← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والمعنى: نساؤُكم موضع إنجاب الذرية لكم، فاتوهن من مكان الإنجاب، كيف شئتم: من الأمام أو من الخلف، أو نائمات على جنوبهن. ولا تعبأُوا بمقالة اليهود، مادمتم تأتونهن في مواضع الحمل، حيث أمركم الله تعالى. وفسر ابن عباس: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ بأي وقت شئتم من الليل أو النهار. وسيأتي بيان ذلك. وليس في الآية دليل على حل وطء الزوجة في دبرها، فإن إباحة إتيانها - كيف شاء الزوج - مقيدة بموضع الحرث، أي موضع إنجاب الذرية وهو القبل. كما أن سبب النزول الذي ذكرناه يدل على ذلك. ولهذا حرم جمهور الفقهاء إتيان النساء في أدبارهن. ومما يدل على ذلك: أن الله تعالى حرم إتيانهن في المحيض، لاستقذاره، فكيف يُباح إتيانهن في الأدبار وهي أشد قذارة من مكان المحيض وقت الحيض؟ أَخرج ابن جرير، وابن حاتم، عن سعيد بن جبير: قال: "بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية الحيض؟ قال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تَأتِيَ، فقال: كيف بالآية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقًا، لكان المحيض منسوخًا، إذا شغل من هنا جئت من ههنا، ولكن أنى شئتم: من الليل والنهار". وقد جاء التحريم نصًا عن رسول الله ﷺ . روى أبو داود والنسائي قال رسول الله ﷺ :"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا". وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" إلى غير ذلك من الأحاديث.

стр. 387

﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ﴾: ثلاثة أوامر متتالية، تدعو إلى العمل الصالح، واجتناب المعاصي. أولها: قدّموا لأنفسكم، وحذف المفعول هنا للتعميم، أي قدموا لأنفسكم. كل عمل صالح يقربكم إلى الله. فإنجاب الأبناء، وحسن تربيتهم، عمل صالح يستمر أثره حتى بعد وفاة الوالدين. والعلم النافع، يبقى أثره بعد وفاة صاحبه. وكذلك الصدقة الجارية، وكل أنواع البر. والخير: عاجلها وآجلها. ومنها ما تقدم في الآية التي قبلها، من: اعتزال النساء في المحيض، على ما تقدم بيانه. الأمر الثاني: الأمر بالتقوى. وهو يتكرر عقب آيات الأحكام، كما لاحظنا سابقًا. ومعنى التقوى: خشية الله، واتقاء غضبه، بفعل الطاعات، وترك المنهيات، فإنها خير زاد. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). والأمر الثالث: في تذكير المؤْمنين بانتهاء هذه الحياة الدنيا، وبأَن كلاًّ منهم سيلقى الله، وسيجني جزاء ما قدمت يداه. والعلم اليقيني بهذا المصير: يلازم صاحبه في كل زمان ومكان، فيجعله حريصًا على أداء الطعات، واجتناب المنهيات. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ذيَّل الله الآية الكريمة بأَمر رسوله ﷺ : أن يبشر المؤمنين بالثواب الجزيل، على ما قدمت أيديهم من أعمال صالحات.

стр. 388

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ ﴿عُرْضَةً﴾: أي معترضًا وحاجزًا. ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾: الإيمان جميع يمين. وهي هنا: اسم للخلف. وهي في الأصل مصدر لا فعل له، تقول: حلفت يمينًا، كما تقول حلفت حلفًا، ثم أُطلقت على المحلوف عليه. ومنه قوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلِ الِّذِي هُوَ خَيْرٌ" أخرجه مسلم وغيره وسيأتي. ﴿أَن تَبرُّوا﴾: أن تفعلوا البر. ﴿اللَّغْوِ﴾: ما لا يعتد به من الكلام. واللغو في اليمين: ما يجري على اللسان دون قصد، مثل قول القائل: والله، وبلى والله. التفسير ٢٢٤ - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ … ﴾ الآية. لما أمر الله - تعالى - في الآية السابقة بتقواه، وحذَّر من لقائه على معصية، وبشَّر المؤمنين - أتبع ذلك لونًا من ألوان التقوى، وهو أَلا يجعلوا لله عرضةً لأَيمانهم، حتى تنالهم بشارته .

стр. 389

سبب النزول: أخرج ابن جرير، عن ابن جريج: أنها نزلت في الصدِّيق ﵁، لَمَّا حلف أَلَّا ينفق على مسطح ابن خالته، وكان من الفقراء المهاجرين، حين وقع في إفك عائشة ﵂. والمعنى: ولا تجعلوا الله - لأجل حلفكم به - عرضة وحاجزًا: يمنعكم عن البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. وقيل: معناه: لا تجعلوا الله غرضًا لأَيمانكم، بكثرة الحلف به في كل حق وباطل، لأن في ذلك جرأةً على الله تعالى. وهذا هو التفسير المأثور عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وبه قال الجبائي وأبو مسلم. ويكون: ﴿أَن تَبَرُّوا﴾ علة للنهي، على معنى أنهاكم عن الحلف: رغبة بركم وتقواكم وإصلاحكم. فإذا حلف الإنسان على ترك خير، فليفعل الخير، وليكفر عن يمينه، ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف. قال ابن عباس: لا تجعل الله عرضة ليمينك، ألا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك، واصنع الخير. وروى مسلم، عن النبي ﷺ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَفْعَل الذي هُوَ خَيْرٌ". والآية توحي بالإقلال من الإقسام، حتى لا يعتادها اللسان. وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ (١). والبر: الخير مطلقًا. والتقوى: مراعاة الله في السر والعلانية، واتقاء غضبه، والإصلاح بين الناس: إزالة ما بينهم من جفاءٍ وعداوة.

стр. 390

وكل ذلك رغَّب فيه الشارع. فلا ينبغي الحلف على ترك شيٍ منه. ومن حلف فليكفر عن يمينه، بعد أن يفعل الخير الذي حلف على تركه. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: هذا تحذير بليغ، خُتِمَت به الآية، ليعلم كل مؤْمن: أن الله سميع لكل ما يقوله، عليم بكل ما يفعله أو ينويه، وأن عليه مراعاة الله في الأفعال والأقوال والنيَّات. ٢٢٥ - ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ … ﴾ الآية. الإيمان ثلاثة أقسام: الأول: يمين لغو: لا يُعتد بها، ولا مؤاخذة عليها. وهي اليمين التي تجري على الألسنة في الأحاديث، لمجرد التأكيد مِثل: لا والله، وبلى والله، وهذا هو المروي عن عائشة في تفسير يمين اللغو. ويرى آخرون: أنه القسم الذي يعتقد المقسم أنه صحيح، ثم يتبين خطؤه. ويرى بعضهم: أنه قسم الغضبان الذي يخرجه الغضب عن اتزانه. ويعده بعضهم: يمين المكره، أو الذي يقسم وينسى قسمه، فيخالف ما أقسم عليه. وهذا كله لا كفارة فيه، على أَرجح الآراء. والقسم الثاني: هو أن يحلف الحالف على ترك أمر غير محرم ولا مكروه، فإذا رأى الأولى أن يخالف ما أقسم عليه - فعل الأولى وكفَّر عن يمينه: بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وإذا أقسم الحالف على فعل معصية، أو ترك طاعة، فواجب عليه أن يخالف ما أقسم عليه، ويكفر عن يمينه. والقسم الثالث: أن يقسم كاذبًا متعمدًا ليخدع السامعين، فهذا إثمه عظيم. فعلى هذا المقسم أن يبادر بالتوبة والإنابة إلى الله. روى عن النبي ﷺ : "مِنِ اقْتَطَع حقَّ امْرِيءٍ مسلمٍ بيَمينِه، فَقَد أَوجبَ اللهُ له النارَ. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟. قال: وإنْ كان قضيبًا منْ أَراكٍ" رواه مسلم وغيره.

