← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾: مخلوقه. ﴿فَأَرُونِي﴾: فأَعلموني وأخبروني. ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟. التفسير ١٠ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: استئناف جيء به للاستشهاد بما فصَّل فيه على عزَّة الله التي هي كمال القدرة والغلبة، وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل. والمعنى: خلق السّموات بغير عمد مرئيَّة، فإن الله - سبحانه - أمسكه بنظام محكم غير مرئى يحفظها من السّقوط أو الانتثار، وبعد أن ذكر الله صنعه العجيب في حفظ السموات بَيّن صنعه الحكيم في حفظ الأرض حيث وضح سبحانه أنه جعل في الأرض جبالا شاهقة ثوابت حتى لا تهتزَّ وتضطرب بكم، والحكمة اقتضت خلقها على حال لو خلت معه من الجبال لَمَاَرَتْ واضطربت، ونشر فيها من كل الحيوانات التي تدبّ وتتحرك، ولما قرّر - سبحانه - أنه الخالق نبّه على أنه الرازق بإنزاله من السماء ماء وإنباته بسببه من كل صنف بهيج كثير المنافع، حسن المنظر. والالتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين: (وأنزلنا - فأنبتنا) لإبراز مزيد الاعتناء بهما. ١١ - ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: هذا الذي ذكره الله - تعالى -: في الآية السابقة - من إيجاد السّموات والأرض وما فيهما وما بينهما مخلوق لله، صادر عن إرادته وفعله وتقديره وحده لا شريك له، فأخبروني ماذا خلق الذين من دونه مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد حتى يكونوا شركاء له، بل الظَّالمون بإشراكهم في ضلال واضح وجهل وعمى ظاهر لا خفاء فيه، ثم انتقل من تبكيتهم بما ذكر إلى تسجيل الضلال المبين المستدعى للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة لاستحالة أن يفهموا شيئًا فيهتدوا به إلى العلم بفساد ما هم فيه فينزجروا

стр. 3712

عنه، حيث قال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والتعبير بقوله: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ بدل الإضمار: للدلالة على أنَّهم بإشراكهم ظالمون بوضعهم الشيء في غير موضعه، وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الدائم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ المفردات: ﴿لُقْمَانُ﴾: هو - على ما ذكر الكشَّاف - لقمان بن باعوراء بن أخت أيّوب ﵇ أو ابن خالته، والذي عليه المحقِّقون: أنَّه كان رجلا صالحا حكيما، ولم يكن نبيّا، ولقد سجل الله في القرآن نصيحته لولده، وما سوى ذلك فإسرائيليات تفتقر إلى الدليل. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: هي على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: العاقل والفهم والفطنة. ﴿لِابْنِهِ﴾: قيل: تاران - على ما قاله الطَّبري - وقيل: ماثان، وقيل: غير ذلك والله أعلم بالحقيقة. ﴿يَعِظُهُ﴾: ينصحه ويخوّفه. ﴿يَا بُنَيَّ﴾: تصغير إشفاق ومحبّة، لا تصغير تحقير. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾: لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه. ﴿عَظِيمٌ﴾: لما فيه من التَّسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة تصد عنه.

стр. 3713

التفسير ١٢ - : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: كلام مستأْنف مسوق لبيان بطلان الشرك بالنَّقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل. والمعنى: ولقد أعطينا لقمان العقل والفهم والإصابة في القول، وأمرناه أن يشكر الله على ما آتاه ومنحه من الفضل الذي خصَّه به دون سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه لأَنه إنما يعود نفع ذلك وثوابه عليه، ومن كفر النعم وجحدها ولم يشكرها فإنما يكفر على نفسه؛ لأنَّ ضرر كفره عائد عليه، لأنَّه - تعالى - غنيّ لا يحتاج إلى الشكر، ولا يتضرر بالكفر، حميد حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد، أو محمود بالفعل، ينطق بحمده - تعالى - جميع المخلوقات بلسان الحال. ١٣ - ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: واذكر إذ قال لقمان لابنه وهو ينصحه ويذكره بما هو خير له، نصيحة أب محبٍّ لولده مشفق عليه، فهو حقيقٌ أن يمنحه أفضل ما يَعْرف، ويسُوق إليه كل ما فيه الخير له: ولهذا أوصاه أوَّلًا بأن يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا، وقال محذرًا: إن الشرك لظلم عظيم، أي: أعظم الظلم. روى الإمام البخاري بسنده المتصل عن عبد الله قال: لمَّا نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: إيمانه بظلم؟ فقال رسول ﷺ : "إنَّه ليس بذاك، ألَا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ورواه مسلم من حديث الأعمش - اهـ: ابن كثير. وإنما كان الشِّرك ظلمًا عظيمًا لأن التسوية بين من لا نعمة إلاَّ منه وما لَا نعمة منه البتة، ولا يُتصور أن تكون منه نعمة، إنما هو ظلم لا يُكْتنه عِطَمُهُ. وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال الراغب: الوعظ: زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: التذكير بالخير فيما يرق له القلب.

стр. 3714

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ المفردات: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾: أمرناه ببرِّهما. ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: ضعْفا على ضعف. ﴿وَفِصَالُهُ﴾: وفطامه. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾: تفسير لـ "وصينا" وما بينهما مؤكد للوصيَّة في حقِّ الأُم خاصة. ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: إليَّ المرجع لا إلى غيري. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾: وإن حملك والداك بجهد. ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي ما ليس لك علم باستحقاقه العبادة. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾: اسلك طريق من تاب عن شركه ورجع إلى الله. التفسير ١٤ - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾:

стр. 3715

كلام مستأنف على نهج الاستطراد في أثناء وصية لقمان تأكيدًا لما في الوصية من النهي عن الإشراك، فهو من كلام الله ولم يقله للقمان، وقيل: هو من كلامه - تعالى - للقمان، وكأنَّه قيل: قلنا له: اشكر، وقلنا له: وصَّينا الإنسان … إلخ. والمعنى: وأمرنا الإنسان بأن يرْعَى والديه ويجعل لأمِّه أوفر نصيب، وأعظم قدر من العناية والرِّعاية؛ لأنها حملته جَهْدًا على جهد، وثقلًا على ثقل، يتزايد به ضعفها، ويتضاعف؛ لأن العمل كلما عظم ازدادت ثقلا وضعفا، وقد وقَّت الله فطامه في هذه الآية بعامين، للإشارة إلى أنهما الغاية التي لا تُتَجَاوزُ، والأمر فيما دون ذلك موكول إلى اجتهاد الأُم، وظاهر الآية أن مدَّة الرِّضاع عامان، ويؤيِّده قوله - تعالى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (١)، وإلى هذا ذهب الشافعي والإمام أحمد، وأبو يوسف. ومحمد، وهو مختار الطحاوي، وروي عن مالك، وذهب الإِمام أبو حنيفة إلى أن مدَّة الرضاع الذي يتعلق به التحريم ثلاثون شهرًا، ومن أراد معرفة دليله فليرجع إلى المطولات. ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾: ووصَّينا الإنسان أن اشكر لي على نعمتي عليك، ولوالديك على ما تحملا من المشقَّة فيك حتى استحكمت قواك، وشُكْرُ الله يكون بطاعته وفعل ما يرضى عنه، وشكر الوالدين بصلتهما والبرّ بهما والدُّعاء لهما، إليّ المرجج والمآب لا إلى غيري، فأجازيك على ما صدر عنك من خير أو شر، ومن شكر أو كفر، وهذا تعليل لوجوب الامتثال لما أمر الله. ١٥ - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: وإن حملك والداك بجَهْد على أن تشرك بالله ما لا تعلم أنه يستحق العبادة فلا تطعهما وصاحبهما في الدُّنيا صِحابًا معروفًا يرتضيه الشرع، ويقتضيه الكرم والمروءة، كالقيام

