وهذه الآيات من الجوامع والكوامل، ووقوعها في موقعها هذا ينادي بأَنه كلام من له الكبرياءُ ومنه العزة ﷻ وعمَّ نواله، وقد أَخرج الخطيب: عن أَبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يقول بعد أَن يسلم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ وأَخرج ابن أَبي حاتم: عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أَن يُكْتَال له بالمكيال الأَوفى من الأَجْرِ يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أَن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
стр. 4097
سورة "ص"
وجه مناسبتها لما قبلها
١ - سورة "ص" هي كالمتمِّمة لسورة "الصافات" التي قبلها لأَنه ذكر فيها بعض الأَنبياءِ الذين لم يذكرهم في السورة السابقة كداود وسليمان ﵉.
٢ - كذلك لما ذكر في سورة "الصافات" عن الكفار أَنهم قالوا: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ وأَنهم كفروا بالذكر لما جاءَهم بدأَ في سورة "ص" بالقسم بالقرآن ذي الذكر، وفَصَّل فيها ما أَجمله هناك من أَحوال كفرهم.
ومن دَقَّق النَّظر في السورتين لاحت له مناسبات أُخرى كذكر قصص الأَنبياءِ والمرسلين مع أُممهم، وكيف نصر الله الحق وأَعزَّ سلطانه، ودمر الباطل وقوَّض صولجانه.
مقدمة:
سورة "ص" مكيَّة وآياتها ثمان وثمانون آية، وهي السورة الثامنة والثلاثون من سور القرآن الكريم.
بدئت السورة الكريمة بالقسم بالقرآن ذي الشَّرَف على أَنه الحقُّ لا ريب فيه، ثم ذكرت أَنَّ الَّذين كفروا ما منعهم عن الإيمان بالله، والتَّصديق برسوله إلاَّ الأَنفة والتكبُّر على الحقِّ وحب الجدل والمشاقَّة والمعاندة لرسوله.
ثم قصَّ الله فيها أخبار الأَنبياء والرسل السابقين ليكون ذلك زجرًا للكافرين والمكذبين، وتثبيتًا للرَّسول وللمؤمنين، وليصبر الرسول على تبليغ الدعوة مهما لاقى في سبيلها من أَهوال وأَذى.
стр. 4098
وذكر الله في هذه السورة ما لم يذكره في سورة "الصَّافَّات" ذكر قِصَّة داود ذي القوَّة في الدين والدُّنيا، الأَوَّاب الذي ذَلَّل الله الجبال تسبِّح معه عند إِشراق الشمس وآخر النهار، وذلَّل له الطَّيرْ تُرَجِّعُ معه التسبيح، وقَوَّى الله ملكه وآتاه النُّبوة والفضاء في الخصومات، ثم تحدَّثت السورة عن خبر الخصم الذين تَسوَّرُوا المحراب على داود، وقضى بينهم دون تثبُّت ومراجعة لأَقوال الخصم الآخر حتى يتَّضِح له وجه الحق جليًّا، وعلم داود أن الله امتحنه بهذه القصة، فاستغفر رَبَّه، وخَرَّ راكعًا وأَناب، فغفر الله له ذلك، وله عنده زلفى وحسن مآب، ووَصَّى الله نبيَّه داود - وهي وصيَّة من الله كذلك لكل الولاة، والحكام - أن يحكموا بين الناس بالحقِّ المنزَّل من عنده، ولا يعدلوا عن ذلك فيضلُّوا عن سبيل الله؛ لأَنَّ العدل أَساس الملك، وقِوام الأمم، وأَمان الشعوب، ولقد تَوعَّد الله من ضلَّ عن سبيله، وتناسى يوم الحساب بالوعيد الشديد، والعذاب الأَليم.
ثم بينت السورة أَنَّ مِن حكمة الله وعدله ألاَّ يُسوَّى بين المؤمنين والكافرين، وذكرت السورة أَن الله وهب لداود سليمان الكثير العبادة والإنابة، ومن أَخباره أَنه عُرض عليه بالعَشِيِّ الخيلُ فقال: إِنِّي آثرت حب الخير - أَي: الخيل - لأَنَّها عدَّة الخير، وهو الجهاد في سبيل الله، وظلَّ مشغولًا بعرضها عليه حتى غابت عن ناظريه، ثم أمر بردها عليه ليتعرف أَحوالها وأَخذ يمسح سوقها وأَعناقها رفقًا بها وحبًّا لها، وحدبًا عليها، ولقد امتحن الله سليمان لئلا يغترّ بأبَّهة الملك وعظمته فأَلقاه على كرسيِّه جسدًا بلا قُوَّة يستطيع بها تدبير الملك، فتنبَّه لهذا الامتحان فرجع إلى الله وأناب، وطلب من الله ملكًا لا ينبغي لأَحد من بعده، فسخَّر له الوهَّاب الرِّياح تجري بأَمره، كما سخَّر الشياطين وجعلها طوع مشيئته.
وعقَّبت السورة على ذلك ببيان ما أَعدَّه الله للطائعين والمتقين من ثواب وحسن مآب، وللعاصين والطاغين من عذاب وعقاب وشر مآب.
ثم صوَّرت السورة تخاصم أَهل النار وتحسرهم حينما يقولون: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾.
стр. 4099
وفي السورة يأْمر الله رسوله أَن يقول للكافرين المشركين به: إِنَّما أَنا منذر ولست إِلهًا، وما من إله إلاَّ الله الواحد القهَّار، رب السَّموات والأرض وما بينهما، مالك جميع ذلك، ومتصرف فيه، العزيز الغفار يغفر مع عظمته وعزته. قل لهم يا محمد: إِرسال الله إِيَّاي لكم خير عظيم وشأن بليغ هام أَنتم عنه مُعْرضون غافلون، لا تفكِّرون فيه، ولولا الوحي ما كنت أَدري باختلاف الملأ الأَعلى في شأن آدم ﵇ وخلقه وخلافته، وامتناع إبليس عن السجود له، ومحاجَّته ربه في تفضيله عليه.
وهذه القصة ذكرها الله في سورة "البَقَرة"، وفي أَول سورة "الأَعْرَافِ"، وفي سورة "الْحِجْر" وسورة "سبحان" "والكَهْف" وذكرها القرآن هنا ليذكِّر الناس بما كان بين أَبيهم آدم وعدوِّه وعدُو الله إِبليس عليه اللَّعنة، وليعلموا أَن تكبُّره كان سببًا في طرده من رحمة الله إلى يوم القيامة.
وفي ختام السورة يقول الله - تعالى -: قل يا محمد لهؤُلاءِ المشركين: ما أَسأَلكم على هذا الإِبلاغ وهذا النصح أجرًا من عرض الحياة الدنيا، وما أنا من المتكلِّفين المتصنِّعين المدَّعين للنبوَّة، وما القرآن الذي نزل عليَّ إلاَّ تذكير وموعظة للعالمين، ولتعلمنَّ صحة خبره وصدق ما جاء به من وعد ووعيد، وبعث وجزاءٍ، وعلوم وآيات كونية بعد حين، عندما تُكشف الأَستار، وتُذاع الأَسرار أمام من لا تخفى عليه خافية في الأَرض ولا في السماء.
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)
стр. 4100
المفردات:
﴿ص﴾: اختلف في تفسيره اختلافهم في نظيره من فواتح السُّور، فارجع إِلى ما كتبناه في صدر سورة "البقرة".
﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي الشَّرف، أَو الذكر: الموعظة.
﴿عِزَّةٍ﴾: حمية واستكبار عن الحق.
﴿وَشِقَاقٍ﴾: ومعاندة ومخالفة.
﴿قَرْنٍ﴾: يطلق مجازًا على الأمة.
﴿فَنَادَوْا﴾: فاستغاثوا وجأَروا، والنداءُ والجؤار: رفع الصوت.
﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: وليس الوقت وقت فِرارٍ وخلاص.
والمناص: التأخر والْفَوْت.
التفسير
١ - ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾:
﴿ص﴾: بالسكون على الوقف عند الجمهور؛ لأنها حرف من حروف الهجاء مسرودة على منهاج التعداد، ويقول في مثله السلف: الله أَعلم بمراده، وقد فصلنا آراءَ العلماء في مثله أَول "البقرة" وغيرها فارجع إليه، وقرأَ أُبي والحسن وغيرهما "صادِ" بكسر الدال، وأخرج ابن جرير عن الحسن: أنَّ صاد - بكسر الدال منونا - أَمْر من صَادى، أَي: عارض، ومنه الصَّدى وهو ما يعارض الصوت الأَول، ويقابله بمثله في الأَماكن الخالية.