стр. 391

﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أي أن الله سبحانه، رحيم بعباده: لا يعاقبهم على أَيمان اللغو غير المقصودة، ولكنه يعاقب من أقسم به كاذبًا متعمدًا، لأنه مخادع منافق. يفحم اسم الله ليخدع به الناس، جلبًا لمنفعة، أو دفعًا لمضرةٍ. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: لا يعجل بعقوبة المسيءٍ، لعله يتوب وينيب. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ المفردات: ﴿يُؤْلُونَ﴾: يُقسمون. يُقال: آلى عليه. ومنه: أَقسم. والأَلية: اليمين. والإيلاءُ شرعًا، معناه: أن يحلف الرجل أن لا يقرب زوجته. ﴿تَرَبُّصُ﴾: التربص، الانتظار. ﴿فَاءُوا﴾ رجعوا. وفاءَ الرجل إلى امرأَته: رجع إليها، بعد أن حلَف أَلَّا يقربها. التفسير ٢٢٦ - ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ … ﴾ الآية. وردت هذه الآية الكريمة متممة لأَحكام القسم، ومكملة لتنظيم الأُسرة الإسلامية، على أساس من صلات المودة والرحمة، والتعاون المثمر، والاحترام المتبادل. واعلم: أن للنفوس والشيطان تأثيرًا على سلوك الناس، فقد يحدث بين الزوجين ما يعكر الصفو بينهما، تأْثرًا بهوى النفس ووسوسة الشيطان، فيحلف الزوج: أَلَّا يباشر زوجته، ويجعلها بذلك كالمعلقة: لا هي متزوجة، ولا هي مطلقة، فيمزق بذلك شمل الأُسرة، ويقطع أواصر المودة والرحمة، ويعرِّض الذرية للانحراف الخلفيَّة.

стр. 392

فأَنزل الله هذه الآية الكريمة، علاجًا لهذه الحالة. فقد تحدثت عن الإيلاء، وهو الحلف على أَلَّا يباشر زوجته، وبينت أحكامه. والإيلاءُ شرعًا: أن يقول لزوجته، والله لا أقربك أربعة أشهر، أو أربعة أشهر فصاعدًا، أو لا أقربك على الإطلاق. وعلى هذا الأئمة الأربعة، عدا الشافعية، الذين قالوا: لا إيلاءَ إلا في أكثر من أربعة أشهر، فلو حلف لا يقربها أربعة أشهر فما دونها، لا يكون إيلاءً شرعًا عندهم، ولا يترتب حكمه عليه، بل هو يمين كسائر الإيمان، إن حنث كفّر كفارة يمين، وإن برَّ فلا شيء عليه. وبعض العلماء - كالنخعي وقتادة - يرونه موليًا إن حلف ألا يقربها أي مدة، قلَّت أو كثرت. وحكم الإيلاء عند غير الشافعي: أنه إن فاء إليها - أي رجع عما حلف عليه - بمباشرتها في المدة التي حلف عليها، أو بالقول - إن عجز عن الوطءِ - صح الفيءُ، وحنث القادر. ولزمته كفارة اليمين. ولا كفارة على العاجز. وإن مضت الشهور الأربعة، بانت بتطليقة من غير مطالبة المرأة بإيقاع الطلاق من الزوج أو الحكم. ويقول الشافعية: إن المولي له التلبث مدة أربعة أشهر، فلا يطالب بفيء ولا طلاق، فإن فاء بعودته إلى المباشرة، حنث في اليمين ولزمته الكفارة، وإذا مضت أربعة أشهر، ولم يفيء ولم يطلق، طولب بأحد الأمرين، فإن أباهما، طلق عليه الحاكم. وخلاصة المعنى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾: أي يحلفون ألا يباشروهن على النحو السابق، انتظار أربعة أشهر دون مباشرة، وليس عليهم إثم في ذلك، فإن فاءُوا - أي رجعوا - إلى المباشرة في أثنائها - مخالفين بذلك ما حلفوا عليه - حنثوا ي أيمانهم، ولزمتهم كفارة يمين، وإن الله غفور لذنب الحنث في اليمين، لما فيه من المصالحة بين الزوجين، وغفور لما قصده المولِي من ضرار بالمرأة بإيلائه، لأن الفيئة توبة.

стр. 393

وإن لم يفيئوا وعزموا الطلاق، وقع الطلاق بمضي الشهور الأربعة عند غير الشافعي، وبإيقاع الطلاق عند الشافعي، فإن الله سميع لإيلائهم، عليم بطلاقهم ونياتهم، فيجازيهم على وفقها. ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ المفردات: ﴿يَتَرَبَّصنَ﴾: ينتظرن. ﴿قُرُوءٍ﴾: القروءُ، جمع قُرء. وهو الحيض، أو الطهر منه. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾: البعولة، جمع بعل، وهو الزوج. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: هو ما يعرفه العقل، ويستحسنه الشرع والعرف. التفسير ٢٢٨ - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ … ﴾ الآية. بعد أن ذكر الله - في الآية السابقة - حكم المولين من نسائهم إن عزموا الطلاق، ناسب أن يذكر بعدها - في الآيات التالية - أحكام الطلاق. والمراد بالمطلقات في الآية الكريمة: المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض. أما غير المدخول بهن: فلا عدة عليهن.

стр. 394

وأما أولات الأحمال: فـ ﴿أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وأما غير بالغات الحلم أو اليائسات من المحيض: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. مأخوذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). وأما الإِماءُ: فعدتهن قُرْآنِ بالسنة. راجع الآية الرابعة من سورة الطلاق. وقد أَوجبت الآية: أن تنتظر هذه المطلقة مدة ثلاثة قروءٍ، قبل الزواج من رجل آخر. والقروءُ: جمع قُرءٍ، بضم القاف وفتحها، ويطلق لغةً: على الطهر، وعلى الحيض. وقد اختلف الفقهاءُ، في المراد من القروء المعتبرة في العدة. فمنهم من قال: المراد بها الأطهار. ومنهم من قال: المارد بها الحيضات. فإن طلقت الزوجة في الحيض، لم تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، فإجماع الفقهاء. ولا تنتهي عدتها عند من يقول: إن القروء هي الحيضاتُ، إلا إذا حاضت - بعد الحيضة التي طلقت فيها - ثلاثة حيضات كوامل، وذلك بدخولها في الطهر الذي يلي هذه الحيضات الثلاث الكوامل. ومن طُلِّقت في طهر، حُسِبَ هذا الطهر قرءًا عند من يقول: إن الأقراءَ هي الأَطهارُ، فتعتد بعده بطُهْرين كاملين، وذلك بدخولها في الحيضة التي تلي الطهرين الكاملين. وهذه المدة كافية ليراجع كل من الزوجين نفسه: فيفيءَ إلى المودة والرحمة والصفاء، إن كان هناك مجال للصفاءِ، وكان الطلاق رجعيًا. فإذا انتهت مدة التربص، أصبحت الطلقة بائدًا. ولا يملك الزوج حقَّ المراجعة، إلا بعقد ومهرٍ جديدين، برضا الزوجة، إن لم يستنفد عدد الطلاق. ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: لما كان أمر العدة يدور على: الحيض، والطهر، والحمل - ولا اطلاع عليهما إلى من جهة النساء - جُعِلَ القولُ قولهن في انقضاء العدة وعدمها، وجُعِلن مؤْتمنات عليها. فلذا

стр. 395

حذرهن الله - في هذه الآية - من كتمان ما في أرحامهن من الحمل: رغبة في الإسراع في الزواج من رجل آخر، بزعمهن انقضاء عدتهن بالأَقراءِ، أو من الحيض: رغبة في إطالة العدة للحصول على النفقة أطول مدة ممكنة. ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: هذا وعيد وتحذير شديد، لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب أداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيها. فسبيل المؤمنات أن لا يكتمن الحق، ولا يتعرضن لزواج غير مشروع أثناء الحمل. ويُعْتَبرُ الوطء فيه زنى. كما أن فيه نسبة الحمل إلى رجل آخر لا صله له به، وهي جريمة بشعة. وجواب الشرط: مفهوم مما سبقه. والتقدير: إن كن يؤْمنَّ بالله واليوم الآخر، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾: أي للأزواج - في مدة التربص - حق مراجعة الزوجات المطلقات، إن كان الطلاق رجعيًا، فلا يمتنعن عن الرجوع إليهم. وجواب الشرط مفهوم مما سبق. والتقدير: إن أراد الأزواج إصلاحًا بينهم وبين المطلقات - بغير قصد الإضرار بهن - فلهم الحق في ردهن. وأفعل التفضيل ﴿أَحَقُّ﴾ ليس على بابه، إذ لاحق للزوجة في المراجعة. فمتى راجعها الزوج فعليها العودة إليه. وليس المراد من قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ اشترط جواز الرجعة بإرادة الإصلاح حتى لو لم يكن قصده ذلك لا تجوز - للإجماع على جوازها مطلقًا - بل المراد: تحريضهم على قصد الإصلاح بالمراجعة، فلا يقصدون بها المضارة بتطويل العدة عليهن .. لهذا جعل قصد الإصلاح، كأَنه منوط به حق المراجعة.

