إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودى لكم، ومحبتى إياكم، وإنى محدثكم حديثًا فاكتموه عني، فوعدوه بذلك، فقال: إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا مع محمَّد، وخافوا أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأْخذ جمعا من أشرافهم ونسلمهم إليك، وترد جناحنا التي كسرت - يريد بني النضير - فرضي بذلك منهم، ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل عما أخبر قريشًا، فأرسل أبو سفيان وفدا لقريظة يدعوهم للقتال غدًا - وكان يوم سبت - فقالوا: إنا لا نقاتل يوم السبت، ولم يصبنا ما أصابنا إلا بالتعدى فيه، ولن نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، فتحققت قريش وغطفان مما قاله نعيم بن مسعود الأشجعى، فتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضًا، وأدى نعيم بن مسعود بهذه الوقيعة أعظم خدمة للإسلام في هذا الخطر المحدق به.
وكان النبي ﷺ قد ابتهل إلى ربه قائلا: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأَحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا. عليهم" فكان هذا الدور الذي أداه نعيم جزءًا من إجابة الله لدعوته، وأرسل الله على أعدائه ريحًا باردة في ليلة مظلمة شاتية، كفأت قدورهم، وأطفأَت نيرانهم، وقلعت خيامهم، وأَرسل عليهم جنودًا من الملائكة لم يروها، كبَّرت في جوانب العسكر، فماجت الخيل بعضها في بعض، فقال طليحة بن خويلد الأَسدى: أما محمَّد فقد بدأكم بالسحر فالنجاءَ النجاء. فأَجمعوا أَمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح، خوفًا من أن تتفق يهود مع المسلمين فيهجموا عليهم في تلك الليلة المدلهمة، وقد بلغ من خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه، وليمسك بيده خوفًا من أن يدخل بينكم عدو، وبدأ بالرحيل، فقال له صفوان بن أُمية: أنت رئيس القوم فلا تتركهم وتمضى، فنزل من فوق بعيره وآذنهم بالرحيل، فرحلوا مهزومين. والمعنى: يا أَيها الذين صدقوا باللهِ ورسوله، اذكروا نعمة الله عليكم حين جاءتكم جنود كثيرة من الأَحزاب، مجهزون بمختلف أنواع السلاح، فأَرسلنا عليهم ريحًا شديدة كفأَت قدورهم، وقلعت خيامهم، ونشرف الرعب بينهم، وأرسلنا عليهم - أيضًا - جنودًا من الملائكة لم تروها، وكان الله بما تعملونه من حفر الخندق والاستعداد للقتال بقدر وسعكم، وأنه لا يكفي في رد هؤُلاء الأَعداء المحيطين بكم، كان الله بذلك كله خبيرا، فلذلك نصركم بالريح والجنود التي لم تروها.
стр. 3782
١٠، ١١ - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ (١) مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾:
المعنى: يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم حين جاءكم جنود الأَحزاب ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادى من جهة المشرق وهم بنو غطفان ومن تبعهم من أهل نجد وبنو قريظة وبنو النضير ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أَدنى الوادى من جهة المغرب - وهم قريش ومن تابعهم من الأَحابيش وبنى كنانة وأهل تهامة (٢) - وحين مالت الأبصار عن مستواها، وانحرفت عن طريقتها (٣) حيرة ودهشة، وخافت القلوب خوفًا شديدًا، كأنها من خوفها بلغت الحناجر، وتظنون بالله مختلف الظنون، فالمؤمنون الصادقون يظنون أَن ينجز الله وعده بنصر نبيه وأَوليائه وإعلاء دينه - أو أنه يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، ويظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنهم مهزومون فيقولون ما يليق بحالهم مما سيحكيه الله - تعالى -: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: على اختلاف درجاتهم بهذه المحنة، واضطربوا اضطرابا قويًّا من شدة الفزع، وظهر على لسان كل فريق ما يليق بحال إيمانه من صدق أو نفاق.
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾
стр. 3783
المفردات:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعف اعتقاد. ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: من النصر.
﴿إِلَّا غُرُورًا﴾: إلا باطلا من القول. ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾: يا أهل المدينة.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مكان لكم في أَرض المعركة تقيمون فيه وأنتم مطمئنون للنصر.
﴿فَارْجِعُوا﴾: إلى منازلكم. ﴿إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: غير حصينة (١).
﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبها. ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الردة وقتال المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾: لفعلوا الفتنة.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: وما مكثوا بإتيانها إلا زمانًا يسيرًا مقدار السؤَال والجواب.
التفسير
١٢ - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾:
في هذه الآية وما بعدها يحكى الله موقف المنافقين ومرضى القلوب من وعد الله بالنصر في غزوة الأَحزاب، وتخذيلهم للمجاهدين من أَهل المدينة، وفرارهم من المعركة بأَعذار واهية، والتعبير بلفظ (يقول) بدلا من (قال) للدلالة على تكرار قولهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ واستحضارًا لصورته لمزيد التشنيع عليهم.
روى النسائي بسنده عن البراءِ قال: لما أَمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأْخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ فجاءَ رسول الله ﷺ فأَلقى ثوبه وأخذ المعول وقال: "باسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: "الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأُبصر قصورها الحمراءَ الآن من مكانى هذا" قال: ثم ضرب أُخرى وقال: "باسم اللهِ" فكسر ثلثًا آخر، ثم قال: "الله أَكبر. أُعطيت مفاتيح فارس، والله
стр. 3784
إني لأُبصر قصر المدائن الأَبيض "ثم ضرب الثالثة وقال: "باسم الله "فقطع الحجر، وقال: "الله أَكبر. أُعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر باب صنعاءَ (١) "وقد تحقق كل ذلك، ولكن المنافقين لا يفقهون، فوصفوا هذا الوعد بالغرور.
وجاء في حديث آخر أَنه ﷺ كلما ضرب ضربة أضاءَت له مملكة من هذه الممالك.
والمعنى الإِجمالى للآية: واذكر - أَيها النبي وكل مؤْمن - حين يقول المنافقون ومرضى القلوب مكررين: ما وعدنا الله من النصر والاستيلاء على الممالك إلا وعدًا باطلًا لا سبيل إلى تحقيقه.
١٣ - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾:
المراد بالطائفة هنا عبد الله بن أبي بن سلول وأَصحابه - كما قال السدى - وقيل: هم أَوس بن قيظي وأَصحابه بنو حارثة - كما قال يزيد بن رومان.
ويثرب هي المدينة، وسميت يثرب باسم رجل من العماليق نزلها من قبل - كما قاله السهيلي - ولها عدة أَسماءٍ، منها: طابة، وطيبة، وقد كره بعض العلماءِ إطلاق لفظ يثرب عليها؛ لحديث رواه أحمد بسنده عن البراءِ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله" تفرد به أحمد، وفي إسناده ضعف كما قال ابن كثير.
ومعنى قولهم: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مكان لكم في أَرض المعركة تقيمون فيه، فأَنتم عرضة للفناءِ من الأَحزاب الكثيرة العدد والعُدَدِ، ويصح أن يكون المعنى: لا إقامة لكم، أي: لا يمكنكم الإقامة، أو لا ينبغي أَن تقيموا هنا والحال على ما ترون. أو: لا إقامة لكم في دين محمَّد، فارجعوا كفارا، وتحللوا بذلك من بيعتكم إياه وأسْلِمُوه.
ومعنى الآية: واذكر - أيها النبي وكل مؤمن - حين قال جماعة من المنافقين وضعفاءِ الإيمان لجنود المسلمين الذين خرجوا مع الرسول للدفاع عن المدينة: لا ينبغي أن تقيموا هنا على شفير الخندق في مواجهة الأَحزاب، فارجعوا إلى بيوتكم، يريدون
стр. 3785
بذلك ترك النبي مع المهاجرين، حتى إذا انتصرت عليهم الأَحزاب كان لهم بذلك يد عندهم تنجيهم من بطشهم، ويستأْذن جماعة منهم النبي في العودة إلى بيوتهم ليحرسوها قائلين: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: ذليلة غير حصينة يخاف عليها من السُّرَّاق، وما هي بعورة - كما زعموا - ما يريدون بهذا الاستئذان إلا فرارًا من أَرض المعركة.
١٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾:
ولو دخل الأَعداءُ المدينة أو البيوت من جوانبها على هؤُلاء المعتذرين عن القتال بخلل بيوتهم، ثم سأَلهم هؤُلاء الأَعداءُ الحرب في صفوفهم ضد محمَّد وأَصحابه لأَعطوها وخاضوا غمارها ضده، ولم يتلبثوا في بيوتهم إلا زمنًا يسيرًا بقدر ما يأْخذون سلاحهم فطلبهم الإذن في الرجوع إلى بيوتهم ليس راجعًا إلى اختلالها وعدم حصانتها - كما زعموا - بل لنفاقهم وكراهتهم نصرة رسولهم.
وفسر بعضهم الفتنة بالكفر، والمعنى عنده: ولو سئلوا الردة عن الإِسلام لأَعطوها وما مكثوا بإعطائها إلا زمنًا يسيرا بمقدار السؤال والجواب، والمعنى الأول أَولى، وهو اختيار ابن عطية، وقد دخل فيه هذا المعنى ضمنًا.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾
стр. 3786
المفردات:
﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ أي: لا يفرون، والفار يُوَلّى دبره.
﴿مَسْئُولًا﴾: مطلوبًا الوفاءُ به.
﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لا تنتفعون بالبقاء إلا زمنًا قليلًا.
﴿يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: يمنعكم من قضائه خيرًا كان أو شرًا.
التفسير
١٥ - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾:
قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أُحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله على أن لا يعودوا لمثل ما فعلوا.
وهذه الآية الكريمة تعيب عليهم نكوصهم في عهدهم في غزوة الخندق، حيث كانوا ضمن المنافقين المستأْذنين في الرجوع من المعركة لحفظ بيوتهم من الأَعداءِ، بحجة أَن بها عورة وخللًا، وتُذكّرهم بوجوب الوفاءِ بالعهد.
والمعنى: وقد كان هؤُلاءِ المنافقون المعتذرون عاهدوا الله أمام رسوله من قبل هذه الغزوة أن لا يعودوا للفشل الذي هموا به يوم أُحد، فلا يولون الأَدبار في حروب الرسول مع الكافرين، وكان الوفاءُ بعهد الله مطلوبًا، فما بالهم يستأذنون في العودة إلى بيوتهم في أَصعب أحوال الحرب بين الإِسلام والكفر.
١٦ - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
قل - أيها الرسول - لهؤلاءِ المعتذرين الفارين من المعركة: لن ينفعكم الفرار من الموت حتف أُنوفكم إن قضى الله بذلك، أو من القتل إن قضى الله أَن تقتلوا وإذا فررتم من أَحدهما فسيدرككم ما قضاه الله عليكم منهما، وإذًا لا تمتعون بالفرار إلا زمانًا قليلًا مهما طال، فإن متاع الدنيا قليل مهما طال الأَجل.
стр. 3787
١٧ - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
قل لهم - أيها الرسول -: من هذا الذي يمنعكم من قضاء الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله - عندما يحل بهم السوءُ - قريبًا ينفعهم ولا نصيرًا يدفع الضر عنهم.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾
المفردات:
﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾: المثبطين الصادين الناس عن رسول الله، وهم المنافقون.
﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾: تعالوا إلينا وأَقبلوا علينا.
﴿الْبَأْسَ﴾: الحرب والقتال، وأَصل معناه: الشدة.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: بخلاءَ بالمعاونة.
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ﴾: كنظر المغشى عليه.
﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: من معالجة سكرات الموت.
﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذوكم بالكلام وبالغوا في شتمكم وذمكم.
стр. 3788
﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: قاطعة سلطة.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: بخلاءَ على الإنفاق في سبيل الله.
﴿أَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أبطلها.
التفسير
١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
ذكر الله في الآيات السابقة بعض صور النفاق وصفات المنافقين، فهم الذين يستأْذن فريق منهم النبي في الرجوع إلى المدينة في غزوة الخندق متعلين بأَن بيوتهم غير محصنة ولابد من حراستها، وما يريدون إلا الفرار مع أَن بعضهم عاهدوا الله في غزوة أحد لا يولون الأَدبار، ولن ينفعهم الفرار من الموت أو القتل، ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا.
وفي هذه الآية الكريمة يبين الله صورة من صور هؤلاء المنافقين.
وقد نزلت هذه الآية الكريمة - كما قال ابن السائب - في عبد الله بن أُبي، ومن رجع معه من المنافقين من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءَهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في جيش الرسول أن: ائتونا فإنا ننتظركم.
والمعنى: يعلم الله على سبيل التحقيق المثبطين سرًّا عن رسول الله، وهم فريق من المنافقين يصدون الناس عنه، ويمنعونهم من شهود الحرب معه، ومشاركته في الذب عن دين الله، وقتال أعداءِ الإِسلام، وهم الذين يقولون لإخوانهم في النفاق وكراهية الرسول وبغض الإِسلام: هلم إلينا، أَي: انضموا إلينا وقربوا أَنفسكم منا، وتعالوا ودعوا محمدًا فلا تشهدوا معه حربًا، فإنا نخاف عليكم الهلاك بهلاكه. وكانوا لا يباشرون الحرب والقتال إلا قيلا لعدم إخلاصهم، فهم لا يشهدون القتال إن شهدوه إلاَّ تقية دفعا عن أنفسهم.
وقيل: إن قوله - تعالى -: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ من تتمة كلامهم، ومعناه: ولا يأْتي أصحاب محمَّد حرب الأَحزاب، ولا يبقون فيها إلاَّ زمانًا قليلا تدور بعده الدوائر عليهم، والظاهر المعنى الأَول.
стр. 3789
١٩ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾:
لا يزال النظم الكريم يعرض صور المنافقين. ومعنى الآية: بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة وبكل ما فيه منفعة لكم، فإِذا جاءَ الخوف من العدو، وتُوُقِّع أن يُستأْصل أَهل المدينة، رأيتهم ينظرون إليك في تلك الحال تدور أعينهم في أحداقهم حائرة، كحال المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذرًا وخوفًا من الحرب.
فإِذا ذهب الخوف وجاءَ الأَمن وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نسوا تلك الحال واجترأْوا عليكم، وضربوكم بأَلسنة ذَرِبَةٍ فصيحة وقالوا: عظموا نصيبنا من الغنيمة فإنا ساعدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا نصرتم.
وقد سأَل نافع بن الأَزرق، ابن عباس ﵁ عن "السلق" في الآية فقال: الطعن باللسان، قال: وهل تعرف العرب ذلك، فقال: نعم، أَما سمعت قول الأعشى:
فيهم الخصب والسماحة والنجـ … ـدة فيهم والخاطب المسلاق
وفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة البليغة، قال: معنى سلقوكم: خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة، يقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغًا في خطبته.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: بخلاءَ على كل خير، فلا يعاونونكم في الحرب ولا ينفقون في سبيل الله، ولا غير ذلك من فنون الخير، أولئك الموصوفون بما ذكر من صفات السوء لم يؤمنوا إيمانًا صحيحًا نابعًا من قلوبهم، فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا في قلوبهم الكفر وتظاهروا بالإِسلام، ولم يستبطنوه فأَحبط الله أعمالهم، أي: أذهب أجرها وأظهر بطلانها؛ لأنها باطلة مذ عملت؛ إذ صحتها مشروطة بالإيمان الصادق، وكان ذلك الإحباط على الله يسيرا هينا سهلا، لا يبالى به ولا يخاف اعتراضا عليه؛ لأنه عادل
стр. 3790
يقول العلامة الزمخشرى: وفي هذا بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان الصحيح، وتنبيه على أَن الأَعمال الكثيرة من غير تصحيح الإيمان كالبناء على غير أَساس وأنها مما يذهب عند الله هباءً منثورًا.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾:
المفردات:
﴿بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾: كائنون في البادية الأَعراب.
﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: رياءً وسمعة وخوفًا من التعيير.
