وأخرج البخاري في صحيحه (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لقد كان فيما كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر". وقد سلمت الملائكة على عمران بن حصين ولم يكن نبيًّا - نقله القرطبي.
ويقول مجاهد: كان الإيحاء بالرضاعة والإلقاء في اليم عند الخوف عليه - كان ذلك - قبل الولادة، وقال السدى: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه وتصنع به ما في الآية، وهذا وذاك من باب الاجتهاد.
ويروى أنها صنعت له تابوتا من نبات البردي، وقَيَّرَتْهُ بالقار، فلما خافت عليه ألقته في النيل، وكان فرعون قد استشار جلساءه فيما يصنعه ببنى إسرائيل، فأشاروا عليه بقتل مواليدهم من الذكور ففعل، روى عن ابن عباس أنه لما استحرَّ القتل فيهم قالوا: إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، فتحرمون من خدمتهم، وتقومون بما كانوا يقومون به، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، ودعوهم عاما فلا تقتلوا منهم أحدا، فيشب الصغار مكان من ماتوا من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون فتخافوا مكاثرتهم إياكم، وكانوا قد كثروا بمصر واستطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، فسلط الله القبط عليهم، فأجمعوا أمرهم على قتل ذراريِّهم الذكور عاما وتركهم عاما، فحملت أُم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فكان من أمره ما قصَّ الله - تعالى -.
وقد اشتملت هذه الآية على أعلى صور البلاغة، يروى أن امرأة أنشدت شعرًا فمدح الأصمعى فصاحتها وبلاغتها، فقالت: أبعد قوله - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ وقد جمعت بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وتفصيل ذلك: أن ﴿أَوْحَيْنَا﴾ و ﴿خِفْتِ﴾ خبران، و ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ و ﴿فَأَلْقِيهِ﴾ أمران، ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ نهيان، و ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان، فما أعظم وأبلغ القرآن، إذ يجمع كل ذلك في هذه الآية القصيرة.
стр. 3502
والمعنى الإجمالي للآية: وأعلمنا أم موسى أن ترضعه وقتما تكون آمنة عليه، فإذا خافت عليه من الجواسيس أَلْقَتْه في تابوت في النيل، كما أعلمناها أنه موضع رعايتنا، فلا تخاف عليه ضَيْعَةً، ولا خطرا من عدم رضاعه، ولا تحزن على مفارقته إيَّاها إنا سنرده إليها عن قرب ونجعله من المرسلين حينما يبلغ سن الرسالة.
وهذا ما نراه في معنى الآية الكريمة حسب نصها، وللمفسرين كلام كثير حول قصة وضعه وإخفائه وخوفها عليه من جواسيس فرعون، وننقل فيما يلي ما قاله ابن كثير في ذلك فإنه احتاط فيه أكثر من غيره - وإن لم نجد له سندًا - ونراه تصويرًا للحال حسب الخيال أقرب من أن يكون حكايته للمقال.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفنى بنو إسرائيل، فيلون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك - إذا استمر هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يقمن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هرون في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى - عليه السملام - في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يدرن على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها، لا يقبلها (١) إلاَّ نساء القبط فإن ولدت جارية تركنها وذهبْن، وإن ولدت غلاما دخل أولئك الذباحون بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا - قبحهم الله - فلما حملت أُم موسى ﵇ لم يظهر عليها مخايل العمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرا ضاقت به ذرعا، وخافت عليه خوفا شديدًا، وأحبته حبًّا زائدا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلاَّ أحبه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾، فلما ضاقت ذرعا به أُلهمت في سرِّها، ونُفِث في روعها كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ … ﴾ الآية. وذلك أن دارها كانت على حافة النيل، فاتخذت تابوتا
стр. 3503
ومهدت له فيه مهدا، وجعلت ترضع ولدها فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه جعلته في ذلك التابوت وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها من تخافه فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن ربطه، فذهب مع الماء حتى مرَّ به على دار فرعون (١)، فكان من أمره ما قص الله - تعالى - بقوله:
٨ - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾:
الفاء في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ أفصحت عن جمل مقدرة تعرف من السياق، أي: فنفذت ما أُمرت به من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه. والمراد من آل فرعون: أتباعه وجواريه، ومن التقاطه: أخذه، والتعبير عنه بالالتقاط للإيذان بأنهم أخذوه بإعزاز واهتمام كما يهتم باللقطة، قال ابن كثير في تصوير ذلك: فالتقطه الجوارى فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتحنه قبل أن تفتحه هي، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه وذلك لسعادتها وما أراده الله من كرامتها، وشقاوة زوجها (٢).
واللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ فإنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، لا ليكون لهم عدوًّا وحزنا، أي: فكانت عاقبة التقاطه أنه كان عدوا لهم ومصدر حزن، لا قرة عين ومصدر فرح وغبطة، حيث كان من أمره معهم ما قص الله.
ومن المفسرين من جعل اللام هنا للتعليل، على معنى أن الله قيَّضهم لالتقاطه، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم وخوفهم ولهذا قال عقبه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
ولفظ: ﴿خَاطِئِينَ﴾ إما من الخطيئة، وهي الإثم (٣)، وإما من الخطأ ضد الصواب (٤)، ويكون عن غير عمد.
стр. 3504
والمعنى الإجمالي للآية: ففعلت ما أوحاه الله إليها من إرضاعه ثم إلقائه في اليم عندما خافت عليه، فجرى به الماء إلى قصر فرعون، فأخذه أتباعه بعناية وحرص وفرح كما تؤخذ اللقطة - أخذوه - لتكون عاقبته أن يصير لهم عدوا مخاصمًا في الحق، ومصدر حزن دائم لهم، حيث كان سببًا في غرقهم في اليم وحزن أهليهم عليهم، عقابا لهم على كفرهم بربهم وعصيانهم لرسولهم، إن فرعون وهامان وزيره وأعوانه كانوا آثمين باستعباد بني إسرائيل وظلمهم وقتلهم ذكرانهم، وكفرهم بآيات ربهم، كما كانوا مخطئين في تقديرهم نجاتهم بقتل ذكور بني إسرائيل فقد جحدوا أن الله شديد العقاب.
٩ - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ (١) لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (٢):
لم يأت في القرآن ولا السنة اسم امرأة فرعون، وجاء اسمها (آسية بنت مزاحم) عند عدد من المفسرين، ويبدو أنه اسم عربى، فهل هي من ذرية العماليق الذين حكموا مصر وكانوا عربًا، أم كانت من قبيلة من قبائل العرب؟ ويبدو لي أنه لا سند له؛ فلذا لا نجزم بصحة هذه التسمية وندعها لعلام الغيوب.
قال القرطبى: يروى أن آسية امراة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر فأمرت بسوقه إليها وفتحه، فرأت صبيا صغيرا فرحمته وأحبته فقالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ أي: هو قرة عين لي ولك.
وقال ابن كثير: يعني أن فرعون لما رآه همّ بقتله؛ خوفا من أن يكون من بني إسرائيل، فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تحاج عنه وتحببه إلى فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال: أما لك فنعم، وأمّا لي فلا، فكان كذلك، وهداها به، وأهلكه الله على يديه اهـ.
وقد نقل ابن كثير عن النسائى أن رسول الله ﷺ قال: "والذي يحلف به لو أقرَّ فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها".
стр. 3505
والخطاب في ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ إما موجه منها إلى فرعون على طريقة التعظيم، حيث خوطب خطاب الجمع، كما قال الشاعر: فقلت ارحموني يا إله محمَّد.
وإما موجه إلى المأمورين بقتل الصبيان، كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفه على موسى، آنست منه بادرة أمن جديد، فالتفتت إلى خطاب المأمورين بقتل الصبيان فنهتهم عن قتله، معلِّلَة ذلك بقوله - تعالى - حكايته عنها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أما نفعه لهم فلما رأته فيه من مخايل النجابة، وأما اتخاذه ولدا فلما رأته فيه من مخايل الشرف اللائق بتبنى الملوك، ولم يكن لها منه ولد.