стр. 396

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: أي: ولهن على الأزواج - من الحقوق وحسن العشرة - مثل الذي عليهن للأزواج من الواجبات. فللزوجة حقوق عند الزوج، وعليها واجبات له، وكذلك للزوج حقوق على زوجته، وعليه واجبات لها. فللزوجات والأزواج - كلاهما على الآخر - حقوق العشرة بالمعروف من غير مشقة. وللزوجات على الرجال النفقة، ولهم عليهن حفظ الزوج في: ماله وولده وفراشه. والرجل أحق برعاية أسرته - والقيام بأمرها وزعامتها - من المرأة، لقوته وخبرته وتجاربه، ولأنه هو الذي يعول الأُسرة، ويكدح في سبيلها، ويدافع عنها. وهذه هي الدرجة التي فضَّل الله بها الرجل، والمعبر عنها بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: فتجب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١). وينبغي للرجل أن يَعْلَمَ أنه مسئول عن رعاية أسرته أمام الله. وعلى المرأة كذلك أن تَعْلَمَ أنها مسئولة عن رعايتها لبيتها أمام الله، وأمام زوجها. قال ﷺ : "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها" الحديث رواه الشيخان.

стр. 397

﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: انتهت الآية بإطهار عزّة الله وقهره، وأنه شديد الانتقام ممن خالف أمره، وخرج على أحكامه، وهو حكيم في تشريعاته: يسنّ للناس ما يوائم مصلحة الجميع. فعلى كل من الرجال والنساء، أن يرعى الله، بالتزام ما سنّه من أحكام. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ المفردات: ﴿الطَّلَاقُ﴾: هو التطليق كالسلام بمعنى التسليم. والمراد به: حل العقد القائم بين الزوجين بأَلفاظ مخصوصة. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾: المراد به، رجعة الزوجة بعد طلاقها، مع أَداءِ حقوقها، وحسن عشرتها: طبقًا للعرف والشرع، في المعاملة. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: والتسريح بإحسان، إخلاءُ سبيل الزوجة بإحسان في المعاملة. وذلك بعدم مراجعتها حتى تنقضي عدتها، أو بتطليقها الثالثة - وفي كلتيهما - يحسن إليها: بجبر الخاطر، وأَداء الحقوق، وحفظ الأسرار.

стр. 398

التفسير ٢٢٩ - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُ وفٍ أَوْ تَسْرِ يحٌ بِإِحْسَانٍ … ﴾ الآية. كان الطلاق في الجاهلية - وفي مستهل الإسلام - غير مقيد بعدد محدود، وكانت العِدةُ عندهم معروفة مقدرة. فكان الرجل - في أول الإسلام - إذا غاضب زوجته طلقها، ثم راجعها قبل انقضاء عدتها: يكرر ذلك كما يشاءُ، فلا هو يحسن عِشْرتها، ولا هو يخلي سبيلها، لتأخذ لنفسها وجهة أُخرى مع زوج جديد، وليغني الله كُلًّا من سعته. قال القرطبي: قال رجل لامرأته على عهد النبي ﷺ : لا آويك ولا أدعك تخلين. قالت: وكيف؟ قال أُطلقك، فإذا دنا مَضيّ عدتك راجعتك، فشكت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، بيانًا لعدد الطلاق الذي يحل للمرءِ أن يراجع فيه مطلقته، دون مهر أو عقد، حتى لا يتجاوزه: مضارة للزوجة. وقد بينت الآية: أن الطلاق المشروع، مرتان، أي مرة ثم مرة. فللرجل أن يطلق زوجته، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاءَ دون توقف على رضاها، ثم له أن يطلقها مرة ثانية، ثم يراجعها أثناء العدة - إذا شاء - دون توقف على رضاها كذلك. وكل طلقة من هاتين الطلقتين تسمى طلقة رجعية. أما إذا أمضت العدة بعد الطلقة الأولى. أو الثانية - دون مراجعة لها - فإن الطلاق يصبح بائنًا، فلا تعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين، وبرضا الزوجة أو وليها، فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فإنها تصبح حرامًا عليه: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، كما تشير الآية التالية. ومعنى إمساكها بالمعروف - بعد الطلقة الثانية - أن يراجعها مع حسن العشرة والمود والرحمة. فذلك هو المعروف عند أرباب المروآت، وفي لسان الشرع، ونظر العقل. ومعنى تسريحها بإحسان - بعد الطلقة الثانية - أن يتركها دون مراجعة أو أن يطلقها الثالثة، وأن يؤدي لها حقوقها من: نفقة العِدة، وأُجرة الرضاع، والحضانة لولده، وجبر الخاطر، وحسن القالة.

стр. 399

والآية الكريمة بهذا، أعطت الزوجين فترات كافية: يتروَّى فيها كل منهما، ويُراجع نفسه، لعله يفِيءُ إلى المودِة والصفاء. فأَبغض الحلال عند الله الطلاق. وقد اختلف الأَئِمة فيمن يوقع الطلاق ثلاثًا مرة واحدة: فذهب بعضهم، إلى أنه يقع طلقة واحدة. ومذهب الأئمة الأربعة: أنه يقع ثلاث طلقات. وقد أخذت المحاكم الشرعية في مصر الآن، بالرأي الأول في لائحتها، اتباعًا لرأي بعض الصحابة وكبار التابعين، ولأن منطوق الآية يؤَيده. والخلاف بين الفقهاء - في هذا الموضوع - مبسوط في الكتب المطولة، أمثال: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وأعلام الموقعين لابن قيم الجوزية، ونيل الأوطار للشوكاني، وأحكام القرآن لابن العَرَبي، وغيرها. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: لما ذكر الله في الآية السابقة: أن الطلاق مرتان، وأن للزوج بعدهما أن يمسك زوجته، ويستبقيها بمعروف، أو يسرحها ويتركها بإحسان - على نحو ما أوضحناه سابقًا - أتبع ذلك بيان نوع من أنواع الإمساك بغير معروف، والتسريح بغير إحسان، وهو أن يمسكها ويراجعها، أو يطلقها في مقابل أن يأخذ بعض مالها، فإن ذلك ليس معروفًا ولا إحسانًا. قد أفادت الآية: أنه لا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من صداق الزوجة، الذي أوجبه الله، لكي يبقيها في عصمته، أو لكي يطلقها. لأن ذلك مناف للمعروف والإحسان الذي أمره الله به، والذي هو لائق بصلات المؤمنين بعضهم مع بعض، فضلًا عن الزوجين. ومثل الصداق في الحكم، سائر أموالهن. وتخصيص الصداق بالذكر، لرعاية العادة، أو للتنبيه على أن تحريم الأخذ من غيره أولى.

