← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

التفسير ٩٥ - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾: قال إِبراهيم ﵇ لقومه حين واجهوه بتهمة تحطيم أَصنامهم وقالوا له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ (١) قال: أَيستقيم منكم ويصح في عقولكم أَن تعبدوا أَصنامًا نحتموها من الصخر، وصنعتموها بأَيديكم من الحجارة، ثم تتخذونها آلهة تدعونها رغبًا ورهبًا من دون الله، وإِنما سأَلهم ذلك تبكيتا لهم، وسخرية بهم، واستخفافًا بعقولهم. ٩٦ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: هذه الآية من جملة كلام إِبراهيم ﵇ والمعنى: أَتعبدون ما تنحتون وتتركون عبادة الله الواحد القهار والحال أن الله خلقكم فأحسن خلقكم، وصوركم فأبدع صوركم، وخلق هذه الأَصنام التي تصنعونها لأَن جوهرها ومادتها من خلق الله - تعالى - وأَما صورها وأَشكالها - وإِن كانت من أَعمالهم - فهي من إِقداره لهم - جل شأَنه - وخلق ما يتوقف عليه فعلهم من العدد والأَسباب. خرّج البيهقي من حديث حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق كل صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه". ٩٧ - ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: أَي: قال قوم إِبراهيم حين انقطعت بهم الحجة، وأَعياهم الجواب المقنع - قالوا -: ابنوا له حائطًا ضخمًا، وبنيانا كبيرا وأجمعوا فيه الأَحطاب، وأَضرموا فيها النار، وأَلْقوه في لهيبها المتقد، وجحمتها المتأَججة عقوبة له على فعلته، وتخلصا من خطره وسطوته.

стр. 4062

٩٨ - ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾: أَي: وأَراد قومه بهذا العمل معه كيدا به وإِحراقًا له، فرد الله كيدهم إلى نحورهم، وجعل النار برهانًا على صدق دعوته وعلو قدره حيث جعلها عليه بردا وسلامًا، وجعلهم الأَذلين المقهورين الأسفلين. ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ المفردات: ﴿ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾: مهاجر إلى حيث أَمرني. أَو ذاهب إلى حيث أَتجرد لعبادته. ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ارزقني الولد الصالح. التفسير ٩٩ - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾: أَي: وقال إِبراهيم ﵇ بعد أن نجاه ربُّه من كيد قومه، وجعل النار بردا وسلامًا عليه، وبعد أَن يئس من إيمانهم، وكره المقام معهم - قال -: إِني مهاجر إلى حيث أَمرني ربِّي - يريد الهجرة إلى الشام - أَو إِني مهاجر إلى حيث أَتجرد لعبادته، وأَخلص لتقديسه وتسبيحه. ومعنى سيهدين: سيرشدني ويوفقني إلى ما فيه صلاح ديني وراحة نفسي. وَبَتَّ القول في الهداية لسبق الوعد، أَو لفرط توكله، أَو بناء على ما جرت به السوابق معه ولم يكن كذلك حال موسى ﵇ حيث قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي

стр. 4063

سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) بصيغة الرجاء والتوقع لعدم سبق الوعد معه، أَو لأَنه كان بصدد أَمر دنيوي فناسبه عدم الجزم. ١٠٠ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: هذه الآية اتجاه من إبراهيم ﵇ إِلى ربه وتضرع إِليه أَن يرزقه من ذريته ما يعينه، ويجبر ضعفه، ويشد أَزره، والمعنى: ربِّ ارزقني بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة ويواسيني في الكربة، يعني بهذا طلب الولد لأَن الهبة عند الإطلاق تخصه غالبًا. ١٠١ - ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾: هذه الآية صريحة في أَن المبشر به عيْن ما استوهبه ﵇ والمعنى: فاستجاب الله دعاءَ خليله وبشره بغلام حليم، وانطوت البشارة على بشارات ثلاث: ١ - أَنه ولد ذكر. ٢ - أَنه يبلغ ويدرك مدارك الشباب. ٣ - أَنه يكون غاية في الحلم، والخلق والرضا. وأَي حلم يعدل حلمه ﵇ وقد عرض عليه أَبوه أمر ذبحه، وهو فتى في عنفوان شبابه وازدهار قوته، فيقول في إذعان ورضًا: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾

стр. 4064

المفردات: ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾: وصل إلى رتبة أَن يسعى مع والده في أَعماله، ويعاونه في حوائجه. ﴿تَرَى﴾ أَي: تشير وتفكر، مأْخوذ من الرأْي. التفسير ١٠٢ - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: جرى الأُسلوب في هذه الآيات على نمط القصص القرآني بطيِّ ما يقتضيه السياق وحذف ما ترشد إليه أَحداث القصة، والمعنى: وهبنا له هذا الغلام الذي استوهبنا إياه وبشرناه به، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أَي: فلما اشتد عوده وبلغ رتبة أَن يسعى مع أَبيه ويعينه في أعماله، ويساعده على حوائجه كاشفه بواقع الأمر وصارحه بحقيقته فناداه بإِشفاق وتحنن ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ أَي: فتأَمل هذا الأَمر، وَأَدِرْ فيه رأْيك، وأَشر عليَّ بما يستقر عندك. وإنما شاوره - وهو حتم لا خيار فيه - ليعلم ما عنده ويهيئه لقبول ما نزل من بلاءِ الله فيثبت قدمه إِن جزع، وليوطن نفسه فيهون الأَمر عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأَمر الله - تعالى - قبل نزوله خوفًا من المفاجأَة، ولتكون سنة في المشاورة. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أَي: فأَجاب الغلام أَباه في طمأْنينة وصدق امتثال: يا أَبت افعل ما تؤْمر به، ونفِّذ ما أَراكه الله، ستجدني إِن شاءَ الله من جملة الراضين بأَمر الله، الصابرين على قضائه، المذعنين لمشيئته وحكمه. قال بعض أَهل الإشارة: فلما استثنى (١) وفقه الله للصبر. قيل: إِن إبراهيم ﵇ رأَى ليلة الثامن من ذي الحجة كأَن قائلا يقول له: إن الله يأْمرك بذبح ابنك هذا، فلما أَصبح روَّى في ذلك من الصباح إِلى الرواح، قائلا

стр. 4065

في نفسه: أَمِنَ الله هذا الحلم أَم من الشيطان؟ فمن ثمة سُمِّي يوم التروية، فلما أَمسى رَأَى مثل ذلك فعرف أنه من الله. فمن ثمة سمى يوم عرفة، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحر ولده فسمى اليوم يوم النحر. واختلف العلماءُ في حقيقة الذبيح. هل هو إِسماعيل أَو إِسحق؟ والأَظهر الأَشهر أَن الذبيح المخاطب هو إِسماعيل ﵇ إذ هو الذي وهب إثر المهاجرة؛ لأَن البشارة بإسحق بعده معطوفة على البشارة بهذا الغلام. ولقوله ﵊: "أَنا ابن الذبيحين" فأَحدهما جدّه إِسماعيل، والآخر أَبوه عبد الله؛ فإِن عبد المطلب نذر أَن يذبح ولدا إِن سهل الله - تعالى - له حفر بئر زمزم، أو بلغ بنوه عشرة، فلما حصل ذلك وأَسهم بين أولاده وخرج السهم على عبد الله فداه بمائة من الإبل، ولأن ذلك كان بمكة ولأَن بشارة إِسحق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه وذلك في قوله - تعالى -: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (١) فكيف يأْمره الله بذبحه وقد أَخبره بأَنه سيكون له منه يعقوب، وعن الأَصمعي قال: سأَلت أَبا عمرو بن العلاءِ عن الذبيح فقال: يا أَصمعي!!! أَين عزب عنك عقلك؟ ومتى كان إِسحق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل، وهو الذي بنى البيت مع أَبيه. ومما يقوى هذا الرأْي وينصره أن الله وصف إِسماعيل بالصبر دون أَخيه إسحق في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وهو صبره على الذبح. ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٣) لأَنه وعد أَباه بالصبر على الذبح فوفّى به.

