﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾
المفردات:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: أي نالهم قليل من الضر، ويتعدى إلى ثان بالحرف.
﴿يُشْرِكُونَ﴾: أي يشركون به غيره في العبادة.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي ليجحدوا النعمة التي أُعطيت لهم، يقال: كفر النعمة، وكفر بها: جحدها وغطاها.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي انتفِعوا به كما شئتم، يقال: استمتعت بكذا، وتمتعت به: انتفعت.
﴿سُلْطَانًا﴾: أي؛ حجة وبرهانًا.
التفسير
٣٣ - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً … ﴾ الآية:
أي: وإذا مس الناس قحط وشدة وهزال ومرض وغيرُ ذلك أقبلوا على ربهم مستغيثين به راجعين إليه مقبلين عليه تاركين دعاء غيره من الأصنام وسواها، ذلك شأنهم في حال الاضطرار، ولكنهم في حال الرخاء وتوالي النعم عليهم والخلاص من تلك الشدة
стр. 3677
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾: أي فاجأ فريق بالإِشراك بربهم، الذي كانوا يدعونه منيبين إليه، وذلك بنسبة خلاصهم ممَّا كانوا فيه إلى غيره من صنم أو كوكب أو غيرهما من المخلوقات.
وتخصيص الإشراك ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير: (ضر ورحمة) للإشارة إلى أَنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويَطْغَوْن لأدنى نعمة.
٣٤ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
أي: يشركون به غيره لكي يكفروا بما آتيناهم من النعم، أو اللام للأمر قصدًا إلى التهديد والوعيد، كما يقال عند الغضب: اعصني ما استطعت، وهو مناسب لقوله - سبحانه -: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: افعلوا ما شئتم فسوف يحيق بكم عاقبة تمتعكم ووباله.
والالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في التهديد، ثم أنكر - سبحانه - على المشركين عبادة الأوثان بلا دليل ولا برهان فقال:
٣٥ - ﴿أمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾:
في هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة، للإيذان بالإعراض عنهم وتعديد جِنَاياتهم لغيرهم، أي: بل أنزَلْنَا عَلَيْهِم حجة لها سلطان يجعلهم يتكلمون بما كانوا به مشركين.
أو يراد: بل أأنزلنا عليهم مَلَكًا ذا سلطان فهو يتكلم وينطق بإشراكهم بالله - تعالى - ويبين صحته، أو ينطق بالذى يشركون بسببه، والمراد: نفي أن يكون لهم مستمسك يُعَوَّل عليه في شركهم، إذ الاستفهام للإنكار.
стр. 3678
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾
المفردات:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بلاء وعقوبة.
﴿يَقْنَطُونَ﴾: أي يَيئسون من رحمة الله، وقنط من باب ضرب وتعب، وهو قانط وقنوط، ويُعَدَّى بالهمزة.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: أي ويضيق، يقال: قَدَرَ الله الرزق، يقدِره - بكسر الدال - ويَقْدُره - بضمها - ضيَّقه، والكسر أفصح، وبه قرأ السبعة.
التفسير
٣٦ - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ … ﴾ الآية.
أي: وإذا أَذقنا الناس نعمة من مطر رسعة وصحة وأمن ودعة ونحوها فرحوا بتلك النعمة بطرا وأشرا لا حمدًا وشكرًا لمجريها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي بلاء وضيق بشؤم معاصيهم التي اقترفوها، فاجأُوا باليأْس من رحمة الله، وهذا شأن من لم يرسخ الإيمان في قلبه، وفي نسبة الرحمة إليه - تعالى - دون السيئة تعليم للعباد ألا يضاف الشر إليه - سبحانه -.
وعدم بيان سبب إذاقة الرحمة، وبيان سبب إصابة السيئة: إشارة إلى أن الأول منَّة وتفضل منه - تعالى - والثاني قسط وعدل بسبب معاصيهم التي قدموها وباءُوا بإثمها.
стр. 3679
٣٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ … ﴾:
أي: ألم ينظروا، ولم يشاهدوا أن الله يوسع الخير في الدنيا لمن يشاء، ويضيقه على من يشاءُ؟ وهذا باعتبار شخصين، أو شخص واحد في زمانيْن، فلا يحق لهم أن يدعوهم الفقر إلى القنوط من رحمته - سبحانه - فهو القابض الباسط، والمراد: إنكار بطرهم عند الفرح، وقنوطهم عند الشدة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي إن فيما تشاهدونه من البسط والتضييق لحجة بالغة لقوم يؤمنون بالله حق الإيمانن فيستدلون بها على القدرة والحكمة البالغة، وعلى أنه - سبحانه - يفعل ذلك بمحض مشيئته، وليس الغنى بفعل العبد وجهده، ولا الفقر بعجزه وتقاعده، ولا يعرف ذلك ويقدره حق قدره إلاَّ من آمن بأَن ذلك تقدير العزيز العليم، فكم أخفق الجادون، ونجح وتقدم المبطئون.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
المفردات:
﴿وَالْمِسْكِينَ﴾: هو الذي لا شيءَ له، أو له شيء لا يقوم بكفايته.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المحتاج إلى نَفَقَةِ سفره.
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي يقصدونه بمعروفهم خالصًا، أو يريدرن النظر إلى وجهه يوم القيامة وهو الغاية القصوى.
стр. 3680
التفسير
٣٨ - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ … ﴾ الآية:
وجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشرى: أنه لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما كسبت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، فقال - تعالى -: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ … ﴾ الآية، والخطاب للنبي، والمراد هو وأُمته، على أنه المقصود به أصالة، وأُمته تبعًا، وقال الحسن: هو خطاب لكل سامع، وجوز غير واحد أن يكون الخطاب لمن بسط له الرزق.
أي: فأَعط ذا القربى حقه من الصدقة وسائر المبرات صلة للرحم. قال مجاهد وقتادة: صلة الرحم فرض من الله حتى قال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة، وقيل: إن الأمر بالإيتاء لذى القربى على وجه النَّدب، وقد فضل رسول الله ﷺ الصدقة على الأَقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أَعتقت وليدة: "أَما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" من القرطبي بتصرف.
وأعط المسكين وابن السبيل ما يستحقانه، قال ابن عباس: أي: أطعم السائل الطواف والضيف المنقطع به الطريق، والمشهور: أنه المنقطع عن ماله.
وعُبّر عن القريب به القربى في جميع المواضع، ولم يُعَبَّر عن المسكين بذي المسكنة؛ لأن القرابة ثابتة لا تتجدد، ولا يقال: ذو في الأغلب إلاَّ في الثابت، ألَا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأْي الصائب: فلان ذو رأى، وتكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك، والمسكنة لكونها تطرأ وتزول لم يُقل فيها ذلك.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي إن الإتيان المفهوم من الأمر خير في نفسه أو خير من كل عمل آخر، للذين يقصدونه بمعروفهم خالصًا يأْملون به النظر إلى وجهه يوم القيامة، وهو الغاية العظيمة والرجاءُ المأْمول.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: حيث حصلوا بإِنْفاق مالهم النعيم المقيم، لا الذين بخلوا بما أُوتوا ولم ينفقوا شيئًا.
стр. 3681
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
المفردات:
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾: الربا؛ الفضل والزيادة، وبابه: نَصَرَ.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾: أي صدقة تطوع؛ لأن السورة مكية، والزكاة فرضت في المدينة.