стр. 400

وقد أباح الله للزوج أن يأخذ منها بعض مالها في مقابل طلاقها، إذا خافا - كلاهما - أن لا يقيما حدود الله، بعدم القيام بواجبات الزوجية، كاستخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، وكعدم إنفاق الزوج عليها وسوء عشرته لها. فإن كان الخوف من عدم القيام بحقوق الله من جانب الزوج وحده - مع حسن عشرة المرأة - فلا يحق له أن يأخذ منها - في مقابل طلاقها - شيئًا من المال. فإن أخذه، وجب عليه رده. وإن كان الخوف من جانب الزوجة وحدها، والنشوز من جانبها - فله الحقُّ في أخذه. قال الإمام مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم - وهو الأمر المجتمع عليه عندنا - وهو أن الرجل: إذا لم يضر بالمرأة ولم يسيء إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه - فإنه يحل له أن يأخذ كل ما افتدت به، كما فعل النبي ﷺ في امرأة ثابت. وإن كان النشوز من قبله، بأن يضيق عليها ويضرها - رد عليها ما أخذ منها. ويدل لجواز أخذه المال منها - إذا كان الشقاق من جانبها فحسب - ما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس: ما أَعْتُبُ عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه، فقال رسول الله ﷺ : "أَتَرُدِّ عليه حَدِيقَتَهُ"؟ قالت: نعم. زاد ابن ماجه (فأمره رسو الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد). والفراق - في مقابل المال - يُسمى: خُلْعًا. ويعتبر خلق ثابت بن قيس لزوجته، أول خُلْع في الإسلام. واستدلت طائفة من الفقهاء بحديث امرأة ثابت المذكور، على أنه يجوز الخلع من غير اشتكاءٍ ضرر، فإنها تقول: إنها لا تعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنها لا تطيقه. وقالوا: إن الآية لم تذكر الخوف من عدم إقامة حدود الله على جهة الشرط، بل لأنه الغالب. وقالوا: إن الذي يدل على ذلك - صراحة - قوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ (١).

стр. 401

ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾: فلا إثم على الزوجين فيما افتدت به الزوجة نفسها، لتخلص من زوجها بالخلع في مقابله. أي لا إثم على الزوج في أخذه، ولا على الزوجة في إعطائه إياه. واستدل كثير من الفقهاء، بعموم قوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ على جواز الخُلع بأكثر مما أعطاها، فما تراضيا عليه، صح الخلع به: قَلَّ أو كثر. وهذا هو رأي الجمهور. وإن كان مالك يرى أخذ الزوج الزيادة على ما أعطاها، مجافيًا لمكارم الأخلاق. وقالت طائفة: لا يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف العلماءُ في الخلع: هل هو طلاق، فيعد طلقة؟ أم هو فسخ، فلا يعد طلقة. فقال مالك، والشافعي في أحد قوليه، وأبو حنيفة، والثوري، وغيرهم: هو طلاق بائن، فيعد طلقة. وقالت طائفة: هو فسخ لا ينقص عدد الطلاق إلا أن ينويه. وبه قال ابن عباس، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق وغيرهم. ولهم في ذلك أدلتهم. ومن ذلك ما روى: أن سعد بن أبي وقاص سأل ابن عباس ﵄: عن رجل طلَّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم لينكحها، ليس الخلع بطلاق ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء إلى آخرها ما قال.

стр. 402

ومن ذلك قولهم: إنه لو كان الخلع طلاقًا لكان بعد ذكر الطلقتين ثالثًا، وكان قوله بعد الخلع: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ دالًا على الطلاق الرابع، فيكون التحريم بعد أربع طلقات، ولا قائل به، إلى آخر ما قالوا. ويترتب على هذا الخلاف: أن من طلق زوجته تطليقتين، ثم خالعها، ثم أراد أني يتزوجها، فله ذلك عند ابن عباس ومن يرى رأيه، لأنه لم يقع منه سوى تطليقتين، والخلع لغو. ومن جعله طلاقًا لم يُجِز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجًا غيره. وعلى القول بأنه طلقة بائنة: يجوز للزوج أن يعود بعده لزوجته، إذا لم يسبقه طلقتان: بأن لم يسبقه طلاق أصلًا، أو سبقه طلقة واحدة. ولكنه لا يعود إليه، إلا بعقد ومهر جديدين. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: أي تلك الأحكام التي مضت: ما حدَّه الله وشرعه من الأحكام، فلا تتجاوزوها بالمخالفة. ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي ومن يترك أحكام الله التي شرعها وبينها لعباده، فإنه ظالم لنفسه وغيره، متبه لهواه. والظالم يستحق عقاب الظالمين المعتدين. وفي هذا بلاغ لمن يجادلون، مدعين ظلم الأُسرة: مطالبين بتعديل حدود الله تبعًا لأهوائهم، أو تطبيقًا للمباديء الزائفة، التي استجلبوها من غير البيئة الإسلامية، باسم المدنية والحضارة. ونسوا أن الذي شرع هذه الأحكام، وحدد هذه الحقوق، هو رب العالمين: خالق الأًسرة: العليم بمصالحها، وأنه أَرأَف بها من هؤلاء الذين يدعون الإشفاق عليها، وهم إنما يريدون بذلك الوصول إلى زعامات كاذبة، وأغراض هدامة. والله من ورائهم محيط.

стр. 403

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ التفسير بين الله سبحانه - في الآيات السابقة - طريقة إيقاع الطلاق، وأنه يكون على دفعات لا دفعة واحدة، حتى لا يضيق الرجل على نفسه، بل يستطيع أن يستأنف - بعد الطلقة الأُولى أو الثانية - حياته الزوجية. ثم أتبع ذلك بيان حكم الفراق، إذا كان بافتداء المرأة نفسها من الرجل، بمال تدفعه. وفي هذه الآية الكريمة يبين - سبحانه - الطلاق المكمل للثلاث، الذي لا يمكن بعده استئناف الحياة الزوجية، بل تحرم عليه المطلقة، حتى تنكح زوجًا غيره، فيقول سبحانه: ٢٣٠ - ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ … ﴾ الآية. أي فإن طلقها الثالثة - بعد الطلقتين اللتين سوغ الله سبحانه - له الرجعة بعد كل منهما، في أثناء العدة - فلا تحل له مراجعتها في عدتها، أو العقد بعد انقضائها من هذا الطلاق الثالث، حتى تتزوج زوجًا غيره، بعد انقضاء عدتها منه، على أن يكون الزواج الثاني زواجًا شرعيًا صحيحًا، وأن يجامعها فيه. فإن طلقها الزوج الثاني، وانقضت عدتها منه، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعها بعقد جديد إن ظنا أن يقيما حدود الله، ويتعاشرا بالمعروف ويحرص كل منهما على القيام بواجب الزوجية. وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: النكاح في الآية: العقد الصحيح. فهو كافٍ في التحليل للأول، وإن لم يجامعها، مالم يُرَدْ بالعقد مجرد إحلالها للأول. وإطلاق النكاح

стр. 404

على العقد، معروف لغة وشرعًا. ولكن هذا الرأي ضعيف، لمخالفته لما جاءَت به السنة الصحيحة، وللحكمة المقصودة من هذا الزواج، وهي تخويف الناس من البت في الطلاق، حتى لا تصير نساؤُهم إلى هذا المصير، ولتاديب مَن بَثَّ طلاق امرأته. وإذا تزوجها الزوج الثاني - بقصد إحلالها للزوج الأول: فقد قال أبو حنيفة وأصحابه: النكاح جائز للأول إن دخل بها الثاني وطلقها، وله أن يمسكها إن شاء. وفي رواية أُخرى عنهم: لا تحل للأَول إن تزوجها ليحلها له، ولم يختلفوا في أن نكاح الزوج الثاني صحيح. وحكى الماوردي عن الشافعي: أنه إن شرطا التحليل قبل العقد، صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد، بطل النكاح ولم يحلها للأَول. وفي هذا الموضوع كلام طويل، وآراءٌ عدة فراجعه في كتب الفقه. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي وتلك الأحكام المذكورة التي تتصل بالنكاح والطلاق، والرجعة والخلع، وغير ذلك، هي حدود الله وأحكامه: يبينها بيانًا واضحًا مفصلًا، لقوم يعلمون حقها وأهميتها، فيحافظون عليها، ويتعهدون بتنفيذها. وذلك لا يدركه إلا عالم متدبر. أما الجاهل، فلا ينظر إلى العواقب، ولا يحافظ على حدود الله. وتكررت جملة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ في أحكام الطلاق، لإبراز أهميتها، وإظهار الذنب الكبير في مخالفتها. هذا حكم المطلقات ثلاثًا. أما غيرهن ممن طلقن واحدة أو اثنتين، فقد بين الله ما ينبغي اتباعه بقوله مخاطبًا الأزواج:

