ وما كان أكثر ثمود مؤمنين.
стр. 3378
قتل البيضاوي: وفي ذلك إيماء إلى أنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أُخذوا بالعذاب: اهـ.
١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب فلا يستطيع الفكاك من عقابه الجبارون، الرحيم فلا ييئس من رحمته التائبون.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾
المفردات:
(عَادُونَ): جمع عادٍ، وهو المتعدي في ظلمه بتجاوز الحد فيه.
(القالين): جمع قَالٍ، من قلاه، كَرَماهُ، أو من قَلِيَه، كَرَضِيَهُ، قِلًى وقَلاءً:
стр. 3379
أَبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه، أو قلاه في الهجر، وقَلِيَهُ في البغض.
(الْغَابِرِينَ): الباقين، من غبر بالمكان، غبورًا: أقام به، وقد يستعمل الغيور بمعنى المضي والذهاب، فهي في الشيءِ وضمه. (دَمَّرْنَا): الدمور والدمار والتدمير: الإهلاك.
التفسير
١٦٠ - ١٦٤ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
لما قص الله تعالى على نبيه محمد ﷺ خبر موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ﵈ تسلية له عما يلقاه من عنت قومه، قص عليه نبأ لوط مع قومه وتكذيبهم له وإيذاءِهم إِياه، ولقد كان قوم لوط من الشر بمكان خطير، كانوا يأْتون الرجال شهوة من دون النساء، ولا يستحون أَن يأْتوا في ناديهم هذا المنكر القبيح، وقد نصحهم لوط فأمرهم بتقوى الله وطاعته، وبين لهم قولًا وعملًا أنه لا يسألهم على تلك النصائح أجرًا، وإنما يبتغي الأَجر من رب العالمين، وقد سبق الكلام على مثل هذه الآيات في القصص السابقة.
١٦٥ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾:
قال لوط لقومه على سبيل التوبيخ والإِنكار: أتاتون الفاحشة مع الذكران من بني آدم، فلا حياء عندكم يمنعكم عن قريب أو غريب، كأن النساء أعوزتكم؟!
١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾:
وتتركون ما خلق الله لاستمتاعكم من أزواجكم الحلائل، قال الزمخشري:
(منْ أزْوَاجكُمْ): تبيين لما خلق الله، أو للتبعيض، ويراد بما خلق: العضو المباح منهن، فكأنهم كانوا يفعلون مثْل ذلك بنسائهم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾: بل أنتم قوم معتدون مجاوزون الحد في جميع المعاصي، وهذا من أفحشها، أو متجاوزون حد الشهوة، فزدتم فيها على سائر الناس وعلى الحيوان.
стр. 3380
١٦٧ - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾:
قالوا: لئن لم تنته يالوط عن توبيخنا وتقبيح أمرنا، أو عما أنت عليه من دعوى الرسالة ودعوتنا إلى الإيمان بها، وتترك ما أنكرته من أَمرنا، لتكونن من جملة من أخرجناهم من بين أظهرنا وطردناهم من بلدنا ونفيناهم، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال، من تعنيف واحتباس مال، وغير ذلك مما يفعله الظالمون إذا نفوا بعض من يغضبون عليهم، كما كان أهل مكة يفعلون بمن يريد الهجرة إلى المدينة.
١٦٨ - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾:
قال لوط ﵇ مخاطبًا قومه: إني لعملكم هذا من المبغضين غاية البغض، ولم يقل: إني لعملكم قال بالإفراد، للإيذان بأنه كان يوجد من كرام الناس من يبغض حالهم، ثم أعرض عنهم بعد أن بالغ في نهيهم ولجأ إلى الله تعالى قائلًا:
١٦٩ - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
دعا لوط ربه أن ينقذه وأهله مما يعمل هؤلاء الجاهلون -: أَي من عقوبة أعمالهم - وشؤمها.
١٧٠، ١٧١ - ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾:
فاستجاب الله دعائه ونجاه وأَهله الذين اتبعوا دعوته بإِخراجهم من بيوتهم ليلا قبل حلول العذاب بالمكذبين، إلاَّ عجوزًا هي امرأَة لوط كانت في الغابرين، أي: مقدرًا كونها في الباقين في العذاب، لأنها كانت كافرة بربها، منافقة لزوجها، والتعبير عنها بالعجوز، للإشارة إلى أنها بقيت في الكفر إلى أن صارت عجوزًا.