التفسير
٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾:
ومن صفات المنافقين أنهم يظنون أن جيوش الأحزاب لا تزال مكانها تحاصر المدينة وأنهم لم يرحلوا ولم يشتت الله شملهم، وذلك لما مسهم من الجزع، وأصابهم من الدهشة والهلع، وإن يأْت الأَحزاب كرة ثانية يتمنوا أنهم خارجون إلى البدو ومقيمون بين الأعراب يتسقطون أخباركم، ويسأَلون كل قادم من جانب المدينة عما حدث لكم وجرى عليكم من الأَحزاب، وهكذا يتعرفون أحوالكم بالاستخبار والسؤال لا بالمشاهدة والعيان فرَقًا وخوَرًا.
واختيار البادية ليكونوا سالمين من القتال، بعيدين عن أرض المعركة، ولو كانوا فيكم في هذه الكرة المفروضة، وظلوا في معسكركم، وحدث قتال، والتحم الجيشان
стр. 3791
ما قاتلوا إلا قتالًا قليلًا رياءً وسمعة وخوفًا من التعيير، وهو قليل لا يجدى نفعًا، ولا يسوق نصرا، ولا يدفع ضررا لأَنه زياءٌ، ولو كان لله لبالغوا في القتال لتحقيق النصر.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾
المفردات:
﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قدوة طيبة.
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: يأْمل رضا الله، وثواب اليوم الآخر.
﴿مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاءِ والنصر.
﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ أَي: ظهر صدق خبر الله ورسوله في الوعد.
﴿وَتَسْلِيمًا﴾: وانقيادًا لأَوامره وطاعة لرسوله.
التفسير
٢١ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾:
هذه الآية أصل كبير في التأَسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولقد أمر الله ﵎ الناس فيها بالتأَسى بالنبي ﷺ يوم الأَحزاب في صبره، ومصابرته، ومرابطته، ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه
стр. 3792
وقال معاتبا للذين قلقوا واضطربوا في أَمرهم يوم الأحزاب وللمتخلفين: لقد كان لكم (١) في رسول الله أُسوة حسنة فهلا اقتديم به وتأسيتم بشمائله؟ والآية وإن سيقت للاقتداء به ﵇ في أمر الحرب من الثبات في القتال ونحوه، فهي عامة للاقتداء به في كل أفعاله "ما لم يُعلم أنها من خصوصياته".
أخرج الشيخان والنسائى وابن ماجه وغيرهم عن ابن عمر: أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأَته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: لما قدم رسول الله ﷺ طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة ثم قرأَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: لمن كان يأْمل رحمة ربه ورضوانه، ونعيم اليوم الآخر وهو يوم القيامة أو يخاف الله واليوم الآخر، فالرجاءُ هنا بمعنى الأَمل أو الخوف، وقرن بالرجاء كثرة الذكر لأَن المثابرة على كثرة ذكره تؤدي إلى ملازمة الطاعة وبها يتحقق التأَسي والاقتداءُ برسول الله ﷺ .
وصرح بعض الأَجلة كالإِمام النووى أَن ذكر الله المعتبر شرعًا ما يكون في جملة مفيدة كسبحان الله، والحمد لله، وأَجمعوا على أن الذكر المتعبد بمعناه لا يثاب صاحبه ما لم يستحضر معناه، فالمتلفظ بنحو: سبحان الله والحمد لله إذا كان غافلا عن المعنى لا يثاب إجماعًا.
٢٢ - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾:
هذا بيان لما صدر عن خلص المؤْمنين وصالحي المسلمين عند اشتباه الشئون، واختلاط الظنون بعد حكاية ما صدر عن غيرهم.
стр. 3793
أي: لما شاهد المؤْمنون الأَحزاب وعاينوا جموعهم المحتشدة، قالوا مشيرين إلى ما شاهدوه: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار الذي يعقبه الفرج القريب والنصرة على الأعداءِ، أو الجنة. قال ابن عباس: يعنون قوله - تعالى - في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١) وفي البحر عن ابن عباس قال: قال الرسول لأصحابه: "إن الأحزاب سائرون إليم تسعا أو عشرا" أي: بعد تسع ليال أو عشر من وقت أخباره لهم، فلما رأوهم قد أَقبلوا للميعاد قالوا ذلك. وكذلك قول الرسول: "سيشتد الأَمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم" وتتبعه ابن حجر بأَنه لم يوجد في كتب الحديث.
وصدق الله ورسوله في الوعد حيث ظهر صدق خبر الله. ورسوله في مجئ الأَحزاب وفي النصرة عليهم، وما زادهم ما رأَوه من الضيق، وما كابدوه من الشدة إلا قوة إيمان بالله، وحسن انقياد لأوامره، وطاعة لرسوله.
وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد ويقوى لزيادة التكاليف وزيادة الأَعمال، وكما يزيد لذلك ينقص بنقصه - كما قال الجمهور.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾
стр. 3794
المفردات:
﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: من الثبات في القتال مع الرسول حتى الاستشهاد أو النصر، ووفوا بذلك.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: وفاءً بنذره بأَن قاتل حتى استشهد.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾: ومنهم من يبق حيا ينتظر ذلك الشرف.
﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهد الله ولا نقضوا شيئا منه.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: بأن يميتهم على نفاقهم فيعذبون بكفرهم.
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أو يوفق المستعد منهم للتوبة.
التفسير
٢٣ - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾:
لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأَنهم استمروا على العهد والميثاق.
أخرج الإِمام أَحمد ومسلم والترمذي والنسائى وجماعة عن أَنس قال: غاب عمى أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله غبت عنه!! لئن أَراني الله مشهدا مع رسول الله فيما بعد ليرين الله - تعالى - ما أصنع، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أَبا عمرو أَين؟ قال: واها لريح الجنة أَجدها دون أُحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ .... ﴾ الآية. وكانوا يرونها نزلت فيه وفي أصحابه.
وفي الكشاف: نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، أي: نذر الثبات التام والقتال الذي يُفضى بحسب العادة إلى نيل الشهادة أو النصر.
стр. 3795
والمعنى: من المؤْمنين المخلصين رجال، أي رجال؟! رجالٌ عاهدوا الله أن يكونوا فداءً للدعوة وقربانا للإسلام، ومنارات على طريق الإيمان بالثبات مع الرسول في القتال، والاستبسال في الذود عن دين الله حتى يفوزوا بإحدى الحسنيين: الشهادة أَو النصر، وصدقوا في هذا العهد بأَن وفوا به وحققوه بما أظهروه من أعمالهم، ومن وفى بعهده فقد صدق فيه.
وهؤُلاء الصادقون منهم من قضى نحبه، أَي: وَفَّى بنذره بأَن قاتل حتى استشهد كحمزة أَسد الله ورسوله، قتل وهو يصول ويجول كالأَسد الهصور في الميدان، ومصعب ابن عمير استشهد وهو يحمل لواءَ المؤمنين إلى الجنة، وأَنس بن النضر الذي تقدمت قصته، ومنهم من ينتظر بأَن بقى حيًّا يتشوف إلى ذلك الشرف وينتظر يوما فيه جهاد فيقضي نحبه ويؤَدى نذره ويفي بعهده كعثمان وطلحة، روى أَن طلحة ثبت مع رسول الله يوم أحد حتى أُصيبت يده، فقال الرسول: "أوجب طحة".
وعن ابن عباس أن نافع بن الأَزرق سأَله عن قوله - تعالى -: (قَضَى نَحْبَهُ) فقال: أجله الذي أجل له، فقال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد:
ألا تسأَلون المرءَ ماذا يحاول … أنَحْبٌ فيقضى أم ضلال وباطل
وأَخرج جماعة عنه أنه فسر ذلك بالموت، وروى نحوه عن ابن عمر.
والمعنى الأصلي للنحب - على ما قرره الراغب والبيضاوى والكشاف -: النذر، يقال: قضى فلان نحبه، أي: وفى بنذره، واستعير للموت لأَنه كنذر لازم في رقبة كل حيران، كما يطلق - أيضًا - في اللغة على الأَجل والنفس وغيرهما.
﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: وما غيّر هؤُلاء الصادقون عهدهم، ولا نقضوه ولا بدلوا تبديلا، لا أصلا ولا وصفا، بل ظلوا على ما عاهدوا الله عليه، وثبتوا راغبين فيه مراعين لحقوقه صادقين في تحقيقه، وفي الكلام تعريض بمن بَدَّله من المنافقين، فكأَنه قيل: وما بدلوا تبديلا كما بدل المنافقون.