стр. 3716

بشئونهما من طعام وكسوة، وعدم جفائهما وانتهارهما، ومن عيادتهما إذا مرضا ومواراتهما إذا ماتا، وذكر لفظ: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لتهوين أمر الصحبة، والإشارة إلى أنها في أيام قلائل وشيكة الانقضاء، فلا يضر تحمُّل مشقتها لقلة أيامها وسرعة مُضيّها. ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يريد: واسلك طريق المؤمنين في دينك، ولا تتبع سبيلهما فيه، وإن كنت مأمورًا بحسن مصاحبتهما في الدنيا، ثم إلى مرجعك ومرجعهما فأجازيك على إيمانك وأُجازيهما على كفرهما. والآية الكريمة نزلت في سعد بن أبي وقاص، أخرج ابن أبي ليلى، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي عثمان النُّهدي: أن سعد بن أبي وقاص قال: أنزلت في هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ … الآية﴾ كنت رجلًا بَرًّا فلمَّا أسلمتُ قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك أحدثت؟ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتُعَيَّر بي، فقال: قاتل أمِّه، قلت: لا تفعلي يا أُمَّه؛ فإني لا أدع دينى هذا بشيء، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل فَأَصبَحَت قد اشتدَّ جهدها، فلما رأيت ذلك قلتُ: يا أمّه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نَفسًا نفسًا ما تركت دينى هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت هذه الآية. وأخرج الواحدي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إنه يريد بمن أناب: أبا بكر فإن إسلام سعد كان بسبب إسلامه. وقيل: من أناب، محمد ﷺ والمؤمنون. والظاهر العموم، وقوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قال الزمخشري: أراد بنفي العلم به نَفْيَه، أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء، يريد الأصنام كقوله - تعالى -: ﴿مَا يَدْعُون مِن دُونِهِ مِن شَيء﴾ (١)، وقال الآلوسي: المعنى: وإن جاهدك الوالدان على أن تكفر بي كفرًا ليس لك به علم.

стр. 3717

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾ المفردات: ﴿إِنَّهَا﴾: أي الخصلة من الإساءة أو الإحسان. ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: أي إن تكن في الصِّغر قدر حبة الخردل مثلًا، والمثقال: ما يُقدر به غيره لِتَسَاوي ثقلهما، وهو في العُرْف معلوم وزنه. ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: يُحضِرها فيحاسب عليها. ﴿لَطِيفٌ﴾: يصل علمه إلى كل خفي. ﴿خَبِيرٌ﴾: عالم بكنهه. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما ذُكر من الصبر على ما أصابك وغيره. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: مما عزمه الله وقطعه على عباده وأمر به. ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾: أي ولا تُمِلْه عنهم، ولا تُوَلِّهم صفحة وجهك كما يفعل المتكبِّرون.

стр. 3718

﴿مَرَحًا﴾: فرحًا وبطرًا. ﴿مُخْتَالٍ﴾: متكبر. ﴿فَخُورٍ﴾: كثير الفخر، يُعدِّد ما أَعْطى مباهاة. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾: أي وتوسط فيه بين البطء والإسراع، من القصد، وهو الاعتدال. ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ﴾: أقبحها وأوحشها. التفسير ١٦ - ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: رجوع إلى القصة بنشر بقية ما أُريد حكايته من وصايا لقمان لابنه: يا بُنَيَّ إن الحسنة أو السيئة إن تكن في الصِّغر قدر حبة الخردل مثلًا، وتكن مع ذلك في أخفى مكان وأحْرَزه كجوف الصَّخرة، أو كانت في العالم العلوي أو السُّفليّ، يحضرها الله ويحاسب عليها. والحكمة في هذا الترتيب - كما جاءَ في البحر لأبي حيان - أنه بدأ بما يتعقله السامع أولًا، وهو كينونة الشيء في صخرة، ثم عقبه بالعالم العلوي وهو أغرب للسامع، ثم عقبه بما يكون مقر الأشياء للشاهد وهو الأرض. ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ يحضرها يوم القيامة فيحاسب عليها، وهو إما على ظاهره، أو معناه: يجعلها كالحاضر المشاهد للتذكير والاعتراف بها، وهو أبلغ من قوله: (يعلمه الله) ففيه مع العلم بمكانه: القدرة على الإتيان به، وذلك لأن الله لطيف يصل علمه وقدرته إلى كل خفي، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دَقَّت ولَطُفَت واستترت، خبير عالم بكُنههِ ومُستَقَرّه، فهو خبير بدبيب النملة السَّوداء على الصخرة الصَّماء في الليلة الظلماء. ١٧ - ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: بعد ما أمَرَ لقمان ولده بالتَّوحيد الذي هو أوَّل ما يجب على المكلَّف - في ضمن النهي عن الشَّرك - ونَبَّهه إلى كمال علمه - تعالى - وقدرته أمره بالصَّلاة التي هي أكمل

стр. 3719

العبادات - تكميلًا من حيث العمل بعد تكميله من حيث الاعتقاد - فقال مُستَمِيلًا له: يا بُنَيَّ أقم الصلاة بأركانها وشروطها في مواقيتها، تكميلًا لنفسك، وأمر غيرك بما عرف حسنه شرعًا وعرفًا، وانْهَهُ عن القبيح والمنكر تكميلًا له. والمعروف: ما حسَّنه الشَّارع وأَمر به، والمنكر: ما أنكره الشارع وقبَّحه ونهي عنه. والظاهر أنه أمره بكل معروف ونهاه عن كل منكر، وخص بعضهم المعروف بالتوحيد، والمنكر بالشرك. ثم قال له: واصبر على ما أصابك من الشدائد والمحن في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إن الصَّبر على ما أصابك وعلى سائر ما أُمرت به من عزم الأمور، أي: مما عزمه الله - تعالى - وأمر به أمر إيجاب وإلزام، فلزم قَبُولُه والعمل به والحرص عليه، وهذا تعليل لوجوب الامتثال لما سبق من الأمر والنهي. ١٨ - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم لأن الله لا يحب كل مختال فخور وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله - سبحانه - لا يُحبُّ كل مختال فخور. والمختال: المتكبِّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره، والتعبير بفخور وهي من صيغ المبالغة، ولأن ما يقبح من الفخر كثيرة فإن القليل منه معفو عنه لابتلاء الناس به، فلطف الله - تعالى - بالعفو عنه، وهذا كما لطف بإباحة اختيال المجاهدين بين الصَّفَّين، وبإباحة الفخر بنحو المال لقصد حسن كالتحدث بنعمة الله. ١٩ - ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾: بعد النهي عن المرح في المشي أمر - سبحانه - بالتوسط فيه بين البطء والإسراع في تواضع، وذلك أليق بالمسلم، وأبعث على الهيبة والوقار، فقال: واقصد في مشيك، من

стр. 3720

القصد: وهو الاعتدال، أَي: لا تَدِب دبيب المُتَمَاوتين ولا تثِب وثْبَ الشُّطَّار. قال ابن مسعود: كانوا يُنهَون عن خَبَب اليهود ودبيب النَّصَارى، ولكن مشيا بين ذلك، أما قول عائشة تصف عمر: كان إذا قال أسْمَع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أَشبع، وإذا مشى أسرع، فالمراد بالإسراع التوسُّط، وما فوق دبيب التَّمَاوُت، وكذلك ما ورد من صفته ﵊: "إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب" (١) فالمقصود به نشاطه ﵊ وقُوَّتُه، لا الإسراع، لنهيه ﵊ عنه حيث قال: "سرعة المشى تُذهِب بهاء المؤمن". واخفض من صوتك وانقص منه واجعله قصدًا، ولا ترفعه إذا تكلَّمت، فذلك أوقر للمتكلم، وأَبسط لنفس السامع وفهمه، إن أقبح ما يُستنكَر من الأصوات ويُستَكرَه: لصوت الحمير، والجملة تعليل للأمر بالغضِّ من الصوت على أبلغ وجه وآكده، حيث مثل حال الرَّافِعِين أصواتهم بحال الحمير في نهاقهم، وفي ذلك من المبالغة في الذَّمَّ والتَّهجين والتَّثبِيط عن رفع الصوت والتَّرغيب عنه ما فيه، ولقد رد الله بهذا على المشركين الذين كانوا يتفاخرون بِجَهَارة الصوت ورفعه، مع أن ذلك يؤذى السَّامع؛ إذ يَقرع الصَّمَاخ بقوة، وربما يخرق الغشاء الذي هو داخل الأُذن. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾

стр. 3721

المفردات: ﴿سَخَّرَ﴾: ذَلَّل، والتسخير - على ما قاله الراغب -: سياقه الشيء إلى الغرض المختص به قهرًا. ﴿وَأَسْبَغَ﴾: أتم وأكمل. ﴿نِعَمَهُ﴾: جمع نعمة، وهي: كل نفع قصد به الإحسان. ﴿يُجَادِلُ في اللهِ﴾: يجاور ويخاصم وينازع في توحيد الله وعبادته وصفاته. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: ليس معه من الله برهان، ولا هدى رسول، ولا كتاب مرشد. ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ الله﴾: على رسوله من الشرائع المطهرة. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، يريدون عبادة ما عبد آباؤهم من دون الله. التفسير ٢٠ - ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾: رجوع إلى سنن ما سلف قبل قصَّة لقمان، من خطاب المشركين وتوبيخهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد. والمعنى: قد رأيتم أن الله سخر لكم وذلَّل ما في السموات: الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك، وما في الأرض: البحار والأنهار والثِّمار والمعادن والدَّواب وما لا يحصى وأتم عليكم نعمه الظاهرة منها، وهي ما تُعْلَم بالمشاهدة، كغلبة الإِسلام والنُّصرة على الأعداء وحسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والسمع والبصر واللسان وسائر الجوارح، والباطنة: وهي ما لا تعلم إلاَّ بدليل، أو لا تعلم أصلًا، مثل: المعرفة والقلب، والعقل والفهم. وكم في بدن الإنسان وحياته من نعمة لا يعلمها ولا يَهتدي إلى العلم بها، وصدق الله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١).

стр. 3722

ومع هذه النعم فمن الناس من ينازع ويخاصم في توحيده وفي صفاته - جل شأنه - كالمشركين المنكرين وحدانيَّته - سبحانه - وعموم قدرته - جلَّت قدرته - وشمولها البعث. والإظهارُ بدل الإضمار في قوله - تعالى -: ﴿يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ بذكر الاسم الجليل - تهويل لأمر الجد فيه، وهذا الفريق الضَّال من الناس يفعل ما يفعل بغير علم مستفاد من دديل عقلي، ولا هُدى راجع إلى رسول مأخوذ منه، ولا كتاب أنزله الله - تعالى - ذي نور واضح الدلالة على المقصود، منقذ من ظلمة الجهل والضلال، بل يجادلون لمجرد التقليد واتِّباع ما كان عليه الآباء. وقوله - تعالى -: ﴿يُجَادِلُ﴾ من الجدال، وهو: المفاوضة على سبيل المنازَعة والمغالبة، وأصله من: جَدَلْت الحبل، أي: أحكمت فَتْلَه، كأن المتجالدين يَفْتِل كل منهما صاحبه عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة. ٢١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: وإذا قيل لهؤلاء المجالدين في توحيد الله المنازعين في عبادته وصفاته: اتَّبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشَّريعة المطهَّرة، والدين الحق، وعقيدة التوحيد، قالوا: بل نتَّبع ما وجدنا عليه آباءنا فنعبد ما عبدوا من الأصنام والأوثان، ولم يكن لهم حجة في هذه العبادة إلا اتباع آبائهم الأقدمين، والاقتداء بالسالفين، ولو كانوا في ضلال مبين، ولقد عاب الله عليهم هذا النطق العجيب فقال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: أي: أيتَّبعونهم وينهجون منهجهم ويقلدونهم تقليدًا أعمى بلا تفكير ولا إعمال عقل، ولو كان الشيطان يدعو المجادلين وآباءهم إلى ضلال يُفضِي بهم إلى عذاب النار التي تتسعَّر وتلتهب؟

стр. 3723

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. المفردات: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾: يخلص ويفوض إلى الله جميع أُموره. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: فقد تعلق بأوثق ما يُتعلق به من الأسباب وأشده. ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾: مصير الأُمور ونهايتها. ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾: فنخبرهم. ﴿ذَاتِ الصُّدُورِ﴾: خبيئة القلوب ودخيلتها. ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾: نلجئهم ونلزمهم. ﴿عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: عذاب شديد ثقيل. التفسير ٢٢ - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ .. ﴾ الآية: بين الله في الآية السابقة حال الشرك المجادل التشبث بدين آبائه، المصرّ على تركه، ويبين في هذه الآية حال المسلم المستسلم لله المصدق بتوحيده، القائم على طاعته. والمعنى: ومن يسلم نفسه إلى الله بأن يفوض إليه - تعالى - جميع أُموره، ويقبل عليه قلبا وقالبا، وهو محسن خلص في أعماله وأقواله، فقد استمسك وتعلق بأقوى ما يتعلق به من الأسباب الموصلة إلى سعادة الدنيا، ونعيم الآخرة، وإلي الله عاقبة الأمور ومصيرها

стр. 3724

كلها، فهي صائرة إليه لا إلى غيره، وليس لأحد سواه - جل وعلا - تصرف فيها بأمر أو نهي، أو ثواب أو عقاب - سبحانه - يجازي من أسلم وجهه إلى الله، وأخلص التفويض إليه، كما يجازي المجادل المماري فيه، يجازي كلاًّ بما يستحقه ويليق به: بمقتضى عدله وحكمته. وفي قوله - تعالى -: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ تمثيل حال المتوكل على الله المشتغل بالطاعة بحال من أراد أن يترقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه، ليتيسر له تحقيق مراده. ٢٣ - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ .. ﴾ الآية. هذه الآية رجوع إلى بيان حال الكافر. والمعنى: ومن كفر من هؤلاء المشركين فلا تحزن على كفره، ولا يهمك أمره: فقد أبلغت وليس عيك إلا البلاغ، وما أضر بذلك إلا نفسه، فإن الله - تعالى - سينتقم منه ويعاقبه أشد عقاب، ولهذا قال: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: أي إلينا لا إلى غيرنا رجوعهم بالبعث فنُعْلِمهم على وجه التبكيت والتقريع مما عملوا في الدنيا من الكفر والمعاصي، ونجازيهم بما يستحقون من العذاب والعقاب ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: إن الله - تعالى - واسع العلم بحقيقة ما في القلوب وضمائرها، لا يخفى عليه سرها، كما لا تخفى عليه علانيتها، ولا يفوته شيء من الجزاء عليها. ٢٤ - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: أي: ننفعهم زمانًا، أو نفعًا قليلًا في دنياهم بأن نيسر أمورهم، ونوسع عليهم أرزاقهم، ثم نلجئهم إلى عذاب غليظ ثقيل يجمع إلى الإحراق بالنار الضغط والتضييق، مع إلزامهم ذللك العذاب الشديد إلزام المضطر الذي لا يقدر على الانفكاك مما أُلجئ إليه. وعبر عن متاعهم في الدنيا بالقلة، لأن متاعها مهما توفر وتكاثر، وتعددت أنواعه وألوانه، وتطاولت أيامه فهو قليل جدًّا إذا قوبل بما عند الله، وما أعد للمتقين في دار الجزاء، وكل زائل قليل، وعُمُره وإن طال قصير.

стр. 3725

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ التفسير ٢٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .. ﴾ الآية. هذه الآية ترقٍّ في تسلية الرسول ﷺ بعد تسليته بقوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فإن انتزاع اعترافهم بقدرة الله - تعالى - في خلق السموات والأرض اعتراف بصدقك في دعوى الوحدانية، وتسجيل لسفههم في تكذيبك وفي إشراكهم بخالق السموات والأرض. والمعنى: ولئن سألت - أنت أيها النبي الكريم - هؤلاء الشركين، أو سألهم أي مخاطب غيرك: من خلق السموات والأرض وأحكم خلقهما وأبدع صنعتهما على نظام لم يعتره اضطراب، ولم يطرأ عليه خلل منذ عرفهما الإنسان؟ ليقولن: خلقهن الله، لأنهم في شركهم بعبادتهم معترفون بوحدانيته في خلقهن. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قل يا محمد: الحمد لله على إلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان شركهم وكذبهم، أو قل: الحمد لله على وضوح دلائل التوحيد بحيث لا يجحدها كافر، ولا ينكرها مكابر، أو قل: الحمد لله الذي هدانا إلى التوحيد وصدق الإيمان، ولم يقدر علينا اللجاج والعناد فيما هو ظاهر الشواهد، واضح البراهين. وقوله - تعالى -: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ معناه: بل أكثرهم ليسوا أهلا للعم، ولا من ذوي الرأي والتفكير السديد. أو: بل أكثرهم لا يعلمون أن هذا الاعتراف حجة عليهم، يقيم الدليل على جهلهم وعنادهم.