стр. 405

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ المفردات: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي قاربن نهاية عدتهن. والأجل - كما يطلق على المدة كلها - يطلق على آخرها: مجازًا. ﴿لِتَعْتَدُوا﴾: أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء، فرارًا من إمساكهن مع المضارة. ﴿آيَاتِ الله﴾: المراد بها، هذه الآيات المشتملة على أحكام النساء. أو كل الآيات، وهذه داخلة فيها. التفسير ٢٣١ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُ وفٍ … ﴾ الآية. والمعنى: وإذا طلقتم النساء طلاقًا رجعيًا، فقاربن انقضاءَ عدتهن - بالقروءِ. أو الأَشهر أو الحمل (١) - فأمسكوهن - بالمراجعة إلى عصمتكم - بمعروف، من غير إضرار بهن، إن رغبتم أن تستمر الحياة الزوجية بينكم. والمعروف: هو أن تقوموا بما يجب عليكم لهن من حسن العشرة والنفقة، وحسن المعاملة كما أمركم الله. أو سرحوهن بمعروف إن كرهتم البقاءَ معهن، وذلك بان تتركوهن

стр. 406

حتى تنقضي عدتهنن مع أداء جميع حقوقهن المالية، من غير مشاحة ولا تجريح، على حد قوله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١). ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً الِّتَعْتَدُوا﴾: أي ولا تمسكوهن بالرجعة، مضارة لهن، لتعتدوا عليهن، بإلجائهن إلى الافتداء، أو تطويل عدتهن، حَبْسًا لهن عن الزواج من غيركم. روى مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي: أن الرجل كان يطلق امرأته، ثم يراجعها، ولا حاجة له بها، ولا يريد إمساكها، كما يطوِّل بذلك العدة عليها، وليضارها. فأَنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارً لِّتَعْتَدُوا﴾: وأخرج بن جرير وغيره عن السدي: أن رجلًا من الأَنصار يُدعى: ثابت بن يسار، طلق زوجته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة، راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر: يضارها. فأنزل الله تعالى هذه الآية. والنهي هنا، تأكيد للأمر قبله بالإمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كانوا يتعاطونه، من تطويل عدتها على نحو ما بينه سبب النزول. فلا يحل له أن يراجع إلا إذا كان قد اعتزم العدل وأَراده. فإن تعذر قيام الحياة الزوجية، فلا يسوغ له أن يستأنفها: معاندة للزوجة، وعداوة لها. فإن ذلك اعتداءٌ وظلم، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: أي ومن يفعل ذلك الإمساك المؤدي للضرار - اعتداءً وظلمًا في موطن الرحمة - فقد ظلم نفسه: بتعريضها لعذاب الله. أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾:

стр. 407

فهو تأكيد آخر، أي ولا تتخذوا آيات الله مهزوًّا بها: بمخالفتها وعدم تنفيذها، لعدم مبالاتكم بحقوق النساء، بل جدوا في الأخذ بها، والعمل بما فيها من أحكام وتشريعات. وقيل: معنى اتخاذها هزوًا: إدعاءُ العبث والهزل، وعدم الجد فيما يقولون من عبارات ذات أحكام شرعية: كالطلاق، والرجعة، والعتق. روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جدَدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة". وعن أبي عمرة، وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: "كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت، ويعتق ثم يقول: لعبت. فنزلت". والآية على هذا عامة في جميع الأحكام. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي واذكروا نعمة الله عليكم: بالإسلام والتزويج وجميع النعم. واذكروا كذلك ما أنزل عليكم من آيات الكتاب الحكيم، المنزل على رسولكم، المبين لما يسعدكم من الشرائع والأحكام. واذكروا أيضًا: ما أنزل عليكم من حكمة الرسول، وسنته التي بين بيها آيات الله وتشريعاته. ﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾: أي اذكروا ما أنزله عليكم من الكتاب والحكمة، والحال أنه يعظكم ويذكركم به: لتعملوا بمقتضاه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فلا يخفى عليه شيءٌ مما تأتون وما تذرون، فيؤَاخذكم بما تعملون: من خير أو شر. ولا شك أن معرفة المسلم ذلك، توجب عليه الالتزام بأوامر الله، واجتناب ما نهى الله عنه، ليكون بذلك في وقاية من عذاب ربه: العليم بكل شيء. ثم أردف ذلك بمخاطبة أولياء الأُمور أو المؤمنين جميعًا فقال:

стр. 408

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ المفردات: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي وصلن إلى نهاية عدتهن، تمامًا من غير نقصان. ﴿فَلَا تعْضُلُوهُنَّ﴾: فلا تمنعوهن من الزواج. التفسير ٢٣٢ - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ … ﴾ الآية. سبب النزول: روى البخاري وغيره، عن معقل بن يسار قال: "كانت لي أُخت، فأَتاني ابن عم لها، فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقلت له: يا لكع، أكرمتك بها وزوجتكها: ثم طلقتَها، ثم جئتَ تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدًا. وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله هذه الآية. قال: ففيَّ نزلت هذه الآية، فكفرت عن يميني، وأنكحتها

стр. 409

إياه". وفي رواية "فلما سمعها معقل قال: سَمْعًا لربِّي وطاعة" ثم دعاه، فقال: أُزوجك وأُكرمك". المعنى: وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج، فبلغت المطلقات نهاية عدتهن، فلا تمنعوهن أيها الأَولياءُ، أن يتزوجن أزواجهن الذين طلقوهن، وصلا لما انقطع بينهم وبينهن، إذا وقع التراضي بينهم، بما عرف حسنه شرعًا ومروءة، فإن للزوجة حقًا ثابتًا في اختيار زوجها، لأَنها هي التي ستعيش معه. وكما يحرم العضل بالنسبة إلى زوجها الأول، يحرم بالنسبة إلى زوج جديد: تم بينهما تراض شرعي. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: النهي عن العضَل والإضرار، وما اتصل به من الأحكام. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾: أي يذكر به. ﴿مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: فيغلب جانب المصلحة على هوى نفسه، لأن شأن الإيمان: العمل بالأحكام، لهذا خص بالذكر. ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: أي ذلكم الاتعاظ بما كلفتم به من ترك العضل، أعظم بركة ونفعًا، وأطْهر لكم ولهم عن الريبة والتهم، بسبب ما قد يحصل بينهما من صلات غير مشروعة. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي والله يعلم ما فيه صلاح أموركم من الأحكام والشرائع. ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فاتبعوا أمره، واجتنبوا نهيه. ثم شرع في الحديث عن الولد وحقه بعد الحديث عن الزواج لأنه ثمرة له فقال:

стр. 410

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ المفردات: ﴿الْمَولْودِ لَهُ﴾: أبو الولد. فإن الولد يولد له وينسب إليه. ﴿رِزْقُهُنَّ﴾: نفقتهن. ﴿وُسْعَهَا﴾: الوسعة، الطاقة والاحتمال. ﴿فِصَالًا﴾: فطامًا للولد عن الرضاع. ﴿جُنَاحَ﴾: الجناح، الإثم. ﴿أَن تَسْتَرْضِعُوا﴾: أن تطلبوا مرضعات لأَولادكم غير أُمهاتهم. التفسير ٢٣٣ - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ … ﴾ الآية. المعنى: أفادت الآية: أن الوالدات يرضعن أولادهن، وهذا خبر يراد به الندب والاستحباب، ما لم يمتنع الصبي عن الارتضاع من غير أُمه، أو لا يوجد له مرضع سواها، أو يعجز الواد عن الاستئجار، فإنه يكون واجبًا على الأُم، ويكون الخبر في الآية مرادًا منه الأمر لها إلزامًا.