١٧٢ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه.
١٧٣ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾:
أي وأنزل الله على شرار قوم لوط مطرًا من الحجارة فأَهلكتهم، وفي ذلك يقول الله
стр. 3381
في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (١).
﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مَطَرُهُمْ، إذ نزل بأَشد أنواع الهلاك والدمار، ولا شك أنهم جديرون بذلك، فقد ابتدعوا عادة مستهجنة تهبط بالرجولة إلى الحضيض وتصيب ذويها بأمراض جسمية ونفسية وخلقية، من تخنث وميوعة، وتخالف ناموس الحياة الذي شرعه الله للتوالد والتكاثر.
وعقاب اللياط في الشريعة الإسلامية القتل، والخلاف إنما هو في طريقته، ومن عجب أن بعض الأُمم التي تدعي الحضارة في البلاد الأورربية اعترفت بالشذوذ الجنسي (اللياط) رسميا، ولا يستحون من إتيانه سرا وعلانية.
١٧٤ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أن في ذلك العقاب الذي نزل بقوم لوط لدليلا على تمام قدرة الله، وما كان أكثر هذه الأُمة مؤمنين، فلذلك لحق بهم ما لحق.
١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
وإن ربك - أيها الرسول - لهو الغالب على كل شيءٍ المتصف بالرحمة، فيعاقب المجرمين المصرين، ويثيب التائبين المصلحين.
﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾
стр. 3382
التفسير
١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾:
الأيكة: الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، وهي غيضة بقرب مَدْيَن، يسكنها طائفة من المشركين، بعث الله لهم شعيبًا ﵇ وكان أجنبيًّا منهم، ولذا قيل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ولم يقل: أخوهم. وقد أُهلكوا بعذاب يوم الظلة، وأهلك أهل مدين بالصيحة والرجفة.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا: (أخوهم شعيب)؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة - وكانت شجرا ملتفًّا - (١).
وقيل: شجرة معينة منها - فقطع نسب الأُخوة بينهم وبينه للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. وهذا هو الصحيح، فقد وصفوا بتطفيف الكيل والميزان الذي وصف به أهل مدين، ونهوا عن ذلك، ممَّا يدل على أنهم جميعًا أُمة واحدة. وذلك كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ الآية ٨٥.
١٧٧ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ألَاَّ تخافون عاقبة ما تفعلون من كفر.
وتطفيف، وعلَّل أمرهم بالتقوى بقوله:
١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾:
إني مرسل لهدايتكم وإرشادكم، أمين على رسالة ربي إليكم.
١٧٩ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: فاحذروا عقوبة الله وأطيعوني باتباع أوامر الله والبعد عما يغضبه.
١٨٠ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
وما أطلب على تبليغ الرسالة لكم أجرًا، فما أجرى إلاَّ على رب العالمين.
стр. 3383
* ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾:
المفردات:
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: أي من الذين ينقصون الكيل والوزن. يقال: أَخسر الميزان إخسارًا: نقص الوزن، وخَسره خسْرًا من باب ضرب لغة فيه.
﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي الميزان السوى، والقُسطاس - بضم القاف وكسرها -: الميزان. قيل: هو عربي مأْخوذ من القِسط وهو العدل، وقيل: هو رومي معرب.
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي ولا تنقصوها، أو: ولا تعيبوها. يقال: بخسه بخسًا من باب نفع: نقصه أو عابه.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي ولا تفسدوا فيها مبالغين في الإفساد، والعُثُوّ: الإِفساد أَو أَشده، ويقال: عثا يعثو- من باب قال يقول - وَعَثِيَ يعثَى - من باب تَعبَ يَتْعَبُ - أي: أَفسد، فهو عاثٍ.
﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: أي أوجدكم وأوجد الخليفة من الناس السابقين لهم.
стр. 3384
التفسير
١٨١، ١٨٢ - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾:
نزلت هذه الآية وما بعدها حكاية لما وجهه نبي الله شعيب إلى قومه أصحاب الأيكة وهم أهل مدين على الصحيح - من الأمر بإيفاء المكيال والميزان والنهي عن التطفيف فيهما - كما مر بيانه كان قد شاع فيهم وانتشر بينهم سوءُ المعاملة في الأخذ والإعطاء، فكانوا إذا اكتالوا من الناس للشراءِ ونحوه يأَخذون مكيلهم وافيًا وافرًا، وإذا اكتالوا لهم للبيع ونحوه ينقصون مكيم، وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة: "أَوْفُوا الْكَيْلَ … ": أي إذا دفعتم إلى الناس الكيل فأتموا الكيل لهم ولا تعطوه ناقصًا لأنكم ملزمون أن تعطوه كما تأخذون كاملًا وافيًا بلا تفرقة بين الأخذ والإعطاء إحقاقا لشريعة العدل التي شرعها الله في المعاملة بين عباده.
