التفسير
٢٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
أي والذين كفروا بآيات الله التكوينية والتنزيلية وكفروا بلقاء الله الذي تنطق به آياته، أولئك يائسون من رحمته، قانطون من دخول جنته يوم القيامة، وأولئك لهم عذاب موجع مؤلم في الآخرة.
وفي تكرار الإشارة والإسناد وتنكير العذاب، ووصفه بالإِيلام، وفي وصفهم باليأس من رحمته - تعالى - مع شدة حاجتهم إليها يؤمئذ - وذلك كله - ما يؤذن بسوء حالهم وفظاعته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
التفسير
٢٤ - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
يتشوف السامع إلى السؤال عن حال قوم إبراهيم ﵇ بعد أن دعاهم إلى توحيد الله وعبادته وأمرهم بالسير في الأرض والتدبر في أحوالها وتقلباتها ليعلموا كيفية قدرة الله - تعالى - على بدءِ خلقه فيعلموا من هذه المشاهدات والأحوال كيفية قدرته على إعادة الخلق بالبعث بعد الفناء، فتكون هذه الآية هي الإجابة على هذا السؤال، ويتسق بذلك السياق في أحكم نظام وأدقه.
стр. 3607
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم على دعوته إياهم إلاَّ أن قالوا: اقتلوه بأداة قتل أو حرقوه بنار لتستريحوا منه، وتستأصلوا شره، ثم انتهوا من هذا الترديد إلى إحراقه، فجمعوا أحطابا كثيرة، ثم أضرموا فيها النار حتى ارتفع لهيبها، وحميت جذوتها، ثم عمدوا إلى إبراهيم ﵇ فأوثقوه وقذفوا به فيها، فأمرها الله أن تكون بردا وسلامًا على إبراهيم ففقدت خاصيتها، ثم خرج منها سالمًا مُعافًى بفضل الله بعد ما مكث فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إن في ذلك الإنجاء من النار بعد أن بذلوا فيها جهودهم وما تبع ذلك من بردها على إبراهيم، وخيبة أملهم فيها - إن في ذلك - لمعجزات عجيبة، وآيات واضحة الدلالة لقوم مستعدين لتقبل الهداية، واستجابة الدعوة، فأما غيرهم فهم غافلون عن اجتلائها. محرومون من الفوز بمغانمها، وقد جاء في مواضع أخرى من القرآن أمر الإحراق فقط دون القتل كما في هذه الآية، ولعل الآيات الأخرى اكتفت بما انتهوا إليه، وقد جاءت قصته ﵇ في أكثر من سورة من القرآن مع تفاصيل أخرى.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
المفردات:
﴿أَوْثَانًا﴾: أصنامًا تعبدونها من دون الله.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾: سببًا في تواصلكم واجتماعكم على عبادتها.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾: منزلكم الذي تأوون إليه خالدين فيه أبدا.
стр. 3608
التفسير
٢٥ - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
لم يخرج إبراهيم من النار خائر العزم، واهن القوة وإنما خرج في مثل حاله الأولى من القوة والتصميم ماضيًا في تسفيه قومه، وتسخيف عقولهم حيث قال لهم: إنما اتخذتم من دون الله آلهة زائفة، وأصنامًا من صنعكم لا نفع لها، ولا غناء فيها جمعتكم على عبادتها، وأوجدت بينكم المودة والتآلف لنصرتها ولن يكون لكم ذلك إلا في الدنيا، ثم يوم القيامة تنقلب الأُمور، ويتبدل التواد تباغضا، والتلاطف تلاعنا حيث يكفر بكم أتباعكم، ويلعن كل فريق منكم الفريق الآخر.
كما في قوله - تعالى -: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١).
ومأواكم ومسكنكم الذي تأوون إليه ولا ترجعون منه النار، ومالكم من دون الله من ناصرين يخلصونكم من عذابها كما خلص الله إبراهيم من ناركم، وعصمه ونصره من سوء صنيعكم.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾
стр. 3609
المفردات:
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾: أي آمن بإبراهيم وأسلم له قياده.
﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾: أي وقال ذلك إبراهيم ﵇ والهجرة: مفارقة بلد إلى بلد آخر، فإن كانت قربة إلى الله فهي الهجرة الشرعية، وهي اسم من: هاجر مهاجرة كما في القاموس.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: أي منَّ الله - سبحانه على إبراهيم بالذرية، فوهب له إسحاق ابنًا ويعقوب ابن ابن.
﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: فلم يبعث الله نبيًا بعده إلا من صلبه، ولم تنزل الكتب السماوية إلاَّ عليهم.
التفسير
٢٦ - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
أي: إن لوطا صدق إبراهيم ﵇ في جميع مقالاته، أو صدق بنبوته حين ادّعاها. لا أنه صدقه فيما دعا إليه من التوحيد؛ فإن لوطا ﵇ كان مؤمنًا باللهِ.
ولوط: ابن أخي إبراهيم ﵇ وهو المشهور عند جمهور المفسرين، وذكر بعضهم أنه ابن أُخته، نقل ذلك الآلوسى في تفسيره.
وهو أول من أمن بإبراهيم، وأجاب دعوته إلى الحق، وكان إبراهم يسكن كُوثى - بالضم - قرية بالعراق (١) وهي من سواد الكوفة، هاجر منها إلى حرَّان ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط بن هاران بن تارح، وامرأته سارة، ثم أُرسل لوط في حياة إبراهيم ﵇ إلى أهل سدوم وإقليمها، وكان من أمرهم ما تقدم في الأعراف وهود والنمل.
стр. 3610
وإبراهيم ﵇ أول من هاجر من أرض الكفر كما قال الكلبي، وقال مقاتل: هاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال حين ترك قومه مهاجرا: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي: إلى الجهَة التي أمرني ربي بالهجرة إليها، أو من أجل ربي، حيث لا أُمنَعُ عبادته وإظهار دينه، وقيل المعنى: إنِّي مهاجر من خالفني من قومي متقربًا إلى ربي ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: الغالب على أمره الذي يمنعنى من أعدائى، ولا يأمر - لعظيم حكمته - إلاَّ بما فيه الخير والمصلحة.
٢٧ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
أي: لما فارق قومه أقر الله عينه بولد صالح نبى وهو إسحاق، وبولَد ولَدٍ وهو يعقوب ولد إسحاق، وذلك في حياة جده، كانت هذه الهبة العظيمة التي لا يُقَادرُ قدرها حين أيس من الذرية من امرأته سارة وهي عجوز عقيم.
ولم يذكر هنا إسماعيل ﵇ لأنه ولد له قبل ذلك من أم شابة ولم تكن عجوزا عقيمًا، وفي هاجر، أما إسحاق فولد بعده من سارة العجوز العقيم، ومن ورائه يعقوب ابن إسحاق.
وقال الزمخشري: إن إسماعيل ذكر ضمنًا وتلويحًا بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ولم يصرح به لشهرة أمره، وعلو قدره، هذا مع أن المخاطب به نبينا ﷺ وهو من أولاده وأعلم به: اهـ.