стр. 3796
٢٤ - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
المعنى: إنما يختبر الله عباده بالخوف والشدائد والزلازل والمحن ليميز الخبيث من الطيب فيظهر أَمر هذا وذاك بالفعل، ليجزى الله المؤمنين الصادقين بصدقهم في إيمانهم ووفائهم وصبرهم على تحقيق ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به ومحافظتهم عليه، ويعذب المنافقين الناقضين عهد الله، المخالفين لأَمره إن شاءَ إن لم يتوبوا، أو يتوب عليهم بأن يوفق المستعد منهم للتوبة.
ولما كانت رحمته ﵎ بخلقه هي الغالبة قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾: بقبول التوبة ﴿رَحِيمًا﴾: بالعفو عن المعصية.
والمراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة: أنه - تعالى - إن شاءَ عذبهم في الآخرة لبقائهم على نفاقهم في الدنيا، وإن شاءَ - سبحانه - لم يعذبهم بأَن يسلب عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى التوبة والإِخلاص في الإيمان والعمل.
ومثل ذلك قول السدي: المعنى: ويعذب المنافقين إن شاءَ تعذيبهم لبقائهم على نفاقهم، أو يتوب عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان بالتوبة فيعفو عنهم.
وللعلامة الآلوسي كلام طويل في هذا الموضوع فليرجع إليه من أَراد.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾
المفردات:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الأَحزاب.
﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الغيظ: أشد الغضب والحنق.
﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾: غير ظافرين بشيءٍ من مرادهم.
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: بجنوده من الريح والملائكة.
стр. 3797
التفسير
٢٥ - ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيًّا عَزِيزًا﴾:
رجوع إلى حكايته بقية القصة، وتفصيل لتتمة النعمة المشار إليها إجمالا بقوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١).
يقول الله - تعالى - مخبرا عن الأحزاب لما أَجلاهم عن المدينة بما أَرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية: ورد الله الأحزاب الذين كفروا، بما أَرسله عليهم من الريح والجنود، فلم ينالوا خيرا من غزوهم للمؤمنين، فقد أَلقى الله الرعب في قلوبهم فولوا مهزومين مدحورين، وكفى الله المؤمنين القتال ولم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله المؤْمنين قتلهم وحده، ونصر عبده، وأعز جنده بجنود من الريح والملائكة.
وكان رسول الله ﷺ يقول: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأَحزاب وحده، فلا شئَ بعده" أخرجه الشيخان.
وفي قوله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش وحلفائها، قال محمَّد بن إسحق: لما انصرف أهل الخندق قال ﷺ فيما بلغنا: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم" فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان رسول الله يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله - تعالى - مكة، وهذا الحديث الذي ذكره محمَّد بن إسحاق صحيح كما قال الإِمام أحمد، وروى مثله الإِمام البخاري في صحيحه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على تنفيذ ما يريد، ﴿عَزِيزًا﴾ لا يغلبه غالب.
стр. 3798
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾
المفردات:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾: عاونوا الأَحزاب وساعدوهم.
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: يهود بني قريظة.
﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾: من حصونهم، جع صِيصيَة، وهو: ما تُحصِّن وامتُنِع به.
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: وأَلقى في قلوبهم الخوف الشديد.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ﴾: وملككم إياها وجعلها لكم.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد وهي خيبر، أخذت بعد قريظة، وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
التفسير
٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾:
سبب النزول:
روي أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأَحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إليهم فإن الله دَاقُّهُمْ (١) دقَّ البيض على الصفار، وإنهم لكم طعمة، فأذن في الناس أن من كان
стр. 3799
سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاءِ الآخرة لقول رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "تنزلون على حكمى؟! " فأبوا، فقال: "على حكم سعد بن معاذ" فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أَن يقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم ونساؤُهم، فكبر النبي ﷺ وقال: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أَرقعة" (١) ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا وقدمهم فضربت أعناقهم، وروى أن النبي جعل عقارهم للمهاجرين دون الأَنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال: "إنكم في منازلكم" وقال عمر ﵁: أَما تخمس كما خمست يوم بدر؟ قال: "لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس" قال: رضينا بما صنع الله ورسوله - اهـ: الكشاف بتصرف.
والمعنى: وأنزل الله الذين عاونوا الأحزاب المخذولة وساعدوهم على حرب رسول الله من أهل الكتاب، وهم بنو قريظة - من اليهود من بعض أَسباط بني إسرائيل - كان قد نزل آباؤُهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأُمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٢) واقتلعهم من قلاعهم التي تحصنوا بها، وحصونهم التي امتنعوا خلفها، وأَلقى في قلوبهم الخوف الشديد، لأنهم مالأُوا المشركين على حرب الرسول -، وهم يعرفون صفاته في كتبهم، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليكون لهم العز والغلبة والشوكة، فرد الله عليهم كيدهم في نحرهم، انهزم المشركون ورجعوا بصفقة المغبون، وتركوا حلفاءهم من بني قريظة لنصيبهم المحتوم، وراموا استئصال المؤْمنين فاستئصلوا، ولهذا قال - تعالى -: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾: فالذين قُتِلُوا هم المقايلة، والأَسرى هم النساءُ والذرارى.
٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾:
стр. 3800
وأَورثكم مزارعهم، وملككم حصونهم ومنازلم وأَموالهم: نقودهم ومواشيهم وأثاثهم، انتقل إليكم ملكها بعد قتلهم، وأَصبح مِلْكُكُم إياها مِلْكًا قويا، ليس بعقد يقبل الفسخ أو الإقالة، وأَورثكم أيضًا أرضا لم تطأْها أَقدامكم من قبل، قال عروة: لا أَحسبها إلا كل أرض فتحها الله -تعالى- على المسلمين، أو هو فاتحها إلى يوم القيامة، وبذلك قال عكرمة واختاره في البحر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: فقد شاهدتم بعض آثار قدرته في هزيمة الأحزاب وتشتيت جموعهم، والانتصار العظيم علي بني قريظة وأورثكم أرضهم وأموالهم، وهو - سبحانه - قدير على أن يملككم ما شاء.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
المفردات:
﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾: وكن تسعا وطلبن منه شيئا من زينة الدنيا.
﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: السعة فيها والتنعيم بها.
﴿وَزِينَتَهَا﴾: وزخرفها ومتعها.
﴿فَتَعَالَيْنَ﴾: أَقْبلْنَ بإرادتكن واختياركن.
﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ متعة الطلاق.
﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أطلقكن.
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: طلاقا حسنًا لا ضرار فيه.
التفسير
٢٨ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾:
стр. 3801
جاءَ في البحر: أنه لما نصر الله نبيه، وردَّ عنه الأَحزاب، وفتح عليه النضير وقريظة، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحليّ والحُلَل والإماءِ والخَوَل (١)، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه الشريف ﷺ بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأَن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأَبناءَ الدنيا أَزواجهم، فأَمره - تعالى - أن يتلو عليهن ما نزل في أَمرهن من تخييرهن في فراقه، وذلك قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ … الآية﴾ وبدأَ بعائشة فقال لها: "إني ذاكر لك أَمرا ما أحب أن تتعجلي فيه حتى تستأْمرى أبويك". قالت: ما هو؟ فتلا عليها قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ … الآية﴾ قالت: أَفيك استأْمر أبويّ؟ بل أختار الله ورسوله، ثم تتابعن كلهن على ذلك فسماهن الله أُمهات المؤْمنين، تعظيما لحقهن، وتأْكيدا لحرمتهن، وتفضيلا لهن على سائر النساء، وقصره عليهن إذ قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٢) اهـ: آلوسى. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم مثل ذلك، ومما سبق يتضح مناسبة هذه الآية لما قبلها.
وفي خبر رواه ابن جرير وابن أَبي حاتم عن قتادة والحسن: أَنه لما نزلت آية التخيير كان تحته ﵇ تسع نسوة، خمس من قريش وهن:
(١) عائشة (٢) وحفصة (٣) وأم حبيبة بنت أبي سفيان (٤) وسودة بنت زمعة (٥) وأم سلمة بنت أبي أُمية.
