﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
المفردات:
﴿نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾: مطرقوها من الخزي والندم في موقف الحساب، من النكْس: وهو قلب الشيء على رأسه، كالتنكيس، وفعله: من باب نصر.
﴿لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي: رشدها وتوفيقها إلى الإيمان.
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: بما تركتم ذكر لقائه، فالنسيان مشترك بين الغفلة والترك العمد.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: تركناكم في العذاب.
التفسير
١٢ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾:
الخطاب للنبي، وخطابه ﷺ خطاب لأمته، أو خطاب لكل أحد ممن تصح منه الرؤية.
стр. 3747
والمعنى: ولو ترى حال منكري البعث يوم القيامة، أو حال كل مجرم باعتبار الجنس ومن جملتهم هؤلاء - لو ترى حالهم - لرأيت أمرا فظيعًا، وصورة عجيبة، حيث تراهم مطرقي الرءُوس من الندم والخزي والذل والغم عند محاسبة ربهم إياهم وجزائهم على أعمالهم، يقولون في ضراعة وإقرار بالتقصير: ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به، وسمعنا ما كنا ننكره، فقد أبصرنا صدق وعيدك، وسمعنا قول الرسل سماع تصديق وإذعان، وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات البصرة، والآيات السموعة، وكنا قَبلُ صمًّا عميًا لا ندرك شيئًا. أو يقولون: أبصرنا قبح أعمالنا التي كنا نراها في الدنيا حسنة، وسمعنا قول الملائكة: إن مَرَدَّكم إلى النار فارجعنا إلى الدنيا بعد أن أبصرنا وسمعنا لنتدارك ما فاتنا، ونعمل عملا صالحًا وفق ما ترشد إليه آياتك، لأننا الآن موقنون بالبعث والحساب، وزالت عنا الشكوك، يقولون ذلك ادعاءً منهم بصحة الأفئدة، والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما توجبه، وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا ولا يتدبرون، ولكن أنَّى لهم أن يجابوا إلى تحقيق أملهم، وقد علم الله منهم أنهم كاذبون، وأنه لو أعادهم إلى الدنيا لعادوا كما كانوا كفارًا، كما قال - سبحانه -: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١).
١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
أي: ولو تعلقت مشيئتنا تعلقا فعليًّا بأن نعطي كل نفس: برة أو فاجرة ما تهتدي به قهرًا في دنياها لفعلنا، ولكن حق القول مني أن أجازى كل امرئٍ على ما كسبت يداه باختياره، فلأملأنّ جهنم من كفار الجن والناس أجمعين بما كانوا يكسبون.
فبموجب ذلك القول لم نشأ إعطاء الهدى لكل نفس، بل منعناه من أتباع إبليس الذين أنتم من جملتهم، حيث صرفتم اختياركم إلى الغي والضلال بتزيين الشيطان وإغوائه، ومشيئتنا لأفعال العباد منوطة باختيارهم إياها المعلوم لنا أزلًا، فلما لم تختاروا الهدى
стр. 3748
واخترتم الضلالة لم نشأ إعطاءه لكم، وإنما أعطيناه الذين اختاروه من النفوس البرة لنقاءِ نفوسهم، وكمال استعدادهم، وهم المعنيون بما سيأتي من قوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا … ﴾ الآية. وفي تخصيص الجن والإنس في قوله - سبحانه -: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ إشارة إلى أن الله عصم ملائكته من عمل يستوجبون به جهنم.
١٤ - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
الأمر للتهديد والتوبيخ، وهو مرتب على ما يُعرب عنه ما قبله من نفي الرجع إلى الدنيا، أو على قوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي … ﴾ الآية:
والمعنى: فذوقوا العذاب الدائم يا أهل النار بسبب نسيانكم لقاء هذا اليوم العظيم، وترككم التفكر فيه، والتزود له بما ينجيكم من شدائده وأهواله، والنسيان بهذا المعنى اختياري يوبخ عليه حيث أُريد به ترك الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح، ويعبر بالذوق كما يطرأُ على النفس وإن لم يكن مطعومًا لإحساسها به كإحساسها بذوق الطعام.
﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾: استئناف، للإشعار بتشديد الانتقام منهم والسخط عليهم، أي: تركناكم في العذاب ترك الشيء المنسي بالكلية.
وقوله - سبحانه -: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تكرير لتهديدهم بذوق المذاب للتأكيد والتشديد، وتعيين المفعول المطوي في الذوق الأول وهو "عذاب الخلد" الذي لا انقطاع له، والإشعار بأن سبب العذاب ليس مجرد ما ذكر من النسيان، بل له أسباب أُخر من فنون الكفر والمعاصي التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا، ولما كان ختام الآية فيه زيادة عن صدرها حصلت بها مغايرته له استحق العطف عليه، ولم ينظم الكل في سلك واحد، للتنبيه على استقلال كل من النسيان وأعمالهم من فنون الكفر والمعاصي في استيجاب العذاب.
стр. 3749
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾
المفردات:
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: المراد به السجود المعهود، وعليه أكثر العلماء، أي: سقطوا على وجوههم ساجدين تعظيمًا لله، وخر: من باب ضرب.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: جمعوا بينه التسبيح والحمد في سجودهم، فقالوا: سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع جنوبهم عن مواضع الاضطجاع، كناية عن ترك النوم للعبادة.
﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفًا من عذابه - تعالى - وطمعًا في ثوابه، وأكثر ما يستعمل الطمع فيما يقرب حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأَمل، ومن كلامهم: طمع في غير مطمع.
﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: مما تسر به قلوبهم، يقال: قرت العين قُرَّةً - بالضم - وقُرورًا: بردت سرورًا، وقر من باب: تعب.
التفسير
١٥ - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾:
استئناف مسوق لتسلية النبي ﷺ وتقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى، وتعيين من يستحقه في الآية بطريق القصر.
стр. 3750
والمعنى: إنَّمَا يؤمن بآياتنا الذين إذا وعظوا بها أقبلوا عليها وتفهموا معانيها، من غير تردد ولا تسويف، وهَبَطُوا على وجوههم فوضُعوا جباههم على الأرض بحمد الله تعظيمًا لذاتِه العلية، وخوفًا من سطوته وعذابه، وشكرًا على ما رزقهم من نعمة الإِسلام، ونزهوه عما لا يليق به من الأمور التي من جملتها العجز عن البعث، وأثنوا عليه لنعمائه - جل وعلا - التي أجلُّها الهداية إليه عن طريق آياته، والتوفيق إلى الاهتداء، فخلطوا بذلك التسبيح بالتحميد، وهم في كل أحوالهم لا يستكبرون عن عبادته وإخلاص الإيمان له، والثناء عليه، لا كما يفعل من يصر مستكبرًا كأن لم يسمع الآيات.
أو: لا يستكبرون كما استكبر أهل مكة عن السجود، ويرى ابن عباس أن المعنى: خروا ركعًا، وهذا على مذهب من يرى الركوع عند قراءة السجدة. قاله المهدوي، وقال أبو حيان: هذه السجدة من عزائم سجود القرآن.
والتعرض لعنوان الربوبية بطريق الالتفات مع الإضافة إلى ضميرهم في قوله - جل ذكره -: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ للإشعار بعلة التسبيح والتحميد، من حيث إنهم يفعلونها بملاحظة ربوبيته لهم.
١٦ - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
أي: تتنحى وتتجنبُ جنوبهم الفُرُش ومواضع النوم؛ وهذا التعبير كناية عن ترك النوم وعدم الاستسلام له، ومثله قول عبد الله بن رواحة يصف النبي ﷺ :
نبيّ تجافى جنبُه عن فراشه … إذا استُثقِلتْ بالمشركين المضاجع
وفي المراد من تجافي الجنوب عن المضاجع أقوال، والمشهور أن المراد به: القيام لصلاة النفل ليلًا، قاله جمهور المفسرين، وهو قول مجاهد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والحسن بن أبي الحسن، وأبي العالية وغيرهم؛ لأن أفضل النفل ما كان في الأسحار، وفي الحث على قيام الليل أحاديث كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال له: "ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئُ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل" قال: ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُون﴾.
