٧٧ - ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾:
واطلب فيما أعطاك الله من الكنوز والأموال ثوابا في الدار الآخرة بِصَرْفها في مصارف البر والتقوى، ولا تترك حظك من الدنيا ترك المنسى، فخذ من زينتها وطيباتها ورزقها ما تتجمل به ويعينك على تقوى الله - تعالى - ويقيك شر الحاجة، وأحسن إلى عباد الله - تعالى - كما أحسن الله إليك تأسي بصنيعه معك، أو: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله إليك بالنعم (١)، ولا تطلب بهذه الكنوز الفساد في الأرض والبغى على العباد إن الله لا يحب المفسدين، بل ببغضهم وينتقم منهم.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
﴿أُوتِيتُهُ﴾: أُعطيته.
﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، واختلف في زمنه، وأَصح ما قيل فيه: إنه مائة سنة؛ لقوله ﷺ لغلامه: "عِشْ قرنًا" فعاش مائة سنة، ويطلق على كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد، قاله صاحب القاموس وهو المراد هنا، ويطلق أيضا على أهل زمان واحد، ومنه قول الشاعر:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهمُ … وخُلِّفْتَ في قرن فأنت غريب
стр. 3572
ذكره صاحب المختار.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المذنبون، والجرْم والجريمة: الذنب.
التفسير
٧٨ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي .... ﴾ الآية.
لما نصح أتقياءُ بني إسرائيل قارونَ بأن يحسن الإنفاق من ماله كما أحسن الله به إليه، ظن أنهم يصفونه بأنه أوتيه إحسانًا عليه بغير سبب يقتضيه، فرد عليهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ واختلف في تفسير هذا العلم، فقيل: إنه علم التوراة فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها، وقال أبو سليمان الداراني: علم التجارة ووجوه المكاسب، وقيل: علم استخراج الكنوز والدفائن، وقيل: علم الكيمياء، فكان يحول الرصاص والنحاس ذهبًا، ورده العلماء بأن فيه دعوى قلب الحقائق، وذلك لا يكون إلاَّ لله - تعالى - ولم يثبت حدوثه منه بطريق صحيح، وما يشاع بين العامة من إمكان ذلك، إنما هو من باب الأراجيف التي لم تثبت في الواقع، بل هي من باب الصبغ والتزييف (١).
وقال الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيرها: إنما أُوتيتُه على علم من الله باستحقاقي إياه، فلولا رضاه عني وعلمه بفضلي ما أعطانيه، وكلمة ﴿عِنْدِي﴾ على هذا الرأي معناها: في ظني واعتقادي (٢) وقد رد الله عليه بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
أي: أجَهِل قارون فبغى على قومه وأفسد في الأرض، ولم يعلم أن الله - تعالى قد أهلك من قبله من الأُمم الخوالي من هو أشد منه قوة في الآلات، وجمعًا للأعوان والأنصار والأموال، ولا يسأل عن ذنوبهم المذنبون سؤال استعلام أو معاتبة واسترضاء، وإنما يُسأَلون سؤال تقريع وتوبيخ، لقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فكيف جهل قارون ذلك فأَفسد وبغى وزعم أنه أوتى كنوز المال استحقاقًا؟
стр. 3573
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾
المفردات:
﴿فِي زِينَتِهِ﴾: فيما تزين به من متاع الجياة الدنيا.
﴿وَيْلَكُمْ﴾: هو في الأصل دعاء بالويل، وهو الهلاك، ثم شاع استعماله في الزجر عمَّا لا ينبغي، وهو المراد هنا.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾: أي ولا يلقى هذه النصيحة، أي: لا يتقبلها ويعمل بها.
﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾: على الطاعات، وعن المعاصي.
التفسير
٧٩ - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾:
اختلف في المراد من الذين يريدون الحياة الدنيا، فقيل: هم جماعة من مؤمني بني إسرائيل تمنَّوْا أن تكون لهم دنيا كدنيا قارون جريًا على سنة البشر من حب التوسع فيها، وكان ذلك على سبيل الغبطة، لا على سبيل الحسد، وقيل: هم جماعة من الكفار أو المنافقين الذين لا هَمَّ لهم إلاَّ دنياهم، والظاهر مع الرأى الأول، وتمنى مثل ما للغير لا يقدح في الإيمان، ولكن طلب الآخرة أفضل، كما يشير إليه رد أهل العلم عليهم في الآية التالية.
стр. 3574
ومعنى الآية: فحرج قارون ذات يوم على قومه بني إسرائيل في زينة عظيمة وتجمل باهر: من ملابس ناضرة، ومواكب فارهة فاخرة، وخدم وحشم، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا مثل الذي أُعيطه قارون ليتمتعوا به مثل متاعه، قائلين: يا ليت لنا مثل ما أُوتي تارون إنه لذو حظ وافر من دنياه، فلما سمع مقالتهم أهل العلم ردوا عليهم بما حكاه الله بقوله:
٨٠ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾:
أي: وقال الذين أوتوا العلم ينصحون طلاب الدنيا وزخرفها، ويزجرونهم عن طلب التوسع فيها حتى لا تفسدهم كما أفسدت قارون - قالوا لهم -: ويلكم لا تطلبوا مثل ما أوتي قارون ولا تتمنوا مثل زيتته ومتاعه الدنيوي، ثواب الله في الآخرة خير من زينته ومتاعه وأعظم مما أوتيه - من ماله ورجاله - لمن آمن بالله واليوم الآخر وعمل عملًا صالحًا يرضاه، ولا يتلقى هذه النصيحة بحسن قبولها والعمل بمقتضاها إلَّا الصابرون على الطاعات، وعن السيئات.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾
стр. 3575
المفردات:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: أي أدخله الله وداره في جوف الأرض، يقال: خسف المكانُ يخسِف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض: ذهب به فيها وأدخله في جوفها، وخسف هو في الأرض وخسف به (١) ﴿فِئَةٍ﴾ أي: جماعة ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ هي كلمتان (وى) و (كَأَنَّ). قال الخليل وسيبويه: (وَيْ): اسم فعل بمعنى أعجب، وتكون للتحسُّر والتندم أيضًا، قال الجوهرى: وقد تدخل (ويْ) على (كأَن) المخففة والمشددة، تقول: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ قال الخليل: هي مفصولة، تقول: ويْ - ثم تبتدئ فتقول: (كأَن) يعني: أن الوقف على (وَيْ). كما في البحر، و (كأن) فيه عارية عن معنى التشبيه جيءَ بها للتحقيق، كما في قول الشاعر:
وأَصبح بطن مكة مقشعرا … كأَن الأرض ليس بها هشام
ويروي الثعلبي عن الفراء أَن (ويكأَن) كلمة تقرير، كقولك: أما ترى صنع الله وإحسانه؟ وذكر أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك ويلك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت أي: أما ترينَّه؟ وبهذا قال ابن زيد وجماعة، وهو بمعنى ما روى عن ابن عباس ﵄ (ويكأن): حرف واحد بجُمْلته، وهو بمعنى ألم تر (٢).
التفسير
٨١ - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾:
لما ذكر الله - تعالى - خروج قارون في زينته، وفخره على الناس وخيلاته بدنياه، وبغيه على عباد الله، عقب ذلك ببيان ما حل به من الجزاء على البغي والخيلاء، وبضم إليهما الكفر، كما سيصرح به في الآية التالية: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
ويرى ابن كثير أنه هو المعنى بحديث البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "بينا رجلًا يجر إزاره إذ خسف به، فهو
стр. 3576
يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" وللتجلجل معان، منها: الذهاب في الأرض، والتضعضع، وشدة الصوت، والوعيد، والأخير هو أنسبها؛ فهُو في وعيده وعقابه إلى يوم القيامة، وهناك يعذب عذاب الكافرين حيث يخلد في النار.
