روى عن ميمون بن مهران أنه لقى الحسن ﵁ في الطواف، وكان يتمنى لقاءَه، فقال له: عظني، فلم يزد على تلاوة هذه الآيات، فقال ميمون: لقد وعظت فأَبلغت.
٢٠٨، ٢٠٩ - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
أي: وما أنزلنا الهلاك بقرية من القرى إلا بعد أن بعثنا إليها رسلًا منذرين أَنذروا أَهلها بالعقاب إن خالفوا أوامر الله ونواهيه، حتى لا تكون لهم على الله حجة ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: ولسنا مجاوزين الحق في الجزاء، فنهلك غير الظالمين؛ لأنه ليس من شأْننا أن يصدر عنا بمقتضى الحكمة ما هو ظلم بأَن نعاقب من لم يظلم أو بأَن نعذب أحدًا قبل إنذاره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١).
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
المفردات:
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾: أي لم تتنزل الشياطين بالقرآن الكريم، والشياطين: جمع شيطان، من: شاط بمعنى احترق أو من: شَطَنَ بمعنى بَعُدَ.
﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾: أي أن التنزل بالقرآن لا يصح أن يكون من شأْنهم.
﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: أي لممنوعون عن السمع.
التفسير
٢١٠ - ٢١٣ - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾:
стр. 3397
ردٌّ لما زعمه كفار قريش أَن لمحمد ﵊ تابعًا من الجن يخبره كما تخبر الكهنة، وأن القرآن مما ألقاه إليه التابع، أي: لم يحدث ما زعمتموه من نزول الشياطين بالقرآن، لما أَشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي ما يصح ولا يليق أن يحملوه وينزلوا به؛ لأَن من سجاياهم الإفساد، وإضلال العباد، والقرآن فيه الإصلاح وهداية العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو نور وهدى للعالمين، فبينه وبين الشياطين منافاة بينة، ولهذا حيل بينهم وبين السماء حال نزول القرآن على الرسول، فقد ملئت حرسا شديدا وشهبا، فكيف يستطيع أحد أن يخلص إلى استماع حرف منه؟ إنهم منعوا من ذلك؛ رحمة بعباده، وحفظًا لشرعه، وصيانة لقرآنه من تخليط الشياطين وإضلالهم، ويشير إلى هذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ففي هذه الآية تعليل لنفي تنزلهم بالقرآن، أَي: أَن الشياطين عن السمع لما يتكم به الملائكة في السماء لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا مُمَكَّنِيَن منه، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١).
أو: إنهم عن السمع لمعزولون لانتفاءِ المشاركة بينهم وبين الملائكة، حيث إن ذوات الملائكة نورانية، وصفاتهم خيِّرة، ونفوس الشياطين خبيثة ظلمانية، وصفاتهم شريرة، غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه، فمن أين لهم أن يحوموا حول القرآن المنطوى على الخير والهدى والرشاد؟ فلهذا صان الله كتابه، فأنزله بالروح الأَمين على قلب رسوله الأَمين، ليكون من المنذرين بلسان عربى مبين، وحرسه من الشياطين.
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: خوطب النبي ﷺ ليعلم الناس أن الله تعالى لا يقبل الإشراك من أحد، فهو في الحقيقة خطاب لجميع المكلفين ببيان أن للإِشراك من القبح والسوءِ ما يجعله حقيقا بأن يُنْهى عنه من لا يمكن صدوره منه؛ فكيف بمن عداه؟ أو خوطب به والمراد أُمته، فهو في الحقيقة خطاب للأُمة في شخص إمامها ونبيها.
стр. 3398
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
المفردات:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: العشيرة؛ القبيلة، والجمع: عشيرات وعشائر، والمراد بها قريش، وقيل: عبد مناف. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: الجناح؛ اليد والعضد والإِبط والجانب وهو المراد هنا،: أَي أَلن جانبك، وجمع الجناح: أَجنحة وأَجنُح.
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾: إلى الصلاة، أو حيثما كنت.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: المراد بالساجدين؛ المصلون: أَي ويرى تصرفك وتغيرك من حال كالجلوس إِلى حال كالقيام بين المصلين إِذا أَممتهم.
التفسير
٢١٤ - ٢١٦ - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
أُمر الرسول ﷺ أن ينذر عشيرته الأَقربين ويخوفهم من العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي، فإن الإهتمام بشأْنهم أهم، وليكونوا اللبنة الأولى للأُمة الإِسلامية، أو ليعلموا أنك لا تغنى عنهم من الله شيئًا وأن النجاة في اتباع شرعه دون قرابته.
روى مسلم من حديث أبي هريرة: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا، فَعمَّ، وخصّ، فقال: "يا بنى كعب ابن لؤى: أْنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب: أَنقذوا أنفسكم من النار.
стр. 3399
يا بنى عبد شمس: أَنقذوا أنفسكم من النار. يا بنى عبد المطلب: أنقذوا أَنفسكم من النار. يا فاطمة: أَنقذى نفسك من النار، فإِنى لا أَملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِما سأبُلُّها بِبَلالها" (١).
ويؤخذ من الحديث أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأَسباب، وأَنه لا مانع من أَن يصل المؤمن الكافر وأن يقدم له النصيحة والإرشاد، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢).
ثم أمر الرسول ﷺ بالتواضع ولين الجانب، وإِحسان المعاملة مع من اتَّبعه وصدَّق به وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: وأَلن جانبك للذين آمنوا بك إِيمانًا حقيقيا من عشيرتك الأَقربين ومن غيرهم، ومِنْ للبيان.
٢١٦ - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
أَي: فإِن أَعرضت عنك عشيرتك الأقربين ولم يتبعوك بعد إِنذارهم، فقل لهم: إنِّي برئ من عملكم الشامل لاتخاذكم مع الله إلهًا آخر، والمراد بهم: من تمسك بالشرك من عشيرته الأَقربين مع إنذارهم، والمراد من براءته - صلى الله لجه وسلم - من عملهم: أَنه ليس مسئولًا عنه، وإنما يسأَل عنه صاحبه، وذلك قبل أَن يؤمر النبي ﷺ بجهاد المشركين كافة.
٢١٧ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾:
أي: وفوض أَمرك إليه فإِنه القادر بعزه وسلطانه على قهر أَعدائه، ونصر أوليائه.
قال الجنيد ﵀: التوكل، أن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض بالكلية عما دونه فإن حاجتك إليه عزٌّ وتَعَال في الدارين.
стр. 3400
وتقديم وصف العزة المنبئ بقهر أعدائه - صلى الله عليه وصم - وإهلاكهم أوفق بمقام التسلى والصبر على المشاق اللاحقة به من هؤلاء المشركين.
٢١٨، ٢١٩ - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾:
المراد من الساجدين هنا: المصلون، أَي: الذي يراك حين تقوم للصلاة، وتتصرف فيما بين المصلين بقيامك وركوعك وسجودك وقعودك إذا أمَمْتَهُم. هكذا قال ابن عباس.
وقيل: يراك حين تقوم للتهجد، ويرى تقلبك بين المتهجدين بذهابك ومجيئك فيما بينهم؛ لتصلح أحوالهم، ولتطلع عليهم من حيث لا يشعرون؛ لتعم كيف يعملون لآخرتهم (١).
وقال مجاهد: يراك حيثما كنت.
٢٢٠ - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: أي السميع لأقوال عباده، ولكل ما يتعلق به السمع، العلم بحركاتهم وسكناتهم، وبكل ما يتعلق به العلم، ويندرج فيه ما تنويه وتعمله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ الآية (٢).
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾
المفردات:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: أَي هل أُخبركم، وفعله نبَّأَ. يقال: نبأَه الخبر، وبه.
﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: أي على كل من اتصف بكثرة الإِفك وهو الكذب،
стр. 3401
وبكثرة الإِثم وهو أن يعمل ما لا يحل، ويطلق عليه: الذنب، وفعله أفَكَ كَضرب وعلم، إفكا - بكسر الهمزة وفتحها، ؤَأفَكًا بالتحريك - وأُفُوكا كأَفَّك، أي: كذب، وأَثيم: فَعيل من أَثِم كعلم إثمًا ومأْثمًا فهو آثم وأَثيم وأَثَّام.
