وليس مع الله إله يصنع ذلك، فقد تنزه عن الشريك والنظير بذاته المتفردة بكل خواص الأُلوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال والجلال، المقتضية لكون المخلوقات جميعها مقهورة تحت سلطانه، وفي ذلك ما فيه من التحقيق والتقرير وقوة الاستدلال على نفى أن يكون معه - سبحانه - الله آخر.
٦٤ - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ … ﴾ الآية.
كان هؤلاء للشركون يقرون أنه - سبحانه - يبدأُ الخلق ويتكفل بالرزق، وينكرون مع ذلك البعث بعد الموت، فألزمهم - تعالت أسماؤه - الإقرار بالبعث الذي ينكرونه؛ لأنه من قدر على الفعل بدءًا كانت الإعادة عليه أَهون، أي: لا أحد سواه يقدر على أن يبدأ الخلق من عدم ثم يعيده بالبعث، وخوطب به المشركون مع إنكارهم للبعث؛ لأنه لما وضحت براهينه وتمكنوا من إدراكها جُعِلوا كأنهم معترفون بوقوعه فم يبق لهم عذر في الإنكار.
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
وهو - سبحانه - القادر وحده على أن يرزقكم من السماء والأرض بأسباب سماوية وأرضية رتبها وفق ما اقتضته حكمته ممَّا يدل على أنه ليس هناك - كما يزعمون - إله آخر موجود مع الله يقدر على فعل شيء يذكر.
فإن تمسك أُولئك المشركون بعد هذا بدعواهم فقل لهم - أيها النبي موبخًا لهم ومنكرًا عليهم -: أقيموا لنا برهانًا عقليًّا أو نقليًّا على صحة ما تدَّعُون إن كنتم صادقين، ولن يتأَتى لهم الإتيان به مهما حاولوا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (١).
стр. 3467
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾
المفردات:
﴿الْغَيْبَ﴾: كل ما غاب عنك، وجمعه: غيوب.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي لا يعلمون الوقت الذي فيه يبعثون، يقال: شعر بالشيء من بابى: نَصَرَ وكَرُمَ، شعرا مثله، وشعورًا: علم به وفطن له.
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾: أي تتابع علمهم بها عن طريق الأدلة، وقيل: معناه اضمحل علمهم بالآخرة، من التدارك وهو التتابع في الفناء. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾: أي في تردد من تحقق الآخرة نفسها. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾: أي لا يدركون دلائلها مع وضوحها، كأَنهم فقدوا أبصارهم، ومفرده: عَمٍ.
التفسير
٦٥ - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (١) وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾:
بعد أن أثبت الله تفرده - سبحانه - بالأُلوهية، وبين الأدلة الواضحة التي تفيد اختصاصه بالقدرة الكاملة، والحكمة التامة في الخلق والتكوين، وإسداء النعم الجزيلة منة منه وتفضلًا على عباده عقبه بذكر ما لا ينفك عن أن يكون من شأنه وحده، وهو اختصاصه بعلم الغيب تكميلا لما قبله مما انفرد به، وتمهيدا لما بعده من أمر البعث.
وقيل: إن هذه الآية نزلت لما سأل الكفار الرسول ﷺ عن وقت الساعة التي وعدوها وألحوا عليه - كما في البحر -.
стр. 3468
والمعنى: قل لهم - أيها النبي -: لا يعلم أحد ممن في السموات والأرض الغيب إلاّ الله فهو وحده الذي ثبت له علم الغيب على جهة اللزوم والاختصاص، وانتفى عمن سواه حتى الأنبياء.
ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد وجماعة من المحدثين من حديث مسروق عن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أن محمدا ﷺ يخبر الناس بما يكون في غد، وفي بعض الروايات: يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفِريَة، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ … ﴾ الآية.
وعلم الغيب المنفى عن غيره - جل وعلا - هو ما كان للشخص لذات في ثبوته له، وهذا مما لا يعقل كونه لأَحد من أهل السموات والأَرض، وما وقع لبعض الخواص من الإخبار ببعض الغيب فلا يقال: إنهم علموه بقدراتهم الذاتية، ومن قال ذلك كفر قطعا، وإنما يقال: أُظْهرُوا على الغيب وأُطْلِعُوا عليه، ويؤيده أن نسبة علم الغيب إلى غيره - تعالى - لم تجئ في القرآن الكريم، وإنما جاءَ الأظهار على الغيب لمن ارتضى - سبحانه - من رسول كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١).
أمَّا ظن الغيب بأمارات فهو ممكن لعباده فلا يكفَّر ولا يفَسَّق مدعيه، كما يحصل من علماء الفلك من الراصدين لحركات الرياح والشمس والقمر والكواكب، حين يخبرون بهبوب الرياح شديدة أو معتدلة، وبكسوف الشمس، وخسوف والقمر، وبنزول المطر وارتفاع درجة الحرارة أو اعتدالها أو نحو ذلك، فيقع الأمر كما قالوا، فليس ذلك من علم الغيب المنفي؛ لكونه بأَسباب وأمارات، فهو في واقعه ليس علمًا حقيقًّا بما سيحدث وإنما هو ظن وتخمين بأَمارات اقتضته، وقد تتخلف.
أما العراف الذي يتحدث عن المستقبل ادعاءً بأَنه على علم بالغيب كقوله لمن يستخبره عن مستقبله: ستكسب مبلغ كذا، أو ستتزوج فلانة، أو تفْقِد كذا في سفرك، أو نحو ذلك فهو كافر - كما قال القرطبى -.
стр. 3469
والمؤمنون منهيون عن إتيان العرافين، فقد جاء في صحيح مسلم: "من أتى عرَّافًا فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: أي ما يعلم كل من في المسوات والأرض أي وقت يبعثون فيه بعد موتهم؛ لأن وقت البعث والنشور من جملة الغيب الذي اختص الله - سبحانه - بعلمه، فلا يحق لهؤلاءِ المشركين أن يطالبوا نبيهم ﷺ من آن لآخر ببيان وقته بمثل قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) كما لا يحق لهم أن يستنكروه بمثل قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٢).
٦٦ - ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾:
بين الله في الآية السابقة أن الغيب مما استأثر الله - تعالى - بعلمه، وفي جملته وقت البعث بعد الموت، فإنه من الغيوب التي اختص بعلمها العليم الخبير.
وجاءَت هذه الآية لتبين أن المشركين وإن لم يؤمنوا بالبعث للحساب والجزاءِ، فقد تدارك علمهم بأن لهم آخرة ينتهون إليها، وتتابع وعيهم بأَنهم يبعثون على لسان الصادق المصدوق المؤيد بالمعجزات ﷺ ودلت الأَمارات على إمكانه، فإنه من قدر على البدءِ فهو قادر على الإِعادة من باب أَولى، كما شهد العقل بمجيئه ولا بد، فإِنه لا يعقل أَن تزول الحياة الدنيا ولا تعقبها آخرة يجزى فيها المحسن على إِحسانه، والمسئُ على إساءَته، فإن عدالة الله تأْبى ذلك.
فهؤلاءِ المشركون تدارك علمهم وتتابع على هذا النحو، وكان عليهم أن يؤمنوا بها، ولكنهم لم يفعلوا، بل هم في شك من مجيئها، مترددون في أَمرها، بل هم من ناحيتها عُمْيٌ عن أدلتها، وكان عليهم أن يطمئنوا إلى مجيئها بقيام الأدلة عليها، وأن يعملوا لها.
ومن المفسرين من فسر تدارك علمهم بالآخرة بفناء علمهم بها، كما يقال: تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك، وعلى هذا يكون معنى الآية: بل فنى علمهم بشئون الآخرة، مع توافر أسبابه ودواعيه بقيام الأدلة الواضحة على مجيئها، قال صاحب القاموس: بل ادارك علمهم في الآخرة: جهلوا علمها ولا علم لهم بشيءٍ من أمرها. اهـ
стр. 3470
ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ حيث قصروا تقصيرًا فاحًشا بتركهم النظر في أماراتها وتعاميهم عن أدلتها، مع أنها لا تخفى على ذوى البصائر وأولى الألباب.
وحاصل معنى الآية: أن علمهم بشئون الآخرة ومنها البعث انقطع وانتهى في الدنيا، حتى لم يبق لهم علم بشيءٍ من شئونها، مع توافر الأسباب الواضحة الدلالة عليها.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾
المفرادت:
﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: إنكار لإِخراجهم من قبورهم أَحياءً.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أَي أَباطيل الذين سبقوهم، وهي جمع إسطار - بكسر الهمزة - وأسطورة - بضمها.
﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: أي لا يكن صدرك ضيقًا بمكرهم.
التفسير
٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾:
بيان لجهل الكافرين بالآخرة وعَمَاهم عنها بحكاية إنكارهم لليعث، والمراد بهم: مشركو قريثس فقد أَنكروا إخراجهم من قبورهم أحياء إنكارا شديدًا متكررًا مبالغًا فيه.
وتقييد الإخراج بوقت كوْنهم ترابًا ليس لتخصيص الإِنكار الواقع منهم بالإِخراج في هذا الوقت فقط، فإنهم منكرون للإِحياء بعد الموت مطلقًا، وإن كان الجسد على حاله،
стр. 3471
وإنما ذكر لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في حالة منافية له في زعمهم، وهي كونهم ترابًا، وكما أنكروا إخراجهم فقد أنكروا كذلك إخراج آبائهم.
٦٨ - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
استئناف مسوق لتقرير الإِنكار، وصُدِّر بالقسم لزيادة التأْكيد، أي: والله لقد وعدنا هذا الإخراج نحن وآباؤنا من قبل أن يعدنا به محمَّد ولم نر له حقيقة ولم نعلم له وقوعًا فيما مضى، ذلك لأن هذا الوعد ما هو إلاَّ أباطيل الأَولين حكاها محمد عنهم، وليس له حقيقة، وقد رد الله عليهم بقوله:
٦٩ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾:
أي: قل - يا محمد - لهؤلاءِ المكذبين: سيروا في الأرض فانظُرُوا بإمْعانٍ وتفكروا كيف كان عاقبة المكذبين للرسل ﵈ فيما جاءُوا به من الإيمان بالله وحده، وبالمعاد الذي تنكرونه، فإن مشاهدة عاقبتهم، وآثار ما حل بهم من العذاب والنكال اللذين لم يَنْج منهما سوى الرسل ﵈ ومن اتبعهم من المؤمنين يكفى أن يكون عظة وعبرة لذوى البصائر وأولى الألباب، ودلالة واضحة على صدق ما جاءَت به الرسل وصحته، وفيه تهديد لهم على التكذيب، وتخويف بأَن ينزل بههم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم.
٧٠ - ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾:
تسلية للرسول ﷺ أي: ولا تأْسف على المكذبين لإصرارهم على الكفر، وتذهب نفسك عليهم حسرات، ويكون صدرك حرجًا من كيدهم وإنكارهم ما جئت به فإن الله مؤيدك وناصرك عليهم، ومظهر دينك في المشارق والمغارب على من خالفه وعانده: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
стр. 3472
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾
المفردات
﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾: أي لحق بكم، ويتعدى بنفسه وباللام.
﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: أي ما تخفيه من الأَسرار، تقول: أكننت الشيءَ إذا أخفيته في نفسك.
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ﴾: الغائبة؛ جميع ما أخفاه الله وغيبه عن خلقه. وتاؤه للمبالغة في الغيبوبة، كراوية.
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: المراد به؛ اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد، وهو بيِّنٌ واضح، أو مُبَيِّنٌ ما فيه لمن يشاءُ من ملائكته:
التفسير
٧١ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
يسأَل الكفار عن وقت العذاب العاجل الموعود به، سخرية به، وإنكارًا له قائلين: متى يحين وقت العذاب الذي وعدتم بأن ينزل بنا إن كنتم صادقين في إخباركم بأنه آت إلينا، وواقع علينا؟ فهموا الوعد بالعذاب من أمرهم بالسير والنظر في عاقبة أمثالهم المكذبين والجمع في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ باعتبار شركة المؤمنين للرسول في الإِخبار بذلك.
стр. 3473
٧٢ - ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾:
أي: قل لهم - أيها النبي -: عسى أن يكون قد اقترب منكم بعض الذي تستعجلون حلوله، وتطلبون وقوعه من العذاب، وكان ذلك عذاب بدر، أو عذاب القبر، وهذا المعنى قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك.
وعسى هنا لتحقق الوقوع لما وعدوا به.
قال الزمخشرى: إن عسى ولعل سوف في وعد الملوك ووعيدهم تدل على صدق الأَمر وجده وأنه لا مجال للشك فيه، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم، فعلى ذاك جرى وعد الله تعالى ووعيده.
وقيل: إن عسى على معناها، والترجى المفهوم منها قيل: راجع للعباد.
٧٣ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾:
أَي: وإن ربك - جل شأْنه - لذو إنعام كثير فاضل على كافة الناس مع ظلمهم لأنفسهم، ومن جملة ذلك ترك المعاجلة بالعذاب لهؤلاء المكذبين مع ما يقترفونه من ذنوب وآثام، وكان على المنْعَمِ عليهم أن يقوموا جميعًا بشكر ربهم على تفضله عليهم، ولكن أكثرهم أعرضوا عمَّا يطلب منهم من شكر وعرفان جحدًا لفضل خالقهم الذي أسداه إليهم، ومنهم أولئك المستعجلون للعذاب.
٧٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
أي: ساق ربك - جل شأْنه - ليعلم ما تخفى صدورهم من الأَسرار ومنها عداوتك، ويعلم ما يظهرون من القول بلا تفرقة بينهما في إحاطة علمه بهما كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ (١).
стр. 3474
فليس تأْخير العذاب عنهم لخفاء حالهم عليه تعالى، وإنما لأن له وقتًا محددًا لا يتعداه بتقديره - جل شأنه - وعلم الله بما تخفيه صدورهم، وبما تظهره أقوالهم، فيه إيذان بأن لهم قبائح غير ما حكى عنهم.
٧٥ - ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
أَي: وما من خصلة شديدة الغيبوبة في السماءِ والأرض إلاَّ علمها الله، وأحاط بها، وأثبتها عنده في أم الكتاب، ذلك الكتاب الواضح البين في نفسه المبين ما فيه لكل من يطالعه وينظر فيه من الملائكة ﵈ وهو اللوح المحفوظ، وقيل: المراد به علم الله - تعالى -، فهو المبين لكل معلوم، وقيل: المراد به القرآن الكريم، فقد أشار إلى كل غائبة في السموات والأرض، وبين دلالتها على خالقها .
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١﴾
المفردات:
﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: المراد بهم؛ اليهود والنصارى، وإسرائيل: يعقوب ﵇.
﴿عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾: الواضح البين، أو الفاصل بين الحق والباطل.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: أي ولا تسمع من بطل سمعه وذهب لسبب من الأسباب، وفعله من
стр. 3475
باب علم. فالمذكر أصم، والأُنثى صماء، والجمع صُمٌّ، مثل أحمر وحمراءَ وحُمْر، ويتعدى بالهمزة فيقال: أصمه الله.
﴿بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: أي عن كفرهم، يقال: ضل يَضل ضلالًا وضلالة: مال عن الطريق فلم يهتد.
التفسير
٧٦ - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
لما ذكر - سبحانه - ما يتعلق ببدء الخلق، وإعادة المخلوقات بعد الموت بالبعث، ذكر ما يتعلق بالنبوة، ولكون القرآن الكريم أعظم ما تثبت به نبوة نبينا محمَّد ﷺ . أنزل فيه - سبحانه - ما يقص به علي بني إسرائيل - اليهود والنصارى - أكثر ما اختلفوا فيه، بإظهار حقيقة أمره في وضوح وجلاء، ممَّا يدعوهم إلى الإِسلام لو تأَملوا وأَنصفوا، وأخذوا به، ولكنهم أعرضوا وكابروا مثلكم أيها المشركون. وتحزبوا أحزابًا كثيرة، ولعن بعضهم بعضًا، ووقع بينهم الجدال والتناكر.
ومن جملة ما اختلفوا فيه اختلافًا كثيرا أمر عيسى ﵇ فاليهود افتروا ونسبوا إلى مريم ما هي منزهة عنه، وكذبوا عيسى ﵇ والنصارى تغالوا، فمن قائل: بأَنه إله، ومن قائل: بأنه ابن الله، ومن قائل: بأَنه ثالث ثلاثة إلى غير ذلك.
كما اختلفوا في أمر النبي المبشر به، فمن قائل: هو يوشع، ومن قائل: هو عيسى، ومن قائل: إنه لم يأْت إلى الآن، وسيأتي آخر الزمان، كما اختلفوا في شأن الخنزير، فقال اليهود بحرمة أكله، وقالت النصارى بحله، إلى غير ذلك من أُمور.
فجاء القرآن بالقول الوسط، قول الحق والعدل، حيث بين أن عيسى عبد من عباد الله وأَنبيائه، ورسله الكرام كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (١). وبين أن النبي المبشر به هو محمَّد ﷺ وأن أكل لحم الخنزير حرام.
