في ذلك فرصة السعى على معاشهم وأرزاقهم، ومنحة راحتهم وطمأنينة سكونهم، لئن سألتهم من فعل ذلك؟ ليقولن في جواب سؤالك لهم: الله وحده هو الذي فعل ذلك، ولا يجدون سبيلا إلى إنكاره أو التردد فيه، فكيف يصرفون بعد هذا الإقرار عن عبادتهم له، وينقلبون إلى عبادة الأوثان؟
والاستفهام هنا إنكار واستبعاد من جهته - تعالى - لتركهم العمل بموجب جوابهم عن الله - تعالى -.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾
المفردات:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾: يوسعه ويزيده. ﴿وَيَقْدِرُ﴾): يضيقه ويقلله.
التفسير
٦٢ - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
هذه الآية تبين أثرا من آثار قدرته الباهرة التي تجلت في الآية السابقة في خلق السموات والأرض، فإن القادر على خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر لا يعجزه إجراءُ الرزق على مخلوقاته.
والمعنى: الله القادر على ما ذكر هو الذي يبسط الرزق ويوسعه على من يشاء من عباده الذين يعلم من شأنهم أن البسط يصلحهم، وهو الذي يقدر الرزق ويضيقه على من يشاء من عباده الذين يعلم أن البسط يبطرهم، ويفسد أحوالهم، وحول هذا المعنى قال ﷺ فيما يرويه عن ربه : "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادى من
стр. 3642
لا يصلح إيمانه إلاَّ الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك" ويجوز أن يكون البسط والتقدير لواحد على معنى: يبسط الرزق لمن يشاء ويقدره له على التعاقب.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فيعلم أن كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة، فيفعل كلا منهما في وقته.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾
المفردات:
﴿أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أخصبها وجعلها ذات زرع.
﴿مَوْتِهَا﴾: جَدْبهَا.
التفسير
٦٣ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
تكرار السؤال لهم؛ لاستخلاص مزيد من اعترافهم بقدرته - تعالى - تسجيلا عليهم، وإلزاما لهم لإبراز سفههم، وإشهار عنادهم في كفرهم.
والمعنى؛ وبالله لئن سألت هؤلاء المشركين من نزل من السماء مطرًا فأنبت به الأرض وأحياها بذلك بعد موتها وجدبها، وقحط أهلها - لئن سألتهم - ليقولُنَّ جوابًا على ذلك: الله وحده هو الذي فعل ذلك وقدَّره وأنعم به مصلحة لعباده، قل: الحمد لله على إظهار
стр. 3643
البرهان واعترافهم بما يلزمهم الحجة، أو قل: الحمد لله على العصمة مما هم عليه من الضلال فيكون كالحمد عند رؤية المبتلى. ويجوز أن يكون حمدًا على هذا وذاك ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: بل أكثرهم لا يتدبرون بما فيهم من عقول فيما نريهم من الآيات ونقيم لهم من الدلالات، أو: بل أكثرهم ليسوا من أهل التعقل والتدبر.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
المفردات:
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: لهي الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها، والحيوان: مصدر حَييَ، كالحياة، وأصله: الحَيَيَانُ، قلبت الياء الثانية واوًا، وفي بناء المصدر على فَعَلان زيادة معنى لما يفيده من الحركة والاضطراب؛ لأن الحياة حركة، والموت سكون.
التفسير
٦٤ - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
الإشارة في قوله - تعالى -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ للتحقير.
والمعنى: وما هذه الحياة الدنيا الفانية التي يتشبث بها المشركون إلاَّ لهو يلهو به الكبار في غفلة وعَمَهٍ، ولعب يلعب به الصغار في عبث وبهجة، ثم لا تلبث أن تزول:
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: لهي الحياة الدائمة الخالدة التي لا فناء لها ولا موت فيها، ولا يكدر صفوها ولا ينقطع نعيمها ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾): أي لو كانوا أهلا للعلم والمعرفة، أو: لو كانوا يعلمون ذلك ويفقهونه لما آثروا عليها الدنيا الفانية.
стр. 3644
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾
المفردات:
﴿رَكِبُوا﴾: الركوب، الاستعلاء على الشيء.
﴿الْفُلْكِ﴾: السفينة، يطلق على المفرد والجمع.
التفسير
٦٥ - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾:
تتصل هذه الآية بما قبلها من حيث إنها إقرار من المشركين بألوهية الله واعتراف منهم بأنه - سبحانه - هو وحده القادر على رفع الضر، ودفع البلاء.
والمعنى: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة، ومخرت بهم في عرض البحر، ثم تعرضوا لخطر الغرق، وأيقنوا بالهلاك دعوا الله مخلصين له الدين مقرين بوحدانيته، معترفين بقدرته، فلما تجلى الله عليهم فنجاهم من الغرق إلى البر، وأنقذهم من الهلاك فاجئوا بالعودة إلى الشرك وعبادة الأصنام مجافين بذلك أوفى قواعد الإنصاف، فإن النفوس البشرية مفطورة على شكر من أجرى عليها رزقًا، أو استنقذها من مكروه، ولعمري إن الإيمان بالله أول موجبات الشكر، وأول مقتضيات الاعتراف بالفضل.
٦٦ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾:
تعليل لرجوعهم إلى الشرك، أي: إذا هم يشركون ليكونوا كافرين بما أجرينا عليهم من نعمة، وحققنا لهم من نجاة، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادهم عليها.
стр. 3645
وذهب بعض المفسرين إلى أن اللام في قوله - تعالى -: (ليكفروا)، (وليتمتعوا) هي لام الأمر، وأن الأسلوب مسوقٌ مساق تهديدهم ووعيدهم، فهو على حد قوله - تعالى -: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، ومعنى قوله - تعالى -: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وتمتعهم حين يرون العذاب يوم القيامة، يوم لا يغنى عنهم شركهم من الله شيئًا ولا هم ينصرون.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾
المفردات:
﴿حَرَمًا آمِنًا﴾: مكانًا مقدسًا يأمنون فيه، وهو مكة.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾: الخطف والتخطف: الأخذ بسرعة، والمراد به: القتل والسلب.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: الأصنام أو الشيطان.
التفسير
٦٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾:
تذكر هذه الآية أهل مكة بفضل الله عليهم في جعل بلدهم مكة حرمًا آمنًا، وتنْعي عليهم إيمانهم بالأصنام، وكفرهم بنعمة الله.
стр. 3646
والمعنى: أجَهلَ أهل مكة وغفلوا ولم يعلموا بالمشاهدة أنّا جعلنا مكة بلدهم حرمًا ممنوعًا مصونًا يقرون فيه، ويأمنون على أنفسهم من القتل، وعلى أموالهم من النهب، والناس حولهم من العرب يُتخطفون قتلًا وسبيًا، ويُخلتسون سلبًا ونهبًا، إذ كان العرب من كل مكان، وفي كل موقع - غير مكة - في تقاتل وتغالب، وتغاور وتناهب، أفيتفق منهم مع هذه النعم التي يعيشون فيها أن يؤمنوا بالأصنام فيعبدوها من دون الله، أو بالشيطان فيستجيبوا لوسوسته وإغرائه، وبنعمة الله التي يعيشون، يها وينعمون بها، المتمثلة في تسخير الأكوان، وإجراء الأرزاق، ودفع المكاره والأخطار - أفبهذا كله - هم يكفرون ويجحدون، وهي المستوجبة للشكر وصدق الإيمان.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾
المفردات:
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: اختلق على الله كذبًا حيث ادعى له شريكا.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾: أو كذب بالرسول ﷺ وبما جاء به.
﴿مَثْوًى﴾: دار إقامة دائمة ومستقر.