التفسير
٣٩ - ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوعِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾:
عن الضحاك في هذه الآية: هو الربا الحلال الذي يهدى ليثاب ما هو أفضل منه، لا له ولا عليه، ليس له فيه أجر وليس عليه فيه إثم. وعن ابن عباس أنه أُريد به هدية الرجل الشيء يرجو أن يثاب أفضل منه، فذلك الربا الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر صاحبه، ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية، وبهذا قال عكرمة.
والمعنى: وما أعطيتم من ربا - فيما تهدونه لسواكم ليزيد ويزكو في أموال الناس الذين أعطيتموهم إياه بأن يحصل لكم أكثر منه فلا يزيد عند الله، ولا تثابون عليه لأنكم لم تريدوا
стр. 3682
به وجهه - تعالى - ولكن لا إثم فيه، فما يأخذه المعطى من الزيادة على ما أعطاه ليس بحرام ودافعه ليس - بآثم (فهو مباح (١) وإن كان لا ثواب فيه) كما قال ابن كثير.
وقرئ: ﴿أَتَيْتُمْ﴾ بدون مدّ، أي: وما جئتم من عطاء ربا، أو فعلتم، وتسمية الهدية المذكورة ربا لأنها سبب للزيادة، وقيل: إن الآية نزلت في الزيادة التي حرمها الشارع. قال السدي: إن الآية نزلت في ربا ثقيف؛ لأنهم كانوا يعملون بالربا، وتعمل به فيهم قريش.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي وما أعطيتم من صدقة تطوع تبتغون بتلك الصدقة وجهه - تعالى - خالصًا فلا تطلبوا عليها مكافأة، ولا يدفَعكم إليها رياء ولا سمعة.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: هم الذين ضاعفوا ثوابهم وجزاءَهم عند الله ببركة الصدقة إلى عشر أمثالها أو أكثر، كما قال - تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢)، وكما في الصحيح: "وما تصدق أحد بعدْل تمرة من كسب طيب إلاَّ أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربِّي أحدكم فُلُوَّه (٣) أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أُحد"، وقوله - سبحانه -:
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾: التفات حسن من الخطاب إلى الغيبة لإفادة التعميم، فكأنه قال: من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين.
وأتى بالجملة اسمية مصدرة باسم الإشارة مع ضمير الفصل لقصد المبالغة.
٤٠ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
أثبت الله - سبحانه - في هذه الآية لوازم الأُلوهية وخواصها لذاته، وهي الخلق، والرزق والإماتة والإحياء، ثم نفى هذه اللوازم عمَّا اتخذوهم شركاء له - تعالى - بقوله:
стр. 3683
﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي لا يقدر أحد من شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله على فعل شيء من خواص الأُلوهية، لأَنه - جل وعلا - هو المختص بها، وقد سئلوا فلم يجيبوا عجزًا.
ويفهم من ذلك عدم صحة الشركة إذ لا تقبل ولا تعقل شركة ما ليس بإله لمن هو إله لتجرده من لوازم الأُلوهية التي انفردت بها الذات العلية.
ولتأكيد تنزهه عن الشركاء قال - تعالى -: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي تقدس وتنزه - جل وعلا - عن أن يكون له شريك أو مثيل أو ولد أو والد، وإنما هو الأَحد الفرد الصمد، وإطلاق لفظ (الشركاء) على آلهتهم الباطلة لأنهم كانوا يسمونهم الآلهة والشركاء، ويقدمون القرابين لها.
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾
المفردات:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: الفساد؛ ضد الصلاح، والمراد به: الجدب والقحط وكثرة المضار.
﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾: أي؛ بما تحملت من الإثم، يقال: كسب الإثم، واكتسبه: تَحَمَّله.
﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾: عاقبة كل شيء: آخره ونهايته.
стр. 3684
التفسير
٤١ - ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
ظهر الفساد في البر والبحر بالجدب والقحط، والغلاء الشديد، وذهاب البركة، وكثرة المضار التي تلحق الناس والدواب، والنبات لانقطاع المطر أو قلته، وغير ذلك من كوارث البر والبحر، والبر والبحر هما المشهوران المعروفان في اللغة وعند الناس، وقال قتادة: البر: الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحاري، والبحر: المدن، والعرب تسمى الأمصار بحارًا لسعتها، وعن مجاهد: البر: البلاد البعيدة من البحر، والبحر: السواحل والمدن التي عند البحر. وظهور الفساد في البر والبحر بسبب شؤم ما فعله الناس من المعاصي والذنوب.
وقد ابتلاهم - سبحانه - بالفساد في البر والبحر: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أَن يعاقبهم بجميعها في الآخرة لكي يرجعوا عَمَّا هم فيه من المعاصي بالتوبة والإقلاع عن الذنب، كما قال - تعالى -: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١).
والآية تشير إلى حكم عام في كل فساد يظهر إلى يوم القيامة.
٤٢ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾:
هذا القول الكريم مسوق لتأكيد تسبب المعاصي في غضب الله ونكاله، أي: قل لهم - أيها الرسول -: سِيرُوا فِي الأَرضِ لِتَنظُرُوا كَيْفَ أهلك الله الأمم السابقة، وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم، ففي ذلك عظة وعبرة لردع العصاة ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾: مسوق للدلالة على أن كثرة الشرك شؤم على غير المشركين؛ لأنه تهويل لأمر الشرك وتقبيح وأنه فتنة لا تصيب الذين ظلموا خاصة.
стр. 3685
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾
المفردات:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: الوجه معروف، أو هو مجاز عن الذات، وإقامته: توجيهه، والدين القيم: الدين المستقيم وهو الإِسلام.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ﴾: لا يرده الله عنهم، وهو يوم القيامة.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون. من: التصدُّع، وهو التفرق، وأصله: يتصدعون فقلبت تاؤه صادًا وأُدغمت في الصاد.
﴿يَمْهَدُونَ﴾: أي يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة، كما يوطيء الرجل لنفسه فراشًا ليستريح مضجعه والمهد، والمهاد: الفراش الممهد.
التفسير
٤٣ - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾:
أي: فاتجه بذاتك قلبًا وروحًا وجسدًا نحو الدين الكامل الاستقامة وهو الإسلام، من قبل أن يأْتي يوم لا مرد له من الله بعد أن يجيء به، وإذا لم يرده - سبحانه لم يتهيأْ
стр. 3686
لأحد ردّه، وذلك هو يوم القيامة، ويوم إذ يجيءُ بتفرق الناس إلى فريق في الجنة، وفريق في السعير، وقيل: يتفرقون تفرُّق الأشخاص، على ما ورد في قوله - تعالى -: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ (١) ورجح هذا بأَنه المناسب، لأن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين لا يدرون ماذا يصنعون، ولا ما يصنع بهم.
٤٤ - ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾:
أي: كل من كفر فعليه وبال كفره بأن يصليه الله نار جهنم خالدًا فيها، لا يموت ولا يحيا، وكل من عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون ويُعدون مَنزلًا في الجنة يتخذونه مستقرًّا ومقامًا، شأْنهم في ذلك شأْن من يمهده لنفسه ويوطئه، لئلا يصيبه في مضجعه ما يؤذيه من نتوءٍ أو قضض (٢) ونحوهما، وجمع الضمير في قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ ويروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ قال: في القبر، والظاهر أن هذه التوطئة لما بعد الموت في القبر وغيره.
وتقديم الجار والمجرور في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلاَّ على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه.
٤٥ - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾:
متعلق بيمهدون علة له، أي: يمهدون لأنفسهم منزلًا وموئلا في الجنة، لأن الله يجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما قدموا مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله، إنه لا يحب الكافرين لكفرهم، فلذا أبعدهم عن رحمته وعاقبهم، وتفضل بحسن الجزاء على المؤمنين الصالحين.