стр. 3726

٢٦ - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾: هذه الآية إبطال لشركهم من وجه آخر لأن المملوك لا يكون شريكًا لمالكه في ملكه، فكيف يكون شريكًا له في العبادة؟. والمعنى: لله ما في السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا، وليس لأحد سواه فيهن شأن استقلالا أو شركة، فلا يستحق العبادة غيره بوجه من الوجوه. وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ معناه: أنه - تعالى - هو الغني عن كل شيء، فليس محتاجًا إلى شريك أو غيره، المحمود من مخلوقاته بلسان المقال أو بلسان الحال. وهذا التعقيب بعد قوله - تعالى -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لدفع حاجته - تعالى - إلى شريك له فيهما، أو إلى عبادة عابد منهما، وإنما استعبدهم لمصلحتهم، فهو المستحق للعبادة وإن لم يعبدوه، المستحق للحمد وإن لم يحمدوه. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ المفردات: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾: من مد الدواة إذا زادها من المداد وهو الحبر، ويطلق المد والمادة على مطلق الزيادة. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: ما فنيت ولا انتهت؛ لأن كلماته - تعالى - ليست قاصرة على القرآن الكريم. ﴿بَعْثُكُمْ﴾: عودتكم إلى الحياة بعد الموت.

стр. 3727

التفسير ٢٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ .. ﴾ الآية: قال ابن عباس: إن سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت: يا محمد!! كيف عُنينا بهذا القول؟ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وقد أوتينا التوراة فيها كلام الله وأحكامه، وعندك أنها تبيان لكل شيء، فقال لهم الرسول ﷺ : "التوراة قليل من كثير" فنزلت الآية. والمعنى: ولو ثبت أن ما في الأرض من جميع أنواع الشجر أقلام، وصار البحر على اتساعه وامتداده مدادًا يمده ويزيده من بعده سبعة أبحر مثله في السعة وكثرة الماء، فكتبت بهذه الأقلام وهذا المداد كلمات الله وأوامره في كونه وملكوته، ما فنيت ولا انتهت كلمات الله لعدم تناهيها، بل تفنى الأقلام وينتهي المداد دون أن تنتهي كلماته - تعالى - فإن كلام الله في شئون كونه أمرا ونهيا وإيجادًا وإعدامًا وغير ذلك لا ينتهى، والمكلفون به من الملائكة وغيرهم لا يحصونه عددا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: قادر غالب لا يعجزه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يخرج عن الحكمة ما يتكلم به. هذا وفي الآيات مباحث منها: ١ - أن المراد (بشجرة) كل أنواع الأشجار النى يمكن أن تؤخذ منها الأقلام، والنكرة قد تعم في الإثبات كما في قوله - تعالى -: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. ٢ - اختيار جمع القِلَّة في ﴿أَقْلَامٌ﴾ مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد للقلم جمع سواه، وإيثار جمع القلة في الكلمات (وجمع المؤنث من قبيل القلة) للإيذان بأن ما ذكر لا يفي بالقليل منها فكيف بالكثير. ٣ - ليس المراد بذكر العدد في قوله: ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ خصوص العدد، وإنما المراد الكثرة، واختير عدد (سبعة) بخصوصه من بين الأعداد لأن كثيرا من المعدودات التي لها شأن سبع، كالسموات، والكواكب السيارة، وأيام الأسبوع إلى غير ذلك.

стр. 3728

٢٧ - ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: توسطت هذه الآية الآيات التي تتحدث عن قدرة الله وتعدد آثارها، للإيذان بأن من له هذا الكون العريض لا يصعب عليه خلقُنا ولا بعثنا، فقد ورد أنها نزلت في أُبي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي ﷺ : إن الله - تعالى - قد خلقنا أطوارا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم تقول: إنا نبعث جميعًا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟. والمعنى: ما خلقكم ابتداء ولا بعثكم بعد الموت يوم القيامة إلا كخلق نفس واحدة وبعثها في السهولة واليسر والتأتي بالنسبة إليه لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ومناط وجود الكل تعلق إرادته - تعالى - وقوله للشيء: كن فيكون ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: أي: إن الله - تعالى - عظيم السمع والبصر يسمع ويبصر جميع مخلوقاته لا يشغله بعضها عن بعض. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾

стр. 3729

المفردات: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: يدخل كل واحد منهما في الآخر فيتفاوت بذلك حالهما طولا وقصرًا. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: سيرهما، وذللهما طلوعًا وأُفُولًا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: هو يوم القيامة. وقيل: منتهى دورتهما. ﴿الْفُلْكَ﴾: السفينة، ويطلق على الواحد والجمع. ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: كثير الصبر على البلاء والشكر على النعماء. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ﴾: غطَّاهم وأحاط بهم. ﴿كَالظُّلَلِ﴾ الظُّلل: جمع ظلَّة، وهو ما يستظل به من جبل وسحاب وغيرهما. ﴿مُقْتَصِدٌ﴾: مقيم على القصد السوى من التوحيد. ﴿يَجْحَدُ﴾: ينكر ويكفر. ﴿خَتَّارٍ﴾: شديد الغدر. ﴿كَفُورٍ﴾: مبالغ في الكفر. التفسير ٢٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى … ﴾ الآية: هذه الآية شروع في تفصيل بعض آثار القدرة المتمثلة في قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وتوضيح نعمه على خلقه، والخطاب لرسول الله ﷺ أو عام لكل من يصلح للخطاب. والمعنى: ألم تعلم علمًا قويًّا جاريًا مجرى الرؤية البصرية أن الله - تعالى - يدخل جزءًا من كل واحد من الليل والنهار في الآخر ويضيفه إليه، فيختلف بذلك حالهما طولا وقصرًا، وذلل الشمس والقمر، وهداهما لمصالح خلقه طلوعًا وأفولًا، كلٌّ من النيرين يجرى في فلكه

стр. 3730

إلى أجل سماه الله وحدده، لا يعدوه ولا يقصر عنه، قيل: هو يوم القيامة، وقيل: إلى منتهى ومدار معلوم، الشمس تجرى فيه إلى آخر العام والقصر يسرى فيه إلى آخر الشهر .. وهذا الإيلاج بالنسبة لعالمنا الأرضي والعوالم المماثلة لنا، وليس عند الله ليل ونهار، وقدمت الشمس على القمر في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لأنها كالمبدإ للقمر، ولأن تسخيرها لغاية عظمها أعظم من تسخير القمر، وعطف ﴿سَخَّرَ﴾ الماضي على ﴿يُولِجُ﴾ المضارع، فخالف بين المعطوفين لأن إيلاج واحد من الليل والنهار في الآخر متجدد يختلف طولًا وقصرًا، وحرارة وبردًا، بخلاف تسخير الشمس والقمر، فإنه لا تجدد فيه ولا تعدد، إنما التجدد والتعدد في آثاره كما يشير إليه قوله - تعالى -: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. وقوله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ معطوف على ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ داخل في حيز الرؤية؛ فإن من شاهد مثل ذلك الصنع لا يكاد يغفل عن كون صانعه محيطًا بجلائل أعماله، خبيرًا بدقائقها، فلا يَنِد عنه أمر من أُمورها، ولا يخفى عليه شأن من شئونها. ٣٠ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: أي: ذلك المذكور من الآيات الكريمة، والمشاهد الواضحة من سعة العلم، وكمال القدرة، واختصاص الباري - تعالى - بذلك ثابت بسبب أن الله - تعالى - وحده هو المتقق في ذاته وفي جمع صفات الكمال اللائقة بربوبيته، وأن ما يدعونه من دونه من الآلهة الباطل المعدوم الذي لا يقوم على أُلوهيته دليل، وأن الله هو العلي على جميع الأشياء، الكبير عن أن يتصف بنقص، أو أن يكون له شريك. ٣١ - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: تصور هذه الآية مظهرًا آخر من مظاهر قدرته، ومشهدًا من مشاهد آياته في الأرض بعد أن صورت الآيات السابقة مظاهر القدرة في السماء.