стр. 3751
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والقاضي إسماعيل بن إسحق، وأبو عيسى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقال أنس: إن المراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة لأن رسول الله ﷺ كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل، قال أنس: نزلت فينا - معاشر الأنصار - كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي ﷺ قال ابن عطية: كانت الجاهلية ينامون من وقت الغروب ومن أي وقت شاء الإنسان، فجاء انتظار وقت العشاء غريبًا وشاقًّا. اهـ.
وقال الضحاك: تَجَافِي الجُنُب: هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة. وقاله أبو الدرداء.
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: يسألونه - تعالى -: خائفين من غضبه وعذابه وعدم قبول عبادتهم، وطامعين في ثوابه وحسن جزائه.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ومن المال الذي أعطيناهم إياه ينفقون في وجوه الخير، وقيل: معناه الزكاة المفروضة (١)، اهـ: القرطبي.
١٧ - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
يخبر الله - سبحانه - أنه أعد لهؤلاء الذين ذكرت محاسنهم ثوابًا عظيمًا من النعيم المقيم الذي أُخفي لهم، فلا تعلم كنهه نفس من النفوس، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، فضلا عمن عداهم بهذا النعيم الذي تبرُدُ أعينهم سرورًا به وتبتهج قلوبهم له: جزاء وفاقًا لما أخفوه من أعمالهم الصالحة في الدنيا، فإن الجزاء من جنس العمل.
قال الحسن: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر. رواه ابن أبي حاتم.
وفي معنى هذه الآية ما خرجه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله ﵎: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
стр. 3752
ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بَلْه (١) ما أطْلَعكم عليه" ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ والإبهام في لفظ "أعين" للتعظيم وإعلاء الشأن، قال ابن عباس: الأمر في هذا أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره، وفي إضافة القرة إلى الأعين على الإطلاق لا إلى أعينهم تنبيه على أن ما أُخفى لهم في غاية الحسن والكمال فلا تشذ عن استحسانه عين ما، ثم بيَّن أن من كان في نور الطاعة والإيمان لا يستوي مع من هو في ظلمة الكفر والعصيان فقال - سبحانه -:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾
المفردات:
﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾: أُريد بالفسق الذي اتصفوا به: الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع، وأصله وفق الاشتقاق: الخروج مطلقًا، من فسقت الثمرة: خرجت من قشرها.
стр. 3753
﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ أي: الجنات التي فيها مساكنهم جعلت لهم نزلا ضيافة وثوابًا على أعمالهم، والنزل في الأصل: ما يعد للنازل من الطعام والشراب، ثم عمَّ كل عطاء.
﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ أي: ملجؤهم ومنزلهم.
﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: عذاب الدنيا من قحط وقتل وأسر.
﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: قبل عذاب الآخرة.
﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي: تولَّى بترك التدبر والقبول.
﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: ممن أذنبوا مُعَاقِبون، يقال: جرم فلان: أذنب، كأجرم، وانتقم منه: عاقبه.
التفسير
١٨ - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾:
قال ابن عباس وعطاء بن يسار: نزلت الآية في علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وذلك أنهما تلاحيا (١)، فقال له الوليد: أنا أبسط منك لسانا وأحدّ سنانا، وأملأُ الكتيبة جسدًا، فقال له علي: اسكت؛ فإنك فاسق - فنزلت الآية - قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العم بتأويل القرآن أنها نزلت فيه: انتهى كلامه. ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والاستفهام في قوله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا … ﴾. للإنكار والنفي، ولذا عقَّبه - سبحانه - بقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾.
والمعنى: أيستوي الناس في جزائهم، وقد اختلفت أعمالهم، فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقًا؟ لا يتوهم ذلك بعد وضوح ما بينهما من التباين، فهما لا يستويان جزاءً كما لم
стр. 3754
يستويا عملا، حيث إن المؤمن له جنة الخلد يتمتع بنعيمها، والكافر له جهنم يتجرع غصصها خالدا فيها أبدًا.
والتعبير بقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ بواو الجمع مع أن الضمير عائد على اثنين وهما المؤمن والكافر. لأن الاثنين جمعٌ لُغةً؛ لأنهما واحدٌ جُمِعَ مع آخر.
١٩ - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
تفصيل لمراتب الفريقين في الدار الآخرة، بعد ذكر أحوالهما في الدنيا.
والمعنى: أن المؤمنين الذين صدقت قلوبهم آيات الله، وعملوا الصالحات بمقتضاها جعلت لهم جنات المأوى، أي: التي فيها يأوون ويسكنون، نزلا، أي: ضيافة لهم، وثوابًا على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا.
وإضافة الجنات إلى المأوى إشارة إلى أنها هي المأوى والمسكن الحقيقي، وأن الدنيا منزل مرتحلٌ عنه لا محالة.
٢٠ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾:
المعنى: وأما الذين خرجوا عن الإيمان إلى الكفر فمسكنهم ومقامهم النار، في مقابل جنات المأوى التي أعدت للمؤمنين، هؤلاء الكافرون كلما دفعهم لهيب النار إلى أعلاها فشارفوا الخروج منها وقربوا منه رُدوا إلى موضعهم فيها ودفعوا إلى قعرها، قال الفضيل: "والله إن الأيدى لموثقة وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهيب ليرفعهم والملائكه تقمعهم" (١) وقيل لهم على لسان الخَزَنَة تقريعًا وتشديدًا زيادة في غيظهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا مستمرين على تكذيبكم بعذابها، وهذا دليل على أن المراد هنا بالفاسق: الكافر، إذ التكذيب يقابل الإيمان.
стр. 3755
٢١ - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
ونقسم لنذيقن الكافرين في الدنيا العذاب الأدنى وهو الأقل أو الأقرب، وذلك ما أصابهم من القتل والسَّبْي يوم بدر، كما روى عن عبد الله بن مسعود، وعن مجاهد: القتل والجوع، وأخرج ابن المنذر، وابن جرير عن ابن عباس أنه قال: هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها، وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف، وعن أبي عبيدة أنه فسره بعذاب القبر، وحكى عن مجاهد أيضًا.
لنذيقنهم هذا العذاب قبل أن يصلوا إلى العذاب الأكبر، وهو عذاب الآخرة الذي به يخلدون في النار لعلّ (١) من بقى من المعذبين بالعذاب الأدنى يتوبون عن الكفر بعد مشاهدتهم إياه، ويعودون إلى الإيمان.
وفي الآية لم يقل: الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد في مقابلة الأدنى، لأن المقصود هنا: هو التخويف والتهديد، وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر، وبالكبر لا بالبعد، قاله النيسابورى.
٢٢ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾:
بيان إجمالي لحال من قابل آيات الله - تعالى - بالإعراض عنها بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد.
والمعنى: لا أحد أظلم لنفسه ممن ذكره الله بآياته الواضحة النيرة التي ترشد إلى الصراط المستقيم، والفوز بالسعادة العظمى والنعيم المقيم، ثم كان منه بعد التذكير بها ما يستبعد عقلا وهو الإعراض عنها بترك التدبر فيها، وتناسيها كأن لم يسمعها، ولم يعلم عنها شيئًا، وتشير كلمة (ثمَّ) إلى الاستبعاد العقلي للإعراض عن الآيات مع وصفها بما ذكر من الأوصاف العظيمة، وختمت الآية بتهديد كل من اقترف الإجرام والأفعال المذمومة، حيث قال - سبحانه
стр. 3756
وتعالى -: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ولم يقل: (منه) أي: من الأظلم (منتقمون) لأنه إذا جعله أظلم من كل ظالم، ثم توعد المجرمين جميعًا بالانتقام منهم، فقد دل بذلك على إصابة الأظلم بالنصيب الأوفر من الانتقام، ولو قال: (منه) لم تحصل هذه الفائدة.
وجوز أن يراد بالمجرمين الأظلم المذكور، وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى (مَن) باعتبار معناها، وكأنه قيل: إنا منهم منتقمون، واختير هذا التعبير ليؤذن الإتيان بالمظهر أن علة الانتقام ارتكاب هذا المُعْرض مثل هذا الجرم العظيم.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾
المفردات:
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: فلا تكن في شك من لقائك الكتاب مثله، والمرية: اسم من امترى في أمره: شك.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: قادة يقتدى بهم في دينهم.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ أي: يعلمون التوراة علمًا لا يداخله أي شكّ، واليقين: العلم الحاصل عن نظر واستدلال، ويَقِن الأمرُ من باب تَعِب: إذا ثبت ووضح، ويستعمل أيضًا متعديًا بنفسه وبالباء، فيقال: يقنته ويقنت به.