стр. 4066

﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ المفردات: ﴿أَسْلَمَا﴾ اسْتسْلما: لأَمر الله، وانقادا له. ﴿تَلَّهُ﴾: أضجعه. ﴿لِلْجَبِينِ﴾: يطلق الجبين على أَحد جانبي الجبهة، ويطلق أَيضًا على الوجه. ﴿صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾: وفيتها حقها بالعزم على تنفيذ ما أَمر الله. ﴿الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: الاختبار البين الشدة. ﴿بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾: كبش سمين عظيم القدر. ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: موبق لها ومهلكها بالكفر والمعاصي. التفسير ١٠٣ - ١٠٦ - ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾:

стр. 4067

المعنى: فلما استسلم إِبراهيم وولده لقضاءِ الله وانْقَادَا لإِنفاذ أَمره، وأَخلصا أَنفسهما له وفوضا أَمرهما إِليه أضجع إبراهيم ولده على شقه فوقع جبينه على الأَرض، وهو أَحد جانبي الجبهة، أَو: كبّه على وجهه بإِشارة الولد كي لا يرى منه ما يورث رقة تحول بينه وبين تنفيذ أَمر الله، وأَسلم الولد نفسه للذبح راضيًا بقضاءِ الله، صابرا محتسبا نفسه عند الله - لما فعلا ذلك - في صدق، وإخلاص أدركتهما رحمة الله ووافاهما النداء من قبل الله: يا إِبراهيم، قد صدقت الرؤْيا بالعزم على تنفيذ ما رأَيت في منامك وترتيب مقدماته، وإعداد مقتضياته، إنا كذلك نجزي المحسنين الذين ينزلون على قضاء الله، ولا يؤثرون شيئًا على طاعته وتحصيل رضاه. وهذا التذييل تعليل لتفريج تلك الكربة عنهما بإحسانهما، وصدق عزمهما. قال الآلوسي: أَخرج غير واحد أَنه قال لأَبيه: لا تذبحني وأَنت تنظر إِلى وجهي عسى أَن ترحمني فلا تجهز عليّ. اربط يديّ إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأَرض. وفي الآثار حكاية أقوال كثيرة غير ذلك، وكل هذه الأَقوال تدور حول امتثال الغلام لأَمر الله، وإِذعانه لقضائه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ تعقيب يجسد عظم البلاء، وقسوته، والمعنى: إِن هذا الأَمر الذي ابتلينا به إبراهيم وهذا الاختبار الذي سبرنا به غور إِيمانه وعمق يقينه، وتمحيص نبوته لهو الاختيار المتناهي في وضوح شدته، الذي يتميز فيه المخلصون، أَو لهو المحنة البينة الصعوبة البالغة أَقصى غايات القسوة والمرارة، إذ لا شيء أَصعب ولا أَقسى من أَن يذبح الإِنسان ولده بيده. ١٠٧ - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾: كان حديث الآيات السابقة عن عظم البلاء تنويهًا بعظم الفداء، وترشيحًا لجلال قدره ليقع قوله - تعالى -: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ موقعه من قوة التصور، وسموّ التفخيم.

стр. 4068

والمعنى: أَنجينا الغلام من الذبح، وعافيناه من محنته، وفديناه بما يذبح بدله - فديناه - بكبش عظيم الجثة مكتنزٍ لحمًا وشحمًا، أَو كبش عظيم القدر لأَنه عطاءُ الله، والعطاءُ يعظم بعظمة معطيه، ولأَنه يفدى به الله نبيًّا ابن نبي. ١٠٨، ١٠٩ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: أَي: لم ينته فضلنا على إبراهيم وولده عند كشف غمته، وإنزال الفداء، بل تجاوزنا هذا وزدناه حيث تركنا عليه، أَي: أَبقينا له وأعقبناه الثناء الحسن والذكر الجميل في الأُمم المتعاقبة بعده تتحرك به الشفاه وتنطلق به الأَلسن ترديدًا إلى آخر الزمان - تركنا عليه - ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. فكل أَهل الأَديان يحيونه بالسلام عليه بلغاتهم. ١١٠ - ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: أَي: مثل هذا الجزاء العظيم: من دوام الذكر، وخالد الثناء نجزي المحسنين في أعمالهم، الصادقين في نيّاتهم وإِخلاصهم. ١١١ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي: إِن إِبراهيم ﵇ من جملة عبادنا المؤمنين الراسخين في الإيمان، الصادقين في العقيدة، ومن كان من جملة عبادنا المؤمنين لا يكون منه إلاَّ أَطيب الأَعمال، وأصدق الطاعات، ولا يكون له إلاَّ أَكرم الحسنات، وأَوفى المثوبات. ١١٢ - ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أَي: وتوالى إِكرامنا لإِبراهيم، واستمرت منحتنا عليه حيث بشرناه بعد إِسماعيل بإِسحاق ولدًا آخر، وطويت في هذه البشارة بشارات حسن تنشئته وإِدراكه مدارك الرجال، ونبوَّته. وفي ذكر الصلاح بعد النبوَّة تعظيم لشأْنه، وإيماءٌ إِلى أَنه الغاية للنبوة، وأَنه الثمرة المرجوة. ١١٣ - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾: أَي: وباركنا على إِبراهيم وإسحاق ﵉ بأَن أَفضنا عليهما بركات الدين

стр. 4069

والدنيا، فأَكثرنا نسلهما وجعلنا منهما أَنبياءَ ورسلًا، واختلفت أَحوال ذريتهما فكان منها محسن بالإِيمان والطاعة لنفسه، وظالمٌ لنفسه بالكفر والمعاصي ظلمًا بيِّنًّا ظاهر القبح. وفي هذا تنبيه إِلى أَن الخبيث والطيب لا يجرى أَمرهما على العرق والعنصر، فقد يلد البر فاجرًا، وقد يلد الفاجر بَرًّا، وهذا مما يهدم أَمر الطبائع والعناصر، وينبِّه إِلى أَن الظلم في أَعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وإِنما يعاب المرء بسوءِ فعله، ويعاقب على ما اجترحت يداه لا على ما وجد من أَصله وفرعه. ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ المفردات: ﴿مَنَنَّا﴾: أَحسنَّا وأَنعمنا عليهما بالنبوة والنجاة والنصرة. ﴿الْكَرْبِ﴾: المكروه والشِّدة. ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: الواضح. وهو التوراة. ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الذي لا عوج فيه؛ لأَنه الموصل إلى الحق والصواب.

стр. 4070

التفسير ١١٤ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: شروع في قصة موسى وهارون بعد الفراغ من قصة إِبراهيم وما تضمنت من أَخبار غريبة، وأَحداث عجيبة، ومنح جزيلة، ومواقف جليلة. وصدّرت قصتهما بالمنَّة لإِبراز فضل الله - تعالى - عليهما في ظهورهما على قوم جبَّارين في أُمة عاتية، على رأْسها فرعون الغاشم المتأَله، لا يبالون بما يرتكبون من مظالم، ولا يخجلون مما يقترفون من مغاشم. والمعنى: ولقد أَحسنَّا وأَنعمنا على موسى وأَخيه هارون بالنبوَّة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية، حيث بعثناهما في قوم جبارين، يستعبدون الأحرار، ويسخرونهم في مصالحهم، ويسومونهم سوء العذاب. ١١٥ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: أَي: ونجَّينا موسى وهارون ومن تبعهما من قومهما من تسلُّط فرعون وقومه وغشمهم، وخلَّصناهم من الكرب والشدة وأَلوان العذاب المتفاقم في العظم والقبح المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (١): ١١٦ - ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: أَي: لم يقف أَمرنا معهما على الإِنجاءِ من كرب فرعون وقومه، وبطشهم بهم، بل تجاوز ذلك إِلى نصر موسى وهارون وقومهما على هذا الطاغوت، فكانوا هم الغالبين عليهم غلبة ليس وراءَها غاية، القاضين عليهم قضاء تركهم عبرة للعالمين وآية للمتأَملين. وقد بدئ في الآية بالتنجية، وإِن كانت مقارنة للنصر للإِشارة إِلى أَن مجرَّد التَّنجية من عذاب فرعون وقومه في ذاتها نعمة، فضلًا عمَّا صحبها من النصر والغلبة، لتوفية مقام الامتنان حقه بإِظهار كل مرتبة من المراتب الثلاث: التنجية، والنصر، والغلية نعمةً جليلة على حيالها.