والمعنى الإجمالي للآية: وقالت امرأة فرعون حين بهرها حسن موسى - قال لفرعون أو لأعوانه -: لا تقتلوه وذروه حيًّا لعله ينفعنا نفعا جزيلًا نتوقعه منه، أو نتخذه ولدا ونتبناه حيث لا ولد لنا، وهم لا يدرون ما يُخبئه لهم القدر، من هلاك فرعون وجنوده وإنقاذ بني إسرائيل من عبوديتهم على يديه.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
المفردات:
﴿فَارِغًا﴾ أي: خاليًا من كل شيء إلاَّ من شأن موسى، أو خاليا من التعقل وحسن التصرف.
﴿إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي (١) بِه﴾: إنها كادت لتعلن أمره للناس.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ الربط على القلب: مجاز عن التثبيت بالصبر.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لتكون راسخة الإيمان بصدق وعدنا برده.
стр. 3506
﴿قُصِّيهِ﴾: تتبعي أثره وتعرّفى خبره.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾: أبصرته عن بعد.
التفسير
١٠ - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
اختلف العلماء في تفسير فراغ قلب أم موسى، فمنهم من فسره بخلوه من كل شيء إلاَّ من أمر موسى، وصح ذلك عن ابن عباس ﵄ كما روى ذلك التفسير عن ابن مسعود والحسن ومجاهد وعكرمة.
ومنهم من فسَّره بالخلو من الصبر، ومنهم من فسره بنسيانها وعد الله برده إليها من اليم، وقال أبو عبيدة: فارغا من الهم حيث عرفت أنه لم يغرق، وأن فرعون عطف عليه وتبناه - كما يقال: فلان فارغ البال، وقال أخرون: فارغا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه فرعون كما في قوله - تعالى -: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: لا عقول فيها.
فعلا رأى ابن عباس يكون معنى الآية: وصار قلب أم موسى فارغا من كل شيء إلا من أمر موسي حيث ألقته في البحر، ولا تدرى أين ذهب الماء به، إنها كادت لشدة وجدها وحزنها على فراقه، لتظهر أنها ذهب ولدها في البحر، وتخبر بحالها معه، لولا أن ثبتها الله وصبرها لتكون من الملتزمين بتصديق الله في وعده، وعلى رأى أبي عبيدة: وصار فؤاد أم موسى فارغا من الهم حيث عرفت أنه لم يغرق. وأن فرعون وامرأته تبنياه. إنها أوشكت أن تبوح بأمره وتكشف سره إلى آخر المعنى السابق.
١١ - ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
كان لموسى ﵇ أخت كبرى تحسن تنفيذ ما تكلف به، وكان اسمها مريم - كما قيل - فلما ألقته أمه في البحر قالت لأخته هذه: تتبعي أثره واعرفي خبره لتعرف مصيره، فأبصرته عن بعد وأهل فرعون لا يشعرون أنها أُخته، وأنها تتعرف حاله ومصيره.
стр. 3507
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾
المفردات:
﴿حَرَّمْنَا﴾: منعنا، فالتحريم مجاز عن المنع؛ لأن من حُرِّم عليه شيء فقد منعه.
﴿الْمَرَاضِعَ﴾: جمع مرضع؛ وهي المرأة لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة.
﴿يَكْفُلُونَهُ﴾: يتولونه ويقومون على تربيته ورضاعته.
﴿أَشُدَّهُ﴾: قوته، وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة كما ذكره صاحب القاموس، وقال البيضاوى: هو من ثلاثين إلى أربعين سنة، وهو واحد جاء على بناء الجمع، كآنُك (١)، ولا نظير لهما، أو جمع لا واحد له.
﴿وَاسْتَوَى﴾: واعتدل وتمَّ وبلغ المبلغ الذي لا يُزَاد عليه، واستوى الرجل: بلغ أشده أو أربعين سنة.
﴿حُكْمًا﴾ أي: حكمة.
﴿وَعِلْمًا﴾: ومعرفة وفهما، وعلمه - بكسر اللام - علمًا: عرفه.
التفسير
١٢ - ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾:
стр. 3508
لما أصبح موسى بدار فرعون وأحبته زوجته وطلبت منه الإبقاء على حياته قائلة: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ عرضوا عليه المراضع التي كانت لديهم، فلم يقبل منهن ثديا، فذلك قوله - تعالى -: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ .. ﴾ إلخ.
والمعنى: منع الله موسى أن يرضع ثدى امرأة قط - قال ابن عباس: لا يؤتى له بمرضع فيقبلها، وهذا تحريم منع لا تحريم شرع، قال امرؤ القيس:
جالت لتصرعنى فقلت لها اقصرى … إني امرؤ صَرْعِي عليك حرام
أي: ممتنع.
وقد منعه الله - سبحانه - أن يرتضع ثدى امرأة غريبة، حتى يحدث ما أراده - سبحانه - من قبل حضور أخته التي كانت تتبعه.
قال ابن كثير: وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير أمه، ولأن الله جعل ذلك سببا لرجوعه إليها.
فاغتم آل فرعون لامتناعه عن الرضاعة وأهمَّهم ذلك وخافوا عليه التلف والهلاك.
وتلمّسوا له المراضع؛ فلما رأتهم أُخته حائرين فيمن يرضعه قالت: ألا أرشدكم إلى أسرة كريمة تكفله وتتعهده بالرضاع والتربية وتقوم برعايته، ولا تقصر في خدمته، وهم له حافظون ومخلصون في رعايتهم له، فلما قالت لهم ذلك طلبوا هذه المرضع، فلما حضرت دخلوا بها عليه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستدعت زوجة الملك أم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاء جزيلا - وهي لا تعرف إنها أمه الحقيقية - وحين طلبت أم موسى أن تأخذ معها موسى لترضعه في بيتها أجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والإحسان الجزيل، وهكذا رجعت أم موسى بولدها إلى بيتها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها آمنا في عز وجاه ورزق واسع، ولهذا جاء في الحديث: "مثل الذي يعمل ويحتسب في صُنعه الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها".
стр. 3509
ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي جعل لمن اتقاه عند كل هم فرجا، ومع كل ضيق مخرجا، ولله در القائل:
وإذا العناية لاحظتك عيونها … نم فالمخاوف كلهن أمان
١٣ - ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
أرجع الله موسى إلى أُمه كي تطيب نفسها وتسرّ بعودته إليها، ولا تحزن بفراقه، ولتزداد علما بأن جميع ما وعد الله حق لا خُلف فيه من رده إليها وجعله من المرسلين، بمشاهدة بعضه، وقياس بعضه عليه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون، ويشبه أن تكون جملة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تعريضا بما فرط من أمه حين سمعت بخبر موسى ووقوعه في يد عدو الله فرعون، فنسيت وعد الله فجزعت وأصبح فؤادها فارغا بعد أن أضحى وليدها الرضيع كالحمل الوديع في عرين الأسد.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: حكتم الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس وعاقبته محمودة، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
وقال القرطبي: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون، أي: كانوا في غفلة عن التقدير وسر القضاء.
١٤ - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾:
لما ذكر الله - تعالى - مبدأ أمر موسى ﵇ ذكر أنه لما بلغ أشده وكمل وتم نضجه أعطاه الله الحكمة والعلم والمعرفة والحلم، ومثل ذلك الجزاء الذي جزينا به موسى وأمه نكافيء المحسنين على إحسانهم.
واختلف في زمان بلوغ الأشُّد والاستواء، أخرج ابن أبي الدنيا من طريق الكلبي عن ابن عباس أنه قال: الأشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين، والاستواء ما بين الثلاثين
стр. 3510
إلى الأربعين، وأخرج ابن حميد عن مجاهد أنه قال: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء أربعون سنة، وهي رواية عن ابن عباس.