وقد خص الله - سبحانه - إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ تكريمًا له؛ حيث إنه لم يبعث بعده نبي قط إلا من صلبه وقد أوتوا الكتب المنزلة، وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وآتاه - سبحانه - أجره في الدنيا بانتماء أهل الملل إليه، والثناء عليه، وإعطاء الولد والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، وسعة الرزق ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي جمع الله له
стр. 3611
بين سعادة الدنيا الموصولة، وسعادة الآخرة، فوفقه إلى القيام بجميع ما أُمر به من عمل دائب لمحاربة الشرك، وإعلاء التوحيد، والطاعة له وحده، كما قال - تعالى -: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١)
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾
المفردات:
﴿لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أي؛ الفعلة الشنيعة، وهي إتيان الرجال.
﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: أي الطريق، وكلتاهما تذكر وتؤنث.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾: أي تقترفون في ناديكم الأمر القبيح الذي ينكره الدين والخلق.
التفسير
٢٨ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾:
أي؛ واذكر - أيها الرسول - لوطا إذ قال لقومه أهل سدوم موبخا ومحذرا لهم من الأعمال القبيحة التي أقبلوا عليها وتمسكوا بها، قال لهم، إنكم لتأتون الفعلة البالغة الغاية
стр. 3612
في الفحش، وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء. وقرأ الجمهور: أئنكم على الاستفهام الإنكاري.
وقوله - تعالى -: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ حكايته لقول لوط ﵇ مسوق لتقرير كمال قبحها، ببيان إجماع جميع العالمين قبلهم على التحاشي عنها لكونها ممَّا تشمئز منه النفوس، وتنفر من شناعته الطباع، وأنها جريمة نكراءُ، ابتدعوها ولم يُسبقوا إليها من أحد من بني الإنسان.
٢٩ - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ الآية.
أي: إنكم لتنكحون الرجال انتهاكًا لحرمات الله، وتقطعون الطريق بسبب حمْلِ الغرباء والمارة على تلك الفعلة الشنعاء، وإتيانهم كرهًا، أو: وتقطعون طريق النسل بالإعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث، أو: وتقفون في طريق الناس تقتلونهم، وتأخذون أموالهم وقد بلغ بهم التمادى في اقتراف كل قبيح أنهم كانوا يأتون في مجتمعهم كل أنواع المنكر، من اللواط وغيره.
أخرج أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، والطبراني والبيهقي في الشعب وغيرهم عن أُم هانيء بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله - تعالى -: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ فقال: "كانوا يجلسون في الطريق فيقذفون أبناء السبيل، ويسخرون منهم"، وعن مجاهد ومنصور والقاسم بن محمَّد وقتادة وابن زيد: هو إتيان الرجال في مجالسهم يرى بعضهم بعضا.
ولما وقفهم لوط ﵇ على قبائحهم أجابوه بما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي فيما تعدُنَا به من نزول العذاب، تكذيبًا له وسخرية به فيما نهاهم عنه وأوعدهم بنزوله.
وهذا الجواب صدر عنهم في المرة الأولى من مراتب تبليغ لوط ﵇ وما في سورة الأعراف المذكور في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (١)، وما في سورة النمل المذكور في قوله - تعالى -: " ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُم﴾ .. (٢)، فقد صدر بعد هذه المرة، وذلك لأن
стр. 3613
قولهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ من باب التكذيب والسخرية، وهو أوفق بأوائل المواعظ والتوبيخات، أما قولهم: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾، وقولهم: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ فمن باب العقاب والانتقام، وهو أنسب بأن يكون بعد تكرر الوعظ والتوبيخ الموجب لضجرهم ومزيد تألمهم مع قدرتهم على التشفي منهم بما يؤذيهم، ويُبعدهم عن ديارهم. اهـ: بتصرف من الآلوسي.
وقيل: إن ما هنا جواب قومه ﵇ له إذ نصحهم، وما هناك جواب بعضهم لبعض إذ تشاوروا في أمره.
٣٠ - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾:
لجأ نبي الله لوط إلى ربه متضرعًا: ملتمسًا أن ينزل العذاب الموعود على هؤلاء المفسدين الذين فعلوا الفاحشة وتمسكوا بها وأصروا عليها، واستعجلوا العذاب الذي أوعدهم به سخرية منه حينما دعاهم إلى ما فيه صلاح حالهم، واستقامة أمرهم.
ووصفهم بالمفسدين مبالغة في استحقاقهم استنزال العذاب بهم لأنهم فسدوا وأفسدوا.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾
стр. 3614
المفردات:
﴿بِالْبُشْرَى﴾: بالبشارة بالولد ونصرة لوط.
﴿هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: هي سدوم كما سبق.
﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب.
﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: اعترته المساءة خوفًا عليهم من قومه.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي عذابًا من السماء يزعجهم، من: ارتجز، أي: ارتجس، واضطرب.
﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾: هي آثار القرية الخربة التي تدل على قصتها العجيبة.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم في الاعتبار والاستبصار.
التفسير
٣١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾:
لما استنصر لوط ﵇ ربه على قومه بعث الله لنصرته ملائكة فمروا بإبراهيم ﵇ في هيئة أضياف كما تقدم في سورة هود، والحجر، ولما أوجس منهم خيفة شرعوا يؤنسونه، ويبشرونه بأنهم أُرْسِلُوا له بالبشارة بالولد والنافلة (١) من امرأته سارة، وأخبروه بأنهم أُرسلوا كذلك لإهلاك قوم لوط كما حكاه قوله - سبحانه -: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ وهم أهل قرية سدوم لإصرارهم على الفاحشة، وتماديهم في فنون الفساد وأنواع المعاصي.
٣٢ - ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾:
стр. 3615
أي: قال لهم - على سبيل التفجع والتحزن -: أتلكونها وفيها من هو برئ من الظلم؟!.
فكان ردهم عليه بأنهم غير غافلين عن مكان لوط فيها وأتباعه من المؤمنين.
وقيل: يجوز أن يكون إبراهيم ﵇ اعتقد عدم تناول إهلاك أهل القرية للوط ﵇ لكنه أراد التنصيص على حاله ليطمئن قلبه لكمال شفقته عليه، وحبه له.
وقوله - سبحانه - حكاية عنهم: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ يشعر بأنهم معنيون بلوط وأهله أتم عناية؛ لتأكيد وعدهم بالتنجية بالقسم، أما امرأته فلأنها كانت تماليء قومها على كفرهم وبغيهم، فكانت من الباقين في العذاب وقد مر الكلام عن ذلك في سورة النمل.
٣٣ - ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ الآية.
بعد مفارقة الرسل لإبراهيم ﵇ ساروا إلى لوط ﵇ في سورة شبان حسان، فلما رآهم كذلك اعترته المساءة والحيرة، وعجزت طاقته عن تدبير أمرهم. وعن الحيلة لإنجائهم، وكان لا يعلم أمرهم في الساعة الراهنة التي رآهم فيها.
ولما شاهدوا فيه مخايل الضمير من جهتهم، وعاينوا ما يشير إلى أنه عاجز عن مدافعة قومه، طمأنوه.
﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾:
أي لا تخف من قومك علينا وعليك ولا تحزن بما نفعله بقومك، ولن يصيبك وأهلك أذى إلاَّ امرأتك فهي من الهالكين الباقين في العذاب.
٣٤ - ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
بيان لما أشار إليه قوله - سبحانه -: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ من نزول العذاب على أهل قرية سدوم، أكبر قرى قوم لوط، وفيها بدأت الفاحشة كما قيل، ولذا خصت بالذكر وقد استأصل العذاب أهلها وقطع دابرهم.
قال ابن كثير: إن جبريل ﵇ اقتلع قراهم من قرار الأرض ثم رفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابًا إلى يوم المعاد. اهـ
стр. 3616
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي بسبب فسقهم المعهود المستمر حل بهم عذاب الإبادة والاستئصال.
٣٥ - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
أي: ولقد أهلك الله هذه القرية وترك منها آية واضحة تدل على ما فعله الله بهم لتكون عبرة وعظة لقوم يحكمون عقولهم، ويستعملونها في الاستبصار والانتفاع بما شاهدوه من كمال قدرة الله، وقوة سلطانه.
وفي الآيات من الدلالة على ذم اللياطة وقبحها ما لا يخفى؛ فهي كبيرة بالإجماع، وأشد حرمة من الزنى.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، أي لا تحدثوا فيها الفساد بكفركم، فإنه أصل كل فساد، والعثُوُّ، والعِثِيُّ: أشد الفساد.
﴿الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلة الشديدة، أو صيحة جبريل ﵇.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: أي باركين على الركب ميتين.
التفسير
٣٦ - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
стр. 3617
يخبر - سبحانه - عن عبده ونبيه شعيب أنه خاطب أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك ده، وأن يخافوا يوم القيامة، حيث قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: أي خافوا ما ينزل بكم فيه من فنون الأهوال والشدائد، واعملوا اليوم الأعمال التي تؤمنكم غائلته وقسوته، قال يونس النحوي وأبو عبيدة: الرجاء هنا بمعنى الخوف والخشية، أي: اخشوا الآخرة التي فيها الجزاء على الأعمال.
ثم نهاهم - سبحانه - عن العثو في الأرض قاصدين الفساد ظلما وبغيًا على أهلها، وكانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، مع كفرهم بالله ورسوله، وذلك أشد الفساد وأبشعه، فقال لهم: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ولما لم يعد لتهديده أثر حيث استمروا مندفعين في اقتراف آثامهم، نزل بهم من العذاب ما حكاه الله بقوله:
٣٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾:
أي: أصابتهم زلزلة شديدة دمرت عليهم ديارهم وأرضهم، وقيل، صاح بهم جبريل ﵇ صيحة أحدثت الرجفة بسبب تحريكها للهواء، فأصبحوا بسبب ذلك باركين على ركبهم ميتين (١).
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾
стр. 3618
المفردات:
﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾: بالأحقاف.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي الطريق الحق.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: أي عقلاء ذوي بصائر ولكنها لم تنفعهم.
﴿ومَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: أي فائتين، بل أدركهم أمر الله، أو: وما كانوا سابقين في الكفر، بل سبقتهم أُمم كثيرة.
﴿حَاصِبًا﴾: سحابًا أو ريحًا يحصبهم بالحجارة.
﴿الصَّيْحَةُ﴾: تَمَوُّجٌ شديد في الهواء يحدث هزة عنيفة مهلكة.
﴿خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أي غيبناه في جوفها، يقال: خسف المكان خسْفًا، من باب ضرب، وخسوفًا: ذهب في الأرض، وخَسَفَ الله به الأرض، أي: أدخله فيها وخرقها به.
التفسير
٣٨ - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ .. ﴾ الآية:
أي: واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا فكذبوه فأهلكناهم، وثمود إذ أرسلنا إليهم صالحًا فكذبوه فأهلكناهم، وقد ظهر لكم يا أهل مكة أتم ظهور ما نَزل بهم فيما حدث بمساكنهم عند مروركم عليها في أسفاركم، وكانت العرب وبخاصة أهل مكة تعرف مساكنهم جيدًا، وتمر عليها كثيرًا في أسفارهم فيبصرونها، ويشاهدون في غدوهم ورواحهم آثار ماحل بها من دمار وهلاك، وكانت عاد تسكن الأحقاف وهي قريبة من حضرموت باليمن، وثمود تسكن الحجر قريبًا من وادى القرى.
وقد زين الشيطان لعاد وثمود الكفر والعصيان بوسوسته وإغوائه، فصرفهم بذلك عن الطريق السوى الموصل إلى الحق. ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ بواسطة الرسل، فقد أَوضحوا لهم السبيل، فلا عذر لهم في ضلالهم عنه، ولا حجة لهم في اختيار الغي والضلال،
стр. 3619
أو: كانوا عقلاء ذوى بصائر يمكنهم التمييز بين الحق والباطل بالنظر والاستدلال لوضوح الأدلة وظهور البراهين ولكنهم أعرضوا ولم يعتبروا، قال الفراءُ: كانوا عقلاء ذوى بصائر يعرفون الحق، ولكنهم أهملوه كفرا وعنادًا وجحودًا، وقال مجاهد: وكانوا مستبصرين في الضلال.
٣٩ - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ .. ﴾ الآية:
أي: واذكر - أيها الرسول - لهؤلاء المغترين بأموالهم وسلطانهم مصرع قارون، وفرعون، وهامان.
وقارون (١) كان من قوم موسى ﵇ وقُدِّم ذكره على فرعون وهامان؛ لأن المقصود تسلية النبي ﷺ عما لقى من قومه لحسدهم له، فقارون مع أنه كان من قوم موسى قد لقى منه موسى ما لقى، روى أنه كان يؤذيه في كل وقت ويحسده وهو يداريه لقرابته.
أو قدِّم لأنه أشرف من فرعون وهامان لإيمانه في الظاهر وعلمه بالتوراة، وكونه ذا قرابة من موسى ﵇ أو: قدم لأن هلاكه قبل هلاكهما، فتقديمه يكون على وفق الواقع، وفرعون ملك مصر، وهامان وزيره، وكانا رأس الكفر بالله ورسوله تزعما قومهما في الكفر بموسى، وأنزلا ببنى إسرائيل أشد العذاب وأقساه.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾:
أي: لما جاءهم موسى بالحجج الواضحة على نبوته، ودعاهم إلى الإذعان واتباع الحق استكبروا في الأرض عن الإيمان بالله والطاعة له، وهذا يشعر بقلة عقولهم وضعف إدراكهم لأن من في الأرض محياهم ومماتهم لا ينبغي لهم أن يستكبروا على القوى القاهر الذي يملك السموات والأرض وما فيهما كما أنهم لا يفوتون أمر الله - تعالى - بل يدركهم وينزل بهم الدمار والهلاك، فلا يفلت منهم أحد.
стр. 3620
وقال أبو حيان: المعنى: وما كانوا سابقين الأُمم إلى الكفر بل قد سبقهم إلى الكفر قرون كثيرة، فأهلكناهم، أي: تلك عادة الأمم مع رسلهم ﵈.