ومن غير قريش: (٦) صفية بنت حُيَيّ الخيبرية (٧) وميمونة بنت الحارث الهلالية (٨) وزينب بنت جحش الأسدية (٩) وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكان هذا التخيير كما روى عن عائشة وأبي جعفر بعد أن هجرهن - عليه الصلاة السلام - شهرا "تسعة وعشرين يوما" وكان درسا قاسيا، وموقفا حاسما - وقفه رسوله الله أمام نسائه حين أردن زخارف الدّنيا وزينتها - بأَمر من الله.
والمعنى: يا أيها النبي قل لأزواجك ناصحًا مبينًا لهن وحي الله وأمره: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، والسعة فيها، والتنعم بها، فاقبلن بإرادتكن واختياركن لخصلتين
стр. 3802
أعطيكن متعة تخفف عنكن وحشة الطلاق، وقسوة ومرارة الفراق، وأطلقكن طلاقًا جميلا لا إساءَة معه ولا ضرار فيه.
وفي مجمع البيان: تفسير السراح الجميل بالطلاق الخالي عن الخصومة والمشاجرة، وقدم التمتع على الطلاق إيناسًا لهن، ولأن الإِسلام يقدِّم الخير قبل الشر ويسوق النفع قبل الضر.
٢٩ - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
وإن كنتن تُؤثرن حب الله - سبحانه - وحب رسوله ﵊ والدار الآخرة ونعيمها الباقي الذي لا يدانيه شيءٌ في الدنيا وما فيها، وترضين بما أنتن فيه من شظف العيش، وخشونة الحياة، فإن الله هيأ ويسَّر للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا، جزاءً إحسانهن باختيار الله ورسوله على دنيا الناس.
و (مِنْ) للبيان لا للتبعيض؛ لأَن كلهن كن محسنات في أعمالهن آثرن الله ورسوله واليوم الآخر.
ويستدل الكاتب الإسلامي المرحوم مصطفى صادق الرافعى بهذه القصة على أنه ﵇ لم يكن زواجه رغبة في متعة، ولا طلبًا لشهوة، ولا حبًّا لجسد، ولو كان الأمر على ذلك لما كانت هذه القصة التي أساسها نفي الزينة، وتجريد نسائه جميعًا منها، وأمره من قبل ربه أن يخيرهن بين تسريحهن، فيكنَّ كالنساء ويجدن ما شئن من دنيا المرأَة، وبين إمساكهن فلا يكنّ معه إلا في طبيعة أُخرى تبدأْ من حيث تنتهى الدنيا وزينتها.
ولم تقتصر القصة علي نفي الدنيا وزينتها عنهن، بل نفت الأَمل في ذلك إلى آخر الدهر، وأماتت معناه في نفوسهن، بقصر الإرادة منهن على هذه الثلاثة: الله في أمره ونهيه، والرسول في شدائده ومكابدته، والدار الآخرة في تكاليفها ومكارهها. اهـ ملخصا من كتاب وحي القلم للرافعى ج ٢ ص ٦٣ وما بعدها".
حكم المتعة:
المتعة للمطلقة التي لم يُدخل بها ولم يُفرض لها في العقد واجبة عند الإمام أبي حنيفة ﵁ وأصحابه، ولسائر المطلقات مستحبة.
стр. 3803
وعن الزهرى متعتان: إحداهما يقضى بها السلطان ويجبر عليها من طلَّق قبل أن يفرض لها ويدخل بها.
والثانية: حق على المتقين بعد ما فرض لها ودخل بها.
وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة، فقال لزوجها: متعها إن كنت من المتقين، ولم يجبره.
وعن سعيد بن جبير: المتعة حق مفْروض.
وعن الحسن: لكل مطلقة متعة إلاَّ المختلعة والملاعنة.
تخيير الرسول لنسائه:
اختلف فيما وقع من التخيير، هل كان تفويض الطلاق إليهن حتى يقع الطلاق بنفس الاختيار أو لا؟
فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم - ومنهم ابن الهمام - إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما كان تخييرًا لهن بين الإرادتين، على أنهن لمن أردن الدنيا فارقهن النبي ﷺ كما ينبئُ عنه قوله - تعالى -: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾.
وذهب آخرون: إلى أنه كان تفويضًا إليهن بالطلاق، حتى أنهن لو اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقًا.
ولقد ذكر الإِمام الرازى في الكلام على تفسير هذه الآية عدة مسائل:
الأُولى: أن التخيير منه ﷺ كان واجبًا عليه بلا شك؛ لأَنه إِبلاغ للرسالة.
الثانية: أنه لو أردن كلهن أو إحداهن الدنيا، فالظاهر أنه يجب عليه التمتيع والتسريح، لأَن الخلف في الوعد منه ﵇ غير جائز.
الثالثة: أن الظاهر أنه لا تحرم المختارة على غيره ﵇ بعد البينونة، وإلّا لا يكون التخيير مُمَكِّنًا من التمتع بزينة الدنيا.
الرابعة: أن الظاهر أن من اختارت الله - تعالى - ورسوله يحرم على النبي طلاقها "نظرًا لمنصبه الشريف".
стр. 3804
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾
المفردات:
﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: بكبيرة.
﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرة القبح.
﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: ضعفي عذاب غيرهن، أي: مثليه.
التفسير
٣٠ - ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾:
المعنى: يا نِسَاءَ النبي من ترتكب منكن كبيرة من الكبائر، أَو تقترف ذنبًا من الذنوب القبيحة، كعصيان الله ورسوله، ومشاقته فيما ليس في طاقته، يضاعف لها العذاب ضعفين، أي: تعذب ضعفى عذاب غيرها، أي: مثليه.
وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساءِ، كان صدوره منهن أقبح؛ لأَن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة وعلو المنزلة، وليس لأحد من النساءِ مثل فضل نساء النبي ﷺ لذلك كان ذم العقلاءِ للعاصى العالم أشد منه للعاصى الجاهل.
ولما كانت مكانتهن رفيعة ناسب أَن يجعل عقاب الذنب لو وقع منهن مضاعفًا، صيانة لشرفهن الرفيع، وكان تضعيف العذاب عليهن يسيرًا هينًا لا يمنعه - جلَّ شأْنه - عنهن كونهن نساءَ النبي ﷺ بل هو سبب له.
وروى عن زين العابدين ﵁ أن رجلا قال له: إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب وقال: نحن أَحرى أن يجرى فينا ما أجرى الله - تعالى - في أزواج النبي ﷺ من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب، وقرأَ هذه الآية والتي تليها - والله أعلم.
стр. 3805
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
المفردات:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾: ومن يطع ويخضع:
﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: لفظ أحد أصله: وَحَد كما قال الزمخشرى، وهو بمعنى واحد، وُضِع في سياق النفى العام ليستوى فيه المذكر والمؤنث، والواحد والكثير، والمعنى هنا: لستن كجماعة من جماعات النساء في الفضل، فمقامكن أرفع من مقامهن.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تَجئْن بالقول خاضِعًا لَيِّنًا.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: فجور.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: قوْلًا معروفًا بالجد.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: أَمر من قَرَّ يَقَرُّ على لغة أهل الحجاز من باب عَلِم يعلم، دخلت عليه واو العطف وأَصله: واقررْن فخفف بحذف الراء الأُولى، وحذف ألف الوصل بعد تحريك القاف، وهو من القرار في المكان بمعنى الثبوت فيه، كما قاله أَبو حيان في البحر.
وفتحُ القافِ في (قَرْنَ) قراءَة حفصٍ، وقرأَ الجمهور بكسرها (وقِرْنَ) وهو من الوقار، وفعله وَقِر يقِرُ، والأَمر منه للنسوة (قِرْنَ) بكسر القاف، والواو قبله للعطف، وأما واوه فقد حذفت كقولك (عِدْ) في وَعد.
стр. 3806
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾: ولا تبدين من محاسنكن ما يجب ستره.
﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: يبعد عنكم الذنب.
﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أَي: من القرآن الجامع لكونه آيات الله، وكونه حكمة أو من القرآن والسنة.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ اللطف من الله: الرفق والتوفيق والعصمة. والخبير: الدقيق العلم.
التفسير
٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾:
هذه الآية والتي قبلها، واللاتي بعدها آدابٌ أمر الله بها نساءَ النبي ﷺ ونساء الأُمة تبعا لهن.