وبين كذلك أكثر الأُمور التي وقع بينهم الخلاف فيها بيانًا شافيًا يقطع كل ريبة وخلاف، فكان هدى ورحمة لمن أقبل عليه كما قال تعالى:
стр. 3476
٧٧ - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾:
أي: وإن هذا القرآن لهدى ورحمة لمن أنصف من اليهود والنصارى، فآمن به، واهتدى بهديه، واتبع سببله، أو هو هدى ورحمة لكل من آمن به على الإِطلاق، ويدخل فيهم من آمن من اليهود والنصارى دخولًا أوليًّا.
وخص - سبحانه - المؤمنين بالذكر، مع أنه هدى ورحمة للعالمين؛ لأنهم المنتفعون به، أو المراد بهم المستعدون للإيمان بفطرهم النظيفة.
٧٨ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾:
الذي: إن ربك - سبحانه - يقضى في الآخرة بين اليهود والنصارى، فيحازى بحكمه المحق الذي آمن بالقرآن، والمبطل الذي كفر به، ويراد بالحكم ما يحكم به، وهو الحق والعدل، ولا يقضي - سبحانه - إلا به فسمى المحكوم به حكمًا.
أو يحكم بينهم بحكمته بوضع الأُمور في نصابها، وإعطائها ما تستحق من جزاءٍ، ويدل على هذا الوجه قراءَة من قرأ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ جمع حِكْمَة، كنِعَم جمع نعمة.
وقيل: يقضى بينهم في الدنيا بإظهار ما حرفوه، وبيان الحق فيما اختلفوا فيه وهو سبحانه "العزيز" أي: الغالب الذي لا يرد أمْرُه، ولا يعارَضُ قضاؤه "العليم" بكل شيءٍ من الأشياء لا تخفى عليه خافية، أو هو العزيز في انتقامه من المبْطلين، العلم بما بينهم وبين المحقين.
٧٩ - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾:
أمرٌ للرسول ﷺ بالتوكل عليه - جل شأْنه - مرتَّبٌ على ما ذكر من شئونه - تعالى - فإنها موجبة للتوكل عليه وداعية إلى الإنابة إليه، أي: فتوكَّل على الله الذي عصمك من كيد الكائدين، وأمدك بتأييده ونصرته على أَعدائك، وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليهم الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون؛ لأنك على الحق البيِّن، وهو الدين القيِّم الذي تنزه عن كل شك أو شبهة، وفي ذلك بيان بأَن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته لا محالة.
стр. 3477
٨٠ - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾:
أي: إنك - أيها النبي - لا تستطيع هداية هؤلاءِ الكافرين إلى شيء ينفعهم لأَنهم كالموتى، حيث إنهم فقدوا الحس والعقل والإدراك فلا يَعُون شيئًا ممَّا يسمعون، ولا ينتفعون بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، شأْنهم في ذلك وهم أحياءٌ شأن الموتى في القبور الذين يستحيل عليك إسماعهم (١) أي شيءٍ ينفعهم، وذلك موجب لقطع الطمع في هدايتهم، وداع إلى تفويض الأَمر إلى الله والتوكل عليه.
وهم كالصم الذين فقدوا أَداة السمع يصيح بهم الداعى إلى الحق فلا يسمعون النداءَ مع أَنهم صحاح الحواس، ذلك لأَن شأْن الأَصم عدم السماع ولو كان الداعى أَمامه، وبمقابلة صماخه فكيف يكون حال هؤلاءِ الصم إذا ابتعدوا عن الداعى وتولوا عنه مدبرين؟ لا شك أن عدم سماعهم للدعاءِ يكون أشد وأقوى، فإنهم مع صممهم معرضون عن الداعى، وفي ذلك من التأكيد والمبالغة في عدم السماع لدعوة الحق ما فيه مما لا يخفى، وإطلاق الإسماع بعدم ذكر المسموع لبيان عدم سماعهم لشيءٍ من المسموعات.
٨١ - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾:
أَي: ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم، وصرفهم عما هم فيه، وهدايتهم هداية موصلة إلى المطلوب؛ لأنهم كالعمى يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم مهديين بُصَراءَ إلاَّ الله تعالى.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: ما يجدى إسماعك إلاَّ مَنْ علم الله أنهم يؤمنون بآياته ويصدقون بها، وهم الذين ليسوا موتى ولا صمًّا ولا عميًا.
стр. 3478
وجوز أن يراد بالآيات المعجزات التي أَظهرها الله - تعالى - على يديه ﷺ الشاملة للآيات التنزيلية والتكوينية، وأَن يراد بها الآيات التكوينية فقط، والإيمان بها: التصديق بكونها آيات الله - تعالى - وليست من السحر وغيره.
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: تعليل لإيمانهم بالآيات، أي: فإنهم مطيعون منقادون إلى الحق بسلوك طريقه السَّويّ وفق إرشاد آياته.
وقيل: فهم مخلصون لله - تعالى - من: الإِسلام بمعنى الإخلاص، كقوله تعالى: "بلى مَنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لله وهو محْسِنٌ" (١) أي: أخلص.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
المفردات:
﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: قرب وقوع ما وعدوا به من العذاب بعد البعث.
﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾: هي دابة كبيرة يخرجها الله قرب قيام الساعة تكلم الناس
стр. 3479
- من الكلام - وقرأَ الكوفيون: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ - بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام - من: الكلْم وهو الجرح، وسيأْتي بيان ذلك في الشرح. ﴿فَوْجًا﴾ أي: جماعة.
﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ المراد بالآيات: إما القرآن، أو ما يعمه وسائر الآيات، ممَّا أقامه الله في الأنفس والآفاق.
﴿أفهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: فهم يحبس أَولهم على آخرهم ويكفون، ليتلاحقوا، يقال: وزعه، أي: كفه، وهو من باب وَضع يضع، وفسره ابن عباس بقوله: فهم يدفعون، وفسره ابن زيد بقوله: فهم يساقون، وهي معان متقاربة.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: حل بهم العذاب الموعود بسبب ظلمهم.
التفسير
٨٢ - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾:
بين الله في الآيات السابقة إنكار قريش للبعث بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) وذكر أنه - تعالى - سوف يقضى بينهم بحكمه، وسلَّى نبيه عن تكذيبهم إياه، بأنه ﷺ لا يُسْمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء إذا ولَّوا مدبرين، وأنه لا يهدى هؤلاء العمى عن ضلالتهم، وجاءَت هذه الآية والآيات التي بعدها لتأكيد مجئ الساعة وقضاءِ الله عليهم بما يستحقون من العذاب الهون.
والمزاد بوقوع القول عليهم: قرب نزول العذاب الموعود بهم في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وذلك عندما يصير الناس إلى حد لا تقبل توبتهم، ولا يولد لهم ولد مؤمن، فحينئذ تقوم الساعة - كما ذكره الإِمام القشيري - وفي معناه ما روى عن حفصة بنت سيرين أنها قال: سألت أبا العالية عن قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ … ﴾ الآية، فقال: أوحى الله إلى نوح أنه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قالت حفصة: وكأنما كان على وجهي غطاءٌ فكشف،
стр. 3480
قال النحاس: وهذا من حسن الجواب؛ لأَن الناس ممتحنون ومؤخرون، لأَن فيهم مؤمنين وصالحين ومَنْ قد علم الله أنه سيؤمن ويتوب، فلهذا أُمهلوا .. ثم قال: فإذا زال هذا وجب القول عليهم فصاروا كقوم نوح، حين قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (١) انتهى كلامه.
والدليل على أن ذلك يكون قرب قيام الساعة: أن الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وتلاها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ كما يدل عليه ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجالٌ، ودابة الأرض" (٢).
والدابة: اسم للحيوان الذي يدب ويتحرك، .. والكلام: ما يحصل به التخاطب والتفاهم، فماذا عسى أن تكون هذه الدابة التي تكلم الناس بما يفهمونه منها، ويكون ظهورها من علامات الساعة الكبرى؟ لا بد أن تكون دابة عظيمة في جسمها وفي تكوينها وفيما يصدر عنها؛ لتكون آية مقارنة لطلوع الشمس من مغربها، كما جاء في صحيح مسلم (٣) بسنده عن عبد الله بن عمر أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأُخرى على إثرها قريبًا".
ويقول السدى في كلام الدابة: إنها تكلمهم ببطلان الأَديان سوى دين الإِسلام، وقيل: تكلمهم بما يسوءُهم.
وقال عطاءٌ الخراسانى: تكلمهم فتقول: أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.