ونقل عن الزجاج: أن الأشد ما بين الثلاثين إلى الأربعين، واختاره بعضهم لموافقته لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ لأنه يشعر بأنه منتهٍ إلى الأربعين، والحق أن بلوغ الأشد في الأصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت تمام النمو وغايته، والاستواء: تمام العقل وكماله ونضجه، وذلك يختلف باختلاف الأقاليم والأعصار والأحوال ولذا وقع له تفاسير كثيرة في كتب اللغة والتفسير.
كما اختلف في المراد من الحكم والعلم، قال الزمخشرى: العلم: التوراة، والحكم: السنة، وحكمة الأنبياء ﵈: سنتهم، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية: ٣٤.
وقيل: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء وأخلاقهم وسَمْتَهم قبل البعثة، لأن استنباءه ﵇ كان بعد وكْزِ القبطى، والهجرة إلى مدين ورجوعه منها.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾: فضربه بِجُمْع كفه (١)، وقد يطلق الوكز على معنى الطعن والدفع. ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قال الآلوسى: أنهى حياته، أي: جعلها منتهية مُتقضِّية.
﴿ظَهِيرًا﴾: مُعِينًا ومساعدا. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾: ينتظر ويترصد المكروه.
﴿اسْتَنْصَرَهُ﴾: طلب نصره ومعاونته. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾: يستغيث به.
﴿يَبْطِشَ﴾: يأخذه بالعنف والشدة والبأس. ﴿جَبَّارًا﴾ الجبار: اسم من أسمائه تعالى، والجبار: العظيم القوى، وكل عات، ومن يقاتل في غير حق.
التفسير
١٥ - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾:
ذكر قصة قتل موسى ذلك القبطى الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، ثم ما قدر له بعد ذلك من الإكرام والنبوة والتكليم فقال:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا … ﴾ إلخ.
قال ابن عباس: دخل موسى مدينة - منف - من أرض مصر في وقت لا يعتاد دخولها أو لا يتوقعونه فيه، وكان - كما روى عن الحَبْر - وقت القائلة، وفي رواية عنه: بين العشاء والعتمة.
وإزاءَ هذا الخلاف في الرواية عن ابن عباس، نرى أن التعيين لا مبرر له، فيكفى أنه وقت غفلة، والله يعلم أكان ليلًا أم نهارا؟
وقال ابن إسحاق: هي مصر، وكأن موسى - عليه ابسلام - قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وغاب ثم دخلها متنكرا، فوجد فيها رجلين يتنازعان ويتحاربان أحدهما ممن شايعة وتابعه، وهم بنو إسرائيل، والآخر من مخالفيه وهم القبط،
стр. 3513
فاستعان الإسرائيليُّ بموسى وطلب منه نصره ومساعدته على خصمه القبطى، واستجاب له موسى وأعانه وضرب القبطى فقتله من غير قصد، ثم أسف موسى وقال: إن إقدامي على هذا من تزيين الشيطان وإغوائه، إن الشيطان للإنسان لعدو ظاهر العداوة واضح الضلال والإضلال.
واختلف في سبب تقاتل هذين الرلجبن، فقيل: كان أمرا دينيا، وقيل: كان أمرًا دنيويا، روى أن القبطى كلف الإسرائيلى حمل الحطب إلى مطبخ فرعون فأبى، فاقتتلا لذلك، وكان القبطى - كما روى عن سعيد بن جبير - خبازا لفرعون، والله أعلم بصحة ذلك.
١٦ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
قال موسى - متضرعا داعيا ربه -: يا رب إني أسأت إلى نفسي، بما فعلت من ضرب ترتب عليه القتل، وكان فيه ذهاب النفس، فاغفر لي ذنبي، وهكذا ندم على عمله فحمله ندمه على الرجوع لربه والاستغفار من ذنبه فغفر الله له.
ولا يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر قبل الرسالة وبعدها، لأن الوكز من الصغائر، وما وقع من القتل كان خطأ كما قاله كعب وغيره - بل قيل: لا يشكل أيضًا على القول بعصمتهم عن الصغائر والكبائر مطلقا لجواز أن يكون ﵇ قد رأى أن في الوكز دفع ظالم عن مظلوم وتخليص ضعيف من قوي، ومنْعَ معتد من اعتدائه، ففعله غير قاصد به القتل، وكأنه ﵇ بعد أن وقع منه ما وقع تأمل، فظهر له إمكان الدفع بغير الوكز، وأنه لم يتثبت في أمره لما اعتراه من الغضب، فعلم أنه فعل خلاف الأولى بالنسبة إلى أمثاله، فقال ما قال من أنه من عمل الشيطان على عادة المقربين في استعظام خلاف الأوْلى:
١٧ - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾:
قال موسى - خاضعا سائلا ربه متوجها إليه -: يا رب بحق إنعامك عليّ بالمعرفة والحكمة والتوحيد، وحفظي من شر فرعون وقومه وفقني للخير والصواب، فإن وفقتنى إلى ذلك
стр. 3514
فلن أكون عونا ومساعدا للكافرين والمخالفين لأوامرك، وعن ابن عباس: لم يستثن، فابتلى به مرة أخرى، يعني: لم يقل: فلن أكون إن شاء الله.
وقيل معناه: بسبب ما أنعمت علي من قوة الجسم ومتانة التركيب وغير ذلك من النعم أشكرك، فلن أستعمل نعمك في مظاهرة من تؤدي معاونته إلى الوقوع في جرم وإثم.
النهي عن معاونة الظلمة:
احتج أهل العلم بهذه الآية على منع معاونة الظلمة وخدمتهم، أخرج عبد الله بن الوليد الرصافى: قلت لعطاء بن رباح: إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج، وله عيال، ولو ترك ذلك لاحتاج واستدان، فقال: مَن الرأس؟ قال: خالد بن عبد الله القسرى. قال: أما تقرأ ما قاله العبد الصالح: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فلا يعينهم أخوك، فإن الله يعينه. ذكره القرطبي والآلوسى والزمخشرى.
قال عطاء: فلا يحل لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وإن فعل شيئًا من ذلك كان معينا للظالمين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ فإذا كان الركون إلى الظلمة أو العمل معهم موجبا لغضب الله وسخطه، معرِّضا لعقابه وناره، فماذا يكون حال من انغمسوا منهم في شرورهم وآثامهم، وشاركوهم في ظلمهم وأعانوهم على القتل والتشريد للأحرار الصالحين؟ بل من كانوا أداة تعذيب وقهر وظلم للأبرياء؟ لا شك أن عقابهم أشد وعذابهم أعظم.
١٨ - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾:
فأصبح موسى في مصر بعد قتله القبطى فزعا يتوقع أن يصيبه الأذى من القوم بسبب قتله المصري، وقيل: خائفا وقوع المكروه من فرعون، يترقب نصرة الله عليه، فإذا صاحبه الإسرائيلى الذي نصره بالأمس وساعده وقتل القبطى بسببه يستغيث به مرة ثانية على
стр. 3515
مصرى آخر، فنهره موسى وزجره قائلًا له: إنك لظاهر الغواية كثير الشر؛ لأنك تسببت في قتل رجل، وتقاتل آخر، ودعوتنى مرة ثانية لنصرتك ومساعدتك.
١٩ - ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾:
أي: فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطى الذي هو عدوٌّ لهما توهم الإسرائيلى المستصرخ لضعفه وذلته أن موسى يريد البطش به، فقال له - يريد أن يدفع عن نفسه -: ﴿أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ الآية - ولم يكن أحد يعلم بقتل موسى للقبطى أمس سوى هذا الإسرائيلى؛ لأن ذلك كان والناس في غفلة، فلما سمع القبطى ذلك تلقفه من فمه، ثم ذهب به إلى بيت فرعون، فألقاها عنده، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى .. هكذا قال ابن كثير، وكون الخطاب من الإسرائيلى لموسى هو رأى ابن عباس، وهو الذي قال به ابن كثير كما تقدم.
