← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ المفردات: ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: السماء القربى. ﴿شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: خارج عن الطاعة. ﴿دُحُورًا﴾ الدحور: الطرد. ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: عذاب دائم أو شديد. ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾: إلاَّ من اختلس من كلام الملائكة اختلاسة. ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: تبعه، فهو رباعي بمعنى الثلاثي ويتعدى مثله. ﴿شِهَابٌ﴾: هو ما يرى مضيئًا مارقًا بسرعة في الجو كأنه كوكب ساقط. ﴿ثَاقِبٌ﴾: مضئ. التفسير ٦ - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾: السماء لغة: كل ما علاك، ولهذا تطلق على السحاب كما في قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (١) والمراد هنا ما جعل الله الكواكب زينة لها، ولا بد أن تكون شيئًا آخر غير الكواكب، فإن الزينة شيء وما تزينه شيء آخر، ولأن النبي ﷺ

стр. 4027

كان يستفتح ليلة الإسراء والمعراج، وكان استفتاحه على السموات لا على الكواكب، ولأن الكواكب لا حصر لها، وتتجاوز الأرقام الحسابية التي عرفها البشر، كما أن طبقاتها لا حصر لها أيضًا، فهي مجاميع سُدُمية (١)، لا يبلغها الحساب، وطبقاتها لا يبلغها العدد، وليست سبع طبقات، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (٢). والقبة الزرقاءُ التي تراها العيون ليست هي السماء التي جعلت الكواكب زينة لها، فهي الغلاف الجوي المحيط بالأرض، فإذا تجاوزه فلا يراه، وهذا أمر تحقق علميًّا وكشفيًا. وعلى هذا تكون السموات السبع التي جعلت الكواكب زينة لها غير مرئية ولا معروفة لنا، ولكننا نرى الكواكب التي جعلها الله زينة للسماء الدنيا أي: القربى من أهل الأرض، وهي أول السموات السبع، فسبحان من لا يعلم سواه عظمته وعظمة الكون الذي أبدعه. وهذا التفسير هو الذي يساعد عليه ظاهر النص، ومن العلماء من جعل السموات هي نفس الكواكب وما حولها من أجوائها والأشعة الكونية، وقد انقسموا قسمين: فمنهم من يقول: إنها سبع طبقات كوكبية فعلًا، ومنهم من يقول: إن العدد لا مفهوم له سوى التكثير، فإن العرب تستعمل عدد السبع مفردًا أو جمعًا، كالسبعين لغرض التكثير، ويقولون: إنها طبقات كثيرة لا تقف عند عدد السبع. ونحن نقول لهؤلاء: إذا كانت السموات مجموعات من طبقات الكواكب، فلماذا جعلت الكواكب زينة للسماء الدنيا وحدها كما في هذه الآية وفي آية سورة الملك، وكيف تكون زينة لنفسها، والزينة شيء وما تزينه شيء آخر، وكيف يستفتح الرسول ﷺ ليلة المعراج على كواكب، ثم نقول: علينا أن نؤمن بأن لله سموات سبعًا، وأن الكواكب زينة للسماء الدنيا منها، ونترك العلم بحقيقة ذلك إلى الخالق - جل وعلا -. والكواكب هي تلك الأجرام المتلأْلئة التي نشاهدها في الفضاء ليلًا، ومنها القمر أقربها إلى الأرض، وقد وصل الإنسان في عصرنا هذا إلى القمر داخل أجهزة علمية، وقد حصل

стр. 4028

العلماء على معلومات عنه أكثر وضوحا من ذي قبل، ومنها أن عناصر تكوينه تشابه عناصر تكوين الأرض، وأن جوه لا يصلح لحياة الإنسان فوقه. ٧ - ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾: وحفظنا السماءَ حفظًا بتلك الكواكب من كل عفريت من الجن شرير متمرد خارج عن الطاعة، حيث تنزل منها الشهب فتحرق من يحاول استراق السمع في جو السماء من أولئك الشياطين التمردين. ٨ - ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: الملأُ الأعلى: الملائكة أو رؤساؤهم، والمعنى: لا يتمكن مردة الشياطين أن يتسمعوا، ويصغوا إلى الملائكة وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم من شئون الخلائق، فقد حفظت السماء منهم بشهب أصلها من الكواكب، فإن حاولوا الاستماع يقذفون بها من كل جانب من جوانب السماء. ٩ - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: الدُّحُور: الطرد، والواصب: الدائم أو الشديد كما تقدم في المفردات. والمعنى: ويقذف أُولئك الشياطين بالشهب من كل جانب لأجل دحرهم عن مجتمع الملائكة في جو السماء، وهم يتحدثون فيما عهد الله به إليهم. ولأُولئك الشياطين عذابٌ شديد دائم في الآخرة، غير عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا. ١٠ - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾: أي: لا يتسمع أولئك الشياطين إلى الملأ الأعلى، إلاَّ من اختلس منهم كلام الملائكة مسارقة، فتبعه شهاب ثاقب، أي: شعلة قوية الضوء والحرارة فتحرقه. والشهاب: واحد الشهب، وهي أحجار صغيرة منفصلة عن الكواكب، سابحة في فضاء الله - تعالى - فإذا وصلت في دورانها إلى جاذبية الأرض جذبتها، فمرت بسرعة متجهة

стр. 4029

نحوها، فمن سرعتها تحترق بقوة احتكاكها المتتابع السريع بالهواء، ويكون لاحتراقها لمعان مستطيل. ثاقب: أي ساطع. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: فاستخبرهم. ﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾: طين لاصق. ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السخرية. التفسير ١١ - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾: المعنى: فاستخبر يا محمَّد مشركي مكة المنكرين للبعث، أهم أصعب خلقًا وإيجادًا، أو أقوى خلقة وبنيانًا، أم من خلقناه من السموات وما فيها من الملائكة والكواكب وروائع العجائب، والأرض وما فيها من جبال وتلال، ونجاد ووهاد، وزروع نضرة، وزهور عطرة، وجماد وحيوان، وماء وحيتان، وما بين الأرض والسماء من الرياح اللواقح، والشهب الثواقب، وغير ذلك من عجائب مبدعاته، وروائع مخلوقاته، إنا خلقنا بني آدم من طين لاصق بعضه ببعض، في ضمن خلق أبيهم آدم، أو خلقناهم أنفسهم من الطين، فإن أصلهم النطفة، والنطفة أصلها غذاء مخلوق من الطين، فهم باعتبار هذا التسلسل مخلوقون من الطين.

стр. 4030

وإذا كانوا مخلوقين من الطين على أي وجه، فكيف يستبعدون بعثهم من التراب، إذ قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١) مع أنهم خلقوا في أول أمرهم من تراب ممزوج بالماء فصار طينًا. ١٢ - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾: بل: هنا لابتداء كلام آخر، كما قاله صاحب المغني في قوله - تعالى -: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) وليست للعطف، نقله الخطيب معلقًا على البيضاوي، والخطاب للرسول وكل من يدافع عن الحق. والمعنى: بل عجبت يا منصف الحق من قدرة الله على ما خلقه من الكائنات العلوية أو السفلية، ومع هذا ينكر الكافرون البعث، ويسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث. ١٣ - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾: وإذا وعظوا ليؤمنوا بالبعث لا يتعظون، لقساوة قلوبهم، وقلة فطنتهم. ١٤ - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾: السين والتاء في "يستسخرون" للمبالغة، والمعنى: وإذا شاهدوا معجزة تدل على صدق من يعظهم ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه، يبالغون في السخرية، ويجوز أن تكون السين والتاء للطلب، أي: يطلب بعضهم من بعض أَن يسخروا. ١٥ - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أي: وقالوا في شأن الآية التي رأوها: ما هذا الذي نراه إلاَّ سحر واضح. ١٦، ١٧ - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾: أي: أنُبعث نحن وآباؤنا الأولون إذا متنا جميعًا، وتحولت أجسادنا إلى تراب وعظام؟ يقولون ذلك منكرين نافين للبعث، والهمزة في "أئذا" وفي "أئنا" للإنكار والنفي.