والكيل للناس إما واف وهو مأمور به، وطفيف وهو منهى عنه، وزائد وهو مسكوت عنه، وتركه دليل على أنه إن فعله فقد أحسن.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي يجب عليكم التزام العدل في الموزونات أَخذا وإعطاءً، وذلك بأن تزنوا بالميزان السوى حيث لا حيف فيه ولا ظلم.
والأَمر بوفاءِ الوزن وإِتمامه يشير ضمنًا إلى النهي عن النقص فيه دون النهي عن الزيادة، ولم يذكر النهي هنا اكتفاء بذكره صريحًا في الآية السابقة، لاتحاد الغرض في المأْمور به هنا والمنهى عنه في الآية السابقة، وهو الأَمانة في الكيل والميزان، وعن ابن عباس ﵄: أن معنى "وَزِنُوا … " الآية وعَدِّلوا أموركم كلها بميزان العدل الذي جعله الله تعالى لعباده، ويدخل فيها طلب العدل في الميزان المعروف دخولًا أوليا حتى يستقيم أَمرهم.
١٨٣ - ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
أي ولا تنقصوا الناس شيئًا من حقوقهم، أي حق كان، كبر أو صغر، هان أو عظم،
стр. 3385
وهذا تعميم بعد تخصيص لبعض المراد بالذكر في الآيتين السابقتين لغاية انهماكهم فيه واقترافهم لمساوئه بيعا وشراءً ليكمل لهم بهذا التعميم في النهي البعد عن شريعة الله إلى شرعها لهم في كل شأن من شئونهم.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: أي ولا تبالغوا في الإفساد فيها بقطع الطريق والقتل والسلب، وإهلاك الزرع، وكانوا يفعلون ذلك، فنهوا عنه بالتنصيص ردعا لهم، وتقبيحًا لصنيعهم السئ الذي ينفر منه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
١٨٤ - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾:
يخوفهم شعيب ﵇ بأس الله - تعالى - الذي أَوجدهم، أوجد الجبلة: أي الخليقة الأَولين، ويراد بها العدد الكثير من الأمم الماضية في الأزمان المتعاقبة كما يشير إلى ذلك قوله : ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ (١).
والمعنى: اتقوا الله - سبحانه - فهو بعظيم قدرته وواسع سلطانه أوجدكم من عدم، وأوجد أُممًا تقدمت عليكم كثيرة العدد، ومع ما هم عليه من كثرة وعُتُوٍّ لم يعجزوه جل شأْنه بل أَخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي ذلك الدليل الساطع على تفرده بالأُلوهية والدَّافع القوي على عبادته وتقواه، وهو سبحانه عزيز ذو انتقام ممن استحب العمى على الهدى، واستمرأَ الضلال، واستهواه الإِعراض والتكذيب لدعوة الأنبياء والمرسلين.
стр. 3386
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾.
المفردات:
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾: الذين سحروا كثيرًا حتى غلب السحر عليهم، أو من البشر الذين لهم سحْرٌ، والسَّحْرُ: الخرطوم والرئة، وسحر بهذا المعنى على وزن فَلْسٍ وسببٍ، وَقُفْلٍ.
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي قطعا من السحاب، وقرئ: "كسْفا" - بسكون النسين - ومع فتح السين وسكونها فهي جمع كِسْفة، كقِطْعة، وقال الأخفش: من قرأ كِسْفا - بسكون السين - جعله واحدًا، ومن قرأ كِسَفا - بفتحها - جعله جمعا.
﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: الظلة سحابة بَدَت لهم أرادوا أن يستظلوا بها، فكانت عذابا لهم، وسيجئُ شرح ذلك.