وقال الحسن: قاله القبطى الذي هو عدو لهما، كأنه عرف من قول موسى للإسرائيلى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أنه الذي قتل القبطى بالأمس من أجله، ولما انتشر الحديث ووصل - بأية صورة - إلى فرعون ومَلَئِه هموا بقتل موسى ﵇ فخرج مؤمن من آل فرعون - قيل: هو ابن عم فرعون - ليخبره بذلك وينصحه، كما قال :
стр. 3516
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾
المفردات:
﴿الْمَلَأَ﴾ كجبل: الأشراف، والقوم ذوو الشارة والتجمع.
﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾: يتشاورون بسببك، وسمى التشاور ائتمارا لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر بأمره، والائتمار والمؤامرة: المشاورة والهم بالشر.
﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: الطريق السوى.
التفسير
٢٠ - ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾:
المعنى: وجاء رجل مؤمن من آل فرعون من أقصى المدينة يسرع في مشيه لمزيد اهتمامه بإخبار موسى ونصحه قال: يا موسى إن وجوه قوم فرعون والأشراف منهم يتشاورون في أمرك ويشير بعضهم على بعض بقتلك قصاصًا للقبطى الذي قتلته بالأمس، فاخرج من مصر قبل أن يظفروا بك، إني لك من الناصحين المخلصين، ولا أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون وكبار دولته في أمره كان ما قص الله بقوله:
стр. 3517
٢١ - ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
فخرج موسى ﵇ من مصر ممتثلًا نصح ذلك المؤمن خائفا يتوقع أن يتعرض له أعداؤد بالأذى في الطريق، يتلفت خشية أن يُدْرَك، يقول ضارعًا إلى الله ربه أن يحفظه وينجيه من اعتداء المعتدين، من فرعون وقومه.
٢٢ - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾:
ولما خرج موسى ﵇ فارًّا بنفسه منفردا خائفا، وصرف وجهه ناحية مدين - قرية شعيب - ورأى حاله من خلوه من زاد وغيره، وعدم معرفته بالطريق فوض أمره إلى الله - تعالى - راجيا أن يهديه الطريق الأقوم السوى - طريق الخير والنجاة - قال ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلاَّ حسن ظنه بربه، وقال ابن كثير: حقق الله له ما طلبه، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة فجعله هاديا مهديا.
ويمنعن. ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾: ما شأنكما؟ وفي القاموس: الخطب: الشأن والأمر صغر أو عظم، والجمع: خُطوب. ﴿يُصْدِرَ﴾: قرأ ابن عامر وأبو عمرو: ﴿يَصْدِرَ﴾ - بفتح الياء - من صدر، ضد ورد، أي: يرجع الرعاة بأغنامهم، وقرأ الباقون: ﴿يُصْدِرَ﴾ من أصدر بمعنى أرجع، أي: حتى يُرْجعوا مواشيهم. ﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع الراعى، وهو كل من ولى أمر الحيوان وغيره ولاحظه محسنًا إليه، وقام على حفظه ومراقبته. ﴿تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ قال أبو البقاء: تأجرني من أجرته إذا كنت له أجيرًا، كقولك: أبَوْتُهُ إذا كنت له أبا، أو من تأجرني بمعنى تثيبنى، ومنه تعزية الرسول ﷺ : "أجَرَكُم الله ورحمكم"، وفي القاموس: أجره، يأجِرُه، ويأجُرُه. جزاه كآجره، والأجر: الجزاء على العمل.
﴿حِجَجٍ﴾: جمع حِجَّة - بالكسر - وهي السنة. ﴿أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾: أوقعك في الشقة والصعاب. ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا يعتدي عليَّ في طلب الزيادة.
التفسير
٢٣ - ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾:
ولما بلغ موسى ماء مدين ووصل إلى بئرها وأشرف عليه وجد فوق شفيرها وعلى جوانبها جماعة كثيرة من الناس مختلفي الأصناف يسقون مواشى مختلفة، منهم من كان يسقى إبلا ومنهم من كان يسقى غنمًا وهكذا، ووجد في مكان أسفل من مكانهم أو مما يلي جهته إذا قدم عليهم امرأتين تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء كما قال ابن عباس، أو: لئلا تختلط بغيرها كما قاله الزجاج، فلما رآهما موسى ﵇ رق قلبه لهما وعطف عليهما وقال: ما شأنكما وما خبركما؟ لماذا لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: عادتنا ألاَّ نسقى حتى يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء بعد ريِّها؛ لأننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مدافعة الرجال ومزاحمتهم، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضى الناس أوطارهم من الماء، يقصدان إبداء العذر عن توليهما السقى بأنفسهما.
وفي سؤاله ﵇ إياهما دليل على جواز مكالمة الأجنبية مع التصون والعفاف.
стр. 3520
قال الزمخشرى: فإن قيل: كيف ساغ لنبى الله أن يرضى لبنتيه بسقى الغنم؟
فالجواب: أن الأمر في نفسه ليس بمحذور فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينةٌ فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحَضر، خصوصا إذا كانت الحال حال ضرورة.
قال ابن كثير ج ٣ ص ٣٨٤: وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو على أقوال: أحدها: أنها شعيب ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أُبَيّ، حدثنا عبد العزيز الأزدى، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص.
وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب، وكان شعيب قبل زمن موسى بمدة طويلة، لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ولقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم، وكان بين الخليل وموسى مدة طويلة، وما قيل: إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو- والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال، ومما يقوى كونه ليس بشعيب النبي أنه لو كان إياه لكان جديرا أن ينص على اسمه في القرآن ها هنا، وما جاء من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، ثم الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه شيرون - والله أعلم -.
ويقول الآلوسى - بعد أن ساق مثل ما تقدم -: والأخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب مختلفة ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيها.
٢٤ - ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾:
اهتز وجدان موسى، وتحركت عوامل الرحمة في قلبه، فتطوع لمساعدتهما وسقى غنمهما لأجلهما، ثم ركن إلى مكان ظليل ليستريح من الجهد الذي بذله، وهو يقول في تضرع وتذلل لربه: يا رب إني فقيرٌ إلى ما تسوقه إليّ من خير، محتاج إلى شيء تنزله من خزائن كرمك، ويبدو من عبارته شدة الحاجة إلى نجدة من رحمة الله بعد ما قاسى من سفر طويل وحرمان شديد، فعرَّض بالدعاء ولم يصرح بالسؤال.
стр. 3521
قال الزمخشرى: وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف، وإغاثة للملهوف؛ لأنه بعد أن وصل إلى ماء مدين وقد ازدحمت عليه أمة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيماتهما مترقبتين لفراغهم فما أبطأت همته في انتهاز تلك الفرصة احتسابا على ما كان به من النصَب والجوع، فرحمهما وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في تلك الزحمة بقوة قلبه وشدة ساعده وما آتاه الله من الفضل في متانة الخلقة، وفيه انتهاز فرصة الاحتساب وترغيب في الخير، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين، والأخذ بسيرهم ومذاهبهم.
ولما رجعت الفتاتان بالغنم إلى أبيهما أنكر حالهما بسبب مجيئهما مسرعين، فسألهما عن خبرهما، فقصَّتا عليه ما فعل موسى ﵇ فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها.
٢٥ - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
فجاءت إحدى الفتاتين مُوفدة من قبل أبيها تسير نحو موسى سير الحرائر، في حياء وخَفَر، قالت: إن أبي يدعوك ليثيبك ويكافئك على سقيك غنمنا، فلما ذهب موسى إلى والد الفتاتين وحدثه حديث، وقصَّ عليه قصصه، وما جرى له، وسبب خروجه من مصر، وتتبع القوم له واقتفائهم أثره، وشدة حرصهم على ملاقاته والفتك به، قال له: طِبْ نفسًا وقَرَّ عينًا؛ فقد خرجت من مملكتهم، ولا سلطان لهم في بلادنا وسلمت من القوم المعتدين: يريد فرعون وقومه.
وفي قول الفتاة السابق ما فيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة، وقد لبى موسى دعوة شعيب لا على سبيل أخذ الأجر على معروف بذله لبنتيه، ولكن على سبيل التقبل لمعروف قُدِّم له، وقد قص على شعيب قصصه وعرَّفه أنه من بيت النبوة، ومثله حقيق بأن يُضَيّف ويُكَرَّم، على أنه ليس بمنكر أن يقبل الأجر على خير فعله لاضطرار الفقر والفاقة.