التفسير
٦٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾:
ينتهى بهذه الآية الحديث عن المشركين في هذه السورة، وهي تسجل عليهم مجاوزتهم الحد في ادعائهم الشريك الله، وتنعى عديهم تكذيبهم الرسول، كما تتوعدهم سوء العاقبة بالخلود في جهنم.
والمعنى: وأي إنسان أشد ظلمًا لنفسه ممن اختلق على الله كذبًا، فادعى له شريكًا مع وضوح الدلالة على وحدانيته - وتوافر الشواهد على ألوهيته، وجاوز الحدود في الظلم بتكذيب
стр. 3647
الرسول وإنكار ما جاء به بعد عجزهم عن محاكاته أو معارضته، وقوله - تعالى -:
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: تأكيد لاستحقاقهم الإقامة في جهنم، والخلود في عذابها، أي: لقد استوجبوا الثَّوَاء في جهنم خالدين في عذابها بمجاوزتهم الحد في الكذب على الله، وتكذيب رسول الحق والصدق، فهي فسيحة الأرجاء، ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترأوا هذه الجرأة؟ وقد نزلوا منزلة العالمين بذلك لغاية وضوحه.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
المفردات:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾: غالبوا أنفسهم وشيطانهم وأعداءهم لأجلنا.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: لَنُيَسَّرَنَّ لهم طرق الوصول إلينا.
التفسير
٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
هذه الآية تختم سورة العنكبوت فتربط آخرها بأولها، فقد ذكرت الآيات في أولها أن المؤمنين لا يستحقون جميل الجزاء لمجرد قولهم: آمنا، دون أن يتعرضوا للفتن، ويمتحنوا بالشدائد والمحن، فيجاهدوا في الله أنفسهم، ويبذلوا منها ومن أموالهم وأهليهم، ثم تجيء هذه الآية في ختامها تطمئن المؤمنين على فضل جهادهم، وثواب بلائهم في نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ليتجلى في كتاب الله العزيز الإعجازُ المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والمعنى: والذين غالبوا وجالدوا من أجلنا، وفي سبيل نشر ديننا، وتصديق رسولنا محسنين في كل ما يفعلون ويتركون، لنهدينهم السبل الموصلة إلى مرضاتنا، ولنسهلن لهم طرق الوصول الي جنتنا، وإن الله لمع المحسنين بالنصر والعزة في الدنيا، وبالنعيم المقيم في الجنة.
стр. 3648
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الروم
مكية وآياتها ستون
مقاصد السورة:
اشتملت سورة الروم على الوعد بانتصار الروم على الفرس خلال بضع سنين من هزيمة الفرس إياهم - وقد تحقق وعد الله فإنه لا يخلف الميعاد - وبينت أن عاقبة المسيئين الهلاك والدمار، وأن الآخرة آتية لا شك فيها، وأن المؤمنين سوف يكونون فيها في روضة يُحبرون وأن المشركين لا يحميهم شركاؤهم من عذابها الأليم.
وتحدثت عن بعض آياته - تعالى - كخلق الناس من تراب، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليسكنوا إليها، وخلق السموات والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، مع أنهم ينتمون إلى أصل واحد، ومنامهم بالليل والنهار وابتغائهم من فضله، ثم دعت الناس إلى التدين بهذا الدين الحق الذي يتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ونهتهم عن أن يكونوا من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وعابت على الناس إشراكهم بربهم إذا مستهم رحمة، مع أنهم يلجأون إليه - تعالى - إذا مسهم - الضر.
ودعت إلى إيتاء ذي الفربى حقه والمسكين وابن السبيل، ونهت عن الربا وبينت أنه لا يربو عند الله، وإنما تربو عنده الزكاة.
ثم ذكرت أن ظهور الفساد في البر والبحر إنما يكون بما كسبت أيدي الناس، وأعادت الدعوة إلى الدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، ثم بينت أن الله هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابا، فيبسطه الله في السماء كيف يشاء، فيستبشرون بعد قنوطهم ويأسهم، وأنه بهذا المطر يحيي الأرض بعد موتها، ومن يفعل ذلك فهو قادر على إحياء الموتى،، ثم شبهت المشركين في عدم سماعهم دعوة الرسول بالموتى وبالصُّم إذا تولوا مدبرين، ثم بينت أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن المجرمين سوف يقسمون أنهم ما لبثوا في
стр. 3649
دنياهم غير ساعة، فلا ينفعهم هذا الاعتذار، فقد لبثوا في كتاب الله إلى يوم البعث، ثم ختمت بدعوة النبي ﷺ إلى الصبر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾
المفردات:
﴿الم﴾: تقدم الكلام على مثلها أول سورة البقرة والسور التي بعدها، فارجع إليه إن شئت.
﴿الرُّومُ﴾: قوم من الفِرِنج يستوطنون الجنوب الشرقي من أوربا، ويقول المؤرخون: أنهم عرفوا باسم جدٍّ لهم، اسمه: روم، أو: رومي، من ذرية يافث بن نوح ﵇.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: في أقرب أرضهم من العرب، أو من الفرس.
﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾: من بعد كونهم مغلوبين.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾: البِضْعُ، من الثلاث إلى التسع.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: وهو الغالب.
стр. 3650
التفسير
١ - ٥ ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
كان العالم يسيطر على معظمه أُمَّتَانِ كبيرتان - الفرس والروم - وكانت الحرب تدرر بينهما من وقت لآخر في سبيل السيطرة على الأمم الضعيفة، واستنزاف خيراتها، واستعباد أهلها.
وبعد أن شرف الله محمدًا ﷺ بالرسالة غزت الفرس الروم في أدنى أرضهم إلى العرب - وهي بصرى وأَذرعات - وقال ابن عباس والسدي: الأردن وفلسطين. وقيل غير ذلك، ولا تنافي بين هذه الأقوال، فقد غزوهم في جميع مستعمراتهم، في آسيا حتى ألجأوهم إلى القسطنطينية، وحاصروهم فيها مدة طويلة.
ولما بلغ الخبر أهل مكة المشركين، فرحوا وشمتوا بالمسلمين، وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس وثنيون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن عليكم، فنزلت الآية، فقال لهم أبو بكر: لا يَقِرَّن الله عينكم،، فوالله لتظهرن الروم على فارس في بضع سنين، فقال له أبي بن خلف: اجعل بيننا أجلًا أُنَاحِبُكَ - أي: أُراهنك - عليه، فناحبه على عشر قلائص (١) من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله ﷺ بما جرى بينه وبين أبي بن خلف، فقال ﷺ البضع "ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر (٢) ومادَّه في الأجل (٣) فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين، ومات أُبَيًّ بن خلف من جرح جرحه الرسول ﷺ بعد رجوعه من أُحُد، وظهر الروم على فارس يوم الحديبية، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبي بن خلف، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال: "تصدق به".
стр. 3651
وفي نصرهم على فارس أخبار طويلة لا مجال هنا لذكرها ومناقشتها وتحقيق الحق فيها، وحسب القارئ ما ذكرنا، ومن شاء المزيد فليرجع إلى المطولات.
واستدلت الحنفية بما حدث بين أبي بكر وأبي بن خلف على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار.
والآية ما دلائل النبوة؛ فإن الهزيمة التي ألحقتها فارس بالروم ألجأتهم إلى عقر دارهم، وأفقدتهم جميع الأقاليم التي كانت لهم في آسيا، وجعلتهم من الضعف بحيث لا يظن أحد أن تقوم لهم قائمة بعد هذه الهزيمة النكراء، فإذا نزل القرآن مبشرا بنصرهم ومحددا موعد هذا النصر بأنه في بضع سنين، وتحقق هذا النصر في موعده، فإنه دليل على أنه من عند الله، وليس من عند محمَّد كما زعم أعداءُ الإسلام، فإنه لا يقدم على مثل هذا الوعد الخطير إلاَّ من هو مؤيد من العليم الخبير.