ولم نجد أحدًا من المفسرين تحدث عن الأرض التي خسف به وبداره فيها، ويوجد في محافظة الفيوم بحيرة صغيرة تسمى (بركة قارون) فلعله وقومه كانوا يسكنون بهذه المنطقة، وأنه خرج على قومه في زينته بأرضها فغيبه الله وداره في جوفها، ونشأت بركة قارون بسبب هبوط الأرض هبوطًا شديدًا تحت مستوى المياه الجوفية، فسارعت المياه الجوفية فملأت مكان الخسف، ونشأت بذلك بركة نسبت إليه، لتكون آية على مكانه وشاهدا على عاقبة بغيه وكفره، ومعلوم أن بني إسرائيل قد كثروا بمصر حتى أصبحوا بها أمة، وقد أذلهم المصريون، واستخدموهم في بيوتهم وحقولهم، فلما جاء موسى برسالة إلى فرعون، وأظهره الله عليه استطاع أن يخفف عنهم ذل ألاسر والاستعباد فطلب إليهم أن ينفردوا ببيوت لهم يسكنونها مستقلين عن سادتهم من المصريين، وأن يكونوا مُتجاورين، وفي ذلك يقول لله - تعالى -: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ولو صح استنباطنا من أنهم يسكنون بمنطقة الفيوم حيث بركة قارون، فإن ذلك لا يمنع من أن بيوتهم في مصر، فإن الفيوم إقليم مصري، ولعله كان له شأن في ذلك الزمان.
السبب المباشر للخسف بقارون وداره
يروى أنه كان كثير الإيذاء لموسى فصبر عليه؛ لأنه كان ابن عمه حتى اتهمه بالزنى في محضر من قومه فبرأه الله وحكَّمه فيه، وفي ذلك روى ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس "أن قارون كان ابن عم موسى ﵇ وكان يتتبع العلم حتى جمع علمًا، فلم يزل في ذلك حتى بغى على موسى ﵇ وحسده، فقال موسى: إن الله - تعالى - أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، أفتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى
стр. 3577
بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه فتتهمه بأنه أرادها على نفسمها، فأرسلوا إليها فقالوا لها: نعطيك حُكْمك (١) على أن تشهدى على موسى أنه فجَر بكِ، فقالت: نعم، فجاءَ قارون إلى موسى ﵇ قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم فقالوا: بِم أمرك ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأَن تصلوا الرحم، وكذا وكذا، وقد أمرني الزاني إذا زنى وقد أُحصن أن يرجم، قالوا: وإن كنت أنت، قال: نعم، قالوا: فإنك زنيت، قال: أَنا؟ فأرسلوا إلى المرأة فجاءَت فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى ﵇: أنشدك بالله إلاَّ ما صدقتِ فقالت: أما إذْ نشدتني (٢) بالله - تعالى - فإنهم دعوني وجعلوا لي جُعْلًا (٣) على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أَنك برئ وأنك رسول الله. فخر موسى ساجدًا يبكى، فأَوحى الله إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأَرض فمُرها تطعك، فرفع رأْسه فقال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم .... الحديث".
وفي تبرئة الله لموسى ممَّا اتهموه به يقول الله - تعالى - في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٤). وهناك روايات أُخرى في سبب خسفه، وحسب القارئ ما تقدم.
المعنى الإجمالي للآية
فخرقنا بقارون وبداره الأرض وغيبناهما في جوفها، فما كان له من جماعة غير الله يدفعون عنه نقمة الله ونكاله، وما أغنى عنه ماله وخزائنه ولا حماه خدمه وحشمه وأنصاره، وما صح ولا استقام أن يكون من الممتنعين من بطش الله بأي سبب من أسباب الامتناع، فإنه لا بد واقع، ليس له من دافع.
٨٢ - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾:
стр. 3578
﴿وَأَصْبَحَ﴾ هنا بمعنى: وصار، و ﴿بِالْأَمْسِ﴾ بمعنى: منذ زمان قريب، واستعماله بهذا المعنى مجاز مشهور، ومن المفسرين من حملهما على معناهما الحقيقي، ونحن نوثر المعنى الأول في تأْويل الآية؛ لما فيه من الاحتياط في تأْويلها، ولشموله للمعنى الثاني أيضًا.
ومعنى الآية: وصار الذي تمنوا منذ زمان قريب مثل ما أُوتي قارون من السعة والغنى يقولون: نَعجب ممَّا حدث لقارون، ونندم على تمنينا مثل ما أُوتى حقًّا إن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده لا لِكرَامَة تقتضى البسط، ويضيقه على من يشاء، لا لهوان يقتضي التضييق، فهو الحكيم في قضائه وقدره، لولا أن منَّ الله علينا فلم يعطنا ما تمنينا لخسف بنا كقارون؛ لأن المال يغوينا كما أغواه، ويدمرنا كما دمره، نعجب مرة أُخرى من هذا العقاب، ونندم على تمنينا مثل يساره الذي فتنه، إنه لا يفلح الكافرون بنعم الله، المؤثرون لدنياهم على دينهم، المكذبون برسلهم ووعْدِهِم ووعيدهم، فهم الخاسرون النادمون.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾
المفردات:
﴿عُلُوًّا﴾: استكبارًا. ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾: الخاتمة الطيبة.
٨٣ - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
هذه الجنة العظيمة الموجودة في الآخرة بنعيمها الدائم، وجمالها الباسم نجعلها ثوابًا للمؤمنين الصالحين الذين لا يريدون بنعم الله عليهم تعالِيًا على الناس، وسلطانًا فوقهم،
стр. 3579
ولا يريدون بها عدوانًا وظلما يفسد عليهم حياتهم، والعاقبة المحمودة في شرع الله وحكمه للذين يتقون غضبه فيطيعون أمره، ويجتنبون نهيه، ويسالمون عباده.
جاء في حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يأيها الناس إني أُوحي إليّ أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا" أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، ومن أحب أن يتجمل بين الناس بنعم الله عليه فلا يعد هذا تعاليًا ولا كبًرا، فقد صح أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أُحب أَن يكون ردائي حسنًا ونعلى حسنة أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا، إن الله جميل يحب الجمال" أخرجه الإِمام مسلم والإمام أحمد.
٨٤ - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
من جاء يوم الحساب والجزاء بالخصلة الحسنة عقيدة أو عملا، فله جزاء خير منها، حيث يضاعف الله ثوابها بحسب ما فيها من حسن النية والأداءِ، ومن جاء بالخصلة السيئة عقيدة أو عملا فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا بمثل ما كانوا يعملونه من السيئات دون زيادة عليهما، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (١).
وإنما قال: من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة، ولم يقل: من عمل الحسنة ومن عمل السيئة للدلالة على أن استحقاق الثواب أو العقاب مستفاد من الخاتمة التي يجيء بها الإنسان لربه، لا من أول العمل، فمن أمضى عمره في الكفر ثم أسلم وحسن عمله فقد جاء ربَّهُ بالحسنة وله ثوابه، ومن أمضى عمره في الإيمان والعمل الصالح ثم كفر، فقد جاءَ ربه بالسيئة وله عقابه. نعوذ بالله من سوء الخاتمة.
стр. 3580
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُوأَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
المفردات:
﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أوجب عليك تبليغه، والعمل به.
﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: لراجعك إلى مكان عظيم تعودته - وهو مكة -: من العادة، أو إلى مكان تعود إليه بعد الخروج منه: من العْودِ؟، وهو مكة أيضًا، وذلك في يوم فتحها سنة ثمان من الهجرة، وفيه معان أخرى، وما ذكرناه أولاها.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: بعد عن الحق واضح، من (أَبانَ): اللازم، بمعنى اتضح.
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: وما كنت تتوقع أن ينزل عليك القرآن.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾: أي معينًا لهم بإجابتهم إلى طلبهم.
﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: ولا يمنعك الكافرون عن العمل بآيات الله بعد وقت إنزالها إليك.