التفسير
٢٢١ - ٢٢٣ - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾:
الآيات استئناف مسوق لبيان استحالة تنزل الشياطين على رسول الله ﷺ بعد بيان امتناع نزولهم بالقرآن فيما سبق، وللرد على قول المشركين الذين قالوا: إن ما جاءَ به محمَّد ليس حقًّا، وإِنه شيء افتعله من تلقاءِ نفسه أو أتاه به رئيٌّ، أَي: تابع من الجن. تنزيهًا من الله لجناب رسوله عما قالوه كذبًا وافتراءً، وتنبيهًا على أَن الذي جاءَ به هو من عند الله نزل به ملك كريم ولم تأت به الشياطين، فإنهم لا رغبة لهم في مثله، ولا ينزلون إلاَّ على من يشابههم ويشاكلهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: أَي هل أُخبركم على مَنْ تتنزل الشياطين، تتنزل على كل من اتصف بالكذب الكثير والذنب العظيم من الكهنة والمتنبئة وما جرى مجراهم من الفسقة والفجرة أَمثال: سطيح، وطليحة، وميسلمة، فلا تنزل الشياطين إلاَّ على مثلهم فلا يتجاوزهم، ولا ينفك عنهم إلى غيرهم من الصالحين وبخاصة الأنبياء، وحيث تنزهت ساحته ﷺ عن نزولهم اتضح أَن الذى نزل بالقرآن عليه ملائكة الله المقربون.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: أَي يلقى الأَفاكون سمعهم إلى الشياطين، ويتلقون وحيهم إِليهم، وإِلقاء السمع مجاز عن شدة الاهتمام والمبالغة في الِإصغاء إلى ما يلقى إليهم … إلخ.
أو المراد: يلقى الأَفاكون ما سمعوه من الشياطين إلى أَتباعهم وأَوليائهم.
وأَكثر الأَفاكون مفترون كاذبون، يفترون على الشياطين ما لم يخبروهم به، على معنى أَنهم قلَّما يصدقون فيما يحكونه عن الجنيّ، وإِنما هم في أَكثره كاذبون، فقد جاءَ في الحديث
стр. 3402
أَن الكلمة يخطفها الجنى فيقرها في أُذن وليه، فيزيد فيها أَكثر من مائة كذبة، ولا كذلك محمَّد ﷺ فقد أخبر عن مغيبات كثيرة وصدق في جميعها، والمراد من أَكثرهم في قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: جميعهم، أَو غالبهم، وهذا كاف في عدم الاطمئنان إلى أَقاويلهم.
وقيل: المراد من قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: هم الشياطين، وكانوا قبل أَن يحجبوا بالرجم يتسمعون إلى الملإ الأعلى، فيخطفون بعض ما يتكلمون به ممَّا اطلع عليه الملائكة من الغيوب، ثم يوحون به إِلى أَوليائهم بن الإنس ويزيدون على ما يسمعون أَكثر من مائة كذبة فيصدقهم الناس في كل ما يقولون.
روى البخاري من حديث الزهرى قال: أَخبرنا يحيى بن عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة ﵂: سأَل الناس النبي ﷺ عن الكُهَّان؟ فقال: "إنهم ليسوا بشيءٍ" فقالوا: يا رسول الله إِنهم يحدثون بالشيء يكون حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيُقَرْقرُها (أَي: يرددها) كقرقرة الدَّجاجة، فيخلطون معها أَكثر من مائة كذبة. وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إِليهم؛ لأنهم يُسْمعُونهم ما لم يسمعوا من الملائكة لشرارتهم، أَو لقصور فهمهم، أَو لأَنهم لا يسمعون حقًّا وإِنما هو كذب واختلاق".
стр. 3403
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾
المفردات:
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: أَي شعراء الكفار ومن ماثلهم من أهل الضلال.
﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: أي هم متحيرون، فلا يهتدون إلى العبادة، يقال: رجل هائم وهيوم بمعنى متحير. ﴿انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: أَي عالجوا أَسباب النصر بوسائل الحق حتى تحقق لهم. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: أَي أَيَّ تحوُّل، وتغير يصيبهم بين يدي الله. فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر الثواب، والفعل: قَلَبَه من باب: ضرب ونصر: حوَّله ظَهْرًا لبطن، والمنقَلَب: اسم زمان أَو مكان ما يحيق بهم.
التفسير
٢٢٤ - ٢٢٧ - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾:
الآيات استئناف مسوق لِإبطال ما قاله المشركون في حق القرآن العظيم من أَنه من قبيل الشعر، وأَن الرسول - صلى إلله عليه وسلم - من الشعراءِ، ببيان حال الشعراءِ المنافية لحاله - عليه أَفضل الصلاة وأَزكى السلام - تنزيهًا عن الاتصاف بما وصفوه به حيث قال سبحانه: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: أَي أَن من يحق وصفهم بالشعر هم شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله ويقولون فيه كل كذب وباطل، والذين يشيعون بشعرهم الفحش والخنا
стр. 3404
فيمزقون الأَعراض، وينشرون المثالب، ويقدحون في الأنساب، ويفرطون في الثناء والهجاء ابتغاءَ عرض زائل، ومنزلة حائلة، ومع كل واحد غواة قومه - وهم السفهاء - يجارونهم ويسلكون مسلكهم، وعن ابن أَبي طلحة: هم ضلال الجن والإنس، وشعر هؤلاء - كما يقول القرطبي في تفسيره -: ضلال وباطل لا يبيحه خلق ولا دين فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد وغيره كمنثور الكلام القبيح ونحوه.
أَما شعر غيرهم من أَهل الرشاد والنُّهى المهتدين إلى طريق الحق المنافحين عن دين الله فلا بأْس به قولًا أَو سماعًا، فمثل شعرهم كان يقبل على سماعه الرسول والتابعون، ولا ينكر الشعر الحسن في مبناه ومعناه أَحد من أَهل العلم، وكثير منهم قاله وتمثل به، أَو سمعه فأَنصت إِليه وأَثنى عليه، حيث كان حكمة وعظة، ولم يكن هجرًا ولا أَذى لمسلم. روى عن أَبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صل الله علبه وسلم - على المنبر يقول: "أَصدق كلمة قالتها العرب قول لبيد: أَلا كل شيءٍ ما خلا الله باطل، أَخرجه مسلم، وزاد: "وكاد أُمية بن أبي الصلت أن يُسْلم" (١) ذكر ذلك القرطبي. وقال ﷺ في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين: "إِنه لأَسرع فيهم من رشق النبل" أخرجه مسلم.
وما أَحسن قول الماوردى: الشعر كلام العربى، مستحب، ومباح، ومحظور، فالمستحب: ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة، وحث على مكارم الأَخلاق، والمباح: ما سلم من فحش وكذب، والمحظور: ما كان كذبًا وفحشًا، وجعل الرويانى منه ما فيه الهجو لمسلم سواءٌ كان بصدق أَو كذب.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: الاستفهام للتقرير، والخطاب لكل من تتأَنى منه الرؤية للِإيذان بأَن حالهم من الظهور والوضوح بحيث: لا يختص برؤيته راءٍ، أَي: أَلم تر أَن الشعراءَ يهيمون على وجوههم في كل واد من أَودية الغي والضلال، وفي كل مسلك من مسالك الزور والبهتان وفي كل شعْب من شعاب الوهم والخيال، لا يهتدون إلى الحق الذي
стр. 3405
يدعو من اتبعه إلى التثبت والتروى والصدق ويحول بينه وبين شهوة الشهرة التي تطمس على قلبه وبصيرته، فلا يكترث بما فعل، ولا يبالى بما قال، ولا يستبين طريق الحق التي تدعوه إلى الإِقلاع عما تعوده من كل خلق قبيح، وأُسلوب ذميم، وإفراط وتفريط
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ من الأَفاعيل التي ذكروها في شعرهم، ورددوها في قصيدهم غير مكترثين بما يستتبعه صنيعهم من لوم وتقريع كما كانوا يحثون في قولهم على الكرم والجود والمواساة وإِغاثة الملهوف مع أَنهم من كل ذلك بَراء، يقولون بأَلسنتهم ما ليس في قلوبهم.
فكيف يتوهم أَن ينتظم الرسول في سلكهم وقد تنزهت ساحته عن أَن تحوم حوله شائبة الاتصاف بشيءٍ من الأُمور المذكورة، فقد كان معروفًا بمحاسن الصفات، وكريم الخلال، وحاز جميع الكمالات القدسية وفاز بجميع الملكات الإنسية، ولم يكن أَتباعه كأَتباعهم سفهاءَ ضالين، وإِنما هم هداة مرشدون، لهم في رسول الله أسوة حسنة.
روى ابن عباس أَن الآيات نزلت في شعراء المشركين: عبد الله بن الزِّبَعْرى، وهبيرة ابن أَبي وهب المخزومى، ومسافع بن عبد مناف، وأَبي غَزَّةَ الجمحى، وأُمية بن أَبي الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمَّد، وكانوا يهجونه، ويجتمع لهم الأعراب من قومهم يستمعون أَشعارهم وأَهاجيهم، وهم الغاوون.
والظاهر من السياق أَنها نزلت عامة شاملة لجميع شعراءٍ الكفار، ويدخل فيهم هؤلاءٍ الشعراءُ دخولًا أوليًّا.