стр. 411

والمراد بالوالدات في الآية: جميعهن، سواءٌ كن زوجات لآباءِ أولادهن الرضعاء، أو كن مطلقات منهم. وحتى لا يختلف الوالدان في مدة الرضاعة، بأن يريد الأب أن يقصر مدتها، حتى لا يمتد دفعة أجر الرضاعة، أو تعمل الأُم على إطالتها، انتفاعًا بأجر أكثر - حدَّد الله مدة الرضاع اللازمة للطفل، بقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾: سنتين كاملتين بالتقويم القمري: شأن ما فيه حكم زمني من شئون الإسلام. فمدة الرضاع: حولان كاملان تامان: ينفصل بهما النزاع. ذلك التوقيت بالحولين ﴿لِمَنْ أَرَ ادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ والمقصود بمن أراد أن يتم الرضاعة: والد الطفل. فهو المكلف بالإرضاع. والأُم ترضع له. فاللام في قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ﴾ لبيان من تَوَجه إليه الحكم، وهو الأب. قال الشافعي: لا يلزم الإرضاع إلا والدًا أَو جدًّا وإن علا. وسيأتي مزيد بيان لذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. وكون الإرضاع واجبًا على الأب أو الجد، لا ينافي أن يندب للأُمهات إرضاع أولادهن. وقد يجب عليهن، عند فقد المراضع أو وجودهن بأجر لا يطيقه الأب، أو امتناع الرضيع عن الرضاع من غير أمه كما تقدم. وقد دل قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن إرضاع الحولين ليس حتمًا، وأنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكنه - كما قلنا - تحديد لقطع النزاع بين الزوجين في مدة الرضاع. فلا يجب على الأب إعطاءُ الأُجرة لأكثر من حولين، ما لم تكن حالة الطفل الصحية: تقتضي ضرورة الزيادة في الرضاع عليهما، فيجب عليه إعطاؤُها. وإذا أَراد الأب الفطم قبل تمام الحولين، ولم ترض الأُمّ - لم يكن له ذلك. ويجب أن تكون مصلحة الصبي مقدمة على كل اعتبار.

стр. 412

وإذا كنت قد عرفت أن توقيت الرضاع بحولين كاملين، الغرض منه قطع النزاع بين الزوجين، وأنه بيان لأقصى مدة الرضاع، عند اعتدال صحة الطفل، وأنه يجوز إنقاصهما إلى ما دون ذلك عند اتفاق الزوجين، واستعداد صحة الطفل للفطام قبلهما - فإنك - حينئذ - تعرف الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا … ﴾ (١). فإننا إذا اعتبرنا الحمل تسعة أشهر - أو عامًا، كما يحدث في بعض الحالات - فإن مدة الرضاع - في سورة الأَحقاف - تنقص عن حولين كاملين، لأننا إذا نقصنا تسعة أشهر من الثلاثين شهرًا، كان الباقي للرضاع ثمانية عشر شهرًا: أي سنة ونصفا، وذلك شاهد بصحة ما قلناه - من أن تحديد المدة بحولين - لبيان أَقصى مدة للرضاع، كما أنه لقطع النزاع بين الزوجين، وليس للتحديد الملزم. ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وسيأتي الكلام عليه. وقد دلت الآية: على أن الحرمة بالرضاعة، لا تثبت إلا بالإرضاع أثناءَ الحولين، فتجعل للرضيع فيهما حرمة النسب، وهذا هو الصحيح. ومن العلماءِ من أثبت الحرمة بالرضاع بعد الحولين إلى شهر، وقيل: إلى شهرين. وقيل: إلى ثلاثة. وقيل: إلى ستة أشهر. وكل ذلك ضعيف لمخالفته نص الآية، ولحديث مالك في الموطأ: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُ وفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: المراد بالمولود له: الأب، فإن الولد يولد له، ولم يعبر بالأب مع أنه أخصر: للدلالة على علة الوجوب مع ما فيه من معنى الانتساب، الذي تشير إليه اللام. ورزقهن: نفقتهن. وقد أوجبت الآية على الوالد أن ينفق على أُمِّ رضيعِهِ ويكسوَها، سواء أكانت زوجة له أم مطلقة منه، وذلك أجرة لها على إرضاع ولدهما. بهذا قال الشافعي.

стр. 413

وعند الأحناف: لا تأخذ الزوجة أرة على الرضاع، مادامت في النكاح، أو في العدة، اكتفاءً بنفقتها المشروعة لها. وكل من النفقة والكسوة واجبان حسب المعروف بين الناس، بلا إسراف ولا تقتير، بحيث تكون في وسعه وطاقته، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فلا يلزم الوالد بما يشق عليه، بل يكون الأجر في حدود طاقته، ولا تلزم الأُم بالإرضاع دون أُجرة، أَوْ بأَجر غير كاف، لكي يستطيع كلاهما أن يقوم بأَعبائه نحو ولده. ومعنى ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّه بِوَلَدِهِ﴾: لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها، بأن تطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول له: اطلب مرضعًا، بعد أن ألفها الرضيع، ولا يضر مولود له - وهو الأب - زوجته المرضعة بسبب ولده، بأن يمنعها شيئًا مما وجب لها عليه من رزق أو كسوة، أو يأخذ منها الصبي - وهي تريد إرضاعه - أو يكرهها على الإرضاع. ومعنى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: أن والد الرضيع - إذا مات - قام وارثه - بالرزق والكسوة: بالمعروف - لوالدته التي ترضعه. والمراد بوارث الأب: نفس الرضيع، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فعلى جده لأبيه إن وجد، فإن لم يوجد، فعلى الأُم. وقيل: الوارث هو ذو الرحم المحرم: قرأَ ابن مسعود: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ ذِو الرَّحِمِ الْمَحرمِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وقيل: عصباته. وقيل: المراد بالوارث: وارث الصبي. وفي الموضوع كلام طويل، يطلب من الموسوعات. ذلك حكم الرضاع وما يجب فيه: على الوالدة، والمولود له، والوارث. ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: أي: فإن اراد الوالد والأُم فطام الرضيع - قبل تمام الحولين - فلهما ذلك، دون إثم عليهما أو حرج، بشرط أن يتم ذلك عن تراض وتشاور بينهما، دون إضرار بالرضيع. وهذا الحكم من رحمة الله تعالى بعباده، حيث أرشد الوالدين إلى ما يصلح للطفل، ثم قال:

стр. 414

﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: يقول: وإن أَردتم - أيها الآباء - أن تسترضعوا مراضع أُخرى أَولادَكم غير الوالدات، لمصلحة الطفل، أو لأَي سبب آخر، فلكم ذلك، ولا جناح عليكم فيه، إذا سلمتم المراضع ما أردتم إيتاءَه من الأُجرة، بالوجه المتعارف المستحسن شرعًا، عن طيب خاطر، ليقمن بإرضاعه على خير وجه. وهنا يقول الزمخشري: أُمروا أن يكونوا - عند تسليم الأجر - مُسْتَبِشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن، حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: الخطاب في ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للآباءِ والأُمهات. فيما فرض عليكم فلا تظلموا. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فلا تخفى عليه خافية من أحوالكم وأقوالكم، فاحذروا أن تخالفوا عن أمره، فلستم بمعجزيه. وفي الآية - من التهديد والتحذير - ما لا يخفى. ولما انتهى من الطلاق وعدته، والولد - وما يجب له - شرع يبين عدة المتوفَّى عنها زوجها، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ المفردات: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾: جمع زوج. ويستوي فيه المذكر والمؤَنث. والمقصود هنا - الزوجات، أي: يتركون زوجات لهم في عصمتهم وقت الوفاة. ﴿يَتَربَّصْنَ﴾: ينتظرن في بيت الزوجية.

