← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وعلى هذا يكون المعنى: فتبسم بادئًا في الضحك، ومن اللغويين من قال: التبسم: ابتداءُ الضحك، والضحك يشمل الابتداءَ والانتهاءَ، ومنهم من قال: هما سواء، وعلى الرأيين الأخيرين يكون لفظ (ضاحكًا) حالًا مؤكدة، والراجح الفرق بين التبسم، والضحك: والمَبْسِمُ: الثغر، وهو مقدم الأسنان (١) والتبسم: ضحك الأَنبياء في غالب أَمرهم، وفي الصحيح عن جابر بن سمرة - وقيل له -: أَكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مُصَلَّاهُ الذي يصلى فيه الصبح - أَو قال: الغداة - حتى تطلع الشمس، فإِذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون ويأْخذون في أَمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. وقد وردت أَحاديث تفيد أَن الرسول ﷺ كان يضحك أحيانًا، والذي يؤْخذ من مجموع ألاحاديث أَن تبسمه كان أَكثر من ضحكه، وأَنه ربما ضحك حتى تبدو نواجذه، لكن من غير قهقهة، وفي كون التبسم غالب أحواله عند السرور يقول البوصيرى مادحًا: سَيِّدٌ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمُ وَالْمَشْـ … ـيُ الْهُوَيْنَا وَنَوْمُهُ الْإِغْفَاءُ ومعنى الآية: فتبسم سليمان ﵇ من أَجل قولها، سرورًا بما أَلهمها الله إياه من حسن حاله وحال جنوده، وابتهاجًا بما خصه الله به من سماع قولها وإدراك مقصدها منه، وتعجبًا من حذرها وتحذيرها جماعتها وإِدراكها مصالحها، وقال: يا ربي أَلهمنى أَن أَشكر ما أَنعمت به عَليَّ وعلى والديَّ من جلائل النعي الدينية والدنيوية، واكفُفْنى عن التقصير في شكرها، ووفقنى إِلى أَن أَعمل صالحًا ترضاه من مثلى، وأَدخلنى برحمتك في جملة عبادك الصالحين الذين هم أهل لرضوانك والفوز بجناتك، يقول. ذلك هضمًا لنفسه ووالديه واعتبارهم مقصرين عن درجة الصالحين مع أَنه وأَباه داود ﵇ من خيرة المرسلين، وأُمه زوجة نبي وأُم نبي، فكيف لا يكونون في قمة الصالحين، ولكنه تواضع الكاملين ﵇.

стр. 3432

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ المفردات: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: تعرف موجوده من مفقوده. ﴿الْهُدْهُدَ﴾: طائر معروف، ويكنى بأَبي الأخبار. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: بحجة واضحة تبين عذره. ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: فلبث زمانًا غير مديد. ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: بخبر حقيقي. التفسير ٢٠ - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: أصل التفقد: التعرف على المفقود، والمراد منه هنا: استعراضه الطير والنظر إليها ليعرف موجودها من مفقودها، والطير: اسم جمع يطلق على الواحد والمتعدد، والمراد هنا: جنس الطير وأنواعه، وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها، ولذا استعرضها ونظر إليها، ليتعرف أحوالها. ونقل ابن كثير عن ابن إسحاق: أَن سليمان ﵇ كان إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان - فيما يزعمون - يأْتيه من كل صنف من الطير طائر كل يوم، فنظر فرأى من أصناف الطير ما حضر، إلاَّ الهدهد، فقال: ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أَخطأَه بصرى بين الطير، أم غاب فلم يحضر؟: اهـ

стр. 3433

ونقل الآلوسى عن عبد الله بن سلام أن سليمان ﵇ نزل بمفازة لا ماءَ فيها، وكان الهدهد يرى الماءَ في باطن الأَرض فيخبر سليمان بذلك، فيأْمر الجن فتكشف الأرض عن الماء، فاحتاجوا إلى الماء فتفقد الطير لذلك فلم ير الهدهد فسأَل عنه. ونقل القرطبي عن أبي مجلز أَن ابن عباس قال لعبد الده بن سلام: أريد أن أَسأَلك عن ثلاث مسائل، قال: أَتسأَلنى وأنت تقرأُ القرآن؟ قال: نعم - ثلاث مرات - فقال: لم تفقد سليمان الهدهد دون سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه، وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير. وقد أخذ ابن عباس بما قال ابن سلام. قال مجاهد: قيل لابن عباس: كيف تفقد الهدهد من الطير؟ فقال: نزل منزلًا ولم يدر ما بُعدُ الماءِ، وكان الهدهد مهتديًا إليه، فأراد أَن يسأله. قال مجاهد: "فقلت: كيف يهتدى والصبى يضع له الحبالة فيصيده؟ فقال: إذا جاءَ القدر عمى البصر. قال ابن العربى: ولا يقدر على هذا الجواب إلاَّ عالمُ القرآن. ونحن نقول: إن صَحَّت هذه الفراسة عن الهدهد، فذاك شأْن آخر يختلف عن وقوعه حبيسًا في الفخ، فإن فراسته بحسب تكوين الله لا تمتد لإِدراك الغيب الذي كتبه الله عليه، فإنه مستقبل، أَما الماءُ فهو موجود تحت الأرض وإن كان خفيًّا، والموجود يدرك بالإِحساس الداخلي لبعض الحيوانات، كالكلاب تدرك الزلازل بأَسباب تحسها داخليًّا، ولكنها لا تدري أن الطعام الذي قدمه الصياد لها مسموم ليقتلها به، وبالجملة فمناهج التكوين الإِلهي لخليقته عجيبة، فسبحان الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى. ومعنى الآية: ونظر سليمان ﵇ إلى جنوده من الطير، ليتعرف ما حضر منها وما غاب دون استئذان منه، فلم ير الهدهد في جملة الطير التي تظله وتعلوه، فقال: ما الذي جعلني لا آراه؟ أهو موجود بين أنواع الطير ولكنى لا أراه؟ ثم لاح له أَنه غائب فقال متسائلا: بل أكان من الغائبين، ولما تحقق له غيابه توعده. قائلا: ٢١ - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: أي: لأُعذبنه على غيابه دون استئذان مني عذابًا شديدًا، بنحو نتف ريشه وتجويعه، أَو لأَذبحنه أو ليأْتينى بحجة قوية مبينة لعذره في تغيبه عن مكانه بين سائر أنواع الطير.

стр. 3434

وإتيانه بسلطان مبين ليس من جملة المحلوف عليه، فقد حلف على عقابه بالتعذيب أو الذبح، أما قوله: أو ليأْتينى بسلطان مبين، فهو في قوة الاستثناء، فكأَنه قال: إلاَّ أَن يأْتينى بسلطان مبين فلا أُعذبه ولا أَذبحه؛ لأن سليمان لا يقسم على فعل الهدهد، قال الآلوسى: إن هذا الشق ليس مقسمًا عليه في الحقيقة، وإنما المقسم عليه الأَولان، وأُدخل هذا في سلكهما للتقابل، وهذا - كما في الكشف - نوع من التَّغْليب لطيف المسلك، ومآل كلامه ﵇: ليكونن أَحد الأُمور الثلاثة: على معنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أَحدهما، فأَوْفى الموضعين للترديد: انتهى كلام الآلوسى. ٢٢ - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: ﴿سَبَإٍ﴾ قرأه الجمهور مصروفًا - أي: منونًا - على أنه اسم لِحيٍّ من الناس سموا باسم أبيهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ - بفتح الهمزة غير مصروف - على أنه اسم للقبيلة، ثم أُطلق على الإقليم أو البقعة التي يعيشون فيها بأَرض اليمن. ومعنى الآية: فمكث الهدهد زمانًا غير بعيد خوفًا من سليمان ﵇ ثم عاد وقال لسليمان ﵇ مبينًا سبب تخلفه عن مكانه بين الطير: اطلعت على ما لم تطلع عليه أَنت ولا جنودك، وجئتك من سبأ بخبر حقيقى لا ريب فيه. واختار الهدهد هذا الأُسلوب في ابتداءِ كلامه، لترغيبه في الإصغاءِ إلى اعتذاره، واستمالة قلبه نحو قبوله، فإن النفس يشتد إقبالها على تلقى ما لم تعلم، وتميل إلى قبول عذر من أَتاها به بعد غياب دون إذن. وقال الإمام البيضاوى: وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه على أن في خلق الله - تعالى - من أَحاط علمًا بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه. ويقول البيضاوى في سبب غياب الهدهد: روى أنه - عليه السملام - لما أَتم بناء بيت المقدس تجهز للحج، فوافى الحرم، وأَقام به ما شاء، ثم توجه إلى اليمن، فخرج من

стр. 3435

مكة صباحًا فوافى صنعاءَ ظهيرة، فأَعجبته نزاهة أرضها، فنزل بها فلم يجد الماء، وكان الهدهد رائده؛ لأَنه يحسن طلب الماء، فتفقده لذلك فلم يجده، إذ حَلَّق حين نزل سلمان، فرأَى هدهدًا واقعًا فانحط إليه، فتواصفا وطار معه لينظر ما وصَفَ له، ثم رجع بعد العصر، وحكى ما حكى اهـ. ونحن نقول: الله أعلم بحال تلك الرواية، أَلها أَصل أَم هي من الحكايات التي ليس لها دليل؟ ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ المفردات: ﴿عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: العرش؛ سرير الملك. ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: أي فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا لله. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾: الخبء؛ ما خفى في غيره، وإخراجه: إظهاره. التفسير ٢٣ - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: بعد أن شوق الهدهد سليمانَ إلى معرفة السر الذي غاب عن مجلسه من أَجله بقوله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ بعد أن شوقه إلى ذلك عقبه ببيان هذا السر الذي حكته هذه الآية.