стр. 3731

والمعنى: ألم تعلم - أيها المكلف - علمًا يقينيا آخر تضمه إلى علمك السابق تعميقًا للإيمان، وتجسيدًا للحقائق - ألم تر وتعلم - أن السفن تجرى في البحر بنعمة الله - تعالى - وقدرته على تهيئة أسباب الجري من الريح، وانسياب الماء، وحفظ الله لها، أو بنعمة الله التي تحملها من الطعام والمتاع والأغراض؛ ليريكم رأي العين آياته الناطقة بأُلوهيته، الشاهدة بعظيم قدرته. إن في كل ما ذكر من الآلاء والمشاهد لآيات عظيمة في دلالتها كثيرة في عددها لكل صبار كثير الصبر على البلاء، شكور عظيم الشكر على النعماء، والراد من الصبار الشكور: المؤمن. لأن الصبر والشكر عمدتا الإيمان، فقد ورد "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر" كما أن التعقيب بهما على ركوب الفلك يُلمِع إلى مناسبة دقيقة لأن الراكب الفلك إذا كان مؤمنًا يكون غالب بين صبر عند أسباب الفزع وشكر عند أسباب الأمن. ٣٢ - ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: تسير هذه الآية مع جري السفينة وتحكي أحداث البحر، فإن راكبه كثيرًا ما يكون عرضة لغضبته وثورة الموج، واهتياج الماء فيتملكه الهلع. والمعنى: وإذا غشي ركاب البحر وغطاهم وأحاط بهم موج هائج متعالٍ كالجبال والسحب التي تعلو الرءُوس، وأحدق خطر الغرق بهم خلصت نفوسهم مما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد، بما دهاهم من الخوف الشديد فاتجهوا جميعًا إلى الله مستجيرين داعين مخلصين له الدين أن يؤمّن خوفهم ويبدد فزعهم، فلما قدر لهم النجاة، ووصلوا إلى بر السلام والأمن عاودتهم نزعات الشر، وغلبهم سلطان الهوى والضلال، وانقسموا، فمنهم مقتصد، أي: مقيم على القصد، أي: الطريق السوي وهو التوحيد، باق على الإخلاص الذي كان عليه في البحر عند الفزع، ومنهم جاحد راجع إلى كفره وإنكار فضل الله عليه، وما يجحد بآيات الله وينكرها بعد قيام البراهين عليها إلاَّ كلُّ ختَّار غدار شديد الغدر لا يذكر فضلا ولا يحمد معروفًا، كفور مبالغ في الكفر مجرد من الانتفاع بآيات الله - تعالى - وإدراك نعمه، فقوله - تعالى -: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ في مقابل ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قائم مقام عبارة "ومنهم جاحد" مع تضمنه ذم الجاحد، والإيجاز من ألوان البلاغة.

стр. 3732

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ المفردات: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾: هو يوم القيامة. ﴿لَا يَجْزِي﴾: لا يغني ولا يقضي. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾: فلا تلهينكم ولا تخدعنكم. ﴿الْغَرُورُ﴾: الشيطان؛ لأنه يغر الإنسان ويخدعه، وأصل الغرور: صيغة مبالغة من غرَّه: إذا أصاب غَرَّته، أي: غفلته ونال منه ما يريد. التفسير ٣٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا … ﴾ الآية. تتجه السورة في نهايتها وبعد الذي ذكرته من دلائل التوحيد، ومظاهر النعم - تتجه إلى الأمر بالتقوى، وتجنح إلى العظة والتخويف من لقاء الله، فتوجه هذا النداء الذي تحس منه النفس المطمئنة معاني الإشفاق، ولمسات الرحمة والإحسان، وتعم به جميع المخلوقين مؤمنين ومشركين حتى تنقطع منهم الأعذار، ولا يبقى لأحد عتب ولا تعلَّة. والمعنى: يأيها الناس آمنوا بالله ربًّا، واتقوه حق تقواه، فافعلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وخافوا يومًا لا ينفع فيه مال ولا جاه، يوم القيامة الذي لا يغني والد عن ولده ولا يقضي عنه شيئًا، ولا مولود هو مغنٍ عن والده ولا قاضٍ عنه شيئًا، وكل

стр. 3733

يواجه عمله ويلقى جزاءه، فينال ثوابه أو عقابه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ (١). واختلاف التعبير بين ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ وبين ﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ لأنه - تعالى - لما أكد الوصية بالآباء وقرن وجوب شكرهم بوجوب شكره وأوجب على الولد أن يكفى والده ما يسوءُه، قطع - سبحانه - هنا وَهْم الوالد في أن يكون الولد في القيامة يجزيه حقه عليه، ويكفيه ما يلقاه من أهوال يوم القيامة، كما أوجب الله عليه ذلك في الدنيا. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: إن وعد الله بالقيامة - والبعث متحقق ثابت لا يخلف، وذكر الآلوسي أن المراد بوعد الله: الثواب والعقاب على تغليب الوعد على الوعيد، أو هو على معناه اللغوي، وعدم إخلاف الوعد بالثواب مما لا كلام فيه، وأما عدم إخلاف الوعيد بالعقاب ففيه كلام، والحق أنه لا يخلف أيضًا، وعدم تعذيب من يغفر له من العصاة المتوعدين ليس من إخلاف الوعيد في شيء، لما أن الوعيد في حقهم كان معلقًا بشرط لم يذكر ترهيبًا وتخويفًا. وقيل: المراد أن وعد الله بذلك اليوم حق. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: بأن تلهيكم بلذاتها عن الطاعات. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: ولا يلهينكم الشيطان ويصرفنكم عن الطاعات، ويحملكم على المعاصي بتزيينها لكم. وعن أبي عبيدة: "كل شيء غرّك حتى تعصي الله - تعالى - وتترك ما أمرك - سبحانه - به غرور، شيطانًا أو غيره" وإلى ذلك ذهب الراغب، قال: "الغرور: كل ما يغر من مال وجاه وشهوة وشيطان".

стр. 3734

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ المفردات: ﴿السَّاعَةِ﴾: القيامة. ﴿الْغَيْثَ﴾: المطر. ﴿وَمَا تَدْرِي﴾: وما تعلم. التفسير ٣٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ … ﴾ الآية. أخرج ابن المنذر عن عكرمة أن رجلًا يقال له: الوارث بن عمرو جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد!! متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا، فمتى تُخْصِب؟ وقد تركت امرأتي حاملًا، فمتى تلد؟ وقد علمتُ ما كسبتُ اليوم، فماذا أكسب غدا؟ وقد علمت بأي أرض ولدت، فبأي أرض أموت؟ فنزلت هذه الآية، وهي وثيقة الارتبارط بما قبلها، فقد تعرض ما قبلها لذكر يوم القيامة، فتهيأت بذلك الأذهان للسؤال عنه، وجاء الجواب عن هذا السؤال وعن مثله مما استأثر الله بعلمه. والمعنى: إن الله - تعالى - وحده عنده عدم قيام الساعة استأثر به لحكمة يعلمها، ولم يعط علمه لنبي مرسل، ولا لملك مقرب ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في وقته بلا تقديم ولا تأخير، وفي بلد لا يتجاوزه إلى غيره، وبمقدار تقتضيه حكمته، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ من ذكر أو أُنثى، تام أو ناقص، وغيرها من أحوال الأجنة في بطون أمهاتهم.

стр. 3735

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: أي لا تعلم كل نفس برة أو فاجرة، عاجزة أو قادرة، مؤمنة أو كافرة، ما يجرى عليها من الرزق أو من الأعمال في غدها. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: وما تعلم نفس - أية نفس - في أي مكان أو زمان تموت. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: إن الله واسع العلم فلا يعزب عن علمه شيء من الأشياء التي من جملتها مفاتح الغيب، خبير يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها. واختلاف التعبير بين الجملة الاسمية في قوله - تعالى -: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والجملة الفعلية بعده في قوله - تعالى -: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ للدلالة بالتعبير الأول على مزيد الاعتناء باختصاص أمر الساعة، وعلى شدة خفائها، وبالتعبير الآخر على استمرار تجدد المتعلقات بحسب تجدد المتعلقات مع الاختصاص. وهكذا تنتهى سورة لقمان بذكر مفاتح الغيب التي استأثر الله بعلمها، كما تدل عليه الأحاديث والآثار؛ فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة من حديث طويل أنه ﷺ سئل: متى الساعة؟ فقال للسائل: ما السئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربَّها، وإذا تطاول رعاة الإبل البُهْمِ في البنيان، هن في خمس لا يعلمهن إلاَّ الله - تعالى - ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ … ﴾ الآية. هكذا في بعض الروايات، ولعل هذا الاستئثار بهذه الخمس من قيض رحمة الله - تعالى - ومزيد فضله؛ لتأخذ الدنيا حظها من التعمير في غير تخوف ولا تعويق، وليعلم الخلق أن مفاتيح رزقهم عند الله، وأسبابه عنده، فيقبلوا عليه بالدعاء، وينقطعوا إليه بالرجاء، وليرضى كل إنسان بما يقضي له الله به من الذرية ذكورًا أو إناثًا، ويجعل من يشاء عقيمًا، وليبيت كل مخلوق معتمدًا على ربه فيما يجرى عليه من رزق في غَدِه، فلا تغره قوته ولا تخدعه حيلته ومهارته، ويسعى لتحصيله حيث كان، حتى يدركه أجله فيما لا يعلمه من مكان وزمان. وليست المغيبات محصورة في هذه الخمس، وإنما خصت بالذكر لوقوع السؤال عنها، أو لأنها كثيرًا ما تشتاق النفوس إلى العلم بها، وبالجملة فالمغيبات لا تتناهي، فسبحان العليم الخبير.