والمعنى: عَارضِ القرآن بعملك، أَي: اعمل بأَوامره ونواهيه، وقال عبد الوهاب: أَي: اعرضه على عملك فانظر أَين عملك من القرآن.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾: قسم أَقسم به ربنا أَي: أُقسم بالقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد، وقيل: ذي الذكر: ذي الشرف والمكانة، ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإنذار، وجواب القسم
стр. 4101
يدل عليه المقام، أَي: وحق القرآن إِنه لمُعجز، أَو إنه ليجب العمل به، وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
٢ - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾:
معنى الآية مع ما قبلها كما يلي: وحق القرآن المشتمل على التذكير والعبرة إِنه ليجب الإيمان به، لكن الكافرين لم يؤمنوا، لا لخَلَل وجدوة فيه، بل لأَنَّهم في استكبار شديد عن أتباع الحق، وشقاق أَي: مخالفة لله ومعاندة ومشاقَّة لرسوله، ولذلك كفروا به.
وأَصل الشِّقاق: إِظهار المخالفة على وجه المساواة للمُخالِف، أو على وجه الفضيلة عليه، وهو مأخوذ من الشِّق أَي: كأَنه في شِق غير شِق صاحبه، فهو يترفَّع عليه بأَن يكون معه في شِق واحد، ومثله المعاداة، وهو أَن يكون أَحدهما في عُدْوَة والآخر في عُدْوَة، والتعبير بفِي في قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ للدلالة على استغراقهم فيهما، والتنكير في (عزة وشقاق) لشدتهما.
٣ - ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾:
وعيد لهم على كفرهم واستكبارهم ببيان ما أَصاب أَضْرابهم، لتخويفهم بما أهلك به الأمم المكذِّبة المستكبرة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل، وتكذيبهم الكتب المنزَّلة من السماء، وتماديهم في الشقاق والعناد والْكِبْر.
والمعنى: كثيرًا ما أَهلكنا قبلهم من أُمَّة مكذَّبة، وحين جاءهم العذاب وحلَّ بهم العقاب استغاثوا وجأَروا إلى الله بالدعاءِ والتوبة، وليس ذلك بمُجْدٍ عنهم شيئًا، فليس الوقت وقت فرار من العقاب، ولا وقت هرب ونجاة من العذاب بالتَّوبة والدعاء، وما اعتبر كفار مكة بهؤُلاء، بل تمادوا في غيِّهم وفرارهم من الإيمان، وأَخرج الطَّسْتي عن ابن عباس: أَنَّ نافع بن الأزرق قال له: أَخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ فقال: ليس بحين فِرار.
وعن الكلبي أنه قال: كانوا إذا تقاتلوا فاضطروا قال بعضهم لبعض: مناص، أَي: عليكم بالفرار، فلما أَتاهم العذاب قالوا: مناص، فقال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ (١).
حكاية لأَباطيلهم المتفرعة على ما حكى من استكبارهم وشقاقهم، أَي: عجب مشركو مكَّةَ من أَنْ جاءَهم رسول بشر من جنسهم أُميّ من نوعهم، والمراد: أَنهم عدُّوا ذلك أَمرا عجيبًا خارجًا عن احتمال الوقوع، وأَنكروه أشد الإِنكار، لا أنهم اعتقدوا وقوعه وتعجبوا منه، وأعجب العجب أَن ينكروا أن يكون الرسول من البشر، ولا ينكروا أَن يكون الإله المعبود لهم من الحجر.
وقال الكافرون: هذا ساحر يجيءُ بالكلام المموه الذي يخدع به الناس، شديد الكذب فيما يسنده إلى الله من الإرسال والإنزال، وهل ترى كفرًا أَعظم، وجهلا أبلغ من أن يسمُّوا من صدَّقه الله بوحيه، وأَيَّده بالمعجزة الدالة على صدقه ساحرًا كذابا.
وقوله - تعالى -: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ فيه وضع الظَّاهر موضع الضمير غضبًا عليهم وذمًّا لهم، وإِيذانًا بأنه لا يتجاسر على مثل ما يقولون إلاَّ المتوغِّلون في الكفر.
٥ - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾:
أَي: أَزعم أَن المعبود واحد لا إله إلا هو، أنكر المشركون ذلك - قبحهم الله تعالى - وتعجَّبوا من ترك الشرك بالله لأنهم كانوا قد تلقَّوا عن آبائهم حُبَّ عبادة الأَوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإِفراد الإله بالوحدانية. أَعظموا ذلك، وتعجَّبوا غاية العجب وأَشده، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
وقيل: مدار تعجبهم عدم وفاءِ علم الإِله الواحد قدرته بالأَشياءِ الكثيرة الموجودة في هذا الكون الكبير، أَخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إنَّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إِليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس فخشي أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أَرقَّ عليه فجلس في ذلك المجلس فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أَي ابن أخي ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أَنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول، قال: وأَكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال:
стр. 4104
يا عم، إِنى أُريدهم على كلمة واحدة يقولونها يدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ففرحوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: ما هي؟ وأَبيك لَنُعْطِينَّها وعشرا، قال: لَا إله إلاَّ الله. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أَجعل الآلهة إِلها واحدًا إن هذا لشيءٌ عجاب، وفي رواية: أَنهم قالوا: سلْنا غير هذا. فقال ﵊: لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سأَلتكم غيرها، فغضبوا وقاموا غِضابًا وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي يأْمرك بهذا.
٦ - ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾:
أَي: وانطلق الأشراف من قريش من مجلس أبي طالب بعد ما قاله لهم رسول الله ﷺ وشاهدوا صموده في تبليغ الرسالة، ونشر عقيدة التوحيد ويئسوا مما كانوا يرجونه منه ﵇ وكان فيهم: أبو جهل، والعاص بن وائل، والأَسود بن عبد المطلب ابن عبد يغوث، وعقبة بن أبي مُعيط يوصي بعضهم بعضًا - انطلقوا - وهم يتحاورون ويتفاوضون - أن سيروا على طريقتكم، وداوموا على مسيرتكم، واثبتوا على عبادة آلهتكم متحمِّلين لما تسمعونه في حقِّها من القدح.
والإشارة في ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ إلى ما وقع وشاهدوه من أَمر النبي ﷺ وشدة تمسُّكه بعقيدته من التوحيد، ونفى ألوهية آلهتهم، أَي: إِنَّ هذا لشئ يراد من جهته، إمضاؤه وتنفيذه لا محالة من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يُقَال من طرف اللسان أو أَمر يُرجَى فيه المسامحة بشفاعة إنسان، فاقطوا أطماعكم بنزوله على إرادتكم، واصبروا على عبادة آلهتكم، وقال القفال: هذه عبارة تذكر للتحذير والتخويف.
وقيل في معنى الآية: إِنَّ هذا الذي يدَّعيه من أَمر التوحيد أو يقصده من أَمر الرِّياسة والترفُّع على العرب والعجم لشئ يُتَمنَّى أَو يريده كل أَحد، ولكن لا يكون لكلٍّ ما يتمناه أو يريده فاصبروا.
والمعنى: ليس غرضه من هذا القول تقرير الدين، وإنما غرضه أن يستولي علينا، ونكون له أَتباعًا، فيتحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد فاحذروا أن تطيعوه.
стр. 4105
٧ - ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾:
أَي: ما سمعنا بهذا التوحيد الذي يدعونا إليه محمد في ملَّة النصارى آخر الْمِلَل، بل سمعنا خلافه وهو عدم التوحيد من أَفواه النصارى؛ لأنهم كانوا يدينون بالتَّثْلِيث ويزعمون أنه الدَّين الَّذي جاء به عيسى ﵇، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ أَي: ما هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد وترك عبادة الأصنام إلاَّ افتراء من غير سبق مِثْلٍ له، وكذب مصنوع اختلقه محمَّد وابتدعه.
٨ - ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾:
استفهام إنكار، أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم وقالوا: أَخُصَّ محمَّد بنزول القرآن عليه من بيننا ونحن رؤساء الناس وأشرافهم؟ وهذا كقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١) وأمثال هذه المقالات الباطلة ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد لرسول الله والحقد عليه أن خُصَّ دونهم بالرسالة، وفاز من بينهم بالنبوة ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ أَي: ليس كفرهم بالقرآن عن يقين بل هم في حيرة وتردُّد وتخبُّط في شأْن ذِكْرى وهو القرآن الذي أنزلته على رسولي لميلهم إلى التَّقليد، وإِعراضهم عن الأَدلة المؤَدِّية إلى العلم بحقِّيَّته، وليس عندهم بالنسبة للقرآن ما يقطعون به من التهم، فلذا تراهم ينسبونه إلى السِّحر تارة، وإلي الاختلاق مرة أخرى ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أَي: بل إنهم لم يتحيروا ويتخبطوا إلاَّ لأَنهُمْ لم يذوقوا عذابي بعد، فاغتروا بطول الإمهال، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الحسد والشك، يعنى: أنهم لا يصدقون إلاَّ أَن يمسهم العذاب، فيضطروا إلى التصديق، ولن ينفعهم ذلك في حينئذ.