ثم استثنى - سبحانه - بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا … الآية) شعراء المؤمنين الذين كانوا يدعون إلى التوحيد ويثنون على الله - تعالى - ويحثون على امتثال أَوامره واجتناب نواهيه، وقد ابتغوا فيما آتاهم الدار الآخرة، ولم يُغْفلوا نصيبهم من الدنيا، وذكروا الله كثرًا، ولو وقع منهم في بعض الأَوقات هجو، وقع منهم بطريق الانتصار إِلى الحق، وبما حده الله من غير ظلم أَو زيادة على ما قيل فيهم افتراءً وعدوانًا.
وقيل: المراد بالذين استثناهم الله شعراء المؤمنين الذين كانوا ينافحون عن رسول الله ﷺ وَيُقَبِّحُون بهجائهم هُجَاةَ قريش، واستدل لذلك
стр. 3406
بما أَخرج عبد بن حميد وابن أَبي حاتم عن قتادة: أَن هذه الآية نزلت في رهط من الأَنصار هَاجَوْا عن رسول الله ﷺ منهم: كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، كما استدل عليه بما أَخرجه جماعة عن أَبي سالم حسن بن البراء أَنه قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ … ﴾ الآية، جاءَ عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب ابن مالك، وهم يبكون، فقالوا: يا رسول الله لقد أَنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنَّا شعراء فأَنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا … ﴾ الآية. فدعاهم رسول الله ﷺ فتلاها عليهم.
وقد سمع رسول الله ﷺ الشعر، وأَجاز عليه، وكان يقول لحسان اين ثابت: "اهجهم - يعنى المشركين - وإِن روح القدس سيعينك، وفي رواية: "اهجهم وجبريل معك"، وعن كعب بن مالك ﵁ أَن رسول الله - صلى الله علية وسلم - قال: "اهجهم فوالذى نفسى بيده لهو أَشد عليهم من النبل" ذكر ذلك أَبو السعود، والآلوسى في تفسيريهما.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: تهديد شديد لكل من انتصر بظلم يشير إِليه الِإبهام والتهويل في قوله تعالى: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. وقرأ ابن عباس: أَي منفلت ينفلتون؛ من الانفلات وهو النجاة.
والمعنى على القراءتين لا يختلف في غايته، فهو على القراءَة الأولى: وسيعلم الذين ظلموا من الشعراء وغيرهم أي مصير يصيرون، وأَي مرجع يرجعون؛ لأَن مصيرهم إِلى النار وهو أَقبح مصير ومرجعهم إِلى العقاب وهو شر مرجع، ويومئذ لا تنفعهم معذرتهم عما فرطوا في جنب الله. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١).
стр. 3407
وعلى القراءَة الثانية: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله تعالى، وسيعلمون أَن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات ينفلتون إِليه من عذاب الله طمعًا في النجاة حيث توصد في وجوههم كل الطرق والمسالك، ويساقون إلى النار فهي مصيرهم وإِلى العذاب مرجعهم.
وكون الآية عامة فكل ظالم هو الصحيح كما قال ابن أبي حاتم، وقيل: المراد بالظالمين
أهل مكة فهو عام أُريد به خاص.
стр. 3408
سورة النمل
مكية وآيتها ثلاث وتسعون
مقاصدها:
بينت هذه السورة أَن القرآن هدى وبشرى للمؤمنين، وأَن الذين لا يؤمنون بالآخرة معذبون أَسوأَ العذاب وهم الأَخسرون يوم الدين.
وتحدثت عن قصة موسى وأَهله عند رجوعه من مدين إِلى مصر بعد هجرته إِليها، فذكرت أَنه رأَى نارًا وأَنه ذهب إِليها ليأَتيهم بقبس منها يستدفئون به، فلما وصل إِلى مكان النار سمع نداءً يقول: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
ثم تحدثت عما جرى بينه وبين فرعون وقومه على سبيل الإِجمال، حيث ذكرت أَنهم جحدوا بآياته وزعموها سحرًا، فساءَت عاقبتهم بسبب كفرهم.
وتحدثت عن داود وسليمان بأَن الله آتاهما علمًا فضلهما به على كثير من عباده المؤمنين، وأَن سليمان خلف أَباه داود في النبوة والملك، وأَن الله - تعالى - علمه وأَباه منطق الطير وأَعطاهما طرفا من كل شيءٍ.
وذكرت أَنه - تعالى - جمع لسلمان جنودًا من الجن والإنس والطير، فلما أَتوا على وادي النمل قالت نملة لجماعتها آمرة ومحذرة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فضحك سليمان لقولها هذا، ودعا ربه أَن يعينه على شكر نعمته التي أَنعمها عليه وعلى والديه، ويوفقه لصالح العمل الذي يرضيه وأَن يدخله برحمته في عباده الصالحين.
стр. 3409
وذكرت أَنه تفقد الطير التي جعلها الله من جنوده، فلم يجد الهدهد، فعجب لتخلفه عن موقعه، وتوعده بالتأْديب الشديد، ما لم يأْته بسبب مقبول يقتضي تخلفه، فلم يطل غيابه، بل حضر إِليه وأَخبره بخبر عجيب، إِذ قال: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ … ﴾ الآيات.
فلما فرغ من حديثه العجيب قال له سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وبعث معه رسالة إِلى ملكة سبأ، وأَمره بمراقبتها بعد وصول خطابه إِليها، ليعلم منه كيف تتصرف عندما يحدق بها الخطر، فحمل كتابه وأَلقاه إِليها، فجمعت أَشراف قومها قائلة: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ وطلبت منهم الِإفتاءَ وبذل المشورة في هذا الأَمر الخطير، إذ قالت: ﴿أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾، فردوا قائلين: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فلما أَحست منهم الميل إِلى القتال دفاعًا عن البلاد قالت: ﴿إنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً .... ﴾ ورأَت المصالحة بإرسال هدية إِلى سليمان ﵇ لترى أثرها عنده، فلما وصل الرسول بهديتها ردها سليمان إليها، وأخبرها بأَن الله أَعطاه خيرًا مما أَعطاها، ولم يقبل منها سوى الاستسلام، حتى لا يأْتيهم بجنود لا قبل لهم بها، فيخرجوا من بلادهم أذلة صاغرين.
ثم طلب من جلسائه أَن يحضروا لها عرشها قبل أن تأْتيه مسلمة، فكان أسرعهم مَنْ عنده علم من الكتاب، حيث جاء به قبل أَن يرتد إليه طرف فشكر الله - تعالى - على تلك النعمة، وطلب من أتباعه أن يُنَكِّروه لها لتغيير هيئته ليعرف مقدار فطنتها ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾، ثم قيل لها: ادخلي القصر، فلما دخلته رأَت صَحْنه كأَنه ماءٌ، فكشفت عن ساقيها، فقال: إِن ما تظنينه ماء هو صرح أَملس من
стр. 3410
زجاج، وحينئذ قالت معترفة بخطئها في عبادة الشمس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْماَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم حكت السورة قصة هود مع نبيهم صالح وكفرهم … وتآمرهم على قتله وأَن الله عاقبهم على مكرهم بإِهلاكهم أَجمعين وأَنجى صالحا ومن معه من المؤمنين.
وذكرت قصة قوم لوط، وقد جاء فيها لومه إياهم على إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: أَي يتنزهون عن أَفعالنا ولا يرضونها لأَنفسهم، فأَنجاه الله وأَهله المؤمنين، وأهلك سواهم من الكافرين وفيهم امرأَته.
ثم ناقشت المشركين وقارنت بين معبوداتهم الضعيفة وبين الله الواحد القهار، وبدأت المناقشة بقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وبينت آثار قدرة الله ونعمه: فذكرت أَنه خلق السموات والأرض وأَنزل من السماء ماءً فأَنبت به حدائق ذات بهجة، وأَنه جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أَنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا دون أَن يكون مع الله إله في خلق هذه الكائنات والنعم العظيمة.
ثم عقبت ذلك ببيان كثير من النعم الجليلة التي لم ينعم بها سوى الله، وساءَلتهم في كل ذلك منكرة عليهم شركهم: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.
ثم عابت عليهم شكهم في الآخرة وقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ وزعمهم أَن أَمر الآخرة من أَساطير الَأولين، وردت عليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ودعت نبيه ﷺ إِلى عدم الاهمام بإِعراضهم، فذكرت قول الله - تعالى -: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وتوعدتهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وبقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
ثم بينت أَن هذا القرآن يقص علي بني إِسرائيل أَكثر الذي هم فيه مختلفون، وأمرت النبي بالتوكل على الله بقوله - تعالى -: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ وبينت
стр. 3411
أَن خصومه يشبهون الصم العمى، فما هو بمسمعهم ولا هاديهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وذكرت أَنه إذا قرب وقوع القول عليهم - وهو ما وعدوه من البعث والعذاب - أَخرج الله دابة من الأَرض تكلمهم، وتكون حجة عليهم؛ لأَن الناس صاروا بآيات الله لا يوقنون، وسيأَتي بسط الحديث في شأْنها في موضعها من السورة.
