لأصعد عليه فأطلع إلى إله موسى الذي يدعيه، ويدعو له، وكأنه يوهم قومه أنه لو كان كما يقول موسى لكان جسما في السماء يمكن الصعود إليه، والاطلاع عليه، وإني لأظنه من الكاذبين فيما يذكر من أمر الإله وما يدعى من شأن النبوة، ولكن أحب أن أحقق الأمر من طرقه المختلفة حتى لا يكون لديّ ولا لديكم شك في أنه ليس لكم إله غيرى، وهذا منه مبالغة في التمويه، وإغراق في التلبيس واللعب بعقولهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾
المفردات:
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بالباطل؛ لأن الاستكبار بالحق لله وحده. ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾: - بضم الياء - من الرجع المتعدى إلى المفعول بنفسه، و - بفتحها - من الرجوع الذي لا يتعدى إلى المفعول بنفسه. ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾: طرحناهم ورميناهم. ﴿الْيَمِّ﴾: البحر.
﴿أَئِمَّةً﴾: قادة ودعاة. ﴿لَعْنَةً﴾: طردا وإبعادا عن الرحمة.
﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾: المشوهين الموسومين بعلامات منكرة قبيحة.
التفسير
٣٩ - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية.
المعنى: واستكبر فرعون اللعين وجنوده في أرض مصر، واستعلوا وتعاظموا على الإيمان باللهِ، والتصديق برسالة موسى استكبارا باطلا بغير أهلية ولا استحقاق؛ لأن رؤية العظمة
стр. 3537
للنفس على الخصوص دون غيرها لا تكون حقا إلاَّ من الله قال الزمخشرى: الاستكبار بالحق إنما هو لله وحده، وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير حق، وفي الحديث القدسى: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار".
وأكثر المفسرين على أن الأرض هي مصر، وقيل: مطلق الجرم المقابل للسماء، وفي التقييد بها زيادة تشنيع عليهم، وتسفيه لعملهم، حيث استكبروا في أسفل الأجرام بغير استحقاق ولا تأهيل، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾: توهموا أن لا معاد ولا بعث، وأنهم لا يعودون إلينا، ولا يرجعون لنا لملاقاة الجزاء، ومواجهة العذاب.
والتعبير عن اعتقادهم بالظن إما على ظاهره، وإما تحقير لهم، وسخرية باعتقادهم؛ حيث بنوه على الأوهام.
٤٠ - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾:
أي: فباغتنا فرعون وجنوده فأخذناهم فنبذناهم وطرحناهم في البحر، ورميناهم فيه رمي البقايا التالفة والمخلفات التافهة، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ، واستحقار شديد للمأخوذين وكأنه أخذهم مع كثرتهم وطرحهم في اليم كما يأخذ الإنسان شيئًا عديم القيمة فيرميه.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فتأمل يا رسول الله وانظر كيف انتهت عاقبة هؤلاء الطغاة وكيف استحال تجبرهم وكفرهم، وبَيِّنْ هذا لقومك وللناس ليعتبروا ويتدبروا.
٤١، ٤٢ - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾:
المعنى: خلقناهم وصيرناهم في عهدهم قدوة للضلال يدعون إلى موجبات النار في الدنيا من الكفر والمعاصي، ويوم القيامة لا ينصرون من أحد بدفع العذاب أو تخفيف ويلاته عنهم بوجه من الوجوه.
وأتبعناهم في هذه الدنيا التي فتنتهم وصرفتهم عن اتباع الهدى - أتبعناهم - لعنة وطردًا وإبعادا عن الرحمة، أو أتبعناهم لعنًا من اللاعنين الذين يجرى ذكرهم على ألسنتهم، حيث لا تزال الملائكة تلعنهم والمؤمنون خلفا عن سلف.
стр. 3538
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أي: وهم فوق لعنتهم في الدنيا، يوم القيامة من المطرودين المبعدين، أو من المهلكين المشوَّهين، فيجمع لهم بذلك خزى الدنيا وذل الآخرة، روى ابن عدى والطبراني عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: "خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا".
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿الْقُرُونَ الْأُولَى﴾: هم أقوام نوح، وهود، وصالح، ولوط ﵈ ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾: أنوارا لقلوبهم.
التفسير
٤٣ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ … ﴾ الآية.
هذه الآية والآيات بعدها تشعر - بتصدرها بالقسم والتوكيد - بأنها بداية حديث عن موسى ﵇ مع أن السورة من أولها تحكى قصته، والذي يفهم من هذا الأسلوب - والله أعلم - أنه إثارة للانتباه بعد أن طال الكلام عن القصة، وتجديد للتشويق، ومدخل إلى التصديق برسالة سيدنا محمَّد ﵊ بما يخبر به من غيبيات في قصة موسى لم يكن شاهدها ولا علم له بها من قبل.
والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة، وأنزلناه مفصل الأحكام، من بعد ما أهلكنا القرون السابقة عليه من أقوام نوح وهود وصالح ولوط ﵈.
والتعرض لبيان كون إيتاءِ التوراة بعد إهلاك الأمم السابقة للإشعار بأنها نزلت بعد مساس الحاجة إليها، وضرورة نزولها لهداية الناس، وردهم إلى العبادة، وذلك تمهيد لما يعقبه من بيان الحاجة الملحة إلى إنزال القرآن الكريم على رسول الله ﷺ فإن إهلاك
стр. 3539
القرون الأُولى من موجبات اندراس معالم الشرائع المؤدى إلى اختلال نظام العالم وفساد أحواله، وذلك يستدعى تشريعا جديدا يرد الناس إلى جادة الصواب، ويرشدهم إلى السلوك القيم، ولهذا قال: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: أنوارا لقلوبهم، تبصر بها الحقائق، وتميز بين الحق والباطل، حيث كانت من طول ما تغشَّاها من الجهل عمياء عن الفهم والإدراك؛ فإن البصيرة نور القلب، كما أن البصر نور العين.
والمراد بالناس أُمة موسى ﵇ ومن أُنزل إليهم التوراة لترشدهم إلى الاستقامة وحسن السلوك، وما تتضمنه من تأييد بعثة محمَّد ﷺ وحقية رسالته.
وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
معناه: هدى إلى شريعة الله التي هي الطريق الموصلة إلى الله ورحمة ينال من عمل بها ثوابه وحسن جزائه ليكونوا على حال يرجى منه التذكر والاعتبار، فمعنى: لعل هنا؛ التعليل، حكى الواقدى عن البغوى أنه قال: جميع ما في القرآن من لعل للتعليل إلاَّ ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فإنها للتشبيه، والمشهور أنها للترجى.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾
المفردات:
﴿الْغَرْبِيِّ﴾: الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات.
стр. 3540
﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾: إذ عهدنا إليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحى.
﴿الشَّاهِدِينَ﴾: الحاضرين للوحى من جملة السبعين المختارين للميقات.
﴿أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾: خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة.
﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: تمادى وتباعد عليهم الزمن.
﴿ثَاوِيًا﴾: مقيمًا. ﴿الطُّورِ﴾: الجبل. ﴿لِتُنْذِرَ﴾: تخوف وتحذر.
التفسير
٤٤ - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
هذه الآية وما بعدها شروع في التنبيه إلى نبوة محمَّد ﷺ وفي بيان أن إنزال القرآن واقع في زمان مساس الحاجة إليه، واقتضاء الحكمة له البتة. وقد صدر بتحقيق كونه وحيا صادقا من الله ببيان أن الوقوف على ما تناول من أخبار، وما فصَّل من أحوالا لا يتسنى إلاَّ بالمشاهدة أو بالتعلم ممن شاهدها على أُسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
والمعنى: وما كنت بجانب الجبل الغربى، أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ وعهدنا إليه، وأحكمنا أمر نبوته بالوحى وإنزال التوراة، وما كنت من جملة الشاهدين الحاضرين الوحى، وهم السبعون المختارون للميقات، المنوه عنهم بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ ما كنت من الشاهدين ذلك حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى ونزول ألواح التوراة عليه فتخبر بذلك.