وفي التعبير بلمَّا دلالة على أن ذوقهم العذاب محقق وقريب الوقوع إن لم يؤمنوا.
٩ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾:
يعني: أنهم ليسوا بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاءُوا ويصرفوها عمن شاءُوا، ويتخيروا للنبوَّة بعض صناديدهم وأشرافهم، ويترفعوا بها عن محمد - عليه الصلاة
стр. 4106
والسلام - وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير العطايا المصيب بها مواقعها. الذي يقسِّمها على ما تقتضيه حكمته، يعطي - سبحانه - ما يريد لمن يريد، وفي هذا إشارة إلى أن النبوّة هبة ربَّانيَّة ومنحة إِلهيَّة ليس لأَحد من خلقه شأْن فيها.
١٠ - ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾:
أَي: بل ألَهم ملك هذه الأَجرام العلويَّة، والأَجسام السفليَّة حتى يتكلموا في الأُمور الربانية، ويتحكَّموا في التدابير الإلهية التي يستأْثر بها رب العزة والكبرياء، فإن كان لهم ما ذكر من الملك فليصعدوا في المعارج، وليتدرَّجوا في المراقي والمناهج التي يُتَّصل بها إلى السموات، فليدبَّروها وليتصرَّفوا فيها ويعطوا النبوة لمن شاءوا.
وقال الزمخشري ومتابعوه: أَي: فليصعدوا في المعارج والطرق التي يُتوصَّل بها إلى العرش حتى يستولوا عليه، ويدبِّروا أمر العالم وملكوت الله - تعالى - وينزلوا الوحي على محمَّد، وهذا أمر توبيخ وتعجيز.
ثم وعد نبيَّه النصر عليهم فقال:
١١ - ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾:
أَي: هم جند حقير مقْمُوع (١) ذليل قد انقطعت حُجَّتهم فقالوا ما قالوا، والكلام مرتبط بما قبل ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَي: هم جند حقير من الأحزاب الذين تحزَّبوا على المرسلين فاستأَصلناهم، فلا تهمنك عزتهم وشقاقهم فإني أهزم جمعهم وأسلب عزَّهم، وهذا إِيناس للرسول ﷺ وقد فعل بهم هذا في يوم بدر، قال قتادة: وعدهم الله أنَّه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأْويلها يوم بدر.
стр. 4107
و ﴿هُنَالِكَ﴾: إشارة لبدر وهو موضع تحزبهم لقتال الرسول، والأحزاب: الجند، كما يقال: جند من قبائل شتَّى، وقال الفرَّاء: المعنى: هم جند مغلوب، أَي: ممنوع من أن يصعد إلى السماء.
وأصل الْهَزْم: غمز الشَّيء اليابس حتى ينحطم كهزم الشن وهزم القِثَّاء والبَطَّيخ، ومنه الهزيمة، كما يعبر عنه بالحطْم والكسر.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُوالْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾
المفردات:
﴿الْأَوْتَادِ﴾: جمع وتِد وهو معروف.
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ الأَيكة: الشجر الكثيف الملتف، وأصحابها هم قوم شعيب.
التفسير
١٢، ١٣ - ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُوالْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)﴾:
استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان أحوال الطغاة العتاة، وما فعلوا من الكفر والتكذيب لرسلهم وما فُعِل بهم من العقاب تعزية للرسول وتسلية.
والمعنى: كذَّبت قبل هؤلاءِ قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأَوتاد، أَي: صاحب الملك المستقر والعرش الثابت، وأصل ذلك: أنَّ البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد، وقال الأَسْوَد بن يعْفُر:
ولقد غَنَوْا فيها بأَنعم عيشة … في ظل ملك ثابت الأَوتاد
أو: ذو الأبنية العظيمة والجنود الكثيرة، وقيل: ذو الأوتاد المعروفة، كان المذنبون يُعَذَّبُون عليها في عهد فرعون.
стр. 4108
وقوم لوط وقوم شعيب أَصحاب الشجر الكثيف الملتف أُولئك الكفار المتحزِّبون على الرسل ﵈ كما تحزَّب عليك قومك يا محمد، ولقد كانوا أَعظم من قومك مكانة وأشدّ قوّة وأكثر أموالًا وأولادًا، فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيءٍ لمَّا جاءَ أمر ربِّك. وفي ذلك يقول سبحانه:
١٤ - ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾:
استئناف جئَ به تقرير لتكذيب الأَحزاب على أبلغ وجه، وتمهيدا لما يعقبه، ولقد
ذكر القرآن تكذيبهم على وجه الإجمال في الجملة الخبرية ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ ثم جاءَ بالجملة الاستثنائية وفصله فيها بأنَّ كل واحد من الأحزاب كذَّب الرسل، لأَنهم إِذا كذَّبوا واحدا منهم فقد كذبوهم جميعا؛ لأن دعوتهم واحدة، وفي تكرير التكذيب وإِيضاحه بعد إبهامه والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا والاستثنائية ثانيا وما فيها من التوكيد أنواع من المبالغة المسجّلة عليهم استحقاق أشدِّ العقاب وأبلغه، ولذا قال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أَي: ثبت ووقع على كلٍّ منهم عقابي الذي كانت توجبه جناياتهم، فأغرق قوم نوح، وأهلك فرعون وقومه بالغرق أيضًا، وقوم هود بالرِّيح العقيم، وثمود بالصَّيحة، وقوم لوط بالحاصب، وأَصحاب الأيكة بعذاب الظُّلة.
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾
المفردات:
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾: وما ينتظرون.
﴿فَوَاقٍ﴾ الفَوَاقُ: الوقْتُ بين الحلبتين.
التفسير
١٥ - ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾:
شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب أضرابهم، فإن الكلام السابق مما يوجب ترقب السامع بيانه، والنظر بمعنى الانتظار، وبما أَن القوم لا ينتظرون وقوع
стр. 4109
العقاب بهم لكفرهم برسلهم جعلوا منتظرين له لتحقق وقوعه إن بقوا على كفرهم، وذلك على سبيل المجاز، والإشارة بهؤلاء إلى كفار مكة للتَّحقير، والمراد بالصيحة الواحدة: نفخة البعث والقيامة.
والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الكفار المجرمون من قومك الذين هم أمثال أولئك الطوائف المُهلكة في الكفر والتكذيب - ما ينتظرون - شيئا إلاَّ صيحة واحدة لا تحتاج إلى تَكْرير وترْديد، أَو مالها توقُّف مقدار فواق ناقة، والفواق: الزمن الذي بين حلبتي الحالب، ورضعتي الرَّاضع، وقيل: هل النفخة الأُولى رُوي عن أبي هريرة قال: حدَّثنا رسول الله ﷺ ونحن في طائفة من أصحابه، وذكر حديثا مطولًا جاء فيه: "يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلاَّ من شاء الله، ويأمره فيمدُّها ويديمها ويُطوِّلها يقول الله - تعالى -: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ اهـ: ملخصا من القرطبي.
وليس المراد أن النفخة نفسها عقاب لهم لعمومها للبرِّ والفاجر من جميع الأمم، بل المراد: أنه ليس بينهم وبين العذاب الذي يستحقونه إلاَّ هذه النفخة إن بقوا واستمروا على كفرهم، وقد لطف الله بهم ولم يستأصلهم كما فعل بكفار الأُمم السابقة إكرامًا لنبيه محمد ﷺ وفي ذلك يقول الله تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) ولأنه سبق في علم الله أَنهم سوف يسلمون، وقد مَنَّ الله عليهم بالإِسلام بعد فتح مكة.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾
المفردات:
﴿قِطَّنَا﴾: قسطنا ونصيبنا.
стр. 4110
التفسير
١٦ - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾:
حكاية لما قالوه عند سماعهم تأخير عقابهم إلى الآخرة، أَي: قالوا بطريق الاستهزاء والسخرية: يا ربَّنا عجِّل لنا قِطَّنا ونصيبنا من العذاب الذي تتوعدنا به ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدؤه الصيحة المذكورة.