ثم بينت أَنه يوم ينفخ في الصور يفزع أَهل السموات والأرض إلَّا من شاء الله كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ممن يثبتهم الله يومئذ، وأَن الجبال في هذا اليوم تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، وأَن أصحاب الحسنات يجازون يومئذ بخير منها، وأَصحاب السيئات من الكفار يكبون على وجوههم في النار.
ثم ختمت السورة ببيأَن أَن الله - تعالى - أَمر نبيه أَن يعبد رب هذه البلدة التي حرمها وهي مكة، وله كل شيء، وأَمره أَن يكون من المسلمين وأَن يتلو القرآن، وأَن يقول لقومه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 3412
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾.
المفردات:
(تِلْكَ): إِشارة إِلى السورة. ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: أي آيات من القرآن، فالإضافة على معنى مِنْ. (مُبِينٍ): موضح للأحكام والأخلاق والعظات، من: أبان غيره: أَي أَوضحه، أَو الواضح بإعجازه ومعانيه، من: أبأَن اللازم بمعنى اتضح. (يَعْمَهُونَ): يتحيرون ويترددون.
التفسير
١ - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
"طس" اسماَن لحرفين من حروف المعجم، هما الطاءُ والسين، وقد مضى الكلام بشأَن مثلهما في أَوائل سور: البقرة وآل عمران ويونس وهود وغيرها، فارجع إليها إِن شئت، ونزيد على ذلك أَن بعض المعنِيِّين بإعجاز القرآن الكريم أثبتوا بالآلات الحاسبة: (الكمبيوتر) أَن كل سورة بدئت بمثل هذه الفواتح، تغلب فيها الحروف التي بدئت بها على سائر الحروف التي تكونت منها كلمات السورة، وبما أَن محمدا ﷺ أُمِّيٌّ لا يقرأُ ولا يكتب فذلك شاهد على أَن القرآن ليس من تأْليفه - كما زعم أعداءُ الحق - بل هو من عند الله العزيز الحكيم.
стр. 3413
والمراد بقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ القرآن نفسه، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، وقد وصف به على سبيل العطف للإيذاَن بأَنه جامع بين صفتين: إِحداهما، أَنه معجزة مقروءَة على الدوام، وثاَنيتهما: أَنه كتاب مبين لما اشتمل عليه من الحِكم والأَحكام، وأَحوال القرون الأُولى والمعجزات الكونية، وأَحوال الآخرة، والعقائد النظيفة التي لا تناقض فيها ولا استحالة، وكما أَنه موضح لما ذكر فهو واضح لكل قارئ ولكل سامع، فلا يصعب فهمه على أَحد، أُميا كان أَو قارئا.
وقد فاقت معجزة القرآن سائر المعجزات السابقة؛ لأَنها لا وجود لها الآن، فأَين عصا موسى، وناقة صالح، وإبراءُ الأَكمه والَأبرص، وإِحياءُ: الموتى من عيسى بإذن الله؟ لقد ذهبت كلها وأَصبحت خبرًا بعد عين، ولولا أَن القرآن أَيدها لكانت موضعًا لا شك والريبة. أَما معجزة القرآن فهي باقية ما بقى الزمان، واضحة الإعجاز والبيأَن، لأن شريعته التي جاءَ بها هي الشريعة العامة لبشرية، الخاتمة لجميع الشرائع، فلذلك جعله الله آية باقية مقروءَة مكتوبة، بينة مبينة محفوظة من التغرير والتبديل، بكفالة العزيز الحكيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. (١)
ومعنى الآية: طس: تلك السورة آيات وعلامات من القرآن وكتاب مبين للعقائد الصحيحة، والأحكام السديدة، والأخلاق الرشيدة، والغيبيات على ما هي عليه، والكونيات وما ترشد إليه.
٢، ٣ - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾:
أَي هذا القرآن عظيم الهداية والبشارة للمصدقين، الذين يضمون إِلى تصديقهم به إقامتهم الصلاة في مواقيتها، وإيتاءهم الزكاة لمن يستحقها، وهم بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب مصدقون، لا يشكون ولا يمارون ولا يجادلون بل يعملون لها مخلصين، فإن إيمانهم بها يحملهم على صدق النية وإخلاص العمل، خوفًا من العقاب، ورغبة في جميل الثواب.
стр. 3414
والمراد من الزكاة هنا: مطلق الصدقة؛ فإِن الزكاة بمعناها المعروف فرضت بعد الهجرة في حين أَن هذه السورة مكية.
٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾:
في هذه الآية والتي بعدها بياَن لحال الكفرة ومآلهم بعد بيان أحوال المؤمنين وعاقبتهم.
ومعلوم أَن الشيطان هو الذي يزين القبائح والمعاصي لأصحابها فيقبلون عليها كما قال - تعالى - في سورة النحل: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية ٦٣.
وإسناد التزيين هنا إِلى الله تعالى مجاز عن تخليه عن معونتهم وتركهم لشياطينهم وغرائزهم الشريرة، التي تزين الكفر والمعاصي إِلى نفوسهم، بسبب إصرارهم على الكفر بالآخرة.
والمعنى: إِن الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وجزاءٍ، وظنوا أَن الحياة هي الحياة الدنيا فأَنصرفوا إليها، ولم ينفعهم نصح أَنبيائهم، فهؤلاءِ تخلينا عن معونتهم على الهدى، وتركناهم لشهواتهم وشياطينهم، لتزين لهم ما هم فيه، فهم في غيهم يتحيرون ويترددون، والعمى صفة البصر، والعمه صفة البصيرة، فبصيرتهم في ظلام الضلال، لا تدرك ما ينفعها ولا ما يضرها.
٥ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾:
أي؛ أُولئك الذين كفروا بالآخرة وتركناهم في ضلالهم، قضينا عليهم بالعذاب السيء في الدنيا بالقتل والأَسر وغير ذلك من محن الحياة الدنيا، وهم في الآخرة هم الأشد خسرانًا منهم في الدنيا، حيث يخلدون في النار وبئس القرار، ولا توجد خسارة أَفدح من هذه الخسارة.
ويصح أَن تكون كلها في عذاب الآخرة، على معنى أَن لهم العذاب السئ فيها، وهم أَشد الناس خسارة حينئذ، لحرماَنهم من الثواب، واستمرارهم في العقاب، بخلاف عصاة المؤمنين.
стр. 3415
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾
المفردات:
(مِنْ لَدُنْ): من عند. (حَكِيمٍ): عظيم الحكمة، والحكمة: إتقان الأُمور.
(آنَسْتُ): أَبصرت. (بِشِهَابٍ قَبَسٍ): بشعلة نار مقبوسة ومأخوذة من النار التي أبصرها. (تَصْطَلُونَ): تستدفئون. (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا): جعلت البركة لمن في البقعة التي فيها النار، ولمن في الأماكن التي حولها.
(الْعَزِيزُ): القوى الذي يَقْهرُ وَلَا يُقْهَر.
التفسير
٦ - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾:
بينت الآيات السابقة بعض شئون القرآن، وجاءَت هذه الآية تمهيدًا لما يليها من القصص التي اشتملت عليها، وهي مستأْنفة لهَذا الغرض، وليست معطوفة على ما قبلها، وَالذى يُلْقى القرآن على الرسول ﷺ من عند الحكيم العلم هو الروح الأمين جبريل ﵇ قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. (١)
стр. 3416
وقد تضمنت الآية تحقيقًا لنزوله من عند الله وتأكيدًا لذلك وتفخيمًا لشأْنه، فالآية واضحة الإِشارة إِلى أَن هذا القرآن مشتمل على حكم عظيمة، وعلم غزير، لا يمكن أَن يصدرا عن البشر، وإِنما يصدراَن عن إله حكيم عليم، ولذلك صُدِّرَتْ بإِنَّ واللام في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ وهما للتأْكيد، وجمع بين الحكمة والعلم؛ لأَن فيه ما هو من قبيل الحكمة كالعقائد الصحيحة والأحكام الشرعية الصالحة لكل زمان ومكان، وما هو من قبيل العلم المطلق مثل القصص والأَخبار الغيبية.
والواقع أَن العلم يعم الحكمة وسواها، ولكنه جمع بينهما للإيذان باشتمال القرآن عليهما جميعا على أكمل وجه.
ومعنى الآية: وإنك - أَيها الرسول - ليلقى إليك القرآن من عند حكيم عظيم الحكمة وإِصابة الحق، عليم واسع الإِحاطة بالأُمور ما وجد منها وما سوف يوجد، لأَنه فوق مستوى قدرة البشر: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١).