ويصح أن يكون المعنى: وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك من شأن موسى، وأخبرت به فهو نفي لشهادته ﵊ جميع ما جرى لموسى فكان عموما بعد خصوص.
٤٥ - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾:
هذه الآية استدراك لتأكيد المعنى السابق في الآية قبلها.
стр. 3541
والمعنى: ولكنا خلفنا بين زمانك وزمان موسى قرونا وأممًا كثيرة تمادى وتباعد عليها الزمن، فتغيرت الشرائع، وتبدلت الأحكام، وعممت عليهم الأنباءُ، لا سيما ما كان منهم في آخر هذه الأزمان من الذين أنت فيهم، فاقتضت حكمته - تعالى - التشريع الجديد وقصَّ الأنباء على ما كانت عليه، فأوحينا إليك، وقصصنا عليك ما لم تكن شاهده ولا قريبا من زمانه، تصديقا لنبوتك وتحقيقا لرسالتك.
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي: ما كنت مقيما في أهل مدين وقوم شعيب حتى يكون علمك بما تقصه وما تتلوه من آياتنا الناطقة بما كان لموسى ﵇ معهم، وبما كان لهم معه عن طريق إقامتك فيهم تتسمع منهم، وتتعلم هذه الأخبار عنهم، ثم تتلوها عليهم ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: ولكن ذلك بإرسالنا لك ووحينا إليك.
٤٦ - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
المعنى: كما لم تكن بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، ولم تكن ثاويا في أهل مدين، لم تكن كذلك ولم تحضر بجانب الطور وقت ندائنا موسى: إني أنا الله رب العالمين، واستنبائنا إياه، وإرسالنا إياه إلى فرعون. ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ولكن أرسلناك بالقرآن الكريم الناطق ذكر وغيره رحمة من ربك لقومك، وهداية لهم بما تدعوهم إليه من نبذ عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده، وتهذيب سلوكهم، وتقويم عوجهم حتى تطهير الأرض من فسادهم، وتنجلي عن بصائرهم غشاوات الجهل، وأدران الكدر والضلال، كما أرسلناك لتنذر قوما عربا وغير عرب طال عليهم أمد الجهل، وامتد بهم زمان الضلال، ما آتاهم من نذير من قبلك ينذرهم، ويخوفهم عواقب أمورهم.
قال العلامة ابن حجر في المنح المكية: من المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل ﵇ وأن إسماعيل انتهت رسالته بموته.
ونزيد على ذلك: أن إسماعيل أرسل إلى العرب العاربة، أما العرب المستعربة التي نشأت بعد إسماعيل من ذريته، فلم يرسل إليهم سوى محمَّد ﷺ ولذا قال الله - تعالى - في سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون﴾.
стр. 3542
وقوله - تعالى -: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
معناه: فعلنا هذه الأمور كلها ليكون لهم منها تذكر وعظة واعتبار فيرجعوا عن كفرهم، ويقلعوا عن إصرارهم وعنادهم.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿مُصِيبَةٌ﴾: عقوبة ونقمة. ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾: هلا أرسلت.
التفسير
٤٧ - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ … ﴾ الآية.
الكلام عن الرسالات السماوية وعن إرسال الرسل خليق أنا يثير في نفس السامع تساؤلا عن الدوافع والأسباب المقتضية لذلك، وجاءت هذه الآية إجابة عن هذا التساؤل، توضح أن الحكمة السامية في إرسال الرسل قطع أعذار المشركين والعصاة، وإلزامهم الحجة حتى لا يكون لهم اعتذار إذا واجهوا مصيرهم ولاقوا جزاءهم، والآية وإن كانت تشير إلى الحكمة في إرسال محمَّد ﷺ إليهم، لكنها تشير إلى مثلها في جميع الرسالات.
والمعنى: ولولا أن تصيب المشركين من قريش وغيرهم من الكفار عقوبة، أو تحل بهم نقمة بسبب ما يقترفون من الكفر، وما يرتكبون من المعاصي، فيقولوا معتذرين عن إتيانها: فعلنا ذلك جهلًا، يا ربنا هلَّا أرسلت إلينا رسولًا يرشدنا إلى خير ما نفعل، ويوجهنا إلى السلوك السوي فنتبع آياتك الظاهرة على يديه، ونسير في أفعالنا على هديه، ونكون من المؤمنين بما جاء به فلا نفعل ما فعلناه.
стр. 3543
لولا أن هذا يمكن أن يقولوه عند عقوبتهم على جناياتهم التي قدموها ما أرسلناك، لكن لما كان قولهم ذلك محققًا لا محيد عنه أرسلناك قطعا لأعذارهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾
المفردات:
﴿الْحَقُّ﴾: القرآن المنزل على سيدنا محمَّد ﷺ أو الرسول المصدق بالقرآن.
﴿تَظَاهَرَا﴾: تعاونا بتصديق كل منهما الآخر.
التفسير
٤٨ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾:
أي: فلما جاء هؤلاء القوم من أهل مكة الموجودين عند بعثة سيدنا محمَّد ﷺ لما جاءهم القرآن الحق وهو المنزل على محمَّد ﷺ قالوا تعنتا واقتراحا: هلا أوتي محمَّد مثل ما أوتي موسى من التوراة المنزلة جملة، ومن المعجزات الأخرى كقلب العصا حية وفلق البحر، وغير ذلك، قالوا هذا كما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ (١).
وقوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ رد عليهم وإظهار لتعنتهم، وبعدهم عما يرشدهم إلى الحق.
стр. 3544
والمعنى: أولم يكفر أمثالهم، ومن مذهبهم كمذهبهم في الكفر والعناد بما أوتي موسى؟
وعن الحسن ﵀ كان للعرب أصل في أيام موسى، فيكون المعنى على هذا: أولم يكفر آباؤهم المعاصرون لموسى، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾ أي: أولم يكفروا من قبل هذا القول؟ أومن قبل هؤلاء الكفار؟ قالوا: سحران تظاهرا وتعاونا: سحر موسى وسحر هارون.
ونحن نرجح أن الذين كفروا بما أوتي موسى من قبل وقالوا: سحران تظاهرا، هم أهل مكة، روى أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم فسألوهم عن شأن محمَّد ﵊ فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ذلك، وقالوا: إنا بكل من الكتابين - القرآن والتوراة - كافرون، قالوا ذلك تأكيدا لكفرهم لغاية عتوهم وتماديهم في العناد والطغيان، وقرئ: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ يعنون موسى ومحمد ﷺ .
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾
المفردات:
﴿أَهْدَى﴾: أقوى في الهداية.
﴿مِنْهُمَا﴾: من القرآن والتوراة.
стр. 3545
التفسير
٤٩ - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين: إذا كان القرآن والتوراة سحرين متظاهرين فأتوا بكتابٍ من عند الله أقوى منهما في الهداية، فإن تأتوا به أتبعه وأصدقه، وأمضي على هديه، وهذا الشروط مما يأتي به من يشير إلى وضوح حجته وسنوح محجته؛ لأن الإتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بيّن الاستحالة، فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والإفحام.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ معناه: إن كنتم صادقين في أنهما سحران مختلقان تظاهرا، وإيراد الجملة بأسلوب التشكيك مع استحالة صدقهم مزيد تهكم بهم.
٥٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ … ﴾ الآية.
أي: فإن لم يستطيعوا أن يفعلوا ما كلفتهم به من الإتيان بكتاب هو أهدى من القرآن والتوراة - ولن يستطيعوا ذلك ولن يقابلوه - فاعلم أنهم إنما يتبعون آهواءهم الزائغة، ويصرون على موقفهم عنادا وكفرا من غير أن يكون لهم مُتَمسك ما أصلا، إذ لو كان لهم لأتوا به.
وإنما عبر عن عجزهم عن الإتيان بعدم الاستجابة إيذانا منه ﷺ بأنه على كمال أمنٍ من أمره - كأن أمره ﷺ لهم بالإتيان بما ذكر دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾:
أي: لا أحد أضلُّ ممن أَتبع هواه، واستبد برأيه بغير هدى من الله، فهو أضل من كل ضال.