والمعنى الإجمالي لهذه الآيات: الم. غلبت فارس الروم في أقرب أرض الروم إلى بلاد العرب، أو إلى بلاد الفرس، أو إلى بلاد الروم الأصلية، حيث وصلت هزيمتهم إلى مشارف القسطنطينية وحوصروا فيها مدة طويلة، والروم من بعد ما غلبهم الفرس سيغلبون الفرس خلال بضع سنين، لله الأمر من قبل كونهم مغلوبين للفرس، حيث سلط الفرس عليهم فهزموهم وغلبوهم، ولله الأمر من بعد ما غلبهم الفرس، حيث أمدهم بأسباب نصره، فأصبحوا ظاهرين على الفرس فغلبوهم واستردوا الأرض منهم، فالنصر والهزيمة لكلتيهما بأمر الله وحكمته حسب قانونه الذي أجراه بين عباده: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ويومئذ تغلب الرومُ فارسَ يفرح المؤمنون بنصر الله، حيث نصر من له كتاب على من يعبدون غيره، وملأ بالأسى والحزن قلوب كفار مكة الذين كانوا من قبل شامتين، ينصر الله بفضله من يشاء نصره من عباده، على عدوه، وهو العزيز الغالب فلا يعجزه نصر من يشاء على عدوه مهما كان أمره لحكمة يراها في نصره، الرحيم باللطف بالمغلوب، وتهيئته لقبول القضاء، أو بإصلاح حاله واستعادة مكانه.
стр. 3652
ومن العلماء من فسر نصر الله الذي يفرح به المؤمنون بغير ما تقدم، فقد فسره بعضهم بصدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، ومنهم من فسره بتولية بعض الظالمين بعضًا وتفريق كلمتهم حتى تناقضوا وتحاربوا، وأضعف كل منهم شوكة الآخر، تمهيدا لغلبة الإسلام، وهذه آراء جيدة، وإن كان الرأي الذي ذكرناه في المعنى هو المناسب لقوله - تعالى - ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ولهذا رجحه المفسرون.
٦ - ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
هذه الآية مؤكدة للوعد السابق بنصر الروم في بضع سنين وفرح المؤمنين بهذا النصر. والمعنى: وعد الله بنصر الروم على الفرس وعدًا لا خلف فيه، فإن الله لا يخلف وعده، لاستحالة الكذب عليه - تعالى - ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه - سبحانه - وعدهم بذلك لعدم تصديقهم القرآن فيما أخبر به عن الله - تعالى - أو لا يعلمون قدرة الله على تحقيقه لفساد رأيهم.
٧ - ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾:
هذه الآية مؤكدة لما جاء في الآية السابقة من أن أكثرهم جاهلون لا علم عندهم.
والمعنى: أن معرفتهم بالحياة الدنيا لا تتجاوز ظاهرها، حيث يعلمون منافعها ومضارها العاجلة، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون، وكيف يجمعون وكيف يبنون، وكيف يندمون عاجلًا بزخارفها، ويلتذون بملاذها، ويتمتعون بمشتهياتها، فهم لا يشعرون أنها مزرعة الآخرة، ووسيلة إلى نيل الرغائب الجليلة فيها، فهم: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾.
стр. 3653
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾
المفردات:
﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: ظرف للتفكر، وليس بمفعول تعدى إليه، فإنهم لم يؤمروا أن يتفكروا في خلق أنفسهم، بل أمروا أن يستعملوا التفكر النفسي في خلق السموات والأرض وما بينهما ليعلموا أنها لم تخلق إلَّا بالحق، وفائدة ذكر ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ مع أن التفكر لا يكون إلاَّ فيها؛ لتحقيق أمره، وزيادة تصوير حال التفكر المؤدى إلى الصواب، وهو التفكر العميق لا التفكر الظاهري.
﴿إِلَّا بِالْحَقّ﴾ قال الفراءُ: معناه: إلاَّ للحق، أو إلاَّ بالعدل.
﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: ووقت سماه الله ينتهيان عنده، وهو يوم القيامة.
﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: بلقاء جزائه يوم القيامة.
﴿السُّوأَى﴾: تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن، والمراد بالسوأى: النار.
стр. 3654
التفسير
٨ - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾:
بعد أن سجلت الآية السابقة عليهم قصور علمهم بالحياة الدنيا، حيث لم يتجاوزوا ظاهرها، جاءت هذه الآية لتوبخهم على عدم تفكُّرهم بعمق في مصير هذه الدنيا.
والمعنى: أَغَفَلَ هؤلا الكافرون ولم يتفكررا في أعماق أنفسهم، حتى يعلموا أن الله - تعالى - لم يخلق السموات والأرض وما بينهما إلا للحق من الثواب والعقاب للمكلفين فيها على حسب أعمالهم، أو إلاَّ بالعدل، فلا يستوى عنده دمشق ومبطل، ولا محسن ومسئ، وخلقهما وما بينهما لأجل مسمى تنتهي إليه، وهو يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وإن كثيرا من الناس بلقاء جزاء ربهم في الآخرة لجاحدون؛ لأنهم لا يدركون من الحياة الدنيا إلا ظاهرها، ولا يتعمقون في التفكر فيها، فلذلك حسبوا أن الدنيا نهاية كل حي، وأن الله لا يبعث من في القبور.
٩ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
الهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ إما أن تكون لتقرير عدم سيرهم وتوبيخهم على ذلك - إن كانوا من القاعدين الذين لم يسيروا في الأرض ويعتبروا بالهالكين - فيكون التقدير: أقعدوا ولم يسيروا في الأرض فينظروا، وكان عليهم أن يسيروا بين آثار الهالكين ليتعظوا، وإما أن تكون لنفى قعودهم وتوبيخهم على عدم انتفاعهم بسيرهم بين آثارهم - إن كانوا ممن ساروا في خرائبهم - وكأنه قيل: أقَعَدُوا ولم يسيروا في خرائب الكافرين فينظروا ويعتبروا؟ كلَّا، بل ساروا ولكنهم لم يتعظوا ولم يعتبروا.
والمعنى الإجمالي للآية: أقَعَدَ هؤلاء الكفار ولم يسيروا في أرض الهالكين السابقين ويشاهدوا كيف كانت عاقبة أولئك المشركين المنكرين للبعث قبلهم، كانوا أقدر منهم على
стр. 3655
التمتع بالحياة الدنيا، حيث كانوا أشد منهم قوة وقلبوا الأرض ظهرًا لبطن في الزراعة والبحث عن المعادن ونحوها وعمروها بفنون العمارات أو أقاموا بها أكثر مما عمرها مشركو مكة، وجاءتهم رسلهم بالمعجزات البينات التي تستوجب إيمانهم فكذبوهم، فما كان الله ليهلكهم بغير ذنب كما يفعل الظالمون، ولكنهم كانوا ظالمين لأنفسهم بفعلهم ما يقتضي إهلاكهم دون أن يكون لله أو لرسله دخل في ظلمهم.
١٠ - ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
ثم كان عاقبة الذين عملوا السيئات وظلموا بها أنفسهم - كان عاقبتهم - العقوبةُ السوأى في الدنيا بالإهلاك وفي الآخرة بالنار؛ لأنهم داوموا على تكذيبهم بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون ولم تنجهم قوتهم، ولم تنفعهم عمارتهم.
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾
المفردات:
﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: يتحير الكافررن وتنقطع حجتهم، يقال: أبلس الرجل، إذا سكت وانقطعت حجته.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ أي: تبرءُوا من آلهتهم التي عبدوها.