стр. 3736

" سورة السجدة" سورة السجدة مكية، وعدد آياتها ثلاثون آية، وتوافقها في عدد آياتها سورة (الملك) كما تشاركها في بعض الفضائل، وتسمى هذه السورة سورة المضاجع؛ لقوله - تعالى -: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ كما تسمى سورة "سجدة لقمان" تمييزًا لها عن سورة (حَم) - فصلت - فإنها تسمى أيضًا سورة السجدة. ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمال كل منهما على دلائل الأوهية. وفي البحر: لما ذكر - سبحانه - فيما قبل دلائل التوحيد وهو الأصل الأول، ثم ذكر - جل وعلا - المعاد وهو الأصل الثاني وختم به السورة، ذكر في بدء هذه السورة الأصل الثالث وهو النبوة. وقال الجلال السيوطي في وجه الاتصال بما قبلها: إنها شرح لمفاتح الغيب الخمسة التي ذكرت في خاتمة ما قبلها فضل هذه السورة: جاء في فضلها أخبار كثيرة: منها ما أخرجه أبو عبيدة في فضائله، وأحمد، وعبد بن حميد والدارمي، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن جابر قال: "كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم تَنْزِيلُ … السجدة﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وكان ﷺ يقرؤها هي وهل أتى في صلاة فجر الجمعة، أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: الم تنزيل: السجدة، وقيل أتى على الإنسان". ما تشتمل عليه السورة: بدأت هذه السورة مما بدأت به سور كثيرة من القرآن الكريم بسرد حروف من المعجم، وإتباع ذلك بالحديث عن القرآن، ببيان أنه تنزيل من رب العالمين لا مجال فيه لشك،

стр. 3737

ولا مدخل لريبة، وبرفض مزاعم المشركين أن رسول الله افتراه من عنده، وبيان أنه الحق المنزل علية من ربه لينذر به قومه الذين لم يسبق لهم إنذار قبل بعثته، لأنه أول رسول أُرسل فيهم، فإن إسماعيل ﵇ كان قد أرسل إلى قبيلة جُرهُمَ وهم من العرب العاربة، وقد نشأت العرب المستعربة من ذريته مع جرهم، وفيهم أُرسل محمد ﷺ فهو أول رسول للعرب المستعربة. ثم تنتقل الآيات بعد تقرير إرسال الرسول وإنزال القرآن عليه إلى ذكر دلائل من قدرة الله المتمثلة في خلق السموات والأرض، واستيلائه على عرشه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ليعرج إليه يوم القيامة، وهو العالم بكل شيء الذي أحسن كل شيء خَلَقه، وبدأ خلق الإنسان (آدم) من طين على وجه بديع، وفطرة عجيبة، ثم نسل منه ذريته، ونفخ فيها من روحه، وجعل لها السمع والأبصار والأفئدة لتتيسر لها وسائل الحياة فتشكر نعمه - تعالى - وتحمد فضله، ولكنها قليلًا ما تؤدي شكر ذلك. ثم تعرض لحال المشركين واستبعادهم البعث بعد أن يموتوا وتتحلل أجزاؤهم، وتتيه في التراب وتضل في أجزاء الأرض، وتقرر أن الموت حق عليهم تتوفاهم الملائكة الموكلون بهم، ثم يرجعون إلى ربهم، ويبعثون ليوم عظيم يقفون فيه بين يدي الله خزايا يطلبون الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فات، وهيهات هيهات!!!! ثم تذكر الآيات حكمة الله السامية في اختلاف أحوال الخلق بالإيمان والكفر - ولو شاء لآتى كل نفس هداها - ليكون لجهنم عمارها من الجِنّة والناس أجمعين، وليذوقوا عذاب الخلد بما كانوا يعملون، من الإشراك بربهم، ونسيان لقائه وجحد جزائه. ثم تشيد الآيات بذكر المؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وما أُعد لهم من نعيم مقيم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم تقرر الآيات أن إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم شأن قديم، وسنن طبعي لا يحتمل ريبة، وقد أنزل التوراة على موسى وكانت هدًى لبني إسرائيل، وكان منهم أئمة يهدون بأمر الله،

стр. 3738

ويوقنون بآيته، وسوف يفصل الله بين الأنبياء وأُممهم بما فعلوه معهم، ثم تتجه الآيات إلى تبصير النفوس الغافلة، والاتعاظ بالأمم السابقة التي يعيشون مكانها، ويمشون في مساكنها، وإلى الانتفاع بآيات الله وقدرته التي تسوق الماء إلى الأرض الجُرُز، أي: الجدباء التي لا زرع فيها، فتخصب وتنبت، وتحيا وتعمر بالإنسان والحيوان، أليس ذلك بقادر على إحياء الموتى وبعثهم كما أحيا الأرض الجرز بعد موتها وقحطها، وبعث فيها الحياة والجمال. وتختم السورة بتبكيت المشركين على استبعادهم ليوم الفتح الذي ينتظره المؤمنون ليفصل بينهم وبين المشركين، ويتوعدهم بأن هذا اليوم آت لا محالة، وسيلاقون فيه جزاءهم ولا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون، وتطلب من الرسول ﷺ الإعراض عنهم، وانتظار النصرة عليهم وهلاكهم الذي ينتظرونه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ المفردات: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه. ﴿افْتَرَاهُ﴾: اختلقه من عنده. ﴿لِتُنْذِرَ﴾: لتخوّف وتحذِّر.

стр. 3739

التفسير ١ - ﴿الم﴾: هذه الآية ابتداءُ سورة السجدة، وهي سادسة ست سور بدئت بهذه الأحرف، وقبلها سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة العنكبوت، وسورة الروم، وسورة لقمان، ثم هذه السورة، وقد تقدم الكلام عليها مبسوطًا في سورة البقرة وفي غيرها من هذه السور. ٢ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الكلام في هذه الآية يجري على نمط الكلام الذي في السور المشاركة لها في البدء بالحديث عن القرآن الكريم، ومن ذلك أنه الكلام المنزل من رب العالمين الذي لا مجال فيه لشك، ولا مدخل لريب، كما في قوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. و ﴿الم﴾ إن جعل اسما للسورة أو القرآن فهو خبر لمبتدأ محذوف، و ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر ثان، و ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثالث، و ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبر رابع، والتقدير: هذا الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين، والمراد من التنزيل اسم المفعول، أي: مُنزَّل الكتاب، وهناك إعرابات أخرى فارجع إليها إن شئت. والمعنى: هذه السورة التي تسمى الم لا شك في أنها - كسائر القرآن - منزلة من رب العالمين الذي يعلم مصالح عباده، ولكن المشركين يمارون في الحق ويجادلون فيه ويزعمون أن هذا القرآن من عند محمد كما حكى الله عنهم بقوله: ٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: أثبتت الآية الأولي أن هذا القرآن تنزيل من رب العالمين لا سبيل فيه إلى شك، بل هو أبعد شيءٍ عنه، ثم أضرب - جل وعَلَا - عن ذلك إضرابًا انتقاليًا مشوبا بالإنكار بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: بل أَيقول المشركون افترى محمد القرآن على الله من عنده، وأعانه عليه قوم آخرون، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ إضراب إبطالي عن دعواهم الاختلاق، وتسفيه لعقولهم، وإثبات أن هذا القرآن هو الحق الصادق