والمعنى: ومن يخضع منكن لله ورسوله، فلا يطالبنه ﷺ بما ليس في طوقه، ولا يبالين بزينة الحياة الدنيا، وتستمر على عمل الصالحات، من رعاية البيت، ومراعاة شأْن رسول الله ﷺ والصلاة والصيام وسائر خصال البشر - من يخضع منكن كذلك - نعطها أَجرها مرتين، مرة على قنوتها وخضوعها، وأُخرى على عمل الصالحات، وأَعددنا لها رزقًا عظيمًا في الجنة زيادة على أَجرها.
وهذه المضاعفة للأَجر، في مقابل المضاعفة للعذاب، إن أَتين بمعصية؛ أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال في حاصل معنى هذه الآية والتي قبلها: من عصى منكن فإن العذاب يكون عليها ضعف سائر نساءِ المؤمنين، ومن عمل صالحًا منكن فإن أجرها يكون ضعف سائِر نساء المسلمين.
وهذا يستدعى أنه إذا أُثيب سائر نساءِ المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها أثبن على الحسنة بعشرين مثلًا لها، وإن زيد للنساء على العشر شئٌ زيد لهن ضعفه.
قال الآلوسي: وكأَنه - والله تعالى أعلم - إنما قيل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ دون (يضاعف لها الأجر ضعفين) كما قيل في المقابل: يضاعف لها العذاب ضعفين؛ لأن أصل تضعيف
стр. 3807
الأجر ليس من خواصهن، بل كل من عمل صالحًا من النساءِ والرجال من هذه الأُمة يضاعف أجره، فأخرج الكلام مغايرًا لما تقتضيه المقابلة رمزًا إلى أن تضعيف الأجر على طرز مُغَاير لتضعيف العذاب.
٣٢ - ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾:
ذهب جمع من المفسرين إلى أن (أحد) وصف لمذكر محذوف، وأن المعنى ليست كل واحدة منكن كشخص واحدة من النساءِ في عصركن، فكل واحدة منكن أفضل من كل واحدة منهن، لما امتازت به من شرف الزوجية لرسول الله ﷺ وأُمومة المؤمنين، وذهب الزمخشرى إلى أن (أحد) إذا وضع في سياق النفى استوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجماعة، وقد استعمل (أحد) بمعنى المتعدد في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لأَن لفظ (بين) لا يدخل إلا على متعدد.
قيل: وهذا التوجيه أولى من سابقه، على القول بفضل آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران على نساء العالمين جميعًا، فإنه لا يمنع من تفضيل جماعة زوجات الرسول على كل جماعة سواهن، بخلاف الأَول فإنه يتعارض مع تفضيل كِلْتَيْهمَا على كل واحدة بن نساء العالمين، وفي جملتهن زوجات الرسول ﷺ .
ومعنى الآية مجتمعة: يا نساءَ النبي: ليست جماعتكن مثل سائر جماعات النساء إن اتقيتن مخالفة حكم الله ورضا رسوله، فلا يكن قولكن لينا كما كانت حال نساءِ العرب حين مكالمة الرجال بترخيم الصوت، ولينه، بل يكون قولكن جزلا، وكلامكن فصلا، حتى لا يطمع من في قلبه مرض الفجور والفسوق وقلن قولًا معروفًا بالصواب في عرف الشريعة وكرام النفوس.
وبالجملة: فالمرأَة تندب - إذا خاطبت الأَجانب والمحرمين عليها بالمصاهرة وغيرها - إلى الجِدِّ في القول من غير رفع صوت، فإن المرأة مأْمورة بخفض الكلام (١) والجد فيه.
стр. 3808
٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾:
أمر الله - تعالى - نساءَ نبيه أَن يقررن ويلزمن بيوتهن ونهاهن عن التبرج، وهو كما قال مجاهد وقتادة وابن أبي نجيح: أَن تلقى المرأَة خمارها على رأَسها، وَلا تشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وقال أبو عبيدة: التبرج أَن تبدى المرأة من محاسنها ما تستدعى به شهوة الرجال، وأَصله كما قال أبو حيان: من البَرَج وهو سعة العين وحسنها، ويقال: طعنة بَرْجاءُ، أي: واسعة.
ولهذا قال الليث في معناه: تبرجت المرأَة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها، ويُرَى مع ذلك من عينها حُسْنُ نظر.
واختلف العلماءُ في تأْويل الجاهلية الأُولى، ومن أحسن ما قيل في ذلك: إنها الجاهلية التي كانت قبل الإِسلام، وهي جاهلية كفر، وأَما الجاهلية الأُخرى فهي جاهلية الفسق في الإِسلام، ويعضده قوله ﷺ لأَبي الدرداء ﵁: "إن فيك جاهلية". قال: جاهلية كفر أَو إسلام؟ قال: "بل جاهلية كفر"، ويرى ابن عطية أَنها ما قبل الإِسلام، وأَن الأُولى بمعنى السابقة وليس المعنى أن ثَمَّ جاهلية أُخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على المدة التي قبل الإِسلام، فقالوا في شعرائِها: شاعر جاهلي، وبالجملة فالمقصود من الآية أن لا يشبهن نساءَ ما قبل الإِسلام في مشيتهن المنكرة، وكلامهن اللين، وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعًا.
وهذا الحكم لا تختص به نساءُ النبي ﷺ فكل نساءِ المؤمنين مأْمورات بالتصون والاحتشام، والشريعة مليئة بلزوم النساء البيوت، والكف عن الخروج إلاَّ لضرورة وإنما خص نساءَ النبي ﷺ بالخطاب تشريفًا لهن، لأَنهن قدوة لسواهن.
قال ابن العربي: لقد دخلتُ نَيِّفًا على أَلف قرية، فما رأيت نساءً أصون عيالًا، ولا أَعف نساءً من نساءٍ نابلس، التي رُمى بها الخليل ﷺ بالنار، فإني أقمت فيها، فما رأيت امرأة في طريق نهارًا إلاَّ يوم الجمعة، فإنهن يخرجن إليها حتى
стр. 3809
يمتليء المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة ورجعن إلى منازلهن، لم تقع عينى على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكَفِهن حتى استشهدن فيه. اهـ فليعتبر نساءُ عصرنا بهذا السلف الصالح.
والمعنى الإجمالي للآية: "والْزَمْن بيوتكن يا نساءَ النبي، ولا تظهرن محاسنكن للأجانب كما كان يفعل نساءَ الجماهلية قبل الإِسلام، وأدين الصلاة بأَركانها وشروطها، وأعطين الزكاة لأَصحابها، وأطعن الله ورسوله فيما يأمركن به وينهاكن عنه، ما يريد الله بما كلفكُنَّ به إلا أن يذهب عنكم الذنب المدنس لعرضكم يا أهل بيت النبي، ويطهركم منه تطهيرًا يليق بمكانة رسوله.
والمراد بأهل البيت نساؤه ﷺ كما يدل عليه النسق، وقيل: نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته، وفيما يلي بيان آراء العلماءِ في ذلك وأدلتهم.
٣٤ - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾:
يدل صدر هذه الآية كل أن المراد بأَهل البيت نساؤه، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء: هن زوجاته بخاصة لا رجل معهن، والمراد بالبيت على هذا مساكن النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وقال آخرون - ومنهم الكلبي -: هم علي وفاطمة والحسن والحسين، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ولو كان للنساء بخاصة لقال: (عنكن ويطهركن) بالنون، وقد يجاب عن ذلك بأَنه روعي لفظ الأَهل وإن كان المراد النساء، كما يقال للرجل: كيف حال أهلك؟ - والمراد امرأتك أو نساؤك - فيجيب: هم بخير، وفي مثل هذا يقول الله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال القرطبي: والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ - بضمير جماعة المذكور - لأَن رسول الله وعليًّا وحسنًا والحسين كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت؛ لأَن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام - والله أعلم.
стр. 3810
وقد ذهبت الشيعة إلى تخصيص أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما ﵃ لما روى: (أنه ﷺ خرج ذات غدوة وعليه مِرْطٌ مِرَجَّل (١) من شعر أسود فجلس، فأَتت فاطمة ﵂ فأَدخلها فيه، ثم جاءَ عليٌّ فأدخله فيه، ثم جاءَ الحسن والحسين ﵄ فأَدخلهما فيه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون إجماعهم حجة ضعيف.
والتخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت، لا أَنه ليس غيرهم.
والمقصود من ذكرهن آيات الله والحكمة، أن يبلغن ما يسمعن من آيات القرآن العظيم الجامعة بين كونها آيات الله وكونها حكمة، وقيل: المراد بالحكمة السنة.
ويجوز أن يكون المراد تذكيرهن ما أَنعم الله به عليهن، من حيث إنه - تعالى - جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي، وما شاهدن من برحاء الوحي، ممَّا يوجب قوة الإيمان، والحرص على الطاعة، حثًّا على الائتمار والعمل بما كلفن به، وهذا المعنى أليق بسياق الآية مع ما قبلها.
والمعنى الإجمالي للآية: وتذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله القرآنية، ومن سنة رسوله ﷺ فإن ذلك نعم جليلة من الله عليكن، تقتضى الائتمار بما أُمِرْتُنَّ به، والانتهاء عما نهيتنَّ عنه، إن الله كان لطيفًا عظيم الرفق، خبيرًا يعلم ويدبر ما يصلح في الدين، ولذلك خيركن ووعظكن، أو يعلم من يصلح لنبوته، ويعلم من يصلح أن يكون من أَهل بيت نبيه.
وجوز بعضهم أن يكون التعبير بلطيف نظرا للآيات لدقة إعجازها، وبخبير نظرًا للحكمة لمناسبتها الخبرة - انظر الآلوسي.
стр. 3811
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾
المفردات:
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: والمداومين على الطاعة والمداومات.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: والمتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم والمتواضعات.
التفسير
٣٥ - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ … الآية﴾:
بدأَ الله بذكر الإِسلام الذي هو مفتاح العصمة، وأساس عمل الجوارح، وثنى بذكر الإيمان الذي ينتفى به النفاق، وتدور عليه النجاة يوم الدين أمَّا ما بعده ذلك فمرتب عليهما. وسبب نزولها ما أخرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما عن أُم سلمة ﵂ قالت: (قلت للنبي ﷺ : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال، فلم يَرُعْنى ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ .... إلى آخر الآية﴾.
стр. 3812
وأَخرج ابن جرير عن قتادة قال: (دخل نساءٌ على نساء النبي ﷺ فقلن: قد ذكركن الله - تعالى - في القرآن وما ذُكرنا بشيء، أمَا فينا ما يذكر، فأَنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ … ﴾، وهناك روايات أُخرى غير ما ذكر، ولا مانع أن تجتمع كلها في سببية النزول.
ومعنى الآية: إن الداخلين في السلم الخاضعين لحكم الله والخاضعات والمصدقين ما يجب التصديق به والمصدقات، والمطيعين الله تعالى والمطيعات، والصادقين في القول والعمل والصادقات، والصابرين على الطاعات وعن المعاصي والصابرات، والمتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم والمتواضعات والمتصدقين بما يحسن التصدق به والمتصدقات والصائمين الصوم المفروض والصائمات، أعد الله لمن اجتمعت فيهم هذه الصفات مغفرة لصغائر ذنوبهم، وأجرًا عظيمًا على طاعتهم.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾
المفردات:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾: وما صح ولا استقام.
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ أَي: إذا قضى رسول الله، وذكر لفظ الجلالة لتعظيم أمره ﷺ بالإشعار بأَن قضاءَه من قضاءِ الله تعالى.
﴿الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾: الخيرة: مصدر من تخير، كالطِّيَرَة: مصدر من تطيَّر، ولم يجئ مصدرًا في هذا الوزن سواهما - على ما قيل - أي: وما كان لهم أَن يختاروا من أَمرهم ما شاءُوا، وجمع الضمير في (لهم) لرعاية المعنى، لوقوع مؤمن ومؤمنة في ساق النفى فتعمّ.
стр. 3813
التفسير
٣٦ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾:
نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش بنت عمة الرسول أُميمة بنت عبد المطلب: وأخيها عبد الله، روى من ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم أن رسول الله ﷺ خطبها لمولاه زيد بن حارثة، وقال: إني أُريد أَن أُزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك، فأَبت وقالت: يا رسول الله لكن لا أرضاه لنفسى، وأَنا أَيِّمُ قومي (١) وبنت عمتك، فلم أكن لأَفعل، وفي رواية أنها قالت: أنا خير منه حسبًا، ووافقها أخوها عبد الله على ذلك، فلما نزلت هذه الآية رضيا وسلما، فأَنكحها رسول الله ﷺ زيدًا بعد أَن جعلت أمرها بيده، وساق لها عشرة دنانير وستين درهمًا مهرًا، وخمارًا وملحفة ودرعًا وإزارًا وخمسين مُدًّا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد. أَنه قال: نزلت في أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أَول امرأَة هاجرت من النساءِ، فوهبت نفسها للنبي ﷺ فزوجها زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأَخوها، وقالا: إنما أَردنا رسول الله ﷺ فنزلت الآية بسبب ذلك، فأَجابا إلى تزويج زيد (٢) - ولعل ذلك - كان بعد طلاقه لزينب.
ومعنى الآية: وما صح ولا استقام لرجل ولا لامرأَة من المؤمنين إذا قضى رسول الله أمرًا أن يختاروا من أَمرهم ما شاءُوا، بل يجب عليهم أَن يجعلوا رأيهم تبعًا لرأْيه واختيارهم تبعًا لاختياره، فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحى يوحى، ومن يعص الله ورسوله برفض أمر قضاه رسوله ﷺ فقد بعد عن طريق الحق بعدًا بينًا واضحًا.
стр. 3814
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾
المفردات:
﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإِسلام، وأنعم الرسول عليه بالعتق. وتَبنَّاه فكان يدعى زيد بن محمَّد.
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾: لا تطلق زينب.
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾: وتخفى في نفسك أمر تزوجها الذي شرعه الله لك، حذرًا من قالة الناس.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾: حاجة - كناية عن أنه طلقها.
﴿حَرَجٌ﴾: ضيقٌ.
﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾: في أزواج من دعوهم أبناءَهم وهم غرباءُ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: وكان حكمه وقضاؤه نافذًا.
стр. 3815
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: في الرسل السابقين.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: وكان حكم الله قضاءً مقضيًّا وحكمًا مفعولًا.
﴿حَسِيبًا﴾: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا.
التفسير
٣٧ - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ … الآية﴾:
المراد بالذى أنعم الله عليه، وأنعم الرسول عليه: زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي، وهو غلام عربي اشترته السيدة خديجة، ووهبته للنبي ﷺ فأَعجبه ظرفه وأدبه فأعتقه وتبناه، وأحسن تربيته ورعايته (١).
وكان التبنى أمرًا سائدًا قبل الإِسلام، وكان من تبنى أحدًا كانت له حقوق الابن النسبي من الميراث وغيره، وبحكم هذا التبنى خطب له الرسول ﷺ بنت عمته زينب بنت جحش، وزوجه إياها كما تقدم بيانه، روى أبو عصمة نوح ابن أَبي مريم مرفوعًا إلى زينب أنها قالت: (أمْسَى زيد فأَوى إلى فراشه - قالت زينب -: ولم يستطعني زيد، وما أَمتنع منه غير ما منعه الله مني فلا يقدر على).
وكانت تؤذى زيدًا بلسانها، وتفخر عليه بحسبها ونسبها، فجاءَ زيد إلى رسول الله ﷺ فقال: إن زينب تؤذينى بلسانها، وتفعل وتفعل، وإنى أُريد أن أُطلقها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ … الآية﴾ فطلقها زيد فنزلت: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ … الآية﴾.
وروى عن علي زين العابدين بن الحسين ﵄، ورب الدَّار أدرى بما فيها - أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله - تعالى - إليه أن زيدا يطلق زينب، وأَنه
стр. 3816
يتزوجها بتزويج الله إيَّاها له، فلما اشتكى زيد للنبي ﷺ خُلُقَ زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له النبي ﷺ على جهة الأدب والوصية: اتق الله في قولك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأْمره بالطلاق، لما علم أنه سيتزوجها، وخشى رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أَن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا القدر من أنه خشى الناس في شيءٍ قد أَباحه الله له، بأَن قال: "أمْسِكْ" مع علمه أنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية في كل حال. قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا القول أَحسن ما قيل في تأْويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين: كالزهرى والقاضى بكر ابن العلاء القشيرى، والقاضى أبو بكر بن العربى وغيرهم. اهـ.