стр. 3522
رُوِي أنها لما قالت له: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع مع شدة حاجته إليه وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع (١) الأرض ذهبا ولا نأخذ على المعروف ثمنا؛ فقال شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا (٢).
هذا وإن كل من فعل معروفًا فأهدى بشيء لم يحرم أخذه.
٢٦ - ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾:
قالت إحدى ابنتي هذا الرجل (ولعلها هي التي استدعت موسى إلى أبيها والتي زوجها من موسى ﵇: يا أبت اتخذه أجيرًا لرعى الغنم والقيام على شئونها وحفظها، ورعايتها، إنه خير من تستأجره للقيام بهذه المهمة، وأداء هذا العمل لقوته وأمانته، وكلامها هذا كلام حكيم جامع لا يزاد عليه؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان - أعني القوة والأمانة - في القائم بالعمل فقد فرغ بال صاحبه وتم مراده، وقد ساقته مساق المثل حيث قالت: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ بدلًا من أن تقول استأجره لقوته وأمانته.
وعن ابن عباس: أن شعيبا أحفظته الغيرة: أغضبته، فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت له حمله حجر البئر ونزعه الدلو، وأنه صوَّب رأسه (٣) حين بلغته رسالته، وأمرها بالمشى خلفه. اهـ: بتصرف.
وروى ابن كثير والزمخشرى عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب حين قالت ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وصاحب يوسف في قوله: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، وأبو بكر في عمر، أي: في اختياره عمر وترشيحه ليكون خليفة بعده.
وقدمت وصفه بالقوة مع أن أمانة الأجير لحفظ المال أهم في نظر المستأجر، لتقدُّم علمها بقوته على علمها بأمانته، أو ليكون وصفه بالأمانة بعده من باب الترقى من المهم إلى الأهم،
стр. 3523
واستُدِلّ بقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ على مشروعية الإجارة عندهم، وكذلك كانت في كل ملة وهي من ضروريات الحياة وفيها قضاءٌ لمصالح الناس.
٢٧ - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
استئناف بياني وقع جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل: فما قال أبوها بعد أن سمع كلامها؟
أي: قال شعيب ﵇ لموسى: إني أُريد أن أزوجك واحدة من ابنتي هاتين على أن يكون مهرها أن تعمل عندي أجيرا لرعي الغنم ثماني سنوات فإن أتممت عشرا في الخدمة والعمل فالإتمام من عندك لا ألزمك به، ولكن إذا فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وما أريد أن أصعب الأمر عليك وأوقعك في مشقة بإلزام أطول الأجلين، ستجدني إن شاء الله من الصالحين المحسنين للمعاملة الموفين بالعهد.
وعلى النحو المتقدم وعد شعيب موسى المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه ولا يفعل نحوه ما يفعله المعاسرون مع من يعمل لهم من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمضايقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالا خارجة عن حد الشرط، وهكذا كان الأنبياء - عليه م السلام - آخذين بالأسمح في معاملات الناس، وفي الآية الكريمة السابقة جواز عَرْضِ الولى ابنته على الرجل الصالح، وهذه سنة حسنة، عرض صالح بني مدين كل صالح بني إسرائيل بنته، وعرض عمر بن الخطاب بنته حفصة على أبي بكر وعثمان، فلا بأس بعرض الرجل وليّته، والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بالسلف الصالح.
كما تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير استئمار، وبه قال الشافعي ومالك. واحتجا بهذه الآية، وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها إلاَّ برضاها، أما الصغيرة البكر فيزوجها وليها بغير رضاها بلا خلاف، واستدل الشافعي بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح، وخالفه غيره.
стр. 3524
قال القرطبى في المسألة العاشرة: قوله تعالى: ﴿إحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ يدل على أنه عرض لا عقد لأنه لو كان عقدا لعيَّنَ المعقود عليها له، لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز الإبهام في النكاح، فلابد من تعيين المعقود عليها.
ثم قال في المسألة الحادية عشرة: أما تعيين الفتاة فقد حدث عند العقد.
ثم قال: وأما ذكر أول المدة في الإجارة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه، فإما عيناه وإلا فهو من أول العقد.
وقد دلت الآية الكريمة على أنه قد أصدقها منفعة هي الإجارة، وهو أمر قد قرره شرعنا، وجرى في حديث الرجل الذي لم يكن عنده إلاَّ شيء من القرآن، وقد قال الرسول ﷺ للرجل سائلا: "ما تحفظ من القرآن؟ " فقال: سورة البقرة والتي تليها. قال: "فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك" اهـ: ملخصا من القرطبي.
وتسمية المهر أجرا اصطلاح قرآني وقد قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فإن قيل: إن إجارته كانت منفعة لأبيهما كما هو ظاهر النص، فالجواب: أن الغنم إما أن تكون لها فمنفعة إجارته عائدة عليها، وإن كانت الغنم لأبيها فربما كان ذلك شرع من قبلنا يجعل المهر من حق الأب.
٢٨ - ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾:
قال موسى لصهره: ذلك الذي قُلْتَه وعاهدتني فيه، وشارطتنى عليه قائم بيننا، لا يخرج كلانا عنه، لا أنا عما شرطت على، ولا أنت عما شرطت على نفسك أي أجل من الأجلين - أطولهما الذي هو العَشْرُ أو أقصرهما الذي هو الثماني - وفيتك بأداء الخدمة فيه فلا يعتدى عليّ بطلب الزيادة عليه.
قال الزمخشرى: أراد بذلك تقرير أمر الخيار وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على السواء، إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء، وأما التتمة فموكولة إلى رأيي
стр. 3525
إن شئت أتيتُ بها وإلا لم أُجبر عليها، وقيل معناه: فلا أكون معتديا، وهو نفي للعدوان عن نفسه، كقولك: لا إثم عليّ ولا تبعة عليّ، والله على ما نقول من الشروط الجارية بيننا وكيل وشاهد وحفيظ، والمراد: توثيق العقد وأنه لا سبيل لأحد منهما إلى الخروج عنه أصلًا، وبما سبق في الآيتين استدل العلماء على أن اليسار لا يعتبر في الكفاءة، فإن موسى لم يكن حينئذ موسرا، وأن في قوله تعالى-: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ اكتفاءً بشهادة الله إذ لم يشهد أحدا من الخلق، فيدل ذلك على عدم اشتراط الإشهاد في النكاح عندهم، وقد اختُلف في ذلك على قولين: أحدهما: أنه لا ينعقد إلاَّ بشاهدين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعى، الثاني: أنه ينعقد دون شهود، وبه قال مالك؛ لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح، وفرق ما بين النكاح والسفاح الدُّف (١).
قال ابن كثير ج ٣ ص ٣٨٥: وقد دل الدليل على أن موسى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سلمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: سألنى يهودى من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدرى حتى أُقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس ﵁ فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما؛ أن رسول الله ﷺ إذا قال فعل، والله - تعالى - أعلم.
стр. 3526
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
المفردات:
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: أتم المدة المضروبة بينه وبين شعيب.
﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾: أبصر من الجهة التي تلى الطور، وأصل الإيناس: إبصار ما يؤنس.
﴿بخَبَر): بنبإ يعلم منه الطريق، وكانوا قد أخطأوا الطريق وضلوا عنه.
﴿جذوة﴾ - مثلثة الجيم -: عود غليظ مشتعل. ﴿تَصْطَلُونَ﴾: تستدفئون.