стр. 3436

والمرأة التي كانت تملك سبأَ اسمها (بلقيس بنت شراحيل) كما يقول المؤرخون والمفسرون، فقد كانت ملكة عليهم وحاكمة لهم في إقليم مأْرب، وقد كانت المسافة بين معسكر سليمان في صنعاء، وبين مأْرب مسيرة ثلاث ليال - كما ذكره القرطبي - فكيف خفى أَمرها على سليمان وجنوده من الإنس والجن؟ والجواب: أن الله أخفى أَمرها لمصلحة ستُعرف من قصتها، كما أخفى أمر يوسف على يعقوب ليجده في النهاية حاكم مصر وسيدها المطاع. والمراد من إيتائها من كل شيءٍ: أن الله - تعالى - أَعطاها من أسباب قوة الملك ما جعل لها سلطانًا قويًّا على قومها وبين جيرانها. وقد ذكر المفسرون في وصف طول عرشها وعرضه وارتفاعه وجواهره أمورًا عجيبة لم نجد لها أصلًا فتركنا ما قالوه اكتفاءً بوصفه في الآية بأنه عظيم، والله أعلم بعظمته كيف كانت. ومعنى الآية: إنِّي وجدت امرأة عظيمة العقل والجاه تملك قومها سبأَ وقد أَعطاها الله من كل شيء يحقق لها السيطرة على قومها، والعزة والجاه فيما حولها، ولها سرير عظيم تجلس عليه في أبهة الملك، حينما يلقاها عظماءُ قومها أو سواهم. وقدر أثار المفسرون لهذه الآية مسأَلة حكم المرأَة وقضائها في كتب التفسير الموسعة، وبخاصة التي تعنى بالأحكام الفقهية، وانتهوا إلى أنها لا تلي شيئًا من ذلك، مستندين إلى ما رواه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ لمَّا بلغه أن أهل فارس قد ملَّكوا بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة". ٢٤، ٢٥ - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: تحكى الآية السابقة بأُسلوب الاستئناف، وهاتان الآيتان بعدها بقية ما رواه الهدهد لسليمان ﵇ عن مملكة سبأَ.

стр. 3437

والمعنى: وجدت هذه الملكة وقومها يسجدون للشمس عابدين لها، متجاوزين عبادة الله معرضين عنه، وقد زين لهم الشيطان أَعمالهم المجافية للحق في العقائد والسلوك، فصرفهم عن السبيل الموصلة إليه، فهم لأَجل ذلك لا يهتدون إلى الصواب - صرفهم - لئلا يسجدوا لله الذي يظهر الخفى في السموات، فيجعل الكواكب إلى أخفاها النهار تبدو في الليل، والشمس التي أخفاها الليل تبدو بالنهار، والأَمطار المحبوسة في الفضاء تبدو بهطولها، وغير ذلك مما يكشفه الله من أسرارها، ويظهر ما اختبأَ في الأرض من الكنوز التي لا تحصى أنواعها، والنبات الذي لا تعد أجناسه وخصائصه وغير ذلك مما يكشفه لنا من خباياها، ويعلم ما يخفيه هؤلاء الذين يعبدون الشممس وما يظهرونه، وليس للشمس شيءُ من ذلك، فهي مسخرة لله تعالى، فكيف ينصرفون عن عبادته إلى عبادتها؟ ٢٦ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: هذه الآية تحكى آخر ما ذكره الهدهد لسليمان بشأْن غيابه عنه دون إذن، وهي - كالتعليل لوصفه الله بالقدرة على إخراجه الخبءَ في السموات والأرض، وعلمه بأَحوال من يعبدون الشمس من دونه. والمعنى: الله لا معبود بحق إلَّا هو، رب العرش العظيم الذي لا حد لعظمته، فكيف تركوا عبادته لعبادة الشمس التي هي من مقدوراته ومخلوقاته؟ والعظيم - بالجر - وصف للعرش، ويكفى في الدلالة على عظمته، أن الكرسى الذي وسع السموات والأرض بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة، كما ورد في السنة - فأين عظمة عرش ملكة سبأَ من عظمة عرش الرحمن ؟ بعد، فإن الإنسان ليقف مبهورًا أمام قصة هذا الهدهد، كيف استطاع أن يتعرف على أحوال مملكة سبأَ وعقائدها بهذه الدقة، وأن يلومهم على تركهم عبادة الله إلى عبادة الشمس، مع أنها وعابديها تحت سلطانه وعلمه - جل وعلا -. وإن المرءَ ليعجب من وصول الطير في العلم باللهِ إلى هذه الدرجة، في حين أن بعض البشر لم يصلوا إلى مثلها، ولا نجد شيئًا نقوله أمام هذه العجائب خيرا من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (١).

стр. 3438

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ المفردات: ﴿سَنَنْظُرُ﴾: من النظر؛ بمعنى التأَمل، أي: سنتحرّى ونتحقق. ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾: ادفعه إليهم وأوصله لهم. ﴿تَوَلَّ عَنْهُم﴾: توَارَ وتَنَحَّ إلى مكان تغيب فيه عن أبصارهم. ﴿فَانْظُرْ﴾: فانتظر أو تعرَّف. ﴿مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾: أي؛ بماذا يجيبون، ويرد بعضهم على بعض في شأْن الكتاب. التفسير ٢٧ - ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ … ﴾ الآية. كلام مستأْنف وقع جوابًا عن سؤال نشأ من حكايته كلام الهدهد. كأَنه قيل: فماذا فعل سليمان ﵇ بعد اعتذار الهدهد؟ فقيل: قال: سننظر. والمعنى: قال سليمان ﵇ ردًّا على الهدهد فيما اعتذر به عن غيابه عن مكانه بين الطير بغير إذنه - قال -: سنتحرى ونعرف أصدقت فما قلت؟ أم أَنك كنت من جملة أهل الكذب الممعنين فيه؟ والعدول عن التعبير بقوله: أصدقت أَم كذبت إلى قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ للإيذان بأَن كذبه بهذا الأُسلوب المنسق، ومع نبى الله سليمان يقتضي إيغاله في الكذب، وانتظامه في سلك المتعمقين فيه إن لم يكن له ما يصدقه. وفي هذا الأُسلوب دليل على أَن الإِمام يجب عليه أن يتحرى عند الاعتذار قبل أَن ينزل العقوبة بمن ظاهره الخطأ، فربَّما كان صادقًا في اعتذاره، وفي الصحيح: "لا أحد أحب إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل".

стр. 3439

٢٨ - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا … ﴾ الآية. الأمر بالذهاب للهدهد، واختصه به لأَنه صاحب العذر. وقوله: ﴿بِكِتَابِي هَذَا﴾ يدل على أن سليمان ﵇ أعدّ الكتاب بعد أن أَخبره الهدهد بقصة أهل سبأ. والمعنى: توجه بكتابي هذا الحاضر بين يديّ إلى الملكة بلقيس ومن هم على دينها من قومها فأَلقه إليهم، وادفعه لهم، ثم تنَحَّ عنهم إلى مكان تختفى فيه عن أَبصارهم وتسمع كلامهم، ثم انظر وتعرف ما يجيبون، وما يرد بعضهم به على بعض، وما يجرى بينهم من مراجعة وحوار حول مضمون هذا الكتاب. وقد جرى الأُسلوب بضمير الجمع لأَن مضمون الكتاب دعوتهم جميعًا إلى الإِسلام وفي قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ توجيه إلى الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه الرسل في معاملة الملوك، مع تنبيههم إلى اليقظة، وحدة الانتباه. ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ المفردات: ﴿الْمَلَأُ﴾: أشراف القوم وأَصحاب الرأى فيهم. ﴿كَرِيمٌ﴾: لكرم مضمونه، أَو لشرف مرسله. ﴿تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: تتكبروا وتتجبروا. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: مؤمنين، أو منقادين طائعين. التفسير ٢٩ - ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: روى أن سلمان ﵇ كتب كتابًا، وختمه بخاتمه، ودفعه إلى الهدهد ليحمله إلى بلقيس، فطار به إليها، وألقاه من كوة في بيتها، فقرأته ولم تذكر