стр. 3581
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: أي كل شيءٍ فإن إلا ذاته - تعالى - فالوجه مجاز عن الذات، وللكلام بقية في التفسير.
التفسير
٨٥ - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
ذكر الله - تعالى - في الآيات السابقة قصة موسى وقومه مع قارون وبغيه واستطالته عليهم، وهلاكه، ونصره أهل أهل الحق عليه، وجاءَ بهذه الآية مشيرة إلى قصة سيدنا محمَّد وأصحابه مع قومهم، واستطالتهم عليهم، وإخراجهم إياهم من بلدهم، ومبشرة بإعزازه ﷺ ورده والمؤمنين المهاجرين إلى مكة وفتحهم إياها غالبين منصورين، ووسط بين القصتين ما هو مرتبط بهما من شئون الآخرة، للانتقال من قصة أُخرى، قال مُقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلًا مهاجرًا إلى المدينة في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها، فقال له جبريل: إن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: أي مكة ظاهرًا عليها، قال ابن عباس: نزلت بالجحفة فليست مكية ولا مدنية.
وتفسير المعاد بمكة قول الأكثرين، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس ومجاهد وغيرهم، وقال الضَّبِّي: معاد الرجل بلده؛ لأنه ينصرف منه ثم يعود إليه.
وفي المعاد أَقوال أُخرى، وما ذكرناه أولى منها بالقبول، لما ذكرناه من الربط بين القصتين.
ومعنى الآية: إن الله الذي فرض عليك - أيها الرسول - تبليغ القرآن والعمل به، لراجعك ظافرًا إلى مكة بلدتك التي تعودتها وقد أخرجوك منها فلن يكون خروجك منها أبديًا، قل لقومك: ربي أعلم بمحمد الذي جاءَ بالهدى من عنده فينصره ويرده إلى بلده وينشر هداه، وأعلم بمن هو في ضلال واضح من قومه فيخذله، ويذله.
стр. 3582
٨٦ - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾:
هذه الآية مقررة لما جاء في الآية السابقة، من الوعد بإعادته إلى مكة التي أخرجوه منها ومؤَيدة لموقفه السلبي من دعوتهم إياه إلى العودة إلى ملة الشرك التي نشأُوا عليها، وتثبيت له عليه، قال مقاتل: دعا كفار مكة رسول الله ﷺ إلى دين آبائه فذكره الله - تعالى - نعمه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.
والواقع أن الرسول الأمين لا يتصور منه أن يكون ظهيرا للكافرين في دينهم، فهو بعيد عنه منذ صباه، وكان يعبد الله على ما بقى من دين إبراهيم، فالغرض من نهي الرسول عن أن يكون ظهيرًا لهم، إنما هو إقناطهم من استجابته إليهم مهما اشتدت قسوتهم، ببيان أن الأمر صدر له بمخالفتهم ممن أنزل عليه الكتاب رحمة به وبهم، فلا تطمعوا في مخالفته ما كلفه به ربه.
ومعنى الآية: وما كنت تتوقع أن يختارك الله رسولًا، وأن يُنزل عليك كتابًا تبلغه قومك ومَنْ وراءَهم، ولكن رحمة من ربك بعباده وبك، اختارك وأنزل عليك الكتاب فلا تكونن في يوم من الأيام معينًا للكافرين - وأنت من الله بهذه المكانة والمنزلة المقتضية لنصرك عليهم - بل دم على ما أنت عليه من مخالفتهم والاستمرار في دعوتهم إلى الحق مهما لقيت في سبيله فلسوف يعيدك ربك إلى بلدك مظفرًا منصورا.
٨٧ - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
ولا يمنعنك قومك بإعراضهم وعدائهم عن تبليغ آيات الله بعد إذ أنزلها الله إليك، فلا تتأثر لمخالفتهم وصدهم الناس عنك، وإيذائهم لك ولأتباعك، فإن الله سيعلي كلمتك، ويؤيد دينك، ويظهر ما أُرسلت به على سائر الأَديان، ودم على ما أنت عليه من الدعوة إلى إلى ربك وحده لا شريك له، ولا تكونن من زمرة المشركين بعد أن دعوك إليهم، فهم أهل الضلال، وأنت رسول الهدى، وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات والنور.
стр. 3583
والغرض من الآية: إقناط الكافرين من استجابة الرسول إليهم، كما تقدم في الآية السابقة، فإنه لا يتصور منه أن يكون من المشركين، قد اختاره رب العالمين، وكيف يتصور منه ذلك وهو الذي كان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين ما تركته أو أهْلِك دونه".
٨٨ - ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
هذه الآية كالآيتين قبلها لمزيد تثبيت النبي ﷺ فيما هو مقيم عليه من الدعوة إلى توحيد الله، وقطع أطماع المشركين في استجابته إلى ما أرادوه منذ فجر الدعوة من تركه دعوة التوحيد وعودته إلى الوثنية دين الآباء والأجداد مهما بالغوا في إيذائه فاقرأ ما كتبناه عليهما قبلها، لتدرك مبلغ ترابطها.
ومعنى هذه الآية: والزم توحيد ربك الذي أنت مقيم على عبادته ولا تعبد مع الله إلها آخر. فإنه لا معبود بحق سواه، كل شيءٍ مصيره إلى الهلاك إلا ذاته - سبحانه - له القضاءُ النافذ في خلقه عابدين ومعبودين وسواهم، وإليه تُرجعون للحساب والجزاء، فكيف يُعبد سواه وقضاؤه نافذ في خلقه بالهلاك والفناء؟ قال ﷺ : "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل".
واعلم أن المراد من الشيءِ: الموجود، ولهذا استدل بالآية على إطلاق لفظ شيءٍ على الله - تعالى - وكأنه قيل: كل موجود في أي وقت هالك إلا ذاته فلا يلحقه هلاك . وقال مجاهد والثوري في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلاَّ ما أُريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه، والمقصود من هذا الرأى أن الأعمال الصالحة التي يراد بها وجه الله - تعالى - تبقى ببقاء ثوابها، حيث يجدها صاحبها نعيمًا مقيمًا في جنة الرحمن الرحيم.
стр. 3584
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العنكبوت
سورة العنكبوت مكية - قيل: هي آخر ما نزل بمكة - فيكون ذكر شيءٍ عن المنافقين فيها من باب الإخبار بالمغيبات عن مجتمع المدينة، وذكر الجلال في وجه اتصالها بما قبلها: أن الله - تعالى - أخبر في سورة القصص، التي قبلها بما كان من فرعون واستعلائه على قومه، وجعلهم شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءَهم ويستحيى نساءَهم، ويسومهم سوءَ العذاب فافتتحت سورة العنكبوت بذكر المؤمنين الذين فتنهم الكفار، وعذبوهم بعذاب دون ما عذب به فرعون بني إسرائيل تسلية لهم بذكر ما وقع بمن قبلهم، وحثًا لهم على الصبر وتحمل الأذى، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾. كما أن من المناسبة أيضًا ما أشارت إليه الآيات في خاتمة سورة القصص، من هجرة النبي ﷺ في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ على بعض الأقوال، وما أَشارت إليه سورة العنكبوت من هجرة المؤمنين في قوله - تعالى -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، هذا، وقد ختمت سورة القصص بما يفيد هلاك جميع المخلوقات، ورجوعهم إلى الله، فكان من جميل النسق أن تبدأَ سورة العنكبوت بعدها بتوجيه المؤمنين إلى الصبر على ما يتعرضون له من الأذى، وما يُفتنون به من بلاء المشركين، ليكون لهم جزاءُ الصابرين، وعقبى المتقين.