التفسير
١١ - ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
بين الله في الآية السابقة أن نهاية الكافرين المسيئين لأنفسهم أن يعاقبوا العقوبة السيئة في الدنيا والآخرة، وجاء بهذه الآية لتقرير ذلك.
стр. 3656
والمعنى: الله - سبحانه - شأنه أنه يبدأ الخلق وينشئه من العدم - كما تعلمون أيها الكافرون - ثم يعيده بعد فنائه، ثم إلا حسابه وجزائه ترجعون وتبعثون، فلماذا تكفرون وتنكرون؟ أليس من قدر على الإبداع والاختراع فهو قادر على الإعادة بعد الفناء؟
١٢ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
اختلف المفسرون في تفسير معنى الإبلاس، فمنهم من فسره باليأس، كابن عباس، وهو المراد من حديث: "أنا مبشرهم إذا أُبلسوا" أي: ذا يئسوا، ومنهم من فسره بالسكوت وانقطاع الحجة، ومنهم من فسره بالحزن الناجم عن شدة اليأس، والحق أنها معان متقاربة وليس بينها تناف.
والمعنى: ويوم يقوم الناس لرب العالمين في الساعة التي حددها للقيامة - يومئذ - ييأس المجرمون من النجاة ويتحيرون، وقد انقطعت حجتهم وصمتت ألسنتهم، ولفّهم الحزن من كل جانب.
١٣ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾:
ولم يكن لهؤلاء المجرمين من آلهتهم التي عبدوها شفعاء ينقذونهم من سوء مصيرهم، كما كانوا يزعمون في دنياهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وكانوا بشركائهم يومئذ كافرين.
والتعبير عمَّا سوف يحدث يوم القيامة - وهو مستقبل - بصيغة المضارع التي دخلت عليه (لم) في قوله: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ فحولته إلى المضى، وبصيغة الماضي في قوله: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ للإيذان بأنه واقع ولابد، فكأنه وقع فعلا وأُخْبر عنه.
стр. 3657
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾
المفردات:
﴿فِي رَوْضَةٍ﴾: الروضة، الأرض ذات النبات والأزهار والماء، والمراد بها هنا الجنة.
﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُسَرُّون، يقال: حَبَره يحبُره - بضم الباء - حبْرًا، وحُبرة، وحبورًا: إذا سره سرورًا يتهلل له وجهه.
﴿مُحْضَرُونَ﴾: مجبرون على الحضور.
التفسير
١٤ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾:
ويوم يقوم الناس لرب العالمين في الساعة التي عينها لبعثهم - يومئذ - يتفرق الخلق إلى مؤمنين وكافرين، ثم فصل - سبحانه - مصيرهم بعد تفرقهم فقال:
١٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾:
فأَما الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات التي أمرهم بها، فهم في جنة عظيمة يسرون غاية السرور، بما ينعمون به فيها من النعيم المقيم والخير العميم، الذي أخبر الله عنه بقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وأخبر عنه الرسول بقوله: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر".
١٦ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾:
стр. 3658
وأما الذين كفروا باللهِ ورسله، وكذبوا بآياتنا الكونية والتنزيلية، وكذبوا بالبعث والجزاء في الآخرة فأولئك في عذاب جهنم مجبورون على الحضور والإقامة فيه.
قال الآلوسي: والظاهر أن الفسقة من أهل الإيمان غير داخلين في أحد الفريقين، أما عدم دخولهم في الذين كفروا وكذبوا بالآيات والبعث فظاهر، وأما عدم دخولهم في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإما لأن ذلك لا يقال في العرف إلا على المؤمنين المجتنبين للمفسقات - على ما قيل - وإما لأن المؤمن الفاسق يصدق على المؤمن الذي لم يعمل من الصالحات شيئًا أصلًا، وحكمهم معلوم من آيات أخرى - انتهى بتصرف يسير.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾
المفردات:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: فتنزيها له عما لا يليق به.
﴿عَشِيًّا﴾: العشي؛ آخر النهار.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: وحين تدخلون في وقت الظهر.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: كالإنسان من التراب.
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: كالسقط الميت من أُمٍّ على قيد الحياة.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾: بالنبات.
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يَبَسِهَا.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: أي؛ تبعثون من قبوركم.
стр. 3659
التفسير
١٧، ١٨ - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾:
بين الله - سبحانه - في الآيتين السابقتين حال ومآل فريقي المؤمنين الصالحين والكافرين المكذبين من الثواب والعقاب، وجاء بهذه الآية ليرشد عباده إلى ما ينجى من الثاني ويُفضي إلى الأول، من تنزيهه - تعالى - عما لا يليق بجنابه، وحمده والثناء عليه بما هو أهله من الصفات الجليلة، وقد اقترنت بالفاء من قوله: ﴿فَسُبْحَانَ﴾ للإيذان بترتيب ما بعدها على ما قبلها في المعنى، فكأنَّهُ قيل: إذا عرفتم حال الفريقين ومآلهما فسبحوا الله حين تمسون … إلخ، وسبحان: مصدر، ناب عن فعل الأمر، وهو محذوف وجوبًا إن كان منصوبًا بتقديره، لأنه ناب عنه فلا يجتمعان.
والمقصود من التسبيح هنا: الصلاة عند ابن عباس، فقد قال: الصلوات الخمس في القرآن. قيل له: أين؟ فقال: قال الله - تعالى -: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصر (١) ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظهر وبهذا قال الضحاك وابن جبير، والأكثرون على أن الصلاة فرضت بمكة، وهذا يوافق كون السورة كلها مكية على الصحيح.
وإطلاق التسبيح على الصلاة إما لوجوده في ركوعها وسجودها، وإما لأنها مشعرة بتنزيهه - تعالى - عن الشريك (٢).
ومن العلماء من حمل التسبيح في الآية على التسبيح في الصلاة لا على الصلاة نفسها، قال علي بن سليمان: حقيقته عندي: فسبحوا الله في الصلوات.
стр. 3660
وذِكْرُ قوله - تعالى - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بين أوقات التسبيح، للإيذان باستحقاقه - تعالى - الحمد من أهل السموات والأرض على نعمه بالإضافة إلى تسبيحه، قال العلامة أبو السعود: قدمت ﴿وَعَشِيًّا﴾ على ﴿حِينَ تُظْهِرُونَ﴾ مراعاة للفواصل، وقال الآلوسي: وتخصيص الأَوقات المذكورة بالذكر لظهور آثار القدرة والعظمة والرحمة فيها، وقدم الإمساء على الإصباح لتقدم الليل والظلمة، وقدم العشي على الإظهار لأنه بالنسبة إلى الإظهار، كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح.
والمعنى: فَصَلَاةً، أو فتنزيهًا لله عما لا يليق به حين تدخلون في الظلام بعد النور، وحين تدخلون في الصباح والنور بعد الظلام، وله الحمد استحقاقًا وأداءً في السموات والأرض على توالي نعمه على من فيهما، وتنزيهًا له آخر النهار وحين تدخلون في الظهر.
أخرج أبو داود وغيره عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : (من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى قوله - تعالى -: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أدرك ما فاته في ليلته، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في يومه).
١٩ - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾:
درج المفسرون على تفسير هذه الآية ومثلها بنحو قولهم: يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي، ويخرج الدجاجة الحية من البيضة الميتة، ويخرج البيضة الميتة من الدجاجة الحية، وهذا التفسير مأثور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، والواقع أن النطفة ليست ميتة وكذلك البيضة، فالنطفة مليئة بالحيوانات المنوية التي لا تحصى، فإذا التقت نطفة الرجل ببويضة المرأَة في القناة الفالوبية التي توصل الرحم بمبيض المرأة، لقحتها بأقوى حيواناتها المنوية ونشأ عن هذا التلقيح الخلية الأولى للجنين، وكذا الأمر بين نطفة الديك وبيضة الدجاجة، وقد شرحنا ذلك علميًّا في تفسير قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ .. ﴾ (١).