стр. 3757
التفسير
٢٣، ٢٤ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾:
المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب (أي: التوراة) فلا تكن - أيها النبي - في شك من لقائك كتاب القرآن مثلما لقى موسى كتاب التوراة، ونهيه ﵊ عن الشك في لقائه المقصود منه نهي أُمته، وجعلنا الكتاب الذي أنزل على موسى هاديًا لقوم - بني إسرائيل - من الضلالة، ويشير ذلك إلى أنه لم يتعبد به أحد من ولد إسماعيل، ولذلك خُصَّ به بنو إسرائيل، وجعلنا من بينهم قادة يقتدى بهم في دينهم سوى الأنبياء ﵈ جعلناهم يرشدونهم، ويدعونهم إلى سلوك الطريق القويم، وَفْق ما في تضاعيف الكتاب من الحِكم والأحكام، وذلك بأمرنا إياهم بأن يهدوا الخلق إلى طاعتنا، وكان هؤلاء أئمة حين صبروا على مشاق الطاعة، ومقاساة الشدائد في نصرة الدين، وفي ذلك إشارة إلى أن الصبر ثمرته الإمامة للناس، وكان هؤلاء الأئمة يصدقون بآيات التوراة تصديقًا يقينيًّا لا شك فيه، لحصوله عن نظر واستدلال، وكذلك لنجعلنَّ الكتاب الذي أُوتيته هدى لأمتك ولنجعلن منهم أئمة يهدون تلك الهداية، وفيه تعريض بكفرة أهل مكة، وأجاز بعضهم أن يراد من أئمة بني إسرائيل أنبياؤهم.
٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
المعنى: إن ربك هو يحكم ويقضي بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة فيميز بين الحق والمبطل فيما اختلفوا فيه من أُمور الدين، حتى يكون الجزاء لكل بما يستحقه قسطًا وعدلا، وفق العمل الذي عمله.
وقيل: يقضى بين الأنبياء وأُممهم. حكاه النقاش.
стр. 3758
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾
المفردات:
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾: أوَ لَمْ يبين لهم، والواو عاطفة على مقدر يقتضيه المقام، والتقدير: أغفلوا ولم يهد لهم، وفاعل (يهد) ضمير يشير إليه ما بعده.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: و (كم) في محل النصب بأهلكنا، ولا يصح أن يكون فاعلًا ليهد، لأن اسم الاستفهام. لا يحمل فيه ما قبله عند الجمهور، وأجازه الفراء، وهو رأي ضعيف، ومفعول (يهد) مقدر، والتقدير: أو لم يبين لهم الحق كثرة من أهلكنا … إلخ.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾: جمع قرن وهو الجيل من الناس.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾: وهي اليابسة التي لا نبات فيها؛ لأنه جُرِز نباتها، أي: قُطِع، إما لعدم المطر، وإما لأنه رعى وأُزيل، ولا يقال للتي لا تنبت، كالسباخ جمع سَبْخة، لا يقال لها: جرز، والسبخة - مسكنة ومحركة -: أرض ذات نَزّ (١) وملح: اهـ.
التفسير
٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ
أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾:
الهمزة للإنكار، والمعنى: أتركوا الاتعاظ، ولم يبين لهم الحق كثرة من أهلكنا قبلهم من القرون الكافرة المعروفة لهم كعاد وثمود وقوم لوط، أهلكناهم بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهمم إياهم فيما جاؤهم به من قويم السبل، فلم تبق منهم باقية، كما قال - تعالى -: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٢) وهؤلاء المكذبون من أهل مكة يمرون
стр. 3759
في أسفارهم للتجارة بديار وبلاد أولئك المكذبين المهلكين، ويشاهدون آثار هلاكهم. ويمشون في مساكنهم فلا يرون فيها أحدًا ممن كان يسكنها ويعمرها ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ (١) وكان عليهم أن يعتبروا بهذه القرون المعاقَبة قبلهم.
إن فيما حل بأولئك الطغاة من هلاك ودمار بسبب تكذيبهم الرسل إغفال ما جاءهم من الآيات البينات، وهي عظيمة في نفسها، كثيرة في عددها ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أَصَموا فلا يسمعون آيات الله وعظاته وأخبار من تقدم من الأُمم سماع تدبر واتعاظ، ليثوبوا إلى رشدهم، ويقبلوا على طاعة ربهم؟
٢٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾:
المعنى: أعَمُوا ولم يشاهدوا كمال قدرتنا بسَوْق السحاب الحامل للماء، أو بسوق نفس الماء بالسيل أو بإجرائه في الأنهار، نسوقه إلى الأرض الجرز وهي اليابسة التي لا نبات فيها لانقطاع الماء عنها أو لرعيه أو إزالته، نسوق الماء إليها لنحييها بعد موتها، فنخرج بالماء زرعًا - ويراد به النبات مطلقًا مزروعًا أو غير مزروع - نخرجه به ليكون غذاء تأكل منه أنعامهم كالكلأ (٢) والعشب والتبن والحبوب الخاصة بها، وتأكل منه أنفسهم، كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان والخضراوات والفواكه ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ هذا بأَعينهم، وينظرون إليه نظر تفكر وتدبر، فيستدلوا به على كمال قدرته - تعالى - على إحياء الموتى بالبعث، وعلى فضله وإحسانه إلى خلقه؟!.
وقدم الأنعام في الآية على أنفسهم لأن انتفاعها مقصور على الزرع، وأما الإنسان فقد يتغذى بغيره، وجعلت الفاصلة هنا (يبصرون) لأن ما قبلها مرئي، وفي الآية السابقة يسمعون لأن ما قبلها مسموع، وقيل: ترقيًا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر: ذكر ذلك الآلوسي.
стр. 3760
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾
المفردات:
﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ الفتح: الفعل، ويوم الفتح هو يوم القيامة، فهو وم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، وقيل: يوم بدر، أو فتح مكة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يؤخرون ويمهلون للتوبة.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن سفههم، ولا تُجبْهُم إلاَّ بما أمرناك به.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: منتظرون هلاككم، وسيأتي لذلك مزيد بيان.
التفسير
٢٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
المعنى: كان المشركون من أهل مكة يقولون للنبي وللمؤمنين على وجه التكذيب والاستهزاء: متى هذا الفتح؟ إذا سمعوهم يقولون لهم: إن الله سيفتح لنا عليكم بالفصل بيننا وبينكم في الخصومة فيثيب المحقين، ويعاقب المبطلين.
وهذه الآية مرتبطة بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١).
٢٩ - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾:
المعنى: قل لهم - أيها النبي تقريعًا لهم، وبيانًا للحق الثابت -: يوم الفتح، أي: يوم
стр. 3761
القضاء والفصل بين المؤمنين وأعدائهم في القيامة إذا حل بهم لا ينفع نفسًا إيمانها لفوات وقته، ولا هم يمهلون ويؤخرون من العذاب الذي يستحقونه ولو لحظة.
٣٠ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾:
المعنى: فأعرض - أيها النبي - عن سفه هؤلاء المشركين، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وبلغ ما أُنزل إليك من ربك، وانتظر النصر عليهم وهلاكهم، فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك نصرًا عزيرًا في الدنيا والآخرة، فهو - سبحانه - لا يخلف الميعاد.
وهم منتظرون أن تدور بكم الدوائر، وتصيبكم حوادث الزمان كقوله - تعالى -: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (١)، وسيجدون غِبَّ ما ينتظرون فيك وفي أصحابك من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم ما لا قبل لهم بدفعه.
وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي الإعراض عن المنكرين المستهزئين بالدعاة والمرشدين والمُضِيُّ في وعظهم وإرشادهم لعل الله يهديهم.