стр. 4071

١١٧ - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: هذه الآية من جملة ما مَنَّ الله به على موسى وهارون، وهي في موقعها من تتابع المنن وتساوقها بعد التنجية والنصرة والغلبة ليتم الأَمن والاستقرار، ويتعبد الطريق إلى إنزال الكتاب. والمعنى: وآتينا موسى وهارون بعد تحقيق ما سبق - آتيناهما - الكتاب المستنير الواضح في تفصيل الشرائع، البين في توضيح الأَحكام، وهو التوراة. ١١٨ - ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الهداية إِلى الصراط المستقيم أَثر لإِتيان الكتاب. والمعنى: وهديناهما بإِتيان الكتاب الصراطَ المستقيم، والطريق الممهد الموصل إلى الحق والصواب بما فيه من تفصيل الشرائع، وتفاريع الأَحكام. ١١٩، ١٢٠ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾: أَي: وأَعقبناهما زيادة في المنَّة ووفرة في الإِحسان والفضل - أعقبناهما - الذكر الحسن والثناء الجميل في الأُمم التي تأْتي بعدهما إلى آخر الزمان بقولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ وما في معناه. ١٢١، ١٢٢ - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: إِنا مثل هذا الجزاء الذي جازينا به موسى وهارون وقومهما من كل ما ذكرنا، وما شهدت به الأَحداث، وصار حديثًا عجبًا بين الناس - إنَّا كذلك نجزي المحسنين منهم ومن غيرهم جزاءً سخيًّا وافيًا، إِنهما من جملة عبادنا المؤمنين المخلصين في العبودية، وكمال الإيمان الذين لا يصدر عنهم إلاَّ العمل الصالح، والسلوك السوي. ولا يقع منهم إِلاَّ ما يقتضي جزيل الثواب وعظيم الجزاءِ.

стр. 4072

﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾ المفردات: ﴿إِلْيَاسَ﴾: هو إلياس بن يس من سبط هارون أَخي موسى ﵈ بعث بعده، وقيل هو "إدريس". ﴿بَعْلًا﴾: اسم صنم لأَهل بَكّ من الشام، وهو البلد المعروف اليوم باسم "بعلبك"، وقال عكرمة وقتادة: البعل: الرب بلغة اليمن. التفسير ١٢٣، ١٢٤ - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: هذه الآيات دخول على قصة إِلياس ومن بلاغة التنزيل، وروعة إِعجازه اختلاف مداخل هذه القصص، ففي قصة نوح ﵇ كان المدخل: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾. وفي قصة إِبراهيم: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وفي قصة موسى وهارون: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ وهذا تفنن في الأُسلوب يزيده جمالًا، ويزيد القارئ إِقبالًا، حيث يتصدر كل قصة الحدث الجليل فيها. وقد صدرت قصة إِلياس ومن بعده بتكرار المؤكدات، لأَن أَخبارهم لم تبلغ في الاشتهار والتداول مبلغ نوح وإِبراهيم وموسى ﵈. والمعنى: وإِن من أَنبياء الله - تعالى - ورسله الذين أَرسلهم إِلى أقوامهم لإِرشادهم وهدايتهم إِلياس من سبط هارون أَخي موسى وبعث بعده، فاذكر يا رسول الله إذ قال لقومه

стр. 4073

حين بعث فيهم: أَلَا تتَّقون الله وتخافون عذابه على كفركم به وجحدكم آلاءه ونعمه عليكم، وإِعراضكم عن توحيده وشكر عطائه، واتخاذكم آلهة زائفة، ومعبودات زائلة تالفة. ١٢٥، ١٢٦ - ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: أَي: أَيستقيم منكم، ويصح في عقولكم وأَفهامكم أَن تعبدوا صنمًا أَصم، وحجرًا أَبكم تجثون حوله، وتقدمون له القرابين تدعونه لقضاءِ حوائجكم فتطلبون الخير ممَّا لا خير فيه، ولا يملك لكم ولا لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، وتتركون عبادته وتوحيده وهو ربكم الذي خلقكم فأَحسن خلقكم، وصوركم فأَبدع صوركم، وخلق آباءَكم الأَولين السابقين عليكم من لدن آدم ﵇ الذين عمرت بهم الدنيا، وامتد الوجود، وأَجرى عليكم وعليهم نعمه، وسخر لكم ما في السموات وما في الأَرض جميعًا منه. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ المفردات: ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾: لشاهدون العذاب مساقون إِليه، والإِطلاق في الحضور اكتفاء بالقرائن، أَو لأَن الإِحضار المطلق مخصوص بالشر عرفًا. ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾: لغة في إلياس كسيناءَ في سينين، وهو الأَولى، وقيل: هو جمع له أُريد به هو وأتباعه كالمُهلَّبيِّين والخُبَيْبِيِّين.

стр. 4074

التفسير ١٢٧، ١٢٨ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: أَي: فكذب قوم إِلياس رسولهم وعارضوا دعوته، وأَنكروا عليه رسالته فحق عليهم عذاب الله، وحقت فيهم كلمته فإِنهم لشاهدون هذا العذاب ومدفوعون إِليه، ومساقون له لا يفلت منهم أَحد إِلاَّ من آمن به وصدقه، واتبع هداه فكان من الناجين المخلصين في عقيدتهم وطاعتهم لله. ١٢٩ - ١٣٢ - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾: تختتم قصة إلياس ﵇ بما اختتمت به قصص الأَنبياء قبله. والمعنى: وتركنا على إِلياس - في الأُمم الآتية بعده - الذكر الحسن والثناء الجميل المتمثل في قول الآخرِين: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ وما في معناه، إنا مثل هذا الجزاءِ من الثناء نجزي كل محسن من عبادنا المؤمنين الذين لا يصدر عنهم إلاَّ القول الطيب والفعل الجميل. ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ المفردات: ﴿الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب، أَو الماضين الهالكين، من: غَبَر بمعنى بقى أَو مضى فهو من الأَضداد. ﴿دَمَّرْنَا﴾: أَهلكنا. ﴿مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾: داخلين في الصباح والمساء، أي: نهارًا وليلًا.

стр. 4075

التفسير ١٣٣ - ١٣٦ - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦)﴾: بدئت قصة لوط بما بدئت به قصة إلياس من تأْكيد رسالته، ثم ذكرت نجاته وأَهله إِلاَّ امرأَته من شناعة العذاب الذي لحق بقومه فهدَّم عليهم قراهم تنبيهًا إِلى أَن نجاته من هذا العذاب نعمة من أَجلّ النعم. والمعنى: وإِن لوطًا ﵇ لمن جملة المرسلين الذين أَرسلهم الله لهداية أَقوامهم فدعاهم ونصحهم ووجههم إِلى ما يصلح دينهم ودنياهم فعارضوه، وكذَّبوه وأَمعنوا في الفاحشة النكراءِ من إتيان الرجال دون النساء، فاستوجبوا أَنكى عذاب وأَقسى عقاب حيث ائتفكت بهم قراهم، وتهدمت عليهم منازلهم فذهبوا فوق التراب أَثرًا، وبقوا للناس عبرا، فاعلم ذلك يا رسول الله، واذكر لقومك ترشيدًا ونصحًا إذ نجينا لوطًا وأهله من هذا العذاب الشديد والبطش العتيد إِلاَّ امرأَته العجوز التي انتصرت لقومها فكانت من الباقين في العذاب، أَو الماضين الهالكين في التراب. ثمَّ دمَّرْنَا الآخرين فلم يبق منهم باق فإن في ذلك شواهد على صدق دعوته وكونه من جملة المرسلين. ١٣٧، ١٣٨ - ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾: أَي: وإِنكم يا كفار قريش لتمرون على منازلهم المهدَّمة في سفركم إلى الشام للتجارة وأَنتم داخلون في الصباح وفي المساءِ، أَي: نهارًا وليلًا "وسدوم" من قراهم المؤتفكة في طريقكم ترونها، وتشاهدون ما حلَّ بأَهلها. وقوله - تعالى -: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ معناه: أَتشاهدون ذلك فلا تتدبرون ولا تعقلون حتى تعتبروا وتخافوا أَن يصيبكم مثل ما أَصابهم، وينزل بكم ما نزل بهم، فإِن منشأَ ذلك مخالفتهم رسولهم، وأنتم في مخالفتكم لرسولكم تفعلون مثل فعلهم.

стр. 4076

﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ المفردات: ﴿أَبَقَ﴾: هرب، وأَصل الإِباق: هرب العبد من سيِّده بغير إِذنه. ﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوء. ﴿فَسَاهَمَ﴾: قارع. ﴿الْمُدْحَضِينَ﴾: المغلوبين بالقرعة. ﴿الْتَقَمَهُ﴾: ابتلعه. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: داخل في الملامة مستحق لها. ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾: الذاكرين. ﴿لَلَبِثَ﴾: مكث. ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: يوم القيامة. التفسير ١٣٩ - ١٤٢ - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾: بهذه الآيات الكريمة تنتهي قصص الأنبياء التي احتوتها هذه السورة من كتاب الله. وممَّا يثير النظر، ويسترعى الانتباه في هذا التنزيل البليغ أَن الفلك التي نجَّى الله بها نوحًا وأَهله في أَول هذه القصص تكرر ذكر مثلها في فلك آخر غرق منه يونس في اليم في آخر قصة منها.