стр. 4031

﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ المفردات: ﴿دَاخِرُونَ﴾: صاغرون. ﴿زَجْرَةٌ﴾: صَيْحَةً. ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يبصرون، أو ينتظرون. ﴿يَا وَيْلَنَا﴾: يا هلاكنا. ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: يوم الجزاء، تقول: دِنْتُه، أي: جازيته. ﴿يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: يوم القضاء بعد البعث. التفسير ١٨ - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾: قل - يا محمَّد لمنكري البعث -: نعم تبعثون أنتم وآباؤكم الأولون الذين ماتوا قبلكم، والحال أنكم جميعًا صاغرون أذلاء، غير معجزين لقدرة الله - تعالى -. وقد اكتفى هنا في إجابة منكري البعث بذلك من غير إقامة الدليل على إمكانه لأنه سبق قريبا، ولأنه تكرر في القرآن في مواضع شتى. ١٩ - ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾: الزجرة: الصيحة، من: زجر غنمه: إذا صاح بها. والمعنى: لا تستصعبوا البعث من القبور، فما هو إلا صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية في الصور فهذا هم قائمون من مراقدهم أحياءً ينظرون بأَبصارهم، أو ينتظرون ما يفعل بهم.

стр. 4032

٢٠، ٢١ - ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: الدِّين: الجزاء، تقول: أدانه القاضي، أي: جازاه، والفصل: القضاء والحكم، ففيه فصل، أي: فرق بين المحق والمبطل. والمعنى: وقال المنكرون للبعث حين بعثوا وتذكروا ما كانت الرسل تقول لهم في الدنيا عن هذا اليوم: هذا يوم الجزاء من الله لعباده، ويقول بعضهم لبعض: هذا يوم القضاء والحكم في نزاعنا مع رسل الله في شأن البعث وغيره مما جاءونا به، هذا هو اليوم الذي كنتم به تكذبون، فما أَشقانا فيه وقد كذبناهم، ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ حكايته لكلام الملائكة للمنكرين للبعث لما بعثوا وقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ وليس من كلام بعض المنكرين لبعض. وكان أبو حاتم يقف على قولهم: "يا ويلنا"، ويجعل ما بعده من كلام الملائكة جوابا للمنكرين وتوبيخا لهم وإيذانا بأن وَلْوَلَتَهم وتندمهم لا ينفعانهم. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ المفردات: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: اجمعوا الظالمين وأمثالهم من أصحاب المعاصي.

стр. 4033

﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ﴾: من الأصنام والأوثان، فإنها تحشر معهم. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: فدلوهم ووجهوهم إلى طريق النار. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: لماذا لا ينصر بعضكم بعضا. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ﴾: منقادون، أو قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز، وأصل الاستسلام: طلب السلامة، والانقياد تابع لذلك عرفا. التفسير ٢٢، ٢٣ - ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: خطاب من الله للملائكة، أو من الملائكة بعضهم لبعض. وعن ابن عباس ﵄ تقول الملائكة للزبانية: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا … ﴾ الآية ويراد بالظلم: الشرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: وهو أمر بحشر الظالمين يوم البعث من أماكنهم المختلفة إلى موقف الحساب، وقيل: من الموقف إلى الجحيم، يحشرون هم وأمثالهم ونظراؤهم من الكفار، فيحشر الكافر مع الكافر. قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في معنى الآية: أزواجهم أمثالهم الذين هم مثلهم. يحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقيل في رواية عن ابن عباس: وأزواجهم أي: نساؤُهم الموافقات على الكفر، ورجَّحه الرُّمَّاني، وقيل: مع قرنائهم من الشياطين، وروى عن الضحاك وهو قول مقاتل - أيضًا -: فيحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة، كما يحشرون مع ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان ونحوها مما لا يعقل؛ لأن الحديث عن المشركين عبدة ذلك. وحشرهم معها لزيادة التحسير والتخجيل. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: فعرفوهم طريق النار، ودلوهم عليه، والجحيم: طبقة من طبقاتها شديدة الاشتعال. والتعبير بالهداية للتهكم.

стр. 4034

٢٤ - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾: أي: احبسوهم في الموقف إنهم مسئولون عن شركهم وخطاياهم، وهذا الحبس يكون للحساب قبل السوق إلى الجحيم وبعده يساقون إلى النار، ونص الآية يؤذن لأن هذا الموقف ليس للعفو عنهم ولا ليستريحوا بتأخير العذاب، بل ليسألوا عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم. وظاهر الآية: أن الحبس للسؤال بعد هدايتهم إلى طريق الجحيم، بمعنى تعريفهم إياه، ودلالتهم عليه، لا بمعنى إدخالهم فيه. ٢٥ - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾: المعنى: يقال لهم - على جهة التقريع والتوبيخ -: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا فيمنعه من عذاب الله كما كنتم تزعمون في الدنيا. وقيل: هذه الآية إشارة إلى قول أَبي جهل يوم بدر: نحن جميع منتصر. والسؤال عن هذا في موقف المحاسبة بعد استيفاء حسابهم، والأمر بهدايتهم إلى الجحيم كما قيل: وتأخير السؤال إلى هذا الوقت، لأنه وقت تنجيز العذاب، وشدة الحاجة إلى النصرة، وحالة انقطاع الرَّجاء عنها بالكلية، والتوبيخ والتقريع حينئذ أشد وقعا وتأثيرا. والخطاب لهم ولآلهتهم أوْ لهم فحسب. ٢٦ - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون، وقال قتادة: مستسلمون لعذاب الله بمعنى أن كلهم مستسلم غير منتصر.

стр. 4035

﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يتخاصمون بطريق الجدال. ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر، أو تأْتوننا من جهة الخير فتنهوننا عنه، وتمنعوننا منه - قاله قتادة. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة في ترك الحق. ﴿قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي: مجاوزين الحد في الضلال. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أي: زينا لكم ما كنتم عليه من الكفر. ﴿غَاوِينَ﴾: بالوسوسة لكم. ﴿بِالْمُجْرِمِينَ﴾: بالمشركين. التفسير ٢٧ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: المعنى: وأَقبل الرؤساء المُضِلُّون والأتباع المُضَلُّون. أو الكفرة من الإنس وقرناؤهم