قال القرطبي - شارحًا لهذا القول -: تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه مَنْ قرب ومن بعُد: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي: بخروجى، لأن خروجها من الآيات.
стр. 3481
أما على قراءة تكلمهم فهي من: الكَلْم بمعنى الجَرْح، ولا منافاة بينها وبين قراءة جمهور القراء، فإنها تكلِّمهم بما يسوءُهم ويجرحهم، لانغماس معظم الناس في الضلال في آخر الزمان.
وقد جاء في وصف هذه الدابة آثار متباينة، فلهذا أمسكنا عن ذكرها، وحسب القارئ أن يعلم أنها من علامات الساعة، فلابد أنها شيء هائل يفوق الوصف، وأنها تخرج لإِقامة الحجة على الكافرين، وتثبيت المؤمنين، وإغلاق باب التوبة أمام الملحدين.
ومعنى الآية:
وإذا قرب وقوع ما قلناه على الكافرين من قيام الساعة وعقابهم على كفرهم، أَخرجنا لهم من الأرض دابة عظيمة هائلة، تكلمهم بما يفهمونه عنها، فتوبخهم على كفرهم وتنعى عليهم أنهم قبل خروجها كانوا بآيات الله وبراهينه لا يصدقون ولا يستيقنون، وأنه قد حان ميقات فنائهم وقيامهم لرب العالمين". لحسابهم وعقابهم على ما كانوا يعملون.
٨٣، ٨٤ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ (١) يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
هاتان الآيتان للتذكير بما يحدث للكافرين بعد حشرهم من التوبيخ على كفرهم بآيات الله، قبل الحكم عليهم بالعذاب المقيم، والمراد من الحشر هنا: هو الحشر يوم القيامة. والمعنى: واذكروا يوم نجمع من كل أُمةِ نبيٍّ جماعةً كثيرة هم الذين يكذبون بآياتنا، فهم يدفعون ويساقون إلى المحشر الذي يجتمع فيه الخلائق، ويحبس أول الكافرين على آخرهم، حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمساءلة من المحشر، حتى إذا جاءُوه قال الله تعالى - موبخًا لهم -: أكذبتم بآياتى التشريعية، والتكوينية بادئ الرأى، غير ناظرين فيها نظرًا يجعلكم تحيطون بها علمًا ويدفعكم إلى الإيمان بربوبيتى ووحدانيتي، أَم ماذا كنتم تعملون بعقولكم في هذه الآيات البينات، حتى وصل بكم التفكير فيها إلى هذا التكذيب الذي أبعدكم عن الحق المبين؟
стр. 3482
ولما كان كلا الأَمرين لا يستوجب تكذيبهم لوضوح تقصيرهم فيهما، فلهذا لم يستطيعوا أن يجيبوا ربهم بما يخفف عنهم مسؤليتهم فيها فقال الله - تعالى - عقب هذه المساءَلة:
٨٥ - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾:
أي: ووجب عليهم العذاب الذي قلناه لهم على ألسنة رسلنا إن استمروا على تكذيبهم بآياتنا فهم لا يستطيعون النطق بما يدفع حجتنا عليهم.
واعلم أن الحشر يوم القيامة لجميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم ولكن هذه الآيات اختصت ببيان حشر المكذبين بآيات الله ومساءلتهم ومصيرهم؛ لأن السياق واللحاق يقتضي ذلك الاختصاص.
ويرى الشيعة الإمامية أن لفظ (منْ) في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ للتبعيض وليس للبيان، وأن الآية أفادت أن بعض المكذبين بآيات الله يحشرون، وليس ذلك صفة الحشر يوم القيامة؛ إذ يقول الله في شأنه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وهذا يدل على أن هذا الحشر الجزئى يكون في الدنيا لبعض أعداءِ الله من الكافرين، لينتقم منهم على أيدى أوليائه وشيعته عند ظهور المهدي آخر الزمان إذ يرجع معه جماعة من أئمة أهل البيت، ليعاقبوهم بالإذلال والتوبيخ والقتل، ليفوزوا بثواب نصرة الله، ويفرحوا بظهور دولته، وبالجملة فهذه الآية من أشهر ما استدل به الشيعة الإمامية على رجعة أئمتهم، كما استدلوا بأحاديث رووها بهذا الصدد.
والحق أن ما ذهب إليه الشيعة من رجعة أئمتهم أمر خيالي محض، والاستدلال عليه بالآية رأى فاسد؛ فإن الآية ليس فيها عنهم قليل ولا كثير لا في الرجعة ولا في غيرها، والحشر في لسان الشرع، هو حشر يوم القيامة، وهو في الآية للكافرين جميعًا، ولفظ (من) في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ كما يحتمل أن يكون للتبعيض، يحتمل أيضًا أن يكون لبيان الفوج الذين يناقشهم الله، ويوبخهم ويعاقبهم بعد الحشر، والحق أَن هذه الآيات الثلاث (١) مسوقة لبيان حال المكذبين لرسل الله يوم القيامة كما يقتضيه السياق،
стр. 3483
ولا أدل على ذلك من أن الذي يوبخهم ويعاقبهم هو الله - تعالى - وليسوا أئمة الشيعة كما يزعمون، إذ يقول - سبحانه -: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ والرجعة التي قال بها الشيعة الإمامية لا يقول بها الشيعة الزيدية بل ينكرونها إنكارًا شديدًا، وقد ردُّوها في كتبهم على وجه مستوفى بروايات عن أئمة أهل البيت أيضًا تعارض روايات الإمامية (١)، فليرجع إلى كتبهم من أراد المزيد من العلم بفساد رأى هؤلاء الإمامية، والله ولى التوفيق.
٨٦ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
هذه الآية جاءَت لتوجيه نظر المشركين وعقولهم إلى بعض آيات الله الكونية الشاهدة بوحدانيته، وقدرته على البعث والحشر والحساب التي أنكروها، والمراد من الرؤية هنا: الرؤية القلبية فإنها هي التي توصلهم إلى الإيمان.
والمعنى: ألم يعلم هؤلاء المشركون أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه بالقرار والنوم بعد الحركة التي أجهدوا فيها أجسادهم وأرواحهم وعقولهم نهارا، وجعلنا النهار مضيئًا ليبصروا في ضوئه طرق التقلب في أُمور معاشهم، أن في ذلك التدبير المحكم لأمارات لقوم يريدون الإيمان، فإنه يشهد بأن الذي دبر هذا التدبير العجيب هو إله واحد قادر على بعث العباد وحشرهم وحسابهم، فإن من قدر على إبدال الظلمة بالنور، فإنه يقدر على إبدال الموت بالحياة. وَوَصْفُ النهار بالإبصار بدل الإضاءَة، للمبالغة في إضاءَته وبلوغها من القوة إلى درجة جَعْل الإبصار من صفاته، وذلك على سبيل المجاز.
стр. 3484
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾
المفردات:
﴿الصُّورِ﴾: البوق، أَو جمع صُورة. ﴿فَفَزِعَ﴾ أي: خاف، وعبر عنه بالماضى لتحققه.
﴿أَتَوْهُ﴾ أي: جاءوه، وعبر عنه بالماضى لتحققه. ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾: تظنها ثابتة في أماكنها.
﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين.
﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾: تسرع سرعته.
التفسير
٨٧ - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾:
هذه الآية والتي بعدها مسوقتان لإنذار المكذبين بالبعث وتخويفهم من لقاء رب العالمين، وللعلماء في تفسير الصور والنفخ فيه ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه قَرْنٌ يشبه البوق، والنفخ فيه على الحقيقة، وسندهم في ذلك ما أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاءَ أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ما الصُّور؟ قال: "قرنٌ ينفخ فيه" والمشهور عند أصحاب هذا القول أن صاحب الصور الذي ينفخ فيه هو إسرافيل ﵇.
(وثانيها): أن الصور -بإسكان الواو-: جمع صورة كالصُّور - بفتحها - والمراد بها: صور الخلائق، والنفخ في هذا القول كالذى قبله على حقيقته.
стр. 3485
(وثالثها): أَن النفخ في الصور على حقيقته، وإنما هو صورة بلاغية بطريق الاستعارة التمثيلية، شبه فيها حال انبعاث الموتى وقيامهم من قبورهم وسيرهم إلى المحشر تلبية لنداء الله لهم - شبه حالهم ذلك - بحال قيام جيش نفخ لهم في البوق المعهود، وسيرهم إلى موضع عُيِّنَ لهم، وتعقيبا على هذا الخلاف يقول الآلوسى ما خلاصته: أن الأول في قول الأكثرين وعليه المعول؛ لأن قوله - تعالى - في آية أخرى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾ ظاهر في أن الصور مفرد مذكر وليس جمع صورة وإلا لقال - سبحانه -: ثم نفخ فيها أخرى بتأْنيث الضمير الراجع إليها، وجَعْلُ الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، فيه إنكار لوجود صور حقيقى ينفخ فيه، وذلك مخالف لما نطقت به الأحاديث الصحاح .. هذه هي خلاصه تعقيب الآلوسى على الخلاف في حقيقة النفخ في الصور.