стр. 3740

الثابت المنزل من ربك لتنذر به، وتخوف قريشًا قومك الذين لم يسبق لهم إنذار بمثله قبل بعثتك إليهم؛ لأنهم لم يرسل إليهم رسول منهم قبلك فقد كان إسماعيل ﵇ غير عربي، أُرسل لقبيلة جرهم التي هي من العرب العاربة، أما قريش فمن العرب المستعربة. التي هي من ذرية إسماعيل وجرهم، أو أنهم لم يباشرهم وآبائهم الأقربين إنذار، وإنما كان الإنذار لآبائهم الأقدمين، وقد طال عليه العهد، وبعد به الزمن، فلم يسمعوا شيئًا منه، ولم يعرفوا شيئًا عنه، وقد بعثك الله إليهم، وأنزل عليك الكتاب لتنذرهم به ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: رجاءَ أن يهتدوا، فهو على الترجي من رسول الله، كما جاء الترجي من موسى ﵇ في قوله - تعالى -: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (١) أو على التعليل بمعنى: ليهتدوا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ المفردات: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) أي: قام وحده بتدبير سمواته وأرضه بعد خلقها، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾. ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: من ناصر ينصركم ولا وسيط يشفع لكم. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يريده على وجه الإتقان ومراعاة الحكمة، والمراد به هنا: أمر الدنيا وشئونها.

стр. 3741

التفسير ٤ - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ … ﴾ الآية: لما ذكرت الآية السابقة الرسالة بعنوان الإنذار بينت هذه الآية ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد، وإقامة الدليل. والمعنى: الله الذي جلت قدرته وتعاظم سلطانه خلق السموات، ورفعها بغير عمد ترونها، وأحكم نظامها، وبسط الأرض، وجعل فيها جبالا رواسي، وأجرى فيها أنهارًا، وأنبت بها زرعًا وأشجارًا، وخلق بينهما كائنات وأجرامًا لا يعلم كنهها ولا يحيط بحقائقها إلاَّ الله الواحد القهار. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: وذللهما وسيرهما على أبدع نظام وأدق إحكام لا يختل لهما مدار، ولا يختلف لهما مسار، وخلص من هذا كله في ستة أيام من أيامه تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١). ويقول في هذه السورة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وهي الآية التالية. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم دبر ملكه بعد تمام خلقه، لم يعنه في ذلك أحد، ولم يحتج إلى نصير أو شريك، فقدِّروا قدرته واشكروا نعمته. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ينصركم إذا جاوزتم طاعته ورضاه، وما لكم من وسيط يشفع لكم، ويدفع عنكم عذابه، أو يجيركم من بأسه. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: أتسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها كفرًا وعنادًا؟ ٥ - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: أصل التدبير: النظر في دابر الأمر، والتفكير فيه ليجئ محمود العاقبة. وهو في حقه تعالى مجاز عن إرادة الشيء على وجه الإتقان والحكمة. والمعنى: يريد الله الأمر على وجه الحكمة والإتقان بأسباب تقتضيه، نازلة أحكمها وآثارها من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة.

стр. 3742

﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: ثم يصير إليه خبر ذلك الأمر ويصعد إليه ليعلمه - جلَّ شأنه - موجودا كما أراده - جل وعلا - قال الآلوسي: والمراد بعروج الأمر إليه بعد تدبير - سبحانه - وصول خبر وجوده بالفعل كما دبَّر - جل وعلا - بواسطة الملك، وعرضه ذلك في حضرة قد أعدها الله للإخبار بما هو - جل وعلا - أعلم به، إظهارًا لكمال عظته وعظيم سلطنته، وذلك كعرض الملائكة عليه أعمال العباد الوارد في الأخبار: اهـ. بتصرف يسير. ومعنى قوله - تعالى -: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: في زمن متطاول يبلغ في حساب دنياكم ألف سنة مما تعدون من السنين التي تقيسون بها آجالكم وأعمالكم، وإن كان الملك يقطعه في زمن يسير كشأنه في الوحي وفي رحلة الإسراء والمعراج، وقيل معناه: يقضى قضاة ألف سنة فينزل به الملك، ثم يعرج بعد الألف لألف آخر، وقيل: المعنى أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة، نقله القرطبي. واعلم أن أيام الله ليس فيها ليل ولا نهار، وإنما هي أزمان تحت مشيئة الله ﵎ وقد يقدر اليوم مرة في كتاب الله بألف سنة مما يعده البشر، وقد يقدر بخمسين ألف سنة كما جاء في بعض الآيات، وكل ذلك من باب ضرب المثل لطول أيام الله - تعالى - وقد يطول اليوم عن ذلك كله وما يعلم شئون ربك إلا هو. ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾

стр. 3743

المفردات: ﴿الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الغيب: ما غاب عن الخلق وخفى، والشهادة: ما شاهدوه ورأوه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الغالب. ﴿الرَّحِيمُ﴾: البالغ الرحمة واللطف. ﴿الْإِنْسَانِ﴾: آدم ﵇. ﴿نَسْلَهُ﴾: ذريته. ﴿سُلَالَةٍ﴾ سلالة الشيء: ما استل منه، وسلالة الإنسان: النطفة. ﴿مَهِينٍ﴾: مبتذل لا يعتنى به. ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾: خفينا وتحللت فيها أجزاؤنا. التفسير ٦ - ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: أي: ذلك الموصوف بما مرّ من خلق السموات والأرض وما بينهما وتسخير الشمس والقمر، والاستواء على العرش، وتدبير أمر الكائنات - ذلك الموصوف بهذا كله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: عالم كل ما غاب عن المخلوقات وخفي، وما شاهدوه من أحوالها وشئونها ورأوه رأي العين. ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: وهو القوى الغالب على كل شيء. ﴿الرَّحِيمُ﴾: الواسع الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء. ٧ - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾: أوصاف جارية على الله - تعالى - بعد وصفه بالأوصاف السابقة، والمعنى: الذي أتقن كل مخلوق خلقه، ووفَّر له ما يليق به على وفق الحكمة والمصلحة، وبدأ خلق الإنسان - وهو آدم ﵇ من طين على وجه بديع تحار فيه العقول، وجعله بحيث يكون مستتبعًا لخروج كل فرد من ذريته، خلقًا بعد خلق، وجيلا بعد جيل، وذلك ما حكاه بقوله: ٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾:

стр. 3744

أي: ثم جعل ذرية آدم المخلوق من طين - جعلها - مخلوقة من خلاصة من ماءٍ مبتذل لا يُعبَأُ به عند الناس وهو المني، فإنهم يتخلصون منه بغسل موضعه، وسميت الذرية نسلًا لأنها تنسل من الإنسان، وتنفصل عنه. ٩ - ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: ثم قوَّمه وعدَّله بتكميل أعضائه، وتنسيقها في الرحم، وتصويرها على ما ينبغي ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أي: أدخل فيه الروح المملوكة له، وأجرى فيه الحياة. وقوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ معناه: خلق لكم هذه الأعضاء الكريمة لمنفعتكم، فتستعينون بها على حياتكم، وتيسير أموركم الدينية، والدنيوية المختلفة، وإن أيسر ما تقابل به هذه النعم هو الشكر عليها، وصرفها فيما خلقت له، ولكنكم قليلًا ما تشكرونها، بأداء حق الله فيها. ١٠ - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾: هذه الآية استئناف كلام جديد مسوق لبيان أباطيلهم وأنه لم يقف أمرهم عند عدم الشكر، بل جاوزه إلى الكفر وإنكار البعث. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أئذا خفينا في الأرض التي دفنت فيها أجسامنا، وتحللت أجزاؤنا، وصرنا ترابًا مخلوطًا بترابها، أيعقل أن نبعث ونعود إلى خلق جديد؟ ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: إن أمر هؤلاء المشركين لا يقف عند إنكار البعث بل يتجاوزه إلى كفرهم بلقاء ربهم، والمراد من لقائه - تعالى -: لقاء ملائكته وما يكون بعده من حساب وجزاء فهم يكفرون بالبعث وكل ما يتصل به من شئون الآخرة. ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾

стр. 3745

المفردات: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ أصل المتوفى: أخذ الشيء وافيًا تامًّا، ثم غلب في قبض الروح، يقال: توفاه الله؛ أي: استوفى روحه وقبضه. ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾: اسمه عزرائيل، ومعناه - كما قيل - عبد الله، وهو موكل بقبض أرواح جميع الخلائق. التفسير ١١ - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾: لما ختمت الآية السابقة ببيان كفرهم بالبعث والنشور، أتت هذه الآية للرد عليهم بيانًا للحق، وإبطالا لما زعموه من إفك وبتهان. والمعنى: قل لهم - أيها الرسول -: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بقبض أرواحكم ومعرفة انتهاء آجالكم، بحيث لا يترك منكم أحدًا دون أن ينتزع روحه على أشد ما يكون، حيث إن الملائكة - وهم أعوانه - يضربون رجوهكم وأدباركم كما قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (١). فأعوان ملك الموت يعالجون قبض الأرواح، وملك الموت يقبضها، والله يزهقها، وهذا هوالجمع بين قوله - تعالى -: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (٢) وقوله هنا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ وقوو - تعالى -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (٣) اهـ بتصرف من القرطبي. ولما كان ملك الموت يتولى ذلك عن الله - تعالى - أضيف التوفي إليه هنا. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث والحساب والجزاء، وهوتهديد ووعيد.