стр. 4036

من الجن - أقبلوا - يتخاصمون، أي: يسأَل بعضهم بعضا بطريق الخصومة والجدال، ويوبخه في أنه أصله وفتح له بابا واسعا من المعصية. ٢٨ - ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: استئناف بياني، كأنه قيل: كيف يتساءلون؟ فقيل: قالوا - أي الأتباع للرؤساء أو الكل للقرناء -: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾. والمعنى: إنكم كنتم تأْتوننا في الدنيا عن اليمين، أي: عن اليمن والخير، وتزعمون لنا أن ما أنتم عليه خيرٌ ودين حق، فترغبوننا فيه، وتهونون علينا أمر شريعة الحق، وتنفروننا منها، فتبعناكم فهلكنا، ولشرف اليمين جاهلية وإسلاما، دنيا وأخرى، استعيرت لجهة الخير. أو: تأْئوننا عن اليمين بمعنى القوة والقهر، واليمين تستعمل مجازًا عن القوة؛ لأن بها يقع البطش، أي: إنكم تحملوننا على الضلال وتقسروننا عليه. أو: تأتوننا عن اليمين بمعنى الحلف. بمعنى أنهم كانوا يوالونهم مقسمين عليهم بأن ما هم عليه من الكفر هو الحق الذي يجب اتباعه. ٢٩ - ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: استئناف، أي: قال الرؤساء أو القرناء - في جوابهم بطريق الإضراب -: بل أبيتم أَنتم الإيمان وأعرضتم عنه، فأنتم لم تكونوا مستعدين للإيمان، حيث أعرضتم عنه مع تمكنكم منه، مختارين غير ملجئين. وآثرتم عليه الكفر، فلم تكونوا قابلين للايمان قط حتى ننقلكم من استعدادكم للإيمان إلى الكفر بل كنتم على الكفر فأَقمتم عليه متمسكين به للإلف والعادة. ٣٠ - ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾: أي: وما كان لنا عليكم مع قهر وتسلط، أو حجة على ترك الحق نسلبكم بهما اختياركم، وتمكنكم من الإيمان، بل كنتم وفق طبيعتكم قوما مجاوزين الحد في العصيان،

стр. 4037

مختارين له، مصرين عليه دون إجبار، وإنما دعوناكم إلى الضلال فأجبتم لموافقة هواكم لما دعيتم إليه. ٣١ - ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾: ذلك - أيضًا - من قول المتبوعين، وهو تفريع على ما تقدم من عدم إيمان المتخاصمين، وكونهم قوما طاغين في حد ذاتهم. أي: وجب علينا وعليكم قول ربنا: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ فكلنا ذائقو العذاب الذي ورد به الوعيد. فكأنهم قالوا: ولأَجل أَننا جميعًا لم نكن مؤْمنين، وكنا قوما طاغين، وثبت علينا وعيد ربنا بأنا ذائقون لا محالة لعذابه . ٣٢ - ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾: أي: فدعوناكم إلى الغواية، وزينا لكم ما كنتم عليه من الكفر، فاستجبتم لنا باختياركم واستحبابكم الغي على الرشد. ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ جملة مستأنفة لتعليل ما قبلها، أي: إنما أغويناكم لتكونوا مثلنا في الغواية - والمراد الكفر - وهذا كقولهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ (١). ٣٣ - ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾: المعنى: أن الفريقين المتسائلين - المضِل والمضَل - يوم إذ يتساءلون. وهو يوم القيامة هم في العذاب الذي استحقوه مشتركون. كما كانوا مشتركين في الكفر والغواية، واستظهر أن المغوين أشد عذابا لإغوائهم لغيرهم مع ضلالهم، فالشركة لا تقتضي المساواة.

стр. 4038

٣٤ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: أي: إنا مثل ذلك الفعل الدال على الحكمة التشريعية نفعل بأولئك المتناهين في الإجرام وهم المشركون في عهد الإِسلام كما يشير إليه التعليل بقوله - تعالى -: ٣٥ - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُون﴾: أي: إنا مثلَ ذلك العذاب نفعل بالمشركين المتخاصمين من أُمتك يا محمَّد؛ لأَنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله - بطريق الدعوة والتلقين - يستكبرون عن القبول، ومن ذلك ما روى أن النبي ﷺ لما قال لأَبي طالب - عند موته - واجتماع قريش حوله: قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب، وتدين لكم العجم، أبَوا وأنِفُوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ أنزل الله في كتابه. فذكر قوما استكبروا. فقال: إنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون. وقد استكبر عنها المشركون يوم الحديبية، يوم كاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة، ذكر هذا الخبر البيهقي. والذي قبله القشيرى (١). ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾: يعنون محمدا ﷺ وقد كذبوا، فما هو بشاعر ولا مجنون. ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: جاءَ بالتوحيد. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أخلصهم الله لطاعته.

стр. 4039

التفسير ٣٦ - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾: يعنون بذلك - قبحهم الله - النبي ﷺ ، وقد جمعوا بين إنكار الوحدانية وجحد الرسالة، أي: أنحن تاركو عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا لقول شاعر مجنون؟ والاستفهام للاستبعاد، فرد الله عليهم بقوله: ٣٧ - ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِين﴾: تكذيبًا لهم، ببيان أن ما جاءَ به رسول الله ﷺ من التوحيد هو الحق الذي قام عليه البرهان، وأجمع عليه كافة الرسل ﵊، وصدقهم ﷺ فيما أخبروا عن الله من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر ﵊ في شرعه وأَمره كما أخبروا قال الله - سبحانه -: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١). ٣٨ - ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: المعنى: إنكم لذائقو العذاب المؤلم بما كان منكم من الإشراك وتكذيب الرسل والاستكبار، والالتفات إلى الخطاب لإظهار كمال الغضب عليهم بمشافهتهم بهذا الوعيد وعدم الاكتراث بهم وهو اللائق بالمستكبرين. ٣٩ - ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: وما تجزون إلا بما عملتم من الضلال والشرك، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، والآية تشير إلى أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلًا. ٤٠ - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: أي: إنكم أيها المجرمون لذائقو العذاب الأَليم، لكن عباد الله المخلصين الذين أخلصهم الله لطاعته، لا يذوقون العذاب ولا يناقشون الحساب، وإنما يجزون بالثواب أضعافا مضاعفة

стр. 4040

بالنسبة لأعمالهم، فيجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله من التضعيف، ويراد بهم على قراءة المخلصين - بكسر اللام - عباد الله الذين أخلصوا له العبادة. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) في جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ المفردات: ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: عطية معلومة الخصائص. ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: لا ينظر بعضهم في قفا بعض. وإنما ينظر في وجهه تواصلا وتحاببا. ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: بخمر من نهر ظاهر للعيون. ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾: لا تغتال عقولهم وصحتهم. ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي: ولا هم بسببها يسكرون. يقال: نُزفَ الرجلُ ينزَف فهو منزوف ونزيف: إذا سكر. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ أي: يقصرن أَبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. وعين: جمع عيناء، وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها. وقال السُّديُّ ومجاهد: "عين": حسان العيون.

стр. 4041

﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ أي: بيض مصون عن الريح والغبار حيث تكنُّه النعامة أو الفرخة بريشها. التفسير ٤١ - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: لهم رزق معلوم الخصائص ككونه غير مقطوع ولا ممنوع عن النظر، لذيذ الطعم طيب الرائحة إلى غير ذلك من الصفات المرغوبة، أو معلوم الوقت لقوله - تعالى -: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. ٤٢ - ٤٤ - ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * في جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: إن الرزق المعلوم مع تميزه بخصائصه - كله فواكه - والمراد بها: ما يؤكل لمجرد التلذذ دون الاقتيات وجميع ما يأكله أَهل الجنة كذلك حتى اللحم، لكونهم مستغنين عن القوت؛ لأن خِلْقَتهُم محكمة محفوظة من التحلل المحوج إلى البدل، والمراد بالفواكه: الثمار كلها رطبها ويابسها: قاله ابن عباس، ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ عند الله برفع الدرجات وسماع كلامه لا يلحقهم هوان، وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأُولي الهمم، وهل في هذا إشارة إلى النعيم الروحاني بعد النعيم الجسماني الذي يأَتي به الأكل. وقيل: مكرمون في نيل رزقهم حيث يصل إليهم بغير تعب وسؤال، بخلاف رزق الدنيا، ورزقهم هذا ﴿في جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وإضافة الجنات إلى النعيم على معنى لام الاختصاص المفيدة للحصر، أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم، وهم على سرر يقابل بعضهم بعضا للاستئناس والمحادثة، والأسرة تدور بهم كيف شاءُوا تواصلا وتحاببا بالنظر إلى الوجوه. ٤٥ - ٤٧ - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾: استئناف لبيان ما يكون في مجالس أُنسهم من شرابهم بعد ذكر مطاعمهم، والكأس في اللغة: الإناء وفيه شرابه، فإن كان فارغًا يقال: إناءٌ أو قدح، وتطلق - أيضًا - على