стр. 3762
" سورة الأحزاب"
مدنية، وآياتها: ثلاث وسبعون
مقاصدها:
بدأ الله هذه السورة بأمر المؤمنين في شخص نبيهم بتقوى الله وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، وباتباع الوحي، والتوكل على الله - تعالى - وعقب ذلك ببيان أن الأزواج لا حق لهم في تحريم زوجاتهم كتحريم أُمهاتهم، وأن التبني غير مشروع في الإِسلام، وأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أُمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وأحق بالميراث من المهاجرين والأنصار، ناسخًا بذلك التوارث بالتآخي في الإِسلام بينهم في أول الهجرة، ثم بيَّن للمؤمنين فضله عليهم في الانتصار في غزوة الأحزاب، حيث أرسل على أعدائهم الأحزاب ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون، ففر الأحزاب منهزمين، وأنقذ المسلمين بذلك من حصارهم من فوقهم ببني قريظة، ومن أسفل منهم بالأحزاب، ونعى على المنافقين تخاذلهم ومعاذيرهم الكاذبة التي اخترعوها للفرار من المعركة، وأثنى على المؤمنين الصادقين الذين ثبتوا مع رسولهم في المعركة حتى جاء النصر من عند الله .. ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ ثم أَتبع ذلك تخيير النبي لزوجاته، وأمر الله إياه بنصحهن، وختم ذلك بقوله - تعالى -: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ ثم أتبع ذلك نصائح للمسلمين والمسلمات، وذكر قصة الخلاف التي وقعت بين زيد ابن حارثة وبين زوجته زينب بنت جحش، وانتهت بطلاق زيد لها وتزوج النبي ﷺ إياها، تأكيدًا لنسخ التبني وآثاره.
стр. 3763
وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة، وكان يدعى زيد بن محمد فلما نسخت شرعة التبني أصبح يدعى زيد بن حارثة، ونزل في ذلك قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
ثم بين الله عدم وجوب العدة على المرأة إذا طلقت قبل الدخول، بها، وبين ما أحله لنبيه من الزوجات، وذكر طائفة من الآداب نحو بيوت النبي ﷺ وتحريم الزواج بزوجاته بعده، وبين وجوب لبس الثياب الساترة للمسلمات عند خروجهن، حتى لا يتعرضن للأذى، وهدد المنافقين والمرجفين بسوء المصير إن لم يرجعوا عن إرجافهم، وأمر رسوله أن يذكر لسائليه عن الساعة أنه لا يعلمها إلاَّ الله ولعلها تكون قريبًا، وبين أن الكافرين خالدون في النار أبدًا، وفي المؤمنين عن إيذاء الرسول كما آذى بنو إسرائيل موسى، وحثهم على أن يتقوا الله ويقولوا قولًا سديدًا وأوصاهم في ختامها بأداء الأمانة، لأن مسئوليتها عظيمة عند الله - تعالى -.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾
المفردات:
﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: دم على تقواه، أو زد على ما أنت عليه من التقوى.
стр. 3764
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: ودم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم.
﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: واسع العلم عظيم الحكمة. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾): فَوِّض الأمر إليه.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: وكفى به حافظًا ومعينًا.
التفسير
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
خاطب الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ولم يخاطب غيره من الأنبياء بوصف النبوة كقوله - تعالى -: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وقوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ وذلك لتشريف نبيه محمد وتكريمه، وليرتب عليه ما هو من أبرز آثاره وأقوى لوازمه، وهو وجوب التقوى منه لله - تعالى - وعدم طاعته للكافرين والمنافقين.
وسبب نزولها - على ما ذكره الثعلبى والواحدي - أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة ابن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي قدموا على النبي ﷺ في زمن الموادعة (١)، وقدم معهم من المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، فقالوا لرسول الله ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إنها تشفع وتنفع، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي ﷺ والمؤمنين وهموا بقتلهم.
وروى أن عمر بن الخطاب لما سمع قولهم هذا قال: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال ﷺ : "إني قد أعطيتهم الأمان" فقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي ﷺ أن يخرجوا من المدينة. وقيل: نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يمتعهم باللات والعزى سنة، يأخذون نذورها على أن لا يعبدوها، لتعلم قريش منزلتهم عنده ﷺ فأبى عليهم ذلك. ومعلوم قطعًا أن النبي أشد الناس
стр. 3765
تقوى لله، وأبعدهم عن طاعة الكافرين والمنافقين، وإنما أمره الله بذلك تأييدًا له في موقفه منهم، وتثبيتًا له في مواجهة الكافرين والمنافقين، لكي ييئسوا من موافقته لهم بعد أن تلقى هذا الأمر من مولاه - جل وعلا - كما أن فيه أمرًا ضمنيًا للمؤمنين بذلك، فإن النبي إمام أُمته، فإذا كان الله قد أمره بذلك - وهو من التقوى والبعد عن طاعة الكافرين والمنافقين بالمحل الأرفع - فغيره من أمته أولى بذلك.
والتقوى - كما قال طَلْقُ بن حبيب -: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله مخافة عذاب الله - ذكره القرطبي.
والمعنى الإجمالي: للآية: يا أيها النبي دُمْ على ما أنت عليه من تقوى الله وعدم طاعة الكافرين والمنافقين، فيما يعود على الدين بالضعف، وازدد في ذلك قوة على قوة، وليقتد بك المؤمنون في امتثال أمر الله ونهيه، إن الله كان - منذ الأزل ولا يزال - واسع العلم بالمصالح والمفاسد، عظيم الحكمة، فلا يكلفكم إلا ما تقتضيه الحكمة، مما يعود عليكم بالخير في الدنيا والآخرة.
وبين الله لنبيه سبيل التقوى فقال:
٢ - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
أي: واتبع في كل ما تأتي به أو تتركه من أمور الدين والدنيا ما يوحى إليك من ربك من الآيات والأحكام التي من جملتها ما جاء بالآية الكريمة السابقة، وليقتد بك المؤمئون في ذلك، إن الله كان بما تعملون خبيرًا، فيرشدكم إلى ما فيه صلاح أعمالكم وحسن المثوبة عليها.
٣ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
واعتمد على الله - تعالى - في القيام بأعباء الوحي وتكاليفه، وكفى بالله موكولًا إليه الأمور كلها، فلا تهمنك معاصاة الكافرين ومناوأتهم، فإن الله ناصرك ومؤيدك.
стр. 3766
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾
المفردات:
﴿فِي جَوْفِهِ﴾: في صدره.
﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ﴾ الظِّهار: قول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، يريد بذلك تحريتم مباشرتها تحريمًا أبديًا كما هو شأنه مع أمه، وهو مأخوذ من الظهر، باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك.
﴿أَدْعِيَاءَكُمْ﴾: جمع دعيٍّ، والمراد به هنا: الابن بالتبني. ﴿السَّبِيلَ﴾): الطريق.
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾: انسبوهم إلى آبائهم الذين ولدوهم.
﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾: هو أعدل.
﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: جمع مولى، ويطلق لغة على: المعتق، والعتيق، وابن العم، والناصر، والجار، والحليف، والمراد به هنا: الولي في الدين - أي: الصديق فيه - ويقابله العدو.
﴿جُنَاحٌ﴾: إثم.
﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾: فيما فعلتموه مخطئين جاهلين قبل النهي.
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه وقصدتموه من ذلك بعد النهي.
стр. 3767
التفسير
٤ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾:
نزلت هذه الآية لرد ما كان مزعومًا أو متبعًا قبل الإِسلام، فقد زعمت العرب أن الأريب اللبيب القوي الحافظة له قلبان، ومن ذلك قولهم لأبي معمر الفِهْري - أو جميل ابن معمر الجمحي - له قلبان، لأنه كان داهية قوى الحفظ لما يسمع، وكان يزعم أن له قلبين يفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، وقد كذَّبه الله قولًا في هذه الآية، وفعلًا يوم بدر، وذلك أنه انهزم في هذا اليوم، ولقي أبا سفيان في العير في طريقه إلى مكة وهو معلق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فسأله أبو سفيان: ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلاَّ أنهما في رجلي، فعرفوا من يومئذ أنه لو كان كما زعم لما لبس نعله في يده، والقلب: قطعة من اللحم صنوبرية الشكل، خلقه الله - تعالى - لضخ الدم في الشرايين لتغذية الجسم، وجذبه ثانيًا من الأوردة لإيصاله إلى الرئتين لتطهيره من "ثاني أُكسيد الكربون" الناتج من عملية الاحتراق في داخل الجسم، وبعد تطهيره يستعيده القلب ليعيد قذفه في الشرايين، وقد جعله الله مناطًا للحفظ والعلم، إما لأنه يمد الأجهزة الحافظة في المخ بغذائها - فهو سبب للحفظ والعلم - وإما لأن الحفظ والعلم من وظائفه.