стр. 4077

ويونس ﵇ هو يونس بن متَّى، قيل: إِنه نُبِّئَ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وحكى في البحر أَنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس. وقال الآلوسي: "يروى أَنه أَوعد قومه العذاب، وأَخبرهم أَنه ينزل بهم إِلى ثلاثة أَيام فلما كان اليوم الثالث خرج يونس قبل أَن ينزل العذاب بهم، فعجُّوا إِلى الله وأَنابوا واستقالوا فأقالهم الله - تعالى - وصرف عنهم العذاب، فلمَّا لم ير يونس نزول العذاب استحيى أَن يرجع إِليهم وقال: لا أَرجع إِليهم كذَّابًا أَبدًا، ومضى على وجهه، فأَتى سفينة فركبها، فلما وصلت اللجّة وقفت فلم تسر، فقال صاحبها: ما يمنعها أَن تسير إلاَّ أَنَّ فيكم رجلًا مشئومًا فاقترعوا ليلقوا من وقعت عليه القرعة في الماء، فوقعت على يونس، ثم أَعادوها فوقعت عليه، ثم أَعادوها فوقعت عليه، فلما رأَى ذلك رمى بنفسه في الماء". ومعنى الآيات: وإِن يونس ﵇ لمن جماعة المرسلين، فاذكر يا رسول الله قصته وخبره إِذ هرب قبل أَن يأْذن له ربُّه إِلى الفُلْك المملوء بالراكبين المزحوم بكثرتهم فرارًا من العذاب الذي أُخبر بنزوله على قومه. وعبَّر عن خروجه بالإِباق مع أَن الإِباق لا يكون إِلاَّ في هرب العبد من سيّده، لأَنه خرج قبل أَن يأْذن الله له بالخروج فاعتبر إباقًا كإباق العبد من سيِّده، وحسّنه أن كل مخلوق عبد الله تعالى. وقوله - تعالى -: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ معناه: فقارع مع من كانوا معه في السفينة ليلقوا من تصيبه القرعة في الماء فأَصابته القرعة، وكرروا ذلك ثلاثًا فلم تخطئه فكان من المدحضين بالقرعة المغلوبين فيها، فلما رأَى ذلك رمى بنفسه في اليم، فتلقاه الحوت وابتلعه، وهو آتٍ بما يلام عليه مستحق لذلك. ١٤٣، ١٤٤ - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾: أَي: فلولا أَن يونس ﵇ كان من الذاكرين الله كثيرًا الذين ديدنهُم التسبيح يعيشون فيه ويدومون عليه طوال حياتهم لا ينقطعون عن ذلك ولا يفترون لمكث في بطن الحوت حيًّا إلى يوم يبعثون: يوم القيامة.

стр. 4078

والمراد بالتسبيح: مطلق الذكر كما حمله بعضهم، وحمله بعض آخر على العبادة، وقال آخرون: إن التسبيح هو ما ذكره الله - تعالى - في قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). وذهب جماعة منهم ابن عباس إِلى حمله على الصلاة، بل رُوى عنه أَنه قال: "كل ما في القرآن من التسبيح فهو بمعنى الصلاة". وفي النص الكريم حثٌّ على إِكثار الذكر، ومداومة التسبيح، وتعظيم لشأْنه، وتنبيه إلى أَن من أَقبل على الله في السراء، أَخذ بيده عند الضراء. أَخرج ابن أَبي شيبة عن الضحاك بن قيس قال: "اذكروا الله تعالى في الرخاءِ يذكركم في الشدة فإِن يونس ﵇ كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله - تعالى - فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ … ﴾ الآية وإِن فرعون كان عبدًا طاغيًا ناسيًا لذكر الله - تعالى - فلما أَدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢). وكما اختلف المفسرون في كنه التسبيح اختلفوا في مقدار المكث، فقيل: أَربعون يومًا، وقيل: عشرون، وقيل: سبعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: لم يلبث إلاَّ قليلًا ثم أُخرج من بطنه عقب الوقت الذي التُقم فيه. روى عطاء أَنه حين ابتلع الحوت يونس أَوحى الله - تعالى - إلى الحوت: "إني جعلت بطنك له سجنًا ولم أَجعله لك طعامًا". والمراد من الوحي إِلى الحوت إِلهامه، وحبس جهازه الهضمي عن هضمه، والله أَعلم.

стр. 4079

بيان للقراء الكرام بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد رسول الله، وعلى آله وصحبه أَجمعين وبعد: فقد بدأْنا - بتوفيق الله تعالى - تفسير النصف الثاني من القرآن الكريم، من قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ … ﴾ من الآية ٧٩ من سورة الكهف - كما وعدنا القراءَ - ووصلنا إِلى نهاية الآيتين: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ من سورة الصافات الآيتين ١٤٣، ١٤٤ وبهما ينتهي الحزب الخامس والأَربعون من القرآن العظيم، وبذلك يكون قد تم تفسير ثلاثة أَرباع القرآن الكريم. وقد توفي في هذه الفترة فضيلة الأُستاذ الشيخ طه الساكت، والسيد الأُستاذ علي عبد العظيم، عضوا لجنة التفسير الوسيط - عليهما رحمة الله - وجزاهما أَحسن الجزاء على صالح أَعمالهما، وقد حل محلهما فضيلة الأُستاذ الشيخ محمَّد مرسي عامر، وفضيلة الأُستاذ الشيخ إبراهيم السويركي، وأَصبحت اللجنة مؤلفة كالآتي حسب ترتيب الحروف الهجائية: ١ - الشيخ إبراهيم السويركي. ٢ - الشيخ سيد مصطفى شريف. ٣ - الشيخ عبد المهيمن الفقي. ٤ - الشيخ محمد مرسي عامر. ٥ - الشيخ مصطفى محمَّد الحديدي الطير. ويقوم فضيلة الشيخ مصطفى محمَّد الحديدي الطير بتنسيق أَعمال هذه اللجنة ويتولى رياستها، وقد عرف القراء - ممَّا صدر من تفسيرها الأَحزاب التي طبعت - أَن اللجنة عند التزامها إِخراج التفسير خاليا من التعقيد والمصطلحات الفنية، إِلاَّ ما تدعو إليه شدة الضرورة،

стр. 4080

كما عرفوا خلوه من الإسرائيليات والآراء الهابطة، كما أدركوا تقاربه بفضل التنسيق الدقيق والمراجعة اللذين يتولاهما رئيس اللجنة. ونحن لا ندعي الكمال فيما قدمناه للقراءِ الكرام.، كما لا ندعي خلوه من الخطأ، فالعصمة لله ولرسوله، وحسبنا أَننا بذلنا فيه الوسع، ورجونا فيه الأَجر من رب العالمين، وإننا لنشكر للقراءِ الكرام - في مصر والبلاد العربية - إِقبالهم على شراء ما يصدر منه من الطبعات. وقد فرغت اللجنة من تأليف وتنسيق أكثر من ذلك، وهو تحت الطبع. والله تعالى ولي التوفيق، رئيس اللجنة مصطفى محمَّد الحديدي الطير عضو مجمع البحوث الإِسلامية

стр. 4081

* ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ المفردات: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾: فطرحنَاه وأَلقيناه. ﴿بِالْعَرَاءِ﴾: بالأَرض الفضاءِ. ﴿سَقِيمٌ﴾: مريض ضعيف البدن. ﴿يَقْطِينٍ﴾: شجرة القرع وليس لها ساق تقوم عليه. التفسير ١٤٥ - ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: ذكر الله في الآيات السابقة أن يونس ﵇ التقمه الحوت وهو مُلِيم لأَنه حين رأى العذاب لم ينزل بقومه، وكان قد توعدهم به تركهم وقال: لا أَرجع إِليهم كاذبًا، ولم يستأذن ربه في تركهم، ولولا أنه كان من المواظبين على تسبيح الله والدعاءِ لبقي في بطن الحوت إِلى يوم البعث، وفي هذه الآية الكريمة يقول - سبحان -: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ بأَن حملنا الحوت على لَفْظِه وطرحه في الفضاءِ الواسع من الأَرض لا شجر فيه، ولا شئَ يُغَطِّيه ويواريه من بناءٍ أَو سقف، وهو عليل واهن البدن خائر القوى مما أصابه، قال ابن عباس: كبدن الصبي حين يولد، قيل: إنه نبذه كل شط دِجْلة قرب مدينة "نينوى" والله أعلم بمكان طرحه في العراء. ١٤٦ - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: أَي: وأَنبتناها عليه مُظِلَّة له كالخيمة، واليقطين: يفْعِيل من قَطَن بالمكان إِذا أَقام به، والمراد به على ما جاءَ عن ابن عباس في رواية: الدُّبَّاء، وهو الفرع