стр. 4042

الخمر مجازا، وهو المراد هنا -، والمعين: الماء الجاري الظاهر للعيون، وكذلك تجري الخمر في الجنة كما قال - تعالى -: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. ولم تعين هذه الآية من يطوف عليهم بالكأس، وقد بين الله الطائفين في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ كما بينت السنة الصحيحة: أن أطفال المشركين ممن يطوف على أَهل الجنة، لخدمتهم. وقد وصفت بأنها بيضاء، وبأنها لذة لشاربيها، ولتمام لذتها وصفت بها فكأنها نفس اللذة وعينها مبالغة. وهي لا غائلة فيها، فلا تؤثر في شاربيها باغتيال عقولهم كما في خمر الدنيا، من غاله يغوله: إذا أفسده وأَهلكه. والمراد هنا: نفى أن يكون فيها ضرر أصلًا ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي: يسكرون، كما روى عن ابن عباس وغيره، من نُزِف (١) الشارب إذا سكر، ويقال للسكران: نزيف ومنزوف، وعدى الفعل بعن بمعنى باء السببية، أي: ولا هم بسببها يسكرون، وأفرد هذا الفساد بالنفي مع اندراجه فيما قبله من نفي الغَوْل عنها لأَنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه، وصرْفُ الله السُّكر عن أهل الجنة، لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم. ٤٨، ٤٩ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: المعنى: وعندهم نساء عفيفات قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم: قاله ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب وغيرهم، كناية عن فرط محبتهن لأزواجهن، وعدم ميلهن إلى سواهم. وقيل: المعنى: ذابلات الجفن مِراضُه، وما أجمل ذبول الأجفان في النساء وقد كثر التغزل بذلك قديمًا وحديثًا ومنه قول ابن الأزدي: مَرضَت سَلْوتِي وَصَحَّ غرامي .... من لحاظ هُنَّ المِراضُ الصحاح ويجوز أن يكون المعنى: قاصرات طرف أَزواجهن عن التجاوز إلى سواهن لغاية حسنهن وهن "عين" جمع عيناء، وهي: الواسعة العين في جمال. وقال الحسن: العين: الشديدات بياض العين الشديدات سوادها، ولصونهن من كل أذى شبهن بالبيض المكنون، وحمله الجمهور

стр. 4043

على بيض النعام؛ لأنه أجمل أَنواع البيض لونًا وفيه صفرة قليلة تُحَب في النساء، ومعنى أنه بيض مكنون: أن النعام تكنه بريشها من الريح والغبار. وقيل المكنون: المصون عن الكسر، أي: أنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض اللؤلؤ كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (١) أي المصون: في أصدافه قاله ابن عباس، إلى غير ذلك من أَقوال وكلها تدور حول الإشادة بحسنهن. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ المفردات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: يتفاوضون فيما بينهم بأحاديثهم في الدنيا وهو من تمام الأُنس في الجنة. ﴿كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي صديق: ملازم. ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: مجزيون محاسبون بعد الموت. ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في وسطها، وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب

стр. 4044

﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِين﴾ أي: لتهلكني إن أَطعتك، والردى: الهلاك. ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: لكنت مثلك من المحتضرين إلى سواء الجحيم حيث أنت. التفسير ٥٠ - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: معطوف على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يطاف عليهم بالشراب، فيقبل بعضهم على بعض، يتساءلون عن الفضائل والعارف وعما جرى لهم وعليهم في الدنيا، وما أحلى تذكر ما فات عند رفاهية الحال وخلو البال. ٥١ - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي: قال قائل من أهل الجنة في تضاعيف محاورتهم: إني كان لي ملازم ومصاحب من شأنه ما حكاه الله بقوله: ٥٢ - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾: يقول لي في الدنيا على طريق التوبيخ: أَءنك لمن المصدقين، أي: بالبعث كما ينبئ عنه قوله سبحانه: ٥٣ - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: أي: لمبعوثون ومجزيون؟ من الدِّين بمعنى الجزاء، وهذا منه إنكار واستبعاد لوقوع البعث والجزاء بعد الموت، وبعد أن صار الجسد ترابًا وعظامًا نخرة. قال أبو السعود: قيل: كان رجل تصدق بماله لوجه الله فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه فقال له: أين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضني الله - تعالى - في الآخرة خيرًا منه. فقال: أئِنَّك لمن المصدقين بيوم الدين؟ والله لا أعطيك شيئًا: فيكون التعرض لذكر موتهم وكونهم ترابًا وعظامًا حينئذ لتأكيد إنكار الجزاء المبني على إنكار البعث. ٥٤ - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾: هذا من قول الله لأهل الجنة، وقيل: القائل بعض الملائكة، وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة بعد ما حكى لهم مقالة قرينه في الدنيا يقول لهم: هل أنتم مطلعون إلى أهل النار، لأريكم ذلك القرين، يريد بذلك صدقه فيما حكاه، وعلى أن القائل هو الله أو بعض الملائكة يكون المعنى: هل تحبون أن تطلعوا على أَهل النار لأَريكم ذلك القرين، فتعلموا منزلتكم من منزلتهم؟

стр. 4045

٥٥ - ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: فاطلع المسلم على أهل النار تلبية للعرض أو الأمر فرأى قرينه وسط الجحيم، قال كعب فيما ذكر ابن المبارك: إن بين الجنة والنار كُوًى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى. ٥٦ - ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: قال القائل لقرينه: إن كدت لتهلكني بالإغواء وبما تزينه لي من عدم تصديق الوعيد بالبعث والحساب والجزاء. ٥٧ - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: أي: ولولا العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإِسلام لكنت من الذين أُحضروا العذاب كما أُحضرت أنت وأمثالك. ٥٨، ٥٩ - ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: رجوع إلى محاورة جلسائه بعد إتمام الكلام مع قرينه ابتهاجًا بما آتاه الله من الفضل العظيم، وتقريعا للقرين بالتوبيخ. والمعنى: أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين، والهمزة للتقرير وفيها معنى التعجب والفرح، ويراد أن حال المؤمنين ألا يذوقوا إلا الموتة الأولى فهم في الجنة أحياءٌ حياة دائمة لا يعتريها فناء، بخلاف الكفار فإنهم يتمنون في موقفهم الموت كل ساعة، وقيل لحكيم: ما شر من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت، وهذا قول يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله بمسمع من قرينه، ليكون تعذيبًا لهذا القرين، وزيادة في توبيخه، وقيل: هو قول يقوله أهل الجنة للملائكة يقولونه اغتباطًا وفرحًا. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هذه الجملة تفيد استمرار نفي العذاب وتأكيده، واستمرار نفيه نعمة عظيمة مستوجبة للتحدث بها، وذلك مفض إلى نفي زوال نعيمهم المحكي في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾ الآيات، واختير التعرض لاستمرار نفي العذاب دون إثبات استمرار النعيم؛ لأن نفي العذاب أَسرع خطورا ببال من لم يعذب عند مشاهدة من يعذب، وقيل: درءُ الضرر أهم من جلب المنفعة.