خلاصة هذه السورة
بدأت السورة بذكر ما يتعرض له المؤمنون من الفتن، وما يواجههم من عنت وإرهاق وتعرض لفتن كثيرة جرت عليها سنة من قبلهم من المؤمنين حيث أُوذوا من الكافرين برسلهم ليتبين الذين صدقوا، ويُعلَم الكاذبون، ثم حثت الآيات على التمسك بالعقيدة، والعمل الصالح استعدادًا للقاءِ الله، ونبهت إلى جميل الجزاء، وحسن الثواب لمن أقام على عمل الصالحات التي من جملتها الإحسان إلى الوالدين، واصطناع المعروف معهما مهما كان شأْنهما، وحذرت من ضعفا الإيمان ضعفًا تهزه الحوادث، ويذهب به التعرض للأذى والفتن.
ثم انتقلت الآيات إلى طرف من قصص نوح وإبراهيم ولوط مع قومهم في بيان يطول ويقصر، حتى انتهت إلى قصة شعيب ﵇ مع أَهل مدين.
стр. 3585
ثم انتقلت من هذا إلى تهوين أمر المشركين والكافرين مهما بلغت قواهم، وظهر أمرهم، فإن هذا كله لا يلبث أن يزول، وينتهى بهم إلى أشد العقاب، ولا تنفعهم معبوداتهم؛ فهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم دعت الآيات إلى حسن المجادلة مع أهل الكتاب بالحكمة والموعظة الحسنة حسبما يرشد إلى ذلك الكتاب الكريم الذي أُنزل على النبي الأُمي الذي لم تسبق له قراءَة ولم يجلس إلى معلم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾: وتأكدت هذه المعاني كلها بآيات بعد ذلك ترد شبههم، وتنعى عليهم استعجالهم العذاب الذي لن يفوتهم إن كان مقدرًا عليهم، وسيغشاهم من فوقهم، ومن تحت أرجلهم إذا حان حينه، وجاء أوانه.
ثم اتجهت الآيات في ختام السورة إلى دعوة المؤمنين إلى التماس عزتهم وقوتهم في أرض الله الواسعة، فستكون لهم العاقبة الحسنى في الدار الآخرة التي هي الحيوان لو كانوا يعقلون.
وبمقدار ما عابت الآيات أحوال الكافرين، وأنكرت عليهم تكذيبهم للحق حين جاءَهم، بشرت المجاهدين في سبيل الله بالهداية إلى سبيل الرشاد في الدارين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وسميت السورة سورة العنكبوت لذكره فيها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١)﴾
بدئت هذه السورة بسرد حروف من حروف المعجم كغيرها من كثير من السور، والكلام في ذلك مثل الكلام في نظائره من هذه الفواتح الكريمة السابقة، فارجع إلى مثله في أوائل القرآن إن شئت.
ومما تجدر الإشارة إليه أن السور التي بدئت بسرد حروف من المعجم أتبعت هذا الابتداء بالحديث عن القرآن الكريم بصور مختلفة، وأساليب متعددة، إلا ثلاث سور هذه إحداها
стр. 3586
وسورة الروم، وسورة مريم، وهذا يدلنا على أن في هذا الكتاب العزيز أسرارا لا يزال العقل البشري في عجز عن إدراكها، ومعرفة الحكمة فيها ومنها، مهما تكلف في توجيه ذلك المتكلفون.
على أن ذكر هذه الحروف في مفتتح هذه السور وغيرها أُسلوب من أساليب إثارة الانتباه والتيقظ لما يذكر بعدها من أغراض وأهداف.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾
المفردات:
﴿أَحَسِبَ﴾: أظَنّ، والحسبان كالظن: ترجيح أحد النقيضين على الآخر.
﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾: لا يختبرون ولا يمتحنون، من قولهم: فَتن الذهب، إذا أدخله النار ليختبر جودته.
﴿صَدَقُوا﴾: آمنوا عن عقيدة وإخلاص.
﴿الْكَاذِبِينَ﴾: المنافقين في إيمانهم.
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن يفوتونا ويعجزونا فلا يلاقوا جزاءَ أعمالهم.
التفسير
٢ - ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾:
(الحُسْبَانُ): ترجيح أحد النقيضين على الآخر كالظن. بخلاف الشك، فهو: التردد بينهما، وبخلاف العلم، فهو: القطع بأَحدهما، ولا يتعلق الحسبان بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجُمل، ولذلك يقتضي مفعولين أَصلهما المبتدأُ والخبر، أو ما يسد مسدَّهما كما هنا.
стр. 3587
والمعنى: أظَنَّ الناس تركهم غير مفتونين لمجرد إيمانهم أو نطقهم بالشهادتين دون أن يتعرضوا للفتن في دينهم، والامتحان بمشاق التكاليف من المهاجرة والمجاهدة، والصبر على فعل الطاعات، واحتمال أنواع المصائب في الأموال والأنفس والثمرات؛ ليتميز المخلص في إيمانه من المنافق، والراسخ في الدين من المتزلزل فيه، فيلاقى كل واحد جزاءَه بما يقتضيه عمله كما في قوله - تعالى -: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
رُوي أنها نزلت في أُناس من المسلمين الأَوائل كان المشركون من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإِسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار ابن ياسر، وأبيه ياسر، وأُمه سمية، وغيرهم. فكانت صدورهم تضيق لذلك، فنزلت هذه الآيات تسلية لهم وإعلامًا بأَن هذه هي سنة الله في خلقه اختبارا لهم وتمحيصًا.
وهذه الآيات وإن نزلت في هُؤلاء فهي باقية في أُمة محمَّد ﷺ أبد الدهر.
وقيل: نزلت في "مهجع" مولى عمر بن الخطاب أول من قُتِل من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله فجزع عليه أبواه، وامرأته، فقال النبي ﷺ : "سيد الشهداءِ مهجع، وأول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأُمة".
٣ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾:
هذه الآية تتصل بالآية قبلها، توضح أن ابتلاء الأمم سنة قديمة مبنية على الحِكم البالغة، جارية بين الأُمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافها.
والمعنى: ولقد اختبرنا الأمم قبلكم، وابتليناهم بأنواع من البلاء، وضروب من الفتن والمحن أشد مما أصابكم، فمنهم من صبروا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا ومنهم من ارتدَّ عن دينه، وهؤُلاء وأولئك معلومون لله مجزيون على أعمالهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا .... ﴾ أي: فوالله ليعلمن الله الصادقين الذين
стр. 3588
صبروا لهذا الامتحان يعلمهم علمًا تنجيزيًا، بعد أن علمهم قبل أن يكونوا، وليعلمن الكاذبين في إيمانهم كذلك، فيجزى كلًّا جزاءه الذي يناسب حاله (١).
٤ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾:
هذه الآية انتقال من إنكار حسبان الناس أن يتركوا لمجرد الإيمان دون أن يفتننوا.
إلى إنكار حسبان الذين يعملون السيئات أن لا نجازيهم على سيئاتهم وهو أبطل من الحسبان الأَول، وقد عمم بعضهم فحمل السيئات على الكفر والمعاصي. وتكون الآية على هذا في المشركين وعصاة المؤمنين، وهم وإن لم يحسبوا أن يفوتوه - تعالى - ولم تطمع نفوسهم في ذلك لكن نُزِّل جريهم على غير موجب العلم بالجزاءِ من الغفلة وإصرارهم على المعاصي منزلة من لم يتيقن الجزاء.
والمفهوم من السياق، ومن سبب النزول: أن الحسبان الأول كان من المؤمنين، وهذا الحسبان من الكافرين، وبهذا أخذ ابن عباس ﵄. فقد روى أنه قال: يريد - سبحانه - بالذين يعملون السيئات الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، والأسود، والعاص ابن هشام، وشيبة وعتبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط. وحنظلة ابن وائل، وأنظارهم من صناديد قريش.
وهذا لا يمنع أن الآية تعم جميع من يعمل السيئات؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والمعنى الإجمالي للآية: أظنَّ الذين يرتكبون السيئات من الكفر والمعاصي أن يفوتونا، ويهربوا من حسابنا فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم، لقد ظنوا كذبا، وحسبوا باطلا، وحكموا فاسدًا ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: أي بئس الحكم الذي يحكمونه هذا الحكم.