стр. 4082

المعروف أَنبتها الله - تعالى - فَغَطَّته ووقَتْه غوائل الجو لأنها تجمع خِصالا عدَّة: برْد الظِّلِّ، ونعومة الملمس، وعظم الورق، وأَنَّ الذباب لا يقع عليها كما قيل، وكان ﵇ لرقَّة جلده بمكثه في بطن الحوت يُؤْذيه الذباب، ومُماسَّة ما فيه خشونة، ويؤلمه حر الشمس، ويستطيب بارد الظل، فلطف الله - تعالى - به بذلك، وذكر الزمخشري أنه قيل لرسول الله: إنك لتحب القرع: قال: أجل هي شجرة أخي يونس. وذكر القرطبي عن أَنس ﵁ قال: قُدِّم للنبي ﷺ مَرَقٌ فيه دُبَّاء وقَدِيد، فجعل يتَّبع الدُّبَّاءَ حول القصعة. قال أَنس: فلم أَزل أُحب الدُّبَّاءَ من يومئذ. أَخرجه الأَئمة - وقيل: اليقطين شجرة التين، وقيل: الموز، والأَكثر على أنه القرع، وعلى هذا يكون المولى - سبحانه - قد جعل لهذا القرع ساقًا عالية ليظلله ورقها، والله على كل شيءٍ قدير. ١٤٧ - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾: بعد أَن أَبَلَّ يونس من مرضه، وعُوفي من ضعفه، وصح بدنه، أَرسلناه إلى عدد كبير يقول من يراه: إِنهم مائة ألف أَو يزيدون في مرأَى الناظر، والغرض الوصف بالكثرة، وقيل: لَفْظ ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ بمعنى الواو، أَي: ويزيدون مع استمرار التبليغ، والمراد بقوله - تعالى -: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ﴾ ما سبق من إِرساله إِلى قومه من أهل نينوى، حين كُفْرهم قبل أَن يؤمنوا، وقيل غير ذلك. ١٤٨ - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: فاستجابوا جميعًا لدعوته، وآمنوا برسالته، واتبعوا النور الذي أُنزل معه بعد أن رأوا أمارات العذاب، فأَبقيناهم مُمتَّعين بمالهم وأَملاكهم، آمنين في سربهم، وبسطنا عليهم نعمتنا إِلى الوقت المعلوم حين تنقضي آجالهم. وكان يونس لا يعلم بأَنهم آمنوا فرفع عنهم العذاب روى عن عبد الله بن مسعود أَن النبي ﷺ قال: "إن يونس وعد قومه بالعذاب، وأَخبرهم أن يأْتيهم إِلى ثلاثة أَيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها وخرجوا، فجاروا إلى الله واستغفروا فكف عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئًا، فخرج يونس مغاضبًا، فأَتى قومًا في سفينة فحملوه .. " انظر القرطبي.

стр. 4083

﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ المفردات: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾: فاستخبر كفار مكة توبيخا لهم، وسلْهُم على سبيل الإِنكار عليهم. ﴿إِفْكِهِمْ﴾: كذبهم. ﴿أَصْطَفَى﴾: أَختار، وهو استفهام توبيخ. التفسير ١٤٩ - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: أَمر الله تعالى نبيه ﷺ في صدر هذه السورة الكريمة بتبكيت قريش وإِبطال مذهبهم في إِنكار البعث بطريق الاستفتاءِ في قوله - تعالى -: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ (١) وساق البراهين الناطقة بأَنه سيتحقق لا محالة وبيَّن ما سوف يلقونه عند ذلك من فنون العذاب واستثنى منهم عباده المخلصين، وفصل - سبحانه - ما لهم من النعيم المقيم، ثم ذكر - سبحانه - أَنه قد ضلَّ مِنْ قبلهم أَكثر الأَوَّلين، وأَنه - تعالى - أَرسل إِليهم منذرين على وجه الإجمال، ثم أَورد قصص بعض الأَنبياءِ ﵈ بنوع تفصيل متضمنا كل منها ما يدل على فضلهم وعبوديتهم له ثم أَمره ﷺ بتبكيتهم بطريق الاستفتاءِ عن وجه ما زعموه من نسبة البنات إلى الله - تعالى - وقد قال بذلك

стр. 4084

جهينة، وبنو سلمة، وخزاعة وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، فجعلوا لله الإِناث، ولأَنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهيتهم الشديدة لهنّ، ووأدهن، واستنكافهم من ذكرهنّ، وقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أَنواع من الكفر: أحدها: التَّجْسيم لأَن الولادة مختصة بالأَجسام، والثاني: تفضيل أَنفسهم على ربهم حيث جعلوا أَقل الجنسين في نظرهم له، وأَرفعها لهم كما قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١). الثالث: أنهم استهانوا بالملائكة وهم أكرم خلق الله عليه، وأَقربهم إليه، حيث حكموا عليهم بالأُنوثة، ولو قيل لأَقلهم درجة وأَدناهم منزلة: فيك أُنوثة أَو نحوها لثار لكرامته، وللبس لقائله ثوب النمر. ١٥٠ - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: إِضراب وانتقال من التبكيت بالاستفتاءِ السابق إلى التبكيت بهذا، أَي: بل أَخلقنا الملائكة إناثًا وهم معاينون لخلقهم حتى حكموا هذا الحكم الباطل، فهم من أشرف الخلائق عند ربهم، وأَعظمهم بعدا عن الأنوثة، وقوله - تعالى -: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ استهزاء بهم، وتجهيل لهم، ومثله قوله - تعالى -: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (٢) فإن هذه الأمور لا تُعْلَم إلاَّ بالمشاهدة، إِذ لا سبيل إِلى معرفتها بطريق العقل ولا النقل، فلا بد أَن يكون القائل بأُنوثتهم شَاهد خَلقهم على هذه الصورة ليصح قوله، ولا سبيل لهم إلى ذلك. ١٥١، ١٥٢ - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾: استئناف من جهته - تعالى - غير داخل تحت الاستفتاءِ، سِيق لإِبطال أَصل مذهبهم الفاسد ببيان أَن مبناه الإفك والافتراء القبيح، من غير أن يكون لهم دليل ولا شبهة، وإِنهم لكاذبون فيما يتدينون به مطلقًا أو في هذا القول، والمعنى: تنبَّه أَيها السامع: إِنهم من كذبهم واختلاقهم ليقولون: ولد الله، بقولهم: الملائكة بنات الله، وهو المنزه

стр. 4085

عن الوالدية والولدية، وإِنهم لكاذبون في هذا الادعاءِ بشهادة الأدلة على وحدانيته - تعالى -، والولد يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ١٥٣ - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾: أَي: أَي شيءٍ يحمله على أن يختار البنات - المكروهات في زعمكم - على البنين المحبوبين لديكم وهو - سبحانه - الخالق للبنات والبنبن، مثل ذلك قوله - تعالى -: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (١) والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمراد: إثبات إفكهم وتقرير كذبهم، ولهذا قال ﵎: ١٥٤ - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: ماذا أَصابكم حين حكمتم بغير دليل، كيف تحكمون هذا الحكم الفاسد مع وضوح بطلانه؟ ١٥٥ - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أنسيتم دلائل القدرة والتنزيه المرْكوزة في كل العقول، فلا تتذكرون أنه لا يجوز أَن يكون له ولد حتى وقعتم في هذا الضلال؟ ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾

стр. 4086

المفردات: ﴿سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: حجَّةٌ واضحة وبرهان على أَن الملائكة بنات الله. ﴿الْجِنَّةِ﴾: الملائكة لأَنهم يستجنُّون، أَي: يختفون ويستترون، أَو الجن. التفسير ١٥٦ - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: إِضرابٌ وانتقال من توبيخهم بما ذكر بتكليفهم ما لا يدخل تحت الوجود أَصلًا، أَي: بل أَلكم حجة واضحة نزلت من السماء بأَن الملائكة بناته، ضرورة أَن الحكم بذلك لا بد له من دليل حسِّي أَو عقلي، وحيث انتفى كلاهما فلابد من سند نقلي له سلطان وقوة، ولا سبيل إلى ذلك. ١٥٧ - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أَي: هاتوا برهانًا على ذلك يكون مستندًا إلى كتاب منزل من السماء عن الله - تعالى - أَنه اتخذ ما تقولونه، ويكون ناطقا بصحة دعواكم إن كنتم صادقين فيها، والأَمر للتعجيز، وإضافة الكتاب إِليهم للتهكم، وفي الآيات السابقة من الإِنباءِ عن السخط العظيم، والإِنكار الشديد لأَقاويلهم، والاستبعاد لأَباطيلهم، وتسفيه أَحلامهم، مع استهزاءٍ بهم وتعجيب من قولهم ما لا يخفى على من تأَمَّل فيها. ١٥٨ - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: التفات للغيبة للإِيذان بانقطاعهم عن الجواب، وسقوطهم عن درجة الخطاب، واقتضاء حالهم أَن يُعْرض عنهم، وتُحْكى لآخرين جناياتهم. والمعنى: استمرأ المشركون غيَّهم، وتمادوا في باطلهم وضلالهم، وجعلوا بين الله وبين الجن المستورين عن العيون قرابة ومصاهرة، ووالله لقد علمت الجن إن الكفار لمحضرون إِلى الله - تعالى - لينالوا جزاءَ ما ارتكبوا من جرم، وما اجترحوا من إِثم، بسبب اعتقادهم الفاسد، أَخرج آدم بن أَبي إِياس، وعبد بن حميد، وابن جرير وغيرهم،

стр. 4087

عن مجاهد قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أَبو بكر الصديق - على سبيل التبكيت -: فمن أُمهاتهن؟ فقالوا: بنات سروات الجِن، وروى هذا ابن أَبي حاتم: عن عطية، أَو أُريد وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا حيث أَشركوهم به - تعالى - في استحقاق العبادة، وروى هذا عن الحسن حيث قال: أَشركوا الشيطان في عبادة الله، فهذا النسب الذي جعلوه. ١٥٩ - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أَي: تعالى الله وتقدَّس وتنزَّه عن أَن يكون له ولد، وعمَّا يصفه به الظالمون الملحدون المفترون من صفات النقص التي لا تليق بمقامه الكريم. ١٦٠ - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: لكن عباد الله المخلصين وهم المتبعون للحق المنزَّل على كل نبي ورسول برآءُ ممَّا يصفه به الكافرون، وهم ناجون من النار. ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾ المفردات: ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: بمضلين أَو مفسدين. ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾: داخلها ومُقَاسٍ حرها.

стр. 4088

﴿الصَّافُّونَ﴾: الواقفون في العبادة صفوفًا. ﴿الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهُون الله - تعالى - عمَّا لا يليق بجلاله. ﴿ذِكْرًا﴾: كتابًا. أَو من يُذَكِّرُنا بأَمر الله أَو بكتابه. التفسير ١٦١، ١٦٢، ١٦٣ - ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾: عود إِلى خطاب المشركين، والضمير في (عليه) للهِ . والمعنى: فإِنكم ومعبوديكم من دون الله ما أَنتم وهم جميعًا على الله بفاتنين إلاَّ أَصحاب النار الذين سبق في علمه أَنهم لسوءِ اختيارهم يستوجبون أَن يصْلَوْها ويذوقوا حرَّها، ومعنى يفتنونهم على الله: يفسدونهم عليه بإِغوائهم واستهوائِهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته أَي: أَفسدها. ويجوز أَن تكون الواو في قوله: (وما تعبدون) بمعنى مع كما في قولهم: كل رجل وضيعته. والمعنى: فإِنكم مع ما تعبدون، من دون الله ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أَي: على الله ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ أَي: بمضلين مفسدين ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ أَي: إلاَّ من هو ضال مثلكم معذب بالجحيم. قال النَّحَّاس: أَهل التفسير مجمعون فيما علمت على أَن المعنى: ما أَنتم بمضِلِّين أَحدًا إلاَّ من قدَّر الله أن يَضلَّ. وفيها من المعاني أَن الشياطين لا يصِلُون إلى إضلال أَحد إلاَّ من كتب الله عليه أَنه لا يهتدى لسوءِ اختياره، ولو علم الله - جلَّ شأْنه - أَنه يهدي لحال بينه وبينهم. ١٦٤ - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: هذه الآية وما بعدها من قول الملائكة تعظيمًا لله وإِنكارًا منهم عبادة من عبدهم، أَي: وما مِنَّا إِلاَّ له مقام معلوم في العبادة والعلم والرُّتْبة، والرُّجوع إِلى أَمر الله - تعالى -

стр. 4089

في تدبير العالم مقصور عليه لا يتجاوزه، ولا يستطيع أَن ينزلَ عنه خضوعًا لعظمته - تعالى - وخشوعًا لهيبته - سبحانه - وتواضعًا لجلاله - جل شأْنه -. والآية تشير إِلى أَنَّ الملَك لا يتعدَّى مقامه إِلى ما فوقه، ولا يهبط عنه إِلى ما دونه، قال مقاتل: هذه الثلاث الآيات ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ وما بعدها، نزلت ورسول الله ﷺ عند سدرة المنتهى، فتأَخَّر جبريل، فقال النبي: أَهنا تفارقني؟ فقال: ما أَستطيع أَن أَتقدم من مكاني. وأَنزل الله - تعالى - حكاية عن قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ … ﴾ إلى آخر الآيات. ١٦٥ - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: أَي: وإِنَّا لنحن الصَّافون أَنفسنا في مواقف العبودية دائمًا، وقيل: الصافون أَقدامنا في الصلاة، وقيل: الصافون حول العرش ننتظر الأَمر الإِلهي، وأَخرج ابن أَبي حاتم عن الوليد ابن عبد الله بن مغيث قال: كانوا لَا يَصُفُّون في الصلاة حتى نزلت ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وأَخرج مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلْنا على الناس بثلاث: جُعِلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعِلت لنا الأَرض مسجدًا، وجُعِلت لنا تربتها طهورًا إذا لم نجد الماء، وليس يصطف أَحد من أَهل المِلل في صلاتهم غير المسلمين". وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد فقال: "أَلَا تَصُفُّون كما تصفُّ الملائكة عند ربها، فقلنا: يا رسول الله، كيف تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّون الصفوف الأُوَل، ويتراصُّون في الصف". وقال أَبو نَضرة: كان عمر ﵁ إذا أُقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال: "أَقيموا صفوفكم، استووا قيامًا يريد الله بكم هَدْي الملائكة، ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ تأَخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبِّر".

стр. 4090

١٦٦ - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: أَي: المنزِّهون الله عمَّا لا يليق به - سبحانه - ويدخل فيه ما نسبه الكفرة إلى الله - تعالى - وقيل: أَي القائلون: سبحان الله، وأخرج عبد بن حُميد وغيره عن قتادة أَنه قال: المُسبِّحون، أَي: المصلُّون، ويقتضيه ما روى عن ابن عباس: أَنَّ كل تسبيح في القرآن بمعنى الصلاة، والأُسلوب يُفيد أَنهم المواظبون على ذلك من غير فُتور، وخواص البشر لا تخلو من الاشتغال بالمعاش، ولعلَّ الكلام لا يخلو عن تعريض بالكفرة. قال الزمخشري: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أَي: الْمُنَزِّهُن، أو المصَلُّون، والوجه أَن يكون وما قبله وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ كأَنَّه قيل: وقد علمت الملائكة وشهدوا: أَن المشركين محضرون يوم القيامة لعقابهم، وقالوا: سبحان الله، فنزِّهوه عن ذلك، واستثنوْا عباد الله المخلصين، وبرَّءُوهم منه، وقالوا للكفرة: إنَّكم وآلهتكم لا تقدرون أنْ تفتنوا على الله أحدًا من خلقه وتضلوه، إِلاَّ من كان مثلكم ممن علم الله أَنهم من أَهل النار لكفرهم، وكيف نكون مناسبين لرب العزة ويجمعنا وإياه جنس واحد، وما نحن إلاَّ عبيد أَذلاَّء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أَن يزلّ عنه خشوعًا لعظمته وتواضعًا لجلاله، ونحن الصَّافُّون أَقدامنا وأجنحتنا لعبادته، مذعنين خاضعين مسبِّحين مُمَجِّدِين كما يجب على العباد لربهم. ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩ - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾: عود إِلى الإِخبار عن المشركين: بأَنهم كانوا قبل بعثة محمَّد ﷺ يقولون: لو أَنَّ عندنا ذكرًا، أَي: كتابا من كتب الأَولين الذين أُنزل عليهم التوراة والإِنجيل؛ لأَخلصنا