وتقييد اتباع الهوى بغير الهدى من الله - تعالى - لزيادة التقريع، والإشباع في التشنيع والضلال.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى، والإعراض عن الآيات الهادية إلى الحق المبين.
стр. 3546
طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
رئيس مجلس الإدارة
رمزي السيد شعبان
رقم الإيداع بدار الكتب ١٦٧٩/ ١٩٨٥
الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
٢٤٢ س ٨٥/ ٨٦ - ٢٥.٠٠٤
стр. 3547
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
المفردات:
﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ من التوصيل؛ وهو كثير الوصل وتكريره، أي: والينا وأتبعنا تبليغهم القرآن، وقرأ الحسن "وصلنا" قال الرَّاغب (١): أي: أكثرنا لهم القول موصولًا بعضه ببعض.
﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتعظون ويتدبَّرون.
﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ أي يزدّون ويدفعون، وفي الحديث: "ادرَأَوا الحدود بالشُّبهات" أي: ادفعوها.
﴿بِالْحَسَنَةِ﴾: بالطاعة. ﴿السَّيِّئَةَ﴾ المعصية.
﴿اللَّغْوَ﴾ كل ما ليس بحق، وقال مجاهد: الأذى والسبّ، وفي اللغة: اللَّغو واللَّغا
стр. 3548
بوزن الفتى: السَّقَط وما لا يعتدُّ به من كلام وغيره (١).
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ انصرفوا عنه ولم يشتغلوا به.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال القرطبي: أَمْنٌ مِنَّا لكم، وعند الزمخشرى: كلمة توديع ومتاركة لا تحيَّة.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبة الجاهدين ولا نريد مخالطتهم ولا جدالهم.
التفسير
٥١ - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
قال القرطبي: الآية الكريمة ردٌّ على من قال: هلاَّ أُوتى محمد القرآن جملة واحدة مثل ما أُوتي موسى التوراة كذلك؟
والمعنى: ولقد نزلنا القرآن - وعدًا ووعيدًا وقصصًا وعبرا ونصائح - أنزلناه كذلك متواصلًا متتابعًا وفق ما تقتضيه الحكمة لعلهم يتذكرون ما يجب على كل عاقل من الخضوع للحق متى تبين، والقرآن حق واضح يعرفه كل من نظر فيه وفتح قلبه وعقله، فلو فعلوا لتذكروا وآمنوا.
ولقد ظل القرآن ينزل على الرسول ثلاثة عشر عامًا بمكة يشرح العقيدة ويُعَمِّق الإِيمان في نفس المؤمنين، ويردُّ على شبهات المشركين، وعشر سنوات بالمدينة بعد أن انتقل الرسول إليها وكوّن هناك الدَّولة الإِسلامية الفاضلة التي لم يسمع الزمان بمثلها، وفي المدينة نزلت آيات الأحكام مبينة الدستور الإسلاميَّ للدولة الإِسلامية الأُولى شارحًا أحوال الأُمَّة في السلم والحرب موضِّحًا الآداب الاجتماعية والسلوك السويَّ الذي يجب أن ينهجه المسلمون، ولقد كان القرآن ينزل أحيانًا ردًّا على سؤال أو على شُبَه أهل الكتاب، أو تشريعًا في حادثة فكان ينزل مناسبًا لمقتضى الحال، كما أن النبي ﷺ أرسله الله أُميًّا، لا يقرأُ ولا يكتب، فلكى ييسر الله حفظه أنزله عليه مفرّقًا ولم ينزله جملة واحدة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٢).
стр. 3549
وفي فضل القرآن وبيان قيمته ومنزلته يقول تعالى:
٥٢ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾:
أخبر الله أن بعض الذين أوتوا الكتاب من بني إسرائيل قبل نزول القرآن ومجئ الرسول يؤمنون به وبما نزل عليه من قرآن كعبد الله بن سلام وغيره (١).
قال القرطبي: ويدخل فيه من أسلم من علماء النصارى وهم أربعون رجلًا، قدموا المدينة، منهم اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، وثمانية من الشام وكانوا أئمة النصارى، وأنزل الله فيهم هذه الآية وما بعدها.
٥٣ - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾:
هذه الآية استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم.
والمعنى: وإذا يُقرَأُ القرآن على أهل الكتاب من اليهود والنصارى قالوا: صدَّقنا بما فيه إنه الحق من ربنا لأن مثله لا يقوله بشر، إنا كنا قبل نزوله أو قبل بعث محمد ﵊ مؤمنين بأنه سيُبعث وينزل عليه القرآن، فإيمانهم به متقادم العهد لما شاهدوا ذكره فما الكتب المتقدمة، فالمراد بالإِسلام: الانقياد الظاهرى، أي: إنا كنا - قبل نزول القرآن - مُنقادين لأحكام الله - تعالى - الناطق بها كتابه المنزل إلينا، ومنها وجوب الإِيمان به، فنحن مؤمنون به قبل نزوله على الرسول، ونحن عرفنا محمدًا وكتابه قبل نزوله، فإسلامنا سابق على تلاوته.
٥٤ - ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
أُولئك الموصوفون بما سبق من النُعُوت يُمْنحون جزاءهم مرتين: مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن، وذلك بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان بكتابهم، ثم بالقرآن بعد نزوله، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو على أذى من هجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين (٢).
стр. 3550
قال القرطبي: ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: - "ثَلاثَةٌ يُؤَتَؤْنَ أجْرَهُم مَّرَّتَينِ: رَجُلٌ من أَهْلِ الْكتَابِ آمن بنبيِّهِ وأَدْرَكَ النبي ﷺ فآمن به واتَّبَعَهُ فله أَجْرَانِ، وعبْدٌ مملُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله وحقَّ سَيِّده فَلَهُ أجْرَان، وَرَجُلٌ كانت لَهُ أَمَةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءَها، ثم أَدَّبها فأحسن أَدبها، ثم أعتقها وتَزَوَّجها فله أَجران" أخرجه مسلم في كتاب الإِيمان، والبخاري بلفظ مختلف.
قال العلماء: وكما أنهم يؤجرون على صبرهم، فإنهم يؤجرون على دفعهم المعصية بالطاعة قال ﷺ لمعاذ: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" أو يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى، فهو وصف لهم بمكارم الأَخلاق، أي: من قال لهم سُوءًا لا يَنُوه وقابلوه من الخلق الحسن بما يدفعه، كالإعراض ولين الحديث.
وأثنى عليهم ربهم بأنهم ينفقون من أموالهم التي كسبوها من الحلال في الطاعات وفي سبيل الخير، ويبذلون مما رزقهم الله من كسب طيب فما سبيل الله، ولتخفيف آلام المرضى والمحتاجين.
٥٥ - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾:
أي: يؤتيهم الله أجرهم مرتين على ما تقدم بيانه بن الصفات الكريمة، وعلى إعراضهم عن اللغو، وإذا سمعوا ما قاله المشركون من سَقَطِ القول وبذيئه أعرضوا عنه ولم يشتغلوا به، كما قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١). ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي قالوا متاركين لهم على سبيل التوديع لا على سبيل التحية: سلام عليكم وَأَمْنٌ منا لكم، فإنَّا لا نحاوركم ولا نُسَابُّكم ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: أي لا نطلب الجاهلين والسفهاءَ للجدال والمراجعة والمشاتمة ولا نريد صحبتهم ومخالطتهم، وهذا تعليل لمتاركتهم.
قال ابن إسحق في السيرة: قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة - عشرون (٢) رجلًا أو قريب
стр. 3551
من ذلك من النصارى حينما بلغهم خبره عن الحبشة فوجدوه بالمسجد، فجلسوا إليه وكَلَّمُوه وسأَلوه - ورجال من قريش في أندبتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عمَّا أرادوا دعاهم إلى الله - تعالى - وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام فما نفر من قريش فقالوا لهم: خيَّبكم الله مِنْ رَكْبٍ، بعثكم من وَرَاءَكم مِنْ أهل دينكم ترتادون لهم لتأُتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدَّقْتُمُوه فيما قال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم، أو كما قالوا - فقالوا لهم: سلامٌ عليكم، لا نُجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ أنفسنا خيرًا - ويقال: إنهم النَّفر النَّصارى من أهل نجران، فالله أعلم أيُّ ذلك كان، قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، وكذلك الآيات التي في سورة المائدة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ اهـ ابن كثير ج ٣ ص ٣٩٤.