وكان من عادة العرب أن يحرم الرجل زوجته على نفسه كتحريم أمه عليه، بأن يقول لها: أنت عليَّ كظهر أمي أو نحوها، فلا يباشرها كما لا يباشر أحَدٌ أُمَّه، وكانوا يعتبرون الظهار طلاقًا في الجاهلية، وسيأتي حكمه في الإسلام في سورة المجادلة بمشيئة الله - تعالى -.
كما كان من عادتهم أن يتبنى الرجل ولد سواه فيرث ماله من بعده كما يرث الولد من أبيه النَّسَبِي، وتحرم عليه زوجته كما تحرم عليه زوجة ابنه من صلبه، فنزلت الآية لردِّ هذا كله، وكان النبي ﷺ قد تبنى غلامه زيد بن حارثة بعد أن أعتقه، وفقًا كان عليه العرب، ولهذا كان يدعى زيد بن محمد، فلما نزلت هذه الآية نسبه
стр. 3768
إلى أبيه حارثة، قال القرطبي: روى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وكان زيد - فيما روي عن أنس بن مالك وغيره - مسبيًّا من الشام، سَبَته خيل من تهامة، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة، فوهبته خديجة للنبي ﷺ فأقام عنده مدة، ثم جاء عمه وأبوه يرغبان في فدائه، فقال لهما النبي ﷺ وكان ذلك قبل البعثة: خَيِّراه، فإن اختاركما فهو لكما دون فداءٍ، فاختار الرق مع رسول الله ﷺ وآثره على حريته وقومه، فقال محمد ﷺ : "يا معشر قريش، اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه" فرضي بذلك أبوه وعمه. اهـ: من القرطبي بتصرف يسير.
وكان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده وظرفه ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال: فلان ابن فلان. ذكره القرطبي.
والمعنى الإجمالي للآية: ما خلق الله لرجل من قلبين في صدره، بل خلق له قلبًا واحدًا يعيش على نبضاته، ويعى أصناف العلم بسببه، وما صير أزواجكم في حكم أمهاتكم من حرمة المباشرة، حتى تجعلوهن مثلهن فيها، وما جعل الغرباء من عتقائكم وغيرهم أبناءً لكم، حتى تعطوهم حكمهم في الميراثِ وحكم عدم نكاح زوجاتهم، ذلك الذي تزعمونه في شأن هؤلاء جميعًا هو قولكم بأفواهكم، دون أن يكون له نصيب من الصحة، والله يقول الحق في شأنهم وفي كل أحكامه، وهو يهدي بشرعه إلى الطريق المستقيم.
٥ - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾:
في هذه الآية زيادة بيان لحكم التبني في الإِسلام، قال النحاس: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التبني، وهو من نسخ السنة بالقرآن: اهـ. وبيان ذلك أن النبي سن
стр. 3769
للناس جواز التبني الذي كان معمولًا به في الجاهلية قبل نسخه بهذه الآية وما قبلها، ولو خالف الإنسان هذه الآية، فدعا غيره إلى أبيه بالتبني، فإن كان على جهة الخطأ، بأن سبق لسانه إليه فلا إثم عليه، لقوله - تعالى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولا يجري هذا المجرى من غلب عليه اسم المتبني، كما هو الحال في المقداد بن عمرو، فقد غلب عليه لقب المقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ولكنه لصق به لفظ (ابن الأسود) بعد نزولها، وكذلك سالم مولى أبي حذيفة فإنه كان يدعى لأبي حذيفة بعد نزولها، وغيرهما، ولم يحكم أحد بإثم من كان يقول هذا لغلبته على صاحبه.
وذلك غير ما حدث لزيد بن حارثة، فإنه لما نزلت الآية قطع الناس نسبه إلى محمد ﷺ بالبنوة، وعزوه إلى أبيه حارثة، فإن نسبه أحد بالبنوة إلى محمد بعد نزولها متعمدًا كان آثمًا، لقوله - تعالى -: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: فعليكم الجناح والإثم، قاله القرطبي، ثم قال في المسألة السادسة: روى الصحيح عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة، كلاهما قال: سمعته أُذناي ووعاه قلبي، محمدًا (١) يقول: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام".
أما قول الكبير للصغير: أنت ابني على سبيل التحنن والشفقة فلا حرمة فيه، ولكن بعض العلماء يرى كراهته، لما فيه من التشبه بالكفرة.
وحكم التبني بقوله: (هو ابني) عند الحنفية، أنه إن كان عبدًا عتق عليه، ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب، وكان بحيث يولد مثله لمثله، وعند الشافعية: لا عبرة بالتبني لا في العتق ولا في النسب (٢).
المعنى الإجمالي للآية: انسبوا من تبنيتموهم إلى آبائهم الحقيقيين، فإن لم تعلموا آبائهم يقينًا فهم إخوانكم في الدين وأولياؤُكم فيه، فقولوا: هذا أخى ووليي في الدين،
стр. 3770
أي: صديقي فيه (١)، وليس عليكم إثم فيما قلتموه مخطئين قبل النهي، أو بعده نسيانًا أو سبق لسان، ولكن الإثم فيما قلتموه عامدمين قاصدين البنوة وأحكامها بقلوبكم، وكان الله غفورًا فيغفر للعامد إذا تاب، رحيمًا برفع الحرج والإثم فيما كان قبل النهي، أو كان خطأ لسان أو نسيانًا بعده.
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوالْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾
المفردات:
﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أحق بهم من أنفسم.
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: مثل أُمهاتهم في التحريم واستحقاق التعظيم.
﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي: أصحاب القرابات بعضهم أحق ببعض في التوارث.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: إلاَّ أن تعطوا حلفاءكم من المهاجرين والأنصار: برًّا معروفًا كالتوصية.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي: كان ما ذكر من الأحكام في الآيات السايقة مسطورًا في اللوح المحفوظ.
стр. 3771
التفسير
٦ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوالْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ .. ﴾ الآية:
هذه الآية نسخ الله بها بعض الأحكام التي كانت في صدر الإسلام، وبيانه ما يلي:
(١) أنه ﷺ كان لا يصلي على أحد وعليه دين، فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه ديغ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته" أخرجه الصحيحان، وروى البخاري بسنده في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم قول الله - تعالى -: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضَيَاعًا فليأتني فأنا مولاه" أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحزاب.
والمراد من عصبته: قرابته، والضَّياع: مصدر ضاع جعل اسما لكل ما هو عرضة للضياع، من عيال لا كافل لهم، ومال لا قيِّم عليه، وسميت الأرض ضيعة لأنها معرضة للضياع، وتجمع على ضياع - بكسر الضاد (١) - وقال بض العلماء: هو أولى بهم من أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، ويؤيد هذا المعنى حديث مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش يقَعْن فيها، وأنا آخذ بحُجزِكم وأنتم تقتحمون فيها" قال العلماء: الحُجْزة للسراويل والمعقد للإزار، فهذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه، أخذ بذلك الموضع منه.
وهذا مثل لاجتهاد النبي ﷺ في نجاتنا، وحرصه على تخليصنا من المهالك التي بين أيدينا، بدافع شهواتنا ووسوسة الشيطان الرجيم، فهو أولى بنا من أنفسنا.
وفسرها بعضهم بأن المراد بأولويته بهم من أنفسهم أنه إذا أمر بشيء، ودعت النفس إلى غيره، كان أمر النبي ﷺ أولى، وشرعه أحق من هوى أنفسهم،
стр. 3772
فينفذ حكمه لا حكمهم قال - تعالى -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
واستنبط بعض الفقهاء من هذا الحديث - تفسيرًا للآية - أنه يجب على الإمام أن يقضى من بيت المال دين الفقراء، اقتداء بالنبي ﷺ في قوله: "فعلي قضاؤه".
(٢) ومنها أنها جعلت زوجات النبي ﷺ أُمهات المؤمنين، حيث صيرتهن في حكم الأمهات في وجوب التعظيم والنفقة وحرمة النكاح على الرجال، ثم إن هذه الأُمومة لا توجب ميراثًا، ولا تمنع من زواج بناتهن.
واختلف في كونهن أمهات النساء، فمنهم من قال بذلك قياسًا على الرجال، ومنهم من منع رعاية للنص، ولما رواه الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂: أن امرأة قالت لها: يا أُمَّه، فقالت لها: "لست لك بأُم، إنما أنا أُم رجالكم" قال ابن العربي: وهو الصحيح.