التفسير
١٨٥، ١٨٦ - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
أجابوا بذلك شعيبًا ﵇ مبالغين في تكذيبه، حيث جمعوا له بين غلبة
стр. 3387
السحر على عقله حتى اضطرب، وهو مناف للرسالة، وبين البشرية التي يرونها منافية لها كذلك، للإيذان بأَن اجتماعهما ينافى الرسالة أشد المنافاة. ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: وإن شأْنك يجعلنا نظنك من الكاذبين فيما تدعيه، ومرادهم أنه ﵇، وحاشاه - من الراسخين في الكذب المعتادين له، فلا يصدقونه في دعوى الرسالة، أو فيها وفي دعوى نزول العذاب بهم الذي يشعر به الأمر بالتقوى في قوله - سبحانه - فيما سبق: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ .... ﴾ الآية. فإِنه يأْمرهم بأَن يقوا أَنفسهم من عذابه.
وظاهر حالهم أنهم أرادوا من ظنهم كذبه في قولهم: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ الجزم بوقوعه منه؛ لأنه أصبح له عادة وطبيعة في زعمهم، ولهذا أكدوا الظن بلام التأكيد في قولهم: ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. واستعمال الظن بمعنى اليقين والعلم لُغويٌّ وقد جاء به القرآن في مواطن، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُواللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
١٨٧ - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
حكى الله في الآية السابقة اتهامهم لشعيب ﵇ بالكذب حسبما تخيلته نفوسهم المريضة، وجاءت هذه الآية تحكى ما بنوه على هذا الاتهام الكاذب.
والمعنى: إن كنت صادقًا في أَنك نبى، فادع الله أن ينزل علينا قطعًا من السحاب وأَجزاء منه عقابًا لنا على تكذيبك. قال السدى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: عذابًا واقعا عليهم من جهة السماء، وهذا شبيه بما قالته قريش للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إِلى أَن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ (٢)، وقولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ (٣).
ومن هذا يتضح أن جواب المكذبين لرسلهم متقارب في المعنى.
стр. 3388
١٨٨ - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾:
تهديد لهم بتفويضه أمرهم إلى الله، أي قال لهم: ربي أعلم بكم، وبما تقترفون من الكفر والمعاصي، وبما تسرون وتعلنون من قول وعمل، وبما تستحقون من العذاب فسينزله عليكم في وقته المقدر له لا محالة، أما أنا فرسول، وليس لي أمر العذاب الذي طلبتم أن ينزل بكم.
١٨٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
أي فلما أقاموا على تكذيب نبيهم شعيب ﵇ وأَصروا على هذا التكذيب مرة بعد مرة جعل الله عقابهم من جنس اقترحوه بإسقاط الكسف من السماء عليهم.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس أن الله - تعالى - بعث عليهم حرا شديدًا فأَخذ بأَنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم فخرجوا منها هربا إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس - وهي الظلة - فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقط الله عليهم نارًا فأَكلتهم جميعا.
وكان هذا اليوم من أَشد أَيام الدنيا عذابا لما وقع فيه من الهول المذهل، والداهية التامة التي لا يقادَرُ قدرها، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفس الظلة إيذان بأَن لهم عذابًا آخر غير عذاب الظلة، ترك بيانه تهويلًا لشأْنه.
١٩٠ - ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي إِن في هذه القصة وما سبقها من قصص الأنبياء السابقين لعظة وعبرة لمن له قلب واع، وفكر مستنير، وما كان أكثر قريش مؤمنين.
وقصة شعيب ﵇ مع قومه هي آخر القصص السبع التي أوحيت للرسول ﷺ لصرفه عن الحرص البالغ على إسلام قريش، وقطع رجائه بشأْنه لإعراضهم عن الحق واستمساكهم بالباطل، وإلى ذلك يشير مضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول قد أتاهم من جهته - تعالى - بموجب رحمته الواسعة يدعوهم إلى ترك العناد
стр. 3389
بعد ما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة، وفيها من الدواعي إلى الإيمان، والزواجر عن الكفر والطغيان ما يصرفهم عما هم عليه، ولكنهم أعرضوا عن التأَمل فيها واستمروا على تكذيبهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كأنهم لم يسمعوا شيئًا منها يردعهم عن ذلك أصلًا ويحبب إليهم الإيمان بمحمد ﷺ ويزينه في قلوبهم، ومن كان أَمرهم علي ذلك فلا تبالغ في الحرص على إيمانهم.
وقيل: المراد بالضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قوم شعيب ﵇ نُقل أَنه لم يؤمن به سوى تسعمائة نفر، ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، والله أعلم بصحة ذلك.