والذي نراه: أن الذي يجب اعتقاده هو أن النفخ في الصور سوف يكون قطعا، أما شكل الصور وحقيقته وكيفية النفخ فيه فذلك من الغيبيات التي يوكل علمها إلى علام الغيوب سبحانه.
والراجح أن النفخ في الصور سوف يكون مرتين، إحداهما يموت عندها الخلائق، والثانية نفخة البعث التي يقوم الناس عندها لرب العالمين للحساب والجزاء، كما في قوله - تعالى -: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ (١).
واختلف فيما جاء بهذه الآية، أهي النفخة الثانية، أم هي النفخة الأُولى؟ وممن ذهب إلى ترجيح أنها النفخة الثانية الإمام أبو السعود، وقال في ترجيحه: إنه هو الذي يستدعيه سباق النظم الكريم وسياقه، وأن المراد بالفزع في قوله - سبحان -: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ما يعترى الكل عند البعث والنشور. من الرعب والتهيب الضروريين الجِبِليَّيْن بمشاهدة الأُمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق. ثم قال: وقيل: المراد بالنفخ هنا: هو النفخة الأُولى، وبالفزع: الخوف الذي ينتهى إلى الموت لغاية شدة الهول كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي
стр. 3486
الْأَرْضِ﴾ فيختص أثرها بمن كان حيا عند وقوعها، دون من مات قيل ذلك من الأُمم.
إلى آخر ما قال.
ورجح العلامة الطيبى أنها النفخة الأولى، وقوله تعالى الآتى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ إشارة إلى النفخة الثانية.
ونحن نختار ما رجحه العلامه أبو السعود من أن المراد بنفخة الفزع هنا نفخة البعث مراعاة للمقام، وفيما يلى تفسيرها على هنا الوجه:
المعنى الإجمالي للآية السابقة:
واذكروا - أيها المنكرون للبعث - يوم ينفخ في الصور، ليقوم الناس من قبورهم مُتَّجهين إلى المحشر، ليحاسبهم الديان على ما كانوا يعملون - اذكروا ما يحدث من الهول والكرب يومئذ فيفزع له أهل السموات وأهل الأرض، ويشتد خوفهم واضطرابهم إلا من شاءَ الله أن يطمئن، وهم الشهداءُ كما جاء في حديث صحيح، ولأنهم عند ربهم يرزقون، وضم بعض المفسرين إليهم حملة العرش ورؤساء الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحور العين وخزنة الجنة (١) وكل هؤلاء المبعوثين الفزعين عند هذه النفخة - كل هؤلاء - يحضرون الموقف بين يدي رب العالمين صاغرين.
٨٨ - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾:
نقل القرطبي عن الإِمام القشيرى أنه قال: وهذا يوم القيامة، ثم قال: أي: تمر مرّ السحاب، حتى لا يبق منها شيءٌ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (٢) أهـ،
ونحن نوافقه على ذلك مراعاة للسياق.
وإلى هذا الرأى مال صاحب إرشاد العقل السليم فقد قال: إنه مما يقع بعد النفخة الثانية كالفزع المذكور عند حشر الخلق، يبدل الله - تعالى شأنه - الأرض غير الأرض
стр. 3487
ويغير هيئتها، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة يشاهدها أهل المحشر.
وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى، لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكون بعد النفخة الثانية كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ (١).
وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢) فإن اتباع الداعى الذي هو إسرافيل، وبروز الخلق الله - تعالى - لا يكون إلا عند النفخة الثانية.
ونقل الآلوسى عن بعض المفسرين أن ذلك مما يقع عند النفخة الأولى، وعقب عليه بما يرجح كونه بعد النفخة الثانية، والله - تعالى - أعلم.
ويُعقِّبُ الله ذلك التغيير الكونى الخطير بقوله - سبحانه -: ﴿صُنْعَ (٣) اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: ما تقدم من النفخ في الصور وما ترتب عليه من فزع أهل السموات والأرض إلا من شاء، ومجيء الخلائق جميعا تلببة لنداء البعث والحشر، وتحويل الجبال إلى ما يشبه العهن المنفوش (٤)، ومرورها مر السحاب في طريقها إلى الزوال، كل ذلك صنعه الله الذي أتقن كل شيء، وبناه على الحكم المستتبعة للغايات الجليلة، وليس ذلك من باب الإخلال والإفساد دون حكمة.
وقد ختمت الآية بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ وهو تعليل لما تقدم من النفخ في الصور وفزع أهل السموات والأرض ومجيئهم إليه صاغرين للحساب، وقد اعترض بينهما بذكر تحويل الجبال إلى عهن منفوش يسير سير السحاب في طريقه إلى الزوال بعد أن كانت جامدة، توفية لمقام الحديث عن الأهوال التي تحيط بيوم الحساب والجزاء.
стр. 3488
وقال العلامة الطيبى (١): قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ إلخ.
استئناف وقع جوابا لقول من يسأل فماذا يكون بعد هذه القوارع؟ فقيل: إن الله خبير بعمل العاملين، فيجازيهم على أَعمالهم، وفضل ذلك بقوله - سبحانه -: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا … ﴾ إلخ.
وهذا الذي قاله الطيبي قريب مما اخترناه في موقع الجملة وربما قبلها، وربما كان الذي قلناه أقرب وأولى، والله أعلم.
المعنى الإجمالي للآية: وترى الجبال - أيها الإنسان وأنت في الموقف بعيد عنها - تظنها جامدة ثابتة في مكانها، ولكنها قد سُحِقتْ وأَصبحت كالعهن المنفوش، وقد سيَّرها الله - سبحانه - فوق سطح الأرض وجعلها تمر فوقها في طريقها إلى الزوال، لتبرز الأَرض التي كانت تواريها، وهي في سرعتها تمرُّ كما يمر السحاب في طريقها إلى الزوال، لتبرز السماء التي كانت تحجبها، صنع ذلك الصُّنعَ العجيب الله الذي أتقن كل شيءٍ بناءً وإزالة لحكم يعلمها، ومنها: أن يرى الظالمون عظيم جبروته الذي لم يكترثوا به في دنياهم، وأَن يحاسبهم على أرض جديدة تحقيقا لوعيده: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢) ولن يصعب عليه حساب عباده، فإنه خبير بما كانوا يفعلونه في دنياهم.
стр. 3489
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾
المفردات:
(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ): بالفعلة المستحسنة شرعًا. ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ الفزع: الخوف.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ المراد بها هنا: الشرك، كما سيأتي بيانه.
﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾: الوجوه المعروفة، أو هي كناية عن الأنفس، وكبُّها: إلقاؤها، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
التفسير
٨٩ - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾:
لما ذكر الله - سبحانه - في الآية السابقة أنه عليم بما يفعله عباده جاء بهذه الآية والتى تليها لبيان ما يترتب على علمه بها من جزائِهم عليها .. وفسر ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من السلف - فسروا - الحسنة بشهادة التوحيد، بناء على ما روى عن النبي ﷺ من تفسيره إياها بذلك، والظاهر أنه ﷺ فسرها بأكملها، وهذا لا ينافى أن كل حسنة من الأفعال لها جزاءٌ في الآخرة خير منها، والمراد من الفزع الذي يأمنه أصحاب الحسنات: الخوف من العقاب بالنار، وهو ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ وحكى عن الحسن أن ذاك حين يؤمر بالعبد إلى النار، وهذا لا ينافى ما يحدث لجميع المكلفين عند البعث بعد النفخة الثانية، فإنه عام لجميع من في السموات والأرض كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا فرق بين أهل الحسنات وأهل السيئات في الشعور بالفزع والتهيب والرعب عندما يرون أهوال يوم القيامة عقب البعث، فإن ذلك أمر جبلي لا يكاد يخلو منه أحد.