стр. 3687
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾
المفردات:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: أي ومن دلائل قدرته.
﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾: بالمطر لأنها تتقدمه.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: وهي نزول المطر وحصول الخصب.
﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾: أي ولتسير السفن في البحر عند هبوبها بأمره.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي ولتشكروا نعم الله عليكم.
التفسير
٤٦ - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
أي: ومن آيات الله الدالة على عظيم ما تفضل به على خلقه: إرسال الرياح لتبشركم بالمطر لأنها تسبقه وتدل عليه، وليذيقكم من فيض رحمته التي تتمثل في المطر وحصول الخصب وسائر منافع الرياح، ولتكون سببًا في إجراء السفن في البحر عند هبوبها بأمره - سبحانه - وتقديره، وقد ذكر في التنزيل جريان الفلك ﴿بِأَمْرِهِ﴾ - تعالى - لأن الريح قد تهب ولا تكون مواتية لجريانها، فلابد من انضمام أمره - تعالى - للريح حتى تأتي بالمطلوب، وإلا تعين إرساء السفن، والاحتيال في حبسها.
فبتسيير السفن في البحر بأمره - سبحانه - يحصل لكم ما تبتغونه من فضله بنقل التجارة فيه، والانتفاع بخيراته.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي ولتشكروا نعمة الله عليكم فيما ذكر من هذه النعم الجليلة.
стр. 3688
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾
المفردات:
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي المعجزات، والحجج البينات.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أي فعاقبنا الذين كفروا بإهلاكهم في الدنيا. يقال: نَقَمت منه، من باب: ضرب، وانتقمت منه: عاقبته، وجَرَمَ وأجرم: اكتسب الإثم.
التفسير
٤٧ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
هذه الآية متوسطة بين ما سبق وما لحق من أحوال الرياح وأحكامها؛ لتسلية الرسول ﷺ بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له، والوعيد لأعدائه، وفي ذلك تحذير عن الإخلال بمواجب الشكر المطلوب بقوله - تعالى -: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ حتى لا يحل بهم ما حل بأُولئك الأمم من الانتقام.
والمعنى: ولقد أرسلنا قبل مبعثك رسلًا إلى أقوامهم، كما أرسلناك إلى قومك، فجاءَ كل رسول بما يخصُّه من المعجزات والحجج البينات، كما جئت قومك ببيناتك، فآمن بعض وكذب بعض، فانتقمنا ممن كفر بالإهلاك في الدنيا بسبب إجرامهم الذي أوصلهم إلى التكذيب والكفر، وكان نصر المؤمنين حقًّا علينا بإنجائهم مع الرسل وهو حق أوجبه - سبحانه - على نفسه تكرمًا وتفضلًا، كقوله - تعالى -: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
стр. 3689
الرَّحْمَةَ﴾ (١)، وروى من حديث أبي الدرداء قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما من مسلم يَذُبُّ عن عرض أخيه إلاَّ كان حقًّا على الله - تعالى - أن يَرُدَّ عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ذكره النحاس والثعلبي والزمخشري وغيرهم.
وفي الآية مزيد تشريف وتكريم للمؤمنين، حيث جعلوا مستحقين على الله - تعالى - أن ينصرهم، وفيها إشعار بأن الانتقام من المجرمين لأجلهم.
وظاهر الآية أن النصر لهم في الدنيا، وفي بعض الآيات - كما يقول الآلوسي - ما يشعر بعدم اختصاصه بها.
قال ابن عطية: وقف بعض القراء على (حَقًّا)، والمعنى: وكان الانتقام من المجرمين حقًّا، وتكون جملة: ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مستأْنفة لبيان ما تميز به المؤمنون، وأنه - سبحانه - لا يخلف الميعاد.
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾
стр. 3690
المفردات:
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: أي تنشره.
﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: قطعًا، جمع كِسْفَة، كَحِكَم: جمع حِكْمَة، وقريء: كِسْفا بسكون السين.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي المطر.
﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: من وسطه.
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾: أي لساكتين متحيرين من شدة الحزن آيسين من النجاة.
﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾: يراد برحمة الله: المطر.
التفسير
٤٨ - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ … ﴾ الآية.
مسوق لبيان ما أُجمل فيما سبق من أحوال الرياح، أي: أنه - سبحانه - يرسلها، فتنشر السحاب، وتدفعه بقوة، وينميه الله ويجعل من القليل كثيرا حتى يملأ أرجاء الأُفق، ينشره - سبحانه - وفق مشيئته هنا وهناك، سائرًا أو واقفًا، مُطْبقًا من جانب وغير مطبق من جانب آخر، أو مطبقا إطباقًا تامًّا، ويجعله تارة أخرى قطعًا متفرقة غير منبسطة، فترى المطر يخرج من وسط السحاب، في حالتي البسط والتقطُّع، فإذا أنزله الله على بلاد من يشاء من عباده وأراضيهم استبشروا فجأة بمجيء الخصب لحاجتهم إليه، وترقبهم له، وكان شأنهم قبل تنزيله ما حكاه الله بقوله:
٤٩ - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾:
أي: وإن كان هؤلاء قبل أن يصيبهم المطر قَنِطِينَ مكتئبين، قد ظهر الحزن عليهم ظهورًا بالغًا لاحتباس المطر عنهم.
وكرر لفظ: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ للتأْكيد، وأفاد التكرير - كما قال ابن عطية - سرعة تقلب البَشَر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله - سبحانه -: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ
стр. 3691
يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ يحتمل الفسحة في الزمان حتى يحصل التقلُّب من اليأس إلى الاستبشار فجأة ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ بعده مؤكِّدًا، للدلالة على الاتصال، ودفع ذلك الاحتمال. وقال الزمخشرى: أُكِّد ليدل على بُعْد عندهم بالمطر، فيفهم منه استحكام يأْسهم.
٥٠ - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
الخطاب لكل من يتأتى منه النظر، أي: فانظر نظر تفكير وتأمل إلى آثار رحمة الله المترتبة على إنزال المطر: من إحياء الأرض بعد موتها، وإنبات الزروع وأنواع الثمار، وفي الأمر بالنظر إلى إحياء الله - تعالى - للأرض إحياءً بديعًا بعد موتها، التنبيه إلى عظيم قدرته - تعالى - وسعة رحمته مع ما فيه من التمهيد لما يعقبه من أمر البعث.
يعني: أن ذلك القادر العظيم - الذي أحيا الأرض بعد موتها هو الذي يحيي النَّاس بعد موتهم، فهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات؛ فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية، فهو استدلال بالشاهد على الغائب، ثم ختمت الآية بقوله - سبحانه -: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تقرير لمضمون ما قبله، أي: أنه بالغ القدرة على جميع الأشياء التي من جملتها إحياءُ الموتى؛ لأن نسبة قدرته إلى جميع المقدورات سواءٌ، وهذا من المقدورات بدليل الإنشاء والبدء.
стр. 3692
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾
المفردات:
﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: أي فرأوا الزرع الذي أصابته الريح قد اصفر وشرع في الفساد بعد خُضرة ونَضْرة.
﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾: أي ليظلُّن مستمرين على كفرهم، وفعله من باب: فَرِحَ.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: لأنهم قد أُصيبوا بالصمم، وهو ثقل السمع، والمفرد: أصم، وفعله من باب: فتح، فيقال: صَمَّ يصَم - بفتح العين فيهما - وصَمِمَ - بالكسر - نادر.