стр. 3661
ولولا وجود الحياة في كل ذلك لما وجدت الأجنَّةُ في البطون ولا الفراخ في البيض وقد عُرفت كل هذه الحقائق بالمناظير المكبرة وبالتجارب، فمن لا حياة في نطفته أو في بويضة امرأته فهو عقيم، وهي عاقر، وكذا الأمر في الدجاج.
ولعل هذا التفسير المأثور عن السلف ناشيء إما عن قصور علم الأجنة عند الناس وقئئذ أو أنه على سبيل المجاز فإن هذه النطفة بالنسبة إلى الإنسان، والبيضة بالنسبة إلى الدجاجة تعتبر كالشيء الميت، فإن الفرق بينهما بعيد المدى، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ولعل التفسير الواضح القائم على الحقيقة أن يقال: يخرج الحي من الميت كالإنسان من التراب ويخرج الميت من الحي كالسقط الميت من المرأة الحية.
ومن العلماء من فسرها تفسيرًا مجازيًا بطريقة أخرى، فقال: يخرج العالم من للجاهل، ويخرج الجاهل من العالم، ويخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وعلى هذا فالمراد من الحياة والموت في الآية العلم والجهل، أو الإيمان والكفر على سبيل المجاز.
وقد شرحنا مثل هذه الآية في سورة آل عمران باستيفاء فارجع إليها إن شئت.
والمعنى الإجمالي للآية: يُخرج الله بقدرته الحي من الميت كالإنسان والحيوان من التراب مباشرة أو عن طريق الأغذية، ويخرج الميت من الحي كالسقط الميت من المرأة، والبيضة العقيم من الدجاجة، ويحيي الأرض (١) بالماء والنبات بعد يبسها وفقدان منفعتها، مثل ذلك الإخراج البديع تُخرَجُون من قبوركم للحساب والجزاء، فكيف تنكرون البعث وأنتم ترون آياته في الإحياء والإماتة، أليس في كل خَلَف بعثٌ لسلفه الميت؟.
﴿الْبَرْقَ﴾: هو ما يلمع تباعًا أثناء المطر.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا من الصواعق، وطمعًا في المطر.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: المراد من السماء هنا: السحاب، وكل ما علاك سماء.
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها.
﴿أنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: أن توجدا في الفضاء بقدرته وتدبيره.
﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾: أي؛ تفاجئون بالخروج من قبوركم تلبية لنداء الله.
التفسير
٢٠ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾:
ومن علامات ربوبيته وأُلوهيته - تعالى أنه خلقكم يا بني آدم من تراب ضمن خلق أَبيكم آدم منه، أو أنه خلقكم من نطف تولدت من أغذية أصلها ومادتها التراب، ثم إذا أنتم أُناس عقلاء تنتشرون عن طريق التوالد، أو الهجرة في أنحاء الأرض بعد أن بدأ خَلْقكم بآدم ثم من بعده حواء، وجعلكم تستنبطون خيراتها الظاهرة والباطنة بما وهبكم من القوى العملية والجسدية، وعلمكم من شئون الكون ما لم تكونوا تعلمون، فسبحان من خلقكم ونشركم وأقدركم على عمارة أرضه وجعل لكم من أنفسكم آيات على ربوبيته ووحدانيته.
٢١ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
اختلف العلماء في تفسير خلق الأزواج من أنفس البشر، وكثير منهم فسره بأنهن خُلِقْنَ من ضلع آدم تبعًا لحواء أُمهن.
وقد ورد حيث صحيح عن النبي ﷺ يحتمل هذا المعنى، فقد روى الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضِلع، وإن أَعوج شيء في الضِلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا".
стр. 3664
ولكن المحققين حملوه على التمثيل لا على الحقيقة، فالمعنى المراد: أنهن في اعوجاج طباعن يشبهن الضلع الأعوج ولهذا عقبه بقوله: "وإن أَعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا" فهذا يشير إلى اعوجاج طباعهن، وأن أكثر الاعوجاج في رءوسهن حيث توجد ألسنتهن، فإن حاولت أن تجعل امرأتك مستقيمة الطباع بعيدة عن خطأ اللسان فشلت، وانتهت محاولتك في إصلاحها إلى كسرها، وهو كناية عن إصابتها بَدَنيا أو نفسيا، أو عن طلاقها، كمن يحاول إصلاح الضلع الأعوج فإنه يفشل، وتنتهي محاولته إلى كسره، وإن تركتها دون تقويم وتهذيب بقيت على اعوجاجها، كما يبقى الضلع على اعوجاجه إذا تركته، وخير الأمور الوسط، وهو الوعظ برفق، والتغاضي عما يدفع إليه الطبع غالبا، وما من رجل أو امرأة إلا له عيوب.
وخير ما تحمل عليه الآية: أن المرأة خلقت من جنس الرجل، فكانت على نظام خلقه، لا فرق بينهما إلا الذكررة والأنوثة ولهذا عقب خلقها منه بقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فإن خلق الزوجة من جنس زوجها - تكوينا وعقلا - يؤدى إلى سكون الزوج إليها وقيام المودة والرحمة بينه وبينها، بخلاف ما لو خلقت من جنس حيواني آخر، فإن الأمر يكون بينهما على التباين والتناقض.
أما مبدأ خلق حواء، فقد قيل: إنه من فضلة طينة آدم، ولكن التوراة صريحة في أنها خلقت من أحد أضلاع آدم، كما جاء في سفر التكوين (الإصحاح الثاني ٢١ - ٢٣) والله أعلم بصحة ذلك.
والمعنى الإجمالي للآية: ومن دلائل ربوبيته - تعالى أنه خلق لكم - أيها البشر - أزواجا من جنسكم جسدًا وعقلا، لا يفرق بينكم وبينهن سوى الذكورة والأُنوثة، ليسكن الرجل منكم بالزواج الشرعي إلى زوجه، وإن لم يكن يعرفها من قبل، وليبقى بمباشرتها الجنس البشريُّ، وليطمئن إليها بالعشرة معها، فإن الجنس يميل إلى جنسه ويألفه، بخلاف ما لو كانت من جنس آخر، وجعل بينكم مودة ورحمة، فكلاكما يحب الآخر
стр. 3665
ويرحمه ويدفع عنه ما يضره ويؤذيه قدر استطاعته، إن فيما ذكر في هذه الآية من عجائب تدبير الله لدلائل على ربوبيته، وعظيم فضله، وواسع رحمته - لدلائل - لقوم يتفكرون.
٢٢ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾:
ومن دلائل ربوبيته خلق السموات والأرض وما فيهن من عجائب الإبداع وروائع الجمال، وبقائهن في الفضاء بعجيب قدرته وعظيم علمه وحكمته، ومن دلائل ربوبيته أيضًا اختلاف لغاتكم، حيث علم كل أُمة لغتها المخالفة للغة غيرها، أو ألهمها العبارات المختلفة للتعبير عن حاجاتها، وخالف بين طرائق نطقكم، فلا يكاد يوافق أحدكم غيره في أُسلوب نطقه واختيار عباراته، ومن دلائل ربوبيته أيضًا اختلاف ألوانكم من أبيض إلى أسود إلى أصفر إلى غير ذلك، أو اختلاف ألوانكم بتخطيط الأعضاء والهيئات والألوان، بحيث وقع التمايز والتعارف، حتى إن التوأمين - مع اتحاد أصلهما - لا بد من وجود اختلاف بينهما ليحصل التعارف، إن في ذلك كله لآيات عظيمة لكل عالم مفكر، على وجود إله حكيم قدير عليم.