١٩١ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
فهو - سبحانه - العزيز في انتقامه من الكفار، الرحيم في ثوابه بعباده المؤمنين.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾
المفردات:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: هو جبريل ﵇ فإِنه أمين وحيه - تعالى - إلى أنبيائه. (عَلَى قَلْبِكَ): لتحفظه. ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: أي بلغة عربية واضحة المعنى ظاهرة المدلول. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: والزُّبُرُ؛ جمع زَبُور، كرسول، وهو الكتاب، والمعنى: أن ذكره ثابت في جميع الكتب السماوية.
التفسير
١٩٢ - ١٩٥ - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾:
стр. 3390
في هذه الآيات تنويه بالقرآن العظيم الذي تقدم ذكره أول السورة، ورَدَّ لما قاله المشركون فيه.
أي: وإن هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه منزل من رب العالمين، نزل به الروح الأمين جبريل ﵇.
نزل به ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: أي يتلوه الروح الأَمين على سمعك فيعيه قلبك حفطًا، وفهمًا، وثباتًا، لتكون به من جملة الرسل الذين ينذرون قومهم، فهو حجتك وآيتك، وقد نزل به بلسان عربى واضح، ليقطع أعذار قومك ويلزمهم الحجة، ويحملهم على المحجة (١).
ولو نزل بلسان أعجمى لتجافوا عنه، ولقالوا: ما نصنع بما لم نفهمه، ولم ندرك كنهه، ولتعذر عليك الإنذار، حيث يكون بذلك نازلًا على سمعك لا على قلبك، فتسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها، ولا تعي مراميها.
وفي حكاية القرآن الكريم لهذه القصص التي لا سبيل لنبى أُمى لم يقرأ ولم يكتب أن يعلمها، دليل واضح على صدق نبوته ﷺ فلا سبيل له علمها إلا الوحى الذي نزل به الروح الأمين.
وقد سجل الله هذا المعنى في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢).
١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾:
أي: وإن القرآن الكريم لمذكورٌ في كتب الأنبياء السابقين، وقيل معناه: إنه لفى الكتب المتقدمة باعتبار العقائد والاحكام؛ فإن التوحيد وسائر ما يتعلق بالذات والصفات، وكثيرًا من المواعظ والقصص والأحكام والأخلاق مسطور في الكتب السابقة.
стр. 3391
أو: وإنَّ محمدا ﷺ لم تخل من ذكره كتب الأولين كما قال - تعالى -: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (١) وفي قوله - تعالى -: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢).
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾
المفردات:
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾: الآية، العلامة الواضحة.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أَعجم أَي: على رجل لا يفصح ولا يبين، وإن كان عربيًّا، وقرأ الحسن (على بعض الأَعجميين): جمع أعجميٍّ بياء النسب، والأَعجم والأَعجمي: غير الفصيح وإن كان عربيًّا، والعجمى ما كان من جنس العجم وإن كان فصيحًا، وأجاز الفراءُ أَن يقال: رجل عجميّ بمعنى أَعجميٍّ (٣).
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: أدخلنا القرآن في قلوب مشركى مكة
стр. 3392
إدخالًا مثل ذلك في التكذيب عنادا ومكابرة، والفعل من باب نصر، والسَّلْكُ: إِدخال الشيءِ في الشيء.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: أي مؤخرون وممهلون؟ يطلبون الرجعة هناك فلا يجابون.
التفسير
١٩٧ - ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
الهمزة للإنكار والنفي، كأنه قيل: أَغفلوا ولم يكن لهم علامة على صدق القرآن أن يعرفه علماءُ بني إسرائيل بنعوته في كتبهم المذكورة فذلك آية واضحة على أنه تنزيل رب العالمين، وإلى علم علماء بني إسرائيل به يشير قوله - تعالى -: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (١) والمراد من علماء بني إسرائيل: العدول منهم، وهم من أَسلموا، قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما ممن، ذكره القرطبي، وذلك أن جماعة منهم أسلموا، ونصوا على مواضع من التوراة والإِنجيل فيها ذكر الرسول ﷺ . وهذا يقتضي أن الآية مدنية، وعن قتادة أن الضمير في ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ للنبي ﷺ وذكر الثعالبي عن ابن عباس أَن أَحبار يثرب، بعث إليهم أهل مكة يسألونهم عن النبي ﷺ فقالوا: هذا زمانه، وذكروا المواضع التي ذكر فيها النبي ﷺ في التوراة، وهذا ما يقتضيه كون السورة كلها مكية.