﴿إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: أي إذا أعرضوا عنك مولِّين، يقال: دَبَر: وَلَّى، كأَدبر: قاموس.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: أي لا تستطيع هداية من عميت بصائرهم، والعُمْى: من أصابهم العَمَى، وهو ذهاب البصر كله، والعَمَى أيضًا: ذهاب بصر القلب والمفرد أعمى، والفعل: كرضى: قاموس.
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أي خاضعون.
стр. 3693
التفسير
٥١ - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾:
أي: أُقسم لئن أرسلنا ريحًا يابسة - حارة أو باردة - على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب، واستوى على سوقه فضربته الريح بالصفار، فرأوه قد اصفر بعد خضرته ونضارته وشرع في الفساد، ليظلُّن (١) من بعد اصفرار الزرع يجحدون ما تقدم من النعم التي أنعم الله بها عليهم، ويصرون على كفرهم بالله.
وفي هذا ما يشير إلى ذمهم بعدم تثبتهم وسرعة تزلزلهم بين طرفي الإفراط والتفريط حيث إنهم إذا حبس عنهم المطر قنطوا من رحمة الله، وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته، ورزقهم المطر، أفرطوا في الاستبشار، فإذا أرسل عليهم ريحًا عظيمة فضربت زرعهم بالصفار ضجوا وكفروا بنعمة الله، فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة، وكان عليهم أن يتوكلوا على الله في كل حال، وأن يشكروا نعمته عليهم بالطاعة، ويحمدوه عليها، ولا يفرطوا في الاستبشار إذا أصابهم برحمته، وأن يصبروا على بلائه إذا احتبس عنهم المطر، أو اعتراهم ما يسوءهم، ولكنهم عكسوا الأمر، فأَبوا ما يجديهم، وأتوا بما يؤذيهم بكفرهم.
٥٢ - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾:
تعليل لما يفهم من الكلام السابق كأنه قيل: لا تحزن عليهم لإعراضهم، وعدم استجابتهم لك، فكما أنك ليس في قدرتك أن تُسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامك الذين فَقدوا القدرة على السمع، وهم مع ذلك مدبرون عنك؛ إذْ لو أقبلوا عليك لربما فطنوا الشيء من كلامك بما يرونه منك من رمز وإشارة، فبصممهم وإدبارهم فقدوا كل وسيلة للفهم والإدراك للانتفاع بمواعظك، فكانوا كالموتى في عدم السماع.
стр. 3694
٥٣ - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾:
في هذه الآية تسلية للرسول ﷺ أي: إن هداية هؤلاء الذين عميت بصائرهم، وماتت قلوبهم ليست لك يا محمَّد، بل هي إلى الله - تعالى - فإنه - سبحانه - بقدرته يهدى من يشاءُ ويضل من يشاءُ، وليس ذلك لأَحد سواه، فلا يَسُوْك إعراضهم عنك، ولا تذهبْ نفسك عليهم حسرات؛ لأنك لا تسمع مواعظ الله إلاَّ المؤمنين الذين استمعوا إلى أدلة التوحيد، مع استعدادهم للهداية التي خُلقت أسبابها فيهم، فهؤلاء المؤمنون خاضعون مستجيبون منقادون لأوامر الله - سبحانه.
خاتمة:
قال الآلوسي: نُقل عن العلامة ابن الهمام أَنه قال: أكثر مشايخنا على أن الميت لا يسمع، استدلالًا بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ونحوها من قوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١) ولذا لم يقولوا بتلقين القبر، وحكى السفاريني في البحور الزاخرة: أن عائشة ذهبت إلى نفي سماع الموتى، ووافقتها طائفة من العلماء على ذلك، ورجَّحه القاضي أبو يعلى من أكابر أصحابنا في كتابه الجامع الكبير، وذهبت طوائف من أهل العلم إلى سماعهم في الجملة، وقال ابن عبد البر: إن الأكثرين على ذلك وهو اختيار ابن جرير الطبري، وكذا ذكره ابن قتيبة وغيره، واحتجوا بما في الصحيحين عن أنس عن أبي طلحة ﵄ قال: لما كان يوم بدر وظهر عليهم - يعني: مشركي مكة - رسول الله ﷺ أمر ببضعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فأُلقوا في طَوِيٍّ، أي: بئر من أطواء بدر، وأن رسول الله ﷺ ناداهم، يا أبا جهل بن هشام، يا أُمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؛ فإني قد وجدت ما وعد ربي حقًّا. فقال عمر ﵁: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا روح لها؟
стр. 3695
فقال: "والذي نفس محمَّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" زاد في رواية لمسلم عن أنس: "ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" إلى غير ذلك من الأدلة.
وأجابوا عن الآية: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ التي احتج بها أصحاب الرأي الأول". فقال السهيلي: إنها كقوله - تعالى -: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: إن الله - تعالى - هو الذي يسمع ويهدي، وقال بعض الأجلة: لا تسمعهم إلاَّ أن يشاء الله - تعالى - أو لا تسمعهم سماعًا ينفعهم وقد ينفى الشيءُ لانتفاء فائدته، وثمرته. انتهى ما ذكره الآلوسي بتصرف، ومن أراد المزيد فليرجع إليه عقب تفسير الآية (٥٣) من سورة الروم، والله الموفق.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾
المفردات:
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾: ابتدأكم ضعفاء، وقيل: خلقكم من أصْل ضعيف، وهو النُّطفة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾: حين بلوغكم الحلم والشبيبة فتلك حال القوة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: ثم ردَّكم إلى أصل حالكم من الضعف بالشيخوخة والهرم.
التفسير
٥٤ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾:
стр. 3696
نبه الله في الآيات السابقة إلى بعض دلائل قوته ومظاهر قدرته وعظمته ونعمته، وفي هذه الآية يشير إلى دليل آخر في نفس العبد على قدرته - تعالى - ليتدبره كما قال - تعالى -: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١).
وهذا الدليل هو تَنَقُّل الإنسان في أطوار مختلفة، من طور الضعف حين خلقه من النطفة بتحويلها وتطويرها، وإخراجه من بطن أمه ضعيفًا واهن القوى، ثم إمداده بالقوّة بعد الضعف، حيث يشتد قليلًا قليلًا حتى يصير شابًا قويّ البنيان، ثم يتحول إلى طور الضعف بعد القوة فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمَّة، وتتغيَّر الصفات الظاهرة والباطنة.
يفعل الله ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد، ومن جملة هذا ما ذكر من التَّقَلُّب بين الضَّعف والقوَّة، والشَّيبة، وهو العلم بتدبير خلقه القدير على إيجاد ما يريد.
وهذا التَّرديد في الأحوال المختلفة والتغيبر من هيئة إلى هيئة وصفة إلى صفة أظهر دليل وأعدل شاهد على الصانع القدير، العلم، الحكيم.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾
стр. 3697
المفردات:
﴿السَّاعَةُ﴾: القيامة، صارت علمًا لها بالغلبة، كالنَّجم للثريا.
﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: قطعة من الزمان قليلة.
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (١) أي: مثل ذلك الصرف كانت تصرفهم الشياطين عن الحق إلى الباطل في الدنيا.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللَّوح المحفوظ، أو في علم الله وقضائه.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٢): ولا هم يُطْلَبُ منهم إزالة عَتْب الله، أي: غضبه عليهم - وإزالته - بالتوبة والطاعة، من قولهم: استعتبني فلان فأَعتبته، أي: استرضاني فأَرضيته وتركت عتبى.
التفسير
٥٥ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾:
يخبر الله - تعالى - عن جهل الكفار في الدُّنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون فيهم جهل عظيم أيضًا.