стр. 4046

٦٠ - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: هذا من تتمة قول القائل: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ وجوز أَن يكون من كلامه - تعالى - قال سبحانه - تصديقًا لقول ذلك القائل، وتقريرا له مخبرا به - جلَّ وعلا - حبيبه ﷺ وأمته، والتأْكيد للاعتناء بشأن الخبر. ٦١ - ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾: أي: لنيل مثل هذا الأمر الرفيع ينبغي أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية السريعة الزوال المشوبة بفنون الآلام، وهذا الكلام - من قول الله لأهل الدنيا. أي: قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء و ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ المفردات: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ النزاع: ما يُقَدَّم للنازل من الرزق. ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ الزقوم: شجر مُرٌّ يكون بتهامة، سميت به الشجرة الموصوفة وهي صغيرة الورق كريهة الرائحة. ﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾: محنة وعذابًا لهم في الآخرة. وابتلاءً لهم في الدنيا. ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: ثمرها كأَنه في تناهي الكراهة وقبح المنظر رءُوس الشياطين، والعرب تشبه القبيح الصورة بالشيطان أو رأس الشيطان أو وجهه.

стр. 4047

﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي: لشرابًا ممزوجًا من ماء شديد الحرارة يقطع أَمعاءَهم، قال الفراء: شابَ طعامه وشرابه: إذا خلطهما بشيء يشوبهما. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: إن مرجعهم ومردهم إلى دركات جهنم بعد أن ذهب بهم من مقارهم فيها إلى شجرة الزقوم ليأكلوا منها ويملأوا بطونهم. التفسير ٦٢ - ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: ذلك من كلامه عند الأكثرين لا من كلام القائل، وهو متعلق بقوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾: والمعنى: أذلك الرزق المعلوم الذي حاصلهُ اللذة والسرور، خير نزلا وطعاما أم شجرة الزقوم التي حاصلها الهم والغم، ويراد من التفاضل بين النزلين التوبيخ والتهكم، وهو أسلوب كثير الورود في القرآن الكريم، ومعنى ذلك: أن الرزق المعلوم اللذيذ نزل أهل الجنة الذي يقدم لهم، وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير نزلًا؟. ٦٣ - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾: أي: جعلنا شجرة الزقوم محنة وعذابًا لهم في الآخرة، وابتلاءً لهم في الدنيا، فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا: كيف يمكن ذلك والنار تحرق الشجر؟ ولم يعلموا أن إبراهيم ﵇ أُلقي في النار ولم تحرقه، فالله أقدر على خلق الشجر في النار، وحفظه من الاحتراق، فالنار لا تحرق إلا بإذنه ومشيئته. على أنه لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرًا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الحيات والعقارب وخزنة النار. واختلف في شأنها على قولين: الأول: أنها معروفة من شجر الدنيا يعرفها العرب بتهامة من أخبث الشجر وأقبحه منظرا وطعمًا. والثاني: أنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الآية قال كفار قريش: ما نعرف هذه الشجرة.

стр. 4048

٦٤ - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾: أي: منبتها في قعرها، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. ٦٥ - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾: أي: ثمرها كأَنه لقبحه وهوْلِه شبيه برءُوس الشياطين، وهي وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين إلا أَنه قد استقر في النفوس أَن الشياطين شديدة القبح ومن ذلك قولهم لكل قبيح: هو كصورة الشيطان، ولكل حسن: هو كصورة ملك، كما يتصورون صورة للغول وإن كانت لا تعرف، ومنه قول امرئ القيس: أتقتلني والمشرفي مضاجعي … ومسنونة زرق كأَنياب أَغوال وقيل: الشياطين: الحيات الهائلة القبيحة المنظر لها أَعراف، وقيل: أن شجرًا - يقال له: الأَستن - خشنا منتنا مرًّا منكر الصورة يسمى ثمره رءُرس الشياطين، ولا حرج على قدرة الله - تعالى - أن ينبت هذا النوع من الشجر في أصل الجحيم بأن يجعل في تركيبه (كيمياء خاصة) تمنع احتراقه بالنار، وتجعل النار غذاء له، وكم لله من عجائب منها: أن الله - تعالى - جعل النار على إبراهيم بردًا وسلامًا. - كما تقدم ذكره -. ٦٦ - ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾: أي: فمن شجرة الزقوم طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة يأكلون منها أَو من ثمرها، فيملأون البطون لغلبة الجوع، أو لقهرهم على أكلها وإن كرهوها؛ لأنهم لا يجدون إلاَّ إياها أَو نحوها، كما قال - تعالى -: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. ٦٧ - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾: أي: ثم إن لهم على أكلها لشرابا مزج بالحميم تعذيبًا لهم.

стр. 4049

٦٨ - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾: أي: إن مرجعهم لإلى مقرهم من النار؛ فإن في جهنم مواضع أُعد في كل موضع منها نوع من النبلاء، فالقوم يخرجون من مقارهم في النار، إلى موضع آخر فيه ذلك الشراب المشوب بالحميم، ثم يردون إلى دركاتهم، وهذا الحميم في موضع آخر من جهنم خارج عن مقرهم. وقيل: خارج عنها لقوله - تعالى -: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ (١). وكأن بين خروج القوم للشراب وعودهم إلى مساكنهم زمانًا غير يسير يتجرعون فيه ذلك الشراب، ولذلك جيء بلفظ ثم، وهو في مقابلة ما لأَهل الجنة من شراب، وفيه يقول سبحانه: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢) والمدلول عليه بقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾ إلخ. كما أن الزقوم في مقابلة ما لهم من الفواكه. ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾ المفردات: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ أي: وجدوهم وصادفوهم بعيدين عن الحق. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي: يسرعون كهيئة الهرولة، وقيل: الإسراع الشديد. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: رسلا أنذروهم العذاب فكفروا. ﴿عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: نهاية الذين أُنذروا وحذِّروا وهي إهلاكهم لكفرهم.

стр. 4050

التفسير ٦٩، ٧٠ - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾: تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب، بتقليد الآباء في أصول الدين من غير أن يكون لهم ولا لآبائهم شيء يستمسك به أصلًا، أي: صادفوهم ضالين في نفس الأمر، ليس لهم ما يصلح شبهة، فضلا عن صلاحية كونه دليلًا، وكانوا في اتباعهم آباءَهم مسرعين إسراعًا شديدًا، كأنهم يُحَثُّون على ذلك حثًّا، وقد فعلوا ذلك من غير أن يثبت لديهم أن آباءَهم محقون في حين أنهم على الباطل بأَدنى تأمل. ٧١، ٧٢ - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أي: ولقد ضل قبل هؤلاء الظالمين وهم قريش - ضل قبلهم - أكثر الأولين من الأمم السابقة، حيث جعلوا مع الله آلهة أخرى، وهو جواب قسم مقدر، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: والله لقد أرسلنا في الضالين عددًا كثيرًا من الأنبياء بينوا لهم بطلان ما هم عليه. وأنذروهم، وحذروهم عاقبته الوخيمة التي يصيرون إليها وهي النكال الشديد والعذاب الأليم، وتكرير القسم في الآيتين لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونهما. ٧٣ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: من الهول والفظاعة حيث لم يلتفتوا إلى الإنذار، ولم يتأَثروا به، ويرفعوا له رأسًا، فأَهلكهم الله ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم. والخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل أَحد يتمكن من مشاهدة آثارهم، ولما كان المعنى أنهم أهلكوا هلاكًا فظيعًا استثنى منهم المخلصين بقوله - تعالى -: ٧٤ - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: وهم الذين استخلصهم الله من الكفر للإيمان والعمل الصالح، بموجب الإنذار أَو الذين أخلصوا لله دينهم على القراءتين بفتح اللام وكسرها، فهو استثناء من المنذرين في الآية السابقة، أو استثناء من قوله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

стр. 4051

﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾ المفردات: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ من النداءِ: وهو الاستغاثة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ أَي: أَهل دينه. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أَي: الغرق، أو الغم الشديد: على ما قاله الراغب. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: تركنا عليه ثناءً حسنًا في كل أمةٍ لأَنه محبب إلى جميع الأديان. التفسير ٧٥ - ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾: لما ذكر - تعالى - عن أَكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مع نوع تفصيل لما أَجمل من قبل، ببيان أحوال بعض المرسلين وحسن عاقبتهم، مع بيان سوء عاقبة بعض المنذرين، كقوم نوح ﵇ وحسن عاقبة بعضهم الذين أخلصهم الله لطاعته، كقوم يونس ﵇. والقصص التي شرع في بيانها هي: قصص نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس ﵈ وفيها عبر بالغة، وإنذار وتهديد يقريش، وتسلية للرسول ﷺ .