٧ - ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾:
كان موسى ﵇ قد خرج من مصر حين علم أَن الملأ من قومها يأتمرون به ليقتلوه قصاصًا منه لقتله القبطي الذي اعتدى على رجل من بني إِسرائيل، فخرج إِلى سيناء وانتهى في رحلته إلى مدين، حيث عمل أَجيرًا عند شعيب في مقابل تزويجه إِحدى ابنتيه، فلما قضى المدة المتفق عليها، حنَّ للرجوع إِلى مصر ومعه أهله، فسار بأَهله فأَدركها المخاض عند الطور، فوضعت في ليلة شاتية باردة، وكان قد حاد عن الطريق لأمر شاءَه الله - تعالى - وقد أصبح بحاجة إِلى أمرين: أحدهما: أَن يوقد نارًا ليستدفئ بها أَهله، وثانيهما: أَن يهتدى إِلى الطريق الموصل إِلى مصر بعد أَن حاد عنه، وقد أدركته عناية الله وهو في حيرته هذه، حيث أظهر له نارًا على بعد قليل من الطور كما قال - تعالى - في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ (٢).
стр. 3417
وحينئذ قال لأهله: إني أبصرت نارًا سأتيكم منها بخبر عن الطريق الذي نصل منه إِلى مصر بسؤال من أوقدوا هذه النار، أَو آتيكم بشعلة مقتبسة ومأْخوذة من هذه النار التي أراها، لعلكم (١) بهذه الشعلة المقبوسة تستدفئون إذا جعلتها داخل حطب وأوقدته بها.
وإِدخال السين على الفعل في قوله: "سآتيكم" لتأْكيد الوعد وتحقيقه - كما قال الزمخشرى - ولإِفادة مجيئه عن قرب حتى لا يستوحش أَهله لتركه إِياهم في هذا المكان.
٨ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
في الكلام مضاف مقدر، أَي: فلما جاءَها بورك مَن في مكان النار ومَنْ حول مكانها، والمراد من مكان النار: البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) والمراد ممن في بقعة النار ومن حولها: كل من في هذا الوادى وحواليه من أَرض الشام التي باركها الله بمبعث الأَنبياء ودفنهم بها، ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى ﵇ وقيل: من في بقعة النار: موسى ﵇ ومن حولها: الملائكة، وقيل: العكس.
وقد نبه الله على جلال المقام، وتنزهه - تعالى - عن الحلول وعن صفات البشر، بأَن ختم الآية بقوله : ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
والنار التي رآها موسى ﵇ لم تكن نارًا حقيقية، فقد كانت نورًا كما روى عن ابن عباس: (لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهج)، وهذا النور من نور الله تعالى - كما روى عنه.
ونقل القرطبي عن ابن عباس والحسن أَن المعنى: قدس من في النار وهو الله عنى به نفسه (٣) تقدس وتعالى، ثم عقبه بقوله: قال ابن عباس ومحمد بن كعب:
стр. 3418
النار: نور الله نادى الله موسى، وهو في النور - قال القرطبي - وتأويل ذلك: أَن موسى ﵇ رأَى نورًا عظيمًا فظنه نارًا، وهذا لأَن الله - تعالى - ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، لا أَنه يتحيز في جهة، ومثله كمثل قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (١) فإنه لا يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به الفاعل، وعلى هذا يكون ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ بمعنى قُدِّسَ مَنْ فِي النار سلطانه وقدرته وكلامه: انتهى بتصرف يسير.
ثم نقل القرطبى عن سعيد بن جبير كلامًا يشبه كلام ابن عباس وابن كعب، إِذ قال: كانت النار بعينها فأَسمعه الله كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته من جهتها، قال القرطبي: وهو كما روى أنه مكتوب في التوراة: (جاءَ الله من سيناءَ وأَشرف من ساعير، واستعلى من جبال فاران) (٢) فمجيئه من سيناء بَعْثُه موسى، وإِشرافه من ساعير بَعْثُه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بَعْثُهُ محمدًا ﷺ وفاران (مكة) وسيأتى في القصص زيادة بيان في سماع الله كلامه موسى: انتهى بتصرف يسير.
وإليكم تفسير الآية على أَن منْ في النار ومَنْ حولها هو موسى والملائكة فما يلي:
فلما وصل موسى إِلى النار التي رآها وهو بجانب الطور، نودى نداءً إلهيًّا منبعثًا من الشجرة بأَنه بورك موسى الذي في بقعة النار، وبورك مَنْ حولها من الملائكة، وقيل لموسى: سبحان الله رب العالمين، تنزيهًا له - تعالى - عن أَنْ يشبهه شيءٌ من مخلوقاته، أَو يحيط به شيء من مصنوعاته فلا تكتنفه أرض ولا سماء، ولما وقف موسى مبهورًا متعجبًا من صدور الكلام عن النار، أَعلمه الله أَنه - سبحانه - هو المتكلم فقال:
٩ - ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
الضمير في "إنَّهُ" للشأْن، والعزيز الحكيم وصفان للفظ الجلالة، ممهدان لما أُريد إِظهاره على يد موسى ﵇ من المعجزة.
стр. 3419
والمعنى: يا موسى إِن الأمر والشأْن أَنا الله القوى القادر على ما لَا يقدر عليه غيرى من الأمور العظام التي من جملتها ما سوف أُوْيدك به من المعجزات، الحكيم الذي تصدر أَحكامه وأَفعاله بغاية الإحكام والسداد.
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾
المفردات:
﴿تَهْتَزُّ﴾: تتحرك باضطراب. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾: الحية الخفيفة السريعة.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: انصرف راجعًا إِلى الخلف ولم يَعُدْ، من: عَقَّب المقاتل، إذا كَرَّ بعد الفرار. ﴿جَيْبِكَ﴾: الجيب؛ فتحة القميص من أَعلاه إِلى الصدر، ليدخل منه الرأْس، واستعماله في الفتحة التي يوضع فيها كيس الدراهم ونحوه مُوَلَّدٌ.
﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾: أَي؛ آية معدودة من جملة تسع آيات. ﴿مُبْصِرَةً﴾: بينة واضحة، من أَبصر، بمعنى وضح مجازًا، أَو مُعينَة على البصر، أَي: على التبَصُّر، من أَبصر غيره، أي: جعله يبصر بقلبه ويهتدى.
стр. 3420
التفسير
١٠ - ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ … ﴾ الآية.
هذه الآية من جملة ما كلم الله به موسى من الشجرة، وقد تضمنت أَنه - تعالى - أَمره أَن يلقى عصاه من يده، ليرية آية على أن الذي يكلمه هو الفاعل المختار القادر على كل شيءٍ، وقد شبهت العصا بعد تحولها بالجان، وهي ضرب من الحيَّات أَكثرها حركة وأَسرعها اضطرابًا، مع صغر في الحجم، وقد جاء تشبيها بثعبان مبين في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (١) والثعبان أكبر حجمًا من الجان، فهي في حجم الثعبان جسمًا، وفي صورة الجان حركة واضطرابًا سريعًا، فلذا عبر عنها بالكلمتين في موضعين مختلفين من السور.
والمعنى: ونادى الله موسى: ألق عصاك الخشبية من يدك، فأَلقاها فأَنقلبت حية، فلما رآها تتحرك بشدة واضطراب كأنها جان في سرعتها وخفتها، انصرف عنها مدبرًا خوفًا منها، ولم يرجع إِلى المكان الذي كان فيه حين ألقى عصاه فناداه ربه مطمئنًا بقوله:
﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾: يا موسى لا تخف من هذه الحية التي آلت إليها العصا، ولا من غيرها فإِنه لا يخاف في حضرتي المرسلون؛ لأَننى أَحميهم وأحْفظهم من كل شيءٍ.
وفي هذه الآية بشارة له بأنه سيكون من رسل الله وتعليم له بأنه لا ينبغي لمن يرسلهم الله إِلى خلقه لهدايتهم، أَن يخافوا أَو يخطر الخوف ببالهم عند الوحى إِليهم وإِن وُجِدَ ما يخاف منه، لاستغراقهم في تلقي أَوامر الله، وانجذاب أَرواحهم إِلى عالم الملكوت، والتقييد بكلمة ﴿لَدَيَّ﴾ لأن المرسلين يغلب الخوف عليهم في غير هذه الحالة، فهم في سائر أَحيانهم أَخوف الناس من الله فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) ولا أعلم منهم باللهِ - تعالى -.
стр. 3421
هذا في الدنيا، أَما في الآخرة وهم في حضرته - تعالى - فإنهم لا يخافونه خوف عقاب وإن خافوه خوف إجلال؛ لأنهم صفرة عباده وأَحرصهم على تقواه.
وبعد أَن بين الله أَن المرسلين لا يخافون في حضرته - تعالى - عقب ببشارة عامة لكل من أَحسن بعد الإساءَة من عباد الله - تعالى - فقال - سبحانه -:
١١ - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
ولفظ: "إلاّ" هنا بمعنى (لكن) وهو ما يسمى في عرف النحاة بالاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن من ظلم نفسه بارتكاب عمل سئ، ثم بدل فأَتى بعمل حسن بعد عمله السئ تائبًا إِلى ربه، فلا يخاف، فإِنى عظيم الغفران واسع الرحمة.
وهذه الرحمة بالتائبين مقررة في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (٣).