فمنه: حلفهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في الدنيا، ومقصدهم بذلك عدم قيام الحجَّة عليهم، وأنهم لم يُنْظَروا حتى يصلحوا أمرهم، أو عَدُّوا مدة بقائهم في الدنيا ساعة لعدم انتفاعهم بها، والكثير الذي لا ينفع قليل، والكلام على هذا تَحَسُّر على إضاعتهم أيام حياتهم، ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾: أي مِثْل ذلك الصَّرف عن الحق إلى الباطل وعن الصِّدق إلى الكذب كانت تصرفهم الشياطين في الدُّنيا، والغَرضُ من سوق الآية وصف المجرمين بالتمادى في الكذب والإصرار على الباطل، وهذا يناسب المعنى الأول.
стр. 3698
٥٦ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
فيردّ عليهم الذين آتاهم الله العلم من الملائكة والأنبياء والمؤمنين في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: لقد مكثتم في الدنيا فترة كافية للعمل الصالح، ولكنكم كفرتم، فسجلت أعمالكم في كتبه المسجلة لها إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث الذي أَنكرتموه، ولكنكم كنتم تجهلون أنه حق، فتستعجلون به استهزاءً، وفي الآية دليل على فضل العلماء وعظيم قدرهم.
٥٧ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾:
أي: فيوم إذْ يقع ما تقدم من خيف الكفار وقَوْلِ أُولي العلم لهم، وذلك يوم يقوم الناس لرب العالمين - فيومئذ - لا ينفع الَّذِين كفروا اعتذارهم عمَّا فعلوه من إنكارهم للبعث وتكذيبهم للرُّسل، ولا يُقَال لهم: أرْضُوا ربكم بتوبة وطاعة، كما كان يقال لهم ذلك في الدنيا؛ لفوات أوان العمل.
والآية الكريمة إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على الكفرة بأنهم لا ينفعهم ولا ينجيهم من النار الاعتذار ولا يمنحون الرضا، بسبب كفرهم ومعاصيهم.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾
стр. 3699
المفردات:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: ولقد بيّنا لهم في القرآن من كل صفة، كأنَّها في غرابتها مَثَلٌ، وَضَرْبُ المثل: ذكره وبيانه.
﴿مُبْطِلُونَ﴾: أصحاب أباطيل وَمُزوِّرون.
﴿يَطْبَعُ﴾: يختم.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾: ولا يحملنَّك على الخِفَّة والقلق.
﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾: لا يصدِّقون بالبعث، ولا يؤمنون بالله ورسوله إيمانًا حقًّا.
التفسير
٥٨ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾:
أي: ولقد بينا للناس في هذا القرآن الحقَّ ووضَّحناه وضربنا لهم فيه الأَمثال ليستبينوا الحق ويتَّبعوه، وقصصنا عليهم من كل صفة عجيبة الشأن كصفة الكفار للمبعوثين يوم القيامة، وما يقولون وما يُقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يُسْمَع من استعتابهم، ولئن أتيتهم بآية من الآيات، أو بمعجزة من المعجزات التي اقترحوها أو غيرها ليقولَنَّ الذين كفروا لك وللمؤمنين الذين اتَّبعوك: إن أنتم إلاَّ أصحاب أباطيل مُزَوِّرون، وذلك لشدَّة عُتُوِّهم وعنادهم وقساوة قلوبهم.
٥٩ - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
أي: مثل ذلك الختم يختم الله - تعالى - على قلوب الجهلة الذين لا يطلبون العلم، ولا يتحرّون الحق، بل يصرون على خرافات اعتقدوها، وتُرَّهات ابتدعوها، فإن الجهل يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المُحِق.
قال العلامة الزمخشري في الكشاف: ومعنى طبع الله، أي: منع الألطاف التي ينشرح لها الصدر حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها مَنْ عَلِم أنها لا تُجْدي عليه، ولا تُغْنِي عنه، فكأنَّه قال: كذلك تقسو وتصدأُ قلوب الجهلة حتى يُسَمُّوا المُحِقِّين مُبطلين وهم أعْرَقُ خلق الله في تلك الصِّفة. اهـ: باختصار ج ٣ ص ٢٠٩.
стр. 3700
٦٠ - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾:
أي: إذا علمت حالهم، وطبع الله - تعالى - على قلوبهم فاصبر على مكارههم من الأقوال الباطلة والأفعال السَّيئة، إن وعد الله حق، وقد وعدك بالنَّصر وإظهار الدين وإعلاء كلمة الحق، ولا بدَّ من إنجازه والوفاء به، لأَن وعْدَه لا يتخلَّف ولا يحملنك على القلق وعدم الصبر الذين لا يؤمنون بدعوتك، بل كذَّبوا بها وآذوك بأباطيلهم وهم شاكُّون ضَالُّون لا يُسْتَبعدُ أمثال ذلك منهم.
وفي الآية من إرشاده - تعالى - لنبيِّه ﷺ وتعليمه - سبحانه - له كيف يتلقَّى المكاره بالصبر انتظارًا للفرج، ما لا يخفى.
стр. 3701
سورة لقمان
وآياتها أربع وثلاثون، نزلت بعد الصافات
وسبب نزولها: أنَّ قريشًا سألت الرسول عن قصَّة لقمان مع ابنه فنزلت.
مناسبتها لما قبلها: ذكر العلماء أوْجُهًا كثيرة لمناسبة. هذه السورة لما قبلها، ونقتصر على ما يلي:
ذكر في السُّورة السابقة - سورة الروم - قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وذكر هنا في سورة لقمان قوله - تعالى -: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وكلتاهما تفيد إمكان البعث وسهولته على الله - تعالى - كذلك جاء في السورة السابقة قوله : ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقال في هذه السورة: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ فذكر - سبحانه - في كل من الآيتين قسمًا لم يذكره في الأُخرى، ففي الأُولى ذكر الفريق المشرك، وفي الثانية ذكر الفريق المؤمن، وبيَّن في الآيتين طبيعة الناس وما جبلوا عليه، إذا مسَّهم مكروه دعَوْا ربهم خاشعين مُخْبتين، فإذا نَجَّاهم من شدَّتهم نسى أكثرهم فضله، وجحدوا آلاءه، ورجعوا إلى شركهم، وبقي قليل منهم.
كذلك ذكر في السورة الأولى هزيمة الروم ثم غلبتهم بعد قتال مرير بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا تَحَارَبَا عليها وخرجا بذلك عن مقتضى الحكمة، وذكر في سورة لقمان قصَّة عبدٍ حكيم زاهد في الدنيا غير مكترث بها ولا مُلتفت إليها، أوْصَى ابنه بما يأْبى القتال، ويقتضي الصبر والمسالمة، وبَيْن الأمرين مِنَ التقابل ما لا يخفى.
مقاصد السورة
صُدّرت السُّورة الكريمة بـ (الم) إفْحَامًا للكافرين الذين تحدَّاهم القرآن أن يأْتوا بمثله مع أنه مُؤَلَّف من كلمات ذات حروف كالتي ينطقون بها في لغتهم، وتنبيهًا للآذان لتستعدَّ لسماع وقبول ما يُتْلى عليها من الهَدْي الرَّبَّاني، ثم أشارت إلى القرآن الحكيم باسم
стр. 3702
الإشارة الذي يدلّ على البعد للفت النَّظر إلى علوّ منزلته، وذكرت أخلاق المحسنين التي تمكنُوا بها من الهدى والفلاح دون غيرهم، وعقبت ذلك بذكر نوعين من الناس: ضالٍّ مُضِلّ يُعْرض عن الإيمان حينما يُعْرض عليه، ومؤْمن صالح، وبينت جزاء كل، ثم أخذت السُّورة تلفت الأنظار إلى بعض مظاهر قدرته ودلائل نعمته، وذكرت تحدِّيَ الرسول للمشركين في قوة وصلابة بأن هذه المظاهر وتلك الدلائل مخلوقة لله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه من الشُّركاء الذين عبدتموهم، ولن يجدوا جوابًا لأن الظالمين بشركهم في ضلال مبين.