١٩٩،١٩٨ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾:
أَخبر الله عن شدة كفر قريش، وقوة شكيمتهم في المكابرة، وعنادهم للقرآن العظيم.
فقال تعالى: "وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ .... " الآية.
أَي: نحن نزلنا القرآن على رجل عربى مبين، ففهموه وعرفوا فصاحته، وأَنه معجز، وانضم إلى هذا شهادة علماء بني إسرائيل على أن كتبهم ذكرت صفته وقصصه، وصح
стр. 3393
بذلك أن قصص الأنبياء في القرآن من عند الله، وليست بأَساطير كما زعموا، ومع هذا لم يؤمنوا به، وقالوا: إِنَّه سحر أَو شعر ومن افتراءٍ محمَّد ﷺ .
ولو نزلناه عربيا على أَعجمى لا يعرف العربية، ونطق به نصيحًا، ما آمنوا بأَن هذا القرآن من عند الله مع أن هذا الأَعجمى لا يتوهم أَحد أَنه يستطيع الإِتيان بمثله، ولا قراءته بفصاحته، لأنهم قوم معاندون يتمسكون بدين آبائهم، ويقتفون أَثرهم كما قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ (١).
وقد وصف الله عنادهم بقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (٢).
٢٠٠ - ٢٠٣ - ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾:
المراد من المجرمين: مشركو مكة، وقد يراد من المجرمين: جنس المجرمين. فيدخل فيه مشركو مكة دخولًا أَوليا.
والمعنى: مثل هذه الحال من الإصرار على التكذيب والكفر بالقرآن سلكنا القرآن وأدخلناه في قلوب المجرمين، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحود ومكابرة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ (٣)، قوله : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: لا يزالون على الكفر حتى يبصروا العذاب الشديد الملجئ إلى الإِيمان به.
أو المراد: أَدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته، وأنه خارج عن قدرة البشر من حيث النظم المعجز، والإِخبار عن الغيب، واتفاق علماء بني إسرائيل على أن كتبهم المنزلة قبله تضمنت البشارة بإِنزاله، ورسالة من أُنزل عليه بذكر أوصافه.
стр. 3394
أدخلنا القرآن مثل ذلك الإِدخال، لكنهم لم يؤمنوا به، فقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ على هذا الرأَى استئناف مسوق لبيان حالهم من أنهم لا يتأَثرون بأَمثال تلك الأُمور الداعية إلى الإيمان به، بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب المكرِه لهم على الإيمان فجأَة من غير توقع وانتظار وهم لا يشعرون بإِتيانه.
وقريء: فتأَتيهم بالتاء، والمراد: فتأْتيهم الساعة، وأُضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها عليهم، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها.
وقال رجل للحسن وقد قرأَ (فتأْتيهم): يا أَبا سعيد إِنما يأَتيهم العذاب فانتهره وقال: إِنما الساعة تأتيهم بغتة. اهـ من تفسير القرطبي وغيره.
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: أَي فيتمنون حين يرون العذاب، التأْخيرَ والإمهالَ ليعملوا بطاعة الله تداركًا لما فاتهم تفريطًا وإِهمالًا فلا يجابون إلى ما أَملوه مما يملأَ نفوسهم حسرة وحزنًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. (١)
وهذه الآيات تصوير وتمثيل لحال مشركى مكة الذين ماتوا على الكفر قبل فتح مكة سنة ثمان من الهجرة.
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾
стр. 3395
المفردات:
﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾: أَي إن أَخرناهم سنين وجعلناهم ينتفعون بالمتاع، ويطلق على كل ما ينتفع به من مأْكل ومشرب وأَثاث ونحوها. ﴿مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: من العذاب، والوعد: مع المفعول يستعمل في الخير وفي الشر، فإِذا أَسقطوا المفعول وهو الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا جاءُوا بالباء في الشر جاءوا بالهمز فقالوا: أوعده بالسجن. اهـ: مختار الصحاح بتصرف.
﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾: أي مخوفون من العقاب.
﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أي واضعين الشيء في غير موضعه حينما أنزلنا بهم العذاب.
التفسير
٢٠٤ - ٢٠٧ - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾:
الآيات توبيخ للمشركين وإِنكار عليهم في قولهم للرسول تكذيبًا واستبعادًا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)، وقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ (٢).