١٢ - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾:
بينت الآية السابقة أن الله - تعالى - أَرى موسى كيف يحول العصا الخشبية إِلى حية تسعى، وجاءَت هذه الآية لتبين معجزة أُخرى ودليلًا باهرًا على قدرة الله - تعالى - وأَنها مع سابقتها يؤيده الله بهما في رسالته إِلى فرعون وقومه في ضمن تسع آيات تشهد برسالته، وتقوم بها حجة الله عليهم إِن لم يستجيبوا له، إِذ يعاقبهم على كفرهم أَشد العقاب.
والآيات التسع التي أَشارت إِليها الآية هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب.
стр. 3422
والطمسة: جعل أبواب رزقهم حجارة، والجيب: فتحة القميص من جهة الصدر وهي مدخل الرأْس فيه، كما تقدم في بيان المفردات.
ومعنى الآية: وأدخل يدك في فتحة قميصك من جهة الصدر، وأَخرجها تخرج بيضاءَ ساطعة تتلألأ كأنها قطعة من القمر من غير سوءٍ حل بها، وهاتان الآيتان في جملة تسع آيات واضحات أُؤيِّدك بهن وأَجعلهن براهين على صدقك في دعواك الرسالة عنا إِلى فرعون وقومه، فإِنهم كانوا قومًا فاسقين خارجين عن طاعتنا والإيمان بنا، مع أن يوسف قد دعاهم إِلى الحق من قبلك، ولهم عقول لو فكروا بها في آياتنا لهدتهم سواءَ السبيل.
١٣ - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
أَي: فلما جاءَهم موسى مؤَيَّدًا بآياتنا المعينة على التبصر والهدى، قالوا - معرضين عن التأمل والانتفاع بها -: هذا الذي جئتنا به سحر واضح.
ولما كان الذي قالوه مخالفًا لما وقر في نفوسهم، عقب الله مقالتهم هذه بقوله:
١٤ - ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾:
أَي وكذب قوم موسى بالآيات التي أَيده الله بها مع تمام وضوحها، وقد استيقنتها أنفسهم وآمنت بها قلوبهم، وكان إنكارها بألسنتهم ظلما منهم للحق ولأنفسهم، وتعاليًا عليه وعلى من جاءهم به من عند ربه، فانظر - أَيها المتأمل - كيف انتهت إِليه عاقبة المفسدين حيث أغراهم الله بالدخول في الطرق التي شقها لبني إِسرائيل في البحر، وأغرقهم جميعًا فيه بعد انتهاءِ عبور بني إِسرائيل، فبئس مصير المتجبرين.
стр. 3423
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾
المفردات:
﴿عِلْمًا﴾: إِدراكًا لعلوم الدين وأُصول الحكم وغيرها.
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: ورثه في النبوة والملك.
﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: منطق الطير، ما تعبر به عن حاجاتها وشئونها من أصوات أو حركات.
﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاج إليه الملك.
التفسير
١٥ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
شروع في بيان قصة داود وسليمان - عيهما السلام - بعد إجمال الحديث بشأْن موسى مع فرعون وقومه، لتقرير ما تقدم ذكره، من أن محمدًا ﷺ تلقى القرآن من لدن حكيم عليم.
والمراد بالعلم الذي أَعطاهما الله إِياه: هو علم شريعة الله وسياسة الملك وما يختص به كل منهما من العلوم.
وكان الظاهر أَن يقال: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالفاءِ دون الواو، كما تقول: أَعطيته فشكر، ولكن التعبير بالواو هنا أبلغ، لما فيه من الإِشعار بأَن ما قاله داود وسليمان بعض آثار إِيتائهما العلم، فأُضمرت تلك الآثار وعطف عليها الحمد، فكأَنه قيل: ولقد آتيناهما
стр. 3424
علمًا فعملا به وعرفا حق النعمة فيه، وقالا: الحمد الله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (١).
وفي الآية دليل على أن العلم من أجل النعم، حيث شكرا الله على إيتائهما إياه، ولم يذكرا معه سواه من سائر النعم التي أنعم الله بها عليهما من الملك وغيره، فإن العلم هو أَساس جميع النعم، وفيها حث للعالم على شكر الله، وأَن لا يتكبر بما أُوتيه من العلم وآثاره على الناس، فيقول ما قاله قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٢)، كما فيها حث له على أن يعلم أنه وإِن أُعطى من العلم ما يفضل به كثيرًا من الناس، فقد فضل الله به غيره عليه، فإن العلم لا غاية له.
ومعنى الآية: ولقد أعطينا داود وابنه سليمان علمًا بشئون الدين والدنيا يناسب ما أَعطينا كليهما من النبوة والملك، وقال كل منهما: الحمد لله الذي فضلنا بهذا العلم على كثير من عباده المؤمنين الذين لم يعطوا منه مثل ما أعطينا.
١٦ - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾:
المراد من ميراث سليمان داود: أنه صار نبيًّا وملكًا بعده، فوراثته إِياه مجاز عن ذلك، ولم يرث عنه المال، قال ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث". رواه أبو بكر وعمر أمام جمع من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد، وهم الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وأَخرج أبو داود والترمذي عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن العلماءَ ورثة الأَنبياءِ، وإِن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن وَرَّثُوا العلم، فمن أَخذه أخذ بحظ وافر".
والمراد من الناس: أَهل مملكته، ومن منطق الطير: لغته التي يتخاطب بها بصوت أَو بإشارة، وكان يعرف لغة الحيوانات والحشرات، ومن ذلك ما روته هذه السورة من قصة الهدهد والنملة.
стр. 3425
وقد عرض بعض المفسرين لذكر قصص عن طيور مختلفة فهم لغتها وأَصواتها، ولا تعدو هذه القصص أن تكون مجرد حكايات لم ترد عن الصادق المصدوق، فلهذا لم نذكرها هنا، التزاما بما التزمنا به من الاقتصار في التفسير على المعنى اللغوى أَو المأْثور عن رسول الله ﷺ أَو ما قاله السلف مما يتفق مع القواعد الشرعية والمعنى اللغوى، وحسبنا أن الله - تعالى - أطلق تعليم سليمان منطق الطير، وهذا يتناول فهمه للغته ومراداته منها على أوسع نطاق، هذا أَمر خص الله به نبيه سليمان، وليس من باب الفراسة ولا مجرد الذكاء، وإِنما هو بتعليم الله إياه ذلك، كما هو صريح الآية الكريمة ليكون ذلك من المعجزات التي أَيد الله بها رسالته.
ومعنى الآية: وقام سليمان بعد أَبيه مقامه في النبوة بوحى من الله، وفي الملك برضا أُمته، وقال تَحَدُّثًا بنعمة الله، وإِعظاما لقدرها، ودعوة للناس أن يصدقوه في نبوته بذكر المعجزة التي أَيده الله بها - قال -: يا أَيها الناس علمنا الله - تعالى - لغة الطير التي يتخاطب بها، وأُوتينا من كل شيء يحتاج إِليه الملك وتؤيد به النبوة، كتسخير الشياطين والريح، وغير ذلك من أُمور الدنيا والآخرة، إِن إيتاءَ العلم والإعطاء من كل شئٍ لهو الإحسان الواضح من الله رب العالمين، المقتضى لجزيل الشكر ممن أُنْعِم به عليه.
واعلم أن قولًا - تعالى -: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ إِما أَن يكون من كلام الله - تعالى - تعظيمًا للفضل الذي أَنعم به على داود وسليمان ﵉ وإِما أَن يكون حكايته لكلامهما على سبيل الشكر والاعتراف منهما بعظيم فضل الله عليهما، لا على سبيل الفخر والمباهاة، ومثل ذلك كمثل قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر".
стр. 3426
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾
المفردات:
﴿وَحُشِرَ﴾: الحشر؛ الجمع. ﴿يُوزَعُونَ﴾ أَي: يحبسون ويمنعون من المضى حتى يتلاحقوا ويجتمعوا، والإيزاع: الحث على الوزع، وهو الكف والمنع (١).
﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾: لا يهلكنكم، وأَصل الحطم: التكسير. ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمنى، وأصله: من الإِيزاع، وهو الحث على الكف والمنع كما تقدم، فكأَنه قال: حُثِّنِى وَأَعِنِّى على كف نفسى عن التقصير في شكر نعمتك.
التفسير
١٧ - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾:
بين الله في هذه الآية أَن سليمان ﵇ كان له جنود من أَصناف ثلاثة: الجن، والإنس، والطير، وهذا شيءٌ خصه الله - سبحانه - به، استجابة لدعائه الذي حكاه الله بقوله في سورة (ص): ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ
стр. 3427
﴿أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ (١).
وقد أَضافت هذه الآيات من سورة (ص) الريح إِلى جنوده المسخرين له في هذه السورة، وبهذا اكتمل له عِزٌّ وجاه ليس لأَحد من العالمين، لِحِكَمٍ سنعرض لها - إِن شاء الله - عند الكلام على تفسيرها في سورة (ص).