стр. 3746

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ المفردات: ﴿نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾: مطرقوها من الخزي والندم في موقف الحساب، من النكْس: وهو قلب الشيء على رأسه، كالتنكيس، وفعله: من باب نصر. ﴿لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: بما تركتم ذكر لقائه، فالنسيان مشترك بين الغفلة والترك العمد. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في العذاب. التفسير ١٢ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾: الخطاب للنبي، وخطابه ﷺ خطاب لأمته، أو خطاب لكل أحد ممن تصح منه الرؤية.

стр. 3747

والمعنى: ولو ترى حال منكري البعث يوم القيامة، أو حال كل مجرم باعتبار الجنس ومن جملتهم هؤلاء - لو ترى حالهم - لرأيت أمرا فظيعًا، وصورة عجيبة، حيث تراهم مطرقي الرءُوس من الندم والخزي والذل والغم عند محاسبة ربهم إياهم وجزائهم على أعمالهم، يقولون في ضراعة وإقرار بالتقصير: ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به، وسمعنا ما كنا ننكره، فقد أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا قول الرسل سماع تصديق وإذعان، وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات البصرة، والآيات السموعة، وكنا قَبلُ صمًّا عميًا لا ندرك شيئًا. أو يقولون: أبصرنا قبح أعمالنا التي كنا نراها في الدنيا حسنة، وسمعنا قول الملائكة: إن مَرَدَّكم إلى النار فارجعنا إلى الدنيا بعد أن أبصرنا وسمعنا لنتدارك ما فاتنا، ونعمل عملا صالحًا وفق ما ترشد إليه آياتك، لأننا الآن موقنون بالبعث والحساب، وزالت عنا الشكوك، يقولون ذلك ادعاءً منهم بصحة الأفئدة، والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما توجبه، وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا ولا يتدبرون، ولكن أنَّى لهم أن يجابوا إلى تحقيق أملهم، وقد علم الله منهم أنهم كاذبون، وأنه لو أعادهم إلى الدنيا لعادوا كما كانوا كفارًا، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). ١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: أي: ولو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليًّا بأن نعطي كل نفس: برة أو فاجرة ما تهتدي به قهرًا في دنياها لفعلنا، ولكن حق القول مني أن أجازى كل امرئٍ على ما كسبت يداه باختياره، فلأملأنّ جهنم من كفار الجن والناس أجمعين بما كانوا يكسبون. فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى لكل نفس، بل منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم، حيث صرفتم اختياركم إلى الغي والضلال بتزيين الشيطان وإغوائه، ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها المعلوم لنا أزلًا، فلما لم تختاروا الهدى

стр. 3748

واخترتم الضلالة لم نشأ إعطاءه لكم، وإنما أعطيناه الذين اختاروه من النفوس البرة لنقاءِ نفوسهم، وكمال استعدادهم، وهم المعنيون بما سيأتي من قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا … ﴾ الآية. وفي تخصيص الجن والإنس في قوله - سبحانه -: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إشارة إلى أن الله عصم ملائكته من عمل يستوجبون به جهنم. ١٤ - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: الأمر للتهديد والتوبيخ، وهو مرتب على ما يُعرب عنه ما قبله من نفي الرجع إلى الدنيا، أو على قوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي … ﴾ الآية: والمعنى: فذوقوا العذاب الدائم يا أهل النار بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم العظيم، وترككم التفكر فيه، والتزود له بما ينجيكم من شدائده وأهواله، والنسيان بهذا المعنى اختياري يوبخ عليه حيث أُريد به ترك الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح، ويعبر بالذوق كما يطرأُ على النفس وإن لم يكن مطعومًا لإحساسها به كإحساسها بذوق الطعام. ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾: استئناف، للإشعار بتشديد الانتقام منهم والسخط عليهم، أي: تركناكم في العذاب ترك الشيء المنسي بالكلية. وقوله - سبحانه -: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تكرير لتهديدهم بذوق المذاب للتأكيد والتشديد، وتعيين المفعول المطوي في الذوق الأول وهو "عذاب الخلد" الذي لا انقطاع له، والإشعار بأن سبب العذاب ليس مجرد ما ذكر من النسيان، بل له أسباب أُخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا، ولما كان ختام الآية فيه زيادة عن صدرها حصلت بها مغايرته له استحق العطف عليه، ولم ينظم الكل في سلك واحد، للتنبيه على استقلال كل من النسيان وأعمالهم من فنون الكفر والمعاصي في استيجاب العذاب.

стр. 3749

﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ المفردات: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: المراد به السجود المعهود، وعليه أكثر العلماء، أي: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيمًا لله، وخر: من باب ضرب. ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: جمعوا بينه التسبيح والحمد في سجودهم، فقالوا: سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه. ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع جنوبهم عن مواضع الاضطجاع، كناية عن ترك النوم للعبادة. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفًا من عذابه - تعالى - وطمعًا في ثوابه، وأكثر ما يستعمل الطمع فيما يقرب حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأَمل، ومن كلامهم: طمع في غير مطمع. ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: مما تسر به قلوبهم، يقال: قرت العين قُرَّةً - بالضم - وقُرورًا: بردت سرورًا، وقر من باب: تعب. التفسير ١٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: استئناف مسوق لتسلية النبي ﷺ وتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى، وتعيين من يستحقه في الآية بطريق القصر.

стр. 3750

والمعنى: إنَّمَا يؤمن بآياتنا الذين إذا وعظوا بها أقبلوا عليها وتفهموا معانيها، من غير تردد ولا تسويف، وهَبَطُوا على وجوههم فوضُعوا جباههم على الأرض بحمد الله تعظيمًا لذاتِه العلية، وخوفًا من سطوته وعذابه، وشكرًا على ما رزقهم من نعمة الإِسلام، ونزهوه عما لا يليق به من الأمور التي من جملتها العجز عن البعث، وأثنوا عليه لنعمائه - جل وعلا - التي أجلُّها الهداية إليه عن طريق آياته، والتوفيق إلى الاهتداء، فخلطوا بذلك التسبيح بالتحميد، وهم في كل أحوالهم لا يستكبرون عن عبادته وإخلاص الإيمان له، والثناء عليه، لا كما يفعل من يصر مستكبرًا كأن لم يسمع الآيات. أو: لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود، ويرى ابن عباس أن المعنى: خروا ركعًا، وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة. قاله المهدوي، وقال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود القرآن. والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم في قوله - جل ذكره -: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للإشعار بعلة التسبيح والتحميد، من حيث إنهم يفعلونها بملاحظة ربوبيته لهم. ١٦ - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أي: تتنحى وتتجنبُ جنوبهم الفُرُش ومواضع النوم؛ وهذا التعبير كناية عن ترك النوم وعدم الاستسلام له، ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي ﷺ : نبيّ تجافى جنبُه عن فراشه … إذا استُثقِلتْ بالمشركين المضاجع وفي المراد من تجافي الجنوب عن المضاجع أقوال، والمشهور أن المراد به: القيام لصلاة النفل ليلًا، قاله جمهور المفسرين، وهو قول مجاهد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والحسن بن أبي الحسن، وأبي العالية وغيرهم؛ لأن أفضل النفل ما كان في الأسحار، وفي الحث على قيام الليل أحاديث كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئُ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل" قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُون﴾.
следующие страницы →