стр. 4091

العبادة لله، ولما كذَّبنا كما كذبوا، وخالفنا كما خالفوا، وقيل: كانوا يتمنون قبل أَن تُبعث يا محمد لو كان عندهم من يذكِّرهم بأَمر الله، وما كان من أَخبار القرون الأُولى، ويأْتيهم بكتاب من عند الله، إذا لاتَّبعوه، ولما حاربوه، فجاءَهم نبي هو خير الأَنبياءِ، وسيد المرسلين، ومعه كتاب مُعجز مهيمن على سائر الكتب والأَخبار، وهو القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأْتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه، حوى الخير والسعادة للبشرية كلها. ١٧٠ - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: فجاءَهم الكتاب الذي تمنوه وطلبوه فكفروا به، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وما يجعل بهم من الانتقام، وهو وعيد أَكيد، وتهديد شديد على كفرهم بربهم، وتكذيبهم لكتابه ورسوله. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾ المفردات: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأَعرض عن كفار مكة. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى الوقت الذي أمهلوا فيه، أَو إِلى بدر أَو فتح مكة. ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾: بفنائِهم، والمراد: بهم. ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أَي: فبئس الصباح صباحهم.

стр. 4092

التفسير ١٧١، ١٧٢، ١٧٣ - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾: استئناف مُقرِّر للوعيد، وتصديره بالقسم لتمام العناية بتحقيق مضمونه، أَي: وبالله لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين بالنصرة والغلبة على الكافرين، والكلمة هي قوله - تعالى -: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ وإِنما سماها كلمة وهي كلمات عدة؛ لأَنَّها لمَّا انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة. وقُرئ: كلماتنا، والمراد: الوعد بعلوِّهم على عدوهم في مقام الحِجاج، وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم على غيرهم في الآخرة، كما قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) ولا يلزم انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى على بعضهم من القتل؛ لأَن قاعدة أَمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شَوْبٌ من البلاءِ والمحنة، فالحكم للغالب، وعن ابن عباس ﵄: "إن لم يُنْصروا في الدنيا نصروا في الآخرة". ١٧٤ - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: أَي: فأَعرض عن كفار مكة، واصبر على أَذاهم لك، وانتظر إِلى وقت مؤَجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة عليهم، والظفر بهم، وذلك يوم بدر، أَو فتح مكة، والأَخير هو الظاهر، فإنه ﷺ قد نصر عليهم نهائيا في فتح مكة؛ ودخلوا في دين الله أَفواجا، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ونميت﴾ فقد أَحياهم الله بالإِسلام. ١٧٥ - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: وأَبصر ما يكونون عليه يوم القيامة من العذاب فسوف يُبصرون ما يكون لك من مزيد الثواب، أَو المراد: وأَبصرهم يوم القيامة وهم يعذبون، فسوف يبصرون ويندمون حين لا ينفعهم ذلك، وفي ذكر ذلك تسلية للرسول ﷺ وتنفيس عنه.

стр. 4093

١٧٦ - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾: استفهام توبيخ: والمعنى: أَسلبوا عقولهم فبعذابنا يستعجلون؟ فكأَنه يقول: لا تستعجلوه فإِنه واقع بكم، إِن استمررتم على كفركم وتكذيبكم لرسولكم، ورُوى أَنه لَمَّا نزل ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى ذلك؟ فنزلت. ١٧٧ - ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: أَي: فإِذا نزل العذاب الموعود بساحتهم وحل بهم وهم مصرون على الكفر فبئس صباح المنذرين صباحُهم، رُوى في الصحيحين: عن أَنس ﵁ قال: لما أَتَى رسولُ الله ﷺ خيبرَ وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم الْمسَاحِي قالوا: محمَّد والخميس، ورجعوا إِلى حصنهم، فقال ﷺ "الله أَكبر خربت خيبر، إِنَّا إِذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. قال الزمخشري: مَثَّل العذاب النازل بهم بعد ما أُنْذِرُوه فأَنكروه بجيش أَنذر بعضُ النصحاءِ قومه بهجومه عليهم فلم يلتفتوا إِلى إِنذارهم، ولا أَخذوا أهبتهم، ولا دبَّروا أَمرهم تدبيرًا ينجيهم حتى أَناخ بفنائهم بغتة، فشنَّ عليهم الغارة، وقطع دابرهم، وكانت عادة مغاويرهم أَن يغيروا صباحًا فسميت الغارة صباحًا وإِن وقعت في وقت آخر، وما فَصُحَتْ هذه الآية ولا كانت لها الرَّوْعة التي تحسُّ بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلا لمجيئها على طريق التمثيل. اهـ: كشاف بتصرف. ١٧٨ - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾: أَي: أَعرض عنهم إلى وقت ينتهي فيه أَمرهم ولا تهتم بمعارضتهم وتكذيبهم إِياك. ١٧٩ - ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: أَي: أَبصر ما يستقبلك ويستقبلهم، فسوف يرون ما به يستعجلون، إِن استمروا على كفرهم.

стр. 4094

والآية تسلية لرسول الله إثر تسلية، وتأْكيد لوقوع ما أُنذروا به عقب تأْكيد، مع ما في إِطلاق الفعلين عن المفعول من الإِيذان بأَن ما يبصره ﵇ حينئذ من فنون المسرَّات وما يبصرونه من أنواع المضار لا يحيط به الوصف والبيان، ويجوز أن يراد بقوله - تعالى -: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ المفردات: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾: تنزيهًا لربِّك يا محمَّد عما يصفه به المشركون. ﴿الْعِزَّةِ﴾: الغلبة والقدرة. التفسير ١٨٠ - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أَي: تنزيهًا لله - تعالى - عن كل ما يصفه به المشركون مما لا يليق بكبريائه وجبروته، مما حكى عنهم في السورة الكريمة "كاتِّخَاذ الصَّاحبة والولد" وزعمهم أن الله لن ينصره عليهم وكأَنه قيل: سبحان من هو مربِّيك ومكمِّلك ومن له العِزةُ والغلبة والبطش على الإِطلاق عما يصفه به المشركون، وما يلحقونه به من الأُمور التي منها: ترك نصرتك عليهم، كما يدل عليه استعجالهم بالعذاب والمقصود من قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أَنَّهَا لَهُ - تعالى - وحده، وما من عزة لأَحد من الملوك وغيرهم إلا وهو ربُّهَا ومالكها.

стр. 4095

قال الزمخشري: أُضيف الرب إلى العزة لاختصاصه - تعالى - بها، كأَنَّه قيل: ذي العزة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه بالصدق. ١٨١ - ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾: تشريف للرسل كلهم بعد تنزيهه - تعالى - لنفسه عمَّا ذُكر، وتنويه بشأْنهم وإِيذان بأَنهم سالمون من كل المكاره، فائزون بكل المآرب، لهم أَمن الله في الدنيا ويوم الفزع الأَكبر؛ لأَنهم الذين بلَّغوا عن الله الشرائع، ونشروا رسالة السماءِ إِلى الأَرض، وكانوا رواد الناس إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم. ١٨٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: إشارة إِلى وصفه - تعالى - بصفاته الكريمة الثبوتية، بعد التنبيه على اتصافه بجميع صفاته السلبية، والمعنى: والثناء لله وحده. خالق العالمين ومربيهم على موائد كرمه، القائم على الخلق أَجمعين، وقال القرطبي: (الحمد لله رب العالمين) أَي: على إِرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وقيل: على هلاك المشركين، ودليله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). قلت: والكل مراد، والحمد يعمُّ. اهـ "بتصرف يسير". والمراد من هذه الآيات: تنبيه المؤمنين على كيفية تسبيحه - سبحانه - وتحميده والتسليم على رسله ﵇ ولعلَّ توسيط التسليم على المرسلين بين تسبيحه - تعالى - وتحميده لختم السورة الكريمة بحمده - تعالى - على ما فيه من الإشعار بأَن توفيقه - تعالى - للتسليم على المرسلين من جملة نعمه الموجبة للحمد.

стр. 4096

وهذه الآيات من الجوامع والكوامل، ووقوعها في موقعها هذا ينادي بأَنه كلام من له الكبرياءُ ومنه العزة ﷻ وعمَّ نواله، وقد أَخرج الخطيب: عن أَبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يقول بعد أَن يسلم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ وأَخرج ابن أَبي حاتم: عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أَن يُكْتَال له بالمكيال الأَوفى من الأَجْرِ يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أَن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.