стр. 4052

وقدم الحديث عن قصة نوح لسبقه المذكورين جميعًا. ومعنى الآية: أن نوحا ﵇: نادى ربه نداء استغاثة متضمنا الدعاء على كفار قومه، وسؤال النجاة، وطلب النصرة، حين أَيس من إيمانهم بعد أن دعاهم أحقابًا ودهورًا، فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فلم يؤمن معه إلا القليل،، وكان كلما دعاهم ازدادوا نفرة وتكذيبًا ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ (١) فغضب الله لغضبه عليهم، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ أي: فوالله لنعم المجيبون نحن حيث أجبناه أحسن إجابة، ونصرناه على أعدائه، فانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون، وفيه من تعظيم الإجابة ما فيه. وأخرج ابن مردويه: عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى في بيتي فمرَّ بهذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾ قال: صدقت ربنا أَنت أَقرب من دُعي، وأقرب من بُغى فنعم المدعو، ونعم المعطى، ونعم المسئول ونعم المولى أنت ربنا، ونعم النصير. ٧٦ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: أي: ونجينا نوحًا وأهله وهم من آمن معه وأولاده - نجيناهم - من الغرق، والغمُّ الشديد. ٧٧ - ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾: أَي: ضمنا لذريته وحدهم البقاء، فجميع البشر بعده من أحفاده. ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٢). قال ابن عباس: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾. وقال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولده. فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى. وحام: أبو السودان من المشرق إلى المغرب، والسند، والهند، والزنج، والحبشة، والبربر وغيرهم.

стр. 4053

ويافث: أبو الترك، ويأْجوج، والصقالبة. والأكثر على أن الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها من ذرية نوح ﵇ ولذا قيل له: آدم الثاني، واستدل على ذلك بهذه الآية. وقال قوم: كان لغير ولد نوح - أيضًا - نسل بدليل قوله - تعالى -: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (١). وقوله: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (٢) فعلى هذا يكون معنى الآية: وجعلنا ذريته هم الباقين دون ذرية من كفر، فإنا أَغرقنا أَولئك، ذكر ذلك القرطبي، والراجح الأول لحصر البقاء في ذريته صراحة في قوله - تعالي -: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾. ٧٨ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾: أي: تركنا عليه ثناءً حسنًا في الباقين من الأُمم إلى نهاية الدهر. وهذا الثناء أشار إليه قوله: - تعالى -: ٧٩ - ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾: هذا الكلام وارد على الحكاية، وهو محكي بِتَرَك من قوله (وتركنا .. ) في موضع نصب بها على ما قاله الفراء وغيره من الكوفيين، أي تركنا عليه هذا الكلام بمعناه، والمراد أَبقينا له دعاء الناس وتسليمهم عليه أُمة بعد أُمة إلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها، وقيل: هذا سلام من الله لا من الآخرين، ومفعول تركنا مقدر، أَي: تركنا عليه الثناء الحسن وأبقيناه له فيمن بعده إلى آخر الدهر، وجملة ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ مفعول لقول مقدر على ما ذكر الخفاجي، أي: وقلنا: سلام إلى آخره ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾: من تتمة الجملة السابقة. جيء به للدلالة على الاعتناء التام بثبات هذا الدعاء واستمرار هذه التحية أبدًا في العالمين، من الملائكة والثقلين جميعًا.

стр. 4054

وقيل: المراد من العالمين الأَنبياءُ، إذ لم يبعث بعده نبي إلا أُمر بالاقتداء به، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. (١) ٨٠ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: تعليل لما فعل به ﵊ من التكرمة السنية من إجابة دعائه أَحسن أجابة، وإبقاء ذريته، وذكره الجميل وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر، لكونه من المعروفين بالإحسان الراسخين فيه الذين نجزيهم أحسن الجزاء، ويكون ما وقع له من قبيل مجازاة الإِحسان بالإِحسان، وإحسانه مجاهدة أعداء الله تعالى - والدعوة إلى دينه، والصبر الطويل على أذاهم، أي: مثل هذا الجزء الكامل نجزي العاملين في الإحسان، أي: نجعل لهم لسان صدق يذكرون به بعدهم بحسب مراتبهم في ذلك. ٨١ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: تعليل لكونه ﵇ محسنا بخلوص عبوديته، وكمال إيمانه، للدلالة على جلالة الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم. ٨٢ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: أي: المغايرين لنوح ﵇ وأهله، وهم كفار قومه أجمعين. فلم يبق منهم أحد، ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفات القبيحة، وثم للتراخي في الذكر لا في الواقع، إذ بقاوُه ﵇ ومن معه متأَخر عن الإِغراق. * ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾

стр. 4055

المفردات: ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: من أنصاره وأعوانه وأهل دينه الذين على منهاجه. ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: بقلب خالص من آفات القلوب. ﴿أَئِفْكًا﴾ الإفْكُ: أسوأُ الكذب والاختلاق. التفسير ٨٣، ٨٤ - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: هذه الآيات شروع في جانب من قصة إبراهيم بعد الفراغ من قصة نوح ﵉ وقصة إبراهيم متعددة الجوانب، كثيرة الأحداث - وقد جاءت في سور كثيرة من سور القرآن وكلها تعتمد الجانب العقدي أولا ثم تنتقل إلى الغرض الذي اختص بسورته ما عدا ما جاءَ في سورة الأنعام، فقد اختص بالجانب العقدي والتفكير في ملكوت السموات والأرض وخالقهما ومسخّرهما حتى خلص بإبراهيم ﵇ من هذا إلى توحيد الله، وتوجيه وجهه إلى الذي فطر السموات والأرض. أما السور الأُخرى التي جمعت بين الكلام على العقيدة والتوحيد وجوانب أُخرى فكثيرة في القرآن الكريم مع اختلاف في العرض والتصوير، والتطويل والتقصير. من ذلك ما جاء في سورة البقرة من رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، والاتجاه إلى الله أن يتقبل منهما وأن يباركه، ويبارك ذريتهما. وما جاء في سورة مريم من حواره مع أبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾؟ (١) ومما انتهى إليه أمر أبيه من رفض الإيمان حتى اضطر إبراهيم ﵇ إلى اعتزاله. وما جاء في سورة الأنبياء من تسفيه قومه على عبادة الأَصنام، وعلى الضلال الذي يعيشون فيه، وما انتهى إليه أمره من الكيد للأصنام، وتكسيرها، وكيد قومه له بإلقائه في النار التي جعلها الله عليه بردا وسلامًا، وردّ كيدهم عليهم فكانوا هم الأخسرين.