واستظهر القرطبي أنهن أمهات للرجال والنساء، فكما شملت أولوية النبي ﷺ الرجال والنساء بقوله - تعالى -: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فكذلك قوله - سبحانه -: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ويحمل الأثر المروى عن عائشة ﵂، إن صح -: (لست لكِ بأُم إنما أنا أم رجالكم) على أنه رأي لها في الآية. اهـ: بتصرف.
واختلف في النظر إليهن على وجهين: (أحدهما) أنهن كالمحارم فلا يحرم النظر إليهن. (وثانيهما) أن النظر إليهن حرام، لأن تحريم نكاحهن إنما هو لحفظ حق الرسول فيهن، ومن حفظ حقه فيهن حرمة النظر إليهن، وأما اللائي طلقهن الرسول ﷺ ففي ثبوت حق الأمومة لهن خلاف. ولا يجوز أن يسمى النبي
стр. 3773
ﷺ أَبًا للمؤمنين، لقوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولكن يقال: إنه مثل الأَب لهم، لقوله ﷺ : "إنما أنَا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم .. ". الحديث أخرجه أبو داود. وصحح بعضهم جواز إطلاق الأُبوة عليه؛ لأنه سبب للحياة الأبدية، كما أَن الأَب سبب للحياة، بل هو أحق بالأُبوة منه، وبهذا الرأْي أَخذ معاوية، وعكرمة، ومجاهد والحسن، بل قال مجاهد: كل نبي أب لأُمته، ومن هنا قيل في قول لوط: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إنه أراد النساء المؤْمنات من أُمته، وأَخرج غير واحد عن ابن عباس أنه كان يقرأُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
(٣) أن قوله - تعالى -: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المْهُاجِرِينَ والأْنصارِ﴾ ناسخ لما كان في أول الهجرة من التوارث بالهجرة، حكى سعيد عن قتادة قال: كان نزل في سورة الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (١) .. ﴾. فتوارث المسلمون بالهجرة، فكان لا يرث الأَعرابي المسلم من قريبه المسلم المهاجر شيئًا حتى يهاجر، ثم نسخ ذلِكَ في هذه السورة بقوله: ﴿وَأُولُوالْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾.
كما أنه ناسخ للتوارث بالحِلْف والمؤاخاة في الدين، روى هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام في تفسيرها قال: "إنا - معشر قريش - لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأَنصار نعم الإخوان، فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم، ثم قال: حتى أنزل الله هذه الآية فرجعنا إلى مواريثنا" وثبت عن عروة أن رسول الله ﷺ آخى بين الزبير وبين كعب بن مالك، فارْتَثَّ كعب يوم أُحد (٢)، فجاءَ الزبير يقوده بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب عن الضَّح والريح (٣) لورثه الزبير، فأَنزل الله - تَعالَى -
стр. 3774
﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (١) … ﴾ فبين الله - تعالى - أن القرابة أولى من الحلف، فتركت الوراثة بالحلف وورثوا بالقرابة. ويرجع ذلك إلى أن المسلمين لما توالدوا في الإِسلام وكثروا عدل بهم إلى التوارث بالقرابة بعد قطعه بسبب الكفر.
والمراد من كتاب الله: اللوح المحفوظ، أو القرآن الكريم، والمراد من لفظ (المؤمنين) الأَنصارُ، ومن لفظ (المعروف) في قوله: ﴿إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: الوصية، ومن (الأولياءِ) الأَصدقاء من المؤمنين، ويدخل فيهم المهاجرون والأنصار، فإن الوصية تصح لكل مؤمن ومؤمنة وتقدم على الميراث بالقرابة والمصاهرة، - لقوله - تعالى - في سورة النساء: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ (٢)﴾ بشرط أن تكون لغير وارث، قوله ﷺ : "لا وَصية لوارث" ومن العلماءِ من عمم المعروف في كل بر وخير، فيشمل الوصية وغيرها من أنواع البر كالهبة، ومنهم من عمم الأولياء فأجاز الوصية لليهود والنصارى إذا كانوا موالين، وبه قال محمَّد بن الحنفية. وغيره، ومنهم من قصر المعروف في غير المسلم على الأَقارب منهم كالوالدين والأَولاد، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المطولات.
والمعنى العام للآية: النبي أحق بالمؤمنين من أنفسم؛ لأَنه أكثر منهم رعاية وعناية بمصالحهم، فحبه مقدم على حبهم لأَنفسهم، وتنفيذ أمره وشرعه مقدم على تنفيذ رغباتهم وشهواتهم، فهو أعرف بمصلحتهم الدنيوية والأُخروية منهم، وأزواجه ﷺ كأُمهاتهم في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام، والبر والإعظام فلا يحل الزواج بإحداهن بعده، ولا التفريط في أي حق من حقوقهن، إعظامًا لمقام نبينا محمَّد ﷺ وإجلالًا لقدره في أُمته، وهن فيما عدا ذلك كالأَجنبيات، فلا تجوز الخلوة بهن كما تجوز
стр. 3775
بالأُمهات، ولا تحرم بناتهن ولا أَخواتهن كما تحرم بنات الأُمهات وأخواتهن، وأصحابُ القرابات - وقد انتشر الإِسلام بينهم - أحق بميراث قريبهم من المهاجرين والأنصار، لزوال الكفر الذي كان سببًا في حرمانهم من الميراث، ونقله منهم إلى المؤمنين من المهاجرين والأَنصار، وهذه الأولوية لا تمنع من أن تقدموا لأوليائكم من الأَنصار والمهاجربن وغيرهم معروفًا وبرًّا سوى الميراث كالوصية والهبة والهدية والصدقة، كان ما تقدم في هذه السورة من الأحكام في كتاب الله (اللوح المحفوظ، أو القرآن) مسطورًا واجب التنفيذ والامتثال.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾
المفردات:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾: واذكر - أيها النبي - حين أَخذنا.
﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: من النبيين عهدهم بالدعوة إلى دين الله.
﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: عهدًا عظيم الشأْن، أو قويًّا متينًا؛ لتأْكيده باليمين.
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ ليسأل النبيين عن الصدق الذي بلغوه لأَقوامهم، وعُبّر عن النببين بالصادقين لملازمتهم للصدق، وعما بلَّغُوه بالصدق؛ لأَنه من عند الله، وقد جعل نفس الصدق على سبيل المجاز.
стр. 3776
التفسير
٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾:
بعد أَن بين الله في الآيات السابقة بعض ما أبلغه رسوله محمَّد ﷺ لأُمته من الأَحكام الناسخة لما كانوا عليه قبلها، جاءَ بهذه الآية لبيان أن تبليغ أحكام الله وشرائعه أمر مفروض على النبيين جميعًا، وقد أخذ عليهم العهود والمواثيق بتبليغها، سواءُ أَكانت ناسخة لما قبلها، أَم مؤكدة لها، أم جديدة لم يسبق مثلها.
والتصريح بذكر هؤُلاءِ الأَنبياءِ الخمسة - مع اندراجهم في عموم الأَنبياءِ قبلهم - لكونهم مشاهير أرباب الشرائع، وأُولي العزم من الرسل، وقدم نبينا محمَّد ﷺ على سائر أولى العزم؛ تكريمًا له وتعظيمًا لشأْنه، لعموم نبوته وبقائها إلى قيام الساعة، فهو سيد ولد آدم ولا فخر، ورتب بعده باقى الأنبياء حسب ترتيبهم في الوجود والبعث، وإعادة أخذ الميثاق في الآية لتأكيده، ووصفه بكونه غليظًا تعظيمًا لشأْنه.
ومعنى الآية: واذكر لقومك - أيها النبي - حين أخذنا من جميع النبيين ميثاقهم أن يبلغوا شرائعنا لأُممهم، ويخصوني بالعبادة وحدي، وأخذنا هذا الميثاق بخاصة على أُولى العزم منهم، حيث أخذناه عليك وعلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم بذلك ميثاقًا مؤكدا عظيمًا، ثم بين المقصود من أخذ هذا الميثاق بقوله - سبحانه -:
٨ - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾:
أي: أخذنا الميثاق بتبليغ شرائعنا على جميع النبيين المعروفين بالصدق عندنا وعند أقوامهم منذ نشأَتهم؛ ليسأَل الله هؤُلاءِ الأَنبياءَ المتصفين بالصدق عما قالوه وبلغوه من شرائعه الصادقة، وبماذا أجابهم أقوامهم، فيؤدوا الشهادة أمام الله عما قوبلت به دعوتهم كما قال - سبحانه -: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ (١) ويرتب على شهادتهم ما يستحقه أقوامهم من ثواب أَو عقاب، وقد أَعد للمؤمنين ثوابًا كريمًا، وأعد للكافرين عذابًا أَليمًا.