٤٠ - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
أي: فكل واحد من المذكورين الذين كذبوا رسلهم، عاقبناه بما اقترف من ظلم وفساد، وكان أخذ كل منهم وفق ما أراده الله، فمنهم من أهلكناه بالريح العاصفة التي تحمل الحصباء - وهي صغار الحصى - وهم قوم لوط.
وقال ابن عطية: يشبه أن يدخل عاد في ذلك، لأن ما أُهلكوا به من الريح كانت شديدة وهي لا تخلو من الحصب بأمور مؤذية.
ومنهم من أخذته الصيحة المدوية المهلكة، كمدين وثمود ومنهم من خسفنا به الأرض فغارت به، وغيبته في جوفها كقارون.
ومنهم من أغرقناه في اليم كفرعون، وهامان وجنوده أجمعين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: بأن يعاقبهم من غير جرم؛ فإن ذلك محال من جهته - تعالى - وليس من سنته ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أي إنما فعل بهم ذلك جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم حيث استمروا على ما يوجب عقابهم من الكفر والمعاصي باختيارهم.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾
стр. 3621
المفردات:
﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾: دويبة تنسج نسجًا رقيقًا واهيًا، والمراد: النوع الذي يبنى بيته في الهواء، وتطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والغالب في استعمالها التأنيث، وجمعها: عناكب وعناكيب.
﴿أوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾: أشدها ضعفًا وعجزًا عن دفع أي أذى.
التفسير
٤١ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا .. ﴾ الآية:
هذا مثل ضربه الله - سبحانه - للمشركين الذين اتخذوا آلهة من دون الله يرجون نصرها ورزقها ويتمسكون في الشدائد بها مع ما هي عليه من عجز وعدم غناء، ضربه - جل وعلا - ليبين به أن شأنهم في الضعف والوهن، والاعتماد على غير معتمد كشأن العنكبوت اتخذت مما نسجته بيتا تحتمي به من البرد والحر وغيرهما، وبيتها من اوهى البيوت وأبعدها عن الصلاحية للاحتماء.
فهم وهي مشتركان في اتخاذ ما هو في غاية الضعف في بابه، بل إن آلهتهم أوهن من بيت العنكبوت إذ له حقيقة وانتفاع في الجملة، أما هي فلا.
وقيل: المعنى؛ مثل المشرك الذي عبد الوثن بالقياس إلى الموحِّد الذي عبد الله - تعالى - كمثل عنكبوت اتخذت بيتًا بالإضافة إلى رجل بنى بيتًا من آجر وحجر أو نحته من صخر، وكما أن أضعف البيوت إذا استوعبناها بيتًا بيتًا بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقرأناها دينًا دينًا عبادة الأوثان، وهو وجه حسن ذكره الزمخشرى في الآية ونقله الآلوسي. وقوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ وقع تذييلا لتقرير الغرض من التشبيه وهو أن أمر دينهم بلغ الغاية التي لا غاية بعدها في الضعف والوهن، حيث لا يرى شيء يدانى بيت العنكبوت في ذلك، ثم أكد ذلك بتجهيلهم بقوله - سبحانه -: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا يعلمون شيئًا من العلم لما اتخذوا هذه الآلهة أولياء من دون الله، ولعلموا أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم لا وزن له، ولا بقاء،
стр. 3622
وقيل: لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت لما عبدوها، وقد جهَّلهم - سبحانه - في الاتخاذ، ثم زادهم - جل وعلا - تجهيلا بأنهم لا يعلمون هذا الجهل الذي لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل.
٤٢ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
أي: قل لهم - أيها الرسول -: إن الله لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم أي شيء يدعونه إلها من دونه فقد بلغ من الحقارة حدًا لا غاية له، وإنهم لفي جهل بيّن حيث تركوا عبادة الله - تعالى - وعبدوا غيره مع أنه شيء لا يعبأ به.
ويجوز أن يكون المعنى أن الله يعلم أنكم لستم (١) تدعون من دون الله شيئًا؛ لأن ما تدعوته لمزيد حقارته لا يصلح أن يسمى شيئًا.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي الغالب الذي لا شريك له ﴿الْحَكِيمُ﴾ في ترك المعاجلة بالعقوبة، وهو تجهيل لهم وتقريع حيث عبدوا - من فرط الغباوة - جمادا لا علم له ولا قدرة وهو بالإضافة إلى العزيز القاهر القادر على كل شيء الحكيم البالغ في العلم، وإتقان العمل ما لا غاية وراءه - فهو بالنسبة إلى العزيز الحكيم - كالمعدوم البحت، وإن من هذا شأنه - جل وعلا - من الغلبة والحكمة قادر على مجازاتهم.
٤٣ - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾:
هذا المثل والأمثال الكثيرة التي ذكرها القرآن في سوره يضربها - سبحانه - للناس تقريبا لِفَهم ما ضُرِبت له، وإدراك معناه، وإظهارا للمعاني المستورة وتوضيحًا، وكان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إن رب محمَّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلهذا قال - سبحانه -: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: أي لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا الراسخون في العلم المتدبرون للأشياء على ما ينبغي، روى محيي السنة في مسنده عن جابر أن النبي ﷺ تلا هذه الآية ﴿أتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ … الآية، فقال: "العالم: من عقل عن الله - تعالى - فعمل بطاعته واجتنب سخطه".
стр. 3623
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾
المفردات:
﴿بِالْحَقِّ﴾: أي بالعدل والقِسط، أو بحكمته وقدرته المنزهة عن العبث.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي علامة ودلالة.
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أمر للرسول بتلاوة القرآن وبرواية قراءته وإبلاغه للناس.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أدِّها في أوقاتها وبأركانها وشروطها.
﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي تنهى عن القبيح السيء الذي ينكره الشرع والعقل.
التفسير
٤٤ - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
أي: خلقها محقًّا بخلقها مراعيًا للحكم والمنافع المنزهة عن العبث حيث تتعلق بهما شئون عباده، ويستدل بما فيهما من آيات بينات، ودلائل واضحات على كمال قدرته - تعالى - وبديع صنعته، ويشير إلى ذلك قوله - سبحانه -: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لآية دالة على أنه - تعالى - المنفرد بالخلق والتدبير والألوهية، وتخصيص المؤمنين بالذكر مع أن الهداية والإرشاد لجميع المخلوقين، لأنهم المنتفعون بذلك.
ويصح أن يكون المراد من المؤمنين: الذين يريدون الإيمان.
стр. 3624
٤٥ - ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾:
أمر للرسول ﷺ بقراءة القرآن والمداومة عليها تقربًا إلى الله - تعالى - بتلاوته وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني، وتذكيرا للناس وحملا لهم على قراءته والعمل بما فيه من الأحكام ومحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأمته، وإقامة الصلاة: أداؤها في وقتها بأركانها وجميع شروطها، ويراد بها الصلاة المكتوبة المؤداة بالجماعة، وهي الصلوات الخمس التي تكفر ما بينها من الذنوب كما قال ﵊: (أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا) خرَّجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال فذلك: حديث حسن صحيح.