стр. 3440

هذه التفاصيل، جريًا على عادة القرآن من الاقتصار على الضرورى للعبرة، وترك ما هو بدهى، وللإيذان بكمال مسارعة الهدهد إلى تحقيق ما أمر به. والمعنى الإجمالي: قالت الملكة لأشراف قومها، بعد أن أخذت الكتاب وقرأته، ورأت ما رأت من أمر الهدهد في دخوله وإلقائه الكتاب إليها وتنحيه، وغير ذلك مما يعرب عن عظمة مرسله، قالت: يا أيها الأشراف من قومي إنِّي ألقى إلي كتاب كريم في شرفه وشرف مرسله وعلو مكانه. وفسر ابن عباس وغيره الكريم هنا بالمختوم، وهو معنى لغوى، فكرمُ الكتاب ختمه. وفي شرح أدب الكاتب لابن المقفع يقال: أكرمت الكتاب فهو كريم، إذا ختمه وقال ابن المقفع: "من كتب إلى أخيه كتابًا، ولم يختمه فقد استخف به". ٣٠، ٣١ - ﴿إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: أي: إن هذا الكتاب من سليمان نبي الله، وإن مفتتحه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يسبق بها كتاب قبله، وإن مضمونه ألاَّ تعلوا على وائتونى خاضعين ولا تتكبروا وتتجبروا وتأْخذكم العزة بالإثم فتجنحُوا إلى العصيان والتمرد، أو ائتونى مسلمين، مؤمنين بدعوتى طائعين منقادين لرسالتى، ففي هذا أَمنكم، وأَمانكم، وسلامة دنياكم وسعادة آخرتكم. وجاءَ الكلام في هذه الآية مؤكدًا (بإِنَّ) كما جاء مؤكدًا قبل ذلك بها في قوله: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ - اعتناء بشأْن الكتاب، واهتمامًا بسموّ مضمونه.

стр. 3441

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ المفردات: ﴿أَفْتُونِي﴾: أشيروا على بما عندكم من الرأي. ﴿قَاطِعَةً﴾: قاضية وفاصلة. ﴿تَشْهَدُونِ﴾: تحضرونني وتدلون بآرائكم. ﴿أُولُو قُوَّةٍ﴾: وفرة في العدد. ﴿وَأُولُو بَأْسٍ﴾: نجدة مفرطة، وبلاء في الحرب. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْك﴾: والرأى في بتِّ الأُمور إليك موكول. التفسير ٣٢ - ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: قالت بلقيس للملأ من قومها وأشرافهم وهم شهود في مجلسها: يا أيها الملأ أفتوني وأشيروا عليّ بما عندكم من الرأي في هذا الأمر الخطير الذي جاءَ برسالة سليمان، وقد اعتدت أن أسمع رأيكم، وأنتفع بمشورتكم في كل ما يحدث لي، ويجدّ في ملكى، ما كنت أقطع في أمر ولا أقضى فيه حتى تحضروا وتشيروا فيه برأيكم، وتكرر نداؤها للملإ من قومها مع وحدة الموضوع، اهتمامًا بالأَمر، وجذبًا لانتباههم وإثارة لأفكارهم. ٣٣ - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾: أي: قال الملأ من قومها، وقد فهموا أنها تهدف من كلامها إلى الاستيثاق من تأْييدهم والاطمئنان على مدى استعدادهم لنصرتها، والوقوف إلى نجانبها إذا رأَت عصيان الدعوة ومقاومتها. قالوا: نحن أصحاب قوة فائقة، في العَدَدِ والعُدَد، وأصحاب شدة وبلاءٍ في الحروب لا ترهبنا قوة، ولا ينهنهنا وعيد، وهذا دورنا وهذه مهمتنا، وأَما البت

стр. 3442

في الأُمور فهو موكول إليك تقضين فيه بما تشائين سلمًا وحربًا، ولك علينا الطاعة في كل ما تريدين، وما تأْمرين، فانظرى أي شيء ترينه وتأْمرين به نكن في طاعتك. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾: أي دخلوها محاربين. ﴿أَفْسَدُوهَا﴾: خربوها وقلبوا أوضاعها واتلفوا عمرانها. ﴿أَذِلَّةً﴾: مُهَانينَ بالقتل، والأسر، والإجلاءِ عنها، جمع ذليل. ﴿هَدِيَّةٍ﴾: عطية عظيمة، والهدية: اسم لما يهدى، كالعطية: اسم لما يعطى. التفسير ٣٤ - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا … ﴾ الآية. قالت بلقيس - تعليقًا على ما قاله الملأَ من قومها وقد أَحست من لحن قولهم وفحواه الميل إلى الحرب، والعدول عن سَنَن الصواب، فأَرادت ردهم إلى الرشاد - قالت: إِن شأْن الملوك وسلوكهم إذا فتحوا قرية - أية قرية - وغلبوا أهلها - خربوها، وأتلفوا ما فيها من أَموال، ونكسوا أحوالها، وجعلوا أعزة أهلها وسادتها أذلة مُهَانين بالقتل، والأسر والإِجلاءِ وغير ذلك من صنوف الإهانة والإذلال. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام بلقيس تدعيمًا لرأيها، وتأكيدًا لما وصفته من حال الملوك الفاتحين، وتقريرا بأَن ذلك من سياستهم المستمرة وسلوكهم الدائم. ويحتمل أن يكون من جهته تصديقًا لقولها على ما أَخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.

стр. 3443

٣٥ - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ … ﴾ الآية. هذه الآية تتميم لكلامها مع الملأ من قومها الذي أرادت به أن تنبئهم بما استقر في ذهنها من أمر سليمان ﵇ الذي سخر الله له الجن، والطير يرسلها إلى ما يشاءُ، وأَنه من القوة بحيث يغلبهم على أَمرهم إذا قاتلوه، فيفسد القرى، ويدل الأعزة وختمت رأْيها بقولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ عظيمة حافلة تليق بالملوك، تشبع نهمهم وتطفيء نار حقدهم، وتطمعهم في الصداقة، وتغريهم بالمودة، روى أنها قالت لقوْمهَا: إن كان ملكا دنيويًّا أرضاه المال، وعملنا له بحسب ذلك، وإن كان نبيًّا لم يرضه المال وينبغى أَن نتبعه على دينه. اهـ وجاء في ابن كثير عن ابن عباس وغير واحد أنها قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. وقوله تعالى حكايته عنها: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ معناه: فمنتظرة بعد وصول الهدية إليهم، واطلاعهم عليها - بأَي شيء يرجع إليّ المرسلون بالهدية فأعمل بما يقتضيه الأمر، نقل ابن كثير عن قتادة أنه قال: ما كان أَعقلها في إسلامها وشركها. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ المفردات: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾: تساعدونني: ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ لا طاقة لهم بلقائها، وأصل القِبَل: المقابلة، ثم جعل في الطاقة. (صَاغرون): مهانون أذلة.

стр. 3444

التفسير ٣٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ (١) بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾: أي: فلما جاء الرسولُ سليمانَ ﵇ بالهدية قال - موجهًا الكلام إليه وإلى من معه وإلى المُرْسِل إنكارًا عليهم، وتوبيخا لهم -: أتعطوننى مالًا وعندى منه ومن غيره كثير، فما أعطانى الله من الملك والمال والنبوة خير مما أَعطاكم، فلا أَطمع في مال ولا أفرح به، بل أنتم الذين تفرحون بالمال الذي يهدى إليكم وتحرصون عليه، وتطيب نفوسكم به لقصر همتكم على الدنيا، وحبكم الزيادة فيها، والمكاثرة والمفاخرة بها. ٣٧ - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: من جملة كلام سليمان ﵇ لرسول بلقيس، وأفرده بالذكر لاختصاصه بالرجوع. دون من كان معه من المرسلين. والمعنى: ارجع - أيها الرسول - إلى بلقيس، وقومها بالهدية، وبلغهم مقالتى بشأْنها، ووجوب استسلامهم إلينا، فإِن لم يأْتوا مسلمين فوالله لنأْتينهم، ولندفعن إليهم بجنود لا طاقة لهم بلقائها ولا قوة لهم على قتالها، وليكونن لنا الغلب عليهم، ولنخرجنهم من مملكتهم سبأ أَذلة مهزومين وهم صاغرون أسارى مستعبدون.