стр. 3490
ومعنى الآية: من جاء بالفعله الحسنة من توحيد وصلاة وصيام وزكاة وغيرها، فله جزاءً أعظم منها، حيث يجزى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، جزاءً دائِما جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، وهؤلاء المتقون المحسنون آمنون من خوف العذاب يومئذ مطمئنون، وثوقا بوعد الله الذي لا سبيل إلى الخلف فيه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
٩٠ - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾:
المراد بالسيئة هنا: الشرك، وغلبة السيئات على الحسنات، ويبقى كل منهما في النار على حسب حاله، فالكافر خالد فيها أبدا كما جاء في وعيده في القرآن والسنة، والمؤمن الفاسق يخرج منها بعد أن ينال نصيبه من العقاب فيها، فإنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، كما جاء في صحاح السنة، ولهذا ختمت الآية بقوله - سبحانه -: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يجزون إلا على حسب أعمالهم.
ومعنى الآية: ومن جاء بسيئة الشرك أو طغت سيئاته على حسناته، فألقوا في النار على وجوههم (١) قيل لهم: هل تجزون إلا بعقاب مماثل لما كنتم تعملونه من السيئات؟
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
стр. 3491
المفردات:
﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ المراد بها: مكة. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: من المنقادين لملة التوحيد.
﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: سيجعلكم تشاهدون أمارات سلطانه في الدنيا والآخرة.
التفسير
٩١ - ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
بينت الآيات السابقة أحداث الشفاعة وأحوالها وفزع أهل السموات والأرض عندما يفاجأون بها إلا من شاء الله، ومجيئهم جميعًا لحساب ربهم صاغرين، وأن من جاء بالحسنة فله ثواب خير منها، ومن جاء بالسيئة عوقب بها جزاء ما كانوا يعملون في الدنيا.
وجاءت هذه الآية وما بعدها في ختام السورة لتقرر آمر التوحيد والبعث اللذين دار عليها الحوار بين النبيين وأممهم في ثناياها.
ومعنى هذه الآية: إن الله - تعالى - ما أمر نبية محمدا ﷺ به من عنده، إلا بأن يعبد الله رب هذه البلدة - مكة - التي جعلها الله حرما آمنا منذ عهد إبراهيم ﵇ وله وحده كل شيءٍ، فلا يصح أن يعبد معه سواه، وما أمره الله سبحانه إلا بأن يكون من المسلمين المنقادين لشريعة الإسلام، فلا سبيل له ولا لغيره أن يحيدوا عن توحيد الله، ولا أن ينصرفوا عن دين الإِسلام.
٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾:
وكما أمر الله نبيه بذلك أمره بتلاوة القرآن وتكرار الإرشاد به، لتنكشف للناس الحقائق المخزونة في آياته، فإن المواظبة على قراءته والوعظ به، من أسباب انكشاف الفيوضات الإلهية والأسرار القدسية، فمن اهتدى بما يسمعه من عظات القرآن ونصائحه، وبتلاوته من آن لآخر - كما يفعله الرسول - فمن اهتدى بذلك فما تعود منفعة اهتدائه
стр. 3492
إلا على نفسه، ومن ضل عن الحق بمخالفته في هذه النصيحة، فوبال ضلاله مختص به، ثم أمره أن يقول لهم: ما أُمرت في شأنكم وفي شأن غيركم إلا بالإنذار والتخويف من عقوبة الخلاف، أما استجابتكم لدعوتي فليست من شأني بل هي من شأنكم وشأن الله معكم، فما عليّ إلا البلاغ وقد فعلت.
٩٣ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
وقيل - أيها الرسول - لقومك: الحمد لله على نعمائه، حيث أعاننى على تبليغ رسالته إليكم، وتلاوة القرآن دائما عليكم، ومتابعة الإنذار لكم، وإقامة الحجة عليكم، مع شدة معارضتكم ومخاصمتكم، سيريكم الله آياته في دنياكم وأخراكم، فتعرفون أنها برهان الحق ودليل الصدق، وما ربك - يا محمد - بغافل عما تعملون - أيها المشركون - فسوف تكون آيات عذابه حزاء وفاقا لأعمالكم.
وقد حقق الله وعيده لمشركى قريش في دنياهم، بما حدث لهم في غزوة بدر الكبرى، وسائر انتصارات رسوله عليهم، وحصول القحط لهم بدعائه ﷺ حيث قال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم جوع عنيف اضطرهم إلى أكل الكلاب والجيف والعلهز (١) وسوف يرى أشد منه في أُخراه من مات منهم على كفره ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
стр. 3493
سورة القصص
من السور المكية، وآياتها ثمان وثمانون، ووجه مناسبتها لما قبلها أنها تشتمل على شرح بعض ما أُجمل في قصة موسى في سورتى الشعراء والنمل، وقد روى عن ابن عباس وجابر بن زيد أن الشعراء نزلت ثم النمل ثم القصص.
وقد ذكر الله في السورة السابقة سؤال الكفار يوم القيامة على جهة التوبيخ، وفي هذه السورة سؤالهم وتوبيخهم بما هو أوسع مما جاء في سورة النمل، كما ذكر هنا في أمر الليل والنهار أكثر مما ذكر هناك، إلى غير ذلك من المناسبات.
مقاصدها:
اشتملت هذه السورة المباركة على التنويه بآيات القرآن المبين، وحكاية ما حدث لقوم موسى من جبروت فرعرن، حيث كان يذبح أبناءهم ويستبقى بناتهم، وأنه - تعالى - شاء إنقاذهم من هذه المحنة فنجى موسى من القتل، حيث ألهم أُمه أن تصنع له تابوتًا وتلقيه في النيل ففعلت، فدفعته المياه إلى قصر فرعون، فالتقطه آله ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وليخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون وأعوانه ويجعل هلاكه وجنوده على يد من رباه في كنفه، وقد ربط الله على قلب أُمه فصبرت، وفرحت به امرأة فرعون وأوصت بعدم قتله قائلة: ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وأوصت أمه أُختًا له أن تتبع أثره ففعلت، وحرم الله عليه المراضع فقالت أخته لأهل فرعون: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فقبلوا نصيحتها، فرده الله بذلك إلى أمه: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.
ولما بلغ أشده آتاه الله حكمًا وعلما، وجعل من همه إنصاف بني إسرائيل: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ واستغفر ربه من ذلك فغفر له: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِين﴾.
стр. 3494
ثم أراد أن يبطش بعدوه فقال له: ﴿أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فخرج منها متجهًا إلى مدين: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ وانتهى أمره مع أبيها إلى الزواج من إحدى ابنتيه على أن يكون أجيرا عنده ثماني سنين فإن أتم عشرًا فمن عنده، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله رأى نارا بجانب الطور وكانت امرأته بحاجة إلى الاستدفاء بالنار لشدة البرد، وحينئذ: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهنا شرفه الله بالرسالة إلى فرعون وملئه فرد قائلا: ﴿إنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ وطلب من الله أن يشرك معه أخاه في رسالته ليكون عونًا له فإنه أفصح منه لسانا، فاستجاب له ربه قائلًا: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
فلما جاءهم موسى بآياته وصفوه بالسحر، وقالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ وطلب فرعون من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليبلغ به إلى حيث يطلع إلى إله موسى، وقال: إنه يظنه من الكاذبين. وظل أمرهما في صراع فترة طويلة، فلما لم تغنه النذر انتقم الله منه ومن جنوده بما حكاه في قوله -سبحانه-: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ثم بين الله - تعالى - ما لهذه القصة من الدلالة على نبوة محمَّد ﷺ فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 3495
ثم عابَتْ هذه السورة عليهم أنهم لما جاءهم القرآن الحق من عند الله معجزة لنبيهم محمَّد، سألوه أن يأتيهم بكتاب من السماء جملة واحدة، كما جاء موسى قومه بالتوراة جملة واحدة، فأفحمهم الله بأنهم كفروا بما أوتى موسى من قبل قائلين: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ فلا همَّ لهم إلاَّ المكابرة والعناد، ثم بينت أن بعض أهل الكتاب لما تُلِيَ عليهم آمنوا به قائلين: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ وأنهم إذا سمعوا لغوهم فيه أعرضوا عنه، ثم نعت عليهم شركهم، وذكرت أن الله تعالى أمر نبيه أن يستخبرهم عمن يأتيهم بضياء يبصرون فيه إن جعل الله عليهم الليل مستمرًّا وسرمدًا إلى يوم القيامة، أو يأتيهم بليل يسكنون فيه إن جعل عليهم النهار كذلك؟ وأنه - تعالى - هو الذي تفضل عليهم برحمته فجعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله ولعلهم يشكرون وأنه سوف يناديهم يوم القيامة فيسألهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وأن الحق سوف يظهر لله عليهم، بشهادتهم على أنفسهم.