٥٦ - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾:
المعنى: إنك - أيها الرسول - لا تقدر على هداية قلوب من أحببتهم إلى الحق، بأن تدخلهم في الإِسلام وإن بذلت في ذلك غاية المجهود، وجاوزت في السعى إليه كل حد معهود، ولكن الله يهدى من يشاء هدايته فيدخله في الإِسلام، وهو - سبحانه - أعلم بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء - سبحانه - هدايتهم، ومنهم من ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب (١).
وقال الزمخشري: المعنى: إنك لا تقدر أن تُدْخِل في الإِسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم؛ لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره، ولكن الله - تعالى - يقدر على أن يُدْخِل من يشاءُ إدخاله، وهو الذي علم - سبحانه - أنه غير مطبوع على قلبه.
وقال الآلوسي: هذه الآية سيقت لتسليته ﷺ حيث لم ينجع في قومه الذين بحبهم إنذارُه ﵊ إيَّاهم وما جاء به من الحق، بل أصروا على ما هم
стр. 3552
عليه وقالوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ثم كفروا به وبموسى، فكانوا على عكس قوم أجانب من أهل الكتاب، حيث آمنوا بما جاءَه من الحق، وقالوا: إنه الحق من ربنا، ثم صرحوا بتقادم إيمانهم به، وأشاروا بذلك إلى إيمانهم بنبيِّهم وبما جاء به أيضًا، وذلك فيما حكاه الله بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (١).
وقال ابن كثير: قد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي ﷺ .
قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمَيَّة ابن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ : "يا عم، قل: لَا إله إلاَّ الله، كلمة أحَاجُّ لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيَّة: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه -، وَيَعُودان له بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلاَّ الله، فقال رسول الله ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عن ذلك"، فأنزل الله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٢). وأُنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وخالف في ذلك الشيعة، وقالوا بإيمانه، وادعوا إجماع أئمة أهل البيت على ذلك.
стр. 3553
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوعَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
المفردات:
﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي نُخرج من أرضنا ومقرِّنا، أَو يبطش بنا أعداؤنا. قال الآلوسى: وأصل الخطف؛ الاختلاس بسرعة، فاستعير لما ذكر.
﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾: أي أولم نهيِّء لهم في الأرض حرمًا مكينًا ونمنعهم فيه من العدوان. ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: يحمل إليه ويجمع فيه من كل جانب وجهة؛ عن ابن عباس وغيره.
стр. 3554
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾: اغتر أصحابها ولم يقوموا بحق النعمة، من البطَرِ، وهو: جحود النعمة وكفران الفضل. وفي القاموس: البَطَرُ: الأَشَرُ وقلَّة احتمال النعمةِ، أو الطغيان بها، وفعله: كَفَرِح (١). أهـ.
﴿أُمِّهَا﴾ في القاموس؛ أُمُّ كل شيء: أصله وعماده وأُمُّ القرى: مكَّةُ؛ لأَنها توسَّطت الأرض، أو لأنَّها قبلة الناس يؤُمُّونها.
﴿لَاقِيهِ﴾: مدركٌ له، ظافر به.
﴿الْمُحْضَرِينَ﴾: الذين يُحْضَرُون مرغَمين للعذاب، وفي القاموس: حضر - كنصر وعلِم - حضورًا، ضد غاب (كاحتضر وتحضر).
التفسير
٥٧ - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا … ﴾ الآية.
هذا قول بعض مشركى مكة (٢)، قال ابن عباس: قائل ذلك من قريش: الحارث ابن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ، قال للنبي ﷺ : إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك مخافةَ أن يتخطَّفنا العرب من أرضنا - يعني مكة - لاجتماعم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، وهذا من تَعِلاتِهم الكاذبة، وأعذارهم الباطلة، وحججهم الواهيةِ. وفيه ما فيه من اعترافهم بأن ما مع محمد ﵇ هو الهدى، وتسجيلهم على أنفسهم أنه ما صدّهم عن الإِيمان به إلا خوفهم على مصالحهم وفزعهم من ثورة العرب عليهم إذا أسلموا، وقد أجاب الله عن تعللهم هذا بقوله:
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي أو لم نعصمهم ونثبت أقدامهم ونجعل مقرهم حرما أمينا لحُرمة البيت الحرام الذي تتناحر العرب حوله، ولا تجتريء على القتال فيه، وكانت العرب في الجاهلية يغير بعضهم على بعض لأوهى الأسباب، وأهل مكة آمنون في حرمهم لا يخافون، ومع أنهم قارُّون بواد غير ذي زرع فإن الثمرات والأرزاق تجمع لهم من كل صوْب ويحملها الناس إليهم من كل حدب،
стр. 3555
وكان هذا كده رزقًا من عند الله لا فضل فيه إلا لله وحده، فإذا ما خوّلهم لله الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان والرزق الواسع بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام، فكيف يستقيم أن يُعرِّضهم للتخوف والتخطف، ويسلبهم الأمن إذا ضمُّوا إلى حرمة البيت حرمة الإِسلام؟.
قال يحيى بن سلام: يقول: كنتم آمنين في حرمي تأْكلون رزقى، وتعبدون غيري أفتخافون إذا عبدتموني، وآمنتم بي؟
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جهلة لا يتفطنون ولا يتفكرون فهم غافلون عن الاستدلال بأَنَّ مَنْ رزقهم وأَمَّنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا ويمنع الكفار عنهم.
٥٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾:
بيَّن الله في الآية السابقة فساد دعواهم الخوف من الناس إن آمنوا، وبيَّن في الآية أَنهم أحِقَّاء بالخوف من بأس الله الذي يشاهدونه بأعينهم كلما ساروا بقوافلهم على آثار من هلك قبلهم، وبقايا وخرائب المدن والقرى التي جحدت آلاء ربها وكفرت بأنبيائها كما يكفرون بنبيهم، فعذبهم الله بكفرهم وذكَّرهم فيها بأن ما حدث في الماضى لغيرهم يمكن أَن يقع لهم في الحاضر والمستقبل وحينئذ يتبين أن الخوف في الكفر لا في الإيمان.
أي: وكثير من أهل القرى كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدَّعة والاطمئنان حتى بطروا واغترُّوا ولم يقوموا بحق النعمة من الشكر عليها بالإيمان، فدمَّرنا عليهم وخربنا ديارهم، وتلك مساكنهم التي تمرُّون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا، لم تسكن من بعد تدميرهم إلاَّ زمانًا قليلًا؛ إذ لا يسكنها إلا المارة أثناء سفرهم يومًا أو بعض يوم.
٥٩ - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾:
قال الآلوسي: هذه الآية الكريمة فيها بيان للعناية الربانية إثر بيانا إهلاك القرى المذكورة.
стр. 3556
والمعنى: ما صحَّ وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يُهْلِك القرى قبل الإنذار، بل كانت سنته التي لا تتخلف ودستوره الذي لا يتغير ألَّا يهلكها حتى يبعث في أصلها وحاضرتها التي ترتجع تلك القرى إليها رسولًا يتلو عليهم آياتنا الناطقة بالحق ويدعوهم إليه بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ويوضح لهم المنهج، وإنما أهلكهم بعد إلزامهم الحجَّة بإرسال الرسول كيلا يقولوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ (١). وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢).
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾: أي وما كنا مهلكى أهل القرى بعد ما بعثنا في أُمِّها رسولًا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفر بآياتنا، فاعتبروا - يا كفار مكة - بما حدث لمن كان قبلكم، وما يمكن أن ينزل بكم.