стр. 4097

سورة "ص" وجه مناسبتها لما قبلها ١ - سورة "ص" هي كالمتمِّمة لسورة "الصافات" التي قبلها لأَنه ذكر فيها بعض الأَنبياءِ الذين لم يذكرهم في السورة السابقة كداود وسليمان ﵉. ٢ - كذلك لما ذكر في سورة "الصافات" عن الكفار أَنهم قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ وأَنهم كفروا بالذكر لما جاءَهم بدأَ في سورة "ص" بالقسم بالقرآن ذي الذكر، وفَصَّل فيها ما أَجمله هناك من أَحوال كفرهم. ومن دَقَّق النَّظر في السورتين لاحت له مناسبات أُخرى كذكر قصص الأَنبياءِ والمرسلين مع أُممهم، وكيف نصر الله الحق وأَعزَّ سلطانه، ودمر الباطل وقوَّض صولجانه. مقدمة: سورة "ص" مكيَّة وآياتها ثمان وثمانون آية، وهي السورة الثامنة والثلاثون من سور القرآن الكريم. بدئت السورة الكريمة بالقسم بالقرآن ذي الشَّرَف على أَنه الحقُّ لا ريب فيه، ثم ذكرت أَنَّ الَّذين كفروا ما منعهم عن الإيمان بالله، والتَّصديق برسوله إلاَّ الأَنفة والتكبُّر على الحقِّ وحب الجدل والمشاقَّة والمعاندة لرسوله. ثم قصَّ الله فيها أخبار الأَنبياء والرسل السابقين ليكون ذلك زجرًا للكافرين والمكذبين، وتثبيتًا للرَّسول وللمؤمنين، وليصبر الرسول على تبليغ الدعوة مهما لاقى في سبيلها من أَهوال وأَذى.

стр. 4098

وذكر الله في هذه السورة ما لم يذكره في سورة "الصَّافَّات" ذكر قِصَّة داود ذي القوَّة في الدين والدُّنيا، الأَوَّاب الذي ذَلَّل الله الجبال تسبِّح معه عند إِشراق الشمس وآخر النهار، وذلَّل له الطَّيرْ تُرَجِّعُ معه التسبيح، وقَوَّى الله ملكه وآتاه النُّبوة والفضاء في الخصومات، ثم تحدَّثت السورة عن خبر الخصم الذين تَسوَّرُوا المحراب على داود، وقضى بينهم دون تثبُّت ومراجعة لأَقوال الخصم الآخر حتى يتَّضِح له وجه الحق جليًّا، وعلم داود أن الله امتحنه بهذه القصة، فاستغفر رَبَّه، وخَرَّ راكعًا وأَناب، فغفر الله له ذلك، وله عنده زلفى وحسن مآب، ووَصَّى الله نبيَّه داود - وهي وصيَّة من الله كذلك لكل الولاة، والحكام - أن يحكموا بين الناس بالحقِّ المنزَّل من عنده، ولا يعدلوا عن ذلك فيضلُّوا عن سبيل الله؛ لأَنَّ العدل أَساس الملك، وقِوام الأمم، وأَمان الشعوب، ولقد تَوعَّد الله من ضلَّ عن سبيله، وتناسى يوم الحساب بالوعيد الشديد، والعذاب الأَليم. ثم بينت السورة أَنَّ مِن حكمة الله وعدله ألاَّ يُسوَّى بين المؤمنين والكافرين، وذكرت السورة أَن الله وهب لداود سليمان الكثير العبادة والإنابة، ومن أَخباره أَنه عُرض عليه بالعَشِيِّ الخيلُ فقال: إِنِّي آثرت حب الخير - أَي: الخيل - لأَنَّها عدَّة الخير، وهو الجهاد في سبيل الله، وظلَّ مشغولًا بعرضها عليه حتى غابت عن ناظريه، ثم أمر بردها عليه ليتعرف أَحوالها وأَخذ يمسح سوقها وأَعناقها رفقًا بها وحبًّا لها، وحدبًا عليها، ولقد امتحن الله سليمان لئلا يغترّ بأبَّهة الملك وعظمته فأَلقاه على كرسيِّه جسدًا بلا قُوَّة يستطيع بها تدبير الملك، فتنبَّه لهذا الامتحان فرجع إلى الله وأناب، وطلب من الله ملكًا لا ينبغي لأَحد من بعده، فسخَّر له الوهَّاب الرِّياح تجري بأَمره، كما سخَّر الشياطين وجعلها طوع مشيئته. وعقَّبت السورة على ذلك ببيان ما أَعدَّه الله للطائعين والمتقين من ثواب وحسن مآب، وللعاصين والطاغين من عذاب وعقاب وشر مآب. ثم صوَّرت السورة تخاصم أَهل النار وتحسرهم حينما يقولون: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.

стр. 4099

وفي السورة يأْمر الله رسوله أَن يقول للكافرين المشركين به: إِنَّما أَنا منذر ولست إِلهًا، وما من إله إلاَّ الله الواحد القهَّار، رب السَّموات والأرض وما بينهما، مالك جميع ذلك، ومتصرف فيه، العزيز الغفار يغفر مع عظمته وعزته. قل لهم يا محمد: إِرسال الله إِيَّاي لكم خير عظيم وشأن بليغ هام أَنتم عنه مُعْرضون غافلون، لا تفكِّرون فيه، ولولا الوحي ما كنت أَدري باختلاف الملأ الأَعلى في شأن آدم ﵇ وخلقه وخلافته، وامتناع إبليس عن السجود له، ومحاجَّته ربه في تفضيله عليه. وهذه القصة ذكرها الله في سورة "البَقَرة"، وفي أَول سورة "الأَعْرَافِ"، وفي سورة "الْحِجْر" وسورة "سبحان" "والكَهْف" وذكرها القرآن هنا ليذكِّر الناس بما كان بين أَبيهم آدم وعدوِّه وعدُو الله إِبليس عليه اللَّعنة، وليعلموا أَن تكبُّره كان سببًا في طرده من رحمة الله إلى يوم القيامة. وفي ختام السورة يقول الله - تعالى -: قل يا محمد لهؤُلاءِ المشركين: ما أَسأَلكم على هذا الإِبلاغ وهذا النصح أجرًا من عرض الحياة الدنيا، وما أنا من المتكلِّفين المتصنِّعين المدَّعين للنبوَّة، وما القرآن الذي نزل عليَّ إلاَّ تذكير وموعظة للعالمين، ولتعلمنَّ صحة خبره وصدق ما جاء به من وعد ووعيد، وبعث وجزاءٍ، وعلوم وآيات كونية بعد حين، عندما تُكشف الأَستار، وتُذاع الأَسرار أمام من لا تخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء. ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)

стр. 4100

المفردات: ﴿ص﴾: اختلف في تفسيره اختلافهم في نظيره من فواتح السُّور، فارجع إِلى ما كتبناه في صدر سورة "البقرة". ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي الشَّرف، أَو الذكر: الموعظة. ﴿عِزَّةٍ﴾: حمية واستكبار عن الحق. ﴿وَشِقَاقٍ﴾: ومعاندة ومخالفة. ﴿قَرْنٍ﴾: يطلق مجازًا على الأمة. ﴿فَنَادَوْا﴾: فاستغاثوا وجأَروا، والنداءُ والجؤار: رفع الصوت. ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: وليس الوقت وقت فِرارٍ وخلاص. والمناص: التأخر والْفَوْت. التفسير ١ - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾: ﴿ص﴾: بالسكون على الوقف عند الجمهور؛ لأنها حرف من حروف الهجاء مسرودة على منهاج التعداد، ويقول في مثله السلف: الله أَعلم بمراده، وقد فصلنا آراءَ العلماء في مثله أَول "البقرة" وغيرها فارجع إليه، وقرأَ أُبي والحسن وغيرهما "صادِ" بكسر الدال، وأخرج ابن جرير عن الحسن: أنَّ صاد - بكسر الدال منونا - أَمْر من صَادى، أَي: عارض، ومنه الصَّدى وهو ما يعارض الصوت الأَول، ويقابله بمثله في الأَماكن الخالية. والمعنى: عَارضِ القرآن بعملك، أَي: اعمل بأَوامره ونواهيه، وقال عبد الوهاب: أَي: اعرضه على عملك فانظر أَين عملك من القرآن. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾: قسم أَقسم به ربنا أَي: أُقسم بالقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد، وقيل: ذي الذكر: ذي الشرف والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإنذار، وجواب القسم
следующие страницы →