ثم ذكرت وصايا لقمان لابنه وما اشتملت عليه من أخلاق ونَهْيٍ عن الشرك وأمْر ببرّ الوالدين.
ثم عرضت لما خلقه الله للإنسان وأكرمه به من نعم ظاهرة وباطنة، وتحدَّثت عمن يجادل في الله بغير علم وإذا دعى إلي الإيمان واتِّباع ما أنزل الله اعتذر باتباع الآباء وتقليدهم فيما كانوا عليه، مع أنه ضلال يؤدى بهم إلى عذاب النار، ورفعت السُّورة من قدر من يَتَّجه إلى الله بوجهه، ويفوّض إليه جميع أمره، فقد تعلق بأقوى الأسباب التي توصله إلى رضا الله، وأوصت الرسول بألاَّ يهتمّ بكُفْر من كفَر، فسيرجع إلى الله ويذوق وبال أمره، ثم ذكرت الآيات أن المشركين إذا سُئِلوا عمن خلق السموات والأرض يقولون: هو الله، وهم بإقرارهم هذا لا يعلمون أنهم قد أقاموا الحجة على أنفسهم بفساد عقيدتهم.
ثم صوّرت السُّورة مدى عظمة الله، وعلمه، وكلامه، بأنه لو صار كلُّ أشجار الأرض أقلامًا، ومياه البحار الكثيرة مِدَادًا تُكْتَب به كلمات الله لفنيت الأقلامُ وَنَفِذَ المداد، وما نفدت كلمات الله، ومدى قدرته بأن خَلْقَهم وبَعْثَهم كَخَلْق وبعْث نفس واحدة، ومدى قدرته وفضله بأنه يُولِج الليل في النهار، ويُولِج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌّ يجرى أجل مسمَّى، وأن الفلك تجرى في البحر بنعمته ليُريكم من آياته، وأن الناس يلتجئون إليه في المُلمات.
стр. 3703
وأمَرَتْ السورة بتقوى الله والخشية من يوم الحساب، حيث يُجازى الناس على أعمالهم وحذرت النَّاس من أن يُفتنُوا بمباهج الدنيا أو يُخدعوا بوسوسة الشيطان، وخُتمت السُّورة ببيان مفاتح الغيب وما استأْثَرَ الله بعلمه.
ومِمَّا تقدم يتضح أن أهم ما تناوَلَتْه السُّورة من أغراض ما يلي:
(١) إثبات عقيدة التوحيد التي من أجلها أرسل الله جميع الرسل، وقد اشتملت السورة على مجموعة من الآيات الكونية التي تدلُّ على أن مَنْ خلَقَ هذا الكون قويٌّ قاهر، وعظيم قادر، ومُنْعِم متفضِّل جدير بأَن يُعْبَد، وأن الشرك أعظم الظلم.
(٢) الحث على مكارم الأخلاق التي جاءت في وصية لقمان لابنه من إقامته الصلاة، وإيتاء الزَّكاة، والأمر بالمعررف والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والصبر، والتواضع، وهذه هي صفات المجتمع الفاضل.
(٣) إعمال العقل والتفكير في ملكوت السموات والأرض.
(٤) ذم التقليد لأنه إنكار للعقل وتعطيل له.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
المفردات:
﴿الْحَكِيمِ﴾: ذي الحكمة، أو الحكيم قائلهُ.
﴿هُدًى﴾: دلالة مُوصلة الي المقصود، وهو مصدر هَدَيْتُ فلانا الطريق: إذا دللته عليه.
стр. 3704
﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ معنى إقامتها: تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وآدابها، من أقام العود: إذا قومه.
﴿يُوقِنُونَ﴾: يؤمنون أقوى الإيمان.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أي أولئك المؤمنون المحسنون في أعمالهم مُتَمَكِّنُون من الهدى الذي جاءهم من ربهم.
التفسير
١ - ﴿الم﴾: الله أعلم بمراده، وقيل: ابتدأ الله بعض السور بمثل هذه الحروف، ليشير إلى أن القرآن مؤَلف من كلمات ذات حروف من جنس ما يؤلف منه العرب كلامهم، وقد أعجز العرب عن أن يأتوا بمثله ومحمد مثلهم، فتلك حجة على أنه من عند الله، أو ليُنبه العقول والأَسماع ويشدَّها إلى الأسماع والإنصات لما يتلى.
٢ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾:
هذه الآيات العظيمة الرفيعة القدر والمنزلة آيات القرآن الكريم المكتوب، المشتمل على الحكمة والصواب والعلم النافع.
٣ - ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾:
هذه الآيات هداية كاملة، ورحمة شاملة للذين يعملون الحسنات التي ذكرها في الآية بعدها، أو الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص الله منهم ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لفضل اعتدادهم بها لما لها من أثر فعال في حياة الفرد والمجتمع.
٤ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾:
المُحسنون هم الذين يقيمون الصَّلاة، ومعنى إقامتها: تأديتها على الوجه الأكمل بالإتيان بها تامة دون نقص في فرائضها وآدابها، والدَّوام عليها، والمحافظة على أوقاتها، وجمع الهمة عند أدائها وعدم الفتور في أدائها، ويؤْتون الزَّكاة، أي: يُعطونها مُستحقيها،
стр. 3705
وهم الأصناف الذين ذكرهم الله في القرآن: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ الآية (١).
والزكاة هي العلاج الرباني الذي عَلَجَ به العليم الحكيم أمراضَ البشرية كلها، وحلَّ به مشكلة الفقر، وحقَّق به العدالة الاجتماعية التي أعجزت نُطُسَ الأطباء (٢)، وأكابر الحكماء، وقامت من أجلها مذاهب، ونشأَت فلسفات، وكلٌّ منها يضرب في أوْدِية الضلال ما دام بعيدا عن الهَدْي والعلاج الإلهي.
وهم بالحياة الآخرة يؤمنون أقوى الإيمان وأعظمه.
٥ - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أولئك المؤمنون المحسنون الموصوفون بما سبق من الصفات مُتمَكِّنون من الهدى الذي جاءهم منحة من ربهم، وأولئك هم الفائزون حقا دون سواهم، والاستعلاءُ في قوله - تعالى -: ﴿عَلَى هُدًى﴾ تمثيل لتمكُّنهم من الهدى واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، ومعنى ﴿هُدًى﴾: لُطْفٌ وتوفيقٌ استعانوا بهما على أعمال الخير والترقِّي إلى الأفضل فالأفضل، ونكَّر ﴿هُدًى﴾ لتفخيمه، أي: أنهم على هدى لا يبلَغ كُنهُهُ ولا يُدْركُ قدْرُه.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾
стр. 3706
المفردات:
﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: كل ما شغل عن عبادةِ الله وذكره من الغناء والأَضاحيك والخرافات وغيرها، وقد رُوي ذلك عن الحسن.
﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينه الموصل إليه، أو كتابه الهادي إليه.
﴿هُزُوًا﴾: مهزوءًا بها وسخرية منها.
﴿وَلَّى﴾: أعرض عنها غير مُعتد بها.
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾: مُبالغا في التكبر.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: مع أنه سامع.
﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: الوقر الصم كليا أو جزئيا، وهو مانع من السماع.