وقد بينت الآية هنا أَنه حشر له جنود من الأَصناف الثلاثة، ولم تبين الغرض الذي جمعت له، ولهذا اختلف العلماء في بيانه، فقال قائل: إنهم جمعوا ليقاتل بهم من لم يدخلوا في طاعته، وقال آخر: بل جمعوا ليذهب بهم إِلى مكة، ليشكر الله - تعالى - على ما وفقه له من بناءِ بيت المقدس، والأَول هو الظاهر من المقام، أَما الثاني فلا دليل عليه.
وجمع هذه الأَصناف مع كفاية الِإنس أَو الجن، لإِظهار نعمة الله وأُبهة الملك وبث الرعب في قلوب الأَعداء.
والظاهر أَن المراد من جمعها جمع طائفة من كل نوع، لا جمعها كلها؛ لأن الذين يخرجون للقتال عادة وسياسة هم بعض الجنود لا كلهم، ويترك الباقون لحفظ البلاد من الأعداءِ المتربصين.
والظاهر أَن الحاشر لكل نوع من الثلاثة أفراد منهم معدون لمثل ذلك، ولا غرابة في أَن يكون للطير لغة تتخاطب بها، وإدراك يعي هذا الخطاب، فالآية صريحة في أن للطير منطقا علمه الله سليمان ﵇.
بل لقد أثبت القرآن ذلك بما لا يدع مجالًا للشك في جميع الحيوانات، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٢) فقد أثبتت الآية أن كل الدواب على الأرض والطيور في جو السماء، أُمم لها خصائص تماثلنا، وإن اختلفت في كيفية هذه الخصائص ومستواها، والقرآن الكريم لم يقتصر على بيان
стр. 3428
كونها أُممًا أَمثالنا، بل بين أَن فيها قادة ينذرونها ويرشدونها، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) وقد ضرب الله مثلًا لهذا النذير ووظيفته بقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (٢).
وقد سبق القرآن الكريم بذلك جميع الكشوف العلمية، وأيدته المشاهدة، فالنحل له ملكة تدبر أَمره، وتسوسه، وبلغ من دقة إِدراكه أَنه يصنع بيوتًا مسدسة الأَضلاع لتجميع عسله فيها؛ بمقاييس في غاية الدقة، واختيار المسدس دون غيره؛ لأَنه هو الشكل الوحيد الذي لا توجد فرج بين وحداته داخل الِإطار.
وبالجملة فدراسة مملكة النحل وأُمته تحير الأفكار، ومثلها النمل وجميع الكائنات الحية.
ومن أغرب ما نشاهده في موسم الشتاء بمصر، تلك الطيور التي تفد علينا من المناطق الشديدة البرودة، طلبًا للدفء والرزق في بلادنا، وفي مقدمة كل طائفة نذيرها ومرشدها وهي تطير على هدى إدراك داخلي أَقوى من (الرادار) في حين أَنها لم يسبق لها الحضور إِلى بلادنا.
وكثير من الحيوانات يدرك مجئَ الزلازل قبل حضورها، وتكون له حركات تشنجية منذرة بها، في حين أن الإنسان لا يستطيع أن يدركها بحسه قبل أن تفاجئه.
وقد أَيدت الكشوف والدراسات العلمية ما صرح به القرآن العظيم منذ أَكثر من أربعة عشر قرنًا، فما أعظم القرآن، وصدق الله إذ يقول فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣).
ومن أغرب الكشوف العلمية، أن للنيات إِحساسًا وإدراكًا لما يحدث فيه أَو حوله، فقد صنعت آله تسجيل على أَعلى مستوى من الدقة، وسجلت أَنين الشجرة إِذا قطع منها غصن، أَو نقلت شجرة مجاورة لها إِلى جهة أُخرى.
стр. 3429
ولا نذهب بعيدا في هذا الشأْن، فإِن النبات المعروف في مصر باسم (عباد الشمس) تدور زهرته مع الشمس أَينما دارت، وهناك من النبات ما لو لمست ورقة منه أَو نفخت فيها انكمشت، حتى أَطلق البستانيون عليها اسم: المُسْتَحِيَة، كأَنها تستحى عند لمسها أَو نفخها فتجمع أَوراقها وتضم وبعضها إِلى بعض: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١).
ومعنى الآية: وجُمِع لسليمان جيشُه وعساكره من أَماكنها المختلفة، وكان جيشه مؤلفًا من الجن والإِنس والطير، تعظيمًا لمقامه وإرهابًا لعدوه، فهم يؤمرون بالكف عن السير حتى يجتمعوا، فتنتظم صفوفهم وألويتهم طبقًا للنظم العسكرية ثم يؤمرون بالسير.
١٨ - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢):
﴿حَتَّى﴾: ابتدائية، وفيها معنى الغاية لما يفهم من الكلام قبلها، كأَنه قيل: فلما اجتمعوا ونُظِّمُوا وأُمروا بالمسير، فساروا حتى أَتوا على وادى النمل … إلخ.
ووادى النمل: واد بأَرض الشام تكثر فية النمل - كما روى عن قتادة ومقاتل - وقيل: واد باليمن معروف عند العرب ومذكور في أَشعارهم. ولفظ (أتَى) في قوله تعالى: ﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ يتعدى بنفسه، فيقال: أتى وادىَ النملِ، أَو بإِلى، كقولك: أَتى إِلى وادى النمل - وإِنما عُبِّر (بعلى) في الآية الكريمة، إما لأن إتيانهم إليه كان من مكان عاد، أَو لأَن المراد من إِتيانهم عليه قطعه كله وبلوغ آخره، والإِتيان بهذا المعنى مجاز عن القرب، من: قطعه، ولَمَّا يقطعوه بَعْدُ، ولهذا حذرت النملة أُمتها قبل مجئ سليمان إِلى مكانها من الوادى ونهتهم بقولها: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾، فقولها هذا: نهى مؤكد بالنون لجماعتها من النمل عن التعرض لتحطيمها من سليمان وجنوده إِن لم تدخل مساكنها في وادى النمل قبل مجيئهم، وقد أدركت بإِلهام الله لها أنهم لو حطموها وهي في طريقهم فإنما يفعلون ذلك لا عن شعور بها، كأنها أدركت عصمة الأنبياء عن الظلم بإبادتها، وذلك منها أدب
стр. 3430
كريم في حق سلمان وجنوده، فلعل الناس يتعلمون حسن الظن بأَهل التقوى والأَدب معهم كما فعلت هذه النملة.
ومعنى الآية: فسار سليمان وجنوده حتى إذا أتوا على وادٍ يكثر فيه النمل ويعرف به، قالت رائدته لفصيلتها: يا أَيها النمل ادخلوا مساكنكم في جحوركم، لا تتعرضُنَّ بالبقاء فوق ظهر الأَرض لأن يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بإهلاكهم إياكم.
هذا وننقل فيما يلي (المسألة السادسة) من تعليق القرطبى على هذه الآية الكريمة، لأهميته فما ذهبنا إليه من أن للحيوانات إدراكات عالية.
قال القرطبي: السادسة - لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول، وقد قال الشافعي: الحمائم أَعقل الطير، وقال ابن عطية: والنمل حيوان فَطِنٌ شمام جدًّا يدَّخر ويتخذ القُرى، ويشقُّ الحب قطعتين حتى لا تنبت، ويشق الكزبرة أَربع قطع، لأَنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقى سائره (١) عُدَّةً، وقال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أَدركتها النمل بخلق الله لها، قال الأُستاذ أبو المظفر شاه نور الإسفراييني: ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات ووحدانية الإِله، ولكنا لا نفهم عنها ولا تفهم عنا … إِلخ.
ولعل الأُستاذ الإسفرايينى ذهب إِلى ذلك استنباطًا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٢). ونحو ذلك مما جاء في القرآن في هذا المعنى.
١٩ - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾:
نقل الآلوسى في تفسيره لهذه الآية عن ابن حجر أنه قال: التبسم: مبدأ الضحك من غير صوت، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفى، فإن كان فيه صوت يسمع من بعيد فهو القهقهة.
стр. 3431
وعلى هذا يكون المعنى: فتبسم بادئًا في الضحك، ومن اللغويين من قال: التبسم: ابتداءُ الضحك، والضحك يشمل الابتداءَ والانتهاءَ، ومنهم من قال: هما سواء، وعلى الرأيين الأخيرين يكون لفظ (ضاحكًا) حالًا مؤكدة، والراجح الفرق بين التبسم، والضحك: والمَبْسِمُ: الثغر، وهو مقدم الأسنان (١) والتبسم: ضحك الأَنبياء في غالب أَمرهم، وفي الصحيح عن جابر بن سمرة - وقيل له -: أَكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مُصَلَّاهُ الذي يصلى فيه الصبح - أَو قال: الغداة - حتى تطلع الشمس، فإِذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون ويأْخذون في أَمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم.