стр. 3445

﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿عِفْرِيتٌ﴾: مارد خبيث، ويقال له: عِفْرية وعِفْر. ﴿لَقَوِيٌّ﴾: لقادر لا يثقلنى حمله. ﴿أَمِينٌ﴾: لا اختلس ولا أُغيّر فيه. ﴿مِنْ مَقَامِكَ﴾: من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء، أو من جلستك ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ليختبرنى. التفسير ٣٨ - ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: هذا القول يقتضي قولًا آخر يرشد إليه سياق القصة؛ أي: فرجع الرسول بالهدية لي بلقيس، وأَخبرها بما أقسم عليه سليمان فعرفت أنه نبى لا طاقة بها بقتاله، وتجهزت للمسير إليه، وعلم سليمان بخروجها إليه فقال: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أي: يحضره عندي على حاله التي هو عليها قبل أن تأْتينى هي وقومها منقادين طائعين؟

стр. 3446

وإِنما طلب سليمان ﵇ إحضار العرش قبل أن يأْتوه مسلمين ليريها القدرة التي مكن الله - تعالى - له فيها، والآيات التي أيده بها، فأراد أن يُغْرب عليها، ويريها بذلك بعض ما يخصه الله به من إجراء العجائب على يده. وقيل: أراد ﵇ من إحضار العرش أن يختبر عقلها، ودقة إدراكها للأُمور فيعرضه عليها بعد أن يغير من معالمه، ويُبَدِّل في أَوضاعه، فيرى أتعرفه أم تنكره؟ وما قيل من أنه ﵇ أَراد أن يتملكه قبل أن يعصم الإِسلام أنفسهم، وأَموالهم، لا يناسب مقام النبوة، ولا يتواءَم مع موقفه من الهدية، والتحدث بنعمة الله - تعالى - عليه. ٣٩ - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾: أي: قال خبيث مارد من الجن مجيبًا سليمان ﵇: أنا أحضره لك قبل أن ينفض مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء من أول النهار إلى الظهر، كما قيل، أو قبْل أن تنهض من جلستك هذه التي تجلسها، وإني على إحضاره لك لقوى متمكن لا يثقلنى حمله، أمين لا أَختلس منه ولا أغير فيه. ٤٠ - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الآية. أي: قال الذي عنده علم من الكتاب، بعد أن سمع مقالة العفريت، وكأنه رأى أن التوقيت الذي وقَّته بعيد بالنسبة لما يُحسُّه في نفس سلمان ﵇ قال: أنا آتيك به قبل أَن يرجع إليك بصرك الذي تمدّه في الفضاءِ لتنظر شيئًا بعيدًا أمامك. والذي عنده علم من الكتاب قيل: هو آصف بن برخيا وزير سليمان، وقيل: الخضر ﵇ وقيل: جبريل ﵇ أو ملك أيده الله به. وقال الجبائى: الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان نفسه، وكان التعبير بهذا الأُسلوب للدلالة على شرف العلم، وأن هذه الكرامة كانت بسببه، ويكون الخطاب في قوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ للعفريت لأنه تصدى لدعوى القدرة على الإتيان به من بين الحاضرين، وإنما لم يأْت سليمان بالعرش ابتداءً، بل استفهم، ثم قال ما قال وأَتى به ليريهم أنه يتأَتى له ما لا يتهيأُ لعفاريت الجن، فضلًا عن غيرهم، وقد استظهر هذا القول لوجوه:

стр. 3447

أولًا: أن الموصول موضوع في اللغة لشخص معين بمضمون الصلة المعلومة عند المخاطب، وهذا هو سليمان ﵇. ثانيًا: إحضار العرش في تلك اللحظة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لأَحد من أمته دونه لاقتضى تفضيله على سليمان، وهذا غير جائز. ثالثا: لو افتقر سليمان في إحضاره إلى أحد من أُمته لاقتضى قصورَ حَاله في أَعين الناس. رابعًا: وأَخبرا أن قوله ﵇: "هذا من فضل ربي" يقتضي أن ذلك الخارق قد أظهره الله بدعائه ﵇. وسواءٌ أكان الذي عنده علم من الكتاب سليمان أَم غيره، فإحضار العرش على هذه الصورة مثل عال لقدرة الله - تعالى - أَظهره إمَّا معجزة لنبى، أَو كرامة لولي وهذا فضل الله يؤتيه من يشاءُ. وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾: معناه؛ فلما رأى سليمان ﵇ العرش حاضرًا أمامه، قارًّا في موضعه حيث أراد، قال: هذا النصر والتمكين مما تفضل به عليَّ ربي ليتعبدنى ويختبرنى أَأَشكر نعمته علي أم أكفرها، ومن شكر فإِنما يشكر لنفسه؛ لأن نفع ذلك يعود عليه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها؛ قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ والشكر قيد النعمة الوجودة، وصيد للنغمة المفقودة، ومن كفر فلم يشكر النعمة، وأَبطرته، فإن الله غنى عن شكره، كريم في تفضله على خلقه، يرزق البار والفاجر والشاكر والكافر، وحسابهم يوم تبلى السرائر.

стр. 3448

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ المفردات: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: غيروا هيئته، وبدِّلُوا أوضاعه. ﴿وَصَدَّهَا﴾: منعها وردها. ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾: نعرف من أمرها وحالها أتهتدى إليه؟ التفسير ٤١ - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: قال سليمان ﵇ بعد أن رأى العرش مستقرا ثابتًا أَمامه - قال - لمن حوله من الجنود والأتباع: غيروا لبلقيس معالم عرشها، وبدلوا أوضاعه بحيث تختلف فيه الرؤية، ويختلط النظر لنعرف ونعلم من حالها، أتهتدى إلى أنه عرشها، ولم يضللها التنكير والتبديل؟ ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: أي أم تكون من ضعف الملاحظة، ودقة الإدراك بحيث لا تعرفه، فتكون من جملة الذين لا يهتدون إلى الجواب الصواب، وإدراك دقائق الأُمور، روى عن ابن عباس وغيره أن تنكيره كان بالزيادة والنقص فيه، وقيل: بغير ذلك. ٤٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾: أي: فلما جاءت بلقيس سليمان ﵇ ومثلت عنده، والعرش مستقربين يديه قد جرى فيه من التنكير والتغيير ما أمر به، قيل لها على سبيل الاختبار: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ أي: انتبهى ودققى النظر، أمثل هذا عرشك الذي تركته ببلادك، وتحفظت عليه بكل أساليب التحفظ؟

стр. 3449

ولم يكن السؤال: أهذا عرشك بغير كاف التشبيه، زيادة في إبهام أَمره عليها، ولم يصرح بالقائل لها لأَنه لا يتعلق بذكره غرض، ولأَن السؤال سؤال تعمية وتلبيس لا يجمل معه ذكر السائل، وكان جوابها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ غاية في دقة الفكر، وكمال رجاحة العقل، حيث لم تقطع بأَنه هو، أو ليس هو، فضلًا عمَّا فيه من مواءَمة ما في السؤال من الإبهام والإعجام. وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: يحتمل أن يكون من كلام بلقيس على ما اختاره جمع من المفسرين، كأَنها استشعرت من سؤالها اختيارهم لها فأَجابت بما يفيد أنها أُوتيت قبل هذه المعجزة أو هذه الحالة العلم بكمال قدرة الله تعالى، وصدق نبوة سليمان بما شاهدت من أمر الهدهد، وما سمعت من أخبار رسلها، وكانت مؤمنة بهذه الرسالة منذ ذلك الوقت، وقيل: إن الكلام من قوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ مقول على لسان سليمان وقومه، كأنهم لمَّا سمعوا جوابها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ استحسنوه، وقالوا: أصابت، وعلمت قدرة الله، وصحة نبوة سليمان وقد أوتينا العلم بذلك من قبلها وكُنَّا به مسلمين، كما قالوا ما تضمنته الآية التالية، والأول هو الظاهر. ٤٣ - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: أي: وصد بلقيس عن تعجيل إظهار إسلامها وتصديقها برسالة سليمان ما كانت تدين به من عبادة في الكفر، متأصلة في الوثنية، فلما حضرت إلى سليمان، وأمنت بطش قومها أَعلنت إسلامها، وأَظهرت ما كانت تضمره منذ ظهرت لها المعجزات.

стр. 3450

﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ المفردات: ﴿الصَّرْحَ﴾: القصر، وكل بناءٍ عال، ومنه: ابْن لي صرحًا، وقيل: صحن الدار. ﴿لُجَّةً﴾: ماء كثيرا غامرًا. ﴿مُمَرَّدٌ﴾: مُملَّسٌ. ﴿قَوَارِيرَ﴾: زجاج، جمع قارورة. التفسير ٤٤ - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾: كلام مستأْنف بعد الفراغ من امتحانها السابق. كأَنه قيل: فماذا كان بعد امتحانها؟ وطوى ذكر القائل على حد طيه في قوله: ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾. والمعنى: قيل لبلقيس بعد أن أدت الامتحان الذي أُريد لها، وظهرت رجاحة عقلها ودقة إدراكها للأمور - قيل لها -: ادخلى القصر. وقد قيل: إن سليمان ﵇ كان قد أمر الجن قدومها فبنوا لها قصرًا على طريقها من زجاج أبيض أَملس، وأجرى من تحته الماء، وألقى في الماءِ ما يكون فيه عادة من حيتان وأصداف، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه، ليزيدها استعظامًا لأَمره، وتحققًا من نبوته، وثباتًا على الدين، وما قيل من أنه ذكرت عنده بأنها شعْراءُ (١) فأَراد بذلك تعرف حالها، يجافى مقام النبوة وقداسة الأنبياء، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ معناه: فلما رأَت القصر، وعاينت هيئته وأَحواله ظنته ماءً غمْرًا فكشفت عن ساقيها، فعل من يريد خوض