﴿فَبَشِّرْهُ﴾: أعلمه، وذكر البشار للتهكم.
التفسير
٦ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾:
لما ذكر الله - تعالى - حالَ السعداء وهم الّذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، ذكر عقبه حال الأَشقياء الذين أعرضوا عنه، ولم ينتفعوا بهديه، وأقبلوا على استماع الباطل وأحاديث اللهو والمجون وما لا خير فيه كالمزامير والغناء.
وفي أسباب النزول للواحدي، عن الكلبي ومُقَاتِل: أن النضر بن الحارث كان يخرج تاجرا إلى فارس فيشترى أخبار الأعاجم - وفي بعض الروايات: كتب الأعاجم - فيرويها ويُحَدِّث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا يحدِّثكم بحديث عاد وثمود وأنا أُحَدِّثكم بحديث رُستم وأخبار الأكاسرة، فيستحلون حديثه ويتركون استماع القرآن فنزلت.
والمعنى: ومن الناس من اهْتَدَى وهَدَى، ومنهم من ضل وأضل، فكان يشترى باطل الحديث وما لا خير فيه من الكلام، ويقصه على الناس وينشره بينهم، ويدعوهم إليه ويحسِّنه عندهم؛ ليصرفهم ويصدهم عن دين الله، أو عن الاستماع إلى كتابه الهادي
стр. 3707
إليه، بغير بصيرة حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق، جهلًا منه بما هو عليه من إثم وما يرتكبه من جُرْم، ويتخذ آيات الله ووحيه سخرية - الذين يفعلون ذلك - لهم عذاب مُهين ومذل لهم، لما اتَّصفوا به من إهانتهم الحق بإيثار الباطل عليه، ودعوة الناس إليه. وقول الله - تعالى -: ﴿يَشْتَرِي﴾ في الآية: إما من الشِّراء المعروف على ما رُوى عن النَّضر بن الحرث من شِرائه كتب الأعاجم، أو نحو قوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ (١): أي استبدلوا الكفر بالإيمان واختاروه عليه؛ وعن قتادة: اشتراؤُه: استحبابه، يختارون حديث الباطل على حديث الحق.
٧ - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
وإذا تُقْرأُ على هذا الضَّال آيات الله أعرض عنها غير مُعْتَدٍّ متكبِّرا مُبالغًا في التكبّر، وحاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع، كأَنَّ في أذنيه صَممًا وثُقْلا مانعا من السّماع فأَنذره - أيها الرسول - بأن العذاب المفرط في الإيلام لاحق به لا محالة يوم القيامة يؤلمه كما تألَّم بسماع كتاب الله وآياته، وتصَامم معرضا عنها وما به من صمم، وقوله - تعالى -: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ فيه رمز إلى أنَّ من سمعها لا يُتَصَوَّر فيه التَّوْلية والاستكبار لما فيها من الأمور المُوجبة للإقبال عليها والخضوع لها. وقوله - تعالى -: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أصل معنى الوقْر: الحمل الثقيل، استعير للصم، ثم غلب حتى صار حقيقة فيه.
حكم الغناء: أخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه: عن أبن عباس أنه قال: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: هو الغناء وأشباهه (٢) ولقد عرض المفسِّرون لحكم الغناء وأطالوا فيه الكلام وبخاصة العلامة الآلوسي، وإليك نبذه مختصرة في هذا الموضوع:
الغناء الذي يُحرك النفوس ويبعث على إثارة الشهوة لما فيه من شعر يُشَبَّب (٣) فيه بالنِّساء ويحث على الفجور بذكر الخمور والمحرمات، لا يُختلف في تحريمه، لأنه اللهو المذموم باتفاق. بل حكى بعضهم الإجماع علي حرمته في جميع الأديان.
стр. 3708
أخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وغيرهم، عن رسول الله ﷺ قال "لا تبيعوا القِيان ولا تشتروهنَّ ولا تُعلِّموهن، ولا خير في تجارة فيهنَّ، وثمنهنَّ حرام" في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ … ﴾ إلخ ذكر ذلك الآلوسي والكشاف.
أمّا من سَلِم من ذلك، ففي "الدر المختار": التغنِّي لنفسه لدفع الوحشة لا بأْس به عند العامة على ما في "العناية" وصحّحه العيْني وغيره، وإليه ذهب شمس الدين السّرخسي، قال: ولو كان فيه وعظ وحكمة فجائز اتفاقا، ومنهم من أجازه في العرس كما جاز ضرب الدُّفِّ فيه، ومنهم من أباحه مطلقا، ومنهم من كرهه مطلقا. انتهى كلام الدّر - ذكر ذلك الآلوسي، قال: الآلوسي: ومثل الاختلاف في الغناء الاختلاف في السَّماع، فأباحه قوم كما أباحوا الغناء واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن عائشة قالت: "دخل عَليَّ النبي ﷺ جاريتان تُغَنِّيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، وفي رواية لمسلم تسجَّى بثوبه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارةُ الشيطان عند النبي ﷺ ؟. فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "دعهما" فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد. والحق أنَّ الغناء الذي لا يُحرِّك الشَّهوة، ولا يحثُّ على الفجور وشرب الخمور، يجوز في المناسبات كالعيدين، كما ورد في حديث البخاري السابق عن عائشة، وكالعرس؛ لما ورد أن الرسول حينما علم بزواج فتاة قال: "هلا بعثتم معها من يقول: (١).
أتيناكم أتيناكم … فحيُّونا نُحَيِّيكم
فلولا الحبة السمرا … ء لم نحلل بواديكم"
стр. 3709
وعند التنشيط على القيام بالأعمال الشَّاقَّة كغناء وأناشيد أصحاب الحرف والصناعات، وكحداء الإبل للصبر على قطع المفاوز واجتياز الصحراء، كما يجوز سماع ذلك، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾
المفردات:
﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: أي جنات النَّعيم الكثير.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: أي هذا ثابت لا محالة؛ لأنه وعد الله، ووعده لا يتخلَّف.
﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يغلبه شيء.
﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لا يفعل إلا ما توجبه الحكمة، فهو يضع الشيء في موضعه.
التفسير
٨، ٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
في هاتين الآيتين بيان حال المؤمنين بآياته - تعالى - إثر بيان حال الكافرين بها، أي: إنَّ الذين آمنوا بالله وبآياته وعملوا الأعمال الطيبة الصالحة لهم جنَّات يتنعمون
стр. 3710
فيها بأنواع الترف، من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنِّساء وغير ذلك مما لا يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون لا يظعنون، ولا يَبْغُون عنها حِوَلا، بل يبقون فيها على وجه الخلود، وهذا حاصل لا محالة؛ لأنه وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، وهو العزيز الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولا يغلبه شيء فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده، الحكيم في أقواله وأفعاله، الذي يضع الشيء في موضعه.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
المفردات:
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: عَمَد وعُمُد: جمع عمود، وعماد، وهو: ما يُعْمَد به، أي: يُسْنَد.
﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالا ثوابت أو شوامخ.
﴿أَنْ تَمِيد﴾: أي لئلا تضطرب وتتحرك.
﴿وَبَثَّ﴾: ونشر وذرأَ.
وأصل البثّ: الإثارة والتَّفريق، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ (١).
﴿زَوْجٍ﴾: صنف ونوع ﴿كَرِيمٍ﴾: حسن شريف، كثير المنافع.
стр. 3711
﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾: مخلوقه. ﴿فَأَرُونِي﴾: فأَعلموني وأخبروني.
﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟.