стр. 415

التفسير ٢٣٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا … ﴾ الآية. أي: والرجال الذين يموتون منكم - أيها المسلمون - ويتركون زوجات، يجب عليهن أن ينتظرن بعدهم بدون زواج، أربعة أشهر وعشر ليال بأيامها، وتسمى هذه المدة: عدة الوفاة. ويستوي في قضاء هذه المدة كل زوجة: صغيرة كانت أو كبيرة: مدخولا بها، أو لا: وقال ابن عباس: لا عدة لغير المدخول بها. وهو محجوج بعموم اللفظ. وتكون المعتدة بعيدة عن الطيب والزينة أَثناءَ عدتها. وتمكثها في منزل الزوج، إن تيسر لها ذلك. ولها الخروج لحاجتها على هذه الحال نهارًا. وهذه المدة لغير الحامل. أما الحامل، فعدتها تنتهي بوضع الحمل، ولو كان ذلك يعد لحظة من الوفاة، لقوله تعالى: ﴿وَأُلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). وهذا هو رأي الجمهور. ويرى الإمام علي - وبعض الفقهاء - أن تمام عدتها: أبعد الأجلين. جمعًا بين الآيتين. والجمهور: على الأول. فقد صح أن آية الطلاق، نزلت بعد هذه الآية - كما رواه البخاري وغيره. ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: "لو ولدت وزوجها على سريره لم يُدفَنْ، لَحَلَّتْ". وصح أن النبي ﷺ قضى لسبيعة الأسلمية بذلك.

стр. 416

والحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا - كما قال بن الأثير - احتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظرته - هذه المدة - ظهر إن كان موجودًا. كما جاء في حديث ابن مسعود في الصحيحين وغيرهما: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يُجمَعُ في بطن أُمه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضْغةً مثل ذلك، ثم يُبْعَثُ إليه الْمَلَكُ فينفُخُ فيه الروحَ". فهذه أربعينات بأربعة أشهر. والاحتياط بعدها، لما قد ينقص من بعض الشهور، وانتظارًا لِظُهور الحركة بعد نفخ الروح فيه. والله أعلم بأسرار أحكامه. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: فإذا بلغن أجلهن، واستوفين عدة الوفاة الواجبة عليهن - كاملة دون نقص - واستبان حال الرحم، فلم يكن فيه حمل - فلا جناح عليكم - أيها الأولياء المسلمون - فيما فعلن في أنفسهن من زينة وغيرها، مما مُنِعْنَ عنه إِبَّان فترة العدة، إن كُنَّ قد فعلن ذلك بالمعروف، في حدود الشرع الشريف، بأن لم يخرجن عن حدوده، فإن خرجن عنه، فالإثم عليكم أيها الأولياءُ، لأن مراقبتهن واجبة عليكم. وحداد الزوجة على زوجها - أي ترك الزينة والطيب ونحوه - واجب عليها مدة عدتها التي حددها الله - تعالى - كما ثبت في الصحيحين من غير وجه، من أُم حبيبة وزينب بنت جحش: أُمَّيِ المؤمنين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر: أن تَحُد على ميت فوق ثلاث، إلى على زوجٍ أربعة أشهر وعشرا". وهذا هو رأي جمهور العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن: ليس الإحداد بشيءٍ، إنما تتربص عن الزوج، ولها أن تتزين وتتطيب. وهذا رأي ضعيف لمخالفته للسنة. ثم ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي والله عليم بامتثالكم أمره أو مخالفته، مجازٍ لكم حسب عملكم، فاحذروه.

стр. 417

وبذلك حملت الآية المسلمين - جميعًا - مسئولية حماية الآداب العاملة، حفاظًا على المجتمع الإسلامي الفاضل. ثم أتبع ذلك بيان الطريق المستقيم، لمن أراد الزواج بمن توفى عنها زوجها أو غيرها من المعتدات، فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ المفردات: ﴿عَرَّضْتُم﴾: التعريض والتلويح: إيهام المقصود بما لم يوضع له، حقيقة أو مجازًا. كقولك: جئتك لأسلم عليك، تلويحًا بأنك جئت لطلب دين أو عطاءٍ ممن تخاطبه. ﴿خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: طلبهن للزواج قبل العقد. والمقصود هنا من النساءِ: المعتدات عن وفاة، بقرينة الآية السابقة، فأل فيه للعهد. ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ أَو أخفيتم. ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تواعدوهن - في العدة - زواجًا. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾: ولا تقصدوا قصدًا جازمًا تنفيذ عقده.

стр. 418

التفسير ٢٣٥ - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ … ﴾ الآية. المعنى: ولا إثم عليكم - أيها المسلمون الذين تريدون خطبة أُولئك المعتدات - أن تُعرِّضوا بخطبة النساءِ، وتشيروا إليها - أثناء عدتهن من وفاة أزواجهن -: بأن يقول الرجل للمرأة قولا تفهم منه عرضًا أنه راغب فيها. وذلك كما رواه البخاري وغيره، عن ابن عباس ﵄: "إن أُريد التزوج، وإن لأُحب امرأَة من أمرها وأمرها - يعرض لها بالقول المعروف - وإن النساءَ لمن حاجتي، ولودِدتُ أن اله كتب لي امرأَة صالحة". أما التصريح بخطبتها، فلا يجوز. هكذا حكم المطلقة المعتدة في طلاق بائن. فقد ورد أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة بنت قيس. حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حَفْصٍ آخر ثلاث تطليقات. فقد أمرها بأن تعتد في بيت أُم مكتوم. وقال لها: فإِذا حللت فأْذنيني. فلما حلت، خطبها لأُسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه. أما المطلقة الرجعية، فلا خلاف في أنه لا يجوز في عدتها التصريح ولا التعريض بخطبتها. وكما لا إثم عليكم في التعريض بخطبة المعتدات عن وفاة، فلا إثم عليكم إذا أخفيتم - في قلوبكم - نكاحهن بعد مضي عدتهن، ولم تعرضوا بخطبتهن أثناءَ عدتهن. ثم ذكر حكمة الترخيص بذلك فقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾: أي علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم، ورخص لكم - فيما ذكر - من التعريض بالخطبة، وكتمان النكاح في أنفسكم.

стр. 419

ثم نهى عن التصريح بخطبتهن فقال: ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: هذا استدراك على مقدر. فكأنه قيل: فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرًّا. والمراد بالسرّ هنا: النكاح، وأطلق عليه السرّ لأنه، يخفي وراءَه ما هو سر، وهو المباشرة. أو المعنى: لا تواعدوهن ما هو سرّ في أنفسكم من الزواج بهن. والمقصود: نهيهم عن التصريح بالزواج والوعد به، أثناء العدة. ثم استثنى من ذلك قوله: ﴿إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: أي لا تواعدوهن نكاحًا مواعدة ما، إلا مواعدة بقول معروف، وهو ما كان بالتعريض. وهذا تصريح بما فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم﴾ إلخ، لغرض التأكيد. ثم قال ناهيًا - عن الزواج في العدة بأبلغ وجه -: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: أي: لا تقصدوا - قصدًا جازمًا - تنفيذ عقد النكاح، حتى ينتهي ما كُتِبَ وفُرِضَ من العدة. وإذا كان قد نهى عن العزم على العقد قبل فراغ العدة - فالنهي عن العقد من باب أولى. ومن المعلوم أن عقد النكاح - في زمن العدة - باطل. والمباشرة - حينئذ - زنى. والتفريق بينهما واجب. ثم ختمت الآية بهذا التحذير: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾: من جميع الخواطر والعزائم، ومنها الرغبة فيهن، أو الميل إلى مخالفة ما نهاكم الله عنه.

стр. 420

﴿فَاحْذَرُوهُ﴾: أي فاحذروا الله وخافوا أن تخالفوا أمره. ثم لم يقنطهم من رحمته ومغفرته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لمن أذنب ثم تاب ورجع. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل بعقوبتكم إن أذنبتم، لعلكم تثوبون إلى رشدكم، فتتوبوا إلى ربكم. وتكرير ﴿وَاعْلَمُوا﴾ للاعتناء بشأن الحكم. ولا يخفى ما في ختام الآية من سعة رحمة الله تعالى. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ المفردات: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: المسّ هنا، الجماع. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ أو هنا، بمعنى الواو. ﴿فَرِيضَةً﴾: الفريضة، المهر. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: المتعة، مقدار مالي، تُعطاه المطلقة قبل الدخول، قُصِدَ به أن يكون تعويضًا لها عما فاتها من زوجها، وجبْرًا لها، لما نالها من انكسار النفس. ﴿الْمُوسِعِ﴾: الغَنِيُّ. ﴿الْمُقْتِرِ﴾: الفقير. ﴿قَدَرُهُ﴾: طاقته وسعته.