ولما كان أمر الرسول ﵊ بالصلاة منتظمًا لأمر الأُمة بها علّل بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: كأنه قيل: وصلِّ بهم لأن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، أي: أنها سبب للانتهاء عنهما، وذلك لتضمنها صنوف العبادة، والوقوف بين يدي الله في غاية الخضوع والتعظيم، كأنها تقول لمن يأتي بها: لا تفعل الفحشاء والمنكر ولا تعصي ربّاً هو أهل لما أتيت به من مناجاة له، وإقبال عليه، وكيف يليق بك أن تفعل ذلك وتعصيه بما تكون به كالمتناقض في أفعاله. أهـ: بتصرف من الآلوسى.
ولا شك أن المصلى الصادق في مناجاته ينتهي بصلاته عن المعاصي صغيرها وكبيرها، وينعم برعاية الله ويفوز برضاه حيث خشع لها قلبه، ورغبت فيها نفسه، وظهرت على جوارحه هيبتها، حتى إذا قاربه الفتور أظلته صلاة أُخرى يترجع فيها إلى أفضل حاله.
وإذا كنا نرى كثيرا من المرتكبين للفحشاء والمنكر يصلون ولا ينتهون عن ذلك فهذا ليس ناشئًا عن الصلاة، بل عن غفلة المصلى عن حقوق الصلاة، فمن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تفكُّر ولا فضائل، فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان في طريقه معاص تبعده من الله - تعالى - تركته يتمادى في بعده، بمعنى أنها لا تقربه
стр. 3625
إلى الله، حيث لم تنهه عنها، وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس وهو: "في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله - تعالى - فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلاَّ بعدا".
وقيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة. فقال: (إنها لا تنفع إلاَّ من أطاعها، وطاعة الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وكأنه أراد بالصلاة التي تطاع وتنهى عن ذلك الصلاة الخاشعة المقبولة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له" بمعنى: أنها لم تؤت ثمرتها، كما في الصلاة التي تؤدي مع الغفلة التامة، والإخلال بما يليق بها، وهذه الصلاة تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمى بها وجه صاحبها فتقول له: ضيعك الله كما ضيعتنى، كما جاء في السنة.
وبالجملة، فإن الصلاة تنهى من واظب عليها، وأقبل بقلبه فيها على ربه، فإنها تنتهى بصاحبها إلى صلاح الحال وحسن المآل، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلانا يصلى بالليل، فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما تقول".
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾: أي والصلاة أكبر من سائر الطاعات في أثرها وثمرتها؛ لأن ما فيها من ذكر الله هو العمدة في الأمر بالحسنات والنهي عن السيئات، ويشير إلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بمعنى: امشوا إلى الخطبة والصلاة.
وقيل: ولذكر الْعبْدِ الله - تعالى - أكبر من سائر أعماله، فهو تعميم بعد تخصيص.
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها
стр. 3626
إلى مليككم، وأسماها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكره - تعالى - وروى عن جماعة من السلف ما يقتضيه، أخرجه أحمد في الزهد، وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال: ما عمل ابن آدم عملًا أنجى له من عذاب الله - تعالى - من ذكره - تعالى - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا أن يضرب بسيفه حتى يتقطع؛ لأن الله - تعالى - يقول -: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾، وقال أبو حيان: ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ من الخير والشر، فيجازيكم بحسبه، ففيه وعد ووعيد، وحث على مراقبة الله - جل وعلا -.
стр. 3627
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
المفردات:
﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾: الجدال؛ التجاوز في الخصومة.
﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى.
التفسير
٤٦ - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … ﴾ الآية.
هذه الآية انتقال إلى مقعد جديد من المقاصد التي تضمنتها سورة العنكبوت: وهو أسلوب مجادلة أهل الكتاب.
والمعنى: لا تجادلوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا تناقشوهم في شأنٍ من شئون الدين، والدعوة إلى الإيمان إلا بالخصلة التي هي أحسن، كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والشغب بالنصح، والسَّوْرة - أي: الحِدّة - بالأناة، على وجه لا يدل على الضعف، ولا يؤدى إلى إعطاء الدّنيّة، قال - تعالى - في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
وقال - تعالى - في سورة طه لموسى وهارون ﵉ حين أمرهما بالتوجه إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢).
стр. 3628
وقوله - تعالى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: معناه؛ إلا الذين أفرطوا في ظلمكم، وجاوزوا الحدود في عنادكم، والاعتداء عليكم، ولم ينفع معهم الرفق، فليس عليكم حرج في استعمال الغلظة معهم، بحيث لا تصل إلى القتال؛ لأن السورة مكية نزلت قبل الإذن بقتال المشركين.
وقيل: إن معنى الآية: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلاَّ الذين ظلموا فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف، وهذا الرأي قائم على أن الآية مدنية، فإن الحرب والجزية مما شرع بالمدينة، وكونها مدنية مخالف لما وقع عليه الإجماع من أن السورة مكية، إلا أن يقال: إنها مكية باعتبار معظمها.
وقوله - تعالى -: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: توجيه إلى أسلوب من أساليب المجادلة بالحسنى، والمعنى: جادلوهم بالتي هي أحسن وقولوا لهم: آمنا بالذي أُنزل علينا من القرآن، وبالذي أُنزل عليكم من التوراة والإنجيل، ولا تصدقوهم فيما يروونه من دينهم فقد يكونون كاذبين، ولا تكذبوهم فقد يكونون صادقين.
أخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون الكتاب بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال ﷺ " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأنزل إليكم".
وقوله - تعالى -: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: تتميم لقوله - تعالى -: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ومعناه: إلهنا وإلهكم واحد لا شريك له في ألوهيته، ونحن له وحده خاصة مطيعون، لا نطيع غيره، ولا ندين لسواه.
وفي هذا تعريض بهم لاتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا من دون الله.
стр. 3629
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾: أي اليهود والنصارى الذين آتاهم الله التوراة والإنجيل.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: يؤمنون بالقرآن.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾: أي من العرب، أو من أهل مكة، أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتاب.
﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: بالقرآن.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾: وما ينكرها عن علم، والجحود: نفي ما في القلب إثباته، أو إثبات ما في القلب نفيه.
﴿الْكَافِرُونَ﴾: المتوغلون في الكفر المصممون عليه.
التفسير
٤٧ - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ … ﴾ الآية.
عرضت الآية السابقة لما أنزله الله من الكتب في قوله - تعالى -: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فكانت بمثابة الترشيح للحديث عن إنزال القرآن
стр. 3630
وموقف المعاصرين من العرب وأهل الكتاب منه في هذه الآية التي تجرد فيها الخطاب لرسول الله ﷺ .
والمعنى: مثل إنزالنا الكتب السابقة على من سبقك من الأنبياء أنزلنا إليك القرآن الكريم صادقا مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية مقررا لرسالات أنبيائها الذين أُمرنا بالإيمان بما أنزل إليهم في قوله - تعالى -: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من الآية السابقة.