стр. 3777
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾
المفردات:
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾: من قريش ومن تحزب معهم في غزوة الأَحزاب.
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾: المراد بهم: الملائكة.
﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: من أعلى الوادي من جهة المشرق، وهم بنو غطفان وبنو قريظة.
﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: من أسفل الوادى من جهة المغرب، وهم قريش وباقي حلفائها.
﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: مالت عن مستوى نظرها.
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي: خافوا خوفًا شديدًا، فالكلام على التمثيل أو الكناية لا على الحقيقة؛ لأن القلوب لا تفارق أماكنها من الصدور، ولكنها تضطرب رعبًا والحناجر: جمع حنجرة، وهي الحلقوم حيث مخرج الصوت.
﴿هُنَالِكَ﴾: ظرف مكان وقد يستعمل في الزمان حقيقة من قبيل المشترك، أو مجازًا، والمراد به هنا: الزمان، أي: في ذلك الحين ابتلى المؤمنون.
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: اضطربوا من الفزع اضطرابًا عنيفًا.
стр. 3778
التفسير
٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾:
تحكى هذه الآية والآيات التي بعدها قصة غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأَحزاب وكانت - كما قال ابن إسحاق -: في شوال من السنة الخامسة الهجرية.
والمراد بالجنود الذين جاءُوا لحرب المؤمنين: الأحزاب الذين تحزبوا لحرب رسول الله ﷺ وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أَسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة بن حصن - وكان الرسول قد أَقطعه أَرضًا يرعى فيها سوائمه حتى إذا سمن خفه وحافره قام يقود قومه لحرب من أَنعم عليه - وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل وبنو سليم يقودهم أبو الأَعور السلمى، وبنو النضير يقودهم رؤساؤهم حيي بن أخطب وأبناء بني الحقيق، وبنو قريظة برياسة سيدهم كعب بن أسد.
وكان بين بني قريظة وبين النبي ﷺ عهد فنقضوه بسعي حُيَيّ ابن أخطب، وكان عدد جنود الأَحزاب اثنى عشر ألفًا (١).
وسببها: أن يهود بني النضير كانوا قد خانوا عهد الرسول ﵇ وذلك أَن النبي وبعض أصحابه كانوا في ديار بني النضير، فائتمروا على قتله، بأن يأْخذ أحدهم صخرة فيلقيها على النبي ﷺ من علو، فأَطلع الله نبيه على قصدهم فرجع مع أصحابه، وبعث إليهم أن اخرجوا من بلادى فقد هممتم بقتلى، فتحصنوا بحصونهم، فحاصرهم النبي ست ليال، فسأَلوا أن يكف عن قتالهم، على أن يخرجوا من ديارهم ومعهم ما حملت الإبل غير آلة الحرب، فأَجابهم النبي إلى ما طلبوا، فذهب فريق منهم إلى خيبر وعلى رأْسهم حيي بن أخطب وآل أبي الحقيق وذهب آخرون إلى أَذرعات، فلم يقر لهم قرار بعد تركهم ديارهم، وعزموا على الأَخذ بالثأْر
стр. 3779
ليستردوا بلادهم، فذهب جمع منهم برياسة حييّ بن أخطب إلى قريش لتحريضهم على قتال النبي ﷺ ووعدهم أن يقاتلوه معهم، ثم حرضوا غطفان فاستجابوا لهم، فخرجت قريش مع أحابيشها وبنو غطفان، فلما علم الرسول بخروجهم في حشدهم الكبير برياسة أبي سفيان، استشار أصحابه: أيمكث بالمدينة أم يخرج لقتالهم خارجها؟ فأَشار عليهم سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة من الحرَّة الشرقية إلى الحرة الغربية، فإنها هي الجهة التي تعتبر عورة ومدخلا للمدينة، أما بقية حدودها فمشغولة بالنخيل والبيوت، فيصعب على العدو القتال من ناحيتها، فأعطى النبي ﷺ لكل عشرة أربعين ذراعًا ليحفروها، وقاسى المسلمون شدائد وصعابًا في حفرها، حيث لم يسبق لهم حفر الخنادق في حروبهم، ولم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم النبي ﷺ فكان ينقل التراب متمثلا بشعر عبد الله بن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا
فأَنزلَن سكينة علينا … وثبت الأَقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أَبينا
ثم خرج ﷺ بثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب بعسكره في الجهة الشرقية، مسندًا ظهره إلى جبل سلع المطل على المدينة، أما قريش وأحابيشها فنزلوا بمجمع الأَسيال، وأما غطفان فنزلت جهة أُحد، وكان الخندق فاصلا بين الرسول وبين أعدائه.
وقد أمر النبي ﷺ أن يقيم النساءُ والذراري في الآطام (١)، واشتد الخوف عند المسلمين، وتجلى نفاق المنافقين في هذه الغزوة، فانسحبوا من المعركة معتذرين بأَن بيوتهم عورة ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ وكانوا يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
стр. 3780
وفي أَثناءِ هذا الخطر الداهم، نقضت قريظة عهدها مع النبي ﷺ فأَصبح المسلمون بين نار من فوقهم ونار من أَسفل منهم، وقد هرب المنافقون بأَعذارهم المكذوبة، فزاغت الأَبصار وبلغت القلوب الحناجر من الخوف، ومضى قريب من شهر دون حرب بين الفريقين سوى الرمى بالنبل والحجارة من وراءِ الخندق، إلا أَن فوارس من قريش منهم عمرو بن عَبْدِ وُدّ - وكان يعد بأَلف فارس - وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، اقتحموا الخندق بخيولهم من مكان ضيق، فجالت خيولهم في السيخة بين الخندق وسلع، خرج علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في نفر من المسلمين، وأَخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فأَقبلت الفرسان معهم، وقتل عليٌّ عَمْرَو بنَ عَبْدِ وُدّ في قصة مشهورة، فانهزمت خيله حتى اقتحمت هاربة من الخندق، وقتل مع عمرومنبه بن عثمان بن عبد الدار، ونوفل بن عبد العزى، قيل: إنه وجد في جوف الخندق، فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم: أجمل من هذه ينزل بعضكم أُقاتله، فقتله الزبير بن العوام، وذكر ابن إسحاق أن عليًا طعنه في ترقوته حتى أَخرجها من مراقه فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال: "هولكم؛ لا نأْكل ثمن الموتى".
وقد هيأ الله للمسلمين بعد ذلك أسباب النصر، فقد جاءَ نعيم بن مسعود الأَشجعي من غطفان - وهو صديق قريش واليهود - فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وقومى لا يعلمون، فمرنى بأَمرك حتى أُساعدك، فقال ﷺ : أنت رجل واحد، وماذا عسى أن تفعل، ولكن خَذِّلْ عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة، فتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع النبي ﷺ وقال لهم: أنتم تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني، فوعدوه بكتمانه فقال: لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالم وديارهم وأن قريشًا وغطفان ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا إلى بلادهم وأما أنتم فتساكنون الرجل (يريد الرسول) ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأَرى أن لا تدخلوا هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، بأَن تأْخذوا منهم رهائن سبعين شريفًا منهم، فاستحسنوا رأْيه، ثم توجه
стр. 3781
إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودى لكم، ومحبتى إياكم، وإنى محدثكم حديثًا فاكتموه عني، فوعدوه بذلك، فقال: إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا مع محمَّد، وخافوا أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأْخذ جمعا من أشرافهم ونسلمهم إليك، وترد جناحنا التي كسرت - يريد بني النضير - فرضي بذلك منهم، ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل عما أخبر قريشًا، فأرسل أبو سفيان وفدا لقريظة يدعوهم للقتال غدًا - وكان يوم سبت - فقالوا: إنا لا نقاتل يوم السبت، ولم يصبنا ما أصابنا إلا بالتعدى فيه، ولن نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، فتحققت قريش وغطفان مما قاله نعيم بن مسعود الأشجعى، فتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضًا، وأدى نعيم بن مسعود بهذه الوقيعة أعظم خدمة للإسلام في هذا الخطر المحدق به.