قال مقاتل: قال المشركون للنبي - صلى المه عليه وسلم -: يا محمَّد إِلى متى تعدنا بالعذاب فنزلت هذه الآيات.
ومعناها: كيف يستعجلون عذابنا تكذيبًا به، واستبعادًا لوقوعه، وهو لا حق بهم لا محالة لكفرهم مهما طال عليهم الأَمد، أخبرني - أيها العاقل - عن هؤلاء المكذبين إن متعناهم سنين متطاولة بمختلف أنواع المتع الدنيوية التي أملوها، فطالت أَعمارهم، وصحت أبدانهم، وكثرت أموالهم وأولادهم، وتحققت كل رغباتم، ثم أَتاهم الذي كانوا يوعدونه من العذاب، فأي شيء أَغنى عنهم ما كانوا فيه من متاع الدنيا؟ إِنه لا يغنى عنهم شيئًا في دفع العذاب أو تخفيفه، وإنما هم في العذاب خالدون. وفي هذه الآية: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 3396
روى عن ميمون بن مهران أنه لقى الحسن ﵁ في الطواف، وكان يتمنى لقاءَه، فقال له: عظني، فلم يزد على تلاوة هذه الآيات، فقال ميمون: لقد وعظت فأَبلغت.
٢٠٨، ٢٠٩ - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
أي: وما أنزلنا الهلاك بقرية من القرى إلا بعد أن بعثنا إليها رسلًا منذرين أَنذروا أَهلها بالعقاب إن خالفوا أوامر الله ونواهيه، حتى لا تكون لهم على الله حجة ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: ولسنا مجاوزين الحق في الجزاء، فنهلك غير الظالمين؛ لأنه ليس من شأْننا أن يصدر عنا بمقتضى الحكمة ما هو ظلم بأَن نعاقب من لم يظلم أو بأَن نعذب أحدًا قبل إنذاره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١).
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
المفردات:
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾: أي لم تتنزل الشياطين بالقرآن الكريم، والشياطين: جمع شيطان، من: شاط بمعنى احترق أو من: شَطَنَ بمعنى بَعُدَ.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾: أي أن التنزل بالقرآن لا يصح أن يكون من شأْنهم.
﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: أي لممنوعون عن السمع.
التفسير
٢١٠ - ٢١٣ - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾:
стр. 3397
ردٌّ لما زعمه كفار قريش أَن لمحمد ﵊ تابعًا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة، وأن القرآن مما ألقاه إليه التابع، أي: لم يحدث ما زعمتموه من نزول الشياطين بالقرآن، لما أَشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي ما يصح ولا يليق أن يحملوه وينزلوا به؛ لأَن من سجاياهم الإفساد، وإضلال العباد، والقرآن فيه الإصلاح وهداية العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو نور وهدى للعالمين، فبينه وبين الشياطين منافاة بينة، ولهذا حيل بينهم وبين السماء حال نزول القرآن على الرسول، فقد ملئت حرسا شديدا وشهبا، فكيف يستطيع أحد أن يخلص إلى استماع حرف منه؟ إنهم منعوا من ذلك؛ رحمة بعباده، وحفظًا لشرعه، وصيانة لقرآنه من تخليط الشياطين وإضلالهم، ويشير إلى هذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ففي هذه الآية تعليل لنفي تنزلهم بالقرآن، أَي: أَن الشياطين عن السمع لما يتكم به الملائكة في السماء لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا مُمَكَّنِيَن منه، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١).
أو: إنهم عن السمع لمعزولون لانتفاءِ المشاركة بينهم وبين الملائكة، حيث إن ذوات الملائكة نورانية، وصفاتهم خيِّرة، ونفوس الشياطين خبيثة ظلمانية، وصفاتهم شريرة، غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن المنطوى على الخير والهدى والرشاد؟ فلهذا صان الله كتابه، فأنزله بالروح الأَمين على قلب رسوله الأَمين، ليكون من المنذرين بلسان عربى مبين، وحرسه من الشياطين.
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: خوطب النبي ﷺ ليعلم الناس أن الله تعالى لا يقبل الإشراك من أحد، فهو في الحقيقة خطاب لجميع المكلفين ببيان أن للإِشراك من القبح والسوءِ ما يجعله حقيقا بأن يُنْهى عنه من لا يمكن صدوره منه؛ فكيف بمن عداه؟ أو خوطب به والمراد أُمته، فهو في الحقيقة خطاب للأُمة في شخص إمامها ونبيها.