стр. 421

التفسير ٢٣٦ - ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً … ﴾ الآية. ﴿أَو﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ بمعنى الواو، كما في كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١) أي وكفورًا. المعنى: لا إثم عليكم أيها الأزواج، إن طلقتم الزوجات قبل الدخول بهن وفرض مهرٍ لهن. أو: لا تبعة عليكم من المال، إن طلقتموهن عند انتفاء مباشرتهن وتقدير مهر لهن. وقيل: ﴿أَو﴾ هنا بمعنى: إلا. والمعنى - على ذلك - ولا تبعة عليكم من المال عند عدم الدخول بهن، إلا أن تفرضوا لهن فريضة من المهر. ولكن ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، هو الأنسب، لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: فإن المعنى: ومتعوا المطلقات عندما يجتمع لهن أمران، عدم الدخول بهن، وانتفاءُ تقدير مهر لهن: على الغني ما يقدر عليه، وعلى الفقير ما يقدر عليه. وهذه المتعة، جبر لما أصابهن من الحرمان، وهي واجبة - في هذه الحالة - عند كثير من فقهاء السلف، ومنهم علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والزهري وغيرهم، وقال بعض الفقهاء: إنها مندوبة. فالآية ظاهرة في الرأي الأول. أما غيرهن من المطلقات: فالمتعة مندوبة في حقهن عند الجمهور. وقال مالك وأصحابه: المتعة مندوبة في كل مطلقة - وإن دخل بها - إلا في التي لم يدخل بها، وقد فرض لها - فحسبها ما فرض لها، وهو نصف المهر المسمى. ولا متعة لها.

стр. 422

وليس للمتعة حَدٌّ معروف في الكتاب أو السنة. ولكنها - على ما قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: وقال ابن عمر: أدنى ما يجزيءُ في المتعة ثلاثون درهمًا. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: أي تمتيعًا بما عرف حسنه شرعًا ومروءة. ﴿حَقًّا﴾: ثابتًا على من ينبغي له أن يحسن إلى نفسه - وهو المكلف - بالمسارعة إلى الامتثال. وإطلاق وصف ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ على المكلفين، للترغيب والتحريض. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ التفسير ٢٣٧ - ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِ يضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ … ﴾ الآية. هذه الآية مسوقة لبيان حكم من سُمِّي لها مهر. والمعنى: وإن طلقتموهن، من قبل الدخول بهن - الحال أنكم قد فرضتم لهن صداقًا معلومًا - فواجب عليكم أن تؤدوا نصف ما فرضتم لهن.

стр. 423

﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾: يعني: أن هؤُلاء المطلقات - قبل الدخول، وقد سمى لهن صداق - يجب لهن نصفه إلا في حال عفوهن، وتجاوزهن عنه، أو عن بعضه للزوج الذي أوقع الطلاق. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: المراد بهذا: الزوج. فهو الذي بيده أمر عقد النكاح، إن شاءَ أبقاه، وإن شاء أبطله بالطلاق. ومعنى عفوه: أن يترك - تكريمًا - ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كله إلى من طلقها، أو يعطيه إليها إن لم يكن أعطاه من قبل. وقيل: المراد بمن بيده عقدة النكاح: هو ولي المرأة المطلقة الذي لا تتزوج إلا بإذنه، فإن له العفو عن نصف مهر البكر إذا طلقت، وإن لم تبلغ الحيض. والتفسير الأول وهو المأْثور. وبه قال جمع من الصحابة. وهو الأَنسب لقوله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: الخطاب هنا للرجال والنساء، على ما رآه ابن عباس. أي وأن تعفو المطلقات عن حقهن في النصف، لأن الأَزواج لم يدخلوا بهن، وأن يعفو الأَزواج بالزيادة على النصف، جبرًا لخاطر المطلقات قبل الدخول - أقرب للتقوى. والباديءُ بالفضل أكرم. فإن إسقاط حق الغير، ليس من التقوى. (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ): أي لا تجعلوا الفضل بينكم كالشيء المنسي، بأن تتركوا التعامل به بينكم. والفضل - كما قال مجاهد - إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي بجميع أعمالكم ومجازيكم عليها. ثم عقب هذا، بالأمر بالمحافظة على الصلاة، لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، وتوجب العمل بما تقدم من التكاليف.

стр. 424

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ المفردات: ﴿الْوُسْطَى﴾: تانيث الأَوسط، وهي الفضلى، ووسط الشيءِ: خيره وأعدله. ﴿قَانِتِينَ﴾: القنوت، الطاعة والعبادة. وأصله الدوام على الشيءِ. ومن هنا سمى المداوم على الطاعة: قانتًا. التفسير ٢٣٨ - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: المعنى: أمر الله بالمحافظة على الصلاة في هذه الآية الكريمة، فأصبح الناس - بهذا الأمر الكريم - مكلفين بتنفيذه: وقتًا فوقتًا. والمحافظة عليها، تقتضي أداؤُها في أوقاتها: مستكملة لأركانها وشروطها: مشتملة على الخشوع والخضوع حين أدائها، تعظيمًا لله - تعالى - الذي يقف المصلي بين يديه، حتى تأتي بالغاية المنشودة التي شرعت من أجلها، وهي أنها تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإن العبد فيها يناجي ربه، ويقف بين يديه خمس مرات في اليوم والليلة. فإذا كان خاشع القلب فيها - استحيى أن يقف بين يدي مولاه عاصيًا. وأمر أيضًا: بالمحافظة على الصلاة الوسطى. ورجح بعض العلماء أنها صلاة العصر، لما أخرجه مسلم، عن علي - كرم الله وجهه - أنه ﷺ قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم نارًا". وخصت بالذكر، لأَنها تقع وقت اشتغال بعض الناس - ولا سيما العرب - أو وقت الراحة والكسل، بالنسبة إلى طائفة أخرى من الناس. وسميت الصلاة الوسطى، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

стр. 425

وقيل: المراد بالوسطى: المتوسطة كيفية: بين الإفراط والتفريط، حتى لا يمل الناس الصلاة إن أفرطت في الطول، ولا تكون كنقر الغراب إن فرط في كيفيتها. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: القيام هنا، مراد منه: الاهتمام والتشمير عن ساعد الجد، من قولهم: قام فلان بالأمر خير قيام، إذا أداه أحسن أداءٍ. أي: شمروا عن ساعد الجد في الصلاة، لأجل الله وحده، بلا رياء ولا سمعة، خاضعين لله خاشعين. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ المفردات: ﴿خِفْتُمْ﴾: الخوف، الفزع من أي مصدر يبعث عليه. ﴿فَرِجَالًا﴾: جمع راجل، أي فَصَلُّوا راجلين. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: جمع راكب، أي راكبين على الإبل وغيرها، مما يركب، كالمصفحات والدبابات وغيرها. التفسير ٢٣٩ - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا … ﴾ الآية. لما أمر الله - في الآية السابقة - بأداء الصلاة يف حال القنوت، وهو السكينة والخشوع: حيث يكون الأمن والطمأنينة، أتبعه ببيان أدائها حال الخوف الطارئة، للإيذان بأنها لا تسقط عن العبد، بأي حال. والمعنى: هذه الصلاة المبينة في الآية، رخصة لنا في حال الخوف، سواءٌ كان سببه عدوًّا مقاتلا مسايفًا، أو كان سبعًا، أو عدوًّا يتبعه ليسرقه أو يقتله، أو سيلا يخاف الغرق منه، أو نحو ذلك.
следующие страницы →