стр. 4056

ومن هذا أيضًا ما جاءَ في سورة الشعراء حول تبكيبت قومه على عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، ثم يخلص من هذا إلى تعداد نعم الله - تعالى - عليه وعلى عباده، وفضله فيهم ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ … ﴾ (١). ثم تنتهي هذه الآيات بأَصدق دعاء وأخلص تضرع ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ في الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ … ﴾. ثم تأْتي هذه السورة - سورة الصافات - فتوضح محنة الابتلاء وما كان من صِدق الأب في تنفيذ أمر الله، وما كان من طاعة الابن لأمر ربه، والرضا بالقضاء حتى تجلَّى عليهما بكشف البلاءِ، وإنزال الفداء. هذا وقد جاء أُسلوب قصة إبراهيم مرتبطًا بقصة نوح ﵉ لما قيل من أَن إبراهيم ﵇ يعتبر آدم الثالث بالنسبة للأنبياء والمرسلين بعده لأَنهم من ذريته إلا لوطا، ومما يزيد في حسن هذا الارتباط اشتراكهما في المنحة ونجاتهما في المحنة: فنوح ﵇ نجاه الله من الغرق، وإِبراهيم نجاه الله من الحرق. ومعنى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣)﴾ وإن من شيعة نوح وأنصاره - الذين تابعوه في أُصول الدين، وسلامة العقيدة. وإخلاص التوحيد لله - لإبراهيم ﵇ فقد اتفقت شريعتهما على توحيد الله، واختصاصه بالعبادة، وإن اختمت فروع شريعتيهما. وقيل: شايعه في التصلب في الدين، ومصابرة المكذبين، ونقل هذا عن ابن عباس. وليس في الكلام ما يمنع من اجتماع المعنيين معا. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: توقيت وتوضيح للمشايعة، والمعنى: شايعه حين جاءَ ربَّهُ، أَي: أقبل على ربه الذي أحسنها خلقه وتربيته - جاءَه - بقلب سليم خالص من آفات القلوب نَقِيٍّ من العلائق الدنيوية الشاغلة عن العبادة، والتبتل لله تعالى.

стр. 4057

وسلامة القلب أهم ما ينبغي أن يتوافر في المسلم؛ لسلامة أعماله، وصلاح جميع أحواله. ٨٥، ٨٦، ٨٧ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾: قوله - تعالى - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ … ﴾ الآيات بيان وتفسير لقوله - تعالى -: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والمعنى: إذ قال إبراهيم لأَبيه آزر - منكرًا عليه، ساخرًا من سلوكه - ما الذي تعبدونه من دون الله؟ أتريدون - لأَسوأ الكذب، وأَقبح الافتراء والسفه - أن تتخذوا آلهة موهومة، وأصنامًا تصنعونها بأيديكم نؤمنون بها، وتخصونها من دون الله بالعبادة ولو فكَّرتم لرأيتم أنكم أشرف منها لأنكم الصانعون، وهي المصنوعة. ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: فما ظَنكُمْ إذ تفعلون هذا الفعل المنكر بمن هو حقيق بالعبادة، جدير بالتوحيد؛ لأنه ربُّ العالمين، وخالقهم، ومدبر أُمورهم حتى تركتم عبادته وحده، وأشركتم معه غيره من مخلوقاته. أو فما ظنكُم بما يفعل بكم رب العالمين، وكيف يعاقبكم بعد ما فعلتم من الإشراك به. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ المفردات: ﴿نَظَرَ﴾: تأَمل بعينه. ﴿سَقِيمٌ﴾: مريض عليل. ﴿فَتَوَلَّوْا﴾: أَعرضوا. ﴿مُدْبِرِينَ﴾: راجعين.

стр. 4058

التفسير ٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾: نظر فيها كما كانوا يفعلون في تعرف أَحوالهم، فأَوهمهم من تلك الجهة، وأَراهم من معتقداتهم عذرا لنفسه. والمعنى: فنظر إبراهيم ﵇ حين دعاه قومه للخروج معهم في عيدهم للعب واللهو والسمر - نظر في النجوم - يوهم قومه أَنه يستنبئها - ويستطلع الرأْي من حركاتها ومطالعها ليريهم عذرا لنفسه في عدم خروجه معهم في عيدهم مأْخوذا من معتقداتهم. ٨٩ - ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾: أَي: فقالَ إبراهيم حين نظر إلى النجم: إني مريض عليل، يقصد أَنه مريض القلب من عبادتهم لغير الله - تعالى -، وإن كان ظاهره الاعتذار عن عدم الخروج معهم لمرضه، وعلى هذا يكون قوله: إني سقيم من المعاريض على نحو ما ذكر في سورة الأَنبياءِ. وقيل: كانت له ﵇ حُمَّى لها نوبة معينة في بعض ساعات الليل، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة، فإِذا هي قد حضرت، وكان صادقًا في ذلك؛ لأَن نوبات الحمى لا تتخلف عادة، قال المتنبى في شأْن الحمى واعتياد أَوقاتها: وزائرتي كأَن بها حياء … فليس تزور إِلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا … فعافتها وباتت في عظامي ٩٠ - ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أَي: فأَعرض قومه عنه وتركوه راجعين خائفين من عدوى المرض مسرعين إلى عيدهم حين أَخبرهم بأَنه سقيم، ولوح لهم بالمرض. وهكذا احتال في عدم خروجه معهم بما لم يقنعهم بعذره فحسب، بل بما حملهم على الفرار وإجلاء المكان منهم ليفعل بأصنامهم ما شاء.

стр. 4059

﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾ المفردات: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾: مال إليها في خفية وحيلة. ﴿بِالْيَمِينِ﴾: بالقوة والشدة. ﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون. من زف القوم زفيفًا إذا أسرعوا. ومنه زفيف النعام. التفسير ٩١ - ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾: أَي: فمال إِبراهيم ﵇ في خفية وحيلة وتسلل إِلى الأَصنام التي يتخذونها آلهة بعد أَن خلا المكان بخروج القوم إلى عيدهم، فقال للأَصنام - استهزاءً بهم، وسخرية منهم -: أَلا تأْكلون من هذا الطعام المتعدد الأَصناف، المختلف الأَنواع الذي نثره حولكم، ووضعه بينكم هؤُلاء السفهاء الجهال في يوم عيدهم، جاهلين أنكم أَحجار صمٌّ وتماثيل بُكمٌ. ٩٢ - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾: أَي: ما الذي دهاكم، وأَي شيء أصابكم وأَسكتكم فجعلكم لا تردون جوابًا، ولا تنطقون. وهو سؤَال يقصد به المبالغة في السخرية والاستهزاء. ٩٣ - ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: أَي: فمال إِبراهيم ﵇ متسلطًا مستعليًا عليهم متمكنًا منهم يضربهم ضربًا

стр. 4060

شديدًا أَليمًا بالغًا أقصى القوة والشدة؛ لأَن اليمين أَقوى الجارحتين وأَشدهما، وقوة الأَداة تقتضي قوة الفعل وشدته. وقيل: باليمين معناه بسبب اليمين ووفاءً به، وهو المذكور في - قوله - تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (١): والمعنى الأول أَولى وأَوفى بالمقام، ويتلاقى مع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (٢). ٩٤ - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾: فأَقْبلوا إِلى إِبراهيم بعد أَن رجعوا من عيدهم فأَلْفوا أَصنامهم مهشَّمة محطَّمة، أَقبلوا يسرعون في طلبه والإمساك به ظنا منهم أَو يقينًا بأَنه هو الذي فعل هذا بها. ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ المفردات: ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾: ما تَبْرونه وتصنعونه بأَيديكم. ﴿الْجَحِيمِ﴾: النار الشديدة الاتقاد. من الجحمة وهي شدة التأَجج. ﴿كَيْدًا﴾: مكرًا وسوءا. ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾: الأذلين المقهورين.