стр. 3398
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
المفردات:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: العشيرة؛ القبيلة، والجمع: عشيرات وعشائر، والمراد بها قريش، وقيل: عبد مناف. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: الجناح؛ اليد والعضد والإِبط والجانب وهو المراد هنا،: أَي أَلن جانبك، وجمع الجناح: أَجنحة وأَجنُح.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾: إلى الصلاة، أو حيثما كنت.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: المراد بالساجدين؛ المصلون: أَي ويرى تصرفك وتغيرك من حال كالجلوس إِلى حال كالقيام بين المصلين إِذا أَممتهم.
التفسير
٢١٤ - ٢١٦ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
أُمر الرسول ﷺ أن ينذر عشيرته الأَقربين ويخوفهم من العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي، فإن الإهتمام بشأْنهم أهم، وليكونوا اللبنة الأولى للأُمة الإِسلامية، أو ليعلموا أنك لا تغنى عنهم من الله شيئًا وأن النجاة في اتباع شرعه دون قرابته.
روى مسلم من حديث أبي هريرة: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا، فَعمَّ، وخصّ، فقال: "يا بنى كعب ابن لؤى: أْنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب: أَنقذوا أنفسكم من النار.
стр. 3399
يا بنى عبد شمس: أَنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد المطلب: أنقذوا أَنفسكم من النار. يا فاطمة: أَنقذى نفسك من النار، فإِنى لا أَملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِما سأبُلُّها بِبَلالها" (١).
ويؤخذ من الحديث أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأَسباب، وأَنه لا مانع من أَن يصل المؤمن الكافر وأن يقدم له النصيحة والإرشاد، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢).
ثم أمر الرسول ﷺ بالتواضع ولين الجانب، وإِحسان المعاملة مع من اتَّبعه وصدَّق به وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: وأَلن جانبك للذين آمنوا بك إِيمانًا حقيقيا من عشيرتك الأَقربين ومن غيرهم، ومِنْ للبيان.
٢١٦ - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
أَي: فإِن أَعرضت عنك عشيرتك الأقربين ولم يتبعوك بعد إِنذارهم، فقل لهم: إنِّي برئ من عملكم الشامل لاتخاذكم مع الله إلهًا آخر، والمراد بهم: من تمسك بالشرك من عشيرته الأَقربين مع إنذارهم، والمراد من براءته - صلى الله لجه وسلم - من عملهم: أَنه ليس مسئولًا عنه، وإنما يسأَل عنه صاحبه، وذلك قبل أَن يؤمر النبي ﷺ بجهاد المشركين كافة.
٢١٧ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾:
أي: وفوض أَمرك إليه فإِنه القادر بعزه وسلطانه على قهر أَعدائه، ونصر أوليائه.
قال الجنيد ﵀: التوكل، أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عما دونه فإن حاجتك إليه عزٌّ وتَعَال في الدارين.
стр. 3400
وتقديم وصف العزة المنبئ بقهر أعدائه - صلى الله عليه وصم - وإهلاكهم أوفق بمقام التسلى والصبر على المشاق اللاحقة به من هؤلاء المشركين.
٢١٨، ٢١٩ - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾:
المراد من الساجدين هنا: المصلون، أَي: الذي يراك حين تقوم للصلاة، وتتصرف فيما بين المصلين بقيامك وركوعك وسجودك وقعودك إذا أمَمْتَهُم. هكذا قال ابن عباس.
وقيل: يراك حين تقوم للتهجد، ويرى تقلبك بين المتهجدين بذهابك ومجيئك فيما بينهم؛ لتصلح أحوالهم، ولتطلع عليهم من حيث لا يشعرون؛ لتعم كيف يعملون لآخرتهم (١).
وقال مجاهد: يراك حيثما كنت.
٢٢٠ - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي السميع لأقوال عباده، ولكل ما يتعلق به السمع، العلم بحركاتهم وسكناتهم، وبكل ما يتعلق به العلم، ويندرج فيه ما تنويه وتعمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الآية (٢).
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾
المفردات:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: أَي هل أُخبركم، وفعله نبَّأَ. يقال: نبأَه الخبر، وبه.
﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: أي على كل من اتصف بكثرة الإِفك وهو الكذب،