وقد وردت أَحاديث تفيد أَن الرسول ﷺ كان يضحك أحيانًا، والذي يؤْخذ من مجموع ألاحاديث أَن تبسمه كان أَكثر من ضحكه، وأَنه ربما ضحك حتى تبدو نواجذه، لكن من غير قهقهة، وفي كون التبسم غالب أحواله عند السرور يقول البوصيرى مادحًا:
سَيِّدٌ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمُ وَالْمَشْـ … ـيُ الْهُوَيْنَا وَنَوْمُهُ الْإِغْفَاءُ
ومعنى الآية: فتبسم سليمان ﵇ من أَجل قولها، سرورًا بما أَلهمها الله إياه من حسن حاله وحال جنوده، وابتهاجًا بما خصه الله به من سماع قولها وإدراك مقصدها منه، وتعجبًا من حذرها وتحذيرها جماعتها وإِدراكها مصالحها، وقال: يا ربي أَلهمنى أَن أَشكر ما أَنعمت به عَليَّ وعلى والديَّ من جلائل النعي الدينية والدنيوية، واكفُفْنى عن التقصير في شكرها، ووفقنى إِلى أَن أَعمل صالحًا ترضاه من مثلى، وأَدخلنى برحمتك في جملة عبادك الصالحين الذين هم أهل لرضوانك والفوز بجناتك، يقول. ذلك هضمًا لنفسه ووالديه واعتبارهم مقصرين عن درجة الصالحين مع أَنه وأَباه داود ﵇ من خيرة المرسلين، وأُمه زوجة نبي وأُم نبي، فكيف لا يكونون في قمة الصالحين، ولكنه تواضع الكاملين ﵇.
стр. 3432
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾
المفردات:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: تعرف موجوده من مفقوده.
﴿الْهُدْهُدَ﴾: طائر معروف، ويكنى بأَبي الأخبار.
﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: بحجة واضحة تبين عذره.
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فلبث زمانًا غير مديد.
﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: بخبر حقيقي.
التفسير
٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾:
أصل التفقد: التعرف على المفقود، والمراد منه هنا: استعراضه الطير والنظر إليها ليعرف موجودها من مفقودها، والطير: اسم جمع يطلق على الواحد والمتعدد، والمراد هنا: جنس الطير وأنواعه، وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها، ولذا استعرضها ونظر إليها، ليتعرف أحوالها.
ونقل ابن كثير عن ابن إسحاق: أَن سليمان ﵇ كان إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان - فيما يزعمون - يأْتيه من كل صنف من الطير طائر كل يوم، فنظر فرأى من أصناف الطير ما حضر، إلاَّ الهدهد، فقال: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أَخطأَه بصرى بين الطير، أم غاب فلم يحضر؟: اهـ
стр. 3433
ونقل الآلوسى عن عبد الله بن سلام أن سليمان ﵇ نزل بمفازة لا ماءَ فيها، وكان الهدهد يرى الماءَ في باطن الأَرض فيخبر سليمان بذلك، فيأْمر الجن فتكشف الأرض عن الماء، فاحتاجوا إلى الماء فتفقد الطير لذلك فلم ير الهدهد فسأَل عنه.
ونقل القرطبي عن أبي مجلز أَن ابن عباس قال لعبد الده بن سلام: أريد أن أَسأَلك عن ثلاث مسائل، قال: أَتسأَلنى وأنت تقرأُ القرآن؟ قال: نعم - ثلاث مرات - فقال: لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير. وقد أخذ ابن عباس بما قال ابن سلام. قال مجاهد: قيل لابن عباس: كيف تفقد الهدهد من الطير؟ فقال: نزل منزلًا ولم يدر ما بُعدُ الماءِ، وكان الهدهد مهتديًا إليه، فأراد أَن يسأله. قال مجاهد: "فقلت: كيف يهتدى والصبى يضع له الحبالة فيصيده؟ فقال: إذا جاءَ القدر عمى البصر. قال ابن العربى: ولا يقدر على هذا الجواب إلاَّ عالمُ القرآن.
ونحن نقول: إن صَحَّت هذه الفراسة عن الهدهد، فذاك شأْن آخر يختلف عن وقوعه حبيسًا في الفخ، فإن فراسته بحسب تكوين الله لا تمتد لإِدراك الغيب الذي كتبه الله عليه، فإنه مستقبل، أَما الماءُ فهو موجود تحت الأرض وإن كان خفيًّا، والموجود يدرك بالإِحساس الداخلي لبعض الحيوانات، كالكلاب تدرك الزلازل بأَسباب تحسها داخليًّا، ولكنها لا تدري أن الطعام الذي قدمه الصياد لها مسموم ليقتلها به، وبالجملة فمناهج التكوين الإِلهي لخليقته عجيبة، فسبحان الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى.
ومعنى الآية: ونظر سليمان ﵇ إلى جنوده من الطير، ليتعرف ما حضر منها وما غاب دون استئذان منه، فلم ير الهدهد في جملة الطير التي تظله وتعلوه، فقال: ما الذي جعلني لا آراه؟ أهو موجود بين أنواع الطير ولكنى لا أراه؟ ثم لاح له أَنه غائب فقال متسائلا: بل أكان من الغائبين، ولما تحقق له غيابه توعده. قائلا:
٢١ - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
أي: لأُعذبنه على غيابه دون استئذان مني عذابًا شديدًا، بنحو نتف ريشه وتجويعه، أَو لأَذبحنه أو ليأْتينى بحجة قوية مبينة لعذره في تغيبه عن مكانه بين سائر أنواع الطير.
стр. 3434
وإتيانه بسلطان مبين ليس من جملة المحلوف عليه، فقد حلف على عقابه بالتعذيب أو الذبح، أما قوله: أو ليأْتينى بسلطان مبين، فهو في قوة الاستثناء، فكأَنه قال: إلاَّ أَن يأْتينى بسلطان مبين فلا أُعذبه ولا أَذبحه؛ لأن سليمان لا يقسم على فعل الهدهد، قال الآلوسى: إن هذا الشق ليس مقسمًا عليه في الحقيقة، وإنما المقسم عليه الأَولان، وأُدخل هذا في سلكهما للتقابل، وهذا - كما في الكشف - نوع من التَّغْليب لطيف المسلك، ومآل كلامه ﵇: ليكونن أَحد الأُمور الثلاثة: على معنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أَحدهما، فأَوْفى الموضعين للترديد: انتهى كلام الآلوسى.
٢٢ - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾:
﴿سَبَإٍ﴾ قرأه الجمهور مصروفًا - أي: منونًا - على أنه اسم لِحيٍّ من الناس سموا باسم أبيهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ - بفتح الهمزة غير مصروف - على أنه اسم للقبيلة، ثم أُطلق على الإقليم أو البقعة التي يعيشون فيها بأَرض اليمن.
ومعنى الآية: فمكث الهدهد زمانًا غير بعيد خوفًا من سليمان ﵇ ثم عاد وقال لسليمان ﵇ مبينًا سبب تخلفه عن مكانه بين الطير: اطلعت على ما لم تطلع عليه أَنت ولا جنودك، وجئتك من سبأ بخبر حقيقى لا ريب فيه.
واختار الهدهد هذا الأُسلوب في ابتداءِ كلامه، لترغيبه في الإصغاءِ إلى اعتذاره، واستمالة قلبه نحو قبوله، فإن النفس يشتد إقبالها على تلقى ما لم تعلم، وتميل إلى قبول عذر من أَتاها به بعد غياب دون إذن.
وقال الإمام البيضاوى: وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه على أن في خلق الله - تعالى - من أَحاط علمًا بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه.
ويقول البيضاوى في سبب غياب الهدهد: روى أنه - عليه السملام - لما أَتم بناء بيت المقدس تجهز للحج، فوافى الحرم، وأَقام به ما شاء، ثم توجه إلى اليمن، فخرج من
стр. 3435
مكة صباحًا فوافى صنعاءَ ظهيرة، فأَعجبته نزاهة أرضها، فنزل بها فلم يجد الماء، وكان الهدهد رائده؛ لأَنه يحسن طلب الماء، فتفقده لذلك فلم يجده، إذ حَلَّق حين نزل سلمان، فرأَى هدهدًا واقعًا فانحط إليه، فتواصفا وطار معه لينظر ما وصَفَ له، ثم رجع بعد العصر، وحكى ما حكى اهـ.
ونحن نقول: الله أعلم بحال تلك الرواية، أَلها أَصل أَم هي من الحكايات التي ليس لها دليل؟
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾
المفردات:
﴿عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: العرش؛ سرير الملك. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا لله. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: الخبء؛ ما خفى في غيره، وإخراجه: إظهاره.
التفسير
٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾:
بعد أن شوق الهدهد سليمانَ إلى معرفة السر الذي غاب عن مجلسه من أَجله بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ بعد أن شوقه إلى ذلك عقبه ببيان هذا السر الذي حكته هذه الآية.