стр. 4061

التفسير ٩٥ - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: قال إِبراهيم ﵇ لقومه حين واجهوه بتهمة تحطيم أَصنامهم وقالوا له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (١) قال: أَيستقيم منكم ويصح في عقولكم أَن تعبدوا أَصنامًا نحتموها من الصخر، وصنعتموها بأَيديكم من الحجارة، ثم تتخذونها آلهة تدعونها رغبًا ورهبًا من دون الله، وإِنما سأَلهم ذلك تبكيتا لهم، وسخرية بهم، واستخفافًا بعقولهم. ٩٦ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: هذه الآية من جملة كلام إِبراهيم ﵇ والمعنى: أَتعبدون ما تنحتون وتتركون عبادة الله الواحد القهار والحال أن الله خلقكم فأحسن خلقكم، وصوركم فأبدع صوركم، وخلق هذه الأَصنام التي تصنعونها لأَن جوهرها ومادتها من خلق الله - تعالى - وأَما صورها وأَشكالها - وإِن كانت من أَعمالهم - فهي من إِقداره لهم - جل شأَنه - وخلق ما يتوقف عليه فعلهم من العدد والأَسباب. خرّج البيهقي من حديث حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه". ٩٧ - ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: أَي: قال قوم إِبراهيم حين انقطعت بهم الحجة، وأَعياهم الجواب المقنع - قالوا -: ابنوا له حائطًا ضخمًا، وبنيانا كبيرا وأجمعوا فيه الأَحطاب، وأَضرموا فيها النار، وأَلْقوه في لهيبها المتقد، وجحمتها المتأَججة عقوبة له على فعلته، وتخلصا من خطره وسطوته.

стр. 4062

٩٨ - ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾: أَي: وأَراد قومه بهذا العمل معه كيدا به وإِحراقًا له، فرد الله كيدهم إلى نحورهم، وجعل النار برهانًا على صدق دعوته وعلو قدره حيث جعلها عليه بردا وسلامًا، وجعلهم الأَذلين المقهورين الأسفلين. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ المفردات: ﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾: مهاجر إلى حيث أَمرني. أَو ذاهب إلى حيث أَتجرد لعبادته. ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ارزقني الولد الصالح. التفسير ٩٩ - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: أَي: وقال إِبراهيم ﵇ بعد أن نجاه ربُّه من كيد قومه، وجعل النار بردا وسلامًا عليه، وبعد أَن يئس من إيمانهم، وكره المقام معهم - قال -: إِني مهاجر إلى حيث أَمرني ربِّي - يريد الهجرة إلى الشام - أَو إِني مهاجر إلى حيث أَتجرد لعبادته، وأَخلص لتقديسه وتسبيحه. ومعنى سيهدين: سيرشدني ويوفقني إلى ما فيه صلاح ديني وراحة نفسي. وَبَتَّ القول في الهداية لسبق الوعد، أَو لفرط توكله، أَو بناء على ما جرت به السوابق معه ولم يكن كذلك حال موسى ﵇ حيث قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي

стр. 4063

سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) بصيغة الرجاء والتوقع لعدم سبق الوعد معه، أَو لأَنه كان بصدد أَمر دنيوي فناسبه عدم الجزم. ١٠٠ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: هذه الآية اتجاه من إبراهيم ﵇ إِلى ربه وتضرع إِليه أَن يرزقه من ذريته ما يعينه، ويجبر ضعفه، ويشد أَزره، والمعنى: ربِّ ارزقني بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة ويواسيني في الكربة، يعني بهذا طلب الولد لأَن الهبة عند الإطلاق تخصه غالبًا. ١٠١ - ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: هذه الآية صريحة في أَن المبشر به عيْن ما استوهبه ﵇ والمعنى: فاستجاب الله دعاءَ خليله وبشره بغلام حليم، وانطوت البشارة على بشارات ثلاث: ١ - أَنه ولد ذكر. ٢ - أَنه يبلغ ويدرك مدارك الشباب. ٣ - أَنه يكون غاية في الحلم، والخلق والرضا. وأَي حلم يعدل حلمه ﵇ وقد عرض عليه أَبوه أمر ذبحه، وهو فتى في عنفوان شبابه وازدهار قوته، فيقول في إذعان ورضًا: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾

стр. 4064

المفردات: ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾: وصل إلى رتبة أَن يسعى مع والده في أَعماله، ويعاونه في حوائجه. ﴿تَرَى﴾ أَي: تشير وتفكر، مأْخوذ من الرأْي. التفسير ١٠٢ - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: جرى الأُسلوب في هذه الآيات على نمط القصص القرآني بطيِّ ما يقتضيه السياق وحذف ما ترشد إليه أَحداث القصة، والمعنى: وهبنا له هذا الغلام الذي استوهبنا إياه وبشرناه به، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أَي: فلما اشتد عوده وبلغ رتبة أَن يسعى مع أَبيه ويعينه في أعماله، ويساعده على حوائجه كاشفه بواقع الأمر وصارحه بحقيقته فناداه بإِشفاق وتحنن ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ أَي: فتأَمل هذا الأَمر، وَأَدِرْ فيه رأْيك، وأَشر عليَّ بما يستقر عندك. وإنما شاوره - وهو حتم لا خيار فيه - ليعلم ما عنده ويهيئه لقبول ما نزل من بلاءِ الله فيثبت قدمه إِن جزع، وليوطن نفسه فيهون الأَمر عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأَمر الله - تعالى - قبل نزوله خوفًا من المفاجأَة، ولتكون سنة في المشاورة. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أَي: فأَجاب الغلام أَباه في طمأْنينة وصدق امتثال: يا أَبت افعل ما تؤْمر به، ونفِّذ ما أَراكه الله، ستجدني إِن شاءَ الله من جملة الراضين بأَمر الله، الصابرين على قضائه، المذعنين لمشيئته وحكمه. قال بعض أَهل الإشارة: فلما استثنى (١) وفقه الله للصبر. قيل: إِن إبراهيم ﵇ رأَى ليلة الثامن من ذي الحجة كأَن قائلا يقول له: إن الله يأْمرك بذبح ابنك هذا، فلما أَصبح روَّى في ذلك من الصباح إِلى الرواح، قائلا

стр. 4065

في نفسه: أَمِنَ الله هذا الحلم أَم من الشيطان؟ فمن ثمة سُمِّي يوم التروية، فلما أَمسى رَأَى مثل ذلك فعرف أنه من الله. فمن ثمة سمى يوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحر ولده فسمى اليوم يوم النحر. واختلف العلماءُ في حقيقة الذبيح. هل هو إِسماعيل أَو إِسحق؟ والأَظهر الأَشهر أَن الذبيح المخاطب هو إِسماعيل ﵇ إذ هو الذي وهب إثر المهاجرة؛ لأَن البشارة بإسحق بعده معطوفة على البشارة بهذا الغلام. ولقوله ﵊: "أَنا ابن الذبيحين" فأَحدهما جدّه إِسماعيل، والآخر أَبوه عبد الله؛ فإِن عبد المطلب نذر أَن يذبح ولدا إِن سهل الله - تعالى - له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة، فلما حصل ذلك وأَسهم بين أولاده وخرج السهم على عبد الله فداه بمائة من الإبل، ولأن ذلك كان بمكة ولأَن بشارة إِسحق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه وذلك في قوله - تعالى -: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (١) فكيف يأْمره الله بذبحه وقد أَخبره بأَنه سيكون له منه يعقوب، وعن الأَصمعي قال: سأَلت أَبا عمرو بن العلاءِ عن الذبيح فقال: يا أَصمعي!!! أَين عزب عنك عقلك؟ ومتى كان إِسحق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أَبيه. ومما يقوى هذا الرأْي وينصره أن الله وصف إِسماعيل بالصبر دون أَخيه إسحق في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وهو صبره على الذبح. ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٣) لأَنه وعد أَباه بالصبر على الذبح فوفّى به.
следующие страницы →