وكان النبي ﷺ قد ابتهل إلى ربه قائلا: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأَحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا. عليهم" فكان هذا الدور الذي أداه نعيم جزءًا من إجابة الله لدعوته، وأرسل الله على أعدائه ريحًا باردة في ليلة مظلمة شاتية، كفأت قدورهم، وأطفأَت نيرانهم، وقلعت خيامهم، وأَرسل عليهم جنودًا من الملائكة لم يروها، كبَّرت في جوانب العسكر، فماجت الخيل بعضها في بعض، فقال طليحة بن خويلد الأَسدى: أما محمَّد فقد بدأكم بالسحر فالنجاءَ النجاء. فأَجمعوا أَمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح، خوفًا من أن تتفق يهود مع المسلمين فيهجموا عليهم في تلك الليلة المدلهمة، وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه، وليمسك بيده خوفًا من أن يدخل بينكم عدو، وبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أُمية: أنت رئيس القوم فلا تتركهم وتمضى، فنزل من فوق بعيره وآذنهم بالرحيل، فرحلوا مهزومين. والمعنى: يا أَيها الذين صدقوا باللهِ ورسوله، اذكروا نعمة الله عليكم حين جاءتكم جنود كثيرة من الأَحزاب، مجهزون بمختلف أنواع السلاح، فأَرسلنا عليهم ريحًا شديدة كفأَت قدورهم، وقلعت خيامهم، ونشرف الرعب بينهم، وأرسلنا عليهم - أيضًا - جنودًا من الملائكة لم تروها، وكان الله بما تعملونه من حفر الخندق والاستعداد للقتال بقدر وسعكم، وأنه لا يكفي في رد هؤُلاء الأَعداء المحيطين بكم، كان الله بذلك كله خبيرا، فلذلك نصركم بالريح والجنود التي لم تروها.
стр. 3782
١٠، ١١ - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ (١) مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾:
المعنى: يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم حين جاءكم جنود الأَحزاب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادى من جهة المشرق وهم بنو غطفان ومن تبعهم من أهل نجد وبنو قريظة وبنو النضير ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أَدنى الوادى من جهة المغرب - وهم قريش ومن تابعهم من الأَحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة (٢) - وحين مالت الأبصار عن مستواها، وانحرفت عن طريقتها (٣) حيرة ودهشة، وخافت القلوب خوفًا شديدًا، كأنها من خوفها بلغت الحناجر، وتظنون بالله مختلف الظنون، فالمؤمنون الصادقون يظنون أَن ينجز الله وعده بنصر نبيه وأَوليائه وإعلاء دينه - أو أنه يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، ويظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنهم مهزومون فيقولون ما يليق بحالهم مما سيحكيه الله - تعالى -: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: على اختلاف درجاتهم بهذه المحنة، واضطربوا اضطرابا قويًّا من شدة الفزع، وظهر على لسان كل فريق ما يليق بحال إيمانه من صدق أو نفاق.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾
стр. 3783
المفردات:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: من النصر.
﴿إِلَّا غُرُورًا﴾: إلا باطلا من القول. ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: يا أهل المدينة.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مكان لكم في أَرض المعركة تقيمون فيه وأنتم مطمئنون للنصر.
﴿فَارْجِعُوا﴾: إلى منازلكم. ﴿إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: غير حصينة (١).
﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الردة وقتال المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾: لفعلوا الفتنة.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: وما مكثوا بإتيانها إلا زمانًا يسيرًا مقدار السؤَال والجواب.
التفسير
١٢ - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾:
في هذه الآية وما بعدها يحكى الله موقف المنافقين ومرضى القلوب من وعد الله بالنصر في غزوة الأَحزاب، وتخذيلهم للمجاهدين من أَهل المدينة، وفرارهم من المعركة بأَعذار واهية، والتعبير بلفظ (يقول) بدلا من (قال) للدلالة على تكرار قولهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ واستحضارًا لصورته لمزيد التشنيع عليهم.
روى النسائي بسنده عن البراءِ قال: لما أَمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأْخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ فجاءَ رسول الله ﷺ فأَلقى ثوبه وأخذ المعول وقال: "باسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: "الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأُبصر قصورها الحمراءَ الآن من مكانى هذا" قال: ثم ضرب أُخرى وقال: "باسم اللهِ" فكسر ثلثًا آخر، ثم قال: "الله أَكبر. أُعطيت مفاتيح فارس، والله
стр. 3784
إني لأُبصر قصر المدائن الأَبيض "ثم ضرب الثالثة وقال: "باسم الله "فقطع الحجر، وقال: "الله أَكبر. أُعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر باب صنعاءَ (١) "وقد تحقق كل ذلك، ولكن المنافقين لا يفقهون، فوصفوا هذا الوعد بالغرور.
وجاء في حديث آخر أَنه ﷺ كلما ضرب ضربة أضاءَت له مملكة من هذه الممالك.
والمعنى الإِجمالى للآية: واذكر - أَيها النبي وكل مؤْمن - حين يقول المنافقون ومرضى القلوب مكررين: ما وعدنا الله من النصر والاستيلاء على الممالك إلا وعدًا باطلًا لا سبيل إلى تحقيقه.
١٣ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾:
المراد بالطائفة هنا عبد الله بن أبي بن سلول وأَصحابه - كما قال السدى - وقيل: هم أَوس بن قيظي وأَصحابه بنو حارثة - كما قال يزيد بن رومان.
ويثرب هي المدينة، وسميت يثرب باسم رجل من العماليق نزلها من قبل - كما قاله السهيلي - ولها عدة أَسماءٍ، منها: طابة، وطيبة، وقد كره بعض العلماءِ إطلاق لفظ يثرب عليها؛ لحديث رواه أحمد بسنده عن البراءِ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله" تفرد به أحمد، وفي إسناده ضعف كما قال ابن كثير.
ومعنى قولهم: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مكان لكم في أَرض المعركة تقيمون فيه، فأَنتم عرضة للفناءِ من الأَحزاب الكثيرة العدد والعُدَدِ، ويصح أن يكون المعنى: لا إقامة لكم، أي: لا يمكنكم الإقامة، أو لا ينبغي أَن تقيموا هنا والحال على ما ترون. أو: لا إقامة لكم في دين محمَّد، فارجعوا كفارا، وتحللوا بذلك من بيعتكم إياه وأسْلِمُوه.
ومعنى الآية: واذكر - أيها النبي وكل مؤمن - حين قال جماعة من المنافقين وضعفاءِ الإيمان لجنود المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للدفاع عن المدينة: لا ينبغي أن تقيموا هنا على شفير الخندق في مواجهة الأَحزاب، فارجعوا إلى بيوتكم، يريدون
стр. 3785
بذلك ترك النبي مع المهاجرين، حتى إذا انتصرت عليهم الأَحزاب كان لهم بذلك يد عندهم تنجيهم من بطشهم، ويستأْذن جماعة منهم النبي في العودة إلى بيوتهم ليحرسوها قائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: ذليلة غير حصينة يخاف عليها من السُّرَّاق، وما هي بعورة - كما زعموا - ما يريدون بهذا الاستئذان إلا فرارًا من أَرض المعركة.
١٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾:
ولو دخل الأَعداءُ المدينة أو البيوت من جوانبها على هؤُلاء المعتذرين عن القتال بخلل بيوتهم، ثم سأَلهم هؤُلاء الأَعداءُ الحرب في صفوفهم ضد محمَّد وأَصحابه لأَعطوها وخاضوا غمارها ضده، ولم يتلبثوا في بيوتهم إلا زمنًا يسيرًا بقدر ما يأْخذون سلاحهم فطلبهم الإذن في الرجوع إلى بيوتهم ليس راجعًا إلى اختلالها وعدم حصانتها - كما زعموا - بل لنفاقهم وكراهتهم نصرة رسولهم.
وفسر بعضهم الفتنة بالكفر، والمعنى عنده: ولو سئلوا الردة عن الإِسلام لأَعطوها وما مكثوا بإعطائها إلا زمنًا يسيرا بمقدار السؤال والجواب، والمعنى الأول أَولى، وهو اختيار ابن عطية، وقد دخل فيه هذا المعنى ضمنًا.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