стр. 3589
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾
المفردات:
﴿يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: يتوقع ملاقاة جزائه، أو يخاف.
﴿أَجَلَ اللَّهِ﴾ الوقت الذي حدده وعينه. ﴿جَاهَدَ﴾: غالب نفسه وقهرها على الطاعة.
التفسير
٥ - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
المعنى: من كان يتوقع ملاقاة جزائه ثوابًا أو عقابًا: فليبادر إلى ما يحقق رجاءه، ويؤمن خوفه، وليختر من الأعمال ما يؤدي إلى حسن الثواب، وجميل العاقبة، وليحْذر ما يسوقه إلى سوء العاقبة كقوله - تعالى -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).
وقوله - تعالى -: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ معناه: فإن الوقت الذي حدده وعينه لذلك لآت وواقع لا محالة عن غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، فليستعد لذلك ويقدم له. وقيل: المقصود برجائه لقاء الله: أمَلُه بلقائه في الجنة.
ومعنى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾: هو السميع لأَقوال عباده في جهرهم وسرهم، وخلواتهم وجلواتهم، العليم بجميع أحوالهم وشئونهم لا يغيب عنه من ذلك شيء، ولا يخفى عليه أمر.
стр. 3590
ويجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر تصديقًا لقوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (١).
٦ - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾:
ذكرت الآيات السابقة ابتلاءَ الله عباده واختبارهم ليمحص الذين آمنوا فيجزل لهم الثواب، ويعظم الأجر، ثم جاءت هذه الآية تحفز هممهم إلى الاستزادة من عمل الصالحات. وكثرة الطاعات، فقال - تعالى - ما معناه: ومن جاهد نفسه بالصبر على طاعة الله، أو دفع وساوس الشيطان فإنما يجاهد لنفسه لعود منفعته إليها، إن الله لغنى عن العالمين فلا حاجة له إلى طاعتهم، وإنما أَمرهم - سبحانه - بها ليثابوا عليها بموجب رحمته وحكمته.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾
المفردات:
﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: لنسقطنَّ عنهم عقاب سيئاتهم.
﴿أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي أحسن جزاء أعمالهم، بأن تجازي الحسنة الواحدة بعشر أمثالها فأكثر، أما الجزاء الحسن فإنه يكون بمجازاة الحسنة بحسنة مثلها فقط.
التفسير
٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
قررت الآية السابقة أن من جاهد فإنما يجاهد لنفسه، وهذه الآية تؤكد هذا المعنى وتزيد
стр. 3591
عليه أن فضل الله - تعالى - لا يقف عند الجزاء بالمثل، بل فضله أعظم، ورحمته أوسع وأشمل، فهي تشير إلى أن الله - تعالى - يسقط عذاب الكافرين بإسلامهم، ويتجاوز عن عقاب العصاة لفعل الطاعات، ثم تتجلى وحمة الله وواسع فضله بقوله - تعالى:
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: لنثيبنهم أحسن ثواب أعمالهم، فنجازى على الحسنة بعشر أمثالها وأكثر. ولا نقف على الجزاء الحسن فنثيب على الحسنة حسنة فقط.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
المفردات:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾: أمرناه، و (وصَّى) يجرى مجرى الأمر معْنًى، فكأنه قيل: وأمرنا الإنسان، ويستعمل فيما كان في المأمور به نفع عائد على المأمور غيره.
﴿جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾: بَالَغَا في حملك على الشرك.
﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: عودتكم بالموت.
﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: أُخبركم.
التفسير
٨ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
جاءَت هذه الآية في معرض الحديث عن الإيمان وعمل الصالحات تُوجِّه إلى منهل من
стр. 3592
أثْرى مناهل الرحمة وهو بر الوالدين والإحسان إليهما، وقد نزلت هذه الآية في سعد ابن أبي وقاص ﵁ بعد إسلامه حيث حلفت أُمّه "حمنة (١) " بنت أبي سفيان أَلاَّ تنتقل من الضِّح (٢) إلى الظل، ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد، فلبثت ثلاثة أيام، فجاءَ سعد إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه فنزلت هذه الآية، فأمره رسول الله ﷺ أن يداريها بالإحسان.
وقيل: نزلت في عباس بن أبي ربيعة وقد فعلت أُمه مثل هذا الفعل، وسواء أكان نزولها في هذا أَم ذاك، فهي لجميع الأمة؛ لأن الإحسان إلى الوالدين مطلوب من كل مسلم.
ومعنى الآية: أمرنا الإنسان بإِيتاء والديه، وإيلائهما كل فعل ذي حسْن يرضيهما ويوفر راحتهما، ويحقق البر بهما ما دام في كل هذا طاعة الله، فإن ذلك يحقق له الثواب وعظيم الأجر، ويعود على الوالدين بالخير والراحة والإحسان، فإن ابتغى الوالدان أو أحدهما من الولد شيئًا فيه معصية، أو جاهداه وحملاه حملًا على أن يشرك بالله ما ليس له علم بأُلوهيته وإنما يعلم بطلانه، فلا يطعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن مع التلطف في معاملتهما، والصبر على ابتلائه بهما؛ فإنه لا يصبر على بلاءِ الله إلاَّ صديق.
وقوله - تعالى -: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: معناه؛ إليَّ وحدي نهايتكم جميعًا منْ آمن منكم ومن أشرك، ومن برَّ والديه ومن عقهما، فأكشف لكم عن هذا كله، وأُجازي كلاًّ بعمله، الخير بالخير، والشر بالشر.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾
стр. 3593
المفردات:
﴿فِي الصَّالِحِينَ﴾: الصلاح؛ ضد الفساد، وهو أبلغ صفات المؤمنين.
التفسير
٩ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾:
الدخول في الصالحين مطلب من أجلِّ المطالب التي تستشرف إليها نفوس خاصة المؤمنين بلْه الأنبياء والمرسلين، وهذا سليمان ﵇ مع ما أعطاه الله من الرسالة والملك، وتسخير كثير من الأكوان يقول: ﴿بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
والمعنى: والذين آمنوا بالله، وصدقوا بوحدانيته، وأخلصوا في عبادته بعمل الصالحات، والإكثار من الطاعات، لندخلنهم ونحشرنهم يوم القيامة في زمرة الراسخين في الصلاح الذي هو منتهى درجات المؤمنين، وغاية ما امتدح الله به الأنبياء والمرسلين، قال - تعالى - في شأن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢). وقيل: المراد لندخلنهم مدخل الصالحين وهو الجنة، والمؤدَّي واحد في كلا المعنيين.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾
стр. 3594
المفردات:
﴿أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾: عُذِّب من الكافرين بسبب إسلامه.
﴿فِتْنَةَ النَّاسِ﴾: ما يلحقه من أذاهم.
﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾: مثل عذاب الله الذي ينتظر العصاة في الآخرة.
﴿نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: فتح وغنيمة.
﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾: كنَّا مشايعين ومناصرين لكم في الدين.
﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: الذين يظهرون الإِسلام ويخفون الشرك.
التفسير
١٠ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ … ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم، وكانوا يكتمون ذلك على المسلمين، وقيل: إنها نزلت في المنافقين.
والمعنى: ومن بين المسلمين ناس ضعاف الإيمان يقولون: آمنا بأَلسنتهم، ولم يتغلغل الإيمان في قلوبهم، ولم يتعمق في ضمائرهم، فإذا مسهم أذى من الكفار والمشركين بسبب إيمانهم خافوا هذا الأذى ولم يصبروا عليه، ووافقوهم على شركهم وأظهروا لهم ولاءَهم معادلين هذا العذاب لعذاب الله - تعالى - في الآخرة، ومُنزليه منزلته في الشدة والهول.