٢٣ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾:
دعت هذه الآية الكريمة إلى التأمل في آيات جليلة واضحة الدلالة على ربوبية الله ومزيد رحمته بعباده، وهي آية النوم وآية طلب الرزق، وما تشتملان عليه من آيات.
فأما آية النوم فإنها وسيلة إلى راحة القوى النفسية والبدنية، وإعادة النشاط إليها بعد الكلال.
والنوم هبة من هبات الرحمن الرحيم، فليس للإنسان أي كسب أو جهد فيه، وما على الإنسان إلا أن يستسلم لفراشه ويغمض عينيه وينتظر رحمة الله تأْتيه بالنوم فليسع بفضل الله إلى إحساسه وشعوره العقلي، فيغيبه في طياته، ويضفى على أجهزته البدنية والعقلية الراحة والسكينة، ولو شرد النوم عن الإنسان فإنه لا يستطيع أن
стр. 3666
يسترده بأي جهد يبذله، ما لم تأته به عناية الله ورحمته، فتلك آيات عديدة تضمنتها آية النوم، وقد يصبح الأرق مرضا ملازما فيصاب صاحبه بالكآبة وغيرها من الأمراض النفسية أو الجسدية، ولا ينفعه إلا رحمة تأْتيه من الرحمن الرحيم من حيث لا يعلم، فلهذا ينبغي لمن يصاب بالأرق أن يكون شديد اللجوء إلى الله - تعالى - بالدعاء، ومما جاء فيه ما أخرجه الطبراني في مسنده عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم أنم عيني وأهديء ليلي" فقلتها فذهب عني.
وينبغي لمن أصابه الأرق أيضًا أن يبعد عن نفسه التفكير فيه، حتى لا يصبح عقدة نفسية، وعليه أن يكون قوي الأمل في رجوع النوم إليه برحمة الله، وأن يكون عظيم التوكل على الله والثقة في رحمة الله، حتى لا تطول غربة النوم عنه.
والنوم كما يكون ليلًا يكون نهارا، فمن الناس من يعملون ليلًا كالحرّاس وعمال المخابز، فهؤلاء ينامون نهارا، ومنهم من يعملون نهارا، وقد ينامون ظهرا، ومنهم من يأتيه النوم في أي وقت من الليل أو النهار، تبعًا لحاجة أجسادهم ونفوسهم، فمن رحمة الله أن جعله مشاعا بين الليل والنهار لمن يحتاجون إليه، فلهذا قال - سبحانه -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾.
وأما آية ابتغاء الرزق فإنها تضم عدة آيات، والرزق بيد الله، وكم من طالب رزق معين يأتيه غيره، وكم من طالب له لا يجده، وكم من غافل فيأتيه رزق لم يتوقعه ولم يسع إليه.
وطلب الرزق كما يكون في النهار يكون في الليل، وبخاصة في هذا الزمان، حيث تفتح المتاجر والمصانع أبوابها ليلًا كما تفتح نهارا، والله - تعالى - يسوق الرزق لجميع عباده ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ولكن الله - تعالى - ربط المسببات بأسبابها، ولهذا أمر عباده بالسعي في طلب الرزق الذي قسمه الله لهم بقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾
стр. 3667
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وإن كان بعض الرزق يأتي بغتة من غير سعي، كالمواريث والهبات والصدقات المفاجئة، ولكن السنة الإلهية في الحصول على الأرزاق هي السعي إليها؛ فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة.
والمعنى الإجمالي للآية: ومن آيات ربوبيته - تعالى - وكمال تدبيره وحكمته نومُكم بالليل تارة، وبالنهار أُخرى، حسب حاجتكم إلى النوم، فحينما تحتاجون إليه أو تطلبونه يحقق الله لكم منه حاجتكم، ومن آياته طلبكم الرزق في الليل والنهار أيضًا فيأْتيكم منه ما قسمه الله لكم، إن فيما تقدم من النوم وطلب الرزق في ليل أو نهار، لآيات واضحة الدلالة على ربوبيته ووجوب الاستعانة به واللجوء إليه، إن فيما تقدم لآيات لقوم يسمعون سماع تدبر وتفكر.
والتعبير بقوله، ﴿يَسْمَعُونَ﴾ بدلا من: يبصرون، أو: يتفكرون، للإيذان بأن الأمر من الظهور بحيث يكفي فيه مجرد السماع لمن له فهم وبصيرة، ولا يحتاج إلى مشاهدة وإن كان مشاهدا، ولا إلى إعمال الفكر بعمق لغاية وضوحه.
٢٤ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
المقصود من قوله: ﴿يُرِيكُمُ﴾ المعنى المصدري، فكأنه قيل: ومن آياته إراءتكم البرق، وهو من باب استعمال الفعل المضارع في جزء من معناه وهو الحدث، كما قالوه في المثل المشهور: تسمع بالمُعَيْديِّ خير من أن تراه أي: سماعك به … إلخ.
وذهب أبو علي إلى أن الكلام على تقدير (أن المصدرية) والأصل، أن يريكم، فلما حذفت ارتفع الفعل وبطل عملها بالحذف، والمآل في كلا الوجهين واحد وهو المعنى المصدري، والبرق: هو الومضات الكهربية المضيئة السريعة المتلاحقة أثناء المطر الغزير.
والمعنى الإجمالي للآية: ومن آيات الربوبية والبعث أن يريكم الله البرق اللامع المنبعث من السحب الركامية خوفا من نزول الأمطار الكاسحة بسيلها أو من نزول الصواعق وطمعا في مطر ينفع ولا يضر.
стр. 3668
أو خوفا من نزول المطر للمسافر برًّا لأَنه يضره، وطمعا للمقيم لأنه ينفعه في الزراعة وغيرها، ولهذا قال عقبه: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل الله من السحاب مطرا فيحيي به الأرض بالنبات والشجر، بعد أن كانت هامدة يابسة، فلما جاءها الماءُ ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ إن فيما تقدم من إراءَة البرق وإنزال المطر وإنبات الزرع والشجر لآيات بينات على قدرة الله وحكمته وربوبيته، وأنه يبعث من في القبور. لآيات على ذلك لقوم يعقلون.
٢٥ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾:
ومن علامات أُلوهيته - تعالى - أن توجد السماءُ والأرض في الفضاء بأمره وتدبيره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ثم إذا دعاكم يوم القيامة للخروج من الأرض التي دفنتم فيها، إذا أنتم تخرجون فور الدعاء، فمن قدر على البدء والاختراع فهو على الإعادة أقدر.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
المفردات:
﴿قَانِتُونَ﴾: منقادون خاضعون.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: وله الوصف الأعظم.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب.
стр. 3669
التفسير
٢٦ - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾:
ولله من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن، ومَنْ عسى أن يكون بها من مخلوقات مكلفة عاقلة لا علم لنا بها، كل هؤُلاء لإرادته - تعالى - خاضعون، حيث يتصرف فيهم كما يشاء بمقتضى حكمته وتدبيره - جل وعلا -.
٢٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
والله هو الذي يبدأ الخلق من آن لآخر، ثم يعيده بالبعث بعد الموت، والإعادة أسهل من البداية إذا نظر إليها بمقاييس الناس، وإن كانت عند الله سواءً، لأَنه يقول للشيء: كن فيكون، ولله الوصف الأَعلى العظيم في السموات والأرض، يصفه به كل من فيهما دلالة أو نطقا، ولا يدانيه في كمال أوصافه أحد، وهو العزيز الذي لا يغلبه غالب، الحكيم في خلقة وتدبيره، أخرج الإِمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني - وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (١) ".
стр. 3670
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾
المفردات:
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: ذكر لكم مثلا منتزعا من أنفسكم أيها البشر.
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾: هل؛ حرف استفهام مراد منه النفي، أي: ليس لكم من عبيدكم شركاءُ، ولفظ ﴿مِنْ﴾ الأُولى ابتدائية، والثانية تبعيضية، والثالثة لتأكيد النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري في لفظ: ﴿هَلْ﴾.
﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: كخوفكم منها.
﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نوضحها ونبينها.
التفسير
٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ … ﴾ الآية:
بين الله - تعالى - في الآيات السابقة دلائل ربوبيته ووحدانيته وأن له المثل الأعلى والوصف الأسمى في جميع الصفات، لا يدانيه فيها أحد، وجاء بهذه الآية ليؤكد بها وحدانيته بطريق ضرب المثل، لما فيه من تشبيه المعقول بالمحسوس، وهو في الإفحام أقوى.
стр. 3671
وحتى تعظم قيمة هذا المثل في الإِفحام عند القاريء نقول:
إن المشركين كانوا معترفين بأن أوثانهم عبيد الله - تعالى - فقد كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك تملكه وما ملك".
ومعنى الآية، ذكَر اللهُ لكم مثلا لإشراككم عبيد الله معه في الأُلوهية، وهذا المثل منتزع من أنفسكم أيها البشر: هل لكم من عبيدكم الذين ملكتهم أيمانكم - هل لكم منهم - شركاءُ فيما رزقناكم من الأموال وسواها، فتكونوا أنتم وإياهم في حق ملك ما رزقناكم والتصرف فيه سواء بحيث تخافونهم أن يستبدوا بتصرف ما، كخوفكم أيها الشركاء الأحرار بعضكم من بعض.
وخلاصة هذا المثل الذي ابتدأ بالاستفهام الإنكاري: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .. ﴾ خلاصته أنه ليس لمماليككم حق الشركة في أموالكم، فإذا كنتم تأْبون أن يشرككم عبيدكم في أموالكم وهم مثلكم في البشرية غير مخلوقين لكم، بل لله - تعالى - فكيف تشركون باللهِ - تعالى - في المعبودية والأُلوهية التي هي من خصائصه الذاتية - كيف تشركون به مخلوقه بل مصنوع مخلوقة؟ - جل وعلا - حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه؟ وكيف يرضي الله بذلك؟ مثل ذلك التفصيل الواضح يفصل الآيات ويبينها لقوم يستعملون عقولهم في فهم حقائق الأُمور.
٢٩ - ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
إضراب وإعراض عن مخاطبة المشركين لجهلهم واتباع أهوائهم، وكأنه قيل: لم يفعلوا شيئا من الآيات المفصلة قبل هذه الآية، بل اتبعوا أهواءهم الزائفة التي ظلموا بها أنفسهم حيث عبدوا غير الله بجهالة وسوء رأي، مع تمكنهم من العدم من فتحوا قلوبهم للحق، فمن يستطيع هداية من أضلهم الله عن الحق بسبب إعراضهم عنه، وما لهؤُلاء الضالين من ناصرين يخلصونهم من الضلال وتبعاته.
стр. 3672
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾
المفردات:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: اجعل وجهك مستقيما نحو الدين.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلا عن الباطل إلى الحق، فَعِيل من الحَنَف: وهو الميل، ويطلق الحنيف على صحيح الميل للإسلام، وعلى دين إبراهيم - ذكره صاحب القاموس.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: خلقته.
﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾: خلقهم عليها.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لا تبديل لدين الله.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: ذلك الدين المستقيم.
التفسير
٣٠ - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ … ﴾ الآية:
بعد أن بين الله آيات ربوبيته، وضرب مثلا لفساد الإشراك جاء بهذه الآية لإقرار ما تقدم من وجوب التوحيد، وحث كل مكلف على الإقبال على دين التوحيد الذي هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها.
والخطاب في قوله - تعالى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ لكل فرد مكلف من الأُمة المحمدية في شخص نببها محمَّد ﷺ فهو إمامها، أو خطاب لكل مكلف مباشرة.
стр. 3673
والوجه في قوله - تعالى - "فأَقِمْ وجهك" إما أن يراد به معناه المعروف، وإما أن يراد به الذات كلها، وسواءٌ أكان المراد به هذا أم ذاك فالآية تمثيل لوجوب الإقبال على دين الإِسلام والاستقامة والثبات عليه والاهتمام به، ولذلك عقبه بقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن الأديان كلها متجها إليه ومقبلا عليه، أو دِينَ إبراهيم الحنيف ﵇ يعني أن التوحيد هو دين إبراهيم الحنيف.
وهذا الدين الإسلامي الذي أمرنا الله بالاستقامة عليه، هو فطرة الله وخلقته التي فطر الناس وخلقهم عليها، أخرج الإِمام البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمَجِّسانه كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمة جمعاءَ (١)، هل تجدون فيها من جدعاء (٢)؟ " ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣).
وأخرج ابن مردويه بسنده عن حماد بن عمر الصفار قال: سألت قتادة عن قوله - تعالى -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فقال: حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فطرة الله التي فطر الناس عليها: دين الله تعالى" وبهذا التفسير فسرها السلف.
ومن العلماء من فسر الفطرة بأنها قابلية الحق والتهيؤ لإدراكه، فالناس جميعًا مفطورون ومخلوقون مستعدين لقبوله، لا يمنعهم عنه إلا المبطلون من شياطين الإنس والجن، والتفسيران متقاربان، والفطرة في كليهما: اسم هيئة من الفطر، بمعنى الخلق والاختراع.
وأما قوله - سبحانه -: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ فهو خبر مراد منه النهي، أي: لا تبدلوا دين الله وخلقته التي خلق الناس عليها بالإصغاء إلى دعاة الباطل من شياطين الإنس أو الجن.
стр. 3674
والمعنى الإجمالي للآية: فأقبل - أيها العاقل - على الإِسلام دين الحق واستقم عليه واهتم به، مائلا إليه بجد وهمة، منصرفا عن سواه من سائر الأديان، فطر الله الناس عليه وخلقهم مستعدين له، لاتُبَدِّلوا فطرة الله وخلقته، ذلك الدين المستقيم الذي لا يصح تبديله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون استقامته، ووجوب الإيمان به؛ لعدم تدبرهم وإهدارهم عقولهم.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾
المفردات:
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: أي؛ راجعين إليه بالتوبة والإخلاص، من أناب: إذا رجع مرة بعد أُخرى.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: قيل؛ هم أهل الأهواء والبدع، أو اليهود والنصارى.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: أي؛ فرقًا، جمع شيعة، والشيعة في الأصل: الأتباع والأنصار، وكل جماعة اجتمعوا على أمر، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليًّا وأهل بيته حتى صار اسمًا لهم خاصًّا بهم، وجمع الجمع: أَشياع.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: الحزب؛ الطائفة من النَّاس، والجمع: أحزاب.
التفسير
٣١ - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
بين - سبحانه - بهذه الآية أن العبادة لا تقبل من عباده إلاَّ مع الرجوع إليه والإخلاص له، فقال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو مرتبط بقوله - سبحانه -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾
стр. 3675
أي: الزموا فطرة الله عائدين إليه مقبلين عليه بالتوبة النصوح التي تطهِّر قلوبكم، وتزكى نفوسكم. أو مرتبط بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أي: فأقيموا وجوهكم، واستمروا على الدين الذي شرعه الله لكم منيبين إليه، وإنما جمع مع أن الخطاب في: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ لمفرد وهو النبي؛ لأن خطابه خطاب لأمته، وقال الفراءُ: فأقم وجهك ومن اتبعك منيبين فهو كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (١)، ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: خافوه وامتثلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه، وأدوا الصلاة بشروطها وفي أوقاتها ولا تكونوا من المشركين، بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا تريدون بها سواه؛ لأنها لا تنفع إلاَّ مع الإخلاص له وحده - سبحانه -.