стр. 3451

الماءِ حذرًا من أَن يبتل طرف ثوبها، ورأَى سليمان منها ذلك، وأَحس دهشتها وحذرها وقال لها: إنه صرح مملس من زجاج أَبيض صاف، فلا تحذرى ولا تخافى بللًا. قالت بلقيس وقد رأت هذه القدرة الفائقة، والنعمة السابغة على سليمان - قالت -: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾: بقيامى على عبادة الشمس، وتأخير إسلامى، وأسلمت لله رب العالمين مع سليمان متابعة له. وفي التعبير بقوله: ﴿للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ حسب ما يقتضيه سياق الأُسلوب، التفاتٌ إلى الاسم الجليل، ووصفه بربوبيته العالمين لإظهار ما تم لها من كمال معرفتها الأُلوهية، واعتزازها بربوبيته، وتأْكيدًا لاستحقاقه التوحيد والعبادة. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ المفردات: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: المراد بها: التكذيب، أو العقوبة التي تسيءُ. ﴿الْحَسَنَةِ﴾: التصديق، أو التوبة. ﴿اطَّيَّرْنَا﴾: تشاءَمنا، وأصله: تطيَّرنا، قلبت التاءُ طاءً وأُدغمت في الطاء، ثم اجتلبت همزة الوصل للتوصل بها للنطق بالساكن. ﴿طَائِرُكُمْ﴾: سبب شؤمكم. ﴿تُفْتَنُونَ﴾: تختبرون.

стр. 3452

التفسير ٤٥ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: شروع في قصة صالح ﵇ بعد الفراغ من قصة سليمان، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ في صدر قصة سليمان، وكلتا القصتين وغيرهما برهان على صحة ما جاءَ في أول السورة من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ لأن الحديث عن أحوال الأولين وأخبار الأنبياء السابقين ليس مما يعرفه سيدنا محمَّد ﷺ ولا عهد له به. ومعنى الآية: والله لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا يدعوهم إلى توحيد الله، وعبادته ونبذ عبادة ما عداه. وبدأت بالقسم اعتناء بشأن ما اشتملت عليه من أَخبار، وما احتوته من أحوال. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ معناه: فتعجلوا العصيان وجنحوا إلى الخلاف والفرقة وفاجئوا بالانقسام إلى فريقين يختصمون: فريق مؤمن مصدق وفريق كافر عاص مما جاءَ تفصيله في آيات كثيرة في سور أُخرى، منها ما جاء في سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ إلى آخر ما جاء من الآيات. والضمير في "يختصمون" للفريقين: المؤمن والكافر؛ لأنهما شريكان في الاختصام، والاختصام وقع بعد الدعوة، وظهور الآيات وإيمان فريق منهم. والفاءُ للترتيب والتعقيب، وهو في كل شيءٍ بحسبه حتى تتأتى المفاجأَة بالتفرق والاختصام. ٤٦ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: قال صالح ﵇ متلطفا مع قومه، مستميلا لقلوبهم: يا قوم لِم تباكرون وتستعجلون بالمعصية، التكذيب، أو طلب العقوبة المسيئة لكم قبل التصديق والطاعة،

стр. 3453

أو قبل التوبة التي تعصمكم من العذاب والعقوبة؟ هلا تبادرون بالاستغفار رجاءَ أَن تنالكم رحمة الله بقبوله توبتكم، فإن سنته - تعالى - عدم قبول التوبة عند نزول العذاب: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وكانوا لجهلهم، وفرط غوايتهم يقولون: إن وقع وعيده تُبْنا، وإلا فنحن على ما كنا عليه. ٤٧ - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: قال الفريق الكافر ردًّا على دعوة صالح لهم: تشاءَمنَا بك وبالذين اتبعوك، وكانوا معك، فمذقمتَ بدعوتك أَصابنا القحط، وشاعت فينا الفرقة، واستشرى الخلاف، قال صالح لهم: سبب شؤْمكم ومصائبكم عند الله وبقَدَره، أو كفركم وعنادكم وسوء أعمالكم المكتوبة عنده. وأصل التطير: أنه كان من عادتهم إذا خرجوا مسافرين فمروا بطائر زجروه. فإن طار إلى اليمين تيمنوا ومضوا، وإن مرَّ بارِحا إلى اليسار تشاءَموا ورجعوا. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: تعقيب بالحكم عليهم بالعذاب الذي ابتلاهم الله به، بسبب كفرهم ومعاصيهم، أي: بل أنتم محكوم عليكم بالفتنة، أي: العذاب. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ المفردات: (رهط): أي؛ رجال، ولهذا وقع تمييزًا لتسعة فإنها يتميز بالجمع المجرور، وأصل

стр. 3454

الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أما النفر: فمن الثلاثة إلى التسعة (١). (تَقَاسَمُوا): فعل أمر بمعنى احلفوا، أو فعل ماض بمعنى: تحالفوا. (لنُتَيَّتنَّهُ): لنهلكنه ليلًا. ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾: أي، هلاك أهله، أو موضع هلاكهم. التفسير ٤٨ - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: استمرار في عرض القصة، والمعنى: وكان في مدينة ثمود وهي في الحجر - كان فيها - تسعة رجال من أشراف قومها - وسادتها، وقيل: كانوا رؤساءَ وراءَ كل واحد منهم جنوده وأتباعه، منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وقادة الشر فيهم، يفسدون في الأرض، ويأمرون بالإفساد فيها، ويتتبعون عوْرات الناس ومعايبهم، يظلمون الناس، ولا يمنعون الظالم عن ظلمه، ولا يعملون صالحا، ولا يدعون إليه، ولا يعرفون طريقه - فعادتهم الدائمة المستمرة الإفساد البحت الذي لا يخالطه شئٌ من الصلاح في عمل أو قول. ٤٩ - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: استئناف مبين بعض ما فعلوا من الفساد، والمعنى: ومن جملة شرهم: أنهم قال بعضهم لبعض في أثناء المشاورة في أَمر صالح ﵇: احلفوا وأقسموا وأكدوا قسمكم لنبيتن صالحا وأهله، أي: لنهلكنه وأهله بياتا وليلا حتى نتخلصن متاعبه، أو قالوا - حالفين متقاسمين - هذا القول، ثم لنقولن لوليه الذي يتولى طلب دمه إذا سأَلنا - نقول له -: ما شهدنا هلاكه وأهله فضلا عن عدم مباشرتنا إهلاكهم، ونحلف وإنا لصادقون في حلفنا حيث لم نباشر إهلاكهم بأنفسنا ولم نشاهده، أو أَنهم باشروه وشاهدوه، ولكنهم حلفوا أنهم صادقون في تبرئة أنفسهم، غير مكترثين بحلفهم وهم في الحقيقة كاذبون، والشيء من معدنه لا يستغرب.

стр. 3455

﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ المفردات: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: دبروا أمرا في احتيال وخديعة خفاءً، وهو إهلاك صالح وقومه. ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾: جازيناهم بمكرهم من حيث لا يتوقعون. ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾: أهلكناهم. ﴿خَاوِيَةً﴾: خالية من السكان والأهل، أو متداعية مهدمة. التفسير ٥٠ - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: مكرهم: ما أَخفوه من تدبير الفتك بصالح وأَهله، ومكر الله: مجازاتهم وإهلاكهم، وسميت المجازاة مكرا للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وكما في قوله: ﴿ومَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وكان صالح ﵇ قد توعدهم بالهلاك خلال ثلاث ليال أهلكهم الله فيها بالصيحة فأصبحوا جاثمين، ونجى الله صالحا ومن آمن معه. والمعنى: ومكر قوم صالح فدبروا في خفاءٍ إهلاكه وأهله ليلا، وعلم الله مكرهم فقدر إهلاكهم من حيث لا يشعرون أن الله عالم بتدبيرهم، ومجازيهم، ولا يحتسبون وقوع الهلاك بهم. ٥١ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِين﴾: أي: فتعرَّف وتأَمل أَحوالهم، وكيف كانت عاقبة ظلمهم وفسادهم وإفسادهم، لقد

стр. 3456

كانت عاقبة ذلك أنا أهلكناهم جميعًا تابعين ومتبوعين، لم يشذ عن إهلاكهم أحد، ولم ينج فيهم تابع ولا متبوع. والأمر في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ﴾ لرسول الله، أو لكل من يتأتى منه النظر ليعتبر بالحال العجيب التي انتهت إليها عاقبة مكرهم وفسادهم وإفسادهم. ٥٢ - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: والمعنى: إذا أردت مزيدا من التصديق والاستيقان فتلك بيوتهم ومساكنهم أَمامك خالية من الأهل والسكان، متداعية متهالكة بسبب ظلمهم وإفسادهم، وسوء تدبيرهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي حل بهم، وجرى عليهم من سخط وعذاب لعظة وعبرة لقوم أهلًا علم وفهم، أو يعلمون عاقبة الظلم والعصيان. روى عن ابن عباس أنه قال: أجد في كتاب الله - تعالى - أن الظلم يخرب البيوت. وتلا هذه الآية، وفي التوراة: "ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك" وهذا مشاهد كثيرا في كل عصر، وحجة الله على الظالمين في كل جيل. ٥٣ - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: أي وأنجينا صالحا والذين صدقوه وكانوا يتقون المعاصي ويقيمون على الطاعات. - أنجيناهم - من العذاب الذي حل بالكافرين منهم. روى أن الذين آمنوا بصالح كانوا أربعة آلاف، خرج بهم إلى "حضر موت" وحين دخلها مات فسميت بهذا الاسم، وبنى المؤمنون بها مدينة يقال لها: (حاضورا) والله أعلم بصحة ذلك. ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ المفرادت: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: الفعلة الشنيعة المتناهية في القبح. ﴿تُبْصِرُونَ﴾: تعلمون عاقبة فعلها، أو يبصر بعضكم بعضا علانية أَثناءَ الفاحشة.