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: وحصل للمؤمنين فتح أو غنيمة رجعوا إلى المؤمنين، وأكدوا لهم إيمانهم بقولهم: إنا كنا مشايعين لكم في الدين، مناصرين لكم في بلائكم، فأَشركونا معكم في الغنيمة، ويردّ القرآن عليهم هذا الادعاءَ الكاذب بقوله:
﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: أي إن الله - تعالى - أعلم بما في صدور العالمين من أنفسهم به، فلا يخفى ذلك على الله، بل لا يخفى على المتفرسين الذين ينظرون بنور الله - تعالى - أحوالهم من رقة الإيمان أو من النفاق.
١١ - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾:
تؤكد هذه الآية ختام الآية السابقة، فتقرر على سبيل التأكيد أن الله - تعالى - يعلم
стр. 3595
الذين آمنوا عن صدق وإخلاص ويعلم المنافقين أو الضعفاء الإيمان الذين يعبدون الله على حرف فيهز إيمانهم الأذى، وتزلزله فتن الكفار، وليختبرنَّ إيمانهم بالأمن والخوف والسراء والضراء فيجازي كل واحد بعمله.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ المفردات:
﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾: اسلكوا طريقنا التي نسلكها في الدين.
﴿خَطَايَاكُمْ﴾: أَوزاركم وسيئاتكم.
﴿أَثْقَالَهُمْ﴾: خطاياهم وذنوبهم الفادحة.
﴿يَفْتَرُونَ﴾: يختلقون في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل.
التفسير.
١٢ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
نزلت هذه الآية في كفار قريش على ما أخرجه جماعة عن مجاهد، قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، فإن كان عليم شيءٌ التزمنا حمله، وهو بيان لأُسلوب آخر من أَساليب الكفار في استمالة المسلمين، وإغرائهم بالكفر، وحملهم بهذا الأسلوب على الإشراك بعد حملهم علبه بالإيذاء والوعيد والتهديد.
стр. 3596
والمعنى: وقال الكفار من مشركي مكة للمسلمين الذين اتبعوا دعوة الرسول ﷺ :
اتبعوا سبيلنا، واسلكوا طريقتنا التي نسلكها في ديننا، ولنحمل عنكم ذنوبكم وآثامكم إن صح أن هناك بعثًا وجزاءً، أو إن كان في اتباعكم لنا خطيئة يؤاخذ عليها عند البعث - كما تقولون - وقد ردَّ الله عليهم بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: وما أولئك المشركون بحاملين من شيء من خطاياهم التي التزموا أن يحملوها لهم إن واقفوهم، وإن هؤلاء المشركين لكاذبون في دعواهم القدرة على حمل خطايا المسلمين؛ لأنهم يقولون ما لا يقدرون عليه، ولا يملكون أداءَه.
١٣ - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
هذه الآية استمرار في تسفيه المشركين، ودرء أباطيلهم ببيان ما يستتبعه قولهم ذلك في الآخرة من المضرة لأنفسهم بعد بيان عدم منفعته لمخاطبيهم أصلا.
والمعنى: وليحملنَّ هؤلاء المشركون في الآخرة آثامهم الفادحة، وأوزارهم الثقيلة ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي: وأوزارا وآثاما أُخَر مع أثقال أنفسهم وهي أثقال من تسببوا في إضلالهم وحملهم على الكفر والمعاصي من غير أن ينقص ذلك من أثقال من أضلوهم شيئًا أصلا.
والتعبير بالأثقال عن الخطايا والذنوب للإيذان بخطورتها كأنها عبءٌ ثقيل تنوءُ به الكواهل، وهذا كما في قوله - تعالى -: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) - وكما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "أيُّما داع دعا إلى هدى فاتُّبع عليه وعُمِل به فله مثل أُجور الذين اتبعوه، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتُّبع عليها وعُمِل بها، فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه، ولا ينقُصُ ذلك من أوزارهم شيئًا".
стр. 3597
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: المقصود من سؤالهم: تبكيتُهم وتوبيخهم، لا الاستعلام عن افترائِهم، فالله به عليم.
والمعنى: وليسألن الله - تعالى - هؤلاء المشركين يوم القيامة سؤال تقريع وتبكيت عما كانوا يفترونه، ويختلقونه في الدنيا من الأكاذيب والأباطيل التي من جملتها أكاذيبهم هذه.
وقد اتضح مما تقدم أن هذه السورة الكريمة قد صنفت الناس إلى مؤمنين خُلَّص صدقوا في إيمانهم، وأخلصوا في أعمالهم، وإلى مؤمنين ضعاف الإيمان يعبدون الله على حرف فيهتز إيمانهم أمام الفتن، ويتزلزل لما يلحقهم من إيذاء، وإلى مشركين ممعنين في الكفر والضلال والإضلال.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
المفردات:
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾: مكث في دعوتهم إلى التوحيد.
﴿الطُّوفَانُ﴾: الماءُ الكثير الغالب الذي يغشى كل شيء، وقد يطلق على كل ما يحيط ويطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والمطر والظلام.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: أي السفينة، أو الحادثة والقصة.
﴿آيَةً﴾: عظة وعبرة.
стр. 3598
التفسير
١٤ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾:
هذا شروع في عرض شيء من قصص الأنبياء تسلية للرسول ﵊ وأصحابه ببيان ما عاناه الأنبياءُ ﵈ قبله مع أُممهم، إثر بيان افتتان بعض المؤمنين بأذية الكفار والمشركين، وتأكيدا للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا لمجرد أن يقولوا: آمنا. وتثبيتا للرسول ﷺ على ما كان عليه من الصبر على أذى الكفار والمشركين.
ومعنى الآية: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا ﵇ إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله، وعبادته والتزام طاعته، فلبث فيهم ومكث يدعوهم إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يجد منهم إلا إصرارا على الكفر، وإمعانا في العناد، ومعارضة لدعوته حتى استحقوا العقاب، وعرضوا أنفسم لانتقام الله منهم، فأخذهم الطوفان، وغمرهم الماءُ من كل ناحية وجانب عقب تمام المدة التي مكث يدعوهم فيها ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مستمرون على الظلم، لم يتأثروا بما سمعوا من نوح ﵇ والتعبير بقوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بدلًا من أن يقال: إلا خمسين سنة للبعد عن التكرار.
١٥ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾:
أي: فأنجينا نوحا من الغرق، وأنجينا معه جماعة المؤمنين الذين صحبوه في السفينة التي صنعها بوحي من الله وتحت حفظه ورعايته، وكان الذين معه من أولاده وأتباعه ثمانين، وقيل: ثمان وسبعون، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح سام، وحام، ويافث، ونساؤُهم، وقيل في عددهم غير ذلك، والله أعلم بحقيقة عددهم، ويكفى في قلتهم أنهم ركاب سفينة واحدة مع ما حمله فيها من كل حيوان زوجين اثنين.
стр. 3599
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم - وصححه - عن ابن عباس قال: بعث الله - تعالى - نوحا ﵇ وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله - تعالى - وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا. وذكروا أن مدة الطوفان ستة أشهر آخرها يوم عاشوراء، وجاء في بعض الآثار أنه ﵇ أطول الأنبياء عمرا، أخرج ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح ﵉ فقال: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان، فقال وسطَ الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر (١).
ومعنى قوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: جعلنا السفينة عظة وعبرة حيث بقيت على الجودي زمانا طويلًا، قيل: إلى بعثة الرسول ﷺ وقيل: جعلنا الحادثة والقصة المفهومة من السياق عظة وعبرة للعالمين، لاشتهارها فيما بينهم.
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾
المفردات:
﴿اتَّقُوهُ﴾: اتقوا أن تشركوا به شيئًا.
стр. 3600
﴿أَوْثَانًا﴾: أصناما منوعة، جمع وثن، قال أبو عبيدة: الصنم: ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن: ما يتخذ من جص أو حجارة.