التفسير
١٠ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾:
استئناف جيء به للاستشهاد بما فصَّل فيه على عزَّة الله التي هي كمال القدرة والغلبة، وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل.
والمعنى: خلق السّموات بغير عمد مرئيَّة، فإن الله - سبحانه - أمسكه بنظام محكم غير مرئى يحفظها من السّقوط أو الانتثار، وبعد أن ذكر الله صنعه العجيب في حفظ السموات بَيّن صنعه الحكيم في حفظ الأرض حيث وضح سبحانه أنه جعل في الأرض جبالا شاهقة ثوابت حتى لا تهتزَّ وتضطرب بكم، والحكمة اقتضت خلقها على حال لو خلت معه من الجبال لَمَاَرَتْ واضطربت، ونشر فيها من كل الحيوانات التي تدبّ وتتحرك، ولما قرّر - سبحانه - أنه الخالق نبّه على أنه الرازق بإنزاله من السماء ماء وإنباته بسببه من كل صنف بهيج كثير المنافع، حسن المنظر.
والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين: (وأنزلنا - فأنبتنا) لإبراز مزيد الاعتناء بهما.
١١ - ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
هذا الذي ذكره الله - تعالى -: في الآية السابقة - من إيجاد السّموات والأرض وما فيهما وما بينهما مخلوق لله، صادر عن إرادته وفعله وتقديره وحده لا شريك له، فأخبروني ماذا خلق الذين من دونه مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد حتى يكونوا شركاء له، بل الظَّالمون بإشراكهم في ضلال واضح وجهل وعمى ظاهر لا خفاء فيه، ثم انتقل من تبكيتهم بما ذكر إلى تسجيل الضلال المبين المستدعى للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة لاستحالة أن يفهموا شيئًا فيهتدوا به إلى العلم بفساد ما هم فيه فينزجروا
стр. 3712
عنه، حيث قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والتعبير بقوله: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ بدل الإضمار: للدلالة على أنَّهم بإشراكهم ظالمون بوضعهم الشيء في غير موضعه، وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الدائم.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
المفردات:
﴿لُقْمَانُ﴾: هو - على ما ذكر الكشَّاف - لقمان بن باعوراء بن أخت أيّوب ﵇ أو ابن خالته، والذي عليه المحقِّقون: أنَّه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيّا، ولقد سجل الله في القرآن نصيحته لولده، وما سوى ذلك فإسرائيليات تفتقر إلى الدليل.
﴿الْحِكْمَةَ﴾: هي على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: العاقل والفهم والفطنة.
﴿لِابْنِهِ﴾: قيل: تاران - على ما قاله الطَّبري - وقيل: ماثان، وقيل: غير ذلك والله أعلم بالحقيقة.
﴿يَعِظُهُ﴾: ينصحه ويخوّفه.
﴿يَا بُنَيَّ﴾: تصغير إشفاق ومحبّة، لا تصغير تحقير.
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾: لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه.
﴿عَظِيمٌ﴾: لما فيه من التَّسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة تصد عنه.
стр. 3713
التفسير
١٢ - : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾:
كلام مستأْنف مسوق لبيان بطلان الشرك بالنَّقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل.
والمعنى: ولقد أعطينا لقمان العقل والفهم والإصابة في القول، وأمرناه أن يشكر الله على ما آتاه ومنحه من الفضل الذي خصَّه به دون سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه لأَنه إنما يعود نفع ذلك وثوابه عليه، ومن كفر النعم وجحدها ولم يشكرها فإنما يكفر على نفسه؛ لأنَّ ضرر كفره عائد عليه، لأنَّه - تعالى - غنيّ لا يحتاج إلى الشكر، ولا يتضرر بالكفر، حميد حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد، أو محمود بالفعل، ينطق بحمده - تعالى - جميع المخلوقات بلسان الحال.
١٣ - ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾:
واذكر إذ قال لقمان لابنه وهو ينصحه ويذكره بما هو خير له، نصيحة أب محبٍّ لولده مشفق عليه، فهو حقيقٌ أن يمنحه أفضل ما يَعْرف، ويسُوق إليه كل ما فيه الخير له: ولهذا أوصاه أوَّلًا بأن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا، وقال محذرًا: إن الشرك لظلم عظيم، أي: أعظم الظلم.
روى الإمام البخاري بسنده المتصل عن عبد الله قال: لمَّا نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: إيمانه بظلم؟ فقال رسول ﷺ : "إنَّه ليس بذاك، ألَا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ورواه مسلم من حديث الأعمش - اهـ: ابن كثير.
وإنما كان الشِّرك ظلمًا عظيمًا لأن التسوية بين من لا نعمة إلاَّ منه وما لَا نعمة منه البتة، ولا يُتصور أن تكون منه نعمة، إنما هو ظلم لا يُكْتنه عِطَمُهُ.
وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال الراغب: الوعظ: زجر مقترن بتخويف.
وقال الخليل: التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
стр. 3714
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
المفردات:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾: أمرناه ببرِّهما.
﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: ضعْفا على ضعف.
﴿وَفِصَالُهُ﴾: وفطامه.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: تفسير لـ "وصينا" وما بينهما مؤكد للوصيَّة في حقِّ الأُم خاصة.
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: إليَّ المرجع لا إلى غيري.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾: وإن حملك والداك بجهد.
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي ما ليس لك علم باستحقاقه العبادة.
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾: اسلك طريق من تاب عن شركه ورجع إلى الله.
التفسير
١٤ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾:
стр. 3715
كلام مستأنف على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما في الوصية من النهي عن الإشراك، فهو من كلام الله ولم يقله للقمان، وقيل: هو من كلامه - تعالى - للقمان، وكأنَّه قيل: قلنا له: اشكر، وقلنا له: وصَّينا الإنسان … إلخ.
والمعنى: وأمرنا الإنسان بأن يرْعَى والديه ويجعل لأمِّه أوفر نصيب، وأعظم قدر من العناية والرِّعاية؛ لأنها حملته جَهْدًا على جهد، وثقلًا على ثقل، يتزايد به ضعفها، ويتضاعف؛ لأن العمل كلما عظم ازدادت ثقلا وضعفا، وقد وقَّت الله فطامه في هذه الآية بعامين، للإشارة إلى أنهما الغاية التي لا تُتَجَاوزُ، والأمر فيما دون ذلك موكول إلى اجتهاد الأُم، وظاهر الآية أن مدَّة الرِّضاع عامان، ويؤيِّده قوله - تعالى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، وإلى هذا ذهب الشافعي والإمام أحمد، وأبو يوسف. ومحمد، وهو مختار الطحاوي، وروي عن مالك، وذهب الإِمام أبو حنيفة إلى أن مدَّة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهرًا، ومن أراد معرفة دليله فليرجع إلى المطولات.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: ووصَّينا الإنسان أن اشكر لي على نعمتي عليك، ولوالديك على ما تحملا من المشقَّة فيك حتى استحكمت قواك، وشُكْرُ الله يكون بطاعته وفعل ما يرضى عنه، وشكر الوالدين بصلتهما والبرّ بهما والدُّعاء لهما، إليّ المرجج والمآب لا إلى غيري، فأجازيك على ما صدر عنك من خير أو شر، ومن شكر أو كفر، وهذا تعليل لوجوب الامتثال لما أمر الله.
١٥ - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
أي: وإن حملك والداك بجَهْد على أن تشرك بالله ما لا تعلم أنه يستحق العبادة فلا تطعهما وصاحبهما في الدُّنيا صِحابًا معروفًا يرتضيه الشرع، ويقتضيه الكرم والمروءة، كالقيام