ثم حكت قصة قارون، فبينت أنه من قوم موسى، فلما أغناه الله بغى عليهم وطغى وأعرض عن الآخرة، وزعم أن ما أُوتيه على علم عنده، فلم يسند الفضل فيه لرب العالمين، فخسف الله به وبداره الأرض، وما نفعه ماله ولا كبرياؤه ولا أتباعه، ثم ذكرت أن الدار الآخرة يجعلها الله للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين.
ثم تحدثت عن فضل الله وعدله في قضائه يوم القيامة، فذكرت أن: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم ختمت السورة بدعاء كل مكلف إلى توحيد الله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
стр. 3496
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوعَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: القرآن الواضح، من: أبان بمعنى اتضح، والمبين للأحكام، من: أبان غيره أي: أوضحه، وأطلق الكتاب على القرآن لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، أو لأنه يكتب في الصحف. ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ بعض خبرهما.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ يصدقون حالًا واستقبالًا. ﴿عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: استكبر في أرض مصر.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: جعلهم أصنافًا يستخدم كل صنف منهم فيما يريد، أو أحزابًا يعادى بعضهم بعضًا، وللكلام بقية في التفسير.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾: هم بنو إسرائيل.
﴿وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: يبقى إناثهم دون قتل.
التفسير
١، ٢ - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾:
تقدم الكلام على أسماء الحروف التي بدئت بها بعض السور فارجع إلى مثله في أوائل سورتي البقرة وآل عمران وغيرهما، كما تقدم الكلام على ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ في سورتي يوسف والشعراء فارجع إليها إن شئت.
стр. 3497
والمعنى الإجمالي: طسم: هذه الآيات التي جاءت بسورة القصص آيات القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ الواضح الدلالة على الحق، المبين للحلال، والحرام وقصص الأنبياء، ونبوة محمَّد ﷺ وأحوال البعث والحشر والنشور والحساب والجزاء.
٣ - ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
نقص عليك - أيها الرسول - بعض أخبار موسى وفرعون وقوميهما قصصا متصفا بالحق لقوم يصدقون به حالًا واستقبالًا، لينتفعوا بما جاء فيها ويتعظوا بمواعظها.
ففي قصة موسى مع قومه يعلمون أن قرابة موسى مع قارون لم تنفعه مع كفره، وفي قصته مع فرعون يعرفون أن كبرياء فرعون وعلوه وبطشه لم تعصمه من نقمة الله القوى الجبار المتكبر.
٤ - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
فرعون: لقب قديم لكل ملك كان يحكم مصر من أهلها. علوه في الأرض: تجبره على أهلها: كما قاله ابن عباس، وقال قتادة: علا في نفسه عن عبادة ربه بكفره، وادعى الربوبية والمراد من الأرض: أرض مصر، والشِّيَعُ: جمع شيعة، وتطلق على كل قوم أمرهم واحد، يتبع بعضهم رأى بعض، وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، والمراد من جعل فرعون أهل مصر شيعا: أنه جعلهم أصنافا يتبعونه في تحقيق غاياته ومآربه من الشر والفساد. أو من مختلف الأغراض والغايات من بناء وحرث وحفر وغير ذلك، أو أنه فرق بينهم وجعل بعضهم عدوًّا لبعض حتى يشتغلوا بأنفسهم، ويتم له بذلك السيادة عليهم، وفقًا للقول المعروف عن الجبارين: فرق تسد.
والمراد بالطائفة المستضعفة: بنو إسرائيل، فهم الذين كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، والمراد من نسائهم: إناثهم - صغارًا كُنَّ أم كبارا - وسبب ذلك على ما قيل، أنه كان يعتمد في أمور المستقبل على رأى الكهنة والمنجمين، فقال له قائل منهم: إن هلاكه سيكون على يد ذكر من بني إسرائيل، أو أنه رأى رؤيا فعُبرَتْ له بذلك. قال الزجاج: العجب من حمقه: لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا موجب للقتل
стр. 3498
والمعنى الإجمالي للآية: إن فرعون علا بجبروته في أرض مصر وجعل أهلها فرقا، فأما من كان من أهل مصر، فقد استظهر بهم واستعان على ظلمه وجبروته، ولم يمس ذكورهم ولا إناثهم بسوء، وأما بنو إسرائيل فإنه كان يذبح صغار الذكور من مواليدهم خوفا منهم، ويستبقى إناثهم لخدمة أهل مصر، ولأنه كان لا يتوقع الشر من جهتهن، إنه كان من المفسدين الراسخين في الفساد، لاجترائه على قتل من لا جريرة له بناءً على رأى فاسد، فإن قتلهم لا يغير من قضاء الله إن جعل هلاكه على يد أحدهم، فإنه لا ينفعه حذره من قدره.
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
المفردات:
﴿نَمُنَّ﴾: ننعم. ﴿أَئِمَّةً﴾: مقدمين في أمر الدين.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: لبعض ما كان يملكه فرعون.
﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: ما كانوا يخافون.
التفسير
٥ - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾:
بين الله في الآية السابقة أن فرعون تجبر في الأرض، ولم يكن عادلًا في حكم مملكته، إذ أنه جعل بعض أهلها سادة وهم أهل مصر الأصليون، وجعل بعضا آخر من ساكنيها عبيدًا مسخرين هم بنو إسرائيل، وكان يذبح المواليد من أبنائهم الذكور خوفا على نفسه منهم، ويستبقى إناثهم أحياءً لخدمتهم وجاء بهاتين الآيتين لبيان الحكمة في إرسال موسى ﵇
стр. 3499
لفرعون وبنى إسرائيل، وقد ثبت تاريخيًا أنه لم يكن لبنى إسرائيل ميراث لأرض مصر الأصلية ولا حكم فيها، بل الذي ثبت هو خروجهم منها إلى أرض فلسطين، فلذلك يكون المراد من ميراثهم الأرض إسكانهم أرض فلسطين، وجعلهم أصحاب ملك فيها كأنها ميراث لهم، أو أنهما كانت متابعة لحكم فرعون فأورثهم الله إياها منه بتسليطهم عليها وقتئذ، وقد عاقبهم الله بنزع سلطانهم عليها حين أفسدوا في الأرض، كما أشارت إليه سورة الإسراء وكما ثبت عندهم في سفر الخروج.
ومعنى الآيتين: ونريد بإرسال موسي ﵇ أن ننعم علي بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون وقومه في أرض مصر، وأن ننقلهم من الشرك إلى عبادة الله - تعالى - ونجعلهم بذلك أئمة في الدين يقتدى بهم المشركون من حولهم، ونجعلهم مستقرين في أرض فلسطين استقرارا يشبه الميراث، وأن نمكن لهم في الأرض التي أسكناهم فيها ونسلطهم عليها فتكون تحت سلطانهم وحكمهم ما داموا عاملين بشرعنا، وأن نرى فرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخافونه من الهلاك على يد رجل من بني إسرائيل، حيث أغرقناهم في اليم أجمعين، وسيأتي تفصيل ذلك قرآنا وتفسيرا إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾
стр. 3500
المفردات:
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: وألهمنا. ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليم: البحر. والمقصود به هنا: النيل، وكل نهر عظيم يطلق عليه بحر لاستبحاره. ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ المراد بآله: من ينسبون إليه ولو بالخدمة. ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي: فتكون عاقبة أمره أن يكون لهم معاديًا، ومصدر حزن لهم. ﴿خَاطِئِينَ﴾: اسم فاعل من خطئ بمعنى تعمد الذنب، وللكلام بقية في التفسير. ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ أي: سكون وطمأنينة، يقال: قرت عينه، تقر - بفتح القاف وضمها - قرة وقُرَّة: إذا سكنت بعد حيرة، أو بردت وانقطع بكاؤها.
التفسير
٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾:
بين الله في الآية السابقة أنه - تعالى - يريد أن ينعم على بني إسرائيل بالحرية بعد استعبادهم ويمكن لهم في الأرض، ويهلك فرعون وهامان وجنودهما على أيديهم دون أن ينفعهم حذرهم، وجاءت هذه الآية وما بعدها تحكى قصة الإنعام على الأولين وإهلاك الآخرين.
واختلف العلماء في تفسير المراد من الوحى إلى أُم موسى، فقال قتادة: أنه بمعنى الإلهام، وقال جماعة: إنه كان خطابًا مناميًّا كسائر الرؤى الصادقة، وقال آخرون: إنه كان يملك، ولا يثبت لها بهذا نبوة؛ فإن النبوة لا تكون في النساء بالإجماع، وقد جاء تكليم الملائكة لغير الأنبياء في قصة الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل حيث أنزل إليهم ملكًا يسألهم أمنياتهم، فسألوه أن يكشف الله ما بهم ويحسن إليهم، فأجابهم الله إلى ما سألوه، فبخل الأولان، وكان الأخير سخيا فيما أعطاه الله فرضى الله عنه، وقد روى حديثهم البخاري ومسلم وغيرهما (١).