وإنما كان البعث في أُم القرى لأَن في أهل البلدة الكبيرة فطنة وكَيْسا، فهم أقبلُ للدعوة وأَشرف، وفي إيمانهم عون على إيمان غيرهم.
٦٠ - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
بيَّن الله في الآيات السابقة فساد رأْى المشركين في رفضهم الإسلام خوفًا على أنفسهم بقولهم: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ وجاءت هذه الآية لتبين حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم.
стр. 3557
والمعنى: أي شيءٍ أصبتموه من أُمور الدُّنيا وزينتها فشأْنه أن يتمتَّع به أيَّامًا قلائل ثم يزول عنكم أو تزولون عنه، وما عند الله في الجنة من الثواب خير في نفسه من ذلك؛ لأَنَّه لذَّة خالصة عن شوائب الأَلم، وبهجة كاملة عارية عن سمات الهمّ، وأبقى؛ لأنه أبَدِىّ، أَغفلتم فلا تعقلون هذا الأَمر الواضح وتستبدلون الذي هو أدنى بالذى هو خير وتخافون على ذهاب ما أَحببتموه من متاع الحياة الدنيا، وتمتنعون من اتباع الهدى المفضى إلى ما عند الله من سعادة أبدية؟
٦١ - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾:
هذه الآية الكريمة تقرير وتوضيح لما قبلها، ومعناها - كما قال ابن كثير -: أفمن هو مؤْمن فصدّق بما وعده الله على صالح الأَعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة؛ لأن وعده - تعالى - لا يتخلف، كمن هو كافر مُكذِّب بلقاء الله ووعده ووعيده فهو مُمتَّع في الحياة الدنيا أيَّامًا قلائل ثم هو يوم القيامة من المُحضرين، أي: من المعذبين - كما قال مجاهد وقتادة.
وفي سبب نزولها قال ابن عباس: نزلت في حمزة بن عبد الطلب وأبي جهل بن هشام.
وقال مجاهد: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، وعمَّم الثعلبي فقال: نزلت في كل كافر مُتِّعَ في الدنيا بالعافية والغنى وله في الآخرة النار، وفي كل مؤْمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله وله في الآخرة الجنة.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾: تَتَبْرأَ بعضنا من البعض، فالشياطين يتبرءون ممن أطاعهم، والرؤساءُ يتبرءُون ممن تبعهم.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾: خفيت عليهم الحجج خفاء المرئي على الأعمى.
﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يسأل بعضهم بعضًا عن الححج.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: قال الآلوسي: الخيرة، التخيُّر، كالطيرة بمعنى التَّطُّير، والخِيَرَةُ والتَّخَيُّرُ: الاختيار.
﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: ما يخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة وعداوتهم للرسول.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: ما يظهرونه من الأَفعَال الخبيثة والطعن في الإِسلام.
﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾: لله وحده القضاءُ النافذ في كل شيءٍ من غير مشاركة فيه لغيره.
التفسير
٦٢ - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
لا يزال الحديث متَّصلًا عن أحداث يوم القيامة، ففي هذه الآية إشارة إلى ما يوبخ الله به الكفار المشركين في هذا اليوم حيث يناديهم ويسأَلهم فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: أي أين الآلِهَةُ التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام أو غيرها ليدافعوا عنكم وليشفعوا فيكم؟ والتعبير بشركائي، تقريع لهم على زعمهم، وفيه تهكم بهم. والتعبير بلفظ: ﴿تَزْعُمُونَ﴾ للإِشارة إلى كذبهم، فقد قيل: "زعموا" مطية الكذب.
٦٣ - ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾:
الآية الكريمة استئناف مبنى على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صدر عنهم من قول حينئذ؟ فقيل: قال الذين حق عليهم القول وهم شركاؤهم من الشياطين، أو رؤساؤهم الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله، بأن أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوهم عنه:
стр. 3560
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾:
أي: ما أكرهناهم على الغَيِّ، وإنما أغويناهم بطريق الوسوسة، والتَّسْويل لا بالقَسر والإِلجاء، فغووا باختيارهم غيًّا مثل غَيِّنا باختيارنا، تبرأْنا إليك منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوى منهم للباطل ومقْتًا للحق، ما كانوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم، ومسارعة الذين حق عليهم القول إلى الجواب مع كون السؤال لِلْعَبَدةِ، إمَّا لتفطنهم أن السؤال عنهم لاستحضارهم وتوبيخهم بالإِضلال وجزمهم بأن الْعبَدَة سيقولون: هؤلاء أضلُّونا، وإمَّا لأن العَبدة قد قالوا: إنهم أضلُّونا، فاعتذر هؤلاء المعبودون بما قالوه ردًّا لقولهم، إلا أن القرآن لم يَحْك قول العبدة إيجازا لظهوره.
ومرادهم بالإشارة في قوله ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾: بيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم، وأنَّهم غير قادرين على إنكاره ورده.
٦٤ - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾:
وقيل للكفار تقريعًا لهم، وتهكمًا وتشهيرًا بهم على رءُوس الأشهاد بدعاء من لا نفع فيه لنفسه - قيل للكفار -: استعينوا بآلِهتكم التي عبدتموها في الدنيا لتنصركم، وتدفع عنكم كما كنتم ترجون منهم ذلك في الدار الدنيا، فاستغاثوا بهم، فلم يجيبوهم ولم ينتفعوا بهم، ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة ولأنهم في شغل شاغل عنهم، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، ولو أنهم كانوا يهتدون لوجه من وجوه الجيل يدفعون به العذاب لدفعوا به العذاب، أو: لو أنهم كانوا مهتدين مؤمنين لما رأوه.
قال الزمخشري. حكى أولًا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم؛ لأنهم إذا وُبِّخُوا بعبادة الآلهة اعتذروا أن الشياطيبن هم الذين استفزوهم وزينوا لهم عبادتها، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم ألهتهم، وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وقطع الحجة، وإبطال المعاذير في قوله تعالى:
стр. 3561
٦٥ - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾:
أي: واذكر - أيها الرسول - كذلك يوم يُنَادى المشركون من جانب الله تعالى - نداءَ توبيخ، فيُقال لهم: بأَي شيء أجبتم رسلي الذين بعثتهم لإرشادكم ودعوتكم للإيمان والتوحيد فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانَة وكيف كان حالكم معهم؟
٦٦ - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:
أي: فخفيت عليهم الحجج وغابت، قال مجاهد: لأن الله قد أدحض حججهم، وقال الزمخشري: لا يسأل بعضهم بعضًا كما يتساءَل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعًا في عمى الأنباء عليهم والعجز عن الجُواب، وإذا كان الأنبياءُ - لهول ذلك اليوم - يترددون في الجواب عن مثل هذا السؤال لعجزهم ويفوضون الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١). فما ظنك بالضُّلَّالِ من أُممِهم؟.
٦٧ - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾:
لما ذكر الله من حق عليهم القول من التابع والمتبوع قال ، حثا لهم على التوبة والإقلاع عن الشرك -: فأما من تاب من المشركين عن الشرك وجمع بين الإيمان والعمل الصالح فعسى أن يكون من الفائزين بالمطلوب عنده الناجين من الهلاك، فلا جدوى لتوبة بغير إيمان ولا حجة لإيمان بغير عمل صالح، وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢).
و (عسى) للتحقيق على عادة الكرام، فهي من الله واقعة بفضله وكرمه ومنِّه ووعده الذي لا يتخلف، والتعبير بعسى ليعلم أن الإنسان مهما عمل صالحًا فليس له إلا الرجاءُ والأمل في رحمة الله، وفي الحديث الصحيح: "لن يُدخل أحدًا عملهُ الجنة، قالوا: ولا أنت
стр. 3562
يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة (١)، وقيل: (عسى) للترجِي من قبل التائب المذكور، بمعنى: فيتوقع أن يفلح ويفوز.