التفسير
٢٩ - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ … ﴾ الآية،
هذه الآية تتضمن كلاما قبلها يقتضيه سياق القصة، وتتابع أحداثها، فإن قوله - تعالى - على لسان شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ … ﴾ الآية (١) لم يزد على أنه مجرد عرض، وإبداء رغبة لم يبرم فيه عقد، ولم تتكامل معه أركان الزراج، ومن عادة القرآن أن يستغنى عن ذكر ما يستدعيه المقام ويفهم من التتابع، فإن الإيجاز من مقاصد البلاغة، وتمام النسج على هذا أن يقال: فلما توافقا، وتم عقد النكاح أخذ في إمضاء ما التزمه ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: فلما أتم موسى المدة التي تركها شعيب لخيار موسى ﵇ والمراد به: الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم، عن الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵄ وأخرج البخاري، وجماعة عن ابن عباس: أنه سئل: أي الأجلين قضى موسى - عليه إلسلام -؟ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل.
стр. 3527
وقوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي: مضى إلى مصر بأهله: وما كان معه من الزاد بإذن من شعيب ﵇ قالوا: كان موسى ﵇ قد اشتاق إلى بلاده وأهله فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، قال ابن عطاء: لما أتم موسى أجل المحنة، ودنت أيام الزلفة، وظهرت أنوار النبوة سار بأهله ليشتركوا معه في لطائف صنع ربه.
ومعنى ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾: أبصر من الجهة التي تلي الطور، لا من بعضه كما هو المتبادر، واصل الإيناس - على ما قيل -: الإحساس من الأُنس فيكون أعم من الإبصار.
وقال الزمخشرى: هو الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، واستظهر بعضهم أن المبصر كان نورًا حقيقة إلاَّ أنه عبر عنه بالنار اعتبارًا لاعتقاد موسى، ولأن النار هي طلبته.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ معناه: قال موسى لأهله حين آنس النار: أقيموا مكانكم، واثبتُوا، وفي البحر: أنه خرج بأهله وماله في فصل الشتاء، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل لا يدرى أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية لا يعرف طريقها، فألجأه السير إلى جانب الطور الغربي في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، فأضل الطريق يوما حتى أدركه الليل، فأخذ امرأته الطلق، فقدح زنده فأصلد (١)، فنظر فإذا نار تلوح من بعد، فقال لأهله: امكثوا وأقيموا مكانكم إني أبصرت نارا سأقصدها ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: رجاء أن أجد عندها من يرشدني إلى الطريق فآتيكم بخبر عنه، أو آتيكم بعود غليظ ملتهب بالنار تلتمسون به الدفء من شدة ما تعانون من البرد.
стр. 3528
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾
المفردات:
﴿شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾: الجانب الأيمن بالنسبة لموسى، وقيل: الأيمن من اليُمْن.
﴿الْبُقْعَةِ﴾ - بضم الباء -: القطعة من الأرض على غير هيئة التي بجانبها، وتفتح باؤها أيضًا كما في القاموس. ﴿جَانٌّ﴾: حية كحلاء العين بيضاء وتكثر في الدور ولا تؤذى.
﴿مُدْبِرًا﴾: منهزما خلفه من الخوف. ﴿يُعَقِّبْ﴾: يرجع. ﴿اسْلُكْ﴾: ادخل.
﴿جَيْبِكَ﴾ الجيب: فتحة القميص من حيث يدخل الرأس. ﴿جَنَاحَكَ﴾ الجناح:
العضد والذراع؛ لأنه الذراع للإنسان كالجناح للطائر. ﴿سُوءٍ﴾: عيب ومرض.
﴿الرَّهْبِ﴾ - بفتح الراء والهاء -: الخوف، - وفيه إسكان الهاء مع فتح الراء وضمها - وبه قرئ.
﴿بُرْهَانَانِ﴾: حجتان واضحتان، تثنية برهان، وهو الحجة النيرة القاطعة يقال: أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان.
التفسير
٣٠ - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ … ﴾ الآية.
أي: فلما أتى النار التي آنسها موسى ﵇ جاءه النداء من الجانب الأيمن
стр. 3529
بالنسبة إلى موسى في مسيره، فالمقصود بالجانب الأيمن: الجهة اليمنى، وجوزوا أن يكون الأيمن بمعنى المتصف باليُمن والبركة، وعلى هذا يجوز أن يكون وصفا للشاطئ أو الوادى، وقوله: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ معناه: نودى من شاطئ الوادى الأيمن في هذه القطعة التي باركها الله بما خصها به من آياته وأنواره المشتملة على الشجرة النابتة فيها.
وقوله: ﴿أَنْ يَا مُوسَى﴾ تفسير للنداء، أو بيان لشأنه وحقيقته حسما لكل شك وقطعًا لكل تأويل، قال جعفر: أبصر نارا دلته على الأنوار؛ لأنه رأى النور في هيئة النار، فلما دنا منها شملته أنوار القدس، وأحاطت به أجواء الأنس فخوطب بألطف خطاب، واستدعى منه أحسن جواب فصار بذلك مكلما شريفا أعطى ما سأل، وأمن مما خاف. ومعنى: ﴿إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: إني أنا الله ربك الذي يخاطبك ويكلمك، ورب العالمين الفعال لما يشاء، لَا إله سواه، ولا رب غيره - تنزه وتعالى - عن المماثلة في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله فاسمع مني، ولا تك في شك مما يلقى إليك، وقد سمع موسى ﵇ على ما تدل عليه الآثار كلاما لفظيا خلقه الله في الشجرة - وقيل: خلقه في الهواء كذلك، وسمعه موسى من جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات، وذهب الشيخ الأشعرى والإمام الغزالي إلى أن موسى ﵇ سمع كلامه النفسي القديم بلا صوت ولا حرف، كما ترى ذاته يوم القيامة بلا كيف ولا كم.
وقال الحسن: إنه - سبحانه - نادى موسى ﵇ نداء الوحى لا نداء الكلام، ولم يرتض ذلك العلماء لما فيه من مخالفة الظاهر، وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكلم من بين الأنبياء.
ولفظ: (أنا) وإن كان كل واحد يشير به إلى نفسه فليس المعنى به محل لفظه.
هذا: وجاء في سورة طه في التعبير عن هذه القصة ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، وفي سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ وما هنا غير ذلك، بل ما في كل غير ما في الآخر، فاستشكل ذلك، وأُجيب بأن المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرة والواقع أن ما في القرآن ترجمة عربية لما سمعه موسى، فتؤدَّي بأي عبارة تفهم أصل المعنى، وذهب الإِمام إلى أنه - تعالى - حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما.
стр. 3530
ومثل هذا يقال فيما تكرر ذكره من القصص في القرآن الكريم مع اختلاف التعبير فيه،؛ لأن كل سورة تعنى عند ذكر القصة بالجانب الذي تسوقها من أجله، والتعبير الذي يناسبه.
٣١ - ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ الآية.
هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ فهي من جملة ما نودى به، فقد ناداه أولًا بما يؤكد ألوهية الله وربوبيته - سبحانه - لموسى وللعالمين جميعا ليستيقظ انتباهه وتنقشع غفلته، وناداه ثانيًا بما يؤدى الغرض ويحقق المقصود من اصطفائه للرسالة بقوله: وألق العصا التي تحملها في يديك على الأرض تنقلب حية في سرعة حركتها، ثعبانا عظيمًا في ضخامة جثتها وضخامة فمها، آية لك.
وعن الحسن: ما كانت إلا عصا من الشجرة التي اعترضها اعتراضا، وعن الكلبي: كانت عصا من شجرة العوسج التي نودى منها موسى.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ يفصح عن كلام محذوف تقديره: فألقى موسى العصا طاعة لأمر ربه فانقلبت حية في خفتها وسرعة حركتها. وثعبانا في ضخامة جثتها. وعظم حجمها، فلما أبصرها تهتز وتتحرك بهذه الخفة تملاسه الخوف واستبد به الرعب ففر منهزما. ولم يعقب على شيء ولم يرجع وراءه أو يلتفت خلفه من شدة خوفه، وعند ذلك نودى من قبل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ من المخاوف لأنك رسول الله، وإنه لا يخاف لدى المرسلون.
٣٢ - ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ … ﴾ الآية.