٣٢ - ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾:
أي: ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم (٢)، وتفريقهم لدينهم: اختلافهم فيما يعبدونه وفق اختلاف أهوائهم.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: أي فِرقًا، كل فرقة تشايع إمامها الذي مهَّد لها دينها ووضع أُصوله، فأَصبحوا بذلك نِحَلًا وأديانًا مختلفة، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس، وعبدة الأَوثان وسائر أهل الأديان الباطلة التي قبلنا، اختلفوا على أديان وملل باطلة.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: أي كل فريق منهم بما عندهم من الدين المعوج المؤسس على الباطل مسرورون، وبه معجبون، يظنون أنهم على الحق الذي جهلوه، وكان عليهم أن يبحثوا عنه ويتبعوه، فالجملة ذكرت تقريرًا لمضمون ما قبلها من تفريق دينهم وكونهم شيعًا.
стр. 3676
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: أي نالهم قليل من الضر، ويتعدى إلى ثان بالحرف.
﴿يُشْرِكُونَ﴾: أي يشركون به غيره في العبادة.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي ليجحدوا النعمة التي أُعطيت لهم، يقال: كفر النعمة، وكفر بها: جحدها وغطاها.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي انتفِعوا به كما شئتم، يقال: استمتعت بكذا، وتمتعت به: انتفعت.
﴿سُلْطَانًا﴾: أي؛ حجة وبرهانًا.
التفسير
٣٣ - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً … ﴾ الآية:
أي: وإذا مس الناس قحط وشدة وهزال ومرض وغيرُ ذلك أقبلوا على ربهم مستغيثين به راجعين إليه مقبلين عليه تاركين دعاء غيره من الأصنام وسواها، ذلك شأنهم في حال الاضطرار، ولكنهم في حال الرخاء وتوالي النعم عليهم والخلاص من تلك الشدة
стр. 3677
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾: أي فاجأ فريق بالإِشراك بربهم، الذي كانوا يدعونه منيبين إليه، وذلك بنسبة خلاصهم ممَّا كانوا فيه إلى غيره من صنم أو كوكب أو غيرهما من المخلوقات.
وتخصيص الإشراك ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير: (ضر ورحمة) للإشارة إلى أَنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويَطْغَوْن لأدنى نعمة.
٣٤ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أي: يشركون به غيره لكي يكفروا بما آتيناهم من النعم، أو اللام للأمر قصدًا إلى التهديد والوعيد، كما يقال عند الغضب: اعصني ما استطعت، وهو مناسب لقوله - سبحانه -: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: افعلوا ما شئتم فسوف يحيق بكم عاقبة تمتعكم ووباله.
والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في التهديد، ثم أنكر - سبحانه - على المشركين عبادة الأوثان بلا دليل ولا برهان فقال:
٣٥ - ﴿أمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾:
في هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة، للإيذان بالإعراض عنهم وتعديد جِنَاياتهم لغيرهم، أي: بل أنزَلْنَا عَلَيْهِم حجة لها سلطان يجعلهم يتكلمون بما كانوا به مشركين.
أو يراد: بل أأنزلنا عليهم مَلَكًا ذا سلطان فهو يتكلم وينطق بإشراكهم بالله - تعالى - ويبين صحته، أو ينطق بالذى يشركون بسببه، والمراد: نفي أن يكون لهم مستمسك يُعَوَّل عليه في شركهم، إذ الاستفهام للإنكار.
стр. 3678
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بلاء وعقوبة.
﴿يَقْنَطُونَ﴾: أي يَيئسون من رحمة الله، وقنط من باب ضرب وتعب، وهو قانط وقنوط، ويُعَدَّى بالهمزة.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: أي ويضيق، يقال: قَدَرَ الله الرزق، يقدِره - بكسر الدال - ويَقْدُره - بضمها - ضيَّقه، والكسر أفصح، وبه قرأ السبعة.
التفسير
٣٦ - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ … ﴾ الآية.
أي: وإذا أَذقنا الناس نعمة من مطر رسعة وصحة وأمن ودعة ونحوها فرحوا بتلك النعمة بطرا وأشرا لا حمدًا وشكرًا لمجريها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي بلاء وضيق بشؤم معاصيهم التي اقترفوها، فاجأُوا باليأْس من رحمة الله، وهذا شأن من لم يرسخ الإيمان في قلبه، وفي نسبة الرحمة إليه - تعالى - دون السيئة تعليم للعباد ألا يضاف الشر إليه - سبحانه -.
وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة، وبيان سبب إصابة السيئة: إشارة إلى أن الأول منَّة وتفضل منه - تعالى - والثاني قسط وعدل بسبب معاصيهم التي قدموها وباءُوا بإثمها.
стр. 3679
٣٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ … ﴾:
أي: ألم ينظروا، ولم يشاهدوا أن الله يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء، ويضيقه على من يشاءُ؟ وهذا باعتبار شخصين، أو شخص واحد في زمانيْن، فلا يحق لهم أن يدعوهم الفقر إلى القنوط من رحمته - سبحانه - فهو القابض الباسط، والمراد: إنكار بطرهم عند الفرح، وقنوطهم عند الشدة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي إن فيما تشاهدونه من البسط والتضييق لحجة بالغة لقوم يؤمنون بالله حق الإيمانن فيستدلون بها على القدرة والحكمة البالغة، وعلى أنه - سبحانه - يفعل ذلك بمحض مشيئته، وليس الغنى بفعل العبد وجهده، ولا الفقر بعجزه وتقاعده، ولا يعرف ذلك ويقدره حق قدره إلاَّ من آمن بأَن ذلك تقدير العزيز العليم، فكم أخفق الجادون، ونجح وتقدم المبطئون.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
المفردات:
﴿وَالْمِسْكِينَ﴾: هو الذي لا شيءَ له، أو له شيء لا يقوم بكفايته.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المحتاج إلى نَفَقَةِ سفره.
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي يقصدونه بمعروفهم خالصًا، أو يريدرن النظر إلى وجهه يوم القيامة وهو الغاية القصوى.
стр. 3680
التفسير
٣٨ - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ … ﴾ الآية:
وجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشرى: أنه لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما كسبت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، فقال - تعالى -: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ … ﴾ الآية، والخطاب للنبي، والمراد هو وأُمته، على أنه المقصود به أصالة، وأُمته تبعًا، وقال الحسن: هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون الخطاب لمن بسط له الرزق.
أي: فأَعط ذا القربى حقه من الصدقة وسائر المبرات صلة للرحم. قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة، وقيل: إن الأمر بالإيتاء لذى القربى على وجه النَّدب، وقد فضل رسول الله ﷺ الصدقة على الأَقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أَعتقت وليدة: "أَما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" من القرطبي بتصرف.
وأعط المسكين وابن السبيل ما يستحقانه، قال ابن عباس: أي: أطعم السائل الطواف والضيف المنقطع به الطريق، والمشهور: أنه المنقطع عن ماله.
وعُبّر عن القريب به القربى في جميع المواضع، ولم يُعَبَّر عن المسكين بذي المسكنة؛ لأن القرابة ثابتة لا تتجدد، ولا يقال: ذو في الأغلب إلاَّ في الثابت، ألَا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأْي الصائب: فلان ذو رأى، وتكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك، والمسكنة لكونها تطرأ وتزول لم يُقل فيها ذلك.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي إن الإتيان المفهوم من الأمر خير في نفسه أو خير من كل عمل آخر، للذين يقصدونه بمعروفهم خالصًا يأْملون به النظر إلى وجهه يوم القيامة، وهو الغاية العظيمة والرجاءُ المأْمول.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: حيث حصلوا بإِنْفاق مالهم النعيم المقيم، لا الذين بخلوا بما أُوتوا ولم ينفقوا شيئًا.