стр. 3501
وأخرج البخاري في صحيحه (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقد كان فيما كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر". وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن نبيًّا - نقله القرطبي.
ويقول مجاهد: كان الإيحاء بالرضاعة والإلقاء في اليم عند الخوف عليه - كان ذلك - قبل الولادة، وقال السدى: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه وتصنع به ما في الآية، وهذا وذاك من باب الاجتهاد.
ويروى أنها صنعت له تابوتا من نبات البردي، وقَيَّرَتْهُ بالقار، فلما خافت عليه ألقته في النيل، وكان فرعون قد استشار جلساءه فيما يصنعه ببنى إسرائيل، فأشاروا عليه بقتل مواليدهم من الذكور ففعل، روى عن ابن عباس أنه لما استحرَّ القتل فيهم قالوا: إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، فتحرمون من خدمتهم، وتقومون بما كانوا يقومون به، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، ودعوهم عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من ماتوا من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إياكم، وكانوا قد كثروا بمصر واستطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، فسلط الله القبط عليهم، فأجمعوا أمرهم على قتل ذراريِّهم الذكور عاما وتركهم عاما، فحملت أُم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فكان من أمره ما قصَّ الله - تعالى -.
وقد اشتملت هذه الآية على أعلى صور البلاغة، يروى أن امرأة أنشدت شعرًا فمدح الأصمعى فصاحتها وبلاغتها، فقالت: أبعد قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ وقد جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وتفصيل ذلك: أن ﴿أَوْحَيْنَا﴾ و ﴿خِفْتِ﴾ خبران، و ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ أمران، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان، و ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان، فما أعظم وأبلغ القرآن، إذ يجمع كل ذلك في هذه الآية القصيرة.
стр. 3502
والمعنى الإجمالي للآية: وأعلمنا أم موسى أن ترضعه وقتما تكون آمنة عليه، فإذا خافت عليه من الجواسيس أَلْقَتْه في تابوت في النيل، كما أعلمناها أنه موضع رعايتنا، فلا تخاف عليه ضَيْعَةً، ولا خطرا من عدم رضاعه، ولا تحزن على مفارقته إيَّاها إنا سنرده إليها عن قرب ونجعله من المرسلين حينما يبلغ سن الرسالة.
وهذا ما نراه في معنى الآية الكريمة حسب نصها، وللمفسرين كلام كثير حول قصة وضعه وإخفائه وخوفها عليه من جواسيس فرعون، وننقل فيما يلي ما قاله ابن كثير في ذلك فإنه احتاط فيه أكثر من غيره - وإن لم نجد له سندًا - ونراه تصويرًا للحال حسب الخيال أقرب من أن يكون حكايته للمقال.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفنى بنو إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك - إذا استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هرون في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى - عليه السملام - في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها، لا يقبلها (١) إلاَّ نساء القبط فإن ولدت جارية تركنها وذهبْن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا - قبحهم الله - فلما حملت أُم موسى ﵇ لم يظهر عليها مخايل العمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدًا، وأحبته حبًّا زائدا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلاَّ أحبه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، فلما ضاقت ذرعا به أُلهمت في سرِّها، ونُفِث في روعها كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ الآية. وذلك أن دارها كانت على حافة النيل، فاتخذت تابوتا
стр. 3503
ومهدت له فيه مهدا، وجعلت ترضع ولدها فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه جعلته في ذلك التابوت وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن ربطه، فذهب مع الماء حتى مرَّ به على دار فرعون (١)، فكان من أمره ما قص الله - تعالى - بقوله:
٨ - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾:
الفاء في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ أفصحت عن جمل مقدرة تعرف من السياق، أي: فنفذت ما أُمرت به من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه. والمراد من آل فرعون: أتباعه وجواريه، ومن التقاطه: أخذه، والتعبير عنه بالالتقاط للإيذان بأنهم أخذوه بإعزاز واهتمام كما يهتم باللقطة، قال ابن كثير في تصوير ذلك: فالتقطه الجوارى فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتحنه قبل أن تفتحه هي، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه وذلك لسعادتها وما أراده الله من كرامتها، وشقاوة زوجها (٢).
واللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ فإنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، لا ليكون لهم عدوًّا وحزنا، أي: فكانت عاقبة التقاطه أنه كان عدوا لهم ومصدر حزن، لا قرة عين ومصدر فرح وغبطة، حيث كان من أمره معهم ما قص الله.
ومن المفسرين من جعل اللام هنا للتعليل، على معنى أن الله قيَّضهم لالتقاطه، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم وخوفهم ولهذا قال عقبه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
ولفظ: ﴿خَاطِئِينَ﴾ إما من الخطيئة، وهي الإثم (٣)، وإما من الخطأ ضد الصواب (٤)، ويكون عن غير عمد.
стр. 3504
والمعنى الإجمالي للآية: ففعلت ما أوحاه الله إليها من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه، فجرى به الماء إلى قصر فرعون، فأخذه أتباعه بعناية وحرص وفرح كما تؤخذ اللقطة - أخذوه - لتكون عاقبته أن يصير لهم عدوا مخاصمًا في الحق، ومصدر حزن دائم لهم، حيث كان سببًا في غرقهم في اليم وحزن أهليهم عليهم، عقابا لهم على كفرهم بربهم وعصيانهم لرسولهم، إن فرعون وهامان وزيره وأعوانه كانوا آثمين باستعباد بني إسرائيل وظلمهم وقتلهم ذكرانهم، وكفرهم بآيات ربهم، كما كانوا مخطئين في تقديرهم نجاتهم بقتل ذكور بني إسرائيل فقد جحدوا أن الله شديد العقاب.
٩ - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ (١) لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (٢):
لم يأت في القرآن ولا السنة اسم امرأة فرعون، وجاء اسمها (آسية بنت مزاحم) عند عدد من المفسرين، ويبدو أنه اسم عربى، فهل هي من ذرية العماليق الذين حكموا مصر وكانوا عربًا، أم كانت من قبيلة من قبائل العرب؟ ويبدو لي أنه لا سند له؛ فلذا لا نجزم بصحة هذه التسمية وندعها لعلام الغيوب.
قال القرطبى: يروى أن آسية امراة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت صبيا صغيرا فرحمته وأحبته فقالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ أي: هو قرة عين لي ولك.
وقال ابن كثير: يعني أن فرعون لما رآه همّ بقتله؛ خوفا من أن يكون من بني إسرائيل، فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تحاج عنه وتحببه إلى فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال: أما لك فنعم، وأمّا لي فلا، فكان كذلك، وهداها به، وأهلكه الله على يديه اهـ.
وقد نقل ابن كثير عن النسائى أن رسول الله ﷺ قال: "والذي يحلف به لو أقرَّ فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها".
стр. 3505
والخطاب في ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ إما موجه منها إلى فرعون على طريقة التعظيم، حيث خوطب خطاب الجمع، كما قال الشاعر: فقلت ارحموني يا إله محمَّد.
وإما موجه إلى المأمورين بقتل الصبيان، كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفه على موسى، آنست منه بادرة أمن جديد، فالتفتت إلى خطاب المأمورين بقتل الصبيان فنهتهم عن قتله، معلِّلَة ذلك بقوله - تعالى - حكايته عنها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أما نفعه لهم فلما رأته فيه من مخايل النجابة، وأما اتخاذه ولدا فلما رأته فيه من مخايل الشرف اللائق بتبنى الملوك، ولم يكن لها منه ولد.
والمعنى الإجمالي للآية: وقالت امرأة فرعون حين بهرها حسن موسى - قال لفرعون أو لأعوانه -: لا تقتلوه وذروه حيًّا لعله ينفعنا نفعا جزيلًا نتوقعه منه، أو نتخذه ولدا ونتبناه حيث لا ولد لنا، وهم لا يدرون ما يُخبئه لهم القدر، من هلاك فرعون وجنوده وإنقاذ بني إسرائيل من عبوديتهم على يديه.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
المفردات:
﴿فَارِغًا﴾ أي: خاليًا من كل شيء إلاَّ من شأن موسى، أو خاليا من التعقل وحسن التصرف.
﴿إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي (١) بِه﴾: إنها كادت لتعلن أمره للناس.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ الربط على القلب: مجاز عن التثبيت بالصبر.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لتكون راسخة الإيمان بصدق وعدنا برده.