﴿إِفْكًا﴾: كذبا. ﴿فَابْتَغُوا﴾: فاطلبوا.
التفسير
١٦ - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
أي: واذكر إبراهيم حين قال لقومه: اعبدوا الله وحده واتقوه فلا تشركوا به أحدًا ذلكم الذي آمركم به وأدعوكم إليه من العبادة والتوحيد، وما يتبع ذلك من عمل الطاعات خير لكم من كل خير، ومما أنتم عليه من الوثنية التي لا خير فيها ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الخير والشر وتميزون أحدهما من الآخر، أو كنتم من أهل العلم بوجه من الوجوه تبين لكم أن الخير كله في عبادة الله وحده لا شريك له.
١٧ - ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
هذه الآية استمرار في تسفيههم وبيان بطلان دينهم، وكونه شرا في نفسه بعد بيان أنه شر بالنسبة للدين الحق.
والمعنى: إنكم بعبادتكم هذه ما تعبدون من دون الله إلا أصناما هي في نفسها تماثيل مصنوعة ليس لها وصف غير ذلك، وما تخلقون إلاَّ كذبا حين تسمونها آلهة، وتدَّعون أنها شفعاؤكم عند الله، أو معنى: ﴿تَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: أي تعملون هذه الأصنام، وتنحتونها بأيديكم لتكون العاقبة من خلقها الإفك والكذب. إن هذه الأصنام التي تتخذونها وتعبدونها من دون الله لا تقدر على نفعكم، ولا تملك لكم رزقا أيَّ رزقٍ: قليلا أو كثيرا. فابتغوا عند الله واطلبوا الرزق الكامل كله، فإن الله وحده هو الرزاق ذو القوة المتين، واعبدوه وحده واشكروا له على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته وشكره تستكثروا من خيره وفضله.
стр. 3601
وقوله - تعالى -: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ - معناه: إلى الله - وحده لا إلى غيره - تعودون وترجعون بالموت والبعث، فافعلوا ما تؤمرون به واستعدوا للقائه.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾
المفردات:
﴿الْمُبِينُ﴾: الواضح البيِّن في نفسه، أو المبين لغيره الموضح له.
التفسير
١٨ - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
هذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله - تعالى -: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ يحتمل أن تكون من كلام سيدنا إبراهيم لقومه منتظمة في سياق القصة، وأن تكون وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها قصد بها التنفيس عنه ﷺ ومسلاة له بأن أباه إبراهيم ﵇ كان مبتلى من قومه بمثل ما ابتلى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، وسواء أكان هذا أم ذاك فإن المعنى: وإن تكذبوني في دعوتي فلن تضروني بتكذيبكم؛ فما على الرسول إلا البلاغ والتبعة في التكذيب على المكذبين لا على رسلهم، وقد كذبت الأمم قبلكم - أنبياءهم مثل: شيث وإدريس وإبراهيم ونوح وغيرهم فما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم حيث حل بهم العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم، وأما الرسل فقد تم أمرهم، واستكملوا واجبهم في التبليغ الواضح الذي لا يبقى معه شك.
стр. 3602
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
المفردات:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: المراد من الرؤية هنا: العلم، أي: أولم يعلموا علمًا يشبه المشاهدة بالبصر.
﴿يُبْدِئُ الْخَلْقَ﴾: يوجده ابتداءً من مادة ومن غير مادة على غير مثال.
﴿يُعِيدُهُ﴾: يحييه بعد موته وتحلل أجزائه، بل وتلاشيها.
التفسير
١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾:
كلام مستأنف مسوق للإنكار على تكذيبهم بالبعث مع وضوح دلائله. والمعنى: أغفلوا وجهلوا، ولم يعلموا - علمًا تؤكده الرؤية وتؤيده المشاهدة - كيفية خلق الله - تعالى - الخلق ابتداءً من مادة ومن غير مادة على غير مثال سابق، وكل ما في هذا الكون يوحى بذلك، ويفرض العلم به، ولا ينكره إلا مكابر معاند، ثم الله يعيد خلقه بالبعث بعد فنائه؛ لأن القادر على خلقه ابتداءً لا يعجزه إعادة خلقه كما تقرر هذا في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١).
стр. 3603
﴿إنَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: أي؛ إن أمر إعادة الخلق بعد الفناء يسير على الله سهل لا يفتقر إلى شيء أصلا، وإنما يقول الله - تعالى - له: (كن فيكون).
ويجوز أن يكون المشار إليه ما ذكر من البدء والإعادة.
٢٠ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾:
أنكرت الآيات السابقة على الخلق غفلتهم وتعطيلهم العقل بعدم تدبرهم في قدرة الله - تعالى - الواضحة في بدء الخلق تدبرا يصل بهم إلى اليقين بقدرته على البعث وإعادة الخلق، وهذه الآية تأمرهم بالسير في الأرض لينظروا فيها كيفية بدء الخلق الدالة على قدرته - تعالى - على النشأة الآخرة.
والأمر في قوله - تعالى -: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ يحتمل أن يكون لسيدنا محمَّد إذا كانت هذه الآيات معترضة في قصة إبراهيم ﵇ لتسلية الرسول، وأن يكون لسيدنا إبراهيم ﵇ إذا كانت هذه الآية والتي قبلها وبعدها متصلة بقصته.
والمعنى: قل - يا أيها الرسول - لقومك سيروا في الأرض، وتقلبوا في جوانبها ومناكبها، فانظروا كيف بدأ الله الخلق على أطوار مختلفة، وطبائع متغيرة.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾: أي؛ ثم الله الذي أنشأ النشأة الأولى قادر أن يعيد خلقهم في الآخرة مثل النشأة الأولى التي شاهدوها، وعاينوا آثارها وأطوارها.
والتعبير عن الإعادة بالنشأة الآخرة يشعر بأن النشأتين شأن واحد من شئون الله - تعالى - من حيث إن كلا منهما إخراج من العدم إلى الوجود، لا فرق بينهما إلا بالأولية والآخرية.
وإظهار اسم الله في قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ مع إضماره في قوله - سبحانه -: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ لإبراز مزيد الاعتناء ببيان تحقق الإعادة، كما أن ترتيب النظر على السير في الأرض مؤذن بتتبع أحوال أصناف الخلق في أقطارها
стр. 3604
ومما ينبغي الالتفات إليه في هذه القضية ما يتعاقب من النبات والثمار فيكون في كل سنة على مثل ما كان عليه في السنة السابقة، فهذا مما يستدل به على صحة البعث كما أشار إليه العلامة أبو السعود، ونزيد عليه: أن الأمر كذلك في مختلف أنواع الحيوانات والطيور والأسماك.
وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تذييل لتحقيق ما قبله؛ لأن من علم قدرة الله - تعالى - على جميع الأشياء لا يتصور أن يعجز عن إعادة الخلائق بعد فنائهم.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾
المفردات:
﴿تُقْلَبُونَ﴾: تردُّون وترجعون.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين ولا هاربين من عذاب الله.
﴿وَلِيٍّ﴾: معين وناصر يمنعكم من العذاب.
التفسير
٢١ - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وإليه تقلبون﴾.
جملة مستأنفة لبيان ما بعد النشأة الآخرة.
والمعنى: يعذب بعد النشأة الأُخرى من يشاء بعدله، وهم المنكرون المصرون على الكفر. ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بفضله، وهم المؤمنون المصدقون، وتقديم التعذيب على الرحمة لأن المقام مقام ترهيب وتخويف.
стр. 3605
وقوله - تعالى -: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ معناه؛ إلى الله وحده تردون وترجعون، فتلاقون جزاءكم من التعذيب والرحمة.
٢٢ - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾:
هذه الآية من تمام الوعيد في الآية السابقة.