стр. 3457

التفسير ٥٤ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: انتقال من قصة قوم صالح إلى أخبار قوم لوط ﵇ (ولوطا) منصوب بمضمر معطوف على (أَرسلنا) في صدر قصة صالح ﵇ داخل معه في حيز القسم أَي: وأرسلنا لوطا، وقيل: إن (لوطا) منصوب بـ (اذكر) محذوفا. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرف للإرسال، على أن المراد به أمر ممتد وقع فيه الإرسال وما جرى بينه وبين قومه من الأحوال والأقوال. والمعنى: وأَرسلنا لوطا إلى قومه لائما موبخا حين قال لهم: أتأْتون هذه الفعلة النكراء المتناهية في القبح والشناعة، وأنتم تعلمون مبلغ قبحها وشناعة جرمها وارتكابها؟ أَو وأنتم تعلمون عاقبة العصاة. ونهاية أمرهم؟ وقيل: تبصرون من الإبصار، بمعنى النظر بالعيون، والمعنى: تفعلونها جهارا علانية وأنتم ينظر بعضكم إلى بعض، والمراد بالاستفهام في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استبعاد فعلها، واستنكار ارتكابها. ٥٥ - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: تكرار للكلام عن فاحشتهم لمزيد الإنكار، وبيان حقيقتها بطريق التصريح بعد الإبهام، وتصدير الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأَن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد؛ لكمال شناعته وفظاعة مجانته، فلهذا احتاج إلى تأْكيد وقوعه، وإعادة همزة الاستفهام الإِنكارى معه. والتعبير بالرجال دون الذكور لمزيد التقبيح، والإشعار بقلب الحقيقة، وتنكيس الطبيعة، وتعليل الإتيان بالشهوة تقبيح على تقبيح، وتقريع على تحكم الشهوة، وبهيمية الطبع، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ تنبيه إلى مجاوزة الجنس المخصص للشهوة، المخلوق للاستمتاع، انقيادًا للنزعات الفاسدة، وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: معناه؛ بل أنتم قوم تفعلون فعل الجهلاءِ الذين لا يقدرون العاقبة، والسفهاء الممعنين في الفحش والمجانة، وفيه مزيد من التوبيخ بالإضراب الذي يدل على أنهم أهل جهل يعيشون فيه أيامهم ويتجدد معهم حياتهم.

стр. 3458

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ المفردات: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾: المراد بهم لوط وأهله؛ كما يراد من بني آدم؛ آدم وبنوه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: هي سدوم وما حولها، ويطلق عليها القرى المؤتفكات. ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: أي جماعة يتنزهون من صنيعهم. ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي قدر الله بقاءَها في العذاب مع الباقين فيه، والغاير: الباقي. يقال: غبر الشيء، يغبُرُ، غُبُورًا: بقى. التفسير لما أنذر لوط ﵇ قومه نقمة ربهم وعذابه على أفعالهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين سخروا وَهَزِئوا به، وأجمعوا أمرهم على إيذائه، وإيذاء من معه بإخراجهم من وطنهم كما قال - تعالى - حكايته لما وقع من هؤلاء السفهاء: ٥٦ - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا … ﴾ الآية. أي: فما كان لهم جواب عن تحذيرهم مما هم فيه من القبائح إلاَّ قولهم: أخرجوا لوطًا ومن انتسبوا إليه ولاذوا به من المؤمنين - أخرجوهم (من قرْيتكُم) وهي سدوم وما حولها من القرى (١) وهي قرية من أرض العرب، فكانوا يمرون عليها، ويرون آثار العذاب الذي نزل بها.

стр. 3459

ولم يَجِدْ هؤلاءِ المجرمون ما يتذرعون به لإخراج آل لوط من ديارهم إلاَّ قولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فهو تعليل لجريمة إخراجهم على وجه يتضمن الاستهزاءَ بهم كما قال ابن عباس، أي: إنهم قوم يتنزهون ويتبرأون ممَّا نأْتيه، ويعدونه سفهًا وقذًرا لا ينبغي اقترافه، قال قتادة: عابوهم - والله - بغير عَيْبٍ، بأنهم يتطهرون، وقيل: يتطهرون بمعنى يتكلَّفون الطهر من أَفعالنا رياءً وتظاهرًا فحسب. ولتهوين أمر إخراجهم من القرية وما حولها أضافوها إليهم على طريق الخطاب للإشعار بأَن لهم السلطان فيها والتصرف في شأْنها، والتحكم في أَهلها من غير معارض يحول بينهم وبين ما يبتغون. والظاهر أن هذا الجواب صدر عن قوم لوط بعد المرة الأخيرة من مرات مواعظ لوط ﵇ التي أمرهم فيها بالطاعة ونهاهم بها عن المعصية، لا أَنه لم يصدر عنه وعنهم كلام آخر غيره. ٥٧ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: أي: فأَنجينا لوطا وأهله، وهم ابنتاه ومن تبعه من المؤمنين، وقيل: لم يكن معه إلاَّ ابنتاه، كما قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). أما امرأته فكانت من الهالكين كما قال - تعالى -: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب لكفرها وموالاتها لمن ضل وغوى، كما قال - تعالى -: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ (٢). ٥٨ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أي: وأمطر الله - سبحانه - على هؤلاء الفاسقين مطر عذاب ونقمة فكان سيئًا لم يعهدوا له مثيلًا، فهو من حجارة قوية صلبة متتابعة النزول معْلَمة بسيما تتميز بها عن حجارة الأرض، كما قال تعالى -: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣).

стр. 3460

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ المفردات: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: أي اختار لرسالته وهم الأنبياءُ ﵈. ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: أي بساتين ذات حُسْن، كل بستان عليه حائط، مِنْ: أَحدق بالشيء، إذا أحاط به، ثم توسع فيها فاستعملت في كل بستان وإن لم يكن محوطًا بحائط. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: عن التوحيد إلى الشرك، أَو يساوون بالله غيره من آلهتهم، من: العِدْل بمعنى المثل والنظير. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾: جبالًا ثوابت. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾: أي مانعًا بين العذب والملح حتى لا يبغي أحدهما على الآخر. التفسير ٥٩ - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: بعد ما قص - سبحانه - على نبيه ﷺ القصص الدالة على كمال قدرته، وعظيم شأْنه، وما خص به رسله من الآيات "الكبرى" والمعجزات الباهرة، أمره ﷺ بحمده - تعالى - على ما أفاض عليه من نعم عظيمة لا مطمح، راءَها لطامح؛ حيث علمه ما لم يعلم من أخبار أنبيائه السابقين مع أُممهم واجتهادهم في الدين، وقد بين على أَلسنتهم صحة التوحيد

стр. 3461

وبطلان الكفر والإشراك، كما أمره أن يسلم على المختارين من عباده، ويراد بهم كافة الأنبياء والمرسلين لدلالة المقام ولقوله - تعالى - في آية أخرى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ومن جملتهم الذين قص القرآن أخبارهم، عرفانًا بفضلهم وأداءً لحق تقدمهم، وقيل: هذا أَمر له ﷺ بحمده - تعالى - على هلاك من هلك من كفرة الأُمم، والسلام على الأنبياءِ وأتباعهم الذين اتقوا ربهم اقتداءً برسلهم فكانوا من الناجين .. ويرى ابن عباس أَن المراد من عباده المصطفين أصحاب محمَّد ﷺ اصطفاهم لنبيه ﵃ أخرجه عَبْدُ ابن حميد والبزار وابن جرير وغيرهم. والسلام على غير الأنبياء مما لا خلاف في جوازه إن كان تابعًا للأنبياء، وقال الحنابلة وغيرهم بجوازه استقلالًا، وهذا ظاهر قول ابن عباس. وقال الزمخشرى: أُمِرَ رسول الله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين الدالة على وحدانيته - تعالى - وكمال قدرته، وإن يستفتح بحمده والتسليم على أنبيائه والمصطفين من عباده، وفيه تعليم حسن لكل متكم في أَمر ذى بال أن يتبرك بهما وأَن يستظهر بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وتوقيف على أدب جميل يحمل على التواضع والإخلاص، ولقد توارث العلماء والخطباءُ كابرًا عن كابر، هذه السنة الحميدة اقتداءً برسول الله ﷺ انتهى باختصار. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ (٢) أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: إنكار على المشركين وتوبيخ لهم أن يعبدوا غير الله. أي: أيهما خير؟ آلله الذي ذكرت شئونه العظيمة أم الذي يشركونه به من الأصنام؟ ومرجع ترديد السؤال بينهما في الخيرية إلى التعريض بتبكيت الكفرة من جهته تعالى، وتسفيه آرائهم والتهكم بهم، وذلك لأنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله، ولا يؤثر عاقل شيئًا على شيءٍ إلاَّ لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة.