وقوله - تعالى -: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: معناه؛ فالذين آتيناهم الكتاب من الطائفتين: اليهود والنصارى الذين تقدموا عهد الرسول حيث كانوا مصدقين بنزول القرآن حسبما علموا مما عندهم من الكتاب، أو هم: عبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود المعاصرين للنبي ﷺ حيث صدقوا بنزوله بعد أن سمعوه وعرفوا خبره من كتبهم، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب؛ لأنهم هم المنتفعون به، فكأن من عداهم لم يؤتوه.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾: أي: من العرب، أو من أهل مكة من يؤمن بالقرآن العظيم.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾: أي؛ وما ينكر آياتنا عن علم مع ظهورها وقيام الحجة لها، وزوال الشبهة عنها "إلاَّ الكافرون" المتوغلون في الكفر المصممون عليه، فإن ذلك يصدهم عن معرفة حقيقتها، ومن هؤلاء كعب بن الأشرف وأصحابه.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.
стр. 3631
المفردات:
﴿تَتْلُوا﴾: تقرأ. ﴿تَخُطُّهُ﴾: تكتبه.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: إذًا لتشكك المعاندون الكافرون الذين مردوا على إنكار كل حق.
التفسير
٤٨ - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾:
الحديث متصل عن القرآن الكريم، وإثبات إعجازه بعد الإخبار بنزوله.
والمعنى: وما كنت يا أيها النبي الأمي قبل إنزال القرآن إليك تقدر أن تقرأ شيئًا من كتاب، أي كتاب، ولا تقدر أن تكتبه، أو تكتب شيئًا منه، ولو كنت ممن يقدر على شيء من ذلك أو يتعاطاه إذا لكان لهؤلاء المبطلين المنكرين وجه في الارتياب والشك في أنه من عندك مع معرفتهم مدى صدقك ونزاهتك عن الكذب، وإن ظهور هذا الكتاب الجامع لجميع العلوم الشريفة على أُمِّيٍّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة أمر خارق لا يدع مجالا لشك ولا موقعا لريبة لو كانوا منصفين.
وذِكْر اليمين في قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ زيادة تصوير لما نفى عنه ﷺ من القراءة والكتابة، وتأكيد لهذه الحقيقة حتى لا يبقى مدخل لمجاز، فهو مثل قوله - تعالى -: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (١) مع ما هو معروفٌ من أنه لا طير إلا بجناحين.
٤٩ - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ .... ﴾ الآية.
هذه الآية إضراب عن ارتياب المبطلين لكفرهم، والمعنى: ليس القرآن الكريم مما يُرْتَابُ فيه لوضوح أمره، وثبوت إعجازه، وعجزكم عن الإتيان بمثله أو بشئ
стр. 3632
منه، بل هو آيات ثابتة راسخة في صدور العلماء الذين يحفظونه من الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يلتقطوه من كتب يعرفونها، أو يرووه عن أحد غيرهم، بل حفظوه وعرفوه بحيث لا يقدر أحد على تحريفه، بخلاف كتب أهل الكتاب فإنها لم تكن ذات سند متصل إلى أنبيائها، وقد جاء في وصف أهل القرآن: "صدورهم أناجيلهم".
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أي: وما يكفر بآياتنا وينكرها مع ظهورها إلاَّ المتوغلون في الظلم والمكابرة المجاوزون للحدود في الشر والفساد، والظالمون في هذه الآية: هم الكافرون في الآية السابقة، واختلاف التعبير لاستيعاب صفاتهم التي تقتضى تسفيه آرائهم، وتؤكد حمقهم وعنادهم.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
المفردات:
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن. ﴿ذِكْرَى﴾: عظة وتذكرة.
التفسير
٥٠ - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
هذه الآية شروع في عرض لون من ألوان عنادهم وعنتهم.
стр. 3633
والمعنى: وقال مشركو قريش - بتوجيه من أهل الكتاب -: هلا أنزل على محمَّد آيات مادية من ربه مثل: ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى، نراها ونحسها، قل لهم يا رسول الله ردًّا لمقالهم: إنما الآيات عند الله وحده، هو الذي يملك إنزالها. ويختار ما شاء منها ينزلها حسبما يشاء على من يشاء من غير دخل لأحد، أو اقتراح من أحد، ولا أملك أن أتخير على الله، وإنما أنا نذير مبين أي: ليس شأني إلا الإنذار والتخويف بما ينتهي إليَّ إنزاله من الآيات.
٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾):
هذه الآية كلام وارد للرد على المشركين، وإبطال اقتراحهم، وتسفيه رأيهم، روى عن يحيى بن جعدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتف قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال رسول الله ﷺ : (كفى بقوم حمقا وضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم، إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم) فنزلت.
والمعنى: أقصَّر هذا الكتاب ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك القرآن تستمر على تلاوته بينهم، وقراءته فيهم في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابتة خالدة لا تزول كما تزول كل الآيات غيره بعد زمانها، كما أنها تكون في مكان دون مكان؟. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ إن في ذلك القرآن الكريم الذي تعم آيته الزمان والمكان إلى آخر الدهر لنعمة عظيمة لا يقدر قدرها، وتذكرة بالغة لقوم يطلبون الإيمان، ويحرصون على تحصيله.
وقيل: أولم يكف اليهود حجة عليهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك؟
стр. 3634
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
المفردات:
﴿شَهِيدًا﴾: حاضرا بعلمه.
﴿آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: أمنوا بألوهية غير الله وهو شامل لنحو عيسى والملائكة.
﴿الْخَاسِرُونَ﴾: المغبونون في صفقتهم.
التفسير
٥٢ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾):
المعنى: قل - يا رسول الله - للمكذبين لك، المنكرين عليك: كفى باللهِ شهيدا وعالمًا بما صدر مني من التبليغ والإنذار، وبما صدر منكم من مقابلتي بالتكذيب والإنكار، فيجازى - سبحانه - كلا بما يليق به. والله يعلم ما في السموات والأرض من جميع الأُمور التي من جملتها شأني وشأنكم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: أي؛ صدقوا بألوهية ما يعبدونه من دون الله، سواء في ذلك الأصنام وعيسى والملائكة ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مع تعاضد موجبات الإيمان به.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: المغبونون في صفقتهم؛ لأنهم اشتروا الكفر بالإيمان، فاستوجبوا العقاب يوم الحساب.
стр. 3635
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾
المفردات:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: يطلبون تعجيل العذاب الذي توعدتهم به.
﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: هو الأجل الذي ضربه الله لوقوع العذاب.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأة بدون توقع ولا انتظار.
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يتوقعون نزوله بهم.
﴿يَغْشَاهُمُ﴾: يحيط بهم ويعمهم.
التفسير
٥٣ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى … ﴾ الآية.
أي: ويستعجلك كفار قريش بوقوع العذاب الذي توعدتهم بوقوعه عليهم، ويستعجلونك استهزاءً وسخرية، واستبعادا لوقوعه بمثل قولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١).