٦٨ - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
بين الله في الآيات السابقة أن الشركاء لا ينفعُون المشركين في أُخراهم، وجاءَت هذه الآية لتبين أن الأَمر كله لله، ولهذا اختار لعباده من يرشدهم إلى سواء السبيل، فليس لهم الخيرة في عقائدهم ولا في اختيار رسلهم، كما نزلت لكي ترد على أولئك الذين يقترحون على الله الرسل، كالوليد بن المغيرة حيث قال: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ يعني بذلك نفسه من مكة، وعروة بن مسعود الثقفى من الطائف.
والمعنى: وربك يخلق ما يشاء من خلقه بقدرته ويختار منهم من يشاء بحكمته لطاعته وحمل رسالته، على مقتضى علمه باستعدادهم لذلك، فليس في مقدور الخلق ولا من حقهم أن يختاروا على الله ما يشاءُون من أديان باطلة وآلهة زائفة، تنزَّه الله تعالى بذاته تنزُّهًا خاصًّا به من أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره، وتقدس وتمجد عن إشراكهم.
قال الزمخشرى: إن الاختيار إلى الله - تعالى - في أفعاله وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، ولا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم.
وجعل بعضهم (سبحان الله) تعجيبًا من إشراكهم من يضرهم ولا ينفعهم بمن يريد لهم الخير ويسوق لهم النِّعم.
٦٩ - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
وربك - أيها الرسول - يعلم ما يخفون في صدورهم من الاعتقادات الباطلة ومن عداوتهم لك، ويعلم ما يظهرونه من الأفعال الخبيثة والطعن فيك، وقولهم: هلَّا اختير غيرك للنبوة، فهو - سبحانه - يعلم ما تُكن الضمائر وما تنطوى عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من جميع الخلائق: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٢) والآية الكريمة تهديد وتحذير شديد لأعداء الله؛ لأنه - سبحانه - يعلم كل
стр. 3563
ما تجيش به صدورهم من الشر، وما يجول بعقولهم من الإثم، ويعلم بكل ما يعلنونه على ملأ من الناس من ضلال.
٧٠ - ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
وهو - سبحانه - المستأثر بالأُلوهية المتفرد بها، لا ربّ غيره ولا معبود سواه، له وحده كل الحمد، وجميع الثناءِ والشكر لا إلى غيره؛ لأنه المُولى للنعم كلها - عاجلها وآجلها - على الخلق كافة، يحمده المؤمنون في الدنيا على إنعامه وهدايته، وفي الآخرة على عدله ومثوبته، وله القضاءُ النافذ في كل شيءٍ من غير مشاركة فيه لغيره. عن ابن عباس: له الحكم بين عباده فيحكم لأهل طاعته بالمغفرة والفضل، ولأهل معصيته بالشفاء والويل، لا مُعقب له، لقهره وغلبته وحكمته، وإليه ترجعون لا إلى غيره فيجزى كلّ عامل بعمله من خير وشر ولا يخفى عليه منكم خافية.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾
стр. 3564
المفردات:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني.
﴿سَرْمَدًا﴾: دائمًا متصلًا مؤبدًا، وهو عند البعض من السَّرد: وهو المتابعة، ومنه قولهم: الأشهر الحرم ثلاثة سَرْدٌ، وواحد فرد، والميم زائدة لدلالة الاشتقاق عليه.
﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾: تستقرُّون فيه، مأَخوذ من (السَّكن) وهو الهدوءُ والطمأْنينة.
﴿وَنَزَعْنَا﴾: أخرجنا بشدة وأبرزنا بسرعة، وجاء في اللغة: نَزَعَهَ من مكانه ينزعه: قلَعَه، كانتزعه.
﴿شَهِيدًا﴾: أي شاهدًا. ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾: حجتكم.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: ذهب وغالب عنهم غيبة الشيء الضال، أي: الضائع.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي ما كانوا يختلقونه في الدنيا من الباطل والكذب على الله - تعالى - من أن معه آلهة تُعْبَد.
التفسير
٧١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾:
انتهت الآيات السابقة بإثبات الوحدانية لله - تعالى - وانفراده بالخلق والاختيار، وعلمه السرائر والظواهر، واستحقاقه وحده الحمد من عباده، في الدنيا على إنعامه وهدايته وفي الآخرة على عدله ومثوبته، وتفرده بالحكم والفصل بين العباد، وإليه المرجع والمصير.
وتواصل هذه الآية وما بعدها توكيد هذه المعاني وتوضيحها بأمثلة مُحَسَّة تشهد له - سبحانه - بكل ما سبق وبأَنه صاحب النعم وواهب المنن، فالآيات القرآنية الثلاث الآتية تنبه الناس إلى حقيقة يجب أن يفهموها، وهي أنه - تعالى - لو خلق الأرض بحيث يكون ليلها دائمًا، أو بحيث يكون نهارها كذلك فليس هناك إله غيره ينعم عليهم بالليل والنَّهار
стр. 3565
المتعاقبين، وبفضل الله ورحمته كان النظام الكونيّ يكفل تعاقب الليل والنهار فيكون السكون والهدوءُ في اللَّيل، والسعى والكدح في النَّهار وبهذا يتهيأُ التوقيت الصالح لحياة الإنسان والحيوان والنبات، وهذا فضل من الله على عباده، يستدعى الإقرار بقدرته ودوام شكره.
ومعنى الآية: أخبروني من يقدر على هذا؟ إن جعل الله عليكم الليل دائمًا متصلًا متتابعًا إلى يوم القيامة فأَصبح الكون ملفوفًا في ليل دامس لا يعقبه نهار، وظلام طامس لا يأتي بعده نور، أخبروني من إله غير الله يأتيكم بنور تبصرون فيه معايشكم وتنطلقون في أرجاء الأرض وأنحائها تعمرونها، فتزرعون وتتاجرون وتنتقلون من مكان إلى مكان، أفلا تسمعون هذا الكلام الحق سماع تدبر واستبصار وقبول للدلائل الباهرة، لتعرفوا أن غير الله - تعالى - لا يقدر على ذلك فتقوموا بشكره، وتعترفوا بفضله، وتُقِرُّوا بوحدانيته.
٧٢ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾:
ثم أخبر أنه لو جعل النهار دائما مستمرًا إلى يوم القيامة بحيث تعملون دائما دون انقطاع من إله غير الله يأتيكم بليل تستريحون فيه من التعب ومشاق الحياة وتفرغون فيه من النصب؟ أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطإ في عبادة غيره؟
وقال الآلوسي: أفلا تبصرون الشواهد المنصوبة الدالة على القدرة الكاملة، لتقفوا على أن غير الله لا قدرة له على ذلك؟ فإذا أقررتم بأنه لا يقدر على الإتيان بالليل والنَّهار غيره فلم تشركون؟
وقال البيضاوى: لعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوءَ نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولأن منافع الضوء أكثر مما يقابله، ولذا قرن به أفلا تسمعون، وبالليل أفلا تبصرون لأن استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر. اهـ: بيضاوي.
ولذا ما اجتمع السمع والبصر في موضع من كتاب الله إلاَّ وقُدِّم السمع على البصر.
стр. 3566
قال - تعالى -: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ (٢).
ولقد ذكر العلماء والمحدثون في تعليل ذلك أن السمع أول الحواس يؤدي وظيفته في الدنيا، وهو أداة الاستدعاء في الآخرة، ولأن الأُذن لا تنام فالسمع أسبق وأنفع وأدوم، وللعلامة الآلوسي تعليق مطول على الآيتين في الجزء السابع ص ١٠٧ وما بعدها فليرجع إليه من أراد التوسع.
٧٣ - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
أي: وبسبب رحمته بكم خلق لكم الليل والنهار لتسكنوا في الليل وتستريحوا من عناء الأعمال وأعباءِ الحياة وأثقال المعيشة، ولتطلبوا الرزق الحلال بالنهار بالأَسفار والترحال والضرب في الأرض، ولتدركوا فضل الله عليكم فتشكروه بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيءٌ بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل كما قال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٣).
٧٤ - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
المعنى: واذكر كذلك - أيها الرسول - يوم يُنادَى المشركون من جانب الله فيقال لهم: أين الشركاء الذين زعمتموهم آلهة ينصرونكم أو شفعاءَ يشفعون لكم؟
وهو تقريع إثر تقريع، للإِشعار بأنه لا شيء أَجلب لغضب الله - تعالى - من الإشراك، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده .
يقول القرطبي: ينادى الله المشركين مرة فيقول لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فيدعون الأصنام فلا تستجيب فتظهر حيرتهم وخيرتهم، ثم ينادَون مرة أخرى على رؤُوس الأشهاد فيسكتون، وهو توبيخ وزيادة خزى.
стр. 3567
٧٥ - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
الآية الكريمة إنذار بما ينتظر هؤلاء المشركين يوم القيامة لجدالهم في وحدانية الله، وتعاميهم عن نعمه عليهم ورحمته بهم.
والمعنى: وأَخرجنا يوم القيامة من كل أُمة شاهدًا يشهد عليهم بما كانوا عليه، وهو نبي تلك الأُمة كما روى عن مجاهد وقتادة، ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١). فقلنا لكل أُمة من الأُمم: هاتوا حجتكم وأحضروا دليلكم على صحة ما تدينون به، وعلى صدق ما ادعيتموه من أن لله شركاء، فعلموا يومئذ أن الحق لله في الألوهية لا يشاركه - سبحان - فيها أحد ولا إله غيره ولم يجدوا جوابًا، وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ما كانوا يختلقونَه من الكذب على الله - تعالى - من أن معه آلهة تعبد.
ويقول ابن كثير: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهبت معبوداتهم فلم ينفعوهم. ويقول الآلوسي: وصيغة الماضي في "ونزغنا" للدلالة على التحقق والثبوت، والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بشأن النزع وتهويله، لصدوره من المولى فهو نزع يليق بعزيز قوى. والله أعلم.
* ﴿إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾
стр. 3568
المفردات:
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: أي ظلمهم، أو تكبر عليهم.
﴿الْكُنُوزِ﴾: الأموال المدخرة المحبوسة، من: كنزه، بمعنى: ادَّخره وحبسه عن الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿مَفَاتِحَهُ﴾: جمع مِفتح - بكسر الميم - وهو المفتاح الذي تفتح به الأغلاق، أو جمع: مَفْتح - بفتح الميم والتاء - وهو الوعاءُ الذي يكنز فيه كالصندوق.
﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾: العصْبة، الجماعة يتعصب بعضها لبعض ويشد أزره، ومعنى ﴿تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾: تثقلها، يقال: ناءَ به، وأناءَه، أي: أَثقله، كما يقال: ذهب به وأذهبه، فالباءُ للتعدية، وبه قال الخليل وسيبويه والفراءُ، واختاره النحاس، وسيأتي بسط الكلام في تفسيره.
﴿لَا تَفْرَحْ﴾: أي لا تفرح بدنياك فرحًا يذهلك عن أُخراك.
﴿الْفَرِحِينَ﴾: قال الزجاج؛ الفرحين والفارحين سواءٌ، ونزيد على ما قاله: أن الفَرِح صيغة مبالغة تفيد زيادة الفرح.
﴿وَابْتَغِ﴾: واطلب. ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ﴾: ولا تطلبه.
التفسير
٧٦ - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ … ﴾ الآية.
اختلف في قارون من جهة قرابته لموسى - علبه السلام - فمن قائل: إنه ابن عمه، وهو ما روى عن ابن عباس وابن جريج وغيرهما - ومن قائل: إنه عمه، وحكاه محمَّد ابن إسحق، ومنهم من قال: إنه ابن خالته، ولم نجد لهذه الروايات سندًا، وحسبنا ما قاله الله - تعالى - في نسبه من أنه من قوم موسى، أي: من بنى إسرائيل، وبصفه الله بأنه بغى عليهم، والبغي - في اللُّغة -: التطاول ومجاوزة الحد، وقد فسره المفسرون هنا بتفسيرات
стр. 3569
مختلفة، فمنهم من فسره بالتكبر، فإنه كان جميل الصورة واسع الثراء، وكان أحفظ بني إسرائيل للتوراة، فتكبر عليهم لذلك، ومنهم من فسره بالظلم؛ لأن فرعون ملكه عليهم فظلمهم وبغي عليهم، والذي نراه أن لكنوزه دخلًا في ظلمه؛ لأن من نصحوه من قومه قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ فهذا واضح في أن ماله أغراه بالإفساد والظلم، ولذا عقبه الله بقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ … الآية﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾:
أي: وأعطيناه من كنوز الأَموال ما دفعه إلى التكبر والتعالى على قومه وظلمهم، فالمراد من الكنوز؛ الأموال المدخرة، ويصف الله عظمة هذه الكنوز بأَن مفاتحها تنوءُ بالعصبة أُولى القوة، والمراد من المفاتح الخزائن. قال الضحاك: مفاتحه: ظروفه وأوعيته، وروى نحو ذلك عن ابن عباس والحسن، وعلى هذا الرأى تكون مفاتح جمع مفْتَح - بفتح الميم وسكون الفاء - أي: مكان الفتح، وهو الوعاء.
ومنهم من قال: إنه جمع مِفتح - بكسر الميم وسكون الفاء - وهو المفتاح الذي تفتح به الخزانة، والأول أقرب إلى التعقل؛ فإن العُصبة أولى القوة تقْدر على حمل المفاتيح، ولا تنوءُ بها، وإنما تنوءُ بحمل الخزائن، والله أعلم.
والعصبة: الجماعة الكثيرة من غير تعيين بعدد خاص كما قاله الراغب، ومنهم من عين لمعناها عددا خاصًّا من عشرة إلى خمسة عشر، هو مروى عن مجاهد، ومنهم من زاد إلى سبعين.
وقال الخفاجي: إن أصل معناها: الجماعة مطلقًا - كما هو مقتضى الاشتقاق (١)، والعرف هو الذي يخص العدد، ومعنى (تفوءُ به العصبة أُولو القوة): تنهض به متثاقلة كما قال ابن عباس وأبو صالح والسُّدى وبه قال الخليل والفراءُ والنحاس.
стр. 3570
وبعض المفسرين جعل هذه العصبة من الرجال، وحددوها بأربعين رجلًا أقوياء، ونسبوا هذا إلى ابن عباس، حيث رووا عنه أن المفاتح هي الخزائن، وكانت خزائنه يحملها أربعون رجلًا أقوياء.
وبعضهم جعلها من الحيوانات كالبغال والخيل، وإطلاق العصبة عليها لغوى؛ قال صاحب القاموس: العصبة - بالضم - من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة - بالكسر - ونقول: إنهم أَخذوا هذا المعنى من العَصْب، بمعنى الشد، فإنها يشد بعضها أَزر بعض، وبعضهم جعل المفاتح كناية عن العلم والحفظ، كما فسروها في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فالمراد من الآية: وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والإحاطة بها ليثقل على الجماعة القوية من الرجال، لاختلاف أصنافها وكثرتها التي تتعب القائمين على حفظها وحسابها والإحاطة بها، وهذا هو تفسير أبي مسلم للآية، وهو - وإن استبعدوه - له سنده من قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ كما أنه تجنَّب فيه المبالغات التي ذكرها كثير من المفسرين في تفسيرها: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال ابن عطية: (إذْ قَالَ) متعلق ببغى عليهم، أي: بغى على قومه إذ قالوا له: لا تفرح ورجح بعض المفسرين تعلقه بمحذوف يقتضيه المقام، أي: فأظهر قارون الفرح بكنوزه إذ قال له الأتقياءُ من قومه: لا تفرح بها إن الله لا يحب الفرحين، وقد نهوه عن فرحه الذي أورثه البغى، ومنعه حق الله تعالى، فهذا هو الذي يُنْهى عنه، أما الفرح سرور بنعمة الله ورضا عنها مع أداء حقها المشروع فلا ينهى عنه؛ لأنه نوع من الشكر على النعم الذي حضَّن عليه الشرع، كما قال - تعالى -: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١). والمراد من عدم محبة الله للفرحين البطرين: بغضه لهم، إبعادهم عن حضرته وعن كرمه.