стр. 3462

ومن البين أنه ليس فيما أشركوه به - تعالى - شائبة خير حتى يوازن بينه وبين من لا خير إلاَّ خيره، ومع علمهم بذلك فقد دفعهم الجهل المفرط إلى إيثاره هوى وعبئًا وإمعانًا في الخطأ والضلال. ٦٠ - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً … ﴾ الآية. عدد الله - سبحانه - بهذه الآية والآيات الأربع التالية الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، وأشار بها إلى أدلة انفراده - سبحانه - بالخلق والرزق والتصرف والتدبير وبكل خواص الأُلوهية إبرازًا لكمال قدرته، حيث قال - سبحانه -: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إضراب انتقاليٌّ عن سؤالهم سؤال تقرير عمن هو خير، أهو الله القادر أم آلهتهم المزعومة، إلى إثبات الخيرية لله وحده، أي: بل من قدر على خلق السموات والأرض خير من جماد لا يقدر على شيءٍ، ولا خير فيه أصلًا يرجع إلى إرادته. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: خطاب للكفرة لتشديد التبكيت لهم والإلزام، أي: أنزل - سبحانه - لأجلكم من السماء نوعًا من الماء وهو المطر، جعل فيه حياتكم وحياة أرضكم وزروعكم ودوابكم، كما جعل ممَّا ينبت به ما يكون متاعًا لأنفسكم، وراحة لقلوبكم، وزينة لأَبصاركم فأَنبت به - بعظيم قدرته وعجيب صنعه - بساتين ذات حسن ورونق جميل يبتهج بها الناظر إليها، ويسر بمختلف ألوانها وأشكالها وروائحها، وطعومها، مع أنها تسقى بماءٍ واحد، مما لا يقدر عليه إلاَّ من تفرد بالخلق والإبداع جل وعلا، ويشير إلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ أي: ما أمكنكم، وما استطعتم - مهما بذلتم من جهد وأُوتيتم من فكر - إنبات شجرها، فضلا عن ثمرها، وسائر صفاتها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق المستقل بالملك المتفرد به دون سواه، والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ لتأكيد اختصاص الفضل بذاته - تعالى - وعجز قوى البشر عن مثله. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أي أإله آخر مع الله في خواص الأُلوهية التي لا يقدر غيره عليها حتى يتوهم جعله شريكًا له في العبادة، وهذا تبكيت لهم على اتخاذهم آلهة عاجزة مع الله صاحب القوى والقَدَر التي لا تتناهى.

стр. 3463

﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى تبكيتهم بطريق الغيبة لبيان سوء حالهم وحكايته لغيرهم؛ ليعرف أنهم قوم عادتهم الانحراف عن الحق، والعدول عن الاستقامة في كل أمر من الأُمور، حتى كان من شأْنهم ترك التوحيد وهو الحق الواضح، والعكوف على الباطل الظاهر وهو الإشراك بالله سبحانه. ٦١ - ﴿أمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ … ﴾ الآية. انتقال من تبكيت المشركين بآية من آيات قدرته إلى تبكيتهم بآية أُخرى من آياتها العظيمة حيث بسط الأرض وسواها؛ ليتسنى للإنسان والحيوان الاستقرار عليها، وارتياد أماكنها، وجعل خلالها وفي أوساطها أنهارًا جارية ينتفع كل بها كل قاطنيها في شئون حياتهم، وأقام عليها جبالًا ثوابت تمنعها من أن تضطرب بأَهلها، فيختل توازنها ويكون سببًا في فناءٍ من عليها، كما أن لتلك الجبال فوائدها العديدة ومنافعها الكثيرة. وجعل - سبحانه - بقدرته مانعًا ببن الماء العذب والملح حتى لا يبغى أحدهما على الآخر. قال ابن عباس: جعل بينهما سلطانًا من قدرته، فلا هذا يغيِّر ذاك، ولا ذاك يغيِّر هذا (١). ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أي ليس هناك اله مع الله فهو المختص وحده بالإيجاد والإتقان لهذه البدائع التي أوجدها وهي من لوازم الأُلوهية التي لا يقدر عليها سواه. وإذ ثبت أن ذلك ليس في مقدور آلهتهم، فلماذا يشركونها به في العبادة؟ وهي عاجزة لا تملك لنفسها نفعًا ولا خيرا؟ إنَّ صنيعهم هذا عناد وحماقة؛ لأن أكثرهم يجهلون الحق مع وضوح آباته، ولو علموه لتبين لهم بما لا يدع مجالًا للشك بطلان ما هم عليه من الشرك، أو أن أكثرهم لا يعلمون شيئًا من الأشياء معتًّدا به فهم لذلك لا يعلمون ما يتحتم عليهم معرفته من العلم الحق الذي يوجب عليهم إخلاص عبوديتهم له - سبحانه - وحده.

стр. 3464

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ المفرادت: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾: المضطر، هو ذو الحاجة المجهود. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: أي يرفع عنه الظلم والضر. ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: هم الذين يرثون سكناها والتصرف فيها. ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: أي يرشدكم بالنجوم ونحوها من العلامات. ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي مبشرات قدام المطر بنزوله. ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾: أي تنزه عن شركائهم. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي حجتكم على أن له شريكًا. التفسير ٦٢ - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ … ﴾ الآية. يقرر الله المشركين بذلك على أنه هو المدعو منهم عند الشدائد المرجو عند النوازل، وأنه يجيب دعوة المضطر؛ لما عرفوه من أنه - سبحانه - يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف عنه السوء، ويوبخهم به على أنهم في حالة رخائهم وزوال الضرورة عنهم يعودون إلى شركهم. وكما يجيب دعاء المضطر إذا دعاه، فإنه وحده يدفع عنهم ما يعتريهم من مكاره وما يتنزل بهم من خطوب، ويجعلهم خلفاءَ الأرض لمن سبقهم يتوارثون سكناها

стр. 3465

وينعمون بخيراتها، والتصرف فيها قومًا بعد قوم، وجيلًا بعد جيل، ولو أبقى الله الناس جميعًا ولم يجعل بعضهم خلفاءَ بعض فإن الأرض تضيق بالخلائق ويحصل لهم فيها من المشقة والعنت ما لا قبل لهم باحتماله. ثم وبخهم على شركهم بقوله - سبحانه -: ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فإذا لم يكن معه إله في تلك النعم فلماذا أعرضتم عنه - تعالى - بعد كل ذلك وعبدتم غيره وأنتم تعلمون أنه ليس هناك إله غير الله الخالق المنعم، قلما تتعظون لقلة تذكركم هذه النعم المذكورة في الرخاء، قلة تصل إلى العدم وتجرى مجراه في عدم الجدوى، فلو ذكرتموها في الرخاء لاهتديتم لأنها من الوضوح والظهور بحيث لا يتوقف تذكرها إلا على التوجه إليها ليعلم أنها من خصائص الأُلوهية التي لا يقدر على الاتصاف بها سواه. ٦٣ - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾: أي: إن الله وحده هو الذي يرشدكم إلى الطريق في ظلمات البر والبحر إذا سافرتم ليلًا حيث جعل لكم النجوم وعلامات الأرض لتهتدوا بها ليلًا، وهداكم إلى علامات بالأَرض إذا اشتبه عليكم الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (١). ويجوز أن يراد من ظلمات البر والبحر ما يحدث فيها من التباس السبيل على المسافرين ليلًا أو نهارًا، بأَن تجعل مفاوز الأرض التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات الليل؛ لأنها تشبهها في إيجاد الحيرة والتردد لعدم وجود ما يهتدى به في أرجائها. ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: أنه - سبحانه - هو الذي يبعث لكم الرياح أمام السحب الممطرة مبشرات بنزول المطر رحمة منه بعباده ليغيثهم به من الجفاف والجدب، وذلك بإروائهم، وإحياءِ الأرض بعد موتها بمائها لتنبت من كل زوج بهيج، كما قال - سبحانه -: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (٢).