وتصدير دعائهم بالنداء المذكور للإمعان في الاستهزاء، كأَنهم يدعون إلى ذلك بكمال الرغبة والابتهال، والقائل - على ما رُوي عن عطاء -: النَّضر بن الحارث وهو الذي قال الله فيه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ (١) وأبو جهل - على ما رُوي عن قتادة - وعلى القولين فالباقون راضون عن هذه السخرية، فلذا جئَ بضمير الجمع.
والقِط: القطعة من الشيء، من قَطَّه: إذا قطعه، ويقال لصحيفة الجائزة (٢): قِطٌّ؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسَّره بها أبو العالية والكلبي، أَي: عجِّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها، وجاء في رواية أخرى: أَنهم أرادوا نصيبهم من الجنَّة، وروى ذلك عن قتادة وابن جبير، وذلك أَنهم سمعوا رسول الله ﷺ بذكر وعد الله - تعالى - المؤْمنين الجنة فقالوا على سبيل الاستهزاء: عجل لنا نصيبنا منها، لنتنعم به في الدنيا. قال الفراءُ: القِطُّ في كلام العرب: الحظ والنصيب.
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾
стр. 4111
المفردات:
﴿الْأَيْدِ﴾: القوَّة والبطش.
﴿أَوَّابٌ﴾: رجَّاع إلى الله، أَو مُسبِّح.
﴿الْعَشِيِّ﴾: من زوال الشمس إلى غروبها، وقال الراغب: إلى الصباح.
﴿الْإِشْرَاقِ﴾: وقت الضحى، قال ثعلب: شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءَت وصَفَت، فوقت الإشراق وقت ارتفاعها عن الأُفق ولذا يقال: شَرِقت الشمس ولما تُشْرِق.
﴿مَحْشُورَةً﴾: مجموعة، أو محبوسة في الهواء.
﴿شَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: قوَّيناه بكل أسباب القوة.
﴿الْحِكْمَةَ﴾: النبوّة، أَو كمال العلم والعمل.
﴿فَصْلَ الْخِطَابِ﴾ الخطاب هنا: بمعنى الخصام؛ لاشتماله عليه، أو لأَنه أحد أنواعه، وفصل الخطاب: التمييز بين حقه وباطله.
التفسير
١٧ - ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾:
أَي: اصبر يا محمَّد على ما يقوله فيك المشركون من أمثال هذه المقالات الباطلة المؤذية الَّتي حكى القرآن عنهم بعضها فيما سبق، كقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ … إلخ واذكر لهم قصَّة عبدنا داود ﵇ تعظيما لأمر المعصية في نفوسهم وتنبيها لهم على قبح ما اجترءوا عليه ممَّا رموا به الرسول، فإن داود ﵇ مع علو شأْنه وإيتائه النبوّة والملك لما ألم بما هو خلاف الأُولى رجع إلى الله واستغفره مع أنه لم يفعل معصية، فما الظن بهؤلاء الكفرة الأذلِّين الذين لم يزالوا على أكبر الكبائر مصرين.
قيل: إنَّ داود قضى بين الخصمين بسماع دعوى أحدهما دون سماع الآخر.
стр. 4112
وقيل: المعنى اصبر على قولهم واذكر لهم قصص الأنبياءِ لتكون برهانا على صحة نبوتك. ذكره القرطبي.
﴿ذَا الْأَيْدِ﴾ أَي: ذا القوة في الدين والدنيا، شديد البطش في مخالفة الله، كثير الصبر على عبادته وطاعته، ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: إنه كان رجَّاعا إلى الله وطاعته في جميع أَحواله وكل أموره وشئونه، أخرج الدَّيْلمي: عن مجاهد قال: سألت ابن عمر عن الأَواب فقال: سألت النبي ﷺ قال: "هو الرجل يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله تعالى" قال ابن كثير: ثبت في الصحيحين عن رسول الله أنه قال: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يَفر إذا لَاقَى، وأنه كان أَوَّابا" والتعبير بعبدنا إظهار لشرفه بهذه الإضافة.
١٨ - ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾:
استئناف لبيان قصته ﵇ ويجوز أن يكون تعليلا لقوته في الدين وأوَّابيته إلى الله وإيثار ذكر لفظ "معه"، على "اللاَّم" في الآية الكريمة لأن تسخير الجبال له لم يكن بطريق التَّفويض بالتصرف المطلق فيها كتسخير الرِّيح لسليمان بل بطريق الاقتداء في عبادة الله - تعالى - أَي: إنَّا ذلَّلنا له الجبال وسخرناها تسبح معه آخر النهار ووقت الضحى، رُوى عن أَم هانئ بنت أبي طالب: أن النبي ﷺ صلَّى صلاة الضحى وقال: "هذه صلاة الإشراق" وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد: عن عطاء الخراساني أن ابن عباس قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيءٌ حتى قرأْت هذه الآية ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ وفي رواية عنه أَيضا: ما عرفت صلاة الضحى إلاَّ بهذه الآية، وللعلماء في صلاة الضحى كلام طويل والحق سنِّيتها، وقد ورد فيها - كما قال الشيخ ولي الدين بن العراقي - أحاديث كثيرة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري: بلغت مبلغ التواتر، وذكر الشافعية: أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووي قدَّم عليها صلاة التَّراويح، وأقلها ركعتان، لخبر البخاري: عن أبي هريرة
стр. 4113
أنه ﵊ أوصاه بهما وأَلاَّ يدعهما. وأدنى كمالها: أَرْبَع، فسِتٌّ، فثمانٍ.
١٩ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾:
وذلَّلنا لداود الطير وسخَّرناها مجموعة من كل صنف ومكان ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أَي: كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجّاع إلى التسبيح، قال ابن عباس: كان داود إذا سبَّح جاوبته الجبال، واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، فاجتماعها إليه: حشرها.
فالمعنى: وسخَّرنا الطير مجموعة إليه لتسبِّح الله معه، ويجوز أَن يكون الضمير في ﴿كُلٌّ لَهُ﴾ عائدا على الله - تعالى - لا على داود، والمعنى: كل من داود والجبال والطير: أَوّاب لله - تعالى -، أَي: مسبِّح مرجِّع للتسبيح.
٢٠ - ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾:
وقوينا ملك داود بالهيبة، والنّصرة، وكثرة الجنود، ومزيد النِّعمة. قال ابن كثير: ذكر ابن جرير: عن عكرمة: عن ابن عباس ﵄: أن نَفَرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود ﵇ أَنَّه اغتصبه بقرا، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعى بيِّنة، فأَرجأ أمرهما، فلما كان الليل أُمِر داود ﵇ في المنام بقتل المدَّعِي، فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدَّعِي، فقال: يا نبى الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقرى؟ فقال له: إنَّ الله - تعالى - أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فقال: والله يا نبى الله إن الله لم يأْمرك بقتلى لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإنَّى لصادق فما ادَّعيت، ولكنى كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد، فأمر داود ﵇ بقتله فقُتِل، قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ولقد ذكر هذا الخبر الزمخشرى والآلوسى. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: النبوّة، أو كمال العلم وإتقان العمل، وتطلق الحكمة على إتقان الأُمور، وصاحبها حكيم ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أَي: الفصل في الخصومات وعلم القضاء، ورُوى عن علي والشَّعبى: أنه البيِّنة على من ادعى واليمين علي من أنكر، ورُوى عن أبي موسى الأشعرى أنه: أمَّا بعد، ويقول الآلوسي: والذي يترجح عندي أنَّ المراد بفصل الخطاب: علم القضاء
стр. 4114
والفصل في الخصومات، وهو يتوقَّف على مزيد علم، ودقَّة فهم وتفهيم، وفيه تمييز بين الحق والباطل، وإيتاء الحقوق أَربابها، وهو العدل الذي هو أساس الملك. ويلائمه أتمَّ ملاءَمة قوله - تعالى - بعد ذلك: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ والله أعلم.
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾.
المفردات:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾: استفهام يراد منه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده.
﴿نَبَأُ﴾: خبر.
﴿الْخَصْمِ﴾: هو في الأصل مصدر خصمه، بمعنى خاصمه أَي: جادله، أو غلبه، ويطلق على المفرد والمثنى والجمع، والمراد به في هذه الآية: الجمع.
﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾: تصعدوا سوره وعلوه لينزلوا إلى داود.
﴿الْمِحْرَابَ﴾ في الأصل: صدر المجلس، ومنه محراب المسجد؛ لأنه في صدره، ويطلق على مكان العبادة.
﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ الفزع: انقباض يعترى الإنسان من الشيء المخيف.
﴿بَغَى بَعْضُنَا﴾: جار وظلم.
﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: ولا تتجاوز العدل وتتخط الحق.
стр. 4115
(وَاهْدِنَا) دُلَّنا وأرشدنا وأرشدنا.
(سَوَاء الصِّراطٍ) وانراد: الطريق السوى، وهو من إضافة الصفة للموصوف.
التفسير
ذكر - سبحانه - في الآيات السابقة أن نبى الله داود كان عبدا لله، قويا في دينه، توابا ورجاعا إلى ربه، وأنه - جل ثناؤه - سخر الجبال معه تسبح في العشى والإشراق وكذلك جمع له الطير كل يقدس الله ويعظمه، وأنه - تعالى - قوى ملكه وأعطاه القول الحق والمنطق الفصل. ثم أتى - عز علاه - بعد ذلك بتلك القصة العجيبة، وساقها في كتابه الكريم المنزل لتدل على أن الكمال المطلق لله وحده، وقدم لها بما يشوق إليها ويجذب إلى الاستماع والإصغاء لها فقال:
٢١ - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾:
أي: وهل جاءك يا محمد: نبأُ هؤلاء الخصماء الذين تسلقوا سور محراب داود وعلوه، ودخلوا عليه وهو متبتل لربه منقطع لعبادة مولاه؟
٢٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾:
فما إن دخلوا عليه حتى خاف وفزع منهم، إذ لم يأتوا البيت من بابه، ولم يمنعهم حراسه وخدمه من الدخول عليه، فظن ﵇ أنهم يريدون به شرا، ويقصدونه بسوءٍ، ولكنهم بادروه وقالوا له: لا تخف منا فما أردنا لك كيدا، ولا أضمرنا لك شرا فشأننا وأمرنا أن أحدنا قد بغى وظلم صاجه، فجئناك ابتغاء أن تحكم بيننا بالحق والعدل، ولا تتجاوز الحد فتحيد في حكمك وتجور في قضائك، ونطلب أن ترشدنا وتدلنا على الصراط المستقيم في تلك القضية التي اختلفنا فيها.
ويبدو أن الذي كلم سيدنا داود وطلب منه الحكم بالعدل والبعد عن الجور والظلم هو ذلك الخصم الذي شعر بمرارة الظلم وفداحته، فأخرجه ذلك مَرْضيِّ القول وجميل النطق.
стр. 4116
وكان نبى الله داود ﵇ في احتمال خطأ الخصوم مثالا، وقدوة حسنة لكل من يحكم بين الناس عن حاكم أو محكم، فلم يبدر منه ﵇ ما يدل على غضبه من القائل أو استهجانه لما يقول.
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾
المفردات
(نعجة): هي أنثى الضأن، وتطلق على المرأة مجازا، لما هي عليه من السكون، والضعف.
(أكفِلْنيِهَا): أي: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي، والمراد ملكنيها، أو اجعلها كِفلى، أي: نصيبى.
(وعَزَّنِي): غلبنى.
(فيِ الخْطَابِ): في المجادلة والمحاجة.
(الْخُلَطَآءٍ): الشركاء.
(فَتَنَّاه): امنحناه وابتليناه.
(فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ): سأَله المغفرة، وهي الصفح.
стр. 4117
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ سقط وهوى ساجدا.
﴿وَأَنَابَ﴾ ورجع إلى الله - تعالى - بالتوبة.
﴿لَزُلْفَى﴾ لَقُربةً ومَكَانَةً.
﴿مَآبٍ﴾ مرجع في الآخرة.
التفسير
٢٣ - ٢٤ ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ .. ﴾ الآية:
في الآية السابقة طوى ذلك المظلوم شكايته وأجملها، وفي هذه الآية بسطها وفصلها فقال: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ اختلف في المراد من قوله: (أخِى) أيريد أخاه في النسب، أم صاحبه وأخاه في الإنسانية أم شريكه وخليطه.
وعقب ذلك بأن سجل على أخيه تجاوزه تلك الأخوة فلم يقنع هذا الأخ بما أفاء الله عليه من نعمة اتسعت وجلت وعظمت حيث كان ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ بل ينفس على أخيه ما لديه من تلك النعمة في أدنى صورها وهي (نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) يريد أن يستأثر لنفسه ويضمها إلى ملكه بعد أن تملكته الأثَرة واستلم لضراوة حب الذات، وصدق رسولنا ﷺ حيث يقول: (لو أن لابن آدم ودايا من ذهب أحب أن يكون له واديان ولا يملأُ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب) طلب صاحب التسع والتسعين من أخيه الذي ليس له إلا واحدة أن ينزل له عنها، وأن يعطيه إياها، وكان صاحب التسع والتسعين أقوى في سوق حجته والإدلاء بها في فطانة وبلاغة فغلب شريكه وأخاه وأفحمه في الجدال والمخاصمة فواساه نبي الله داود ﵇ وسلاه بما جاء في قوله - تعالى -: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ بين نبى الله داود وأكد له أن كثيرا من الشركاء والخلطاءِ يبغى ويظلم بعضهم بعضا ولا ينجو من هذا الخلق الجائر والحيف القاسط إلا الذين آمنوا بربهم وعلموا أنه يحاسبهم
стр. 4118
على أعمالهم ويجازيهم عليها، وهم مع إيمانهم هنا قد عملوا الأعمال المرضية والأفعال الصالحة التي تحفظ عليهم إيمانهم من أن يتسرب إليه وهن، أو يصيبه ضعف، وزيادة في مواساة هذا المظلوم بين له ﵊ أن هؤلاء المؤمنين الصالحين في قلة قليلة ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ أي: ليس شأنك مع خليطك بالأمر الذي لا يماثله أمر، بل أنه جرى على أكثر ما يفعله الخلطاء من غبن وجور. ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ علم داود ﵇ بدلائل لاحت له أن الله قد امتحنه وابتلاه وظهر له أنه فعل أمرا كان أولى به وأجدر ألا يفعله؛ فهو نبي ورسول، فطلب من الله أن يغفر ذنبه ويصفح عنه وهوى ساجدًا وخاشعًا لعظمة ربه معترفًا بذنبه منيبًا لبارئه وخالقه ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ فقبل الله منه ﵇ توبته وإن له عند ربه لمنزلة ومكانة يزلفه بها ويدنيه من رحمته، وإن له مآبا حسنًا ومرجعًا كريما في الآخرة عند مليك مقتدر.
وقد مضت الآيات السابقة دون ما إشارة إلى الذنب الذي وقع فيه داود فاستغفر ربه منه، وقد كثر الكلام حول هذا الموضوع، وتعددت الآثار الواردة فيه، ومنها:
ما قيل من أن نبي الله داود رأى امرأة أحد جنوده فوقعت من نفسه فأرسل إلى قائده أن يقع هذا الجندي على التابوت، وكان من يقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ففتح الله على يدي هذا الجندى وسلم من القتل فرده مرة أخرى وثالثة حتى قتل، فم يحزن عليه، وتزوج امرأته.
وهذه الرواية عليها مسحة اليهود النين دأبوا على النيل من الأنبياء والحط من شأْنهم فإن ما ينسب إلى نبى الله داود يقبح أن ينسب إلى بعض المعروفين بالصلاح من آحاد الناس وعامتهم، فكيف يسوغ أن ينسب إلى أحد الأَنبياء كداود ﵇ فعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه - قال: "من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة" وهو حد القذف في حق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما روى أنه حُدِّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة
стр. 4119
على ما في كتاب الله فالتماس خلافها كذب واختلاق، فقال عمر ﵁: لَسَمَاعى هذا الكلام أحبُّ إلي مما طلعت عليه الشمس.
وقيل: أن نبى الله داود خطب على خِطْبة أخيه فآثره أولياءُ المرأة على الآخر، وكان ذلك جائزا في شرعه، وهذا أيضًا غير لانق بإنسان صاحب مروءَة فما بالك بالأنبياء صلى الله عليهم وسلم -؟.
وقيل: إن داود ﵇ احتجب عن رعيته متبتلا منقطعا لعبادة ربه فعوتب في ذلك لأنه ترك أمر رعيته دون القيام على شأْنهم.
قال الإِمام ابن عباس ﵄: إن داود ﵇ جزأ زمانه أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بخواص أموره، ويومًا يجمع فيه بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم، ففاجئوه في غير يوم القضاء ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه.
وقيل: إن داود ﵇ تعجل ورمى بالظلم ذلك الذي سأل نعجة أخيه إلى نعاجه دون تثبت أو شهادة شهود، ودون أن يسمع قول المدعى عليه.
ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله - تعالى - عقبها وصية لداود ﵇: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ونحن نرى صحة هذا الرأى. والله أعلم.
وقد التزم المحققون من أئمتنا أن الأنبياء ﵊ داود وغيره منزهون عن الوقوع في صغائر الذنوب مبرأون من ذلك، والتمسوا المحامل الصحيحة لأمثال هذه القصة، كالذى قيل في الرأى الأخير أو الذي قبله.
وهذا هو الحق الأبلج والسبيل المستقيم .. وما ذهب إليه هؤلاء المحققون من الأئمة ﵃ هو ما تطمئن إليه القلوب وتنشرح له الصدور، لأن أقصى ما يتصور حدوثه من الأنبياء هو أن يفعلوا خلاف الأولى بمقامهم - عليهم الصلاة والسلام.
стр. 4120
﴿دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾
المفردات:
﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾: استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة لمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق.
﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طريق الله الحق وصراطه المستقيم.
﴿نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾: من النسيان، وهو إما أن يكون ضد الذكر والحفظ، أو يكون بمعنى الترك العمد.
التفسير
٢٦ - ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ … الآية:
نبه الله نبيه داود ﵇ إلى شرف مسئوليته وخطر وعظم رسالته فقال له: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: إنا أقمناك خليفة عنا في الأرض، أو جعلناك خليفة فيها لمن كان قبلك من الأنبياء والرسل تسوس وترعى عباد الله فيها، وتبلغهم ما أنزل إليك من ربك وتقوم على شأنهم، فاقض بينهم بالحق والعدل ولا تمل أو تحد عن ذلك فتتبع هوى نفسك، فإن اتباع الهوى والميل إلى شهوة النفس يبعدك عن طريق الله السوى وسبيله المستقيم.
وللتنبيه على شناعة الضلال عن سبيل الله وتناهيه في القبح قال له عقب ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.
стр. 4121
أي: أن الدين يزلون عن السبيل الحق وصراطه ويعدلون عنه لهم عذاب شديد الإيلام؛ لأنهم نسوا يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة، فعصوا الله وتركوا طاعته فكان لهم هذا العذاب الأليم والعقاب الشديد.
هذا، وتوجيه الله - تعالى - أنبياءه ورسله بالأمر والنهي والإرشاد والنصح لا يقدح أبدا في عصمتهم ولا ينال من رسالتهم، فإن النبوة والرسالة لا تنافى دوام التذكير من الله - تعالى -.
ثم بين - سبحانه - أن الحساب والجزاء حق وعدل ونظام يقوم عليه أمر الدنيا وصلاحها واستقامة حالها فقال:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
المفردات
(بَاطِلًا) عبثا ولعبا دون حكمة.
(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) أي: فعذاب يأْتيهم من النار.
(كَالْفُجَّارِ): جمع فاجر، وهو من ينبعث وينطلق في المعاصي.
التفسير
٢٧ - (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) أي: أنشأْنا السماء والأرض وما فيهما من مخلوقات لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله - ما خلقنا ذلك - خلقًا باطلا خاليا
стр. 4122
من الغرض الصحيح والحكمة البالغة، ولكن خلقناها جميعًا للحق المبين، وذلك بأن أنشأْنا فيها نفوسا وأودعناها العقل والتمييز، ومنحناها التمكين، وأبعدنا عنها العلل، وعرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف بعد أن أرسلنا إليها الرسل حتى لا تكون لهم حجة على الله، وأعددنا لها عاقبة وجزاء، حسب أعمالها. ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: خلقها باطلا وعبثا هو ما يظنه هؤلاء الكفار. في حين أنهم يقرون ويعترفون أن الله هو خالق السموات والأرض مصداقًا لقوله - تعالى -: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لأن إنكارهم البعث والثواب والعقاب يؤدى إلى أنهما خلقت عبثًا، وأن هذا الخلق قد خلا من الحكمة، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفَّه الخالق وظهر منه أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، فكأنه غير مقر بذلك ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي: فعذاب شديد وهلاك يأتيهم من قبل النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت لهم بسبب كفرهم.
٢٨ - ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾:
بعد أن قرر - جل شأنه - أمر البعث والحساب بما مر من نفي خلق العالم عبثًا انتقل - سبحانه - إلى تقرير ذلك وتحقيقه بإنكار التسوية بين الصالحين والمفسدين، أي: بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة الذين يعيشون في الأرض فسادا؟ أنقصر وجودهم جميعًا على الحياة الدنيا دون بعث أو حساب؟ إن التسوية بينهما تنافى الحكمة وتخالف العدل .... فيتعين إذًا البعث، والجزاء لرفع المصلحين إلى الدرجات العلى ورد المفسدين المضلين إلى الدركات السفلى في جهنم وساءَت مصيرا.
ثم جاء قوله - تعالى -: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ انتقالا إلى ما هو أظهر وأوضح في استحالة التسوية بين الفريقين المذكورين، أي: بل أنجعل المتقين كأولئك الذين انبعثوا وانطلقوا في المعاصي لا يردهم وازع من نفوسهم ولا خوف من ربهم؟ أيسوى الله بينهم دون جزاء حسن لمن اتقى، وعذاب مقيم لمن كفر وفجر، إن التسوية بين الفريقين أمر تأْباه الحكمة وينافى العدل. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
٢٩ - ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
أي: هذا القرآن الكريم كتاب أنزلناه إليك كثير الخير عظيم المنافع الدينية
стр. 4123
والدنيوية لا تنفك عنه البركة ولا يزايله الخير، أنزلناه إليك ليتفكر هؤُلاء وغيرهم في آياته، وما تشتمل عليه من أمر ونهي، وإرشاد وهداية، وقصص حق، ووعد ووعيد إنهم لو تدبروا لوقفوا على ما فيها من المعانى الفائقة، والتأويلات اللائقة، والدلالات الواضحة، ويتعظ ذوو العقول الزاكية الخالصة من شوائب الزيغ والضلال.
فلو تفكر هؤلاء وتذكروا أو استحضروا ما هو مغروس في فطرهم لعلموا أن البعث والحساب والجزاء حق، ولكنهم غفلوا وعموا وصموا.
وفي الآية تعريض بأن هؤلاء الكفرة ليسوا من أهل التدبير ولا من أهل العقول.
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾
المفرادات:
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾: أعطيناه ومنحناه إياه.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: كلمة ﴿نِعْمَ﴾ تدل على المدح والثناء.
﴿أَوَّابٌ﴾: رجَّاع، أي: كثير الرجوج بالتوبة إلى الله، أو كثير الرجوع إلى تسبيح الله.
﴿بِالْعَشِيِّ﴾ العشي: من زوال الشمس عن كبد السماء إلى آخر النهار، وقيل إلى آخر الليل.
стр. 4124
﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع صافن، وهو الذي يرفع إحدى يديه ويقف على مقدم حافرها، وقيل: هو الذي يجمع ببن يديه ويسويهما.
﴿الْجِيَادُ﴾: جمع جواد، وهو الذي يسرع في مشيه إسراعا جيدا.
﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: حب الخيل، لقوله ﷺ : "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾: فجعل يمسح مسحا.
التفسير
٣٠ - ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ … ﴾:
تشير هذه الآية إلى قصة سليمان بن داود ﵇.
ومعنى الآية: وأعطينا داود ابنه سليمان وورثناه إياه، وكان سليمان حقيقًا بتلك المنزلة وجديرا بهذه الوراثة المباركة، فقد أثنى عليه ربه فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، فوصَفَةُ بالْعُبُودِيَّة، والعبودية من أشرف الصفات وأسمى النعوت، فقد نعت بها سيد الخلق رسولنا ﷺ قال - تعالى -: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (١)، وقال ﷺ "أفلا أكون عبدًا شكورًا" كما وصف سيلمان بأنه ﵇ كان كثير الرجوع إلى ربه يتوب إليه ممَّا عساه أن يكون قد بدر منه من فعل غير الأولى، أو أنه كان يكثر الرجوع إلى تسبيح الله وتنزيهه.
٣١ - ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾:
أي: اذكر يا محمد ما كان من أمر سلمان في استعراضه الخيل في منتصف النهار، تلك الخيل التي وصفت بالصفون والجودة فجمعت بين وصفين محمودين، فإذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في موقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها.
стр. 4125
وقد عرضت على سليمان ﵇ ليعلم ويقف على مدى قدرتها وقوتها وحسن تدريبها على خوض المعارك التي يتطلبها صاحب رسالة وملك، فيغزو بها أعداءه ويؤمن حدوده ويبعث الرعب في قلوب من تحدثهم أنفسهم أن يعتدوا على ملكه.