هذه الآية من جملة ما نودى به موسى. والمعنى: أَدخل يدك في فتحة ثوبك حيث يخرج الرأس، فإن فعلت تخرج بيضاء من غير مرض ولا عيب.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ في الكشاف: فيه معنيان:
(أحدهما): أن موسى ﵇ لما قلب الله - تعالى - العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده، كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيت العصا فانقلبت حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى، والمراد
стр. 3531
بالجناح: اليد لأن يد الإنسان بمزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه.
(الثاني): يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه لنفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما ومعنى: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ من أجل الرهب، أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك. انتهى بتصرف يسير.
وقوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ … ﴾ معنا: فهذان الأمران العجيبان - وهما قلب العصا، وخروج اليد بيضاء - برهانان واضحان، وحجتان نيرتان، مُرْسلان من ربك، واصلان إلى فرعرن وقومه ليرتدعوا عما هم فيه، إنهم كانوا قوما خارجين عن طاعة الله، أحقاء بأن نرسل إليهم هاتين المعجزتين لزجرهم وردهم عن فسقهم وكفرهم، والبرهان معناه: الحجة النيرة من قولهم: أبره الرجل: إذا جاء بالبرهان مأخوذ من: بره، إذا ابيضَّ وتسمى الحجة سلطانا أيضا من السليط، وهو الزيت الذي يتلألأ عند الاتقاد.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾
المفردات:
﴿رِدْءًا﴾: معينًا يشتد به أمرى.
﴿يُصَدِّقُنِي﴾: بإيضاح الحق بلسانه، وبسط القول فيه، ونفى الشبهة عنه.
التفسير
٣٣ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾:
أي: قال موسى ﵇ تعقيبا على تكليفه بالرسالة، وطلبا لما يعينه عليها، ويقويه كل أدائها كما يفهم من قوله - تعالى -: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ ولم يقله استعفاء
стр. 3532
من الرسالة ورفضا - كما زعم اليهود - قال: يا رب إني قتلت من هؤلاء القوم نفسا حين استنصرني الرجل الذي من شيعتي، فإذا تعرضت لهم ورأوني فإني أخاف أن يقتلوني بقتيلهم، ولا معين لي يمنعنى منهم، أو يدفع عني شرهم.
٣٤ - ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾:
أي: وأخى هارون هو أقدر مني على توضيح الحجة ورد الشبهة، وقوة المعارضة - وأنما قال
ذلك لأنه ﵇ كانت به عقدة في لسانه تضعف تعبيره وتعوق بيانه - فأحتاج إلى من يعيننى ويبلغ حجتى، فأرسل معى أخي هارون ردءا وعونا يساعدني على توضيح الدعوة وإبراز الحجة، ويصدقني، ويخلص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل الكفار ويظهر صدقي بتقرير الحجج وتزييف الشبه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ فلا يسعفنى لساني على محاجتهم ولا يطاوعنى على مقاومتهم، ومعارضة باطلهم.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾
المفردات:
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾: سنقويك ونعينك.
﴿سُلْطَانًا﴾: تسلطا وغلبة بالحجة والبرهان.
التفسير
٣٥ - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا … ﴾ الآية.
استئناف وقع جوابا من الله لسؤال موسى ﵇ بقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أي: قال الله - سبحانه - لموسى: سنعينك ونقربك بإجابة مطلوبك، حيث نشد عضدك بإرسال أخيك هرون معك.
стр. 3533
وشدة عضده كناية عن تقويته لأن الجسد يشتد بشدة العضد - وهو ما بين المرفق إلى الكتف وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ معناه: ونجعل لك ولأخيك تسلطا وغلبة عليهم فلا يقوون على تكذيبكم، وتمتنعون عليهم فلا يصلون إليكما باستيلاء أو محاجة.
وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يجوز أن يكون متعلقا بـ ﴿نَجْعَلُ﴾، أو بـ ﴿لَا يَصِلُونَ﴾، والمعنى: أنت يا موسى وأخوك هرون ومن اتبعكما - أنتم - الغالبون بآياتنا، الممتنعون بقوتنا فلا سبيل لفرعون وقومه إلى الوصول إليكما بأذى.
وبهذه العدة من الله اشتد عضد موسى ﵇ وقوى عزمه، وتسامت همته إلى مواجهة طغيان فرعون وملئه، وتحطيم إلاهيته، كما تمت نعمة الله على هرون بإرساله، بفضل طلب موسى لذلك من ربه، ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه من موسى على هرون ﵉ فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيا ورسولا معه إلى فرعون وملئه.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾
المفردات:
﴿بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات الدلالة على رسالة موسى. ﴿مُفْتَرًى﴾: مختلفا لم يحدث قبل هذا مثله، أو سحر تفعله أنت ثم تكذب به على الله. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: السابقين.
التفسير
٣٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ … ﴾ الآية.
أي: فلما جاء موسى بآيات الله ومعجزاته الواضحات أنكرها فرعون ومَلَؤه، وكذبوها، وقالوا: ما هذا الذي جئت به إلاَّ سحر مختلق لم يفعل مثله قبله، أو سحر تفعله أنت من عند نفسك ثم تفتريه على الله وتكذب، وزادوا في العناد والكفر والإنكار فقالوا: وما سمعنا بهذه النبوة التي تدعيها في آبائنا السابقين علينا، ولا وقع فيهم مثل هذا القول.
стр. 3534
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: هي العاقبة والنهاية المحمودة لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. و ﴿الدَّارِ﴾ هي: الدنيا.
التفسير
٣٧ - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى … ﴾ الآية.
تتعلق بهذه الآية مباحث:
أولًا: أن موسى ﵇ يعني نفسه بقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
ثانيا: أن السياق يقتضي عدم العطف بالواو لأن الموقع موقع سؤال وجواب، ولكنه جاة عطفا بالواو على قولهم: ما هذا إلا سحر مفترى ليوازن الناظر بين القولين، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر.
ثالثا: أن الآية جرت على أسلوب التشكيك والتعمية استجهالًا لهم على حد قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
والمعنى: قال موسى ﵇ ردا على قولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ ربي أعلم منكم بحال من أهله للدعوة إلى الهدى والفلاح الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى، ووعده العاقبة المحمودة في الدنيا، وعاقبتها أن يختم للإنسان فيها بما يفضى به إلى الجنة بفضل الله وكرمه.
ووجه اختصاص العاقبة بالعاقبة المحمودة دون مطلق العاقبة: أنها هي التي دعا الله إليها عباده، وحضهم عليها، وهيأ فيهم العقول التي ترشدهم إليها، وقال عنها: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 3535
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: تنزيه لله - تعالى - أن يرسل الكاذبين، أو ينبئ الساحرين، أو يفلح عنده الظالمون فيفوزون بمطلوب، أو ينجون من محذور.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾
المفردات:
﴿الْمَلَأُ﴾: الأشراف وذوو الرأي. ﴿أَوْقِدْ﴾: أشعل النار.
﴿صَرْحًا﴾: قصرا عاليا وبناء شامخا.
التفسير
٣٨ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي … ﴾ الآية.
بعد أن جمع فرعون السحرة وتصدى للمعارضة، وكذب موسى وسمع إجماع قومه على التكذيب قال في تيه وشموخ مخاطبًا أشراف قومه: يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيرى مما يدعيه موسى ويدعو إليه، نفي علمه بإله غيره دون أن ينفى وجود الإله، حيث لم يقل: ليس لكم إله غيرى، يريد بذلك: أنه لو كان لهم إله غيره لعلمه، وهو بذلك يحاول أن يخلع على نفسه خلق الإنصاف في الحكم، ولهذا رتب عليه قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ والواقع أنه كاذب؛ فإن ألوهية الله - تعالى - لعباده لا يمكن أن تخفى على مثله، وهذا ما يشهد به قوله تعالى حكايته عن موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾.