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: ضربه الله لوقوعه، وحدَّده وأثبته في اللوح المحفوظ، وهو وقعة بدر الكبرى، أو الموت. ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾: لأنهم به جديرون، فالله لا يعجل بالعذاب باستعجالهم وإنما يؤخره لحكمة تقتضيه، وهي إتاحة الفرصة للتائبين منهم.
стр. 3636
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ فقيل، إنه راجع إلى العذاب الذي استعجلوه، وقيل: راجع إلى أجل العذاب والأول أظهر؛ لأن العذاب هو موضع استعجالهم، وإذا كان المراد به عذاب بدر فالمراد من إتيانه بغتة وهم لا يشعرون: أنه لا يكون بطريق التعجيل عند استعجالهم، بل يأتيهم وهم قارون آمنون لا يخطرونه بالبال، كدأب بعض العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتًا وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون.
وقال آخرون: إتيانه بغتة وهم لا يشعرون من حيث إنه غير متوقع لهم أن يغلبوا يوم بدر؛ لأنهم لغرورهم كانوا لا يتوقعون غلبة المسلمين ولا تخطر لهم ببال.
٥٤ - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ … ﴾ الآية:
تكرار استعجالهم العذاب لبيان غاية تجهيلهم وسفه عقولهم.
والمعنى: ويستعجلونك بالعذاب إمعانًا في الجهل، وإغراقًا في العناد وركاكة في التفكير ﴿وإن جهنم﴾ التي هي مكان العذاب الذي لا عذاب فوقه ﴿المحيطة﴾ بهم لكفرهم ومعاصيهم المحيطة بهم.
والتعبير بالجملة الاسمية في قوله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ للدلالة على تحقيق الإحاطة.
والمراد بالكافرين: إما المستعجلون للعذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للإشعار بعلَّة الحكم، وإما جنس الكافرين، والمستعجلون داخلون فيهم دخولا أوليًّا.
٥٥ - ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية.
يحتمل أن ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ ظرف لمحيطة، أي: محيطة بالكافرين في هذا اليوم. ويحتمل أن يكون الظرف معمولا لمحذوف طوى ذكره للإيذان بغاية كثرته، وفظاعته.
والمعنى: يوم يعمهم العذاب ويحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ومن جميع جهاتهم بحيث يجدون من الهوان والأهوال ما لا يفي به مقال.
стр. 3637
﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويقول الله أو يقول بعض ملائكته بأمره - سبحانه -: اشربوا وتجرعوا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من السيئات في يوم الحساب، وما كنتم تتعجلونه وتنكرونه من أهوال العذاب.
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾
المفردات:
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾: فلا تعبدوا سواي.
﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: مُحِسَّةٌ بنزوله.
التفسير.
٥٦ - ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ … ﴾ الآية.
روى عن مقاتل والكلبي أن الآية نزلت في المستضعفين من المؤمنين بمكة، أُمروا بالهجرة عنها، وعلى هذا أكثر المفسرين.
وعمم بعضهم الحكم في كل من لم يتمكن من إقامة أُمور الدين في أرضه كما ينبغي لممانعة من جهة الكفرة أو غيرهم، فقالوا: تلزمهم الهجرة إلى أرض يتمكنون فيها من ذلك. وقال مطرف بن الشخير: إن الآية عِدَة منه - تعالى - بسعة الرزق في جميع الأرض. والنداءُ في قوله - تعالى -: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خطاب تشريف لبعض المؤمنين وتكريم للمستضعفين.
والمعنى: يا عبادي الذين أخلصوا الإيمان بي إذا لم تتيسر لكم العبادة كما ينبغي في بلد أنتم فيه فهاجروا إلى بلد تتوقعون أنكم فيه اسم قلبًا، وأصح دينًا، وأكثر عبادة
стр. 3638
وأحسن خشوعًا، والبقاع تتفاوت تفاوتًا كثيرا، ويتفاوت أهلها خشونة ولينًا وانحرافًا ودينًا، فلا تتشبثوا بأرض لا تجدون فيها أمنكم، ولا وفرة في دينكم.
ومعنى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون﴾): وإن لم تخلصوا عبادتي في أرض فإياي فاعبدوني في أرض غيرها، فإن السعادة ليست في المكان، وإنما السعادة كل السعادة في إخلاص الإيمان.
٥٧ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾:
هذه الآية استئناف لتسهيل أمر الهجرة على المستضعفين، وحثهم على إخلاص العبادة.
والمعنى: كل نفس من النفوس مفارقة لا محالة، ذائقة مرارة الموت البتَّة، راجعة إلى ربها، ملاقية جزاء أعمالها، ومن كانت هذه عاقبتهُ فليجعل كل همه في الاستعداد لنهايته، والتزود لآخرته، عسى أن يكون من الناجين في دار النعيم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾
المفردات:
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لنسكننهم وننزلنهم على وجه الإقامة.
﴿غُرَفًا﴾: جمع غرفةٍ والمراد بها: علالي وقصور جميلة.
التفسير
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ الآية.
ذكرت الآية السابقة أن الموت سيجرى على كل نفس في الدنيا، ثم جاءت هذه الآية بعدها تنبه إلى تحقيق الإيمان لإخلاص العبادة، وتحث على الاستزادة والإكثار من عمل الصالحات.
стр. 3639
والمعنى: والذين صدقوا بالله وأخلصوا في عبادته، وصدقوا برسوله، وأكثروا من عمل الصالحات، وتحصيل الطاعات، لنسكننهم وننزلنهم من الجنة على وجه الإقامة والخلود منازل عالية، وقصورا شامخة، تجري من تحت أشجارها الأنهار لتزيد في بهجتها وجمالها، فيجتمع لهم طيب المنزل، وجمال المنظر، ودوام النعيم.
﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي، نعم أجر العاملين غرف الجنة منزلا ودارًا، أو: نعم أجر العاملين أجرهم.
٥٩ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: صفة للعاملين، أي: فنعم أجر العاملين الذين صبروا على مفارقة الأوطان، والهجرة لأجل الدين، وعلى إيذاء المشركين، وعلى جميع ما فتنوا به من الشدائد، كما صبروا على فعل الطاعات ومجافاة المعاصي. ولم يتوكلوا في جميع ما يفعلون ويذرون إلاَّ على الله وحده ابتغاء مرضاته، وطمعًا في حسن جزائه.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾
المفردات:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي؛ وكثير من الدواب، والدابة: كل نفس تدب على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل. ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾): أي، لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو: لا تخزن رزقها، وليس من شأنها أن تخزنه.
التفسير
٦٠ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
روى أن النبي ﷺ لما أمر المؤمنين بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف تقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت.
стр. 3640
والمعنى: وكم من دابة من الدواب التي تمشي على الأرض لا تطيق حمل رزقها، أو لا تدخره، الله وحده يرزقها ويرزقكم، وإنها مع ضعفها وتوكلها، وأنتم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله؛ لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده، فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، والله هو العظيم السمع فيسمع قولكم، والمحيط العلم فيعلم نياتكم وضمائركم.
وعن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلاَّ الإنسان والنملة والفأرة. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
المفردات:
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾: ذللهُمَا وسيرهما في مساراتهما.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: فكيف يصرفون عن توحيد الله.