هذا وللقصَّاص كلام فيما كان يخفيه رسول الله ﷺ من أَمر زينب يدور حول حبه لها، وحدوث رغبته في طلاقها ليتزوجها، وهذا الكلام من وضع الزنادقة ولا يليق إلصاقه بالنبي ﷺ ولو كان يريد أن يتزوجها أو كان يحبها لكان قد خطبها بكرًا، وكان ذلك أولى به ﷺ من أن يتزوجها ثَيِّبًا بعد طلاق عتيقه ومتبناه لها، ولكنها مشيئة الله لكي يقطع دابر عادة التبنى التي كانت فاشية في العرب، وكانت زوجة المتبنى حرامًا على أبيه بالتبنى كالنسيب سواءٌ، بسواءٍ وفي النص القرآنى ما يقطع بكذب هؤلاء الوضاعين، فإن الآية دلت على أن النبي ﷺ أخفى في نفسه ما الله مبديه ومظهره، والله لم يظهر حبه لها، بل أَظهر تزويجه إيَّاها بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فهذا التزويج الذي أوحاه الله إليه تَحَرَّج منه النبي ﷺ فأَخفاه في نفسه، وهو الذي أظهره الله في كتابه، كما أظهره بين الناس، قال الخفاجي: واضح أن الله - تعالى - لما أراد نسخ تحريم زوجة المتبنى أَوحى إليه ﵊ أن يتزوج زينب إذا طلقها زيد، فلم يبادر له ﷺ مخافة طعن الأَعداءِ فعوتب عليه. اهـ - وهذا هو الحق الذي لا ينكره إلاَّ حقود جهول، وكذاب حقير.
стр. 3817
أسئلة وأجوبة
قال ابن العربى: فإن قيل: لأَي معنى قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أَخبره الله أَنها زوجه؟
قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعْلِمْه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأَبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها، فإن قيل: كيف يأْمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه - وهذا تناقض - قلنا: بل هو صحيح لإِقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله - تعالى - يأْمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس لمخالفة الأَمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأَمر به عقلًا وحكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه.
فخر زينب بتزويج الله إياها
ولقد صح من حديث البخاري والترمذي أن زينب ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كانت تقول للنبي ﷺ : إني لأُدِلُّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تُدِل بهن: أن جدى وجدك واحد، وأنى أنكحك الله إياى من السماءِ، وأن السفير لجبريل ﵇ تعنى سفارته بين الله تعالى - وبين رسوله ﷺ .
المعنى الإِجمالى للآية: واذكر - أيها النبي - حين تقول لزيد بن حارثة الكلبي الذي أَنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق والرعاية والتبنى ومختلف فنون الإحسان، أمسك عليك زوجك زينب ولا تطلقها، واتق الله فيما تقوله عنها فلا تذمها بالكبر وإيذاء الزوج، وتخفى في نفسك أنك مأْمور بتزوجها مع أَن الله سيبديه ويظهره علنًا، وتخشى لائمة الناس لو قلت له طلقها، إذ يقولون: أمر رجلًا بطلاق امرأته، ثم تزوجها بعد أن طلقها، والله - تعالى - أحق أن تستحيى منه وتخافه فلا تأْمر زيدًا بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون زوجتك، فلما قضى زيد منها حاجة فطلقها زوجناكها بعقد شرعى لكي لا يكون على المؤمنين
стр. 3818
ضيق في التزوج من أزواج أدعيائهم إذا طلقوهن، فالحكم بينك وبين الأُمة في ذلك سواءٌ، وكان أمر اللهِ الذي تعلقت به إرادته مفعولًا ونافذًا.
٣٨ - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾:
أي: ما صح ولا استقام أن يكون على النبي محمَّد ﷺ من ضيق فيما قسم الله له وأَحله من تزوج زينب التي طلقها زيد بن حارثة مثبناه - طلقها - باختياره، بعد أن نصحه النبي ﷺ بالإمساك، وهذا حكم الله في الأنبياءِ قبله، لم يكن ليأْمرهم بشيءٍ في النكاح وغيره كداود وسليمان، وعليهم في ذلك حرج، وكان أَمر الله الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا معدل عنه.
والآية رد على من توهم من المنافقين نقصًا في تزوجه امرأَة زيد مولاه، ودعيِّهِ الذي كان قد تبناه.
٣٩ - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾:
قال الإِمام ابن كثير في تفسيرها: يمدح الله الذين يبلغون رسالات الله (١). إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، ويخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أَحد عن إبلاغ رسالات الله، وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام - بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداءِ الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأَظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأَديان والشرائع، فإِنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأَمَّا هو- صلوات الله وسلامه عليه - فإِنه بعث إلى جميع الخلق - عربهم وعجمهم - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ثم وَرَّثَ مقام البلاغ عنه أُمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه
стр. 3819
﵃ بلغوا عنه كما أَمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأَحواله، في ليله ونهاره وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم، وأرضاهم، ثم وَرثَه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يهتدى المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون.
وفي هذه الآية إشارة إلى أنه ﷺ ليس عليه بأَس من لائِمة الناس في أمر قضاه الله لنسخ عادة التبنى.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾
المفردات:
﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾: قرأ عاصم وحده بفتح التاء، وقرأَه منصوبًا بتقدير ولكن كان رسول الله وخاتم النيبيين، وقرأ ابن أبي عبلة وغيره بالرفع، على تقدير: ولكن هو رسولُ الله وخاتمُ، والقراءَة بفتح التاءِ على معنى أَنهم ختموا به ﷺ فهو كالخاتم والطابع لهم، والقراءَة بكسر التاءِ هي قراءَة الجمهور، على معنى أَنه ختمهم أي: جاءَ آخرهم، وقيل: الفتح والكسر سواءٌ، مثل طابَع وطابِع ودانَق ودانِق، وطابَق من اللحم وطابِق (١).
التفسير
٤٠ - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾:
سبب نزول هذه الآية: أنه لما قال المنافقون: تزوج محمَّد امرأة ابنه أفحمهم الله بإنزالها، أي: ليس محمَّد أبا أحد من رجالكم نسبًا، ولكنه رسول الله، وخاتم النبيين، فهو أَبو أُمته في التبجيل والتعظيم، وأن نساءَه عليهم حرام.
стр. 3820
وقد أَفادت هذه الآية أَنه لا نبي بعده ﷺ بإجماع المسلمين خلفًا عن سلف، ولصراحة الآية لم يستطع المارقون أَن يدعوا النبوة، بل ادعى بعضهم الرسالة كالبهاءِ، وهذا إفك وكفر مبين، فإِنه إذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى؛ لأَن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإِن كل رسول نبي ولا عكس، وقد وردت الأَحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ بأنه لا نبى بعده، أخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن النبي ﷺ قال: "إن لي أَسماءً: أَنا محمَّد وأَنا أحمد وأَنا الماحى الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ولم يبق من النبوة إلاَّ الرؤيا الصالحة"، وقال ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من ستة وأَربعين جزءًا من النبوة" (١) ولهذا قال ﷺ : "ليس يبقى بعدي من النبوة إلاَّ الرؤيا الصالحة": وقد روى الإِمام مسلم بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأَنبياءِ كمثل رجل بني دارًا فأَتمها وأكملها إلاَّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة. قال رسول الله ﷺ : فأَنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأَنبياءَ" ونحوه عن أبي هريرة، غير أَنه قال: "فأَنا اللبنة وأَنا خاتم النبيين"، وروى الإمام أَحمد بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي" - قال أنس: فشق ذلك على الناس - قال: قال: ولكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزءٌ من أَجزاءِ النبوة".
ولم يقصد بهذه الآية أن النبي ﷺ ليس له أبناءٌ، فقد ولد له: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر (٢)، ولكن لم يعش له أحد منهم حتى يصير رجلًا، وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له (٣).