والمعنى العام للآية: إن قارون كان من بني إسرائيل قوم موسى، فظلمهم وتكبر عليهم بما أُوتيه من علم وجاه ومال، وأعطيناه من الأموال التي كنزها وحبسها عن مَبَرَّات الآخرة - أَعطيناه - ما إن خزائنه لتثقل الجماعة القوية من الدواب التي تحملها، أو من الرجال القائمين على حفظها وحسابها وتدبير أمرها، فأظهر قارون الفرح والتفاخر بكنوزه، إذ قال له أتقياءُ قومه: لا تفرج بها فرح البطر والكفران، إن الله لا يحب الفرحين البطرين الذين يكفرون ولا يشكرون، بل يبغضهم وينتقم منهم.
стр. 3571
٧٧ - ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾:
واطلب فيما أعطاك الله من الكنوز والأموال ثوابا في الدار الآخرة بِصَرْفها في مصارف البر والتقوى، ولا تترك حظك من الدنيا ترك المنسى، فخذ من زينتها وطيباتها ورزقها ما تتجمل به ويعينك على تقوى الله - تعالى - ويقيك شر الحاجة، وأحسن إلى عباد الله - تعالى - كما أحسن الله إليك تأسي بصنيعه معك، أو: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله إليك بالنعم (١)، ولا تطلب بهذه الكنوز الفساد في الأرض والبغى على العباد إن الله لا يحب المفسدين، بل ببغضهم وينتقم منهم.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
﴿أُوتِيتُهُ﴾: أُعطيته.
﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، واختلف في زمنه، وأَصح ما قيل فيه: إنه مائة سنة؛ لقوله ﷺ لغلامه: "عِشْ قرنًا" فعاش مائة سنة، ويطلق على كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد، قاله صاحب القاموس وهو المراد هنا، ويطلق أيضا على أهل زمان واحد، ومنه قول الشاعر:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمُ … وخُلِّفْتَ في قرن فأنت غريب
стр. 3572
ذكره صاحب المختار.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المذنبون، والجرْم والجريمة: الذنب.
التفسير
٧٨ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي .... ﴾ الآية.
لما نصح أتقياءُ بني إسرائيل قارونَ بأن يحسن الإنفاق من ماله كما أحسن الله به إليه، ظن أنهم يصفونه بأنه أوتيه إحسانًا عليه بغير سبب يقتضيه، فرد عليهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ واختلف في تفسير هذا العلم، فقيل: إنه علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها، وقال أبو سليمان الداراني: علم التجارة ووجوه المكاسب، وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن، وقيل: علم الكيمياء، فكان يحول الرصاص والنحاس ذهبًا، ورده العلماء بأن فيه دعوى قلب الحقائق، وذلك لا يكون إلاَّ لله - تعالى - ولم يثبت حدوثه منه بطريق صحيح، وما يشاع بين العامة من إمكان ذلك، إنما هو من باب الأراجيف التي لم تثبت في الواقع، بل هي من باب الصبغ والتزييف (١).
وقال الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيرها: إنما أُوتيتُه على علم من الله باستحقاقي إياه، فلولا رضاه عني وعلمه بفضلي ما أعطانيه، وكلمة ﴿عِنْدِي﴾ على هذا الرأي معناها: في ظني واعتقادي (٢) وقد رد الله عليه بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
أي: أجَهِل قارون فبغى على قومه وأفسد في الأرض، ولم يعلم أن الله - تعالى قد أهلك من قبله من الأُمم الخوالي من هو أشد منه قوة في الآلات، وجمعًا للأعوان والأنصار والأموال، ولا يسأل عن ذنوبهم المذنبون سؤال استعلام أو معاتبة واسترضاء، وإنما يُسأَلون سؤال تقريع وتوبيخ، لقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكيف جهل قارون ذلك فأَفسد وبغى وزعم أنه أوتى كنوز المال استحقاقًا؟
стр. 3573
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾
المفردات:
﴿فِي زِينَتِهِ﴾: فيما تزين به من متاع الجياة الدنيا.
﴿وَيْلَكُمْ﴾: هو في الأصل دعاء بالويل، وهو الهلاك، ثم شاع استعماله في الزجر عمَّا لا ينبغي، وهو المراد هنا.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾: أي ولا يلقى هذه النصيحة، أي: لا يتقبلها ويعمل بها.
﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾: على الطاعات، وعن المعاصي.
التفسير
٧٩ - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾:
اختلف في المراد من الذين يريدون الحياة الدنيا، فقيل: هم جماعة من مؤمني بني إسرائيل تمنَّوْا أن تكون لهم دنيا كدنيا قارون جريًا على سنة البشر من حب التوسع فيها، وكان ذلك على سبيل الغبطة، لا على سبيل الحسد، وقيل: هم جماعة من الكفار أو المنافقين الذين لا هَمَّ لهم إلاَّ دنياهم، والظاهر مع الرأى الأول، وتمنى مثل ما للغير لا يقدح في الإيمان، ولكن طلب الآخرة أفضل، كما يشير إليه رد أهل العلم عليهم في الآية التالية.
стр. 3574
ومعنى الآية: فحرج قارون ذات يوم على قومه بني إسرائيل في زينة عظيمة وتجمل باهر: من ملابس ناضرة، ومواكب فارهة فاخرة، وخدم وحشم، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا مثل الذي أُعيطه قارون ليتمتعوا به مثل متاعه، قائلين: يا ليت لنا مثل ما أُوتي تارون إنه لذو حظ وافر من دنياه، فلما سمع مقالتهم أهل العلم ردوا عليهم بما حكاه الله بقوله:
٨٠ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾:
أي: وقال الذين أوتوا العلم ينصحون طلاب الدنيا وزخرفها، ويزجرونهم عن طلب التوسع فيها حتى لا تفسدهم كما أفسدت قارون - قالوا لهم -: ويلكم لا تطلبوا مثل ما أوتي قارون ولا تتمنوا مثل زيتته ومتاعه الدنيوي، ثواب الله في الآخرة خير من زينته ومتاعه وأعظم مما أوتيه - من ماله ورجاله - لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل عملًا صالحًا يرضاه، ولا يتلقى هذه النصيحة بحسن قبولها والعمل بمقتضاها إلَّا الصابرون على الطاعات، وعن السيئات.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾
стр. 3575
المفردات:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: أي أدخله الله وداره في جوف الأرض، يقال: خسف المكانُ يخسِف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض: ذهب به فيها وأدخله في جوفها، وخسف هو في الأرض وخسف به (١) ﴿فِئَةٍ﴾ أي: جماعة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ هي كلمتان (وى) و (كَأَنَّ). قال الخليل وسيبويه: (وَيْ): اسم فعل بمعنى أعجب، وتكون للتحسُّر والتندم أيضًا، قال الجوهرى: وقد تدخل (ويْ) على (كأَن) المخففة والمشددة، تقول: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ قال الخليل: هي مفصولة، تقول: ويْ - ثم تبتدئ فتقول: (كأَن) يعني: أن الوقف على (وَيْ). كما في البحر، و (كأن) فيه عارية عن معنى التشبيه جيءَ بها للتحقيق، كما في قول الشاعر:
وأَصبح بطن مكة مقشعرا … كأَن الأرض ليس بها هشام
ويروي الثعلبي عن الفراء أَن (ويكأَن) كلمة تقرير، كقولك: أما ترى صنع الله وإحسانه؟ وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت أي: أما ترينَّه؟ وبهذا قال ابن زيد وجماعة، وهو بمعنى ما روى عن ابن عباس ﵄ (ويكأن): حرف واحد بجُمْلته، وهو بمعنى ألم تر (٢).
التفسير
٨١ - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾:
لما ذكر الله - تعالى - خروج قارون في زينته، وفخره على الناس وخيلاته بدنياه، وبغيه على عباد الله، عقب ذلك ببيان ما حل به من الجزاء على البغي والخيلاء، وبضم إليهما الكفر، كما سيصرح به في الآية التالية: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
ويرى ابن كثير أنه هو المعنى بحديث البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "بينا رجلًا يجر إزاره إذ خسف به، فهو