٣٢ - ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أي: فقال: إني آثرت حب الخير بسبب ما هو مذكور ومسطر في كتاب ربِّي وهو التوراة من مدح ربط الخيل وإمساكها على الثغور والحدود في مواجهة الأعداء فذكر ﵇ أنه لا يحبها لأجل زينة الدنيا وزخرفها ونصيب النفس وحظها وشهواتها، وإنما أحبها لأمر الله - تعالى - وإعزاز دينه.
﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي: حتى غابت عن بصره ﵇.
٣٣ - ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾:
أمر سليمان ﵇ الرائضين للخيل والقائمين على شأنها أن يردوها ويعيدوها إليه، فلما عدت جعل يمسح سوقها وأعناقها تشريفًا وإعزازًا لها وشفقة عليها وإظهارًا لمكانتها، إذ هي من أعظم ما يساعد المجاهد ويعاونه في دفع عدوه والانتصار عليه، وقد أبدى ﵇ كمال التواضع في مباشرة ذلك الأمر بنفسه. وهكذا يضرب الأنبياء الأمثال لأقوامهم وأتباعم ليتأَسوا بهم.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾
المفردات:
﴿فَتَنَّا﴾: ابتلينا وامتحنا.
﴿جَسَدًا﴾: جسد إنسان.
﴿أَنَابَ﴾: رجع إلى ربه.
стр. 4126
التفسير
٣٤ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ … ﴾ الآية:
خير ما ورد في تفسير هذه القصة ما قاله رسولنا محمد ﷺ حيث قال: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأْتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة جاءت بشقِّ رجل، والذي نفس محمَّد بيده لوقال: إن شاءَ الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" فكانت هذه فتنة سليمان إذ أنه لم يقل: إن شاء الله. وهذا هو الصحيح الذي جاء به الصادق المصدوق ﵊: أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة.
أما ما ورد من أنه ولد له ابن فقالت الجن والشياطين: أن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء، فأشفق سليمان ﵇ منهم، فجعل ابنه وظئره (حاضنته) في السحاب من حيث لا يعلمون فلم يشعر إلا وقد ألقى هذا الابن علي كرسيه ميتا، تنبيها إلى أن الحذر لا ينجى من القدر، وعوقب على ترك التوكل على الله، فهذا خبر غير موثوق به ولا تطمئن إليه النفس؛ لأن تسخير الريح كان بعد الفتنة.
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾:
أي: وقدم هذا الشق إلى سليمان وطرح على كرسيه فألقى الله في روعه وقذف في قلبه أنه قد فتن وامتحن وابتلى ووقف على سبب ذلك فكان أن أناب إلى الله ورجع إلى ربه تائبا مستغفرا عن هذه الزلة التي فرطت منه، وهي أنه قد نسى أن يتجه إلى ربه في منحه تلك الذرية التي تعينه على الجهاد في سبيل الله "بأن يقول: إن شاء الله".
وجاء العطف (بثم) في قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ التي تدل على التراخي والبعد لأنه لم يقع الاستغفار عقب حدوث الزلة، فإن سليمان ﵇ لم يعلم الداعى إلى الاستغفار والإنابة عقب ما وقع منه من ترك قوله: إن شاء الله إلا بعد أن وضعت له إحدى نسائه شق رجل، وكان بين طوافه على نسائه وتركه ذكر المشيئة وبين إلقاء الشق على كرسيه زمن طويل، فناسب أن يعطف بثم، وهذا بخلاف قصة - داود ﵇
стр. 4127
فقد جاء العطف فيها بالفاء التي تدل على الفورية وسرعة المبادرة؛ لأنه علم أن الله قد فتنه وابتلاه، ومن فور علمه استغفر وأناب لأن اللائق في هذا المقام المسارعة إلى الإنابة.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
المفردات:
﴿لَا يَنْبَغِي﴾ لا يتيسر.
﴿مِنْ بَعْدِي﴾: من دونى.
التفسير
بين - سبحانه - إنابة سليمان ورجوعه إلى ربه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ دعا سليمان ربه أن يغفر له ويصفح عنه ولا يعاقبه أو يحاسبه على ما بدر منه من ترك ما هو أولى به أن يفعله، وقدم ﵇ الاستغفار - وإن كان مقصودًا لذاته - ليكون وسيلة إلى طلب الملك، فمن كمال العبودية أن يقدم الإنسان الاعتراف بالذنب والاستغفار منه ليمحى أثره ويكون دعاؤه أرجى للقبول، ثم طلب ﵇ من ربه أن يمنحه ملكا عظيما لا يدانيه ملك أحد غيره، ولا يسلب منه ويعطى لسواه، وقد طلب سليمان ذلك عن ربه واستوهبه إياه، لتكون استجابة الله له أمارة على قبول إنابته وعلامة على غفران الله ما تركه من النطق بقوله: إن شاءَ الله عندما أحب أن تأتى نساؤه بفرسان يجاهدون في سبيل الله كما مر بيانه.
وقيل: إن سليمان ﵇ لم يطلب من ربه هذا الطلب إلا بعد أن أمره الله بطلبه لأنه - سبحانه - علم أنه لا يستطيع أن يضطلع بهذا الملك ويقوم على تصريف
стр. 4128
أمره وسياسته وتدبير شأنه أحد غير سليمان، فكان أن امتثل سليمان وطلبه من ربه فاستجاب له ومنحه إياه.
وجاء قوله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ اعترافا مؤكدا من سليمان بأن الله - جل علاه - هو وحده صاحب العطاء الواسع الكثير وليس ذلك لأحد سواه.
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾
المفردات:
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾: فذللناها ويسرناها له.
﴿رُخَاءً﴾: لينَة طيبة لا تتزعزع ولا تضطرب، وقيل: طيعة له لا تمتنع عليه.
﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث قصد وأراد.
﴿الْأَصْفَادِ﴾: جمع صفد، وهو ما يُوثق به الأسير من قيد أو غل.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾: مجموعين في قيد واحد يضمهم.
﴿فَامْنُنْ﴾: فانعم على من شئت.
﴿أَمْسِكْ﴾: احبس وامنع من شئت.
التفسير
٣٦ - ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾:
في هذه الآية الكريمة دلالة على أنه - سبحانه - استجاب لسليمان فور الفراغ من
стр. 4129
دعائه فجاء قوله - تعالى -: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ بالفاء التي تدل على الترتيب والتعقيب، أي أن الله - تعالى - ذلل ويسر له الريح فور دعائه تطيع أمره ولا تتأبى عليه فتسير وتجرى بأمره حيث يريد ويقصد سيرا لينا لا اضطراب فيه ولا اهتزاز وذلك مع شدة سرعتها، وعصفها في جريها، ففد جمع الله له فيها بين اللين وسرعة الجرح، وهما لا يجتمعان غالبا؛ لأن السير الشديد يكون معه الاضطراب والتزعزع عادة.
٣٧، ٣٨ - ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾:
وسخر الله له الشياطين وهم مردة الجن وعتاتهم سخر له بعضهم في أعماله، فبنوا له ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وسخر له بعضا آخر يغوص في البحار يجلبون له ما استتر فيها من كريم ما تحتويه من اللؤلؤ والمرجان، وسلطه الله على من يرى أنه مدمِّر ومؤذ فقرن وجمع بعضهم ببعض في أصفاد وقيود، أو أحكم قيد كل واحد منهم على حدة اتقاءَ شرهم ومنعا لضررهم.
٣٩ - ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
وقال له ربه - عقب تسخير الشياطين له تفضلا عليه -: هذا عطاؤنا ومنحتنا إليك أطلقنا فيه يديك، فامنح من شئت وامنع من أردت، فلا نسألك عن ذلك ولا نحاسبك عليه، أنت في خيار من أمر هؤلاء الشياطين فأمسك من شئت في خدمتك، وقيد من أردت من المردة في أصفادك، وأطلق سراح من تحب، فلا عتاب ولا تثريب عليك، يقول الله ذلك وهو يعلم حسن تصرفه فيما فوضه إليه.
٤٠ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾:
أي: وإن لسليمان عندنا لقربى، وكرامة عظيمة مع ما أنعمنا به عليه من الملك العظيم، وله حسن مرجع ومأوى في الجنة، فله عز الدنيا وسعادة الآخرة؛ لاستحقاقه ذلك عند ربه.
стр. 4130
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
المفردات:
﴿بِنُصْبٍ﴾: بمشقة وتعب.
﴿وَعَذَابٍ﴾: وضر وألم.
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ الركض: الدفع القوي، أي: ادفع واضرب برجلك الأرض ضريا شديدا قويا.