والمعنى: وما أنتم - أيها الخلق - على كثرتكم، واختلاف أحوالكم بفائتين من حساب ربكم، ولا هاربين من جزائه بالتوارى في الأرض الفسيحة، أو الهبوط في مهاويها. أو التخفي في مناكبها، ولا بالتحصن بالسماء التي هي أمنع من الأرض إذا استطعم الصعود إليها.
وقيل: وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا من في السماء.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾: أي؛ ليس لكم من الله من أحد يحرسكم مما يصيبكم من بلاءٍ أرضي أو سماوي، ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم عذابه وبلاءه إذا شاء.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
المفردات:
﴿يَئِسُوا﴾: انقطع رجاؤهم وقنطوا. ﴿رَحْمَتِي﴾: جنتي.
стр. 3606
التفسير
٢٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
أي والذين كفروا بآيات الله التكوينية والتنزيلية وكفروا بلقاء الله الذي تنطق به آياته، أولئك يائسون من رحمته، قانطون من دخول جنته يوم القيامة، وأولئك لهم عذاب موجع مؤلم في الآخرة.
وفي تكرار الإشارة والإسناد وتنكير العذاب، ووصفه بالإِيلام، وفي وصفهم باليأس من رحمته - تعالى - مع شدة حاجتهم إليها يؤمئذ - وذلك كله - ما يؤذن بسوء حالهم وفظاعته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
التفسير
٢٤ - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
يتشوف السامع إلى السؤال عن حال قوم إبراهيم ﵇ بعد أن دعاهم إلى توحيد الله وعبادته وأمرهم بالسير في الأرض والتدبر في أحوالها وتقلباتها ليعلموا كيفية قدرة الله - تعالى - على بدءِ خلقه فيعلموا من هذه المشاهدات والأحوال كيفية قدرته على إعادة الخلق بالبعث بعد الفناء، فتكون هذه الآية هي الإجابة على هذا السؤال، ويتسق بذلك السياق في أحكم نظام وأدقه.
стр. 3607
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم على دعوته إياهم إلاَّ أن قالوا: اقتلوه بأداة قتل أو حرقوه بنار لتستريحوا منه، وتستأصلوا شره، ثم انتهوا من هذا الترديد إلى إحراقه، فجمعوا أحطابا كثيرة، ثم أضرموا فيها النار حتى ارتفع لهيبها، وحميت جذوتها، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇ فأوثقوه وقذفوا به فيها، فأمرها الله أن تكون بردا وسلامًا على إبراهيم ففقدت خاصيتها، ثم خرج منها سالمًا مُعافًى بفضل الله بعد ما مكث فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إن في ذلك الإنجاء من النار بعد أن بذلوا فيها جهودهم وما تبع ذلك من بردها على إبراهيم، وخيبة أملهم فيها - إن في ذلك - لمعجزات عجيبة، وآيات واضحة الدلالة لقوم مستعدين لتقبل الهداية، واستجابة الدعوة، فأما غيرهم فهم غافلون عن اجتلائها. محرومون من الفوز بمغانمها، وقد جاء في مواضع أخرى من القرآن أمر الإحراق فقط دون القتل كما في هذه الآية، ولعل الآيات الأخرى اكتفت بما انتهوا إليه، وقد جاءت قصته ﵇ في أكثر من سورة من القرآن مع تفاصيل أخرى.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
المفردات:
﴿أَوْثَانًا﴾: أصنامًا تعبدونها من دون الله.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾: سببًا في تواصلكم واجتماعكم على عبادتها.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾: منزلكم الذي تأوون إليه خالدين فيه أبدا.
стр. 3608
التفسير
٢٥ - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
لم يخرج إبراهيم من النار خائر العزم، واهن القوة وإنما خرج في مثل حاله الأولى من القوة والتصميم ماضيًا في تسفيه قومه، وتسخيف عقولهم حيث قال لهم: إنما اتخذتم من دون الله آلهة زائفة، وأصنامًا من صنعكم لا نفع لها، ولا غناء فيها جمعتكم على عبادتها، وأوجدت بينكم المودة والتآلف لنصرتها ولن يكون لكم ذلك إلا في الدنيا، ثم يوم القيامة تنقلب الأُمور، ويتبدل التواد تباغضا، والتلاطف تلاعنا حيث يكفر بكم أتباعكم، ويلعن كل فريق منكم الفريق الآخر.
كما في قوله - تعالى -: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١).
ومأواكم ومسكنكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه النار، ومالكم من دون الله من ناصرين يخلصونكم من عذابها كما خلص الله إبراهيم من ناركم، وعصمه ونصره من سوء صنيعكم.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾
стр. 3609
المفردات:
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾: أي آمن بإبراهيم وأسلم له قياده.
﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: أي وقال ذلك إبراهيم ﵇ والهجرة: مفارقة بلد إلى بلد آخر، فإن كانت قربة إلى الله فهي الهجرة الشرعية، وهي اسم من: هاجر مهاجرة كما في القاموس.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: أي منَّ الله - سبحانه على إبراهيم بالذرية، فوهب له إسحاق ابنًا ويعقوب ابن ابن.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: فلم يبعث الله نبيًا بعده إلا من صلبه، ولم تنزل الكتب السماوية إلاَّ عليهم.
التفسير
٢٦ - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
أي: إن لوطا صدق إبراهيم ﵇ في جميع مقالاته، أو صدق بنبوته حين ادّعاها. لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد؛ فإن لوطا ﵇ كان مؤمنًا باللهِ.
ولوط: ابن أخي إبراهيم ﵇ وهو المشهور عند جمهور المفسرين، وذكر بعضهم أنه ابن أُخته، نقل ذلك الآلوسى في تفسيره.
وهو أول من أمن بإبراهيم، وأجاب دعوته إلى الحق، وكان إبراهم يسكن كُوثى - بالضم - قرية بالعراق (١) وهي من سواد الكوفة، هاجر منها إلى حرَّان ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارح، وامرأته سارة، ثم أُرسل لوط في حياة إبراهيم ﵇ إلى أهل سدوم وإقليمها، وكان من أمرهم ما تقدم في الأعراف وهود والنمل.
стр. 3610
وإبراهيم ﵇ أول من هاجر من أرض الكفر كما قال الكلبي، وقال مقاتل: هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال حين ترك قومه مهاجرا: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي: إلى الجهَة التي أمرني ربي بالهجرة إليها، أو من أجل ربي، حيث لا أُمنَعُ عبادته وإظهار دينه، وقيل المعنى: إنِّي مهاجر من خالفني من قومي متقربًا إلى ربي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: الغالب على أمره الذي يمنعنى من أعدائى، ولا يأمر - لعظيم حكمته - إلاَّ بما فيه الخير والمصلحة.
٢٧ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
أي: لما فارق قومه أقر الله عينه بولد صالح نبى وهو إسحاق، وبولَد ولَدٍ وهو يعقوب ولد إسحاق، وذلك في حياة جده، كانت هذه الهبة العظيمة التي لا يُقَادرُ قدرها حين أيس من الذرية من امرأته سارة وهي عجوز عقيم.
ولم يذكر هنا إسماعيل ﵇ لأنه ولد له قبل ذلك من أم شابة ولم تكن عجوزا عقيمًا، وفي هاجر، أما إسحاق فولد بعده من سارة العجوز العقيم، ومن ورائه يعقوب ابن إسحاق.
وقال الزمخشري: إن إسماعيل ذكر ضمنًا وتلويحًا بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ولم يصرح به لشهرة أمره، وعلو قدره، هذا مع أن المخاطب به نبينا ﷺ وهو من أولاده وأعلم به: اهـ.
وقد خص الله - سبحانه - إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ تكريمًا له؛ حيث إنه لم يبعث بعده نبي قط إلا من صلبه وقد أوتوا الكتب المنزلة، وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وآتاه - سبحانه - أجره في الدنيا بانتماء أهل الملل إليه، والثناء عليه، وإعطاء الولد والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، وسعة الرزق ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي جمع الله له