ومعنى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾: أشعل النار على الطين شديدة قوية ليتحول إلى آجُر، فيكون أقوى في البناء، فإذا استحال الطين آجُرا فابْنِ قصرا عاليا، وبناء شامخا
стр. 3536
لأصعد عليه فأطلع إلى إله موسى الذي يدعيه، ويدعو له، وكأنه يوهم قومه أنه لو كان كما يقول موسى لكان جسما في السماء يمكن الصعود إليه، والاطلاع عليه، وإني لأظنه من الكاذبين فيما يذكر من أمر الإله وما يدعى من شأن النبوة، ولكن أحب أن أحقق الأمر من طرقه المختلفة حتى لا يكون لديّ ولا لديكم شك في أنه ليس لكم إله غيرى، وهذا منه مبالغة في التمويه، وإغراق في التلبيس واللعب بعقولهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾
المفردات:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بالباطل؛ لأن الاستكبار بالحق لله وحده. ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾: - بضم الياء - من الرجع المتعدى إلى المفعول بنفسه، و - بفتحها - من الرجوع الذي لا يتعدى إلى المفعول بنفسه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾: طرحناهم ورميناهم. ﴿الْيَمِّ﴾: البحر.
﴿أَئِمَّةً﴾: قادة ودعاة. ﴿لَعْنَةً﴾: طردا وإبعادا عن الرحمة.
﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾: المشوهين الموسومين بعلامات منكرة قبيحة.
التفسير
٣٩ - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية.
المعنى: واستكبر فرعون اللعين وجنوده في أرض مصر، واستعلوا وتعاظموا على الإيمان باللهِ، والتصديق برسالة موسى استكبارا باطلا بغير أهلية ولا استحقاق؛ لأن رؤية العظمة
стр. 3537
للنفس على الخصوص دون غيرها لا تكون حقا إلاَّ من الله قال الزمخشرى: الاستكبار بالحق إنما هو لله وحده، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير حق، وفي الحديث القدسى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار".
وأكثر المفسرين على أن الأرض هي مصر، وقيل: مطلق الجرم المقابل للسماء، وفي التقييد بها زيادة تشنيع عليهم، وتسفيه لعملهم، حيث استكبروا في أسفل الأجرام بغير استحقاق ولا تأهيل، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾: توهموا أن لا معاد ولا بعث، وأنهم لا يعودون إلينا، ولا يرجعون لنا لملاقاة الجزاء، ومواجهة العذاب.
والتعبير عن اعتقادهم بالظن إما على ظاهره، وإما تحقير لهم، وسخرية باعتقادهم؛ حيث بنوه على الأوهام.
٤٠ - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾:
أي: فباغتنا فرعون وجنوده فأخذناهم فنبذناهم وطرحناهم في البحر، ورميناهم فيه رمي البقايا التالفة والمخلفات التافهة، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ، واستحقار شديد للمأخوذين وكأنه أخذهم مع كثرتهم وطرحهم في اليم كما يأخذ الإنسان شيئًا عديم القيمة فيرميه.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فتأمل يا رسول الله وانظر كيف انتهت عاقبة هؤلاء الطغاة وكيف استحال تجبرهم وكفرهم، وبَيِّنْ هذا لقومك وللناس ليعتبروا ويتدبروا.
٤١، ٤٢ - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾:
المعنى: خلقناهم وصيرناهم في عهدهم قدوة للضلال يدعون إلى موجبات النار في الدنيا من الكفر والمعاصي، ويوم القيامة لا ينصرون من أحد بدفع العذاب أو تخفيف ويلاته عنهم بوجه من الوجوه.
وأتبعناهم في هذه الدنيا التي فتنتهم وصرفتهم عن اتباع الهدى - أتبعناهم - لعنة وطردًا وإبعادا عن الرحمة، أو أتبعناهم لعنًا من اللاعنين الذين يجرى ذكرهم على ألسنتهم، حيث لا تزال الملائكة تلعنهم والمؤمنون خلفا عن سلف.
стр. 3538
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: وهم فوق لعنتهم في الدنيا، يوم القيامة من المطرودين المبعدين، أو من المهلكين المشوَّهين، فيجمع لهم بذلك خزى الدنيا وذل الآخرة، روى ابن عدى والطبراني عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: "خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا".
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿الْقُرُونَ الْأُولَى﴾: هم أقوام نوح، وهود، وصالح، ولوط ﵈ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾: أنوارا لقلوبهم.
التفسير
٤٣ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ … ﴾ الآية.
هذه الآية والآيات بعدها تشعر - بتصدرها بالقسم والتوكيد - بأنها بداية حديث عن موسى ﵇ مع أن السورة من أولها تحكى قصته، والذي يفهم من هذا الأسلوب - والله أعلم - أنه إثارة للانتباه بعد أن طال الكلام عن القصة، وتجديد للتشويق، ومدخل إلى التصديق برسالة سيدنا محمَّد ﵊ بما يخبر به من غيبيات في قصة موسى لم يكن شاهدها ولا علم له بها من قبل.
والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة، وأنزلناه مفصل الأحكام، من بعد ما أهلكنا القرون السابقة عليه من أقوام نوح وهود وصالح ولوط ﵈.
والتعرض لبيان كون إيتاءِ التوراة بعد إهلاك الأمم السابقة للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها، وضرورة نزولها لهداية الناس، وردهم إلى العبادة، وذلك تمهيد لما يعقبه من بيان الحاجة الملحة إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله ﷺ فإن إهلاك
стр. 3539
القرون الأُولى من موجبات اندراس معالم الشرائع المؤدى إلى اختلال نظام العالم وفساد أحواله، وذلك يستدعى تشريعا جديدا يرد الناس إلى جادة الصواب، ويرشدهم إلى السلوك القيم، ولهذا قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: أنوارا لقلوبهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل، حيث كانت من طول ما تغشَّاها من الجهل عمياء عن الفهم والإدراك؛ فإن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين.
والمراد بالناس أُمة موسى ﵇ ومن أُنزل إليهم التوراة لترشدهم إلى الاستقامة وحسن السلوك، وما تتضمنه من تأييد بعثة محمَّد ﷺ وحقية رسالته.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
معناه: هدى إلى شريعة الله التي هي الطريق الموصلة إلى الله ورحمة ينال من عمل بها ثوابه وحسن جزائه ليكونوا على حال يرجى منه التذكر والاعتبار، فمعنى: لعل هنا؛ التعليل، حكى الواقدى عن البغوى أنه قال: جميع ما في القرآن من لعل للتعليل إلاَّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فإنها للتشبيه، والمشهور أنها للترجى.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾
المفردات:
﴿الْغَرْبِيِّ﴾: الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات.
стр. 3540
﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾: إذ عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحى.
﴿الشَّاهِدِينَ﴾: الحاضرين للوحى من جملة السبعين المختارين للميقات.
﴿أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة.
﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: تمادى وتباعد عليهم الزمن.
﴿ثَاوِيًا﴾: مقيمًا. ﴿الطُّورِ﴾: الجبل. ﴿لِتُنْذِرَ﴾: تخوف وتحذر.
التفسير
٤٤ - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
هذه الآية وما بعدها شروع في التنبيه إلى نبوة محمَّد ﷺ وفي بيان أن إنزال القرآن واقع في زمان مساس الحاجة إليه، واقتضاء الحكمة له البتة. وقد صدر بتحقيق كونه وحيا صادقا من الله ببيان أن الوقوف على ما تناول من أخبار، وما فصَّل من أحوالا لا يتسنى إلاَّ بالمشاهدة أو بالتعلم ممن شاهدها على أُسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
والمعنى: وما كنت بجانب الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ وعهدنا إليه، وأحكمنا أمر نبوته بالوحى وإنزال التوراة، وما كنت من جملة الشاهدين الحاضرين الوحى، وهم السبعون المختارون للميقات، المنوه عنهم بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ ما كنت من الشاهدين ذلك حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى ونزول ألواح التوراة عليه فتخبر بذلك.
ويصح أن يكون المعنى: وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك من شأن موسى، وأخبرت به فهو نفي لشهادته ﵊ جميع ما جرى لموسى فكان عموما بعد خصوص.
٤٥ - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾:
هذه الآية استدراك لتأكيد المعنى السابق في الآية قبلها.