﴿وَذِكْرَى﴾: وتنبيها وتذكيرا.
﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: لأصحاب العقول الرشيدة.
﴿ضِغْثًا﴾: حزمة من حشيش أو نحوه.
﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ الحنث: الخلف في الحلف وعدم الوفاء به.
التفسير
٤١ - ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾:
أي: واذكر - يا محمد - قصة أيوب وابتلاء الله له بالمرض والمشقة والألم، ليكون ﵇ مثالا كريما يحتذيه ويتأسى به كل من تصيبه مصيبة في نفسه أو ولده أو ماله لينال جزاء الصابرين الذين وعدهم الله بالجزاء العظيم بقوله - تعالى -: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ
стр. 4131
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
أو اذكر قصته ﵇ في نفسك لتكون عونا لك على الصبر على مما تلاقيه وتكابده من هؤلاء الضالين المعاندين المشركين - اذكر - أن الشيطان قد وسوس له ليثنيه عن يقينه وينال من طمأنينة قلبه بما يلح في الوسوسة ودعوة أيوب إلى القنوط واليأس من رحمة وبه، وكان هذا الأمر قاسيا وشديدا على أيوب مع مرضه وعلته، فضلا عن تسلط الشيطان على أتباعه حتى فتن بعضهم في دينه، ورده إلى الكفر بعد أن غرس في نفوسهم أن الأنبياء لا يبتلون ولا يمرضون، وأن أيوب ما دام قد أصابه المرض ومسه الضر فليس بني ولا رسول، كما تسلط ذلك اللعين على آخرين حتى قالوا: ما ابتلى الله أيوب إلا لذنب أصاب أو جريمة اقترف، فكان أيوب يعاني من مشقة تسلط الشيطان عليه بالوسوسة بالقنوط من رحمة الله، كما يعاني ويتألم لفتنة أتباعه وتفرقهم عنه وتشككهم في رسالته.
وكان أيوب ﵇ في قمة الأدب مع ربه فجاء هنا حكاية عنه قوله - تعالى -: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ وجاء فى سورة الأنبياء قوله - تعالى - ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٢) فلم يزد ﵇ أن نادى ربه وبسط شكاته فحسب، وفوض أمره إلى ربه راضيا بما يقضيه فيه، وما يقَدَّر عليه، فلطف به - سبحانه - واستجاب إلى ما تتوق إليه نفسه ويطمئن به قلبه من أن يذهب مرضه الذي أتعبه ونال من جسمه وحط من قوته، وأن يصرف الشيطان عنه وإن كان لا ينال من عقيدة الأنبياء ولا من عباد الله الصالحين.
٤٢ - ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾:
أمره - تعالى - أن يضرب الأرض برجله ضربا قويا بقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فامتثل وضربها فنبعت عين، فقال له - سبحانه -: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ فاغتسل ﵇ فذهب سقمه وصح بدنه وشرب فأطفأَ ظمأَه.
стр. 4132
٤٣ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾:
وبعد أن اكتملت له العافية من الله عليه وهب له ما كان قد تفرق عنه من ولده، وبارك له فيهم فضاعفهم له وأعطاه كثير المال وجليل الخير، وكل ذلك كان من رحمة الله وفضله عليه إذ سلط الله عليه البلاء فصبر، ثم أزال عنه ما نزل به ووصله بالآلاء والنعماء، وذلك تنبيها لذوى العقول الرشيدة والبصائر النافذة والقلوب السليمة على أن من صبر ظفر ونال الجزاء الحسن.
٤٤ - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
أبطأت امرأة أيوب ﵇ وهو في مسيس الحاجة إليها، فقد أنهكته العلة وقعد به المرض وألح عليه الشيطان في نفسه وتابعيه، فأَقسم إن شفاه الله وأبرأه ليضربنَّها مائة جلدة، وكان البرْءُ والشفاء والمنة العظيمة بالعافية والرضا من ربه، فكيف يضربها وهي التي رافقته في رحلة مرضه وقاست ما قاست من حزنها عليه، واعتصار قلبها لما كان يكابده من العلة وعانت من تفرق الولد والأهل وذهاب المال، وأيوب ﵇ يعرف لها ما قامت به نحوه وما عانت من أجله، ولهذا كان يود ويرجو مخرجا من هذه اليمين التي التزم أمام ربه أن يبر ولا يحنث فيها، فكان أن جعل الله له مخرجا منه يرضى ربه ولا يضر زوجه، فقال له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ أمره ﷻ أن يتحلل من قسمه بأهون شيءٍ عليه وعليها، وذلك بأن يعمد إلى حزمة من حشيش أو ريحان أو نحوهما تضم مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، ويكون بذلك قد وفى بقسمه ولم يؤْذ زوجه الوفية له في مرضه.
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾:
стр. 4133
إنا علمنا أيوب صابرا محتسبا حابسا نفسه على إرادة ربه، لم يستطع الشيطان أن يزعزع ثقته بربه أو يقلل من اعتماده عليه - سبحانه.
وقد يقال: كيف يوصف أيوب بالصبر وقد شكا؟
والجواب: أن أيوب شكا إلى الله ولم يشك لأحد سواه، وأن أيوب لجأ إلى الحبيب من العدو، فضلا على أن الشكوى إلى الله ليست منقصة ولا نزولا بالهمة، فإن الله - سبحانه - يحب أن يُدعى ويُسأَل، ونبى الله يعقوب خاطب ربه وشكا إليه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وهذا لا يقدح في الصبر.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾: أيوب فقد تناهى في الكمالات وتسامى في الدرجات ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي: إنه رجاع إلى ربه منيب إليه، لسانه رطب بذكره، وقلبه عامر بالتفكر فيه والتعظيم له والخوف منه.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾
للمفردات:
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أصحاب الأعمال العظيمة في طاعة الله.
﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ أي: والبصائر النافذة في معرفته.
﴿أَخْلَصْنَاهُمْ﴾: جعلناهم خالصين.
стр. 4134
﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بخصلة وصفة خالصة لا شوب فيها ولا كدورة هي:
﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: تذكر الدار الآخرة، أو التذكير بها، أو الثناء الجميل عليه في الدنيا.
﴿الْمُصْطَفَيْنَ﴾: جمع مصطفى، وهو المختار من بنى جنسه.
التفسير
٤٥ - ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾:
أضافهم إليه - سبحانه - بالعبودية - فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ وذلك تشريف لهم وإعلاءٌ لشأْنهم.
واذكر أيها - الرسول - لقومك أو تذكر أنت إبراهيم وإسحاق ويعقوب - اذكر هؤلاء.
﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ أي: أصحاب الأعمال الطيبة والبصائر النيرة، فقد استعمل - سبحانه - حواسهم في طاعته: فألسنتهم رطبة بذكره، وجوارحهم مشغولة بعبادته، فكان الله سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وذلك مع أفئدة بصيرة، وعقول رشيدة، وقلوب سليمة يملؤُها ويعمرها التفكير في الله فقد جمع الله لهم كمال العمل له، مع عظيم معرفته.
وجاء التعبير عن الأعمال الظاهرة بالأيدى؛ لأن أكثر الأعمال تباشر بها فيقال: هذا مما عملت أيديهم، أو هذا ما قدمت يداه، وإن كان هذا العمل لا يتأتى فيه الباشرة بالأيدى.
٤٦ - ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾:
أي: إن الله قد أخلصهم له ونقاهم من كل شوب وكدورة تنال من مكانتهم، وجملهم بتلك الخصلة الطيبة والخلة الحسنة، وهي تذكرهم الدار الآخرة، يعملون لها ويسعون من أجلها، وكان نصيبهم من الدنيا هو عمل الخير وخير العمل الذي يقدمون به على ربهم،
стр. 4135
ويقبلون بصحبته إلى مولاهم، أو أخلصهم وميزهم بتذكرهم الدار الآخرة، أو أنه - تعالى - أبقى لهم الثناء الحميد في الدنيا، وتقبل دعاء إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١).
أو أنهم يذكِّرون الناس بالآخرة ويحثونهم على التجافى عن الدنيا والبعد عن الإغراق في طلبها.
٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾:
أي: وإن هؤلاء الأنبياء ﵈ عند الله لمن الذين اجتباهم واختارهم - سبحانه - فكانوا من صفوة وخيار رسله وأفضل أنبيائه.
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾
المفردات:
﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾: شرف عظيم وذكر جميل يذكرون به دائمًا.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: بساتين إقامة دائمة.
﴿مُتَّكِئِينَ﴾: مسندين ظهورهم أو جنوبهم إلى شيء معتمدين عليه في حال قعودهم.