стр. 3466

وليس مع الله إله يصنع ذلك، فقد تنزه عن الشريك والنظير بذاته المتفردة بكل خواص الأُلوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال والجلال، المقتضية لكون المخلوقات جميعها مقهورة تحت سلطانه، وفي ذلك ما فيه من التحقيق والتقرير وقوة الاستدلال على نفى أن يكون معه - سبحانه - الله آخر. ٦٤ - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ … ﴾ الآية. كان هؤلاء للشركون يقرون أنه - سبحانه - يبدأُ الخلق ويتكفل بالرزق، وينكرون مع ذلك البعث بعد الموت، فألزمهم - تعالت أسماؤه - الإقرار بالبعث الذي ينكرونه؛ لأنه من قدر على الفعل بدءًا كانت الإعادة عليه أَهون، أي: لا أحد سواه يقدر على أن يبدأ الخلق من عدم ثم يعيده بالبعث، وخوطب به المشركون مع إنكارهم للبعث؛ لأنه لما وضحت براهينه وتمكنوا من إدراكها جُعِلوا كأنهم معترفون بوقوعه فم يبق لهم عذر في الإنكار. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وهو - سبحانه - القادر وحده على أن يرزقكم من السماء والأرض بأسباب سماوية وأرضية رتبها وفق ما اقتضته حكمته ممَّا يدل على أنه ليس هناك - كما يزعمون - إله آخر موجود مع الله يقدر على فعل شيء يذكر. فإن تمسك أُولئك المشركون بعد هذا بدعواهم فقل لهم - أيها النبي موبخًا لهم ومنكرًا عليهم -: أقيموا لنا برهانًا عقليًّا أو نقليًّا على صحة ما تدَّعُون إن كنتم صادقين، ولن يتأَتى لهم الإتيان به مهما حاولوا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (١).

стр. 3467

﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ المفردات: ﴿الْغَيْبَ﴾: كل ما غاب عنك، وجمعه: غيوب. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي لا يعلمون الوقت الذي فيه يبعثون، يقال: شعر بالشيء من بابى: نَصَرَ وكَرُمَ، شعرا مثله، وشعورًا: علم به وفطن له. ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي تتابع علمهم بها عن طريق الأدلة، وقيل: معناه اضمحل علمهم بالآخرة، من التدارك وهو التتابع في الفناء. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أي في تردد من تحقق الآخرة نفسها. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: أي لا يدركون دلائلها مع وضوحها، كأَنهم فقدوا أبصارهم، ومفرده: عَمٍ. التفسير ٦٥ - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (١) وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: بعد أن أثبت الله تفرده - سبحانه - بالأُلوهية، وبين الأدلة الواضحة التي تفيد اختصاصه بالقدرة الكاملة، والحكمة التامة في الخلق والتكوين، وإسداء النعم الجزيلة منة منه وتفضلًا على عباده عقبه بذكر ما لا ينفك عن أن يكون من شأنه وحده، وهو اختصاصه بعلم الغيب تكميلا لما قبله مما انفرد به، وتمهيدا لما بعده من أمر البعث. وقيل: إن هذه الآية نزلت لما سأل الكفار الرسول ﷺ عن وقت الساعة التي وعدوها وألحوا عليه - كما في البحر -.

стр. 3468

والمعنى: قل لهم - أيها النبي -: لا يعلم أحد ممن في السموات والأرض الغيب إلاّ الله فهو وحده الذي ثبت له علم الغيب على جهة اللزوم والاختصاص، وانتفى عمن سواه حتى الأنبياء. ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وجماعة من المحدثين من حديث مسروق عن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أن محمدا ﷺ يخبر الناس بما يكون في غد، وفي بعض الروايات: يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفِريَة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ … ﴾ الآية. وعلم الغيب المنفى عن غيره - جل وعلا - هو ما كان للشخص لذات في ثبوته له، وهذا مما لا يعقل كونه لأَحد من أهل السموات والأَرض، وما وقع لبعض الخواص من الإخبار ببعض الغيب فلا يقال: إنهم علموه بقدراتهم الذاتية، ومن قال ذلك كفر قطعا، وإنما يقال: أُظْهرُوا على الغيب وأُطْلِعُوا عليه، ويؤيده أن نسبة علم الغيب إلى غيره - تعالى - لم تجئ في القرآن الكريم، وإنما جاءَ الأظهار على الغيب لمن ارتضى - سبحانه - من رسول كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١). أمَّا ظن الغيب بأمارات فهو ممكن لعباده فلا يكفَّر ولا يفَسَّق مدعيه، كما يحصل من علماء الفلك من الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر والكواكب، حين يخبرون بهبوب الرياح شديدة أو معتدلة، وبكسوف الشمس، وخسوف والقمر، وبنزول المطر وارتفاع درجة الحرارة أو اعتدالها أو نحو ذلك، فيقع الأمر كما قالوا، فليس ذلك من علم الغيب المنفي؛ لكونه بأَسباب وأمارات، فهو في واقعه ليس علمًا حقيقًّا بما سيحدث وإنما هو ظن وتخمين بأَمارات اقتضته، وقد تتخلف. أما العراف الذي يتحدث عن المستقبل ادعاءً بأَنه على علم بالغيب كقوله لمن يستخبره عن مستقبله: ستكسب مبلغ كذا، أو ستتزوج فلانة، أو تفْقِد كذا في سفرك، أو نحو ذلك فهو كافر - كما قال القرطبى -.

стр. 3469

والمؤمنون منهيون عن إتيان العرافين، فقد جاء في صحيح مسلم: "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي ما يعلم كل من في المسوات والأرض أي وقت يبعثون فيه بعد موتهم؛ لأن وقت البعث والنشور من جملة الغيب الذي اختص الله - سبحانه - بعلمه، فلا يحق لهؤلاءِ المشركين أن يطالبوا نبيهم ﷺ من آن لآخر ببيان وقته بمثل قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) كما لا يحق لهم أن يستنكروه بمثل قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٢). ٦٦ - ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: بين الله في الآية السابقة أن الغيب مما استأثر الله - تعالى - بعلمه، وفي جملته وقت البعث بعد الموت، فإنه من الغيوب التي اختص بعلمها العليم الخبير. وجاءَت هذه الآية لتبين أن المشركين وإن لم يؤمنوا بالبعث للحساب والجزاءِ، فقد تدارك علمهم بأن لهم آخرة ينتهون إليها، وتتابع وعيهم بأَنهم يبعثون على لسان الصادق المصدوق المؤيد بالمعجزات ﷺ ودلت الأَمارات على إمكانه، فإنه من قدر على البدءِ فهو قادر على الإِعادة من باب أَولى، كما شهد العقل بمجيئه ولا بد، فإِنه لا يعقل أَن تزول الحياة الدنيا ولا تعقبها آخرة يجزى فيها المحسن على إِحسانه، والمسئُ على إساءَته، فإن عدالة الله تأْبى ذلك. فهؤلاءِ المشركون تدارك علمهم وتتابع على هذا النحو، وكان عليهم أن يؤمنوا بها، ولكنهم لم يفعلوا، بل هم في شك من مجيئها، مترددون في أَمرها، بل هم من ناحيتها عُمْيٌ عن أدلتها، وكان عليهم أن يطمئنوا إلى مجيئها بقيام الأدلة عليها، وأن يعملوا لها. ومن المفسرين من فسر تدارك علمهم بالآخرة بفناء علمهم بها، كما يقال: تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك، وعلى هذا يكون معنى الآية: بل فنى علمهم بشئون الآخرة، مع توافر أسبابه ودواعيه بقيام الأدلة الواضحة على مجيئها، قال صاحب القاموس: بل ادارك علمهم في الآخرة: جهلوا علمها ولا علم لهم بشيءٍ من أمرها. اهـ

стр. 3470

ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ حيث قصروا تقصيرًا فاحًشا بتركهم النظر في أماراتها وتعاميهم عن أدلتها، مع أنها لا تخفى على ذوى البصائر وأولى الألباب. وحاصل معنى الآية: أن علمهم بشئون الآخرة ومنها البعث انقطع وانتهى في الدنيا، حتى لم يبق لهم علم بشيءٍ من شئونها، مع توافر الأسباب الواضحة الدلالة عليها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ المفرادت: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: إنكار لإِخراجهم من قبورهم أَحياءً. ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أَي أَباطيل الذين سبقوهم، وهي جمع إسطار - بكسر الهمزة - وأسطورة - بضمها. ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: أي لا يكن صدرك ضيقًا بمكرهم. التفسير ٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: بيان لجهل الكافرين بالآخرة وعَمَاهم عنها بحكاية إنكارهم لليعث، والمراد بهم: مشركو قريثس فقد أَنكروا إخراجهم من قبورهم أحياء إنكارا شديدًا متكررًا مبالغًا فيه. وتقييد الإخراج بوقت كوْنهم ترابًا ليس لتخصيص الإِنكار الواقع منهم بالإِخراج في هذا الوقت فقط، فإنهم منكرون للإِحياء بعد الموت مطلقًا، وإن كان الجسد على حاله،
следующие страницы →