التفسير
٦١ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
عيّر المشركون المسلمين بالفقر، وقالوا: لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء، وكان هذا منهم مغالطة وتمويهًا؛ إذ كان في المشركين فقراء أيضًا، فجاءت هذه الآية تزيل هذه الشبهة، وتسجل عليهم الاعتراف بقدرة الله على كل شيء، ومن جملة ذلك الغنى والفقر.
والمعنى: وبالله لئن سألت - يا محمَّد - هؤلاء المشركين الجاحدين أنعمى: من خلق السموات والأرض، وأخرجهما من العدم إلى الوجود على أدق نظام وأبدع إحكام، وذلَّلَ الشمس والقمر وسيرهما في دورانهما على طريقة واحدة لا يختلف تعاقبهما، فيجد الناس
стр. 3641
في ذلك فرصة السعى على معاشهم وأرزاقهم، ومنحة راحتهم وطمأنينة سكونهم، لئن سألتهم من فعل ذلك؟ ليقولن في جواب سؤالك لهم: الله وحده هو الذي فعل ذلك، ولا يجدون سبيلا إلى إنكاره أو التردد فيه، فكيف يصرفون بعد هذا الإقرار عن عبادتهم له، وينقلبون إلى عبادة الأوثان؟
والاستفهام هنا إنكار واستبعاد من جهته - تعالى - لتركهم العمل بموجب جوابهم عن الله - تعالى -.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾
المفردات:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾: يوسعه ويزيده. ﴿وَيَقْدِرُ﴾): يضيقه ويقلله.
التفسير
٦٢ - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
هذه الآية تبين أثرا من آثار قدرته الباهرة التي تجلت في الآية السابقة في خلق السموات والأرض، فإن القادر على خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر لا يعجزه إجراءُ الرزق على مخلوقاته.
والمعنى: الله القادر على ما ذكر هو الذي يبسط الرزق ويوسعه على من يشاء من عباده الذين يعلم من شأنهم أن البسط يصلحهم، وهو الذي يقدر الرزق ويضيقه على من يشاء من عباده الذين يعلم أن البسط يبطرهم، ويفسد أحوالهم، وحول هذا المعنى قال ﷺ فيما يرويه عن ربه : "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادى من
стр. 3642
لا يصلح إيمانه إلاَّ الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك" ويجوز أن يكون البسط والتقدير لواحد على معنى: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدره له على التعاقب.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فيعلم أن كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة، فيفعل كلا منهما في وقته.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾
المفردات:
﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أخصبها وجعلها ذات زرع.
﴿مَوْتِهَا﴾: جَدْبهَا.
التفسير
٦٣ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
تكرار السؤال لهم؛ لاستخلاص مزيد من اعترافهم بقدرته - تعالى - تسجيلا عليهم، وإلزاما لهم لإبراز سفههم، وإشهار عنادهم في كفرهم.
والمعنى؛ وبالله لئن سألت هؤلاء المشركين من نزل من السماء مطرًا فأنبت به الأرض وأحياها بذلك بعد موتها وجدبها، وقحط أهلها - لئن سألتهم - ليقولُنَّ جوابًا على ذلك: الله وحده هو الذي فعل ذلك وقدَّره وأنعم به مصلحة لعباده، قل: الحمد لله على إظهار
стр. 3643
البرهان واعترافهم بما يلزمهم الحجة، أو قل: الحمد لله على العصمة مما هم عليه من الضلال فيكون كالحمد عند رؤية المبتلى. ويجوز أن يكون حمدًا على هذا وذاك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: بل أكثرهم لا يتدبرون بما فيهم من عقول فيما نريهم من الآيات ونقيم لهم من الدلالات، أو: بل أكثرهم ليسوا من أهل التعقل والتدبر.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
المفردات:
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: لهي الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها، والحيوان: مصدر حَييَ، كالحياة، وأصله: الحَيَيَانُ، قلبت الياء الثانية واوًا، وفي بناء المصدر على فَعَلان زيادة معنى لما يفيده من الحركة والاضطراب؛ لأن الحياة حركة، والموت سكون.
التفسير
٦٤ - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
الإشارة في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ للتحقير.
والمعنى: وما هذه الحياة الدنيا الفانية التي يتشبث بها المشركون إلاَّ لهو يلهو به الكبار في غفلة وعَمَهٍ، ولعب يلعب به الصغار في عبث وبهجة، ثم لا تلبث أن تزول:
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: لهي الحياة الدائمة الخالدة التي لا فناء لها ولا موت فيها، ولا يكدر صفوها ولا ينقطع نعيمها ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾): أي لو كانوا أهلا للعلم والمعرفة، أو: لو كانوا يعلمون ذلك ويفقهونه لما آثروا عليها الدنيا الفانية.
стр. 3644
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾
المفردات:
﴿رَكِبُوا﴾: الركوب، الاستعلاء على الشيء.
﴿الْفُلْكِ﴾: السفينة، يطلق على المفرد والجمع.
التفسير
٦٥ - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾:
تتصل هذه الآية بما قبلها من حيث إنها إقرار من المشركين بألوهية الله واعتراف منهم بأنه - سبحانه - هو وحده القادر على رفع الضر، ودفع البلاء.
والمعنى: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة، ومخرت بهم في عرض البحر، ثم تعرضوا لخطر الغرق، وأيقنوا بالهلاك دعوا الله مخلصين له الدين مقرين بوحدانيته، معترفين بقدرته، فلما تجلى الله عليهم فنجاهم من الغرق إلى البر، وأنقذهم من الهلاك فاجئوا بالعودة إلى الشرك وعبادة الأصنام مجافين بذلك أوفى قواعد الإنصاف، فإن النفوس البشرية مفطورة على شكر من أجرى عليها رزقًا، أو استنقذها من مكروه، ولعمري إن الإيمان بالله أول موجبات الشكر، وأول مقتضيات الاعتراف بالفضل.
٦٦ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾:
تعليل لرجوعهم إلى الشرك، أي: إذا هم يشركون ليكونوا كافرين بما أجرينا عليهم من نعمة، وحققنا لهم من نجاة، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادهم عليها.
стр. 3645
وذهب بعض المفسرين إلى أن اللام في قوله - تعالى -: (ليكفروا)، (وليتمتعوا) هي لام الأمر، وأن الأسلوب مسوقٌ مساق تهديدهم ووعيدهم، فهو على حد قوله - تعالى -: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، ومعنى قوله - تعالى -: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وتمتعهم حين يرون العذاب يوم القيامة، يوم لا يغنى عنهم شركهم من الله شيئًا ولا هم ينصرون.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾
المفردات:
﴿حَرَمًا آمِنًا﴾: مكانًا مقدسًا يأمنون فيه، وهو مكة.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾: الخطف والتخطف: الأخذ بسرعة، والمراد به: القتل والسلب.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: الأصنام أو الشيطان.
التفسير
٦٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾:
تذكر هذه الآية أهل مكة بفضل الله عليهم في جعل بلدهم مكة حرمًا آمنًا، وتنْعي عليهم إيمانهم بالأصنام